خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلاً، وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (آل عمران: من الآية ٣٠).
ومحاسبة النفس نوعان: نوع من قبل العلم ونوع بعده:
أما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همّه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانهُ على تركه.
قال الحسن ﵀: " رحم الله عبداً وقف عند همه، فإن كان لله أمضاه، وإن كان لغيره تأخر "
وشرح بعضهم هذا فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال، وهمّ به العبد، وقف أولاً ونظر: هل ذلك العلم مقدور عليه، أو غير مقدور، ولا مستطاع، فإن لم يكن مقدور لم يقدم عليه، وإن كان مقدوراً عليه وقف وقفة أخرى، ونظر: هل فعلهُ خير له من تركه، أم تركه خير له من فعله، فإن كان الثانى تركه ولم يقدم عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة: هل الباعث عليه إرادة وجه الله وثوابه، أم إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق، فإن كان الثانى لم يقدم، وإن أفضى به إلى مطلوبه، لئلا تعتاد النفس الشرك، ويخف عليها العمل لغير الله، فبقرد ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى حتى يصير أثقل شىء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى: ونظر هل هو معان عليه وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاج إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه كما أمسك النبى ﷺ عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده معاناً عليه فليقدم عليه فإنه منصور بإذن الله، ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها
стр. 72
لا يفوته النجاح، فهذه أربعة مقامات يحتاج العبد إلى محاسبة نفسه عليها قبل العمل.
والنوع الثانى: محاسبة النفس بعد العمل وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى، فلم توقعها على الوجه الذى ينبغى وحق الله فى الطاعة ستةأمور هى:: الإخلاص فى العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول ﷺ ، وشهود مشهد الإحسان، وشهود منة الله عليه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله، فيحاسب نفسه هل وفى هذه المقامات حقها؟ وهل اتى بها فى هذه الطاعة؟.
الثانى: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيراً له من فعله.
الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح لم فعله، وهل أراد به الله تعالى والدار الآخرة فيكون رابحاً، أو أراد به الدنيا وعاجلها، فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به.
وآخر ما عليه الإهمال، وترك المحاسبة، والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور، يغمض الواحد عينيه عن العواقب ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر فى العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنس بها وعسر عليه فطامها.
وجماعُ ذلك أن يحاسب نفسه أولاً على الفرائض فإن تذكر فيها نقصاً تداركه إما بقضاء أو إصلاح، ثم يحاسبها على المناهى فإن عرف أنه ارتكب منها شيئاً تداركه بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خُلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى، ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشت به رجلاه، أو بطشت يداه،
стр. 73
أو سمعته أذناه، ماذا أردت بهذا، ولم فعلتُه؟ ولمن فعلته، وعلى أى وجه فعلته، ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة ديوانان: لمن فعلته؟ وكيف فعلتَه؟ فالأول: سؤال عن الإخلاص، والثانى: سؤال عن المتابعة، قال الله تعالى: ﴿ليسأل الصادقين عن صدقهم﴾ (الأحزاب: من الآية ٨).
فإذا سئُل الصادقون عن صدقهم، وحوسبوا على صدقهم، فما الظن بالكاذبين.
فوائد محاسبة النفس
١ - الاطلاع على عيوب نفسه: ومن لم يطلع على عيوب نفسه لم يمكنه إزالتها، قال يونس بن عبيد: " إنى لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن فى نفسى منها واحدة ".
وقال محمد بن واسع: لو كان للذنوب ريحٌ ما قدر أحد أن يجلس إلىّ.
وعن أبى الدرداء قال: " لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس فى جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون أشد لها مقتاً ".
٣ - أن يعرف حق الله تعالى عليه، فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزراء عليها ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والإنكسار بين يدى ربه، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، فإن من حقه أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا يُنسى وأن يُشكر فلا يُكفر.
стр. 74
٨ - الصبر والشكر
فلما كان الإيمان نصفين فنصف صبر ونصف شكر، كان حقيقاً على من نصح نفسه وأحب نجاتها وآثر سعادتنها أن لايهمل هذين الأصلين العظيمين، وأن يجعل سيره إلى الله فى هذين الطريقين القاصدين، ليجعله الله يوم القيامة مع خير الفريقين.
أ - الصبر
فضائله:
أن الله سبحانه جعل الصبر جواداً لايكبو، وصارماً لاينبو، وجنداً غالباً لايهزم، وحصناً حصيناً لايهدم، فهو والنصر أخوان شقيقان، وقد مدح الله فى كتابه الصابرين، وأخبر أنه يؤتيهم أجرهم بغير حساب، وأخبر أنه معهم بهدايته ونصره العزيز، وفتحه المبين، فقال تعالى: ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: من الآية ٤٦)
فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة، ففازوا بها ينعمه الباطنة والظاهرة، وجعل سبحانه الإمامة فى الدين منوطة بالصبر واليقين فقال تعالى - وبقوله اهتدى المهتدون:: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: الآية ٢٤)
وأخبر تعالى أن الصبر خيرٌ لأهله مؤكداً باليمين، فقال تعالى: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ (النحل: من الآية ١٢٦)
وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيدٌ العدو ولو كان ذا تسليط،
стр. 75
فقال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: من الآية ١٢٠)
وعلق الفلاح بالصبر والتقوى، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: الآية ٢٠٠)
وأخبر عن محبته لأهله، وفى ذلك أعظم ترغيب للراغبين، فقال تعالى: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: من الآية ١٤٦)
وبشّر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه أهل الدنيا يتحاسدون: فقال تعالى:: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: من الآية ١٥٥ والآية ١٥٦، ١٥٧)
وجعل الفوز بالجنة، والنجاة من النار، لايحظى به إلا الصابرون، فقال :: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (المؤمنون: الآية ١١١)
وخص فى الانتفاع بآياته أهل الصبر، وأهل الشكر، تمييزاً لهم بهذا الحظ الموفور، فقال فى أربع آيات من كتابه جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (من الآيات: إبراهيم: ٥، لقمان ٣١، سبأ ١٩، الشورى ٣٣)
والصبر آخية المؤمن التى يجول ثم يرجع إليها، وساقُ إيمانه التى لا اعتماد له إلا عليها، فلا إيمان لمن لا صبر له، وإن كان فإيمان قليل فى غاية الضعف، وصاحبه ممن يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ولم يحظ منها إلا بالصفقة
стр. 76
الخاسرة، فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم، وترقوا إلى أعلى المنازل بشكرهم فساروا بين جناحى الصبر والشكر إلى جنات النعيم، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الحديد: من الآية ٢١)
стр. 77
معنى الصبر وحقيقتة
الصبر لغة: هو المنع والحبس، وشرعاً فهو حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكى، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب، ونحوهما.
وقيل: هو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التى بها صلاح شأنها وقوام أمرها.
سئل عنه الجنيد فقال: " تجرع المرارة من غير تعبس ".
وقال ذو النون المصرى: " هو التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غُصص البلية، وإظهار الغنى مع الحلول الفقر بساحات المعيشة ".
وقيل: " الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب ".
وقيل: " هو الغنى فى البلوى بلا ظهور شكوى ".
ورأى أحد الصالحين رجلاً يشتكى إلى أخيه فقال له: ياهذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك.
وقيل فى ذلك:
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكى الرحيم إلى الذى لايرحمُ
والشكوى نوعان: شكوى إلى الله وهذه لا تنافى الصبر، كقول يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ (يوسف: من الآية ٨٦)
стр. 78
مع قوله: ﴿فَصَبْرٌجَمِيلٌ﴾ (يوسف: من الآية ٨٣)
والنوع الثانى: شكوى المبتلى بلسان الحال أوالمقال، فهذه لاتجامع الصبر بل تضاده وتبطله.
وساحة العافية أوسع للعبد من ساحة الصبر، ولا يناقض هذا قوله ﷺ : وما أعطا أحد عطاءاً خيراً وأوسع من الصبر "، فإن هذا بعد نزول البلاء فساحة الصبر أوسع الساحات، أما قبل نزوله فساحة العافية أوسع.
والنفس مطية العبد التى يسير عليها إلى الجنة أو النار، والصبر لها بمنزلة الخطام والزمام للمطية، فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت فى كل مذهب، وحفظ من خطب الحجاج: " إقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء، فرحم الله امرءاً جعل لنفسه خطاماً وزماماً فقادها بخاطمها إلى طاعة الله، وصرفها بزمامها عن معاصى الله، فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه.
والنفس لها قوتان: قوة الإقدام وقوة الإحجام، .. فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكا عما يضره، ومن الناس من يصبر على قيام الليل ومشقة الصيام، ولا يصبر على نظرة محرمة، ومنهم من يصبر على النظر والإلتفات إلى الصور، ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد.
وقيل: الصبر شجاعة النفس، ومن ها هنا أخذ القائل قوله: " الشجاعة صبر ساعة "، والصبر والجزع ضدان، كما أخبر عن أهل النار: ﴿سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ (إبراهيم: من الآية ٢١)
стр. 79
أقسام الصبر باعتبار متعلقه
والصبر باعتبار متعلقة ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر عن المناهى والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبرعلى الأقضية حتى لايتسخطها، وهذه الأقسام هى التى قيل فيها:
" لابد للعبد من أمر يفعله، ونهى يجتنبه، وقدر يصبر عليه ".
والصبر أيضاً نوعان: اختيارى واضطرارى، والاختيارى أكمل من الاضطرارى، فإن الاضطرارى يشترك فيه الناس ويتأنى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختيارى ولذلك كان صبر يوسف ﵇ عن مطاوعة امرأة العزيز أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه فى الجب.
فالإنسان لا يستغنى عن الصبر فى حال من الأحوال لأنه يتقلب بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه، ونهى يجب عليه اجتنابه وتركه، وقدر يجرى عليه اتفاقا، ونعمة يجب شكر المنعم بها عليه وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه، فالصبر لازم له إلى الممات.
وكل ما يلقى العبد فى هذه الدار لايخلو من نوعين:
أحدهما: يوافق هواه ومراده.
والآخر: يخالفه، وهو محتاج إلى الصبر فى كل منهما، أما النوع الموافق لغرضه كالصحة، والجاه، والمال، فهو أحوج شىء إلى الصبر فيها من وجوه:
أحدهما: أن لايركن إليها، ولا يغتر بها، ولا تحمله على البطر، والفرح
стр. 80
المذموم الذى لايحب الله أهله.
والثانى: أن لا ينهمك فى نيلها.
والثالث: أن يصبر على أداء حق الله فيها.
والرابع: أن يصبر عن صرفها من الحرام، قال بعض السلف: " البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر، ولا يصبر على العافية إلا الصديقون ".
وقال عبد الرحمن بن عوف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر!!، ولذلك يحذر الله عباده من فتنة المال، والأزواج والأولاد. فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (المنافقون: من الآية ٩)
أما النوع الثانى المخالف للهوى: فلا يخلو إما أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصى، أو لا يرتبط أوله باختياره كالمصائب، أو يرتبط أوله باختياره ولكن لا اختيار له فى إزالته بعد الدخول فيه.
فها هنا ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
ما يرتبط باختياره، وهو جميع أفعاله التى توصف بكونها طاعة أو معصية فأما الطاعة فالعبد محتاج إلى الصبر عليها لأن النفس بطبعها تنفر عن كثير من العبودية، أما فى الصلاة فلما فيها من الكسل وإيثار لراحة لا سيما إذ اتفق مع ذلك قسوة القلب، ورين الذنب والميل إلى الشهوات، ومخالطة أهل الغفلة.
وأما الزكاة فلما فى طبع النفس من الشح والبخل، وكذلك الحج، والجهاد للأمرين جميعاً، ويحتاج العبد إلى الصبر فى ثلاثة أحوال:
стр. 81
قبل الشروع فى الطاعة، وذلك بتصحيح النية، والإخلاص فى الطاعة، وحين الشروع فى الطاعة، وذلك بالصبر على دواعى التقصير والتفريط، واستصحاب النية ولا يعطله قيام الجوارح بالعبودية عن حضور قلبه بين يديه سبحانه.
والثالثة بعد الفراغ من الطاعة، وذلك بالصبر على ما يبطلها، فليس الشأن فى الإتيان بالطاعة، وإنما الشأن فى حفظها مما يبطلها، فيصبر عن رؤيتها والعجب بها والتكبر، وكذلك يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية، فإن العبد يعمل العمل سراً بينه وبين الله سبحانه، فيكتب فى ديوان السر، فإن تحدث به نقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية، فلا يظن أن بساط الصبر انطوى بالفراغ من العمل.
أما الصبر عن المعاصى فأمره ظاهر، وأعظم ما يعين عليه قطع المألوفات، ومفارقة الأعوان عليه فى المجالسة والمحادثة.
القسم الثانى:
مالا يدخل تحت الإختيار، وليس للعبد حيلة فى دفعه كالمصائب، وهى إما أن تكون مما لا صنع لآدمى فيه كالموت والمرض والثانى: ما أصابه من جهة آدمى كالسب والضرب.
فالنوع الأول: للعبد فيه أربعة مقامات: مقام العجز، وهو الجزع والشكوى , والثانى: مقام الصبر، والثالث: مقام الرضى، والرابع: مقام الشكر وهو بأن يشهد البلية نعمة فيشكر المبتلى عليها.
وما أصابه من جهة الناس فله فيه هذه المقامات مضافاً إليها أربعة أخر: الأول: مقام العفو، والثانى: مقام سلامة الصدر من إرادة التشفى، الثالث: مقام القدر، والرابع: مقام الإحسان إلى المسىء.
стр. 82
القسم الثالث
مما يكون وروده باختياره، فإذا تمكن منه لم يكن له اختيار، ولا حيلة فى دفعه.
стр. 83
الأخبار الواردة فى فضيلة الصبر
عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله (إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها)، إلا أخلف الله له خيراً منها، قالت: فلما مات أبوسلمة قلت: أى المسلمين خيرٌ من أبى سلمة، أول بيت هاجر إليه رسول الله ﷺ ثم إنى قلتها فأخلف الله لى رسول الله ﷺ ... ". الحديث (١).
وعن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من يرد الله به خيراً يصب منه " (٢).
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : " ما من مصيبة تصيب المؤمن إلا كفّر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها " (٣).
وعن أبى موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذ مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً " (٤).
عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد ببردة له فى ظل الكعبة - فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا، فقال:
стр. 84
" قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له فى الأرض، فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه، وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون " (١).
الآثار: قال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة من المفاليس ".
قال سفيان بن عيينة فى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: من الآية ٢٤)
لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤوساً، ولما أرادوا قطع رجل عروة ابن الزبير قالوا له: لو سقيناك شيئاً كيلا تشعر بالوجع، قال: إنما ابتلانى ليرى صبرى أفأعارض أمره؟!
قال عمر بن عبد العزيز: " ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاضه مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه.
ومرض أبو بكر الصديق فعادوه فقالوا: ألا ندعو لك الطبيب، فقال " قد رآنى الطبيب، قالوا: فأى شىء قال لك؟ فقال: قال: " إنى فعال ما أريد ".
وروُى أن سعيد بن جبير قال: " الصبر: اعتراف العبد لله بما أصابه منه واحتسابه عند الله، ورجاء ثوابه، وقد يجزع العبد وهو يتجلد لا يرى منه إلا الصبر ".
فقوله: اعتراف العبد لله بما أصابه كأنه تفسير لقوله: ﴿إِنَّا لِلّهِ﴾ (البقرة: من الآية ١٥٦).
стр. 85
فيعترف أنه ملك لله يتصرف فيه مالكه بما يريد، وراحياً بهما عند الله كأنه تفسير لقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ (البقرة: من الآية ١٥٦). أى نرد إليه فيجزينا على صبرنا، ولا يضيع أجر المصيبة.
стр. 86
ب - الشكر
الشكر: هو الثناء على المنعم بما أولاكه من معروف.
وشكر العبد يدور على ثلاثة أركان - لايكون شكراً إلا بمجموعهما - وهى: الاعتراف بالنعمة باطناً، والتحدث بها ظاهراً والاستعانة بها على طاعة الله، فالشكر يتعلق بالقلب واللسان، والجوارح، لاستعمالها فى طاعة المشكور وكفها عن معاصيه.
وقد قرن الله الشكر بالإيمان، وأخبر أنه لا غرض له فى عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا بهه، فقال تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ (النساء: من الآية ١٤٧)
وأخبر سبحانه عن أهل الشكر هم المخصوصون بمنته عليهم من بين عبادة فقال : ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (الأنعام: الآية ٥٣)
وقسم الناس إلى شكور وكفور، فأبغض الأشياء إليه الكفر وأهله، وأحب الأشياء إليه الشكر وأهله، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: الآية ٣)
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: الآية ٧)
فعلق سبحانه المزيد بالشكر، والمزيد منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره،
стр. 87
وقد وقف الله سبحانه كثيراً من الجزاء على المشيئة.
كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء﴾ (التوبة: من الآية ٢٨)
وقال فى المغفرة: ﴿وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء﴾ (المائدة: من الآية ٤٠)
وقال فى التوبة: ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاء﴾ (التوبة: من الآية ١٥)
وأطلق جزاء الشكر إطلاقاً حيث ذكره كقوله تبارك وتعـ، الى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ِ﴾ (آل عمران: من الآية ١٤٥)
ولما عرف عدو الله إبليس قدر مقام الشكر، وأنه من أجل المقامات وأعلاها، يجعل غايته أن يسعى فى قطع الناس عنه، فقال: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف: من الآية ١٧)
ووصف سبحانه الشاكرين بأنهم قليل من عباده فقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: من الآية ١٣)
وثبت فى الصحيحين عن النبى ﷺ : أنه قام حتى تفطرت قدماه فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: " أفلا أكون عبداً شكوراً " (١).
وعنه ﷺ قال: " ان الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها " (٢).
فكان هذا الجزاء العظيم الذى هو أكبر أنواع الجزاء كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ (التوبة: من الآية ٧٢).
стр. 88
فى مقابلة شكره بالحمد والشكر قيد النعم وسبب المزيد، قال عمر ابن عبد العزيز: " قيدوا نعم الله بشكر الله" وذكر ابن أبى الدنيا عن علىّ بن أبى طالب ﵁ أنه قال لرجل من همذان: " أن النعمة موصولة بالشكر والشكر يتعلق بالمزيد، وهما مقرونان فى قرن، فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد ".
وقال الحسن: أكثروا من ذكر هذه النعم، فإن ذكرها شكر، وقد أمر الله نبيه أن يحدث بنمعمة ربه فقال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى: الآية ١١).
والله تعالى يحب أن يرى أثرُ نعمته على عبده، فإن ذلك شكرها بلسان الحال.
وكان أبو المغيرة إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: " أصبحنا مغرقين فى النعم، عاجزين عن الشكر، يتحبب إلينا ربنا وهو غنىٌ عنا، ونتمقت إليه ونحن إليه محتاجون ".
وقال شريح: " ما أصيب عبدٌ بمصيبة إلا كان لله عليه فيها ثلاث نعم: ألا تكون كانت فى دينه، وألا تكون أعظم مما كانت، وأنها لابد كائنة فقد كانت ".
وقال يونس بن عبيد: قال رجل لأبى تميمة، كيف أصبحت؟ قال: " أصبحت بين نعمتين لا أدرى أيتها أفضل: ذنوب سترها الله علىّ فلا يستطيع أن يعيرنى بها أحد، ومودة قذفها الله فى قلوب العباد لا يبلغه، اعملى ".
وعن سفيان فى قوله ﵎: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (القلم: من الآية ٤٤).
стр. 89
قال: يسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر، وقال غير واحد،: " كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة ".
قال رجل لآبى حازم: ما شكر العينين يا أبا حازم؟ فقال: إنى رأيت بهما خيراً أعلنته، وإن رأيت بها شراً سترته.
قال فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيراً وعيته، وإن سمعت بهما شراً دفعته.
قال: فما شكر اليدين؟ قال لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقاً لله هو فيهما.
قال: فما شكر البطن؟ أن يكون أسفله طعاما وأعلاه علماً.
قال: فما شكر الفرج: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُون﴾ (المؤمنون: الآية ٥ - ٧).
قال: فما شكر الرجلين؟ قال: إن علمت ميتاً تغبطه استعملت بهما عمله، وإن مقته رغبت عن عمله وأنت شاكرالله.
وأما من شكر بلسانه، ولم يشكر بجميع أعضائه، فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه، فما ينفعه ذلك من الحر، والبرد، والثلج، والمطر.
وكتب بعض العلماء إلى أخ له: أما بعد فقد أصبح بنا من نعم الله مالا نحصيه من كثرة ما نعصيه، فما ندرى أيهما نشكر، أجميل ما يَسّر، أم قبيح ما ستر؟!.
стр. 90
٩ - التوكل
التوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله فى استجلاب المصالح ودفع المضار فى أمور الدنيا والآخرة.
قال الله : ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: من الآية ٢، ٣).
فمن حقق التقوى والتوكل، اكتفى بذلك فى مصالح دينه ودنياه.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبى ﷺ قال: " لو أنكم كنتم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً " (١). - حسن صحيح -.
قال أبو حاتم الرازى: هذا الحديث أصل فى التوكل وأنه من أعظم الأسباب التى يستجلب بها الرزق.
وقال سعيد ابن جبير: " التوكل جماع الإيمان"، وتحقيق التوكل لا ينافى الأخذ بالأسباب التى قدر الله المقدرات بها، وجرت سنته فى خلقه بذلك، فإن الله تعالى أمر بتعاطى الأسباب، مع أمره بالتوكل، فالسعى فى الأسباب بالجوارح طاعة لله، والتوكل بالقلب عليه إيمان به، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ (النساء: من الآية ٧١).
стр. 91
قال سهل: " من طعن فى الحركة يعنى فى السعى والكسب فقد طعن فى السنة، من طعن فى التوكل فقد طعن فى الإيمان"، فالتوكل حال النبى ﷺ والكسبُ سنته فمن عمل على حاله فلا يتركن سننه.
وقيل: " عدم الأخذ بالأسباب طعن فى التشريع، والاعتقاد فى الأسباب طعن فى التوحيد ".
والأعمال التى يعملها العبد ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الطاعات التى أمر الله بها عباده، وجعلها سبباً للنجاة من النار ودخول الجنة، فهذا لابد من فعله، مع التوكل على الله فيه، والاستعانة به عليه، فإنه لاحول ولا قوة إلا به، وما شاء سبحانه كان ومالم يشأ لم يكن، فمن قصّر فى شىء مما وجب عليه من ذلك استحق العقوبة فى الدنيا والآخرة شرعاً وقدراً.
قال يوسف بن أسباط: " قال اعملْ عملَ رجل لاينجيه إلا عَمَلُه، وتوكل توكل رجل لايصيبه إلا ما كُتب له ".
القسم الثانى: ما أجرى الله العادة به فى الدنيا وأمر عباده بتعاطيه كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والإستظلال من الحر، والتدفؤ من البرد، ونحو ذلك، فهذا أيضاً واجب على المرء تعاطى أسبابه ومن قصّر فيه حتى تضرر بتركه - مع القدرة على استعماله - فهو مفرط يستحق العقوبة.
القسم الثالث: ما أجرى الله العادة به فى الدنيا فى الأعم الأغلب، وقد يخرق العادة فى ذلك لمن شاء من عباده وهى أنواع: كالأدوية مثلاً وقا اختلف العلماء: هل الأفضل لمن أصابه المرض التداوى أم تركه لمن حقق التوكل على الله؟
стр. 92
فيه قولان مشهوران، وظاهر كلام الإمام أحمد أن التوكل لمن قوى عليه أفضل لما صح عن النبى ﷺ أنه قال " يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفاً بغير حساب ثم قال: هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون " (١).
ومن رجح التداوى قال: إنه حال النبى ﷺ الذى كان يداوم عليه - وهو لايفعل إلا الأفضل - وحمل الحديث على الرقى المكروهة، التى يخشى منها الشرك، بدليل أنه قرنها بالكى والطيرة وكلاهما مكروه.
قال مجاهد، وعكرمة، والنَخعى، وغير واحد من السلف: لا يرخص فى تلك السبب بالكلية إلا لمن انقطع قلبه عن الاستشراف إلى المخلوقين بالكلية.
وسئل إسحق بن راهويه: هل للرجل أن يدخل المفازة بغير زاد؟ فقال: " إن كان الرجل مثل عبد الله بن جبير فله أن يدخل المفازة بغير زاد، وإلا لم يكن له ".
стр. 93
١٠ - محبة الله
المحبة لله هى الغاية القصوى من المقامات، والذروة العليا من الدرجات، فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها كالشوق، والإنس والرضى، ولا قبل المحبة مقام إلا وهو مقدمة من مقدماتها كالتوبة، والصبر، والزهد، وغيرها.
وأنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها، وأعلاها، وأجلها، محبة من جبلت القلوب على محبته، وفطرت الخليقة على تأليهه، فإن الإله هى التى تألهه القلوب بالمحبة، والإجلال، والتعظيم، والذل له، والخضوع، والتعبد، والعبادة لا تصلح إلا له وحده، والعبادة: هى كمال الحب مع كمال الخضوع والذل.
والله تعالى يُحَبّ لذاته من جميع الوجوه، وما سواه فإنما يحب تبعاً لمحبته، وقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع كتبه المنزلة، ودعوة جميع الرسل، وفطرته التى فطر عباده عليها، وما ركّب فيهم من العقول، وما أسبغ عليهم من النعم، فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها، وأحسن إليها، فكيف بمن كل الإحسان منه، وةما يخلقه جميعهم من نعمة فمنه وحده لاشريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (النحل: الآية ٥٣).
وما تعرف به إلى عباده من أسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وما دلت عليه آثار مصنوعاته من كمالاته ونهاية جلاله وعظمته.
стр. 94
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾ (البقرة: من الآية ١٦٥).
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾ (المائدة: من الآيتين ٥٣، ٥٤).
وقد أقسم النبى ﷺ إنه: " لايؤمن عبد حتى يكون هو أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين " (١).
وقال لعمر بن الخطاب ﵁: " لا حتى أكون أحب إليك من نفسك " (٢). أى لا تؤمن حتى تصل محبتك إلى هذه الغاية.
وإذا كان النبى ﷺ أولى بنا من أنفسنا فى المحبة ولوازمها، أفليس الربّ ﷻ أولى بمحبته وعبادته من أنفسنا؟.
وكل ما منه إلى عبده يدعوه إلى محبته مما يحب العبد ويكره، فعطاؤه ومنعه، ومعافاته، وابتلاؤه، وقبضه وبسطه، وعدله، وفضله، وإماتته وإحياؤه، وبره ورحمته وإحسانه وستره، وعفوه وحلمه، وصبره على
стр. 95
عبده، وإجابته لدعائه، وكشف كربه وإغاثته لهفته وتفريج كربته، من غير حاجة منه إليه، بل مع غناه التام عنه من جميع الوجوه، كل ذلك داعٍ للقلوب إلى تأليهه ومحبته، فلو أن مخلوقاً فعل بمخلوق أدنى شىء من ذلك لم يملك قلبه عن محبته، فكيف لايحب العبد بكل قبلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس مع إساءته؟.
فخيره إليه نازل، وشره إليه صاعد، يتحبب إليه بنعمه وهو غنى عنه، والعبد يتبغض إليه بالمعاصى، وهو فقير إليه- فلا إحسانه وبره وإنعامه عليه يصده عن معصيته، ولامعصية العبد ولؤمه يقطع إحسان ربه عنه. وأيضاً: فكل من تحبه من الخلق ويحبك إنما يريدك لنفسك، وغرضه منك، والله يريدك لك.
وأيضاً: فكل من تعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يعاملك، ولا بد له من نوع من أنواع الربح، والله تعالى يعاملك لتربح أنت عليه أعظم الربح وأعلاه، فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بواحدة وهى أسرع شىء محواً.
وأيضاً: فهو سبحانه خلقك لنفسه، وخلق كل شىء لك فى الدنيا والآخرة، فمن أولى منه باستفراغ الوسع فى محبته، وبذلك الجهد فى مرضاته.
وأيضاً: فَمطالبك - بل مطالب الخلق كلهم جميعاً - لديه، وهو أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، أعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله، يشكر القليل من العمل وينميه، ويغفر الكثير من الذلل ويمحوه، يسأله مَنْ فى السموات والأرض كل يوم هو فى شأن، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين فى الدعاء، ويحب أن يُسأل ويغضب إذا لم يُسأل، ويستحى من عبده حيث لا يستحى
стр. 96
العبد منه، ويستره حيث لا يستر نفسه، ويرحمه حيث لا يرحم نفسه، ودعاه بنعمه وإحسانه وأياديه إلى كرامته ورضوانه فأبى، فأرسل رسله فى طلبه، وبعث إليه معهم عهده، ثم نزل إليه سبحانه بنفسه، وقال: " من يسألنى فأعطيه، من يستغفرنى فأغفر له " (١).
وكيف لاتحب القلوب من يأتى بالحسنات إلا هو، ولايجيب الدعوات ويقيل العثرات، ويغفر الخطيئات، ويستر العورات، ويكشف الكربات، ويغيث اللهفات، وينيل الطلبات سواه؟
فهو أحق من ذكر، وأحق من شكر، وأحق من عُبد، وأحق من حمد، وأنصر من ابتغى، وأرأف من ملك، أجود من سئل، وأوسع من أعطى، وأرحم من استرحم، وأكرم من قُصد، وأعز من التجىء إليه، وأكفى من توكل عليه، وأرحم بعبده من الوالدة بولدها، وأشد فرحاً بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التى عليها طعامه وشرابه فى الأرض المهلكة إذا يئس من الحياة ثم وجدها، وهو الملك لاشريك له، والفرد لاند له، كل شىء هالكٌ إلى وجهه، لن يطاع إلا بإذنه، ولن يعصى إلا بعلمه، يُطاع فيشكر، وبتوفيقه ونعمته أطيعَ، ويعصى فيعفو ويغفر وحقه أضيع، فهو أقرب شهيد، وأجل حفيظ، وأوفى بالعهد، وأعدل قائم بالقسط، حال دون النفوس، وأخذ بالنواصى، وكتب الآثار، ونسخ الآجال، فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، والغيب لديه مكشوف، وكل أحد إليه ملهوف، وعنت الوجوه لنور وجهه، وعجزت العقول عن إدراك كنهه، ودلت الفطر والأدلة كلها على امتناع مثله وشبهه، وأشرقت لنور وجهه الظلمات واستنارت له الأرض والسماوات، وصلحت عليه جميع المخلوقات، لا ينام ولا ينبغى له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه
стр. 97
عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور ولو كشفه لأحرقت سبحاتُ وجهه ما إنتهى إليه بصره من خلقه.
ومحبة الله هى حياة القلوب، وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذة ولا نعيم ولافلاح ولا حياة إلا بها، وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، بل فساد القلب- إذا خلا من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحق - أعظم من فساد البدن إذا خلا من الروح، وهذا الأمر لا يصدق به إلا من فيه حياة، وما لجرح بميت إيلام.
الآثار: قال فتح الموصلى: " المحب لايجد للدنيا لذة، ولا يغفل عن ذكر الله طرفة عين ".
وقال بعضهم: " المحب طائر القلب، كثير الذكر، متسبب إلى رضوانه بكل سبيل يقدر عليها من الوسائل والنوافل دأباً وشوقاً ".
وأنشد بعضهم:
وكن لربك ذا حب لتخدمه ... إن المحبين للأحباب خُدّامُ
وأوصت امرأة من السلف أولادها فقالت لهم: " تعودوا حب الله وطاعته، فإن المتقين ألفوا بالطاعة فاستوحشت جوارحهم من غيرها، فإن عرض لهم الملعون بمعصية مرت المعصية بهم محتشمة فهم لها منكرون".
وأنشد ابن المبارك:
تعصى الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمرى فى القياس شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
стр. 98
١١ - الرضا بقضاء الله
للعبد فيما يكره درجتان: درجة الرضى، ودرجة الصبر، فالرضا فضل مندوب إليه، والصبر واجب على المؤمن حتم.
وأهل الرضا تارة يلاحظون حكمة المبتلى وخيرته لعبده فى البلاء وأنه غيرمتهم فى قضائه، وتارة يلاحظون عظمة المبتلى وجلاله وكماله فيستغرقون فى مشاهدة ذلك حتى لا يشعرون بالألم، وهذا يصل إليه خواص أهل المعرفة والمحبة، حتى ربما تلذذوا بما أصابهم لملاحظتهم صدوره من حبيبهم.
والفرق بين الرضى والصبر: أن الصبر حبس النفس وكفها عن السخط -مع وجود الألم - وتمنى زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح الصدر، وسعته بالقضاء، وترك زوال الألم - وإن وجد الإحساس بالألم - لكن الرضى يخففه بما يباشر القلب من روح اليقين وزالمعرفة، وإذا قوى الرضى فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية.
قال ابن مسعود ﵁: " إن الله تعالى بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح فى اليقين والرضا، وجعل الهمّ والحزن فى الشك والسخط ".
وقال علقمة فى قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن: من الآية ١١).
هى المصيب تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى.
وقال النبى ﷺ : " ذاق حلاوة الإيمان من رضى بالله رباً وبالإسلام
стр. 99
ديناً ومحمد رسولاً " (١).
وقال النبى ﷺ : " من قال حين يسمع النداء رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً ومحمد رسولاً غفرت ذنوبه " (٢).
ونظر علىّ بن أبى طالب ﵁ إلى عدىّ بن حاتم كئيباً، فقال: مالى أراك كئيباً حزيناً؟ فقال: وما يمنعنى وقد قتل ابناى وفقئت عينى فقال: ياعدىّ من رضى بقضاء الله جرى عليه وكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله جرى عليه وحبط عمله.
دخل أبو الدرداء ﵁ على رجل يموت وهو يحمد الله فقال أبو الدرداء: أصبت إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به.
وقال أبو معاوية فى قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: من الآية ٩٧). الرضا والقناعة.
قال الحسن: ": من رضى بما قسم له وسعه وبارك الله فيه، ومن لم يرض لم يسعه، ولم يبارك له فيه ".
وقال عمر بن عبد العزيز: " ما بقى لى سرور إلا فى مواقع القدر"، وقيل له ما تشتهى؟ فقال: " ما يقضى الله
стр. 100
عز وجل ".
وقال عبد الواحد بن زيد: " الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين ".
وقال بعضهم: " لن يُرى فى الآخرة أرفع درجات من الراضين عن الله تعالى فى كل حال، فمن وهب له الرضا فقد تبلغ أفضل الدرجات"
وأصبح أعرابى وقد ماتت له أباعر (جمع بعير) كثيرة فقال:
لا والذى أنا عبدٌ فى عبادته ... لولا شماتة أعداء ذوى إحن
ما سرنى أن إبلى فى مباركها ... وأن شيئاً قضاه الله لم يكن
стр. 101
١٢ - الخوف والرجاء
الخوف والرجاء جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محدود، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود، فلا يقود إلى قرب الرحمن وروح الجنان مع كونه بعيد الأرجاء ثقيل الأعباء محفوفاً بمكاره القلوب ومشاق الجوارح والأعضاء إلا أزمة الرجاء، ولا يقصد عن نار الجحيم والعذاب الأليم مع كونه محفوفاً بلطائف الشهوات وعجائب اللذات إلا سياط التخويف وسطوات التعنيف فلا بد إذاً من بيان حقيقتهما وفضيلتهما وسبل التوصل إلى الجمع بينهما والله الموفق للخيرات الهادى لأعلى الدرجات.
أ - الرجاء
هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده.
وإذا كانت الأسباب غير موجودة فاسم الغرور والحمق عليه أصدق، وإذا كان الأمر مقطوعاً فلا يسمى رجاء إذ لا يقال: أرجو طلوع الشمس، ولن يمكن أن يقال: أرجو نزول المطر.
وقد علم علماء القلوب: أن الدنيا مزرعة الآخرة، والقلب كالأرض والإيمان كالبذور فيها، والطاعة جارية مجرى تقليب الارض وتطهيرها، ومجرى حفر الأنهار وسياقة الماء إليها.
والقلب المستهتر بالدنيا المستغرق بها كالأرض السبخة التى لاينمو فيها البذر، ويوم القيامة هو الحصاد، ولا يحصد أحد إلا ما زرع، ولا ينمو بذر إلا من بذر الإيمان، وقلما ينفع إيمان مع خبث القلب، وسوء أخلاقه، وكما لاينمو بذر فى أرض سبخة فينبغى أن يقاس رجاء العبد المغفرة برجاء
стр. 102
صاحب الزرع، فكل من طلب أرضاً طيبة، وألقى فيها بذراً طيباً غير عفن ولا مسوس ثم أمده بما يحتاج إليه فى أوقاته، ثم نقى الشوك والحشيش وكل ما يمنع نبات البذرة أو يفسده، ثم جلس منتظرا من فضل الله تعالى دفع الصواعق والآفات المفسدة، إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته، سُمى انتظاره رجاءاً، وإن بث البذر فى ارض صلبة سبخة مرتفعة لا تصل إليها الماء، ولم يشتغل بتعهد البذر أصلاً ثم انتظر الحصاد منه، سُمى انتظاره حمقاً وغرواً لا رجاءاً.
فإذن اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختيار العبد، وهو فضل الله تعالى بصرف القواطع والمفسدات، فالعبد إذا بذر الإيمان، وسقاه بماء الطاعات، وطهّر قلبه من شوك الأخلاق الرديئة، وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك إلى الموت، وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، كان انتظاره رجاءاً حقيقياً.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: الآية ٢١٨).
يعنى أولئك يستحقون أن يرجوا رحمة الله، وما أراد به تخصيص وجود الرجاء لأن غيرهم أيضاً قد يرجو ولكن خصص بهم استحقاق الرجاء.
ومن كان رجاؤه هادياً له إلى الطاعة، زاجراً له عن المعصية، فهو رجاء صحيح، ومن كان رجاؤه داعياً له إلى البطالة والانهماك فى المعاصى فهو غرور.
ومما ينبغى أن يُعلم أن من رجا شيئاً استلزم رجاؤه ثلاثة أمور:
الأول: محبة ما يرجوه.
الثانى: خوفه من فواته.
الثالث: سعيه فى تحصيله.
أما رجاء لا يقارنه شىء من ذلك فهو من باب الأمانى، والرجاء
стр. 103
شىء والأمنى شىء آخر.
وكل راجِ خائف، والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات.
عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة " (١).
стр. 104
أخبار الرجاء
الآيات: قوله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: الآية ٥٣).
وقوله : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الرعد: من الآية ٦).
الأحاديث: ما ورد فى صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: " لايموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه فى النار يهودياً أو نصرانياً " (١).
وعن عمر بن الخطاب ﵁: قدم على رسول الله ﷺ سبىٌ، فإذا امرأة من السبى تسعى إذ وجدت صبياً فى السبى أخذته فألزقته ببطنها فأرجعته، فقال رسول الله ﷺ : " أترون هذه المرأة طارحة ولدها فى النار؟ " قلنا: لا والله، فقال: الله أرحم بعبده المؤمن من هذه على ولدها " (٢).
стр. 105
وعن أبى هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : " إن الله كتب على نفسه بنفسه قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتى تغلب غضبى " (١).
وفى رواية: " غلبت غضبى"، وفى رواية: " سبقت غضبى ".
وعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:: " قال الله تعالى: يا ابن آدم: إنك مادعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى، ياابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك ياابن آدم، لو أتيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لاتشرك بى شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة (٢) ".
قال يحيى بن معاذ: " من أعظم الاغترار عند التمادى فى الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة، وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة، وانتظار زرع الجنة ببذر النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصى، وانتظار الجزاء بغير عمل، والتمنى على الله مع الإفراط ".
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجرى على اليبس
стр. 106
ب - الخوف
الخوف: سوط الله يسوق به عباده إلى العلم والعمل لينالوا بهما القرب من الله تعالى، وهو عبارة عن: تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه فى الاستقبال، والخوف هو الذى يكف الجوارح عن المعاصى ويقيدها بالطاعات.
والخوف القاصر يدعو إلى الغفلة والجرأة على الذنب والإفراط فى الخوف يدعو إلى اليأس والقنوط.
والخوف من الله تعالى تارة يكون لمعرفة الله تعالى، ومعرفة صفاته، وأنه لو أهلك العالمين لم يبال، ولم يمنعه مانع، وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصى، وتارة يكون بهما جميعاً، أو بحسب معرفته بعيوب نفسه، ومعرفته بجلال الله تعالى واستغنائه، وأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، تكون قوة خوفه.
فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه، ولذلك قال ﷺ : " والله إنى لأعلمهم بالله وأشدهعم له خشية " (١).
وقيل للإمام الشعبى: يا عالم: قال إنما العالم من يخشى الله وذلك لقول الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (فاطر: من الآية ٢٨).
стр. 107
وقال ابن مسعود ﵁: " كفى بخشية الله علماً وكفى بالاغترار جهلاً".
ولذلك قيل: ليس الخائف من يبكى ويمسح عينيه، بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه، وقيل لذى النون المصرى: متى يكون العبد خائفاً؟ قال: " إذا نزل نفسه منزلة السقيم الذى يحتمى مخافة طول السقام ".
وقال أيو القاسم الحكيم: " من خاف شيئاً هرب منه، ومن خاف الله هرب إليه ".
وقال الفضيل بن عياض: " إذا قيل لك: هل تخاف الله فاسكت فإنك إن قلت: نعم، كذبت، وإن قلت: لا، كفرت ".
والخوف يحرق الشهوات المحرمة فتصير المعاصى المحبوبة عنده مكروهة، كما يصير العسل مكروهاً، عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سماً، فتحرق الشهوات بالخوف، وتتأدب الجوارح، ويحصل فى القلب الخضوع والذلة والاستكانة ويفارقه الكبر والحقد والحسد، بل بصير مستوعب الهم بخوفه، والنظر فى خطر عاقبته، فلا يتفرغ لغيره، ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة، والضنة بالأنفاس واللحظات، ومؤاخذة النفس بالخطرات، والخطوات والكلمات، ويكون حاله حال من وقع فى مخلب سبع ضار، لايدرى أنه يغفل عنه فيفلت، أو يهجم عليه فيهلك، فيكون بظاهره وباطنه مشغولاً بما هو خائف منه لا متسع فيه لغيره، فهذا حال من غلبه الخوف.
стр. 108
فضيلة الخوف
جمع الله لأهل الخوف والهدى والرحمة، والعلم، والرضوان، فقال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (الأعراف: من الآية ١٥٤).
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (فاطر: من الآية ٢٨).
وقال : ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (البينة: من الآية ٨).
وقد أمر الله بالخوف، وجعله شرطاً فى الإيمان، فقال : ﴿ْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: من الآية ١٧٥).
فلذلك لا يتصور أن ينفك مؤمن عن خوف وإن ضعف، ويكون ضعف خوفه بحسب ضعف معرفته وإيمانه.
وقال رسول الله ﷺ : " إن رجلا حضره الموت فلما يئس من الحياة أوصى أهله إذا أنا مت فاجمعوا لى حطباً كثيراً وأوقدوا فيه ناراً، حتى إذ أكلت لحمى، خلصت إلى عظمى فامتحشت، فخذوها فاطحنوها ثم انظروا يوماً راحاً فأذروه فى اليم ففعلوا فجمعه الله فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك: فغفر الله له " (١).
стр. 109
قال ﷺ :" لايلج النار أحد يبكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن فى الضرع " (١).
قال الفضيل بن عياض: " من خاف الله دله الخوف على كل خير".
وقال يحيى بن معاذ:" ما من مؤمن يعمل سيثئة إلا ويلحقها جنتان: خوف العقاب، ورجاء العفو ".
وقال الحسن البصرى: " إن المؤمنين قوم ذلت منهم - والله- الأسماع والأبصار وزالجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى وإنهم والله الأصحاء، ولكن دخلهم من الخوف مالم يدخل غيرهم ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة فقالوا: الحمد الله الذى أذهب عنا الخوف، أما - والله - ما أحزنهم ما أحزن الناس ولا تعاظم فى قلوبهم شىء طلبوا به الجنة إنه من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ومن لم ير لله عليه نعمة فى غير مطعم أو شرب فقد قل علمه وحضر عذابه ".
стр. 110
الأخبار فى الخوف
قال الله تعالى: ﴿ْ إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ماَ آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (آل عمران: الآية ٥٧ - ٦١).
وقد روى الترمذى فى جامعه عن عائشة رضى الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: " لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم، أولئك يسارعون فى الخيرات " (١).
عن أنس ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها فقط، فقال: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً " فغط أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين، وفى رواية: بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شىء فخطب، فقال: " عرضت على الجنة والنار فلم أر كاليوم من الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً " فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه