فليتطهر وليدخل على ربه ، يجد عنده ما يريد، فإن وجد ربه وجد كل شىء، وإن فاته ربه فاته كل شىء.
وللذكر أنواع: منها: ذكر أسماء الله ، وصفاته، ومدحه، والثناء عليه بها، نحو: " سبحان الله "، و " الحمد الله "، و " لا إله إلا الله "، ومنها: الخبر عن الله بأحكام أسمائه وصفاته، نحو: الله يسمع أصوات عباده ويرى حركاتهم، ومنها: ذكر الأمر والنهى كأن تقول: إن الله أمر بكذا، ونهى عن كذا.
ومن ذكره ذكرُ آلائه وإحسانه، وأفضل الذكر: تلاوة القرآن، وذلك لتضمنه لأدوية القلب وعلاجه من جميع الأمراض، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (يونس من الآية: ٥٧).
وقال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء من الآية: ٨٢)
وأمراض القلب تجمعها أمراض الشبهات والشهوات، والقرآن شفاء للنوعين، ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل فتزول أمراض الشبه المفيدة للعلم، والتصور، والادراك بحيث يرى الأشياء على ما هى.
فمن درس القرآن وخالط قلبه، أبصر الحق والباطل وميزّ بينهما، كما يميز بعينيه بين الليل والنهار، وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة، بالتزهيد فى الدنيا، والترغيب فى الآخرة.
وبالجملة فأنفع شىء للعبد هو ذكر الله : ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد:٢٨).
وأفضل الذكر تلاوة كتاب الله ّ.
стр. 37
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر:٢٩ - ٣٠).
وعن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " (١).
وعن عائشة (رضى الله عنها) قالت: قال رسول الله ﷺ :" الذى يقرأ القرآن وهو ماهر فيه مع السفرة الكرام البررة، الذى يقرأ القرآن وهو يتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران " (٢).
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " إن من قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " (٣).
وقال خباب ﵁: " تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشىء أحب إليه من كلامه ".
وقال عثمان بن عفان ﵁: " لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم ".
وقال ابن مسعود ﵁: " من كان يحب أن يعلم أنه يحب الله فليعرض نفسه على القرأن، فإن أحب القرآن فهو يحب الله فإنما القرآن كلام الله ".
стр. 38
٢ - الإستغفار
وهو طلب المغفرة، والمغفرة: هى وقاية شر الذنوب مع سترها وقد كثر ذكر الاستغفار فى القرآن، فتارة يؤمر به كقوله : ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المزمل من الآية: ٢٠).
وتارة يمدح أهله كقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ (آل عمران من الآية: ١٧).
وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء من الآية: ١١٠).
وكثيراً ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان.
والتوبة عبارة عن: الإقلاع عن الذنوب بالقلب والجوارح، وحكم الاستغفار كحكم الداء، فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه، لاسيما إذا خرج عن قلب منكسر بالذنوب أو صدف ساعة من ساعات الإجابة كالأسحار وإدبار الصلوات.
ويروى عن لقمان أنه قال لابنه: يا بنى عوّد لسانك: " اللهم اغفر لى " فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلاً، وقال الحسن: " أكثروا من الاستغفار فى بيوتكم، وعلى موائدكم، وفى طرقكم، وفى أسواقكم، وفى مجالسكم، وأينما كنتم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة ".
стр. 39
وعن ابن عمر ﵁ قال: " إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ فى المجلس الواحد مائة مرة يقول: "رب اغفر لى وتب علىّ إنك أنت التواب الغفور" (١).
وعن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ أنه قال: " والله إنى لأستغفر الله وأتوب إليه فى اليوم أكثر من سبعين مرة " (٢).
وعنه ﷺ قال: " إنه ليغان على قلبى وإنى لأسغفر الله فى اليوم مائة مرة ". (٣)
وبيّن الله فى الحديث القدسى ثلاثة أسباب من أعظم أسباب المغفرة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: " ياابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك ما كان منك ولا أبالى، يابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك، ياابن آدم لو أتيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لا تشرك بى شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة ".
وبالجملة فدواء الذنوب الاستغفار، قال قتادة: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودواءكم فأما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم بالاستغفار، وقال علىّ ﵁: ما ألهم الله سبحانه عبداً الاستغفار وهو يريد أن يعذبه.
стр. 40
٣ - الدعاء
قال الله تعالى: ﴿﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: من الآية: ٦٠). فأمرنا الله عز وحل بالدعاء ووعدنا بالإجابة، ثم عقب بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: من الآية: ٦٠).
فسبحان الله العظيم، ذى الكرم الفياض والجود المتتابع، جعل سؤال عبده لحوائجه وقضاء مآربه عبادة له، وطلبه منه وذمه على تركه بأبلغ أنواع الذم فجعله مستكبراً عليه.
وعن أبى هريرة عن النبى ﷺ أنه قال: " من لم يسأل الله يغضب عليه " (١) وما أحسن قول القائل:
لا تسألن بنى آدّمَ حاجَةً ... وسَلَ الذى أبوابُهُ لا تحْجَبُ
الله يغضبُ إن تركتَ سُؤالَهُ ... وإذا سألت بنى آدم يغضَبُ
وقال : ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (النمل: من الآية: ٦٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: من الآية: ١٨٦).
стр. 41
وعن النعمان بن بشير قال: قال ﷺ : " الدعاء هو العبادة " ثم تلا الآية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: الآية: ٦٠) (١).
والدعاء يقطع بقوله لعموم الآيات التى قدمنا ذكرها، وكذلك الأحاديث الآتية - إذا استوفى شروط الصحة.
وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "
إن الله حييىّ كريم يستحى إذا رفع الرجل يديه أن يردهما صفراً خائبتين ". (٢)
وعن أبى سعيد الخدرى، أن النبى ﷺ قال: " ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجلله دعوته، وإما أن يدخرها فى الآخرة، وأما أن يصرف عنه من السوء مثلها". (٣)
وعن عمر بن الخطاب ﵁: " أنا لا أحمل همّ الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء فمن ألهم الدعاء فإن الإجابة معه ".
فالدعاء سبب مقتضِ للإجابة إذا توفرت الشرائط وانتفت الموانع أى إذا راعى العبد آداب الدعاء، فما هى آداب الدعاء؟.
стр. 42
آداب الدعاء
أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة: كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الأشهر، ويوم الجمعة من الأسبوع، ووقت السحر من الليل.
أن يغتنم الأحوال الشريفة: كنزول المطر، وزحف الصفوف فى سبيل الله، وحال السجود، لحديث أبى هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء ". (١)
وكذلك بين الأذان والإقامة، لقوله ﷺ : " الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد " (٢).
أن يجزم بالدعاء، ويوقن بالإجابة، قال ﷺ : " لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لى إن شئت اللهم ارحمنى إن شئت، ليعزم المسألة فإنه لا مستكره له " (٣).
أن يكون على طهارة، مستقبل القبلة، ويكرر الدعاء ثلاثاً.
عن ابن سمعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعا، دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً. (٤)
стр. 43
يبدأ بحمد الله ، ويثنى عليه بأسمائه، وصفاته، وآلائه، ويثنى بالصلاة على رسول الله ﷺ ثم يسمى حاجته، ويختتم كذلك بالصلاة على رسول الله ﷺ وحمد الله .
ويطيب مطعمه، ولا يدعو بإثم، ولا بقطيعة رحم.
ولا ينبغى تعجل الإجابة، ولا يقول: دعوت ولم يستجب لى، لحديث أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ": يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لى " (١).
قال ابن بطال: " المعنى أنه يسأم فيترك الدعاء فيكون كالمانّ بدعائه، أو أنه آتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة، فيصبر كالمبخل للرب الكريم الذى لاتعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء " أ. هـ.
وفى هذا الحديث أدب من آداب الدعاء، وهو أن يلازم الطلب ولا ييأس من الإجابة، لما فى ذلك من الاستسلام والانقياد وإظهار الافتقار.
стр. 44
٤ - الصلاة على النبى ﷺ -
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: الآية: ٥٦).
قال ابن كثير ﵀: المقصود من هذه الآية أن الله أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده فى الملأ الأعلى بأنه يثنى عليه فى الملأ الأعلى عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلى عليه، ثم أمر تعالى العالم السفلى بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوى والسفلى جميعاً.
وقال ابن القيّم: والمعنى أنه إذا كان الله وملائكته يصلون على رسوله فصلوا أنتم أيضاً عليه لما نالكم ببركة رسالته ويُمن سفارته من خير شرف الدنيا والآخرة، والصلاة من الله هى الثناء وإظهار الشرف، وإرادة التكريم، وصلاة المخلوقين الدعاء بمزيد من الشرف والتكريم.
عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من صلىّ علىّ واحدة صلّى الله عليه عشراً " (١).
أى عشر صلوات وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها والصلاة على النبى ﷺ من أعظم الحسنات.
قال ابن العربى: " إن قيل: قال الله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ
стр. 45
عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (الأنعام: من الآية: ١٦٠).
فما فائدة هذا الحديث؟ قلنا: أعظم فائدة وذلك أن القرآن اقتضى أن من جاء بحسنة تضاعف عشرة، والصلاة على النبى ﷺ حسنة بمقتضى القرآن أن يعطى عشر درجات فى الجنة، فأخبر أن الله تعالى يصلّى على من صلى على رسوله عشراً، وذكْرُ الله للعبد أعظم من الحسنة مضاعفة، ويحقق ذلك أن الله تعالى لم يجعل جزاء ذكره إلا ذكره، وكذلك جعل جزاء ذكر نبيه ذكر من ذكره " أ. هـ.
قال العراقى: ولم يقتصر على ذلك حتى زاده كتابة عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفعه عشر درجات، كما ورد فى الأحاديث.
وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلّ علىّ، ورغم أنف رجل أدرك أبويه عنده الكبر فلم يدخلاه الجنة، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له" (١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبى ﷺ قال: " إن لله ملائكة سياحين يبلغونى من أمتى السلام " (٢).
وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من صلى علىّ أو سأل لى الوسيلة حقت عليه شفاعتى يوم القيامة " (٣).
стр. 46
وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله ولم يصلوا على نبيهم ﷺ إلا كان مجلسهم عليهم ترة يوم القيامة، إن شاء عفا عنهم وإن شاء أخذهم " (١).
ويستحب كثرة الصلاة على رسول الله ﷺ يوم الجمعة لحديث أوس ابن أوس ﵁ قال ك قال رسول الله ﷺ : " من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علىّ من الصلاة ففيه فإن صلاتكم معروضة علىّ، قالوا: يارسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت (٢) يعنى بليت؟ فقال: " إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " (٣).
أما صيغة الصلاة على رسول الله ﷺ :
فعن ابن مسعود الأنصارى قال: " أتانا رسول الله ﷺ ونحن فى مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلى عليك يارسول الله، فكيف نصلى عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ : قولوا: " اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم فى العالمين، إنك حميدٌ مجيد، والسلام كما قد علمتم ".
стр. 47
٥ - قيام الليل
الآيات فى فضيلة قيام الليل:
قال الله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِاللأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات: الآية: ١٧ - ١٨). وهى فى وصف المحسنين.
عن قتادة ومجاهد قالا: كانوا لاينامون ليلة حتى الصباح.
وعن ابن عباس: لم تكن تمضى عليهم ليلة إلا يأخذوا منها شيئاً.
وقال تعالى فى وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (الفرقان: الآية: ٦٤).
وذكر الله تعالى هذه العبادة الجليلة ثم عقبها بالجزاء فقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (السجدة: الآية: ١٦).
ثم عقب بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (السجدة: الآية: ١٧).
ولما أخفوا العمل واستتروا بجنح الظلام أخفى الله لهم الأجر.
أما الأخبار فقوله ﷺ : " أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل " (١).
стр. 48
وعن عاشئة رضى الله عنها قالت: " كان رسول الله ﷺ يصلى ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشر ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة " (١).
وفى الخبر إنه ذكر عنده الرجل ينام كل الليل حتى يصبح فيقال ﷺ : " ذاك رجل بال الشيطان فى أذنيه " (٢).
وعن أبى هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإذا استيقظ وذكر الله تعالى انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان " (٣).
الآثار
كان ابن مسعود ﵁ إذا هدأت العيون قام فيسمع له دوىّ كدوىّ النحل حتى يصبح.
قيل للحسن: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوهاً؟ قال: " لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نوراً من نوره ".
وقال: " إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل ".
وقال رجل لأحد الصالحين: لا أستطيع قيام الليل فصف لى دواءاً، فقال: لا تعصه بالنهار وهو يقيمك بين يديه بالليل.
стр. 49
ويروى عن سفيان الثورى أنه قال: " حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أصبته ".
وقال ابن المبارك:
إذا ما الليل أظلم كابدونه ... فيسفر عنهم وهم هجوع
أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن فى الدنيا هجوع
وقال أبو سليمان: " أهل الليل فى ليلهم ألذ من أهل اللهو فى لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء فى الدنيا ".
قال ابن المنكدر: " ما بقى من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، وصلاة الجماعة ".
стр. 50
٦ - الزهد فى الدنيا وبيان حقارتها
الزهد: هوانصراف الرغبة عن الشىء إلى ماهو خير منه، وأما العلم المثمر لهذه الحال فهو العلم بكون المتروك حقيراً بالإضافة إلى المأخوذ فما عرف أن ما عند الله باقٍ، وأن الآخرة خير وأبقى كما أن الجوهر خير وأبقى من الثلج، فالدنيا كالثلج الموضوع فى الشمس لايزال فى الذوبان إلى الانقراض، والآخرة كالجوهر الذى لافناء له، وبقدر اليقين بالتفاوت بين الدنيا والآخرة تقوى الرغبة فى البيع، وقد مدح القرآن الزهد فى الدنيا وذم الرغبة فيها.
فقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (الأعلى: الآية: ١٦ - ١٧).
وقال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ (الأنفال: من الآية: ٦٧).
وقال تعالى: ﴿وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ (الرعد: من الآية: ٢٦).
والأحاديث فى ذم الدنيا وزبيان حقارتها عند الله كثيرة جداً.
عن جابر ﵁ أن النبى ﷺ مرّ بالسوق والناس كنفتيه، فمر بجدى أسك ميت فتناوله فاخذ بأذنه، فقال: " أيكم يحب أن هذا له بدرهم " فقالوا: ما نحب أنه لنا بشىء وما نصنع به؟ قال: " أتحبون أنه لكم " قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه أنه أسكّ فكيف وهو ميت؟
стр. 51
فقال: " والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم " (١).
وعن المستورد بن شداد الفهرى عن النبى ﷺ قال: " ما الدنيا فى الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه فى اليم فلينظر بم يرجع" (٢).
وعن سهل بن سعد عن النبى ﷺ قال: " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء " (٣).
فالزهد: هو الإعراض عن الشىء لاستقلاله، واحتقاره، وارتفاع الهمة عنه، يقال: شىء زهيد أى قليل حقير.
قال يونس بن ميسرة: " ليس الزهادة فى الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة فى الدنيا أن تكون بما فى يد الله أوثق منك بما فى يدك، وأن تكون حالك فى المصيبة وحالك إذا لم تصب بها سواء وأن يكون مادحكم وذامّكم فى الحق سواء ".
ففسر الزهد فى الدنيا بثلاثة أشياء كلها من أعمال القلوب لامن أعمال الجوارح، ولهذا كان أبو سليمان يقول: لاتشهد لأحد بالزهد.
أحدها: أن يكون العبد بما فى يد الله أوثق منه بما فى يد نفسه، وهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته، قيل لأبى حازم الزاهد: ما مالك؟ قال:
стр. 52
" مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما فى أيدى الناس ".
وقيل له: أما تخاف الفقر؟ فقل: " أنا أخاف الفقر ومولاى له ما فى السموات، وما فى الأرض، وما بينهما، وما تحت الثرى؟ ".
قال الفضيل: أصل الزهد: الرضى عن الله .
وقال: القنوع هو الزاهد، وهو الغنى، فمن حقق اليقين، وثق بالله فى أموره كلها، ورضى بتدبيره له، وانقطع عن التعلق بالمخلوقين رجاءاً وخوفاً، ووضعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة، ومن كان كذلك كان زاهداً حقاً، وكان من أغنى الناس، وإن لم يكن له شىء من الدنيا، كما قال عمار ﵁: كفى بالموت واعظاً، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شغلاً ".
وقال ابن مسعود ﵁: " اليقين أن لا تُرضى الناس بسخط الله، ولا تحسد أحداً على رزق الله، ولا تلم أحداً على مالم يؤتك الله، فإن رزق الله لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، فإن الله يقسطه، وعلمه، وحكمته، جعل الروح والفرح فى اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن فى السخط والشك ".
الثانى: أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة فى دنياه: من ذهاب مال، أو ولد، أو غير ذلك، أرغب فى ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له، وهذا أيضاً ينشأ من كمال اليقين.
قال علىّ كرم الله وجهه: " من زهد فى الدنيا هانت عليه المصيبات ". وقال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة من المفاليس.
الثالث: أن يستوى عند العبد مادحه وذامه فى الحق، وإذا عظمت الدنيا
стр. 53
فى قلب العبد اختار المدح وكره الذم، وربما حمله ذلك على ترك كثير من الحق خشية الذم، على فعل كثير من الباطل رجاء المدح.
فمن استوى عنده حامده وذامه فى الحق دلّ على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه وامتلاه من محبة الحق، وما فيه رضى مولاه، كما قال ابن مسعود ﵁: " اليقين أن لا ترضى الناس بسخط الله ".
وقد مدح الله الذين يجاهدون فى سبيله، ولا يخافون لومة لائم، وقد ورد عن السلف روايات أخرى فى تفسير الزهد.
قال الحسن: " الزاهد الذى إذا رأى أحداً قال: هو أزهد منى ". وسئل بعضهم - أظنه الإمام أحمد - عمن معه مال هل يكون زاهداً؟ قال: " إن كان لايفرح بزيادته ولا يحزن بنقصه فهو زاهد ".
وقال إبراهيم بن أدهم: " الزهد ثلاثة أقسام: فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة ".
فأما الزهد الفرض: فالزهد فى الحرام، والزهد الفضل: فالزهد فى الحلال، الزهد السلامة: فالزهد فى الشبهات.
وكل من باع الدنيا بالآخرة فهو زاهد فى الدنيا، وكل من باع الآخرة بالدنيا فهو زاهد أيضاً، ولكن فى الآخرة.
قال رجل لإحد الصالحين: ما رأيت أزهد منك، قال: أنت أزهد منى لقد زهدت فى دنيا لا بقاء لها، ولا وفاء، وأنت زهدت فى الآخرة، فمن أزهد منك؟.
ولكن العادة جارية على تخصيص اسم الزهدعلى الزهد فى الدنيا، الزهد يكون فيما هو مقدور عليه ولذا قيل لابن المبارك: يازاهد، قال: " الزاهد هو عمر بن عبد العزيز إذ جائته الدنيا راغمة فتركها وأما أنا ففى ماذا
стр. 54
زهدت ".
قال الحسن البصرى: " أدركت أقواماً وصحبت طوائف، ما كانوا يفرحون بشىء من الدنيا أقبل، ولا يأسفون على شىء منها أدبر، ولهى كانت فى أعينهم أهون من التراب، كان أحدهم يعيش خمسين سنة أو ستين سنة لم يُطوَ له ثوبٌ، ولم يُنصب له قدرٌ، ولم يجعل بينه وبين الارض شيئاً، ولا أمَرَ مَنْ فى بيته بصنعة طعام قط، فإذا كان الليل، فقيام على أقدامهم يفترشون وجوههم، تجرى دموعهم على خدودهم يناجون ربهم فى فكاك رقابهم، كانوا إذا عملوا الحسنة دأبوا فى شكرها، وسألوا الله أن يقبلها، وإذا عملوا السيئة أحزنتهم، وسألوا الله أن يغفرها، فلم يزالوا على ذلك، ووالله: ما سلموا من الذنوب ولا نجوا إلا بالمغفرة، فرحمة الله عليهم ورضوانه ".
درجات الزهد
الدرجة الأولى
أن يزهده فى الدنيا وهو لها مُشتَهٍ، وقلبه إليها مائل، ونفسه إليها ملتفتة، ولكن يجاهدها ويكفيها، وهذا يسمى: متزهد.
الدرجة الثانية:
الذى يترك الدنيا طوعاً لاستحقاره إياها، بالاضافة غلى ما طمع فيه، ولكنه يرى زهده، ويلتفت إليه، كالذى يترك درهماً لأجل درهمين.
الدرحة الثالثة:
أن يزهد فى الدنيا طوعاً، ويزهد فى زهده، فلا يرى أنه ترك شيئا فيكون كمن ترك خَزَفَةَ وأخذ جوهرةٌ.
стр. 55
ويمثل صاحب هذه الدرجة بمن منعه من الدخول على الملك كلبُ على بابه، فألقى إليه لقمة من خبز فشغله بها، ودخل على الملك، ونال القرب منه فالشيطان كلبٌ على باب الله ، يمنع الناس من الدخول، مع أن الباب مفتوح والحجاب مرفوعٌ، والدنيا كلقمة فمن تركها لينال عز الملك فكيف يلتفت إليها.
стр. 56
ذم الدنيا
اعلم أن الذم الوارد فى الكتاب والسنّة ليس راجعا إلى زمانها الذى هو الليل والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإن الله جعلهما خلفة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شُكوراً.
وورد فى الأثر: " إن هذا الليل والنهار خزانتان فانتظروا ماتصنعون فيهما ".
وقال مجاهد: " ما من يوم إلا يقول: ابن آدم: قد دخلت، عليك اليوم ولن أرجع إليك بعد اليوم فانظر ماذا تعمل فى، فإذا انقضى طوى، ثم يختم عليه فلا يفك حتى يكون الله هو الذى يقضيه يوم القيامة ".
وأنشد بعضهم:
إنما الدنيا إلى الجنة والنار طريقٌ ... والليالى متجرُ الإنسان والأيام سوقٌ
فالوقت هو رأس مال العبد، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة فى الجنة " (١).
فانظر إلى مُضَيع الساعات كم يفوته من النخيل.
وكان أحد الصالحين إذا أثقل الناس فى الجلوس عنده يقول: "أما تريدون أن تقوموا، إن ملك الشمس يجرها لا يفتر ".
وقال رجل لأحد العلماء: " قف أكلمك " قال: " أوقف الشمس ".
стр. 57
وكذلك ليس ذم الدنيا راجعاً إلى مكان الدنيا وهو الأرض، وما أودع فيها من جبال وبحار وأنهار ومعادن، فإن ذلك كله من نعم الله على عباده، لما لهم فيها من المنافع، والاعتبار، والاستدلال على وحدانية الصانع سبحانه، وقدرته وعظمته، وإنما الذم راجع إلى أفعال بنى آدم الواقعة فى الدنيا، لأن غالبها واقع على غير الوجه الذى تحمد عاقبته، كما قال : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ والأولاد َ﴾ (الحديد: من الآية: ٢٠).
وانقسم بنو آدم فى الدنيا إلى قسمين:
أحدهما: من أنكر أن للعباد داراً بعد الدنيا للثواب، والعقاب، هؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ (يونس: الآية: ٧ - ٨).
وهؤلاء همهم التمتع فى الدنيا واغتنام لذاتها قبل الموت كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنعام وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ (محمد: من الآية: ١٢).
والقسم الثانى: من يقر بدار بعد الموت للثواب والعقاب، وهم المنتسبون إلى المرسلين، وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله.
والظالم لنفسه: هم الأكثرون، وأكثرهم واقف مع زهرة الدنيا وزينتها، فأخذها من غير وجهها، واستعملها فى غير وجهها، وصارت الدنيا أكبر همّه، بها يرضى، وبها يغضب، ولها يوالى، وعليها يعادى، وهؤلاء أهل اللعب واللهو والزينة، وإن كانوا يؤمنون بالآخرة إيماناً مجملاً فهم لم يعرفوا المقصود من الدنيا، ولا أنها منزلة يتزود فيها لما بعدها.
والمقصتد: من أخذ الدنيا من وجوهها المباحة، وأدى واجبها، وأمسك
стр. 58
لنفسه الزائد على الواجب يتوسع به فى التمتع بشهوات الدنيا، وهؤلاء لا عقاب عليهم فى ذلك إلا أنه ينقص درحاتهم كما قال عمر بن الخطاب ﵁: لولا أن تنقص من حسناتى لخالفتكم فى لين عيشكم ولكن سمعت الله عيّر قوماً فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ (الأحقاف: من الآية: ٢٠).
وأما السابق بالخيرات بإذن الله: فهم الذين فهموا المراد من الدنيا وعملوا بمقتضى ذلك، فعلموا أن الله إنما أسكن عبادة فى الدار ليبلوهم أيهم أحسن عملاً كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الكهف: الآية: ٧).
يعنى: أزهد فى الدنيا وأرغب فى الآخرة، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ (الكهف: الآية: ٨).
فاكتفى السابقون منها بما يكفى المسافر من الزاد، كما قال النبى ﷺ : " مالى وللدنيا، ما أنا فى الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها " (١).
ووصى ابن عمر ﵁، ﷺ : " كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " (٢).
ومتى نوى من تناول شهواته المباحة التقوى على طاعة الله كانت شهواته له طاعة يثاب عليها، كما قال معاذ ﵁: " إنى لأحتسب نومتى كما أحتسب قومتى ".
стр. 59
قال سعيد بن جبير: " متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور ولكن متاع بلاغ إلى ما هو خير منه ".
وقال يحيى بن معاذ: " كيف لا أحب دنيا قُدر لى فيها قوت أكتسب به حياة، أدرك به طاعة، أنال بها الجنة ".
وسُئل أبو صفوان الرعينى: ما هى الدنيا التى ذمها الله فى القرآن والتى ينبغى للعاقل أن يتجنبها؟، فقال: " كل ما أصبت فى الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكل ماأصبت منا تريد به الآخرة فليس منها ".
وقال الحسن: " نعمت الدار الدنيا كانت للمؤمن، وذلك أنه عمل قليلاً وأخذ زاده منها للجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق، وذلك أنه ضيع لياليه وكان زاده منها إلى النار ".
قال عون بن عبد الله: " الدنيا والآخرة فى القلب ككفتى الميزان ما ترجح إحداهما تخف الأخرى ".
وقال وهب: " إنما الدنيا والآخرة كرجل له امرأتان إذا أرضى إحداهما أسخط الأخرى ".
وقال أبو الدرداء: " لئن حلفتم لى على رجل أنه أزهدكم لأحلفن لكم أنه خيركم ".
وقال رجل للتابعين: " لأنتم أكثر عملاً من أصحاب رسول الله ﷺ ولكنهم كانوا خيراً منكم، كانوا أزهد فى الدنيا ".
стр. 60
أضرار حب الدنيا
حب الدنيا هو الذى عمّر النار بأهلها، الزهد فى الدنيا هو الذى عمّر الجنة بأهلها، والسكر بحب الدنيا أعظم من السكر بالخمر، فصاحبه لا ييق إلا فى ظلمة اللحد.
قال يحيى بن معاذ: " الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها فلا يفيق إلا فى عسكر الموتى نادماً بين الخاسرين "، وأقل ما فيها أنه يلهى عن حب الله وذكره، ومن ألهاه ماله فهو من الخاسرين، وإذا لهى القلب عن ذكر الله سكنه الشيطان، وصرفه حيث أراد ... ومن فقهه فى الشر أن يرضيه ببعض أعمال الخير ليريه أنه يفعل الخير.
ويقول ابن مسعود ﵁: " ماأصبح أحد فى الدنيا إلا ضيف وماله عارية، فالضيف مرتحل والعارية مؤداة ".
قالوا: وإنما كان حب الدنيا رأس الخطايا، ومفسداً للدين من وجوه:
أحدها: أن حبها يقتضى تعظيمها وهى حقيرة عند الله، ومن أكبر الذنوب تعظيم ما حقّر الله.
ثانيها: أن الله لعنها، ومقتها، وأبغضها، إلا ما كان له فيها، ومن أحب ما لعنه الله ومقته وأبغضه فقد تعرض للفتنة، ومقته وغضبه.
وثالثها: أنه إذا أحبها صيّرها غايته، وتوسل إليها بالأعمال التى جعلها الله وسائل إليه وإلى الدار الآخرة، فعكس الأمر وقلب الحكمة، فها هنا أمران: أحدهما: جعل الوسيلة غاية، والثانى: التوسل بأعمال الآخرة إلى الدنيا، وهذا شر معكوس من كل وجه، وقلب منكوس غاية
стр. 61
الانتكاس، وهذا هو الذى انطبق عليه: حذْوَ القُذة بالقُذّة، قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (هود: الآية: ١٥ - ١٦).
والأحاديث كثيرة، منها حديث أبى هريرة فى الثلاثة الذين هم أول من تسعّر بهم النار: الغازى، والمتصدق، والقارىء، الذين أرادوا بذلك الدنيا، والنصيب. وهو فى مسلم (١).
فانظر محبة الدنيا كيف حَرَمتْ هؤلاء من الأجر، وأفسدت عليهم عملهم، وجعلتهم أول الداخلين إلى النار.
رابعاً: أن محبتها تعترض بين العبد وبين فعل ما يعود عليه نفعه فى الآخرة باشتغاله عنه بمحبوه، والناس ها هنا مراتب: فمنهم من يشغله محبوبه عن الإيمان وشرائعه، ومنهم من يشغله حبها عن كثير من الواجبات، ومنهم من يشغله عن واجب يعارض تحصيلها - وإن قام بغيره - ومنهم من يشغله عن القيام بالواجب فى الوقت الذى ينبغى على الوجه الذى ينبغى، فيفرط فى وقته وفى حقوقه، ومنهم من يشغله عن عبودية قلبه فى الواجب، وتفريغه لله عند أدائه، فيؤديه ظاهراً لا باطناً، وأين هذا من عشاق الدنيا ومحبيها، هذا من أندرهم وأقل درجات حبها أن يشغل عن سعادة العبد، وهو تفريغ القلب لحب الله، ولسانه لذكره، وجمع قلبه على لسانه، وجمع لسانه وقلبه على ربه، فعشقها ومحبتها تضر بالآخرة ولا بد، كما أن محبة الآخرة تضر بالدنيا.
خامساً: أن محبتها تجعلها أكبر همّ العبد، وقد روى الترمذى من
стр. 62
حديث أنس بين مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من كانت الآخرة همه جعل الله غناه فى قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهى راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له " (١).
سادسها: أن محبها أشد الناس عذاباً بها، وهو معذب فى دوره الثلاث: يعذب فى الدنيا بتحصيلها والسعى فيها ومنازعة أهلها، وفى دار البرزخ بفواتها والحسرة عليها، وكونه قد حيل بينه وبين محبوبه على وجه لا يرجو اجتماعه به أبداً، ولم يحصل له هناك محبوب يعوضه عنه، فهذا أشد الناس عذاباً فى قبره، يعمل الهمّ والحزنُ والغم والحسرة فى روحه ما تعمل الديدان وهوام الأرض فى جسمه.
والمقصود: أن محب الدنيا يعذب فى قبره، ويعذب يوم لقاء ربه قال تعالى: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (التوبة: الآية: ٥٥).
قال بعض السلف: " يعذبهم بجمعها، وتزهق أنفسهم بحبها، وهم كافرون بمنع حق الله فيها ".
وسابعها: أن عاشقها ومحبها الذى يؤثرها على الآخرة من أسفه الخلق وأقلهم عقلاً، إذ آثر الخيال على الحقيقة، والمنام على اليقظة، والظل الزائل على النعيم الدائم، والدار الفانية على الدار الباقية، وباع حياة الأبد فى أرغد عيش بحياة إنما هى أحلام نوم، أو كظل زائل، إن اللبيب بمثلها لا يخدع.
стр. 63
وكان بعض السلف يتمثل هذا البيت:
يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها ... إن اغتراراً بظل زائل حمق
قال يونس بن عبد الأعلى: " ما شبهت الدنيا إلا كرجل نام فرأى فى منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك انتبه ".
وأشبه الأشياء بالدنيا: الظل تحسب له حقيقة ثابتة وهو فى تقلص وانقباض فتتبعه لتدركه فلا تلحقه، وأشبه الأشياء بها السراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب، وأشبه الأشياء بها: عجوز شوهاء قبيحة المنظر والمخبر، غدارة بالأزواج، تزينت للخطاب بكل زينة، وسترت كل قبح، فاغتر بهامن لم يجاوز بصره ظاهرها، فطلب النكاح، فقالت: لا مهر إلا فقد الآخرة، فإننا ضرتان، واجتماعنا غير مأذون فيه ولا مستباح، فآثر الخطاب العاجلة، وقالوا: ما على مَن واصل حبيبته من جناح، فلما كشف قناعها، وحل إزارها، إذا كل آفة وبلية، فمنهم من طلق واسترح، ومنهم من اختار المقام، فما استتمت ليلة عرسه إلا بالعويل والصياح.
تالله لقد أذن مؤذنها على رؤوس الخلائق، بحىّ على غير الفلاح، فقام المجتهدون والمصلون لها فواصلوا فى طلبها الغدو بالرواح، وسروا ليلهم، فلم يحمد القوم السرى عند الصباح، طاروا فى صيدها، فما رجع أحد منهم إلا وهو مكسور الجناح، فوقعوا فى شبكتها، فأسلمتهم للذبّاح.
стр. 64
٧ - أحوال النفس ومحاسبتها
اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم وتباين سولكهم على أن النفس قاطعة بين القب وبين الصول إلى الربّ، وأنه لايدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد إماتتها، وتركها بمخالفتها، والظفر بها.
فإن الناس على قسمين: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته، وصار طوعاً لها تحت أوامرها، وقسمٌ ظفروا بنفوسهم فقهروها فصارت طوعاً لهم، منقادة لأوامرهم.
لا بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر أنفسهم، فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك، قال الله تعالى:
﴿فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات: الآية: ٣٧ - ٤١).
والنفس تدع إلى الطغيان، وإيثار الحياة الدنيا والربّ يدعو عبده إلى خوفه ونهى النفس عن الهوى، والقلبُ بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة , وإلى هذا مرة، وهذا موضع المحنة والإبتلاء، وقد وصف الله سبحانه النفس فى القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، واللوامة، والأمارة بالسوء فاختلف الناس: هل النفس واحدة وهذه أوصاف لها، أم للعبد ثلاثة أنفس؟.
فالأول قول الفقهاء والمفسرين، والثانى قول كثير من أهل التصوف،
стр. 65
والتحقيق: أنه لانزاع بين الفريقين، فإنها واحدة باعتبار ذاتها وثلاثة باعتبار صفاتها.
النفس المطمئنة:
إذا سكنت النفس إلى الله واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه، فهى مطمئنة، وهى التى يقال لها عند الوفاة.
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة﴾ (الفجر: ٢٧ - ٢٨).
قال ابن عباس ﵁: المطمئنة المصدقة، وقال قتادة: هو المؤمن اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله، وصاحبها يطمئن فى باب معرفة أسمائه وصفاته إلى خبره الذى أخبر عن نفسه وأخبر به عند رسوله ص ثم يطمئن إلى خبره عما بعد الموت من أمور البرزخ وما بعده من أحوال القيامة حتى كأنه يشاهد ذلك كله عياناً، ثم يطمئن إلى قدر الله فيسلم له ويرضى ن فلا يسخط، ولا يشكو، ولا يضطرب إيمانه، فلا يأسى على ما فاته، ولا يفرح بما آتاه، لأن المصيبة فيهمقدرة قبل أن تصل إليه، وقبل أن يخلق، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن: من الآية ١١).
قال غير واحد من السلف: هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم أنا من عند الله فيرضى ويسلم.
وأما طمأنينة الإحسان فهى الطمأنينة إلى أمره امتثالاً وإخلاصاً ونصحاً، فلا يقدم على أمره إرادة ولا هوى، ولا تقليداً، ولا يساكن شبهة تعارض خبره، ولا شهوة تعارض أمره، بل إذا مرّت به أنزلها منزلة الوساوس التى
стр. 66
لئن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يجدها، فهذا كما قال النبى ﷺ : " صريح الإيمان (١)، وكذلك يطمئن من قلق المعصية، وانزعاجها إلى سكون التوبة وحلاوتها.
فإذا اطمأن من الشكّ إلى اليقين، ومن الجهل إلى العلم، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الخيانة إلى التوبة ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن العجز إلى الكيس، ومن صولة العجب إلى ذلة الإخبات، ومن التيه إلى التواضع، فعند ذلك تكون نفسه مطمئنة.
وأصل ذلك كله هى اليقظة، التى كشفت عن قلبه سِنة الغفلة وأضاءت له قصور الجنة، فصاح قائلاً:
ألا يا نفس ويحك ساعدينى ... بسعى منك فى ظلم الليالى
لعلك فى القيامة أن تفوزى ... بطيب العيش فى تلك العلالى
فرأى فى ضوء هذه اليقظة ما خلق له، وما سيلقاه بين يديه من حين الموت إلى دخول دار القرار، ورأى سرعة انقضاء الدنيا، وقلة وفائها لبنيها وقتلها لعشاقها، وفعلها بهم أنواع المثلات، فنهض فى ذلك الضوء على ساق عزمه قائلاً: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ (الزمر: من الآية ٥٦).
فاستقبل بقية عمره مستدركاً ما فات، محيياً ما مات، مستقبلاً ما تقدم
стр. 67
له من العثرات، منتهزاً فرصة الإمكان التى إن فاتت فاته جميع الخيرات، ثم يلحظ فى نور تلك اليقظة وفور نعمة ربه عليه، ويرى أنه آيسٌ من حصرها وإحصائها، عاجزٌ عن آداء حقها، ويرى فى تلك اليقظة عيوب نفسه، وآفات عمله، وما تقدم له من الجنايات والإساءات والتقاعد عن كثير من الحقوق والواجبات، فتنكسر نفسه وتخشع جوارجه، ويسير إلى الله ناكس الرأس بين مشاهدة نعمه، ومطالعة جناياته، وعيوب نفسه، ويرى أيضاً فى ضوء تلك اليقظة عزة وقته، وخطره، وأنه رأس مال سعادته فيبخل به فيما لا يقربه إلى ربه، فإن فى إضاعته الخسران والحسرة، وفى حفظه الربح والسعادة.
فهذه آثار اليقظة وموجباتها، وهى أول منازل النفس المطمئنة التى ينشأ منها سفرها إلى الله والدار الآخرة.
النفس اللوامة
قالت طائفة: هى التى لاتثبت على حال واحدة، فهى كثيرة التقلب والتلون، فتذكر وتغفل، وتقبل وتعرض، وتحب وتبغض، وتفرح وتحزن، وترضى وتغضب، وتطيع وتتقى.
وقالت أخرى: هى نفس المؤمن، قال الحسن البصرى: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائماً يقول: ما أردت هذا؟ لم فعلت هذا؟ كان هذا أولى من هذا؟ أو نحو هذا الكلام.
وقالت أخرى: اللوم يوم القيامة، فإن كلّ أحد يلوم نفسه إن كان مسيئاً على إساءته، وإن كان محسناً على تقصيره.
يقول الإمام ابن القيّم: وهذا كله حق.
واللوامة نوعان: لوامة ملومة، ولوامة غير ملومة.
стр. 68
اللوامة الملومة: هى النفس الجاهلة الظالمة، التى يلومها الله وملائكته.
اللوامة غير الملومة: وهى التى لاتزال تلوم صاحبها على تقصيره فى طاعة الله - مع بذله جهده - فهذه غير ملومة وأشرف النفوس من لامت نفسها فى طاعة الله، واحتملت ملام اللوام فى مرضاته، فلا تأخذها فى الله لومة لائم، فهذه قد تخلصت من لوم الله، وأما من رضيت بأعمالها ولم تلم نفسها، ولم تحتمل فى الله ملام اللوام، فهى التى يلومها الله .
النفس الأمارة بالسوء:
وهذه النفس المذمومة، فإنها تأمر بكل سوء، وهذا من طبيعتها، فما تخلص أحد من شرها إلا بتوفيق الله، كما قال تعالى حاكياً عن أمرأة العزيز:
﴿وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (يوسف: الآية ٥٣).
وقال : ﴿ولولاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ (النور: من الآية ٢١).
وكان ﷺ يعلمهم خطبة الحاجة: " إن الحمد الله نحمده، ونستعينه، ونسنغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا " (١).
فالشر كامنٌ فى النفس، وهو يوجب سيئات الأعمال، فإذا خلى الله بين العبد وبين نفسه هلك بين شرها، ـ وما تقتضيه من سيئات الاعمال وإن وفقه الله وأعانه نجا من ذلك كله.
فنسأل الله العظيم أن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
وخلاصة القول: إن النفس واحدة تكون: أمارة، ثم لوامة، ثم مطمئنة
стр. 69
وهى غاية كمالها وصلاحها.
والنفس المطمئنة قرينها الملك، يليها، ويسددها، ويقذف فيها الحق، ويرغبها فيه، ويريها حسن صورته ويزجرها عن الباطل ويزهدها فيه، ويريها قبح صورته، وبالجملة فما كان لله وبالله فهو من عند النفس المطمئنة، وأما النفس الأمارة فجعل الشيطان قرينها، وصاحبها الذى يليها، فهو يعدها، ويمنيها، ويقذف فيها الباطل، ويأمرها السوء، ويزينهلها، ويطيل فى الأمل، ويريها الباطل فى صورة تقبلها وتستحسنها.
فالنفس المنطمئنة والملك يقتضيان من النفس المطمئنة: التوحيد، والإحسان والبر والتقوى، والتوكل والتوبة، والإنابة والإقبال على الله، وقصر الأمل، والإستعداد للموت وما بعده.
والشيطان وجنده من الكفرة يقتضيان من النفس الأمارة ضد ذلك وأصعب شىء على النغس المطمئنة تخليص الأعمال من الشيطان ومن الأمارة فلو وصل منها عمل واحد لنجا به العبد، ولكن أبت الأمارة والشيطان أن يدعا له عملاً واحداً يصل إلى الله، كما قال بعض العارفين بالله وبنفسه " والله لو أعلم أن لى عملاً واحداً وصل إلى الله لكنت أفرح بالموت من الغائب يقدم على أهله"، وقال عبد الله بن عمر ﵁: " لو أعلم أن الله قبل منى سجدة واحدة لم يكن غائب أحب إلى من الموت ".
وقد انتصبت الأمارة فى مقابلة المطمئنة، فكلما جاءت به تلك من خير ضاهتها هذه وجاءت من الشر بما يقابله حتى تفسده عليها، وتريه حقيقة الجهاد فى صور تقتيل النفس، وتنكح الزوجة، ويصير الأولاد يتامى ويقسم المال وتريه حقيقة الزكاة والصدقة فى صورة مفارقة المال ونقصه، وخلو اليد منه، واحتياجه إلى الناس، ومساواته للفقير.
стр. 70
محاسبة النفس
علامة استيلاء النفس الأمارة بالسوء على قلب المؤمن محاسبتها والتضييق عليها وسؤالها عن كل قول وعمل.
قال الحسن: " المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة لى قوم حاسبوا أنفسهم فى الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر على غير محاسبة ".
إن المؤمن يفاجئه الشىء ويعجبه فيقول: والله إنى لأشتهيك، وإنك لمن حاجتى، ولكن والله ما من حيلة إليك، هيهات حيل بينى وبينك ويفرط منه الشىء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا؟! ما لى ولهذا؟ ّ والله لا أعود إلى هذا أبداً. إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بين هلكتهم، إن المؤمن أسير فى الدنيا يسعى فى فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه فى سمعه، وفى بصره، وفى لسانه، وفى جوارحه، مأخوذ عليه فى ذلك كله.
قال مالك بن دينار: " رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله ، فكان لها قائداً ".
فحق على الحازم المؤمن بالله وباليوم الآخر أن لايغفل عن محاسبة نفسه، والتضييق عليها فى حركاتها وسكناتها، وخطراتها، فكل نفس من انفاس العمر جوهرة نفيسة، يمكن أن يشترى بها كنزاً من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها مما يجلب هلاكه
стр. 71
خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلاً، وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (آل عمران: من الآية ٣٠).
ومحاسبة النفس نوعان: نوع من قبل العلم ونوع بعده:
أما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همّه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانهُ على تركه.
قال الحسن ﵀: " رحم الله عبداً وقف عند همه، فإن كان لله أمضاه، وإن كان لغيره تأخر "
وشرح بعضهم هذا فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال، وهمّ به العبد، وقف أولاً ونظر: هل ذلك العلم مقدور عليه، أو غير مقدور، ولا مستطاع، فإن لم يكن مقدور لم يقدم عليه، وإن كان مقدوراً عليه وقف وقفة أخرى، ونظر: هل فعلهُ خير له من تركه، أم تركه خير له من فعله، فإن كان الثانى تركه ولم يقدم عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة: هل الباعث عليه إرادة وجه الله وثوابه، أم إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق، فإن كان الثانى لم يقدم، وإن أفضى به إلى مطلوبه، لئلا تعتاد النفس الشرك، ويخف عليها العمل لغير الله، فبقرد ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى حتى يصير أثقل شىء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى: ونظر هل هو معان عليه وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاج إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه كما أمسك النبى ﷺ عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده معاناً عليه فليقدم عليه فإنه منصور بإذن الله، ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها
стр. 72
لا يفوته النجاح، فهذه أربعة مقامات يحتاج العبد إلى محاسبة نفسه عليها قبل العمل.
والنوع الثانى: محاسبة النفس بعد العمل وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى، فلم توقعها على الوجه الذى ينبغى وحق الله فى الطاعة ستةأمور هى:: الإخلاص فى العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول ﷺ ، وشهود مشهد الإحسان، وشهود منة الله عليه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله، فيحاسب نفسه هل وفى هذه المقامات حقها؟ وهل اتى بها فى هذه الطاعة؟.
الثانى: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيراً له من فعله.
الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح لم فعله، وهل أراد به الله تعالى والدار الآخرة فيكون رابحاً، أو أراد به الدنيا وعاجلها، فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به.
وآخر ما عليه الإهمال، وترك المحاسبة، والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور، يغمض الواحد عينيه عن العواقب ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر فى العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنس بها وعسر عليه فطامها.
وجماعُ ذلك أن يحاسب نفسه أولاً على الفرائض فإن تذكر فيها نقصاً تداركه إما بقضاء أو إصلاح، ثم يحاسبها على المناهى فإن عرف أنه ارتكب منها شيئاً تداركه بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خُلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى، ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشت به رجلاه، أو بطشت يداه،
стр. 73
أو سمعته أذناه، ماذا أردت بهذا، ولم فعلتُه؟ ولمن فعلته، وعلى أى وجه فعلته، ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة ديوانان: لمن فعلته؟ وكيف فعلتَه؟ فالأول: سؤال عن الإخلاص، والثانى: سؤال عن المتابعة، قال الله تعالى: ﴿ليسأل الصادقين عن صدقهم﴾ (الأحزاب: من الآية ٨).
فإذا سئُل الصادقون عن صدقهم، وحوسبوا على صدقهم، فما الظن بالكاذبين.
فوائد محاسبة النفس
١ - الاطلاع على عيوب نفسه: ومن لم يطلع على عيوب نفسه لم يمكنه إزالتها، قال يونس بن عبيد: " إنى لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن فى نفسى منها واحدة ".
وقال محمد بن واسع: لو كان للذنوب ريحٌ ما قدر أحد أن يجلس إلىّ.
وعن أبى الدرداء قال: " لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس فى جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون أشد لها مقتاً ".
٣ - أن يعرف حق الله تعالى عليه، فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزراء عليها ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والإنكسار بين يدى ربه، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، فإن من حقه أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا يُنسى وأن يُشكر فلا يُكفر.
стр. 74
٨ - الصبر والشكر
فلما كان الإيمان نصفين فنصف صبر ونصف شكر، كان حقيقاً على من نصح نفسه وأحب نجاتها وآثر سعادتنها أن لايهمل هذين الأصلين العظيمين، وأن يجعل سيره إلى الله فى هذين الطريقين القاصدين، ليجعله الله يوم القيامة مع خير الفريقين.
أ - الصبر
فضائله:
أن الله سبحانه جعل الصبر جواداً لايكبو، وصارماً لاينبو، وجنداً غالباً لايهزم، وحصناً حصيناً لايهدم، فهو والنصر أخوان شقيقان، وقد مدح الله فى كتابه الصابرين، وأخبر أنه يؤتيهم أجرهم بغير حساب، وأخبر أنه معهم بهدايته ونصره العزيز، وفتحه المبين، فقال تعالى: ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: من الآية ٤٦)
فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة، ففازوا بها ينعمه الباطنة والظاهرة، وجعل سبحانه الإمامة فى الدين منوطة بالصبر واليقين فقال تعالى - وبقوله اهتدى المهتدون:: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: الآية ٢٤)
وأخبر تعالى أن الصبر خيرٌ لأهله مؤكداً باليمين، فقال تعالى: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ (النحل: من الآية ١٢٦)
وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيدٌ العدو ولو كان ذا تسليط،
стр. 75
فقال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: من الآية ١٢٠)
وعلق الفلاح بالصبر والتقوى، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: الآية ٢٠٠)
وأخبر عن محبته لأهله، وفى ذلك أعظم ترغيب للراغبين، فقال تعالى: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: من الآية ١٤٦)
وبشّر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه أهل الدنيا يتحاسدون: فقال تعالى:: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: من الآية ١٥٥ والآية ١٥٦، ١٥٧)
وجعل الفوز بالجنة، والنجاة من النار، لايحظى به إلا الصابرون، فقال :: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (المؤمنون: الآية ١١١)
وخص فى الانتفاع بآياته أهل الصبر، وأهل الشكر، تمييزاً لهم بهذا الحظ الموفور، فقال فى أربع آيات من كتابه جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (من الآيات: إبراهيم: ٥، لقمان ٣١، سبأ ١٩، الشورى ٣٣)
والصبر آخية المؤمن التى يجول ثم يرجع إليها، وساقُ إيمانه التى لا اعتماد له إلا عليها، فلا إيمان لمن لا صبر له، وإن كان فإيمان قليل فى غاية الضعف، وصاحبه ممن يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ولم يحظ منها إلا بالصفقة