Полный текст (512 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
المقدمة
إن الحمدَ للهِ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
أما بعدُ، فإنَّ أصدق الحديث كتابُ اللهِ، وأحسنَ الهَدْي هديُ محمد ﷺ ، وشَرَّ الأمورِ مُحدثَاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكُلَّ ضلالةٍ في النار.
وبعد، "إن أحسن ما يجب أن يُعْتنى به، ويُلَمّ بجانبه، بعد الكتاب والسنة، معرفة الأخبار، وتقييد المناقب والآثار، ففيها تذكرة بتقلب الدهر بأبنائه، وإعلام بما طرأ في سالف الأزمان من عجائبه وأنبائه، وتنبيه على أهل العلم الذين يجب أن تُتَّبَع آثارهم، وتُدَوَّن مناقبهم وأخبارهم، ليكونوا كأنهم ماثلون بين عينيك مع الرجال، ومتصرفون ومخاطبون لك في كل حال، ومعروفون بما هم به، متصفون فيتلو سورهم من لم يعاين صورهم، ويشاهد محاسنهم من لم يعطه السن أن يعاينهم، فيعرف بذلك مراتبهم ومناصبهم، ويعلم المتصرف منهم في المنقول والمفهوم، والمتميّز في المحسوس والمرسوم، ويتحقق منهم من كَسَته الآداب حُليّها، وأرضعته الرياسة ثديها، فيجد في الطلب ليلحق بهم ويتمسك بسببهم" (١).
_________
(١) نقله السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ لمن ذَمَّ التاريخ" (ص ٤٩) عن أبي بكر محمد بن محمد بن علي بن خميس في مقدمة كتابه "تاريخ مالقة".
стр. 2
والتاريخ - في اللغة - الإعلام بالوقت. يُقال: أرّخت الكتاب وورّخته، أي: بيّنت وقت كتابته (١).
والتاريخ - في الاصطلاح - التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمة ووفاة وصحة وعقل وبدن ورحلة وحج وحفظ وضبط وتوثيق وتجريح وما أشبه هذا مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم (٢). وهذا محتوى كتابنا "تاريخ نيسابور" (٣).
ونيسابور هي المركز الرئيس لإقليم خراسان الذي يقع - حاليًا - في الزاوية الشمالية الغربية من إيران على حدود روسيا وأفغانستان. وقد ذكرها ياقوت الرومي في معجم البلدان (٥/ ٣٣١) فقال: "هي مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة، معدن الفضلاء ومنبع العلماء، لم أرَ فيما طَوّفْتُ من البلاد مدينة كانت مثلها … وكان المسلمون فتحوها في أيام عثمان بن عفان ﵁، والأمير عبد الله بن عامر بن كُرَيز في سنة إحدى وثلاثين صلحًا وبنى بها جامعًا، وقيل إنها فُتِحَت في أيام عمر ﵁ على يد الأحنف بن قيس، وإنما انتقضت في أيام عثمان فأرسل إليها عبد الله بن عامر ففتحها ثانية.
… وقال أبو العباس الزوزني - المعروف بالمأموني -:
ليس في الأرض مثل نيسابور … بلدٌ طيبٌ وربٌّ غفور
وقد خرج منها من أئمة العلم من لا يُحْصى". اهـ.
وذكر السمعاني في الأنساب (مادة: النيسابوري) - نقلًا عن أبي حاتم سهل بن محمد - أنَّه إنما قيل لها نيسابور، لأنَّ سابور مَرَّ
_________
(١) الإعلان بالتوبيخ (ص ١٤) للسخاوي.
(٢) الإعلان بالتوبيخ (ص ١٧) للسخاوي.
(٣) انظر دراسة تفصيلية حول محتوى "تاريخ نيسابور" في فصل (مؤلفات الحاكم) (ص ٨٢).
стр. 3
بها فقال: هذه تصلح أن تكون مدينة، فأمر بها، فقُطِع قصبها، ثمَّ كبس، ثمَّ بنيت، فقيل لها: نيسابور، والنيّ: القصب. اهـ.
ويحدِّثنا الحاكم عن سبب تأليفه لـ "تاريخ نيسابور" فيقول: "اعْلَم بأن خراسان وما وراء النهر، لكل بلدةٍ تاريخٌ صنَّفه عالمٌ منها، ووجدت نيسابور مع كثرة العلماء بها والحفاظ لم يصنّفوا فيه شيئًا، فدعاني ذلك إلى أن صنفت تاريخ النيسابوريين" (١).
ويقول تاج الدين السبكي (ت ٧٧١): "كانت نيسابور من أجلِّ البلاد وأعظمها، ولم يكن بعد بغداد مثلها، وقد عمل لها الحافظ أبو عبد الله الحاكم تاريخًا تخضع له جهابذة الحفاظ، وهو عندي سيد التواريخ" (٢). ويقول: "وهو عندي أعْوَد التواريخ على الفقهاء بفائدة، ومن نظره عرف تَفَنُّن الرجل في العلوم جميعها" (٣). والذي يقرأ فيما تجمَّع لديَّ من الطبقة السابعة من "تاريخ نيسابور" - وهي طبقة شيوخ الحاكم - يجد كمًّا هائلًا من الفوائد في العلوم جميعها، في علوم القرآن، والحديث، والتاريخ، واللغة، والأدب، والشعر، وغيرها من العلوم، وهذا يدلُّ على قوة حافظة الحاكم وسعة علومه، وقد وصفه تلميذه البيهقي بأنّه "أحفظ عصره وأتقنهم في الرواية" (٤)، فرحمَ الله الحاكمَ رحمةً واسعة، وحشره مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
واأسفاه على فقدان هذا التاريخ العظيم، حيث لم يُعْثَر في عصرنا على مخطوطة له يقينًا، فاستخرتُ الله في تجميع "طبقة شيوخ الحاكم" من "تاريخ نيسابور"، وعسى أن أكون سَدَّيْتُ
_________
(١) الإرشاد (ص ٨٥٣) لأبي يعلى الخليلي.
(٢) طبقات الشافعية الكبرى (١/ ١٧٣).
(٣) طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ١٥٥).
(٤) في "كتاب القراءة خلف الإمام" (ص ١٧٦/ ط. دار الكتب العلمية).
стр. 4
بعض الفراغ الذي أحدثه فقدان هذا التاريخ العظيم، وقدَّمْتُ للكتاب بعمل ترجمة وافية للحاكم استخرجتها من "تاريخ نيسابور"، وأرجو أن تكون جامعةً لسيرة الحاكم ﵀، والله من وراء القصد.
وكتبه
أبو معاوية
مازن بن عبد الرحمن
البحصلي البيروتي
بيروت، صباح الجمعة ٢٤ صفر ١٤٢٧
стр. 5
منهجي في تجميع الكتاب:
اقتصرتُ في عملي على تجميع الطبقة السابعة من "تاريخ نيسابور"، وهي طبقة شيوخ الحاكم التي قال فيها: "نشرع الآن في أسامي الذين أدركتهم ورُزِقتُ السَّماع منهم بنيسابور"، واعتمدتُ على مخطوطة فارسية مختصرة لتاريخ نيسابور، اختصرها مصنف اسمه محمَّد بن حسين أحمد المعروف بالخليفة النيسابوري (كان حيًّا في سنة ٧١٧)، فلم يترك لنا إلا أسماء تراجم "تاريخ نيسابور"، فذكرتُ أولًا اسم الترجمة كما ورد في المختصر، وحافظت على نص المخطوطة كما هي، مع العلم أن فيها الكثير من اللحن والتصحيف، ونقلتُ تحتها ما تجمَّع لديَّ من كلام الحاكم في الترجمة المذكورة، ووضعت رموزًا للمصادر التي اعتمدتها في تجميع الترجمة على هامش فقرات الترجمة إذا وجدتُ لها أكثر من مصدرٍ، وذكرت الرموز في المصادر في آخر الكتاب، وقد ذكر الخطيب البغدادي أن أول سماع للحاكم كان في سنة ثلاثين وثلاثمائة وهو ابن تسع سنين، فمن هذا التاريخ تبدأ طبقة شيوخ الحاكم، وبناءً على هذا الشرط لم أرجع إلى المصادر التي ترجمت لأناس توفوا قبل سنة ثلاثين وثلاثمائة، كأمثال "تهذيب الكمال" للمزي، و"تهذيب التهذيب" و"تعجيل المنفعة" لابن حجر، وغيرها من المصادر. ولا تقتصر طبقة شيوخ الحاكم على سنة خمس وأربعمائة - وهي سنة وفاته -، لأنَّ الحاكم ترجم في تاريخه لأناس عاصرهم وتوفوا بعده، كأمثال: محمَّد بن الحسين السلمي (ت ٤١٢)، وعمر بن أحمد العبدوي (ت ٤١٧)، وأحمد بن الحسن الحيري (ت ٤٢١)، وغيرهم.
стр. 6
الفصل الأول
نسبه:
هو محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم، أبو عبد الله الحافظ البَيِّع، إمام أهل الحديث في عصره، والعارف به حق معرفته.
ويُقال له: الضبِّي؛ لأنَّ جدّ جدّته عيسى بن عبد الرحمن بن سليمان الضبِّي، وأم عيسى بن عبد الرحمن هي مَتُّوَيْه بنت إبراهيم بن طهمان الزاهد الفقيه، فلذلك يُقال له: الطهماني (١).
وقال ابن خلكان: "وإنما عُرِفَ بالحاكم لتقليده القضاء" (٢).
مولده:
ولد في صبيحة يوم الإثنين الثالث من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة (٣).
وذكر الحاكم في ترجمته لشيخه محمَّد بن عبد الله الشيباني أن: "أول سماعه للحديث سنة إحدى وعشرين، وكنت أقول: السنة التي ولدت فيها (٤) ".
_________
(١) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١٥ - ١٦)، تاريخ الإِسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٢٢ - ١٢٧)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٦٢ - ١٦٩).
(٢) شذرات الذهب (٣/ ١٧٧).
(٣) تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٧)، السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١٦).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٥٠).
стр. 7
موطنه:
قال السمعاني في الأنساب (مادة: النيسابوري): "هذه النسبة إلى نيسابور، وهي أحسن مدينة وأجمعها للخيرات بخراسان .. ذكر أبو علي الغسّاني الحافظ في كتاب "تقييد المهمل" قال: قال محمَّد بن عبد السلام: أخبرنا أبو حاتم سهل بن محمَّد قال: "إنما قيل لها نيسابور، لأنَّ سابور مَرَّ بها، فلما نظر إليها قال: هذه تصلح أن تكون مدينة، فأمر بها، فقطع قصبها، ثمَّ كبس، ثمَّ بنيت، فقيل لها نيسابور، والنيّ: القصب". وكان فتحها زمنَ عثمان بن عفان ﵁ على يد ابن خالته عبد الله بن عامر بن كُرَيز في سنة تسعٍ وعشرين من الهجرة". اهـ.
وذكر ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" أن التتر - لعنهم الله - قدموا نيسابور في سنة سبع عشرة وستمائة، فخربّوها وأبادوا أهلها، فلم يسلم منهم أحد.
وفي الوقت الحالي، تقع نيسابور ضمن دولتي إيران وأفغانستان.
عائلته:
قال عبد الغافر الفارسي: وبيته بيت الصلاح والورع والتأذين (١).
وسنذكر مِن عائلته مَنْ ترجم له الحاكم في تاريخه:
١) والده:
ترجم الحاكم في تاريخه (٢) لوالده أبي محمَّد البيّع فقال: "هو الذي أذّن ثلاثًا وستين سنة محتسبًا، وحَجَّ ثلاث حجج، وغزا اثنتين وعشرين غزوة، وما ترك قيام الليل، وأنفق على العلماء والزهّاد أكثر من مائة ألف. أدرك عبد الله بن أحمد بن حنبل ومسلم بن الحجاج، وروى عن ابن خزيمة وغيره، توفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة (٣) عن ثلاث وتسعين سنة". اهـ.
_________
(١) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١٦).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٣٦٨).
(٣) هكذا ترجم له الذهبي في تاريخ الإِسلام، وترجم له ابن كثير في البداية والنهاية (وفيات سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة)!
стр. 8
ويظهر أن والد الحاكم كان من الصالحين وذي مكانة عالية بين أهل العلم، فقد ذكر الحاكم (١) أنَّه سأل أبا الطيب الصعلوكي غير مرة أن يحدثه فأبى، قال: "وكان صديق أبي، فمشى معي إليه، وسأله فأجاب، ثمَّ قصدته بعد ذلك غير مرة، فقال: أنا أستحي من أبيك أن أردَّه إذا سألني، فأما التحديث فليس إليه سبيل".
وكان منزل والده في سكة حمدان بنيسابور (٢)، وكان أهل العلم يقصدونه للزيارة، بل ويقيمون عنده. قال الحاكم: "وكان أبي يسأل محمَّد بن صالح الميداني يومَ الجمعة أن ينصرف إلى منزله، فيفعل، ويقيم عنده إلى الجمعة المستقبلة، يفعل ذلك غير مرَّةٍ في السنة" (٣)، وقال: "وكان محمَّد بن حيّان الصوفي يغشانا أيام والدي" (٤)، وقال: "لم أُرْزَق السَّماع من عمرو بن عبد الله البصري، على أنَّه كان يحضر منزلنا، وأنبسطُ إليه" (٥).
وقد رأى والده مسلمًا صاحب "الصحيح"، فقال الحاكم: "سمعتُ أبي يقول: رأيت مُسلم بن الحجاج يحدِّث في خان مَحْمِش، فكان تامَّ القامة، أبيض الرأس واللحية، يُرخي طرف عمامته بين كتفيه" (٦).
وكان والده يحضر مجالس أهل الحديث، فسمع عيسى بن محمَّد الطهماني (٧)، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة (٨)، ومحمد بن إسحاق السَّرَّاج (٩)، والحسين بن إسماعيل المحاملي بالعراق في إحدى رحلاته إلى الحج (١٠).
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٥).
(٢) تاريخ نيسابور (الطبقة السادسة/ ترجمة عبد الله بن محمَّد بن صبيح العمري).
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٢٢).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٩٦).
(٥) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٦٥).
(٦) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٧٠)، تاريخ الإِسلام (٢٦١ - ٢٧٠ هـ) (ص ١٨٧).
(٧) تاريخ الإِسلام (٢٩١ - ٣٠٠ هـ) (ص ٢١٨)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٧٢).
(٨) تاريخ الإِسلام (٣٢١ - ٣٣٠ هـ) (ص ١٥٣).
(٩) تاريخ الإِسلام (٣١١ - ٣٢٠ هـ) (ص ٤٦٤)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٩٤).
(١٠) تاريخ الإِسلام (٣٢١ - ٣٣٠ هـ) (ص ٢٨٢)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٦٠).
стр. 9
ويظهر أن والده تزوّج في حياته امرأتين أو أكثر، فقد قال الحاكم في ترجمة جعفر بن أحمد بن نصر الحَصيري في تاريخه: "سمع منه أخي محمَّد الكثير، وهو جدُّه" (١). اهـ. فهو جده لأمه وليس لأبيه، لأنَّ اسم جده لأبيه محمَّد بن حمدويه بن نعيم الضّبي، وهو ليس جدًّا للحاكم، فعندها؛ والدة الحاكم هي غير والدة أخيه.
٢) أخوه:
ذكره الحاكم في تاريخه - كما سبق - في ترجمة الحصيري فقال: "سمع منه أخي محمَّد الكثير، وهو جدُّه".
وقد قرأت من تاريخ نيسابور الطبقة الخامسة والسادسة وطبقة شيوخ الحاكم و"اللاحقة" التي ألحقها في آخر تاريخه، ولم أعثر على اسم أخيه مترجمًا، بينما عثرتُ على اسم ابن أخيه محمَّد بن محمَّد في "اللاحقة" (٢) وتاريخ الإِسلام (الطبقة/ ٣٨١ - ٤٠٠ هـ) (ص ٢٧٥ - ٢٧٦)، ونقل الذهبي عن الحاكم أنَّه ذكر وفاته "سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة في جمادى الآخرة، وله سبع وثمانون سنة، وكان أكبر مني بخمس عشرة سنة"، أي أن ولادة ابن أخيه كانت سنة خمس أو ست وثلاثمائة، فوفاة أخي الحاكم تكون بعد هذا التاريخ. ولعل اسم أخي الحاكم سقط من تاريخ نيسابور.
٣) ابنُ أخيه:
هو محمَّد بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن حمدويه بن نعيم، أبو سهل الضبّي ابن أخي الحاكم النيسابوري، ترجم له الحاكم في "لاحقة" تاريخه (٣) فقال: "سمع الكثير قبلي ومعي، وكتب بخطه جملة، وحدَّث، وكان أكبر مني بخمس عشرة سنة، وكذا علقمة بن قيس أكبر (٤) من عمّه
_________
(١) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢١٨).
(٢) (ترجمة/ ٢١).
(٣) مصدر ترجمته: تاريخ الإِسلام (٣٨١ - ٤٠٠ هـ) (ص ٢٧٥ - ٢٧٦).
(٤) في تاريخ الإِسلام: أكثر، وهو تصحيف.
стр. 10
عبد الله بن شبرمة. توفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة في جُمادى الآخرة، وله سبع وثمانون سنة. ﵀".
٤) ابن خال أمِّه:
هو محمَّد بن عيسى بن محمَّد، أبو صالح العارض، ترجم له الحاكم في طبقة شيوخه في تاريخه (١)، وقال: "كان أبو صالح ابن خال أمي، ولنا به اختصاص القرابة والصحبة، كتبت عنه بنيسابور غير مرة، ثمَّ كتبنا عنه بمرو، ونظرت في كتبه بها سنة ثلاث وأربعين، وتوفي بمرو ليلة الجُمعة لخمس بقين من صفر سنة أربع وأربعين وثلاثمائة".
٥) ابن خاله:
هو محمَّد بن عبد الله بن حمشاد الحاسب، ترجم له الحاكم في تاريخه (٢)، وقال: "هو ابن خالي (٣)، وكان أبوه من أعيان المشايخ والتجار بنيسابور، طلب معنا أبو سعد الحديث في صباه من سنة ثلاثين وثلاثمائة إلى سنة سبع وأربعين، ثمَّ أقام ببلخ وسمرقند، وذُكِر بعد ذلك بالحساب، سمع بنيسابور ورحل معي إلى أبي النضر ودخل قبلي بغداد وحدَّث، وتوفي غداة يوم الخميس الثاني والعشرين من ربيع الآخر من سنة ست وثمانين وثلاثمائة".
٦) ابنه أو ابن أخيه محمَّد:
هو عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن حمدويه بن نعيم، أبو الحسن الضبّي النيسابوري، هكذا ذكره الحاكم في تاريخه (٤)، ولم أعثر له على ترجمة.
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٩٤).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٦١).
(٣) في حاشية الأنساب - مصدر الترجمة -: في النسخ "خالتي".
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٣٩٧).
стр. 11
٧) خاله:
هو محمَّد بن علي بن محمَّد، أبو علي المؤذن النصروي، كان من العباد الصالحين، القاعدين عن السُّوق والتصرف، القانعين بميراث الآباء، حج وغزا، وأنفق على العلماء الفاضلَ من قوته، وأذَّنَ نيّفًا وخمسين سنة محتسبًا، وتوفي في شعبان سنة تسع وسبعين وثلاثمائة (١).
٨) صهره (٢):
هو العباس بن محمَّد بن علي بن معاوية، أبو جعفر بن أبي الحسن، صهر الحاكم المصنف النيسابوري. هكذا ذُكِر في "اللاحقة" (٣).
* * *
_________
(١) (ترجمة/ ٧٨٣).
(٢) الصهر: قال ابن الأعرابي: الصهر زوج بنت الرجل وزوج ابنته. [لسان العرب (٤/ ٤٧١)].
(٣) (ترجمة/ ٨٤).
стр. 12
الفصل الثاني: بداية طلب الحاكم للحديث وأول سَماعه
قال الذهبي: وطلب هذا الشأن في صِغَرِه بعناية والده وخاله (١).
وقال الخطيب: وأول سَماعه في سنة ثلاثين وثلاثمائة (٢).
فأول سَماعه وهو ابن تسع سنين، ولكنه كان يحضر مجالس أهل الحديث وهو ابن سبع سنين، فقال: "حضرتُ مجلس وَعْظ أبي علي الثقفي (٣) وأنا صغير، فسمعته يقول في دعائه: إنك أنت الوهّاب الوهّاب الوهّاب، وشهدتُ جنازته، فلا أذكر أني رأيتُ بنيسابور مثل ذلك الجمع" (٤).
وذكر الحاكم أنَّه رأى أبا محمَّد ابن الشرقي، فقال في ترجمته في تاريخه (٥): "توفي في ربيع الآخر سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وله اثنتان وتسعون سنة. وقد رأيته: شيخ طوال أسمر، وله أُذُنان كأنهما مِرْوَحتان، وأصحاب المحابر بين يديه، ولم أُرْزَق السَّماع منه".
_________
(١) تاريخ الإِسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٢٢)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٦٣).
(٢) تاريخ بغداد (٥/ ٤٧٣).
(٣) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٨٣): توفي في جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
(٤) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٨١).
(٥) تاريخ الإِسلام (٣٢١ - ٣٣٠ هـ) (ص ٢٣٠).
стр. 13
ورأى الحاكم أبا حامد أحمد بن محمَّد الخشاب ولم يَقَعْ له عنه شيء، وقال: "توفي في يوم عيد الأضحى سنة ثلاثين وثلاثمائة" (١).
وقال الحاكم في تاريخه: "أحضروني مجلس أبي بكر محمَّد بن الحسين القطان غير مرّة، ولم يصحّ لي عنه شيء، توفي في شوال سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة" (٢).
وحضور الحاكم لهذه المجالس وهو ما يزال صغيرًا في السّن يدلَّنا على عناية والده به في التبكير به إلى طلب الحديث، وأما بالنسبة إلى السّن التي يُقْبَل فيها سماع الصغير، فقد بوَّب البخاري في صحيحه في كتاب العلم: باب متى يَصِحُّ سَماعُ الصغيرِ، وقال: حدثني محمَّد بن يوسف قال: حدثنا أبو مسهر قال: حدثني محمَّد بن حرب، حدثني الزبيدي، عن الزهري، عن محمود بن الربيع ﵁ قال: عَقَلْتُ من النبي ﷺ مَجَّةً مَجَّها في وجهي، وأنا ابنُ خمس سنين، من دلو" (٣).
قال ابن كثير في "اختصار علوم الحديث" (الباعث/ ص ١٠٣): "يصحُّ تَحَمُّل الصغار الشهادة والأخبار، وكذلك الكفار إذا أدَّوا ما حملوه في حال كمالهم، وهو الاحتلام والإِسلام. وينبغي المباراة إلى إسْماعِ الولدان الحديثَ النبوي. والعادة المطردة في أهل هذه الأعصار وما قبلها بمدد متطاولة: أنَّ الصغير يُكتب له حضور إلى تمام خمس سنين من عمره، ثمَّ بعد ذلك يُسَمَّى سَماعًا، واستأنسوا في ذلك بحديث محمود بن الربيع".
آداب طالب الحديث:
قال الخطيب البغدادي في مقدمة كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السَّامع": الواجب أن يكون طلبة الحديث أكملَ الناسِ أدباً، وأشدَّ الخَلْقِ تواضعًا، وأعظمهم نزاهةً وتديُّنًا، وأقلهم طيشًا وغضبًا، لدوام قَرْعِ أسماعهم
_________
(١) تاريخ الإِسلام (٣٢١ - ٣٣٠ هـ) (ص ٢٧٨)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٨٤).
(٢) تاريخ الإِسلام (٣٣١ - ٣٥٠ هـ) (ص ٨١)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٣١٩).
(٣) أخرجه البخاري (٧٧).
стр. 14
بالأخبار المشتملة على محاسنِ أخلاق رسول الله ﷺ وآدابه، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدثين، ومآثر الماضين، فيأخذوا بأجملها وأحسنها، ويَصْدِفوا عن أرذلها وأدونها". اهـ.
وأخرج الحاكم في المستدرك (١) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما بُعِثتُ لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاق".
ولهذا، فقد اختلف الحاكم منذ بداية طلبه للحديث - وهو في سن الحادية عشرة - إلى مؤدِّب على مدى أربع سنين، لكي يتأدَّب بآداب طالب الحديث.
مؤدِّب الحاكم:
هو محمَّد بن علي الأديب، أبو العباس الكرخي، ترجم له الحاكم في تاريخه (٢) فقال: "مؤدبنا، وكان من الأدباء الزهّاد العلماء، ولم يكن بعد ابن سلمة للتأديب بنيسابور مثله، كان يبكّر من منزله إلى أن يجيء إلى مدرسته في سكّة الدهّانين، يقرأ نصف سُبع، ثمَّ يقعد إلى أن نقرأ وِردنا من الأدب عليه. ولقد اختلفتُ إليه أربع سنين، من سنة اثنتين وثلاثين إلى سنة ست، فما رأيته قط أفطر إلا يومي العيد وأيام التشريق، وكان يتعمّم ويرتدي على السُّنَّة، ويُرخي عمامته خلف ظهره. توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة".
نبوغه وتقدُّمه منذ بداية طلبه للحديث:
١) استملائه على الحافظ ابن حبان وهو ابن ثلاث عشرة سنة:
قال الحاكم في تاريخه (٣): "ولما ورد ابنُ حبَّان نيسابور سنة أربع
_________
(١) (٢/ ٦١٣)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٥).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٧٢).
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٩٣).
стр. 15
وثلاثين، حضرناه يوم جمعة بعد الصلاة، فلما سألناه الحديث نظر إلى الناس وأنا أصغرهم سِنًّا، فقال: استملِ، فقلت: نعم. فاستمليتُ عليه".
٢) شروعه في تصنيف الكتب وهو ابن ست عشرة سنة:
قال عبد الغافر الفارسي في ترجمته للحاكم: "وقد شرع الحاكم في التصنيف سنة سبع وثلاثين، فاتفق له من التصانيف ما لعلّه يبلغُ قريبًا من ألف جزءٍ" (١).
٣) إفادته في المذاكرة لأبي أحمد الحاكم وهو ابن تسع عشرة سنة:
وقد حصلت هذه المذاكرة سنة أربعين وثلاثمائة كما ذكرها الحاكم في تاريخه (٢)، فقال: " … فقام أبو علي الحافظ ومعه أبو الحسين الحجاجي وأبو العباس الدقاق وأبو إسحاق الأبزاري وأحمد بن طاهر وجماعتنا، فلما دخلنا على أبي أحمد الحاكم قال لهم: قد غِبْتُ عنكم سبع عشرة سنة، اذكروا بكل سنة منها حديثًا أستفيده"، فابتدأت المذاكرة وكُلٌّ يدلي بدلوه من دون فائدة تُقْنِع أبا أحمد الحاكم، حتى قال الحاكم: "فقلتُ: أنبأنا عن أبي العُمَيس، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس قصة الجسّاسة (٣)، فقال أبو أحمد: هذا نعم، هذا من غرر الحديث، وقد فاتني".
٤) إمامته في الجرح والتعديل وعلل الحديث وهو دون الحادي والعشرين سنة:
قال عبد الغافر الفارسي في ترجمته للحاكم (٤): "واختصّ الحاكم بصحبة إمام وقته أبي بكر محمَّد (٥) بن إسحاق بن أيوب الصبغي، فكان في
_________
(١) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١٧).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٨٣٠).
(٣) أخرجه مسلم (٢٩٤٢).
(٤) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١٦).
(٥) هكذا في المنتخب، والصواب: أحمد بن إسحاق. ترجم له الحاكم أول ترجمة من طبقة شيوخه في تاريخ نيسابور، وذكر أنَّه توفي سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة.
стр. 16
الخواص عنده والمرموقين، وكان يراجعه في السؤال عن الجرح والتعديل وعلل الحديث، ويقدمه على أقرانه".
وقال الحافظ أبو حازم عمر بن أحمد العبدوي: "سمعت مشايخنا يقولون: كان الشيخ أبو بكر بن إسحاق وأبو الوليد (١) يرجعان إلى أبي عبد الله في السؤال عن الجرح والتعديل وعلل الحديث وصحيحه وسقيمه" (٢).
٥) تولّيه أمور مدرسة دار السّنّة وأوقاف أبي بكر الصبغي وهو دون الحادي والعشرين سنة:
قال عبد الغافر الفارسي في ترجمته للحاكم (٣): "وأدى اختصاص أبي بكر الصبغي به واعتماده أنَّه أوصى إليه في أمور مدرسته دار السّنّة، وفوّض إليه تولية أوقافه، واستضاء برأيه في أموره اعتمادًا على حسن ديانته ووفور أمانته".
٦) شهادة شيخه أبي علي الحافظ بتميّزه في سِنِّه:
قال الحاكم في تاريخه (٤): "ذكرنا يومًا ما روى سليمان التيمي عن أنس، فمررتُ أنا في الترجمة، وكان بحضرة أبي علي ﵀ وجماعة من المشايخ، إلى أن ذكرت حديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، فحمل بعضهم عَلَيَّ، فقال أبو علي له: لا تفعل، فما رأيتَ أنتَ ولا نحن في سِنِّه مثله" (٥).
_________
(١) هو حسان بن محمَّد القرشي. ترجم له الحاكم في تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٦٧).
(٢) تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٩).
(٣) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١٦).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٤٦).
(٥) وعلّق الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧٦) بقوله: وأنا أقول: إذا رأيته رأيتُ ألفَ رجلٍ من أصحاب الحديث.
стр. 17
٧) رواية شيخه عنه وهو ابن ستٍّ وعشرين سنة:
قال الذهبي (١): "قال الحافظ أبو صالح المؤذن: أخبرنا مسعود بن علي السجزي (٢)، حدثنا أبو بكر محمَّد بن الحسن بن فورك، حدثنا الحافظ أبو عمرو محمَّد بن أحمد بن جعفر البحيري، حدثنا أحمد بن محمَّد بن الفضل بن مطرِّف الكرابيسي في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، حدثنا محمَّد بن عبد الله بن حمدويه الحافظ، حدثنا أحمد بن سلمان النجاد، حدثنا محمَّد بن عثمان، حدثنا يحيى الحِماني، حدثنا سُعَير بن الخمس، عن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة، عن النبي ﷺ : "إنَّ بلالًا يؤذِّنُ بليل، فكُلُوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أُمِّ مكتوم" (٣).
ثمَّ قال مسعود السجزي: حدثنيه الحاكم غير مرة بهذا.
وقد كان الحاكم لما روى عنه الكرابيسي هذا شابًّا طريًّا، [ابن] ستٍّ وعشرين سنة".
طلبه لمختلف العلوم والفنون:
قال الذهبي (٤):
قرأ القرآن العظيم على أبي عبد الله محمَّد بن أبي منصور الصرّام، وابن الإمام المقرئ، وأحمد بن سهل الأشناني وغيره بنيسابور، وأبي علي بن النقار مقرئ الكوفة، وأبي عيسى بكار مُقرئ بغداد.
وتفقّه على أبي علي بن أبي هريرة، وأبي الوليد حسّان بن محمَّد، وأبي سهل محمَّد بن سليمان الصعلوكي.
_________
(١) تاريخ الإِسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٢٩ - ١٣٠)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧١ - ١٧٢).
(٢) من تلاميذ الحاكم، انظر ترجمته في السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ٤٣٢).
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٣).
(٤) تاريخ الإِسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٢٤)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٦٥).
стр. 18
وأخذ فنون الحديث عن أبي علي الحافظ، وأبي بكر محمَّد بن عمر الجعابي، وأبي أحمد الحاكم، وأبي الحسن الدارقطني، وعدة.
وقال أبو حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ (١):
صحب مشايخ التصوف أبا عمرو بن نجيد، وأبا الحسن البوشنجي، وأبا سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي، وأبا نصر الصفار، وأبا القاسم الرازي، وبالعراق جعفر بن نصير وأقرانه، وبالحجاز أبا عمرو الزجاجي، وجعفر بن إبراهيم الحذاء، وكان يكثر الاختلاف إلى الشيخ أبي عثمان المغربي.
* * *
_________
(١) تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٩).
стр. 19
الفصل الثالث: شيوخ الحاكم
١) عدد شيوخه:
قال أبو حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ: وليس يمكن حصر شيوخ الحاكم، فإن معجمه على شيوخه يقرب من ألفي رجل.
وقال عبد الغافر الفارسي: روى عن ألف شيخ أو أكثر من أهل الحديث.
وقال الذهبي: وسمع من نحو ألفي شيخ، ينقصون أو يزيدون فإنَّه سمع بنيسابور وحدها من نحو ألف شيخ، وسمع بالعراق وغيرها من البلدان مِن نحو ألف شيخ.
إن قول الذهبي: (سمع بنيسابور وحدها من نحو ألف شيخ) ليس مبالغًا فيه، بل هو الأقرب إلى الصحة. فبالنظر إلى الطبقة الأخيرة من تاريخ نيسابور التي قال فيها الحاكم: "نشرع الآن في أسامي الذين أدركتهم ورُزِقْتُ السَّماع منهم بنيسابور"، نجد أن عدد شيوخه يبلغ التسعمائة وخمسين شيخًا تقريبًا، وبالنظر إلى "اللاحقة" التي أضافها كذيل على الطبقة الأخيرة من تاريخه نجد أن عدد شيوخه فيها يبلغ المائة تقريبًا، فيصبح عدد شيوخه الذين أدركهم ورُزِقَ السَّماع منهم بنيسابور وحدها قرابة الألف وخمسين شيخًا.
стр. 20
٢) سبب كثرتهم:
إن تبكير الحاكم في طلب العلم - وهو دون العاشرة من عمره - واعتناء والده وخاله به في توجيهه باكرًا إلى طلب العلم، وكون والده من أهل العلم والرواية، وإحضاره للحاكم إلى مجالس أهل العلم للسَّماع، وزيارة أهل العلم لوالده في منزله والإقامة عنده، كل هذه الأسباب وفّرت للحاكم بيئة علمية غنية حفّزته على تحصيل الأسانيد العالية والسَّماع مما يزيد على ألف شيخ في بلده نيسابور وحدها.
٣) همّة الحاكم:
ونسوق هنا قصة تصوِّر لنا همّة الحاكم وصبره وسعيه لفترة طويلة على طلب شيخ له حتى ظفر به، قال الحاكم في تاريخه (١): "دخلتُ مرو وما وراء النهر (٢) فلم أظفر بأبي مسلم عبد الرحمن بن محمَّد البغدادي، وفي سنة خمس وستين في الحج طلبته في القوافل فأخفى نفسه، فحججتُ سنة سبع وستين وعندي أنَّه بمكة، فقالوا: هو ببغداد، فاستوحَشْت من ذلك وتطَلَّبته فلم أظفر به، ثمَّ قال لي أبو نصر الملاحمي ببغداد: هنا شيخ من الأبدال تشتهي أن تراه؟ قلت: بلى، فذهب بي فأدخلني خان الصبّاغين، فقالوا: خرج، فقال أبو نصر: نجلس في هذا المسجد فإنَّه يجيء، فقعدنا. وأبو نصر لم يذكر لي من الشيخ، فأقبل أبو نصر ومعه شيخ نحيف ضعيف برداء، فسَلَّمَ عليَّ، فأُلهِمْتُ أنَّه أبو مسلم الحافظ، فبينا نحن نحدِّثه إذ قلتُ له: وجد الشيخ ها هنا من أقاربه أحدًا؟ قال: الذين أردت لقاءهم انقرضوا، فقلتُ له: هل خَلَّفَ إبراهيم ولدًا؟ - أعني أخاه إبراهيم الحافظ -، فقال: ومن أين عرفت أخي إبراهيم؟ فسكتُّ، فقال لأبي نصر: من هذا الكهل (٣)؟ فقال: أبو فلان، فقام إليَّ وقمتُ إليه، وشكا شوقه وشكوت مثله، واشتفينا من المذاكرة، وجالسته مرارًا".
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٤١٦).
(٢) دخل الحاكم مرو وما وراء النهر سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، كما تراه في فصل: (رحلاته).
(٣) كان عمر الحاكم آنذاك ستًّا وأربعين سنة.
стр. 21
٤) شره الحاكم في السَّماع:
وقد يكون شيخ الحاكم من الضعفاء الكذابين المعروفين بسرقة الأحاديث، ومع عِلْمِ الحاكم بحاله يروي عنه، وما يحمله على ذلك إلا الشَّرَه، كما حكى عن نفسه في تاريخه (١) في ترجمة أبي علي محمَّد بن علي البرنوذي المذَكِّر؛ قال: "لو اقتصر أبو علي على هؤلاء الشيوخ لصار محدِّث عصره، ولكنه أبى إلا أن يحدِّث عن جماعة من شيوخ أبيه لم يسمع منهم، مثل محمَّد بن رافع وعلي بن سلمة اللبقي وعلي بن الحسن الأفطسي وعتيق بن محمَّد الحرشي وأقرانهم، ثمَّ لم يقتصر على ذلك أيضًا حتى حدَّث عن هؤلاء الشيوخ بما لم يُتَابَع عليه. هذه حاله، والشَّرَه يحملنا على الرواية عن أمثاله، فقد روى السلف عنهم (٢).
سرق أبو علي المذكر حديث الأعمال، فحدثنا به عن عبد الله بن هاشم، عن يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري [بسنده]. وهذا كان تفرّد به علي بن محمَّد بن العلاء عن أبي هاشم، ثمَّ حدَّث به أبو بكر الذهبي عن أبي هاشم، ثمَّ سرقه منهما أبو علي".
٥) بعض شيوخه الذين رووا عنه:
أ - أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني:
كان فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته بلا مدافعة. قال الحاكم: "صار واحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإمامًا في القرّاء والنحويين، أول ما دخلت بغداد كان يحضر المجالس وسنّه دون الثلاثين، وكان أحد الحفاظ، ثمَّ صحبنا في رحلتي الثانية وقد زاد على ما كنت شاهدته، وحجَّ شيخنا أبو عبد الله بن أبي ذهل سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٦٦).
(٢) قال السمعاني في الأنساب (مادة: البرنوذي): والعجب أن الحاكم ﵀ ذكر في حقه هذا الفصل، ثمَّ أخرج عنه حديثًا كثيرًا في "عوالي سفيان بن عيينة": عنه، عن عتيق، عن سفيان.
стр. 22
وانصرف، فكان يصف حفظه وتفرده بالتقدم حتى استنكرت وصفه، إلى أن حججت سنة سبع وستين، فلما انصرفت إلى بغداد أقمت بها زيادة على أربعة أشهر، وكثر اجتماعنا بالليل والنهار، فصادفته فوق ما كان وصفه الشيخ أبو عبد الله، وسألته عن العلل والشيوخ، ودوَّنت أجوبته عن سؤالاتي، وقد سمعها مني أصحابي" (١).
وقال أبو ذر الهروي: "قلتُ للحاكم: رأيتُ مثل الدارقطني؟ فقال: هو لم يَرَ مثل نفسه، فكيف رأيتُ أنا؟ " (٢).
وقال الحاكم: "ورد عليَّ كتاب شيخنا أبي عبد الرحمن السلمي - سلّمه الله - من مدينة السلام يذكر بخط يده وفاة الشيخ الحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني يوم الخميس لثمانٍ خلون من ذي القعدة من سنة خمس وثمانين، وقد قعدتُ للإملاء وكثر الدعاء والبكاء، ثمَّ أمليتُ عنه حديثًا، وذكرت بعده تاريخ وفاته من خط أبي عبد الرحمن، ثمَّ شهدتُ بالله أنَّه لم يخلف على أديم الأرض مثله في معرفة حديث رسول رب العالمين صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين، وذلك في حديث أصحابه المنتخبين، والأئمة من التابعين، وأتباع التابعين، ﵃ أجمعين" (٣).
ومن رواية الدارقطني عن الحاكم ما ذكره في تاريخه (٤) قال: "حدثنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب القزويني، حدثنا سعيد بن يحيى الأصبهاني، حدثنا سُعَير بن الخِمس، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "من أحبَّ أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث يُنادى بهن".
كتب عني الدارقطني هذا، وقال: ما كتبته عن أحدٍ قط".
_________
(١) تاريخ دمشق (٤٣/ ٩٦).
(٢) تاريخ دمشق (٤٣/ ١٠٠).
(٣) تاريخ دمشق (٤٣/ ١٠٥).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١).
стр. 23
ب - أحمد بن أبي عثمان سعيد، أبو الحسن الحيري (١):
ترجم له الحاكم في تاريخه (ترجمة/ ٣٦).
ج - إبراهيم بن محمَّد بن يحيى، أبو إسحاق المزكي (٢):
ترجم له الحاكم في تاريخه (ترجمة/ ١٦٥).
د - محمَّد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر القفال الشاشي (٣):
ترجم له الحاكم في تاريخه (ترجمة/ ٧٧٣) وقال: "كتبت عنه وكتب عني بخط يده".
٦) النساء اللاتي روى عنهن الحاكم:
أ - جمعة بنت أحمد بن محمَّد بن عبيد الله الرئيس النيسابورية:
ترجم لها الحاكم في تاريخه (٤) وقال: "هي من ولد عثمان بن عفان ﵁".
ب - خديجة بنت أحمد بن محمَّد بن رجاء القاضي النيسابورية:
ترجم لها الحاكم في تاريخه (٥) فقال: "كان أبوها أبو رجاء قاضي القضاة، تفقهت على أبيها، عاشت أكثر من مائة سنة، وكانت تحسن العربية والكتابة، وسمعت من أبي يحيى البزار، توفيت سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة".
ج - ربطة بنت عبد الله العابدة الزاهدة النيسابورية (٦).
_________
(١) ذكر العبدوي - كما في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨) - أنَّه من مشايخ الحاكم الذين رووا عنه، وكذلك الذهبي في تاريخ الإِسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٢٤).
(٢) تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٩)، تاريخ الإِسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٢٤).
(٣) تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨)، تاريخ الإِسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٢٤).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٠٨).
(٥) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٨٦).
(٦) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٩٣). وترجم لها ابن الجوزي في المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، وذكر أنها توفيت في محرّم سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.
стр. 24
د - فاطمة أم علي بنت أبي جعفر النيسابوري (١).
هـ - فاطمة بنت بكر بن محمَّد بن إسحاق بن خزيمة:
ترجم لها الحاكم في "اللاحقة" (٢) وقال: "سمعت أباها، وتوفيت رحمها الله في رجب سنة اثنتين وأربعمائة".
٧) من سيرة الحاكم مع شيوخه وأقرانه:
أ) صِحْبَتِه لهم في السفر والحضر:
قال الحاكم في تاريخه (٣): "ولقد صحبت أبا عبد الله محمَّد بن العباس العصمي في السفر والحضر، فما رأيت أحسن وضوءًا وصلاةً منه، ولا رأيت في مشايخنا أحسن تضرّعًا ولا ابتهالًا في دعواته منه".
وقال في تاريخه (٤): "صحبت أبا الحسين محمَّد بن محمَّد الحجاجي نيّفًا وعشرين سنة، بالليل والنهار، فما أعلم أني علمت أن المَلَك كتب عليه خطيئة".
وقال في تاريخه (٥): "صحبتُ محمَّد بن المؤمل الماسرجسي في السفر والحضر، فما رأيته يكلِّم بالفارسية إلا من يعلم أنَّه أعجمي لا يحسن العربية، وكنت معه ببغداد والحرمين سنة إحدى وأربعين".
وقال الحاكم في تاريخه (٦): "لقد صحبتُ الحسين بن علي بن محمَّد التميمي قريبًا من ثلاثين سنة في الحضر والسفر، في الحر والبرد، فما رأيته ترك صلاة الليل، وكان يقرأ كل ليلة سبعًا من القرآن، ولا يفوته ذلك".
_________
(١) تاريخ نيسابور (اللاحقة/ ترجمة/ ٢٠).
(٢) تاريخ نيسابور (اللاحقة/ آخر ترجمة).
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٩٠).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٨٣٦).
(٥) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٨٧٦).
(٦) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٤٩).
стр. 25
ب) رِفْقه بهم:
قال الحاكم في تاريخه (١): "لقد استقبلني أحمد بن إبراهيم المزكي وهو يسعى بين الصفا والمروة حافيًا حاسرًا وهو محموم، فأخذت بيده حتى صعد الصفا، فلما قعد غشي عليه، فطلبنا الماء، وكنتُ أرُشُّه على وجهه حتى أفاق، فقلت: لو رفقت بنفسك وأنت عليل، فقال: ألا تدري أين نحن؟ ولا ندري نرجع إليها أم لا".
ج) نصيحته لهم:
قال الحاكم في تاريخه (٢): "دخلت الري سنة سبع وستين، فصادفتُ محمَّد بن عبد الله بن عبد العزيز الرازي بها وهو ينتسب إلى محمَّد بن أيوب، فأخبرني عبد العزيز بن أبان أنَّه أملى عليهم: محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن أيوب بن يحيى بن الضريس البجلي. فقلت لعبد العزيز: لا تذكر هذا لأحد حتى ألتقي به، فخلوتُ به، وزجرته، فانزجر وترك ذلك النسب، ولو سمع أهل الري بذلك لتولّد منه ما يكرهه، فإن محمَّد بن أيوب لم يعقِّب ولدًا ذكرًا قط".
وقال الحاكم: "أبو عمرو محمَّد بن محمَّد الفامي، كثير السَّماع، صاحب كتاب، إلا أن بعض الغرباء خرَّج له فوائد فوجد فيها - يعني في كتبه - أطباقًا عن الحسين بن شاكر، فأخرج له عنه، وحدَّث عنه بها ببغداد، فلما وافا وقفته على حقيقة الحال، فرجع وأناب وثاب" (٣).
وقال الحاكم في تاريخه (٤): "عقدت لمحمد بن الفضل بن محمَّد بن إسحاق بن خزيمة المجلس للتحديث في شهر رمضان من سنة ثمان وستين وثلاثمائة، ودخلت بيت كتب جدِّه وأخرجت له مائتين وخمسين جزءًا من
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٢).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٤٣).
(٣) سؤالات السجزي (ص ٦٤).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٨١٠).
стр. 26
سماعاته الصحيحة، وحُمِلَت إلى منزلي، فخرَّجتُ له الفوائد في عشرة أجزاء، وقلتُ: دعِ الأصول عندي صيانةً لها وحدِّث بالفوائد. فلما كان بعد سنين حمل تلك الأصول وفرّقها على الناس وذهبت، ومَدَّ يده إلى كتب غيره فقرأ منها".
وقال الحاكم في تاريخه (١): "قلتُ لأبي أحمد الحاكم الحافظ: إن أبا عبد الله بن أبي ذهل قد أُلقي إليه ما كان جرى بينك وبين أبي علي الحافظ في سماعك من محمَّد بن أحمد بن الحسن بن خراش، فلو أذنت في حمله إلى ها هنا وأمليت تلك الأحاديث من أصلك، فشكرني على قولي وقال: وكرامة، فحملتُ أبا عبد الله إليه ومعه جماعة من أهل الحديث، فأخرج كتابه بخط يده - الأصل العتيق المؤرَّخ -، وأخرج أصل أخيه أبي الحسن بخطه الذي كان أبو علي يقول: إن المجلس إنما سمعه معي ومع أبي بكر بن الجعابي أبو الحسن قبل ورود أبي أحمد بغداد، فأملَّه علينا وتأمل أبو عبد الله، فلما خرجنا قال أبو عبد الله: واللهِ لو عرض هذا الأصل على أحمد بن حنبل وعلي بن المديني لرضياه".
وقال الحاكم في تاريخه (٢): "قُمنا يومًا من عند حامد بن محمَّد الرفّاء ودخلت على أبي علي الحافظ، فقال: يا أبا عبد الله! يمكنك أن تذكر لي عن هذا الشيخ حديثًا أستفيده، قلت: بلى، تحفظ: عن شعبة عن حنظلة السدوسي عن أنس عن النبي ﷺ قصة العرنيين؟ فقال: لا واللهِ، فقلت: قُمْ معي حتى تسمعها، فقام في الوقت ومشى معي إلى حامد وسمع الحديث وشكرني عليه" (٣).
د) سعيه للصلح بينهم:
قال الحاكم في تاريخه (٤) في ترجمة أبي الفضل عبد الرحمن بن علي
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٨٣٠).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٧٢).
(٣) وذكر الحاكم أنَّه كان عمره آنذاك إحدى وعشرين عامًا.
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٤١٩).
стр. 27
التميمي: "كنتُ قد تكنيت بأبي أحمد وأبي الفضل للوحشة القائمة بينهما، فمرَّة كنت أتوسّط ومرّة آيس من صلحهما رحمة الله عليهما".
هـ) تعزيته لهم وإفادتهم في نفس الوقت:
قال الحاكم: "جمعني وأخانا محمَّد بن إسحاق ابن مندة الأصبهاني يرحمنا الله وإياه مجلس حضره عبد الله بن حامد الأصبهاني، فذكر لي وفاة ابنه وبكى، فقلتُ له أُبَشِّرُكَ بما بَشَّرَ به أبو طلحة الخولاني أبا سنان:
أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، أخبرنا أبو نصر التمار، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان قال: دفنتُ ابني سنانًا، فقعدتُ على شفير القبر، فأخذ بيدي أبو طلحة الخولاني فقال: ألا أُبَشِّرك، حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، أنَّ أبا موسى الأشعري حدَّثَ، أن النبي ﷺ قال: "إذا قُبِضَ ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي وثمرة فؤاده، فماذا قال؟ قالوا: حَمِدَكَ وقال خيرًا. قال: فابنوا له بيتًا في الجنة وسَمُّوه بيتَ الحَمْد" (١).
فقال: نعم هذا حديث مشهور، بحماد بن سلمة.
فقلتُ: أبو سنان هذا، من هو؟
قال: ليس بالشيباني، ولا بالقزويني.
فقلتُ: فمن هو، وما اسمه، ومن أي بلدٍ هو؟
فقال: أظُنُّه من أهل البصرة.
فقلتُ: هذا رجل من فلسطين، واسمه عيسى بن سنان، وقد روى عنه غير حمّاد بن سلمة. أخبرني الحسين بن محمَّد الدارمي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: أبو سنان القسملي اسمه عيسى بن سنان، هو فلسطيني شامي، قدم البصرة، روى عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب
_________
(١) أخرجه الترمذي (١٠٢١) وقال: حسن غريب، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨١٤).
стр. 28
ووهب بن منبه وعلي بن عبد الله بن عباس وأبي طلحة الخولاني وعثمان بن أبي سودة، روى عنه حماد بن سلمة وجعفر بن سليمان" (١).
و) قبوله النصيحة من إخوانه وشكرهم عليها:
ألّف عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري (٢) - وهو من أقران الحاكم - كتابًا (٣) يبيّن فيه أوهام كتاب الحاكم "المدخل إلى الصحيح"، قال عبد الغني: "لما رددتُ على أبي عبد الله الحاكم الأوهام التي في "المدخل"، بعث إليَّ يشكرني، ويدعو لي، فعلمتُ أنَّه رجلٌ عاقل" (٤).
ز) ذبّه عن أهل العلم:
قال الحاكم: "سمعت أبا علي الحافظ يقول: حدثنا أحمد بن حمدون إنْ حَلَّت الرواية عنه. فقلتُ لأبي علي: أهذا الذي تذكره من جهة المُجون والسُّخف الذي كان، أو لشيءٍ أنكرته منه في الحديث؟ قال: بل من جهة الحديث، قلت: فما أنكرت عليه؟ قال: حديث عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن الفضل، قلت: قد حَدَّث به غيره، فأخذ يذكر أحاديث حَدَّث بها غيره، فقلتُ: أبو تراب (٥) مظلومٌ في كل ما ذكرته. ثمَّ حدَّثت أبا الحسين الحجاجي بهذا، فرضي كلامي فيه وقال: القولُ ما قلته. ثمَّ تأمّلتُ أجزاء كثيرةً بخطه، فلم أجِدْ فيها حديثًا يكون الحملُ فيه عليه، وأحاديثه كلها مستقيمة" (٦).
وقال الحاكم في تاريخه (٧): "سمعتُ أبا علي الحافظ، وذكر كتاب "المجروحين" لأبي حاتم محمَّد بن حبَّان البستي، فقال: كان لعمر بن سعيد بن سنان المنبجي ابن رحل في الحديث وأدرك هؤلاء الشيوخ، وهذا
_________
(١) سؤالات مسعود بن علي السجزي للحاكم (ص ١٣٦ - ١٣٩).
(٢) توفي سنة تسع وأربعمائة. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٦٨).
(٣) واسم الكتاب: "كشف الأوهام التي في كتاب المدخل".
(٤) سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٧٠).
(٥) هو لقب لأحمد بن حمدون الأعمشي.
(٦) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٥٥٣ - ٥٥٤).
(٧) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٩٣).
стр. 29
تصنيفه. وأساء القول في أبي حاتم، [قلتُ]: أبو حاتم كبير في العلوم، وكان يُحْسَد لفضله وتقدمه".
قال الخطيب البغدادي: "سمعت أبا بكر البرقاني وسُئِل عن ابن مالك - فقال: … لما اجتمعت مع الحاكم بن عبد الله ابن البيِّع بنيسابور، ذكرتُ ابنَ مالكٍ ولينته، فأنكر عليّ وقال: ذاك شيخي. وحسّن حاله أو كما قال" (١).
ح) زيارته لهم عند الاحتضار:
قال الحاكم في تاريخه (٢): "دخلتُ على حسان بن محمَّد القرشي بعد صلاة العشاء من ليلة الجمعة وهو قاعد، فأشار إليَّ بيده أنْ "انصرف فقد أمسيت"، فلم أنصرف إلى أن صليت صلاة العتمة في منزله، فقال: خرِّج عليَّ من يحمل جنازتي إلى الميقات، فانصرفت، فمات تلك الليلة وقت السَّحَر".
وقال الحاكم في تاريخه (٣): "دخلتُ على عبد الواحد بن أحمد المتكلِّم يوم وفاته باكرًا، فبكى كثيرًا وقال: أستودعك الله أيها الحاكم، فإني راحل".
وقال الحاكم في تاريخه (٤): "اشتد بأبي منصور محمَّد بن عبد الله الزاهد المرض يوم الثلاثاء السابع من ابتداء مرضه، فبكّرت إليه وقد ثقل لسانه، وكان يشير بإصبعه بالدعاء، ثمَّ قال لي بجهد جهيد: تذكر قصة محمَّد بن واسع مع قتيبة بن مسلم؟ قلت: تفيد، فقال: إن قتيبة كان يجري على محمَّد بن واسع تلك الأرزاق وهو شيخ هرم ضعيف، فعُوتِب على ذلك، فقال: إصبعه في الدعاء أبلغ في النصر من رماحكم هذه.
ثمَّ عُدْتُ إليه يوم الثلاثاء، فقال لي بعد جهد جهيد: أيها الحاكم غير مودع فإني راحل، فكان يقاسي لما احتضر من الجهد ما يقاسيه، وأنا أقول لأصحابنا إنه يؤخذ ليلة الجمعة".
_________
(١) تاريخ بغداد (٤/ ٧٤).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٦٧).
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٤٤٠).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٤٨).
стр. 30
ط) انتخابه لحديثهم:
قال أبو حازم العبدوي: "انتخب الحاكم على المشايخ خمسين سنة" (١).
قال الحاكم في تاريخه (٢): "قدم علينا أحمد بن محمَّد الحازمي بنيسابور حاجًّا في شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، فحدَّث، وكتبوا بانتخابي عليه من الأصول".
وقال في تاريخه (٣): "كان لبشر بن أحمد الإسفرايني مجلس للإملاء بنيسابور، وانتخبت عليه غير مرة".
وقال في تاريخه (٤): "لعل سعيد بن محمَّد الصوفي كتب بانتخابي على الشيوخ نحو مائة ألف حديث بخراسان والعراق، فقد وصل إليَّ من سماعي بخطِّه الدقيق أكثر من ستمائة جزء".
وقال في تاريخه (٥): "سألتُ عبيد الله بن محمَّد القاضي الكلاباذي، فحدَّث وانتخبتُ عليه، وذلك في سنة تسع وخمسين وثلاثمائة".
وقال في تاريخه (٦): "كتب الناس عن عبيد الله بن علي الداودي بانتخابي".
وقال في تاريخه (٧): "كان محمَّد بن الحسين العلوي يُسأل التحديث فيأبى، ثمَّ أجاب آخرًا، وعقدتُ له مجلس الإملاء، وانتقيتُ عليه ألف حديث، فحدَّث، وكان يُعَدُّ في مجالسه ألفَ محبرة".
_________
(١) تبيين كذب المفتري (ص ٢٣٠).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١١٥).
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٩٩).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٣١٤).
(٥) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٤٠٤).
(٦) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٤٠٦).
(٧) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٨٥).
стр. 31
ي) تشجيعه لهم على نشر العلم:
قال الحاكم في تاريخه (١): "قد رأيت أحمد بن محمَّد أبا العباس الصندوقي، وسألنا أباه غير مرة أن يحدِّث فلم يفعل، وأخذ أبو العباس يجري على سَننه، حتى قصدته وسألته أن يحدِّث، وأخبرته أنَّه ينفرد بالرواية عن بضعة عشر شيخًا لا يحدِّث عنهم في الوقت غيره، فأجاب إلى ذلك، وأخرج أصولًا صحيحة نظرتُ فيها، وعقدتُ له المجلس في دار السنة وحضرناه".
وقال في تاريخه (٢): "كنت أحُثُّ البغداديين على السَّماع من محمَّد بن أحمد بن بشر المزكي".
وقال في تاريخه (٣): "كان محمَّد بن علي أبو منصور الجلّاب يخفي شخصه عن الناس تجمّلًا، وكان أبو نصر ابنه يسمع معنا الحديث قديمًا، فلم أزل به حتى حمل ابنُه أباه على التحديث، وكثر انتفاع الناس به".
وذكر الحاكم في تاريخه (٤) قصة أبي عبد الله الصفار، وكيف حبس أبو العباس المصري - وهو ورّاقه - عنه عيون كتبه ورفض تسليمها له، وسعى الحاكم عند المقرّبين من أبي عبد الله الصفّار لإقناعه بإسماع الناس ما بقي عنده من الكتب لينتفع الناس بها، ونجح الحاكم في مساعيه، وحدَّث أبو عبد الله الصفَّار بضعة عشر مجلسًا بما بقي عنده من الكتب، وانتفع الناس.
ك) شهوده جنائزهم والصلاة عليهم:
لأنه من حقّ المسلم على المسلم، كما روى الحاكم في المستدرك (٥) من حديث أبي مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "للمسلم على المسلم أربع
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٨٨).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٥٨٤).
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٦٧).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٨٤).
(٥) (٤/ ٢٦٤)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه بشواهده الألباني في السلسلة الصحيحة (٢١٥٤).
стр. 32
خلال: يجيبه إذا دعاه، ويعوده إذا مرض، ويشمِّتَه إذا عطس، ويشيّعه إذا مات".
وعملًا بهذا الهدي النبوي، فقد شهد الحاكم الصلاة على شيخه أحمد بن محمَّد الصعلوكي (١)، وشهد جنازة صديقه أحمد بن محمَّد المحمداباذي (٢). وصلَّى على صديقه أحمد بن محمَّد الخفاف إمامًا (٣)، وشهد الصلاة على شيخه إبراهيم بن إسماعيل العابد (٤)، وشهد جنازة شيخه إبراهيم بن أحمد الأبزاري (٥)، وصلَّى على شيخه إبراهيم بن محمَّد بن يحيى المزكي (٦)، وشهد جنازة شيخه الحسن بن يعقوب الحداد (٧)، وشهد جنازة شيخه حمزة بن محمَّد العلوي (٨)، وصلَّى على شيخه صالح بن محمَّد الترمذي بمكة (٩)، وشهد جنازة شيخه محمَّد بن عبدوس المقرئ (١٠). وشهد جنازة محمَّد بن عبد الوهاب الثقفي وهو ابن سبع سنين (١١).
وصلَّى الحاكم صلاة الغائب على أخٍ له مات بعيدًا عن نيسابور، فقد قال في تاريخه (١٢): "توفي أبو أحمد عبيد الله بن محمَّد الجرجاني بخوج فجأة سنة ثمانين وثلاثمائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، فبينا أنا ذات يوم متوجِّهٌ إلى الميدان استقبلني جماعةٌ من المستورين والصوفية، فسألوني أن
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٥).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١١٠).
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١١٧).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٤٩).
(٥) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٥٠).
(٦) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٦٥).
(٧) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٤٣).
(٨) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٦٨).
(٩) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٣٢٦)
(١٠) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٨٠٠).
(١١) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٨١).
(١٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٤١٢).
стр. 33
أستعمل السنَّة في الصلاة على الغائب وأصلِّي على أبي أحمد، فنزلت معهم، ونزلنا إلى ميدان الحسين، فصلّيت على أبي أحمد".
ل) زيارة قبورهم:
قال الحاكم: "حججت مع ابنَي المؤمَّل (١)، وزرنا بالثعلبية قبر جدِّهما، فقرأتُ على لوح قبره:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، هذا قبرُ الحسن بن عيسى بن ماسَرْجس، مولى عبد الله بن المبارك، توفي في صفر سنة أربعين ومائتين" (٢).
وقال الحاكم في تاريخه (٣): "توفي أبو القاسم إبراهيم بن محمَّد النصراباذي بمكة في ذي الحجة من سنة سبع وستين، ودُفِنَ بالبطحاء عند تربة الفضيل بن عياض، وحججتُ في تلك السنة، وكان معي ابنه إسماعيل وامرأته سُرَيْرَة، وقد خرجنا لزيارة أبي القاسم، فنُعِيَ إلينا بقرب الحرم، وإذا به مات قبل وصولنا إلى مكة بسبعة أيام، فأما إسماعيل فإنَّه ترجَّل ووضع التراب على رأسه حافيًا، وأما سُرَيرة فإنها لم تَدَعْ على رأسها شعرة واحدة، فصارت كالرجل الأصلع، وكنا نبكي لبكائهما، ثمَّ زُرْتُ قبره في البطحاء غير مرة، رحمةُ اللهِ ورضوانه عليه".
م) إنكاره عليهم:
قال الحاكم في تاريخه (٤): "كان محمَّد بن إبراهيم الكسائي من قدماء الأدباء بنيسابور، وتخرج به جماعة في الأدب، ثمَّ إنه - على كبر السن -
_________
(١) وذلك في حجته الأولى سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، كما في تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٣٦).
(٢) تاريخ بغداد (٧/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٦٨).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٥٢).
стр. 34
حدّث بـ "صحيح مسلم بن الحجاج" من كتاب جديد بخط يده، عن إبراهيم بن محمَّد بن سفيان عن مسلم، فأنكرته. وكان قد قرأه غير مرة، فحضرني ﵀ وعاتبني، فقلتُ: أنتَ أحد مشايخنا من الأدباء، والمعرفة بيننا منذ أكثر من خمسين سنة، فلو أخرجت أصلك العتيق وأخبرتني بالحديث فيه على وجهه. فقال لي: قد كان والدي حضّرني مجلس إبراهيم لسماع هذا الكتاب، ثمَّ لم أجد سماعي، فقال لي أبو أحمد بن عيسى: قد كنت أرى أباك يقيمك في المجلس لتسمع، وأنت تنام لصِغرك، ولم يَبْقَ بعدي لهذا الكتاب راوٍ غيرك، فاكتبه من كتابي فإنك تنتفع به. فكتبته من كتابه.
فلما حدثني بهذا، قلتُ: هذا لا يَحِلُّ لك، فاتَّقِ الله فيه. فقام من مجلسي وشكاني بعد ذلك، فهذا حديثه. ثمَّ كتب إليَّ بعد ذلك رُقْعَة بخطِّ يده طويلة، يذكر فيها أنَّه وجد جزءًا من سماعه من إبراهيم، فراسلته بأن يعرِضَ عليَّ ذلك الجزء، فلم يفعل. فهذا حديثه، رحمنا الله وإياه".
وقال في تاريخه (١): "عرض عليَّ محمَّد بن إبراهيم بن حمش النيسابوري فوائد جمعها، فنظرتُ في جزءٍ منها فوجدته قد خلط تخليط من لم يكتب حديثًا قط، فنبّهته في ورقة؛ فقال: حسدتني. وخرج إلى بخارى يحدِّث بتلك المعضلات".
٨) مكانة الحاكم عند أهل عصره:
قال الحافظ أبو حازم عمر بن أحمد العبدوي (٢):
"سمعت مشايخنا يقولون: كان الشيخ أبو بكر بن إسحاق وأبو الوليد يرجعان إلى أبي عبد الله في السؤال عن الجرح والتعديل وعِلل الحديث وصحيحه وسقيمه.
وسمعتُ السُّلَمي يقول: "كتبتُ على ظهر جزء من حديث أبي الحسين
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٤٦).
(٢) تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٩ - ٢٣٠).
стр. 35
الحجاجي (الحافظ)، فأخذ القلم وضرب على (الحافظ) وقال: أيش أحفظ أنا، أبو عبد الله بن البيَّاع أحفظ مني".
وسمعتُ أبا أحمد الحافظ يقول: "إنْ كان رجل يقعد مكاني فهو أبو عبد الله".
وسمعتُ السُّلَمي يقول: "سألت الدارقطني: أيهما أحفظ: ابن مندة أو ابن البيِّع؟ فقال: ابن البيِّع أتقن حفظًا".
وقال أبو حازم: "أقمتُ عند الشيخ أبي عبد الله العصمي قريبًا من ثلاث سنين، ولم أَرَ في جملة مشايخنا أتقن منه ولا أكثر تنقيرًا، فكان إذا أشكل عليه شيء أمرني أن أكتب إلى الحاكم أبي عبد الله، فإذا ورد جواب كتابه حكم به وقطع بقوله".
وقال أبو حازم (١): "أول من اشتهر بحفظ الحديث وعلله بنيسابور بعد الإمام مسلم إبراهيم بن أبي طالب، وكان يقابله النسائي وجعفر الفريابي، ثمَّ أبو حامد بن الشرقي وكان يقابله أبو بكر بن زياد النيسابوري وأبو العباس بن سعيد، ثمَّ أبو علي الحافظ وكان يقابله أبو أحمد العسّال وإبراهيم بن حمزة، ثمَّ الشيخان أبو الحسين وأبو أحمد وكان يقابلهما في عصرهما أبو أحمد بن عديّ وأبو الحسين بن المظفر والدارقطني، وتفرَّد الحاكم أبو عبد الله في عصرنا هذا من غير أن يقابله أحد بالحجاز والشام والعراقين والجبال والري وطبرستان وقومس وخراسان بأسرها وما وراء النهر، جعلنا الله تعالى لهذه النعمة من الشاكرين، ولما يلزمنا من تأدية واجبه من المؤدِّين، وبارك لنا في حياته ونَفَّس في مدته، وجعل ما أنعم به عليه وعلينا بمكانه موصولًا بالنعيم المقيم، إنه سميع قريب".
وقال الحاكم في تاريخه (٢): "ذكرنا يومًا ما روى سليمان التيمي عن
_________
(١) وهو من أقران الحاكم، وقد ترجم له الحاكم في تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٤٦٦)، وتوفي بعد الحاكم سنة سبع عشرة وأربعمائة.
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٤٦).
стр. 36
أنس، فمررتُ أنا في الترجمة، وكان بحضرة أبي علي الحافظ وجماعةٍ من المشايخ، إلى أن ذكرتُ حديثَ: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن". فحمل بعضهم عليَّ، فقال أبو علي: لا تفعل، فما رأيتَ أنتَ ولا نحن في سِنِّه مثله".
وهذه المكانة العالية للحاكم بين أهل عصره حملت أقرانه من المشايخ على عرض أصولهم وسماعاتهم عليه ليحكم فيها، قال الحاكم في تاريخه (١): "حمل محمَّد بن أحمد الجنجروذي بيده جميع سماعاته [إليَّ] (٢)، فقال: ما تعلم أنَّه يصح لي منها قراءته، والباقي طرحته. فعرَّفته سماعاته بخط أبيه فاقتصر عليها"، وقال في تاريخه (٣): "عرض عليَّ إبراهيم بن محمَّد المحفوظي في آخر عمره أصوله؛ أكثرها بخطه وكلها صحاح، فسمعنا منه"، وقال في تاريخه (٤): "استشارني عبد الله بن محمَّد بن برزة التاجر غير مرة في الرواية، فأشرتُ عليه بذلك، فحدَّث"، وقال في تاريخه (٥): "لما سُئِل الأمير محمَّد بن محمَّد بن إبراهيم بن سيمجور عقد المجلس للإملاء، أمر بأصوله المسموعة فحُمِلَت إليَّ، وانتقيتُ منها مجالس"، وقال في تاريخه (٦): "عرض عليَّ محمَّد بن إبراهيم بن حمش النيسابوري فوائد جمعها".
ولم يجسُر أحد أقران الحاكم على التحديث ببعض الكتب حتى توفي الحاكم، قال محمَّد بن يوسف القطان النيسابوري: "كان أبو عبد الرحمن السُّلَمي غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئًا يسيرًا، فلما مات الحاكم أبو عبد الله ابن البيِّع، حدَّث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين وبأشياء كثيرة سواه" (٧).
* * *
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٢٣).
(٢) زيادة مني ليكتمل النص.
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٦٩).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٣٩٥).
(٥) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٨٦٧).
(٦) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٤٦).
(٧) تاريخ بغداد (٥/ ٢٤٨).
стр. 37
الفصل الرابع: كلام الحاكم في شيوخه وأقرانه جرحًا وتعديلًا
١ - علم الجرح والتعديل:
لقد اهتم المحدِّثون بعلم الجرح والتعديل اهتمامًا كبيرًا، وبذلوا جهودًا جبَّارة في دراسة أحوال الرجال الذين نقلوا السنة النبوية، "وهو علم يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ مخصوصة وعن مراتب تلك الألفاظ، وهذا العلم من فروع علم رجال الأحاديث، ولم يذكره أحد من أصحاب الموضوعات مع أنَّه فرع عظيم، والكلام في الرجال جرحًا وتعديلًا ثابت عن رسول الله ﷺ ثمَّ عن كثير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وجوَّز ذلك تورعًا وصونًا للشريعة لا طعنًا في الناس، وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة، والتثبت في أمر الدين أولى من التثبت في الحقوق والأموال، فلهذا افترضوا على أنفسهم الكلام في ذلك" (١).
وقال الحاكم: "إن معرفة الجرح والتعديل هو ثمرة هذا العلم والمرقاة الكبيرة منه" (٢).
٢ - مكانة الحاكم في الجرح والتعديل:
لقد برع الحاكم في علم الجرح والتعديل حتى أصبح إمامًا فيه ومرجعًا يُرْجَعُ إليه في السؤال عن أحوال الرواة.
_________
(١) كشف الظنون (١/ ٣٩٠).
(٢) معرفة علوم الحديث (ص ٩٩).
стр. 38
قال الخليل بن عبد الله القزويني: "وكنت أسأل الحاكم عن الضعفاء الذين نشأوا بعد الثلاثمائة بنيسابور وغيرها من شيوخ خراسان، وكان يبيِّن من غير محاباة" (١).
وقال الحافظ أبو حازم عمر بن أحمد العبدوي: "سمعت مشايخنا يقولون: كان الشيخ أبو بكر بن إسحاق وأبو الوليد يرجعان إلى أبي عبد الله الحاكم في السؤال عن الجرح والتعديل وعلل الحديث وصحيحه وسقيمه" (٢).
ولم تقتصر إمامة الحاكم في علم الجرح والتعديل على أهل بلده بنيسابور، بل تَعَدَّت إلى أهل الحديث ببغداد. قال مسعود بن علي السجزي: سمعتُ الحاكم يقول: "حضرني أبو محمَّد بن أبي عمرو بن إسحاق العَمَّاري المجلس يوم الإثنين الثالث والعشرين من جُمادى الآخرة من سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة عند منصرفه من العراق، فأدَّى إليَّ عند الفراغ من المجلس رسالة إخواننا من أهل المعرفة بالحديث ببغداد: أنَّا قد نَشَطْنا في الصحيح، وقد ابتدأ جماعةٌ في طلبه، وإنا قد كتبنا عن جماعةٍ من الخراسانيين من الحاجِّ وغيرهم، ولم نقف على محلِّهم مِن الجرح والتعديل، ومَن يصلح منهم للرواية عنه في الصحيح، ومَن لا يصلح - وذكر من الجميل ما لا يحسن بي ذكره بخطي في هذا الموضع -، فرجعنا إليك في السؤال عنهم لِتُملي على أبي محمَّد تحت اسم كُلِّ واحدٍ منهم ما يُعْتَمد فيه خطّه بإملائك عليه".
٣ - منهج الحاكم في الجرح والتعديل:
قال الحاكم: "ومما يحتاج إليه طالب الحديث في زماننا هذا أن يبحث عن أحوال المحدِّث أولًا: هل يعتقد الشريعة في التوحيد؟ وهل يُلزم نفسه طاعة الأنبياء والرسل صلى الله عليهم فيما أوحي إليهم ووضعوا من الشرع، ثمَّ يتأمل حاله: هل هو صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه؛ فإن
_________
(١) كتاب الإرشاد (ص ٨٥٤).
(٢) تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٩).
стр. 39
الداعي إلى البدعة لا يكتب عنه ولا كرامة لإجماع جماعة من أئمة المسلمين على تركه، ثمَّ يتعرَّف سنة، هل يحتمل سماعه من شيوخه الذين يحدِّث عنهم؛ فقد رأينا من المشايخ جماعة أخبرونا بسنّ يقصر عن لقاء شيوخ حدَّثوا عنهم؛ ثمَّ يتأمل أصوله: أعتيقة هي أم جديدة، فقد نبغ في عصرنا هذا جماعة يشترون الكتب فيُحدِّثون بها، وجماعة يكتبون سماعاتهم بخطوطهم في كتب عتيقة في الوقت فيحدِّثون بها، فمن يسمع منهم من غير أهل الصنعة فمعذور بجهله. فأما أهل الصنعة إذا سمعوا من أمثال هؤلاء بعد الخبرة ففيه جرحهم وإسقاطهم إلى أن تظهر توبتهم، على أن الجاهل بالصنعة لا يُعذر فإنَّه يلزمه السؤال عما لا يعرفه، وعلى ذلك كان السَّلَف ﵃ أجمعين" (١).
٤ - مقتطفات من كلام الحاكم في شيوخه وأقرانه من "تاريخ نيسابور":
١ - أحمد بن بالويه، أبو حامد العفصي (ت ٣٤٣): صدوق.
٢ - أحمد بن بسام، أبو الحسين البغدادي (ت ٣٧٠): غير محمود عند البغداديين.
٣ - أحمد بن علي، أبو حامد الحسنوي (ت ٣٥٠): حدّث عن جماعة من أئمة المسلمين أشهد بالله أنَّه لم يسمع منهم (٢).
٤ - أحمد بن محمَّد، أبو الحسن الطرائفي (٣٤٦): من أهل الصدق والمحدثين المشهورين.
٥ - أحمد بن محمَّد، أبو حامد النيسابوري (ت ٣٧٩): تغير بآخرة لقلة رطوبته، وهو في الحديث صدوق.
٦ - أحمد بن محمَّد، أبو نصر الكلاباذي (ت ٣٩٨): مُتْقِن، ثَبْتٌ في الرواية والمذاكرة.
_________
(١) معرفة علوم الحديث (ص ٥٤ - ٥٥).
(٢) انظر تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٥٠) لقراءة كلام الحاكم المفصَّل حول الرجل.
стр. 40
٧ - أحمد بن موسى، أبو الحسن الفرائضي (ت ٣٥٤): يضع الحديث، ويركب الأسانيد على المتون.
٨ - أحمد بن يوسف، أبو حامد الأشقر (ت ٣٥٩): حدثني عن الحسن بن حبَّان بن موسى عن ابن المبارك بأحاديث هِبْت روايتها إذ لم يكن الحديث من شأنه.
٩ - أحمد بن يعقوب بن بقاطر القرشي الجرجاني (ت ٣٦٧): كان يضع الحديث.
١٠ - إبراهيم بن عصمة، أبو إسحاق النيسابوري (ت ٣٤٧): كانت أصوله صحاح وسماعاته صحيحة، فوقع إليه بعض الورّاقين فزاد فيه أشياء قد برّأ الله أبا إسحاق منها.
١١ - جعفر بن محمَّد، أبو محمَّد المراغي (ت ٣٥٦): كان من أصدق الناس في الحديث وأثبتهم.
١٢ - الحسن بن إبراهيم، أبو محمَّد القطان (ت ٣٤٣): ثقة في الحديث، فَهْمٌ في الرواية.
١٣ - الحسن بن أحمد، أبو محمَّد المخلدي (ت ٣٨٩): صحيح الكتب والسَّماع، متقن في الرواية.
١٤ - الحسن بن عثمان، أبو محمَّد التمتامي (ت ٣٤٦): كان يحفظ وليس بالمعتمد في المذاكرة والتحديث.
١٥ - الحسن بن محمَّد، أبو محمَّد المتطبب الرازي: كان يحدِّث عن الكديمي وأقرانه بالعجائب.
١٦ - الزبير بن عبد الواحد الأسداباذي (ت ٣٤٧): من الصالحين المستورين الثقات الحفاظ.
١٧ - علي بن أحمد، أبو الحسن الجرجاني (ت ٣٦٦): حدثنا عن أبي بشر المروزي بالعجائب.
следующие страницы →