Полный текст (512 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أنس، فمررتُ أنا في الترجمة، وكان بحضرة أبي علي الحافظ وجماعةٍ من المشايخ، إلى أن ذكرتُ حديثَ: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن". فحمل بعضهم عليَّ، فقال أبو علي: لا تفعل، فما رأيتَ أنتَ ولا نحن في سِنِّه مثله".
وهذه المكانة العالية للحاكم بين أهل عصره حملت أقرانه من المشايخ على عرض أصولهم وسماعاتهم عليه ليحكم فيها، قال الحاكم في تاريخه (١): "حمل محمَّد بن أحمد الجنجروذي بيده جميع سماعاته [إليَّ] (٢)، فقال: ما تعلم أنَّه يصح لي منها قراءته، والباقي طرحته. فعرَّفته سماعاته بخط أبيه فاقتصر عليها"، وقال في تاريخه (٣): "عرض عليَّ إبراهيم بن محمَّد المحفوظي في آخر عمره أصوله؛ أكثرها بخطه وكلها صحاح، فسمعنا منه"، وقال في تاريخه (٤): "استشارني عبد الله بن محمَّد بن برزة التاجر غير مرة في الرواية، فأشرتُ عليه بذلك، فحدَّث"، وقال في تاريخه (٥): "لما سُئِل الأمير محمَّد بن محمَّد بن إبراهيم بن سيمجور عقد المجلس للإملاء، أمر بأصوله المسموعة فحُمِلَت إليَّ، وانتقيتُ منها مجالس"، وقال في تاريخه (٦): "عرض عليَّ محمَّد بن إبراهيم بن حمش النيسابوري فوائد جمعها".
ولم يجسُر أحد أقران الحاكم على التحديث ببعض الكتب حتى توفي الحاكم، قال محمَّد بن يوسف القطان النيسابوري: "كان أبو عبد الرحمن السُّلَمي غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئًا يسيرًا، فلما مات الحاكم أبو عبد الله ابن البيِّع، حدَّث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين وبأشياء كثيرة سواه" (٧).
* * *
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٢٣).
(٢) زيادة مني ليكتمل النص.
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٦٩).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٣٩٥).
(٥) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٨٦٧).
(٦) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٤٦).
(٧) تاريخ بغداد (٥/ ٢٤٨).
стр. 37
الفصل الرابع: كلام الحاكم في شيوخه وأقرانه جرحًا وتعديلًا
١ - علم الجرح والتعديل:
لقد اهتم المحدِّثون بعلم الجرح والتعديل اهتمامًا كبيرًا، وبذلوا جهودًا جبَّارة في دراسة أحوال الرجال الذين نقلوا السنة النبوية، "وهو علم يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ مخصوصة وعن مراتب تلك الألفاظ، وهذا العلم من فروع علم رجال الأحاديث، ولم يذكره أحد من أصحاب الموضوعات مع أنَّه فرع عظيم، والكلام في الرجال جرحًا وتعديلًا ثابت عن رسول الله ﷺ ثمَّ عن كثير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وجوَّز ذلك تورعًا وصونًا للشريعة لا طعنًا في الناس، وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة، والتثبت في أمر الدين أولى من التثبت في الحقوق والأموال، فلهذا افترضوا على أنفسهم الكلام في ذلك" (١).
وقال الحاكم: "إن معرفة الجرح والتعديل هو ثمرة هذا العلم والمرقاة الكبيرة منه" (٢).
٢ - مكانة الحاكم في الجرح والتعديل:
لقد برع الحاكم في علم الجرح والتعديل حتى أصبح إمامًا فيه ومرجعًا يُرْجَعُ إليه في السؤال عن أحوال الرواة.
_________
(١) كشف الظنون (١/ ٣٩٠).
(٢) معرفة علوم الحديث (ص ٩٩).
стр. 38
قال الخليل بن عبد الله القزويني: "وكنت أسأل الحاكم عن الضعفاء الذين نشأوا بعد الثلاثمائة بنيسابور وغيرها من شيوخ خراسان، وكان يبيِّن من غير محاباة" (١).
وقال الحافظ أبو حازم عمر بن أحمد العبدوي: "سمعت مشايخنا يقولون: كان الشيخ أبو بكر بن إسحاق وأبو الوليد يرجعان إلى أبي عبد الله الحاكم في السؤال عن الجرح والتعديل وعلل الحديث وصحيحه وسقيمه" (٢).
ولم تقتصر إمامة الحاكم في علم الجرح والتعديل على أهل بلده بنيسابور، بل تَعَدَّت إلى أهل الحديث ببغداد. قال مسعود بن علي السجزي: سمعتُ الحاكم يقول: "حضرني أبو محمَّد بن أبي عمرو بن إسحاق العَمَّاري المجلس يوم الإثنين الثالث والعشرين من جُمادى الآخرة من سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة عند منصرفه من العراق، فأدَّى إليَّ عند الفراغ من المجلس رسالة إخواننا من أهل المعرفة بالحديث ببغداد: أنَّا قد نَشَطْنا في الصحيح، وقد ابتدأ جماعةٌ في طلبه، وإنا قد كتبنا عن جماعةٍ من الخراسانيين من الحاجِّ وغيرهم، ولم نقف على محلِّهم مِن الجرح والتعديل، ومَن يصلح منهم للرواية عنه في الصحيح، ومَن لا يصلح - وذكر من الجميل ما لا يحسن بي ذكره بخطي في هذا الموضع -، فرجعنا إليك في السؤال عنهم لِتُملي على أبي محمَّد تحت اسم كُلِّ واحدٍ منهم ما يُعْتَمد فيه خطّه بإملائك عليه".
٣ - منهج الحاكم في الجرح والتعديل:
قال الحاكم: "ومما يحتاج إليه طالب الحديث في زماننا هذا أن يبحث عن أحوال المحدِّث أولًا: هل يعتقد الشريعة في التوحيد؟ وهل يُلزم نفسه طاعة الأنبياء والرسل صلى الله عليهم فيما أوحي إليهم ووضعوا من الشرع، ثمَّ يتأمل حاله: هل هو صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه؛ فإن
_________
(١) كتاب الإرشاد (ص ٨٥٤).
(٢) تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٩).
стр. 39
الداعي إلى البدعة لا يكتب عنه ولا كرامة لإجماع جماعة من أئمة المسلمين على تركه، ثمَّ يتعرَّف سنة، هل يحتمل سماعه من شيوخه الذين يحدِّث عنهم؛ فقد رأينا من المشايخ جماعة أخبرونا بسنّ يقصر عن لقاء شيوخ حدَّثوا عنهم؛ ثمَّ يتأمل أصوله: أعتيقة هي أم جديدة، فقد نبغ في عصرنا هذا جماعة يشترون الكتب فيُحدِّثون بها، وجماعة يكتبون سماعاتهم بخطوطهم في كتب عتيقة في الوقت فيحدِّثون بها، فمن يسمع منهم من غير أهل الصنعة فمعذور بجهله. فأما أهل الصنعة إذا سمعوا من أمثال هؤلاء بعد الخبرة ففيه جرحهم وإسقاطهم إلى أن تظهر توبتهم، على أن الجاهل بالصنعة لا يُعذر فإنَّه يلزمه السؤال عما لا يعرفه، وعلى ذلك كان السَّلَف ﵃ أجمعين" (١).
٤ - مقتطفات من كلام الحاكم في شيوخه وأقرانه من "تاريخ نيسابور":
١ - أحمد بن بالويه، أبو حامد العفصي (ت ٣٤٣): صدوق.
٢ - أحمد بن بسام، أبو الحسين البغدادي (ت ٣٧٠): غير محمود عند البغداديين.
٣ - أحمد بن علي، أبو حامد الحسنوي (ت ٣٥٠): حدّث عن جماعة من أئمة المسلمين أشهد بالله أنَّه لم يسمع منهم (٢).
٤ - أحمد بن محمَّد، أبو الحسن الطرائفي (٣٤٦): من أهل الصدق والمحدثين المشهورين.
٥ - أحمد بن محمَّد، أبو حامد النيسابوري (ت ٣٧٩): تغير بآخرة لقلة رطوبته، وهو في الحديث صدوق.
٦ - أحمد بن محمَّد، أبو نصر الكلاباذي (ت ٣٩٨): مُتْقِن، ثَبْتٌ في الرواية والمذاكرة.
_________
(١) معرفة علوم الحديث (ص ٥٤ - ٥٥).
(٢) انظر تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٥٠) لقراءة كلام الحاكم المفصَّل حول الرجل.
стр. 40
٧ - أحمد بن موسى، أبو الحسن الفرائضي (ت ٣٥٤): يضع الحديث، ويركب الأسانيد على المتون.
٨ - أحمد بن يوسف، أبو حامد الأشقر (ت ٣٥٩): حدثني عن الحسن بن حبَّان بن موسى عن ابن المبارك بأحاديث هِبْت روايتها إذ لم يكن الحديث من شأنه.
٩ - أحمد بن يعقوب بن بقاطر القرشي الجرجاني (ت ٣٦٧): كان يضع الحديث.
١٠ - إبراهيم بن عصمة، أبو إسحاق النيسابوري (ت ٣٤٧): كانت أصوله صحاح وسماعاته صحيحة، فوقع إليه بعض الورّاقين فزاد فيه أشياء قد برّأ الله أبا إسحاق منها.
١١ - جعفر بن محمَّد، أبو محمَّد المراغي (ت ٣٥٦): كان من أصدق الناس في الحديث وأثبتهم.
١٢ - الحسن بن إبراهيم، أبو محمَّد القطان (ت ٣٤٣): ثقة في الحديث، فَهْمٌ في الرواية.
١٣ - الحسن بن أحمد، أبو محمَّد المخلدي (ت ٣٨٩): صحيح الكتب والسَّماع، متقن في الرواية.
١٤ - الحسن بن عثمان، أبو محمَّد التمتامي (ت ٣٤٦): كان يحفظ وليس بالمعتمد في المذاكرة والتحديث.
١٥ - الحسن بن محمَّد، أبو محمَّد المتطبب الرازي: كان يحدِّث عن الكديمي وأقرانه بالعجائب.
١٦ - الزبير بن عبد الواحد الأسداباذي (ت ٣٤٧): من الصالحين المستورين الثقات الحفاظ.
١٧ - علي بن أحمد، أبو الحسن الجرجاني (ت ٣٦٦): حدثنا عن أبي بشر المروزي بالعجائب.
стр. 41
١٨ - علي بن عبد الملك الطرسوسي (ت ٣٨٤): كان متهاونًا بالسَّماع والرواية.
١٩ - الفضل بن محمَّد، أبو الهيثم النيسابوري (ت ٣٨٥): أصيب بعقله في أواخر عمره.
٢٠ - محمَّد بن أحمد، أبو بكر الحيري الغازي: حدّث بأحاديث لم يُتَابَع عليها، ولم يكن بالمحمود عند أصحابنا.
٢١ - محمَّد بن أحمد بن حمدون، أبو بكر الطيّب (ت ٣٥٩): صحيح السَّماع، كثير الكتب.
٢٢ - محمَّد بن أحمد، أبو بكر الشافعي (ت ٣٥٥): عرض عليَّ من حديثه المناكير الكثيرة وروايته عن قوم لا يعرفون.
٢٣ - محمَّد بن أحمد، أبو عبد الله البخاري (ت ٣٧٣): ثقة في الحديث.
٢٤ - محمَّد بن جعفر، أبو جعفر النسوي (ت ٣٦٠): حسن الحديث، صحيح الأصول.
٢٥ - محمَّد بن الحسن، أبو طاهر المحمداباذي (ت ٣٣٦): من أكابر المشايخ الثقات.
٢٦ - محمَّد بن الخالد، أبو بكر البخاري (ت ٣٦٢): حسن الحديث.
٢٧ - محمَّد بن صالح بن هانئ الميداني (ت ٣٤٠): ثقة ثبت.
٢٨ - محمَّد بن عبد الله التاجر النيسابوري (ت ٣٤١): صحيح السَّماع.
٢٩ - محمَّد بن عبد الله بن بالويه الساماني (ت ٣٤٠): صدوق، صاحب كتاب.
٣٠ - محمَّد بن عبد الله، أبو محمَّد المزني (ت ٣٥٢): كان صدوقًا فيما حدَّث.
стр. 42
٣١ - محمَّد بن عبد الله بن قريش الريونجي (ت ٣٦٢): كان كثير الحديث، حسن الخط، صدوقًا في الرواية.
٣٢ - محمَّد بن علي، أبو منصور الجلَّاب (ت ٣٤٥): شيخ صدوق حسن الأصول.
٣٣ - محمَّد بن علي، أبو الحسن الرازي: هذا الشيخ عندي صدوق.
٣٤ - محمَّد بن القاسم، أبو منصور الصِّبغي (ت ٣٤٦): صدوق، صحيح الأصول.
٣٥ - محمَّد بن محمَّد بن الحسن الكارزي (ت ٣٤٦): كان صحيح السَّماع مقبولًا في الرواية.
٣٦ - محمَّد بن محمَّد بن يعقوب الحجاجي (ت ٣٦٨): الصدوق الثبت.
٣٧ - محمَّد بن محمَّد، أبو بكر الطرازي (ت ٣٨٥): من المذكورين بحفظ الحديث، خالف الأئمة في آخر عمره في أحاديث حدَّث بها من حفظه.
٣٨ - محمَّد بن موسى، أبو الحسن الصيدلاني (ت ٣٥٢): كان له فهم، ولكنه كان مغفَّلًا.
٣٩ - معبد بن جمعة بن خاقان الطبري (ت ٣٤١): كان يخالَف في بعض حديثه.
٤٠ - لاحق بن الحسين بن عمران المقدسي (ت ٣٨٥): قدم علينا نيسابور وهو أحسن حالًا مما صار في آخر أيامه بمرو، وحدَّث عن أبي عبد الله المحاملي ومحمد بن مخلد الدوري وأقرانهما، ثمَّ ارتقى عن ذلك بعد سنين وحدَّث بالموضوعات وأكثر.
* * *
стр. 43
الفصل الخامس: تلامذة الحاكم
من المؤكد أن طول عمر الحاكم وتفرُّده بحفظ الحديث وعلله في عصره - كما وصفه الحافظ العبدوي - حفَّزت الكثير من طلاب الحديث على شدِّ الرحال إليه للتتلمذ على يديه، وأثناء قراءتي في كتاب "المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور" مَرَّ معي الكثير من أسماء الذين سمعوا من الحاكم، ولكني سأقتصر على ذكر من وصفهم عبد الغافر الفارسي بأنهم "من أصحاب الحاكم"، وهم:
١) شيخ الإِسلام إسماعيل بن عبد الرحمن، أبو عثمان الصابوني (١):
الخطيب، المفسر، المحدِّث، الواعظ، أوحد وقته في طريقته، ووعظ المسلمين في مجالس التذكير سبعين سنة، وهو مؤلف الكتاب الأثري "عقيدة السلف أصحاب الحديث" (٢)، ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وتوفي عصر يوم الخميس الرابع من المحرم سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
أ - توقير الحاكم له:
قال أبو بكر البيهقي: "عهدي بالحاكم الإمام أبي عبد الله مع تقدُّمه في السن والحفظ والإتقان، أنَّه يقوم للأستاذ أبي عثمان الصابوني عند دخوله
_________
(١) انظر ترجمته في السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١٣١ - ١٣٦).
(٢) طُبع في مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية.
стр. 44
إليه، ويخاطبه بالأستاذ الأوحد، وينشر علمه وفضله، ويعيد كلامه في وعظه متعجبًا من حسنه، معتدًا بكونه من أصحابه" (١).
ب - طلب الحاكم الدعاء منه:
قال أبو بكر البيهقي: "قَرَحَ وجهُ شيخنا الحاكم أبي عبد الله ﵀، وعالجه بأنواع المعالجة، فلم يذهب، وبقي فيه قريبًا من سنة، فسأل الأستاذ الإمام أبا عثمان الصابوني أنْ يدعو له في مجلسه يوم الجمعة، فدعا له، وأكثر الناس التأمين" (٢).
٢) الإمام أحمد بن الحسين، أبو بكر البيهقي (٣):
قال عبد الغافر الفارسي: الإمام الحافظ الفقيه الأصولي الديِّن الورع، واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط. من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله الحافظ والمكثرين عنه، ثمَّ الزائد عليه في أنواع العلوم. توفي بنيسابور في عاشر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وولادته في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٦٤ - ١٦٥): سمع من الحاكم أبي عبد الله الحافظ، فأكثر جدًا وتخرَّج به … وبُورِكَ له في علمه، وصنف التصانيف النافعة، ولم يكن عنده "سنن النسائي" ولا "سنن ابن ماجه" ولا "جامع الترمذي"، بلى عنده عن الحاكم وِقر بعير أو نحو ذلك.
أ - استدراكه على الحاكم:
قال أبو الحسن البيهقي: "حدث مرة أن أبا بكر البيهقي كان في مجلس الحاكم أبي عبد الله الحافظ - وكان غاصًّا بجمع كثير من العلماء - أنْ روى الحاكم أبو عبد الله حديثًا، فأسقط أحد رواته، فقال الإمام أبو بكر
_________
(١) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١٣٤).
(٢) شعب الإيمان للبيهقي (٣/ ٢٢١).
(٣) انظر ترجمته في السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١٠٣ - ١٠٤).
стр. 45
البيهقي: لقد تركتَ أحد الرواة، ولما غضب الحاكم أبو عبد الله، طلب إليه أن يحضر الأصل، فأحضره، فكان الأمر كما قال الإمام البيهقي" (١).
٣) مسعود بن علي السجزي الحافظ (٢):
قال عبد الغافر الفارسي: من وجوه أصحاب الحاكم أبي عبد الله المكثرين عليه، حدَّث بشيء من مصنفات الحاكم. توفي كهلًا سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، بخط الحسكاني سنة تسع وثلاثين وأربعمائة.
وقال الذهبي في تاريخ الإِسلام (٣): من أعيان تلامذة الحاكم أبي عبد الله، وله عنه سؤالات (٤)، وقد أكثر عنه، وروى شيئًا يسيرًا عن الحاكم لأنه توفي كهلًا.
٤) محمَّد بن عبد العزيز، أبو بكر السفياني (٥):
قال عبد الغافر الفارسي: ثقة، حافظ، من أصحاب الحاكم أبي عبد الله الحافظ، سمع الكثير وصنَّف وحدّث وكان مؤدِّب والدي، جمع مصنفات الحاكم وسمعها وحدّث عن غيره، وكان من العبّاد الزهّاد. توفي في رجب سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ودفن بشط الوادي.
٥) محمَّد بن عبيد الله، أبو بكر الفامي (٦):
قال عبد الغافر الفارسي: فاضل، سمع الكثير، وجمع الأبواب والتراجم، وأنفق في طلب الحديث والرحلة جملةً من ماله، وتلمذ للحاكم أبي عبد الله، وأدركته المنية وهو كهل، لم يتفق له الرواية إلا بشيءٍ يسير، وتوفي قبل العشرين وأربعمائة.
_________
(١) تاريخ بيهق (ص ٣٤٥).
(٢) انظر ترجمته في السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ٤٣٢).
(٣) (٤٢١ - ٤٠٠ هـ) (ص ٤٦٧).
(٤) سيأتي الكلام على سؤالاته في مصنفات الحاكم.
(٥) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ٤٥).
(٦) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ٤٧).
стр. 46
٦) علي بن محمَّد، أبو نصر القصار (١):
قال عبد الغافر الفارسي: من أصحاب الحاكم أبي عبد الله، ولم يحدِّث إلا باليسير لأنه مات في حدِّ الكهولة سنة نيف وثلاثين وأربعمائة.
٧) الخليل بن عبد الله، أبو يعلى القزويني (٢):
قال الذهبي: الحافظ، مصنِّف "الإرشاد في معرفة المحدثين". كان ثقة عارفًا بالعلل والرجال، عالي الإسناد، سأل الحاكم عن أشياء من العلل. روى عنه أبو بكر بن لال مع تقدُّمه وهو من شيوخه، وغيره، توفي في آخر سنة ست وأربعين وأربعمائة.
أ - ترجمته للحاكم في كتابه "الإرشاد":
قال أبو يعلى القزويني (٣): "عالم، عارف، واسعُ العلمِ، ذو تصانيف كثيرة، لم أَرَ أوفى منه … وهو ثقة واسع العلم، بلغت تصانيفه الكتب الطوال، والأبواب، وجمع الشيوخ المكثرين والمُقلّين قريبًا من خمسمائة جزء، ويستقصي في ذلك، يؤلّف الغَثَّ والسمين، ثمَّ يتكلم عليه، فيبيِّن ذلك … رأيته في كل ما أُلقِيَ عليه بحرًا لا يعجزه عنه … وصنَّفَ لأبي علي بن سيمجور كتابًا في أيام النبي ﷺ وأزواجه، ومسنداته وأحاديثه، وسمّاه "الإكليل"؛ لم أر أحدًا رَتَّبَ ذلك الترتيب، وكنت أسأله عن الضعفاء الذين نشأوا بعد الثلاثمائة بنيسابور وغيرها من شيوخ خراسان، وكان يبيِّن من غير محاباة".
ب - اختبار الحاكم له:
قال أبو يعلى القزويني (٤): سألني الحاكم في اليوم الثاني لما دخلتُ عليه، ويُقْرَأ عليه في فوائد العراقيين: سفيان الثوري عن أبي سلمة عن الزهري عن سهل بن سعد حديث الاستئذان.
_________
(١) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ٣٨٣).
(٢) انظر ترجمته في: تاريخ الإِسلام (٤٤١ - ٤٦٠ هـ) (ص ١٣٠ - ١٣١).
(٣) (ص ٨٥١ - ٨٥٤)، وقد طُبع في مكتبة الرشد، الرياض.
(٤) الإرشاد (ص ٨٥٢ - ٨٥٣).
стр. 47
فقال لي: من أبو سلمة هذا؟ فقلت من وقته: هو المغيرة بن سلمة السَّراج. فقال لي: كيف يروي المغيرة عن الزهري؟! فبقيت، ثمَّ قال: قد أمهلتك أسبوعًا حتى تتفكّر فيه. فمن ليلته تفكّرت في أصحاب الزهري مرارًا، حتى بقيتُ فيه أكرّر التفكر، فلما وقعت إلى أصحاب الجزيرة من أصحاب الزهري، تذكَّرتُ محمَّد بن أبي حفصة، فإذا كنيته أبو سلمة.
فلما أصبحتُ، حضرتُ مجلسه، ولم أذكر شيئًا، حتى قرأتُ عليه مما انتخبتُ قريبًا من مائة حديث. قال لي: هل تفكَّرتَ فيما جرى؟ فقلتُ: نعم، هو محمَّد بن أبي حفصة، فتعجَّب وقال لي: نظرتُ في "حديث سفيان" لأبي عمرو البحيري؟! قلتُ: واللهِ ما لقيت أبا عمرو، ولا رأيته. فذكرتُ له مما أمَّمتُ في ذلك، فتحيَّر، وأثنى عليَّ، ثمَّ كنت أسأله، فقال لي: أنا إذا ذاكرتُ اليوم في باب فلا بُدَّ من المطالعة لكبر سِنِّي، فرأيته في كل ما أُلقِي عليه بحرًا لا يعجزه عنه".
٨) عبد العزيز بن عبد الرحمن، أبو القاسم الصفار (١):
قال عبد الغافر الفارسي: كثير الكتابة والسَّماع والحديث، من أصحاب أبي عبد الله الحاكم، كان يحفظ ويذاكر بالحديث، توفي في نيف وثلاثين وأربعمائة.
وقد حدَّث عن الحاكم من الحفاظ المعروفين: أبا سعد إسماعيل بن علي الإستراباذي (٢)، وأبا نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٣).
٩) أحمد بن علي، أبو بكر الشيرازي - وهو آخر من حدَّث عن الحاكم - (٤):
قال عبد الغافر الفارسي: الأديب، الصوفي الفاضل، نسيب، مشهور،
_________
(١) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ٣٤٨).
(٢) تاريخ بغداد (٤/ ٢٨٩).
(٣) تاريخ بغداد (١١/ ٢٠٣).
(٤) انظر ترجمته في: السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١١٠ - ١١١).
стр. 48
ثقة. زجّى عمره واستتم أمره، وانفرد بالرواية في آخر عمره عن أكثر مشايخه من غير مشاركة، للبركة في عمره وروايته حتى خُتِم بموته حديث الحاكم أبي عبد الله، وكان محدِّث وقته، انتخب عليه الحفاظ وخرِّجت له الفوائد، ومضى إلى رحمة الله تعالى في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأوّل سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وكان مولده سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.
* * *
стр. 49
الفصل السادس: رحلاته
١) سنّية الرحلة في طلب الحديث:
قال الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع": "المقصود في الرحلة في الحديث أمران:
- أحدهما تحصيل عُلُوِّ الإسناد وقِدَم السماع.
- والثاني لقاء الحفاظ، والمذاكرة لهم، والاستفادة عنهم.
فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب، ومعدومين في غيره، فلا فائدة في الرحلة، والاقتصار على ما في البلد أولى. وإذا عزم الطالب على الرحلة، فينبغي أن لا يترك في بلده من الرواة أحدًا إلا ويكتب عنه ما تيسّر من الأحاديث؛ وإنْ قَلَّت. وقد رحل في الحديث الواحد جماعة من السَّلَف، ذكرنا أسماءهم، وأوردنا أخبارهم في كتاب "الرحلة في طلب الحديث"" اهـ.
وقال الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (١): "فأما طلب العالي من الأسانيد فإنها مسنونة كما ذكرناه، وقد رحل في طلب الإسناد العالي غير واحد من الصحابة". وقال (٢): "وجابر بن عبد الله على كثرة حديثه وملازمته
_________
(١) (ص ٤٢).
(٢) (ص ٤٥).
стр. 50
رسول الله ﷺ ، رحل إلى من هو مثله أو دونه مسافة بعيدة في طلب حديثٍ واحد".
ويشيرُ الحاكم إلى ما رواه في المستدرك (١) من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ سمعه من رسول الله ﷺ في القصاص ولم أسمعه، فابتعتُ بعيرًا فشددت رحلي عليه، ثم سِرْتُ شهرًا حتى قدمت مصر فأتيت عبد الله بن أُنيس، فقلتُ للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فأتاه فأخبره، فقام يطأ ثوبه حتى خرج إليَّ فاعتنقني واعتنقته، فقلتُ له: حديث بلغني عنك سمعته من رسول الله ﷺ ولم أسمعه في القصاص، فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه، فقال عبد الله: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يحشر الله العباد - أو قال: الناس - عراة غرلًا بُهمًا"، قلنا: ما بُهمًا؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُب: أنا الملك أنا الديّان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة حتى أقصّه منه، حتى اللطمة"، قال: قلنا: كيف ذا وإنما نأتي الله غرلًا بُهمًا؟ قال: "بالحسنات والسيئات"، قال: وتلا رسولُ الله ﷺ : ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] ".
٢) المدن التي دخلها الحاكم في رحلاته:
أ - أبزار: قال الحاكم في تاريخه (٢): "خرجت إلى قرية أبي جعفر محمَّد بن أحمد أبزار، وهي على فرسخين من نيسابور"، وقد زارها الحاكم قبل شهر صفر سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة؛ وهو تاريخ وفاة شيخه المذكور.
_________
(١) (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٩٧٠)، وحسنه الألباني في تعليقه على الأدب المفرد.
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧١٤).
стр. 51
ب - أسداباذ: وهي بليدة على منزل من همذان إذا خَرَجْتَ إلى العراق (١)، وقد دخلها الحاكم في رحلته الأولى إلى الحج سنة إحدى أو اثنتين وأربعين وثلاثمائة (٢)، ثم دخلها في رحلته الثالثة إلى الحج سنة سبع وستين وثلاثمائة (٣).
ج - بخارى: وهي من أعظم مُدُن ما وراء النهر وأجلّها (٤)، وتقع اليوم فيما يُعرف بجمهورية أوزبكستان، وقد دخلها الحاكم سنة خمس وخمسين وثلاثمائة (٥)، وقد تردد الحاكم في تاريخ كتابته عن عبد الصمد بن محمَّد البخاري ببخارى: أفي سنة خمس أو ست وخمسين (٦)، وتردد في اجتماعه بأحمد بن يوسف الأشقر ببخارى: أفي سنة خمس أو ست وخمسين (٧)، وذكر الحاكم وجوده ببخارى سنة سبع وخمسين (٨)، وذكر ما يفيد أنه استمر ببخارى إلى سنة تسع وخمسين حيث عاد إلى نيسابور، فقال في تاريخه (٩): "قُلِّد عبيد الله بن محمَّد الكلاباذي قضاءَ نيسابور وأنا ببخارى، فالتمس مني الخروج في صُحْبته، فامتنعت، فخرج، فوردها قاضيًا في ذي القعدة سنة سبع وخمسين، ثم قُضِيَ أني وردت نيسابور وهو بها على القضاء، فسألته، فحدِّث وانتخبتُ عليه، وذلك في سنة تسع وخمسين وثلاثمائة". ثم عاد الحاكم إلى بخارى حيث ذكر وجوده بها في غرة ذي الحجة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة (١٠)، واستمر وجوده بها إلى سنة ستين وثلاثمائة (١١).
_________
(١) الأنساب (مادة: الأسداباذي).
(٢) تردُّد الحاكم في تحديد السنة يدل على أنه لا يذكر أزارها في ذهابه إلى الحج أو عودته.
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٩٤).
(٤) معجم البلدان (١/ ٣٥٣).
(٥) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٤٠٤).
(٦) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٤٤٥).
(٧) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٤٦).
(٨) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٤٦).
(٩) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٤٠٤).
(١٠) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٢٨).
(١١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٠٢).
стр. 52
د - بغداد: وصفها الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ٢٧٢) بقوله: "هي مدينة العلم وموسم العلماء والأفاضل عمّرها الله"، ودخلها الحاكم في رحلته الأولى إلى الحج سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة (١)، وقد التقى بسعيد بن نصر الأندلسي ببغداد في شوال من سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة (٢)، والتقى بالإمام الدارقطني ووصفه قائلًا: "أول ما دخلت بغداد كان الدارقطني يحضر المجالس وسنَّه دون الثلاثين، وكان من الحفاظ" (٣).
ثم دخل الحاكم بغداد في رحلته الثانية إلى الحج سنة خمس وأربعين وثلاثمائة (٤)، والتقى بالدارقطني فوصفه قائلًا: "ثم صحبنا الدارقطني في رحلتي الثانية وقد زاد على ما كنت شاهدته" (٥).
قال الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ٢٦٥): "قد جمعني والقاضي أبا بكر محمَّد بن عمر الجعابي الحافظ مدينة السلام في رحلتي الثانية، وذاكرته في مجالس كثيرة، وكانت كتبه إليَّ متوافرة إلى أن توفي ﵀".
ثم دخل الحاكم بغداد في رحلته الثالثة إلى الحج سنة سبع وستين وثلاثمائة (٦)، ولكنه دخلها بعد انتهائه من الحج (٧)، يقول الحاكم: "إلى أن حججت سنة سبع وستين، فلما انصرفت إلى بغداد أقمتُ بها زيادة على أربعة أشهر" (٨)، وفارق شيخه عبد الله بن إبراهيم الآبندوني - الذي سكن بغداد سنة خمسين وثلاثمائة، ولم يخرج منها إلى أن مات بها - في رجب
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٩٤٧).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٣٠٤).
(٣) تاريخ دمشق (٤٣/ ٩٦).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٦٢ و ٨٩١).
(٥) تاريخ دمشق (٤٣/ ٩٦).
(٦) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٦٨).
(٧) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٣٤٥).
(٨) تاريخ دمشق (٤٣/ ٩٦).
стр. 53
من سنة ثمان وستين وثلاثمائة (١)، وقال في تاريخه: "آخر عهدي بأحمد بن محمَّد العنبري ببغداد في قطيعة الربيع في داره سنة ثمان وستين وثلاثمائة" (٢). فإقامة الحاكم في بغداد امتدت من بعد منتصف شهر ذي الحجة سنة سبع وستين إلى شهر رجب سنة ثمان وستين؛ أي قرابة سبعة أشهر.
هـ - خسروجرد: وهي قرية من ناحية بيهق وكانت قصبتها (٣)، دخلها الحاكم قبل شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وهو تاريخ وفاة شيخه أحمد بن محمَّد الخسروجردي الذي كتب عنه بخسروجرد (٤).
و- الري: وهي بلدة كبيرة من بلاد الديلم بين قومس والجبال (٥)، بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخًا (٦)، دخلها الحاكم سنة سبع وستين وثلاثمائة (٧).
ز - سرخس: وهي بلدة قديمة من بلاد خراسان (٨)، وهي تقع الآن في إيران. قال الحاكم في تاريخه (٩): "دخلت سرخس أول ما دخلتها سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، ودخلتها بعد ذلك سبع مرات".
ح - طوس: وهي مدينة بخراسان بينها وبين نيسابور نحو عشرة فراسخ (١٠)، كان فيها الحاكم سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة (١١).
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٣٤٥).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٠١).
(٣) الأنساب (مادة: الخسروجردي).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٩).
(٥) الأنساب (مادة: الرازي).
(٦) معجم البلدان (٣/ ١١٦).
(٧) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٤٣).
(٨) الأنساب (مادة: سرخس).
(٩) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٩٨).
(١٠) معجم البلدان (٤/ ٤٩).
(١١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٩٤).
стр. 54
ط - الكوفة: قال الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ٢٧٠): "قد كنت دخلت الكوفة أول ما دخلتها سنة إحدى وأربعين، … ثم دخلتها سنة خمس وأربعين".
ي - مرو: وهي مدينة من مدن خراسان، التقى فيها الحاكم ببشر بن عبد الله البصري سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة (١).
ك - مكّة المكرّمة: دخلها الحاكم في رحلاته الثلاث إلى الحج، وسمع فيها من عبد الله بن محمَّد الفاكهي مؤلَّف كتاب "أخبار مكة"، وكان أَسْنَد من بقي بمكة، توفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة (٢).
ل - نَسَا: وهي مدينة بخراسان، بينها وبين نيسابور ستة أو سبعة أيام (٣)، قال الحافظ أبو حازم العبدوي: "قُلِّدَ الحاكم القضاء سنة تسع وخمسين وثلاثمائة في أيام حشمة السامانية ووزارة العتبي" (٤). وذكر الحاكم أنه كان في نسَا في جمادى الآخرة سنة ستين وثلاثمائة (٥).
م - همذان: وهي مدينة من مدن العراق بالجبال مشهورة على طريق الحج والقوافل (٦)، واجتمع فيها الحاكم بمحمد بن صالح الأندلسي في شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة (٧).
٣) رحلات الحاكم مرتبة على السنين:
سنة ٣٤١: انطلق الحاكم في رحلته الأولى إلى الحج، وكان برفقته إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني (٨) والحسن بن محمَّد بن المؤمل الماسرجسي
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٠١).
(٢) تاريخ الإِسلام (٣٥١ - ٣٨٠ هـ) (ص ٩٠).
(٣) معجم البلدان (٥/ ٢٨٢).
(٤) تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٩).
(٥) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٦٥).
(٦) الأنساب (مادة: الهمذاني).
(٧) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٢٤).
(٨) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٦١).
стр. 55
وأبوه (١) وعلي بن المؤمل بن الحسن الماسرجسي (٢)، ووصل إلى همذان في شهر شوال حيث اجتمع بمحمد بن صالح الأندلسي، ثم أكمل مسيره فمرّ على أسداباذ حيث التقى بالزبير بن عبد الواحد الأسداباذي وكتب عنه، ووصل في نفس الشهر إلى بغداد حيث التقى بسعيد بن نصر الأندلسي والدارقطني.
سنة ٣٤٢: رحل إلى طوس.
سنة ٣٤٣: رحل إلى مرو وسرخس من بلاد خراسان.
سنة ٣٤٥: انطلق في رحلته الثانية إلى الحج، وكان برفقته الحسن بن يحيى الإسفينقاني (٣) ومحمد بن يحيى العنبري (٤) - ولكنه لم يحج معه -، والتقى ببغداد بالدارقطني للمرة الثانية، وذاكر الجعابي.
قبل ربيع الأول سنة ٣٥٥: رحل إلى خسروجرد حيث كتب عن أحمد بن محمَّد الخسروجردي.
سنة ٣٥٥: رحل إلى بخارى وكتب بها عن عبد الصمد بن محمَّد البخاري وغيره، واستمر بإقامته في بخارى إلى سنة تسع وخمسين.
سنة ٣٥٩: عاد من بخارى إلى نيسابور، وانتخب على عبيد الله بن محمَّد الكلاباذي، ثم عاد إلى بخارى وكان بها في غرة ذي الحجة من نفس السنة.
سنة ٣٦٠: كان في بخارى هذه السنة حيث كتب عن أحمد بن محمَّد المنصوري (٥)، ثم رحل إلى نَسَا حيث قُلِّد القضاء فيها (٦).
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٣٦).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٥٠٤).
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٦٢).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٨٩١).
(٥) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٠٢).
(٦) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٦٥).
стр. 56
سنة ٣٦٧: انطلق في رحلته الثالثة إلى الحج، فدخل الري حيث التقى بمحمد بن عبد الله الرازي (١)، ثم دخل أسداباذ حيث كتب عن عثمان بن عبد الواحد الأسداباذي (٢)، ثم توجه إلى مكة لقضاء مناسك الحج ولم يعرِّج على بغداد، ثم توجَّه إلى بغداد فوصلها بعد منتصف شهر ذي الحجة من نفس السنة، يقول الحاكم: "إلى أن حججت سنة سبع وستين، فلما انصرفت إلى بغداد أقمت بها زيادة على أربعة أشهر" (٣). وقال: "لقد كنا ببغداد نبيت في دارٍ واحدة لها أربع درجات، وكنا نبيت على السطح" (٤).
سنة ٣٦٨: استمر مكوث الحاكم في بغداد إلى شهر رجب حيث فارق شيخه عبد الله بن إبراهيم الآبندوني (٥)، وقفل راجعًا إلى وطنه نيسابور.
٤) تصحيح خطأ وقع فيه أحد المترجمين للحاكم:
قال أبو يعلى القزويني: "للحاكم إلى العراق والحجاز رحلتان، ارتحل إليها سنة ثمان وستين في الرحلة الثانية" (٦). ونقل العبارة المترجمون للحاكم - كالذهبي والسبكي وغيرهما - من دون تعقّب، والصواب، كما ذكر الحاكم نفسه، أن له ثلاث رحلات إلى العراق والحجاز.
* * *
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧٤٣).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٩٤).
(٣) تاريخ دمشق (٤٣/ ٩٦).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٣٣٦).
(٥) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٣٤٥).
(٦) الإرشاد (ص ٨٥٢).
стр. 57
الفصل السابع: عقيدة الحاكم السَّلَفِيَّة
أ - موقفه من الأسماء والصفات:
عَدَّ السبكيُّ الحاكمَ أشعريًّا في طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ١٦٢)، وذكر أنَّ مشايخه الذين كانت له بهم خصوصية من المتصلِّبة في عقيدة أبي الحسن الأشعري، كالشيخ أبي بكر بن إسحاق الضِّبغي، وأبي بكر بن فورك، وأبي سهل الصعلوكي، وذكر أن ابن عساكر أثبته في عداد الأشعريين في كتابه "تبيين كذب المفتري".
فأقول، وبالله العليّ أستعين:
١ - إن ابن عساكر ذكر الحاكم في كتابه من الأشعريين من غير أن يأتي بدليل من كلام الحاكم أو غيره يشهد له بالأشعرية.
٢ - إن السبكي لا يقبل قوله، لأنه - كما قيل - لو استطاع لعَدَّ الشافعي أشعريًّا، والمضحك أنه نقل في ترجمته لابن خزيمة في طبقاته (٢/ ١٣٥/ ط. دار المعرفة) تأويله لحديث الصورة، ثم قال أن تأويل ابن خزيمة "شاهد صحيح لا يرتاب فيه من أن الرجل بريء عما ينسب إليه المشبِّهة (١) وتفتريه عليه الملحدة، وبراءة الرجل منهم ظاهرة في كتبه وكلامه (!!) ولكن القوم
_________
(١) يقصد السبكي بـ "المشبِّهة" أهل الحديث السلفييّن كعادته، وأحيانًا يسمِّيهم "الحَشويّة".
стр. 58
يخبطون عشواء ويمارون سفهًا". وتغاضى السبكي النظر عن أن تأويل ابن خزيمة لحديث الصورة (١) ذكره في "كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب التي وصف بها نفسه" الذي ملأه من أوله إلى آخره بإثبات الصفات لله ، كصفة الوجه والعينين واليدين والاستواء والكلام والضحك والنزول وغيرها من الصفات. فلماذا أعرضت يا سبكي عن كتاب الرجل بأكمله وتعلَّقتَ بهذه المسألة الواحدة، فنقول لك: "إن كلام ابن خزيمة في "كتاب التوحيد" شاهد صحيح لا يرتاب فيه من أنه سلفيّ العقيدة، بريء عما نسبته إليه من الأشعرية".
٣ - ذكر السبكي "أن مشايخ الحاكم الذين كانت له بهم خصوصيّة من المتصلِّبة في عقيدة أبي الحسن الأشعري، كالشيخ أبي بكر بن إسحاق الصبغي … " اهـ.
قال عبد الغافر الفارسي: "اختصّ الحاكم بصحبة إمام وقته أبي بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الصَّبغي، فكان في الخواص عنده والمرموقين" (٢).
وترجم الحاكم للصبغي أول ترجمة في طبقة شيوخه من "تاريخ نيسابور"، وذكر أنه توفي سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، أي أن سن الحاكم وقتها كان إحدى وعشرين، فهو شيخه الذي تأسّس عليه منذ بداية طلبه للعلم، فهل عقيدة شيخه أشعريَّة كما "زعم" السبكي؟
قال البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" (ص ٥٣١): قال أبو عبد الله الحافظ (٣): قال الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه: "قد تضع العرب (في) بموضع (على)، قال الله : ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ومعناه على الأرض وعلى النخل،
_________
(١) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٧٥ - ٣٧٦): تأوّل ابن خزيمة حديث الصورة، فَلْيُعْذر من تأوّل بعض الصفات. وأما السَّلَف فما خاضوا في التأويل.
(٢) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١٦).
(٣) هو الحاكم، ويقصده البيهقي عند إطلاقه لفظ (أبي عبد الله الحافظ)، وقد فعل هذا البيهقي آلاف المرات في كتبه.
стр. 59
فكذلك قوله ﴿فِي السَّمَاءِ﴾، أي: على العرش فوق السماء، كما صحت الأخبار عن النبي ﷺ ". اهـ.
وفي بيان الصِّبغي لعقيدته الذي عرضه على ابن خزيمة (١) قال: "وأنه ينزل تعالى إلى سماء الدنيا فيقول: "هل من داع فأجيبه". فمن زعم أن علمَه تنزلُ أوامره، ضلَّ، ويكلِّم عباده بلا كيف. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، لا كما قالت الجهمية: إنه على الملك احتوى، ولا استولى. وأنَّ الله يخاطب عباده عوْدًا وبدءًا، ويُعيد عليهم قصَصَه وأمره ونهيه، ومن زعم غير ذلك فهو ضال مبتدع". اهـ.
٤ - قال الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ١٣٩) - عند كلامه على الإِمام ابن خزيمة -: "وأنا أذكر في هذا الموضع من دقيق كلامه الذي أشار إليه إمام فقهاء عصره أبو العباس بن سُرَيج ما يُسْتَدَل به على كثير من علومه، … سمعت محمَّد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا بكر محمَّد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يُقِرّ بأن الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر بربه، يُستتاب فإن تاب وإلا ضُرِبَت عنقه، وأُلْقِيَ على بعض المزابل حيث لا يتأذى المسلمون والمعاهدون بنتن ريح جيفته، وكان ماله فَيئًا لا يرثه أحد من المسلمين، إذ "المسلم لا يرث الكافر" كما قال ﷺ ". اهـ.
الله أكبر! يعد الحاكم هذا الكلام من "دقيق كلامه" و"ما يُسْتَدَل به على كثير من علومه" مِن أنه "من لم يُقِرّ بأن الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر بربه، يُستتاب فإن تاب وإلا ضُرِبَت عنقه"، فلو كان الحاكم كما "زعم" السّبكي أشعريًّا لِمَا أثنى على كلام ابن خزيمة، لأن الأشاعرة يُنكرون بأن الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته، ولعدَّ الحاكم هذا الكلام من الضلال المبين بدلًا من الثناء على قائله. ولكنه أثنى على قائله، لأنه يوافق عقيدته السلفيَّة، عقيدة السَّلَف الصالح أصحاب الحديث.
_________
(١) نقله الذهبي - عن الحاكم في "تاريخ نيسابور" - في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٨١).
стр. 60
وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٣/ ٣٥٩) عن الحاكم أن عقيدته وعقيدة ابن قتيبة الدينوري "فيما يتعلق بالصفات واحد". أما عقيدة ابن قتيبة؛ فقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩): "ما رأيتُ لأبي محمَّد (ابن قتيبة) في كتاب "مُشكِل الحديث" ما يُخالف طريقة المُثبتة والحنابلة، ومن أن أخبار الصفات تُمَر ولا تتأوَّل".
ب - موقفه من أهل الحديث:
ذكر الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ٣٦) حديث النبي ﷺ : "ولا يزال ناس من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" ثم ذكر قول أحمد بن حنبل عن معنى هذا الحديث: "إنْ لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم". ثم قال الحاكم: "لقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر أن الطائفة المنصورة التي يُرفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة هم أصحاب الحديث؛ ومَن أحق بهذا التأويل من قوم سلكوا محجَّة الصالحين واتَّبعوا آثار السَّلَف من الماضين، ودمغوا أهل البدع والمخالفين، بسنن رسول الله ﷺ وعلى آله أجمعين"، وقال (ص ٣٩): "كل من يُنْسَب إلى نوع من الإلحاد والبدع لا ينظر إلى الطائفة المنصورة إلا بعين الحقارة ويسمِّيها الحَشْوية".
* * *
стр. 61
الفصل الثامن: الانتقادات التي وجِّهت إلى الحاكم
ويمكن اختصارها بثلاثة أمور: الميل إلى الكرَّامية، تكذيبه لابن قتيبة الدينوري، التشيُّع.
١) الميل إلى الكرَّاميَّة (١):
اتّهمه بهذا الذهبي، فقال في سير أعلام النبلاء (٢): "عهدي بالحاكم يميل إلى الكرّامية"، وقال في تاريخ الإِسلام (٣): "وأطنب الحاكم في وصف إسحاق بن محمشاذ الكرامي، مما يدلّ على أنه من الكرّامية، كما عظَّم في تاريخه محمَّد بن كرّام".
فلنبدأ أولًا بما ذكره الحاكم في تاريخه عن محمَّد بن كرّام:
قال الحاكم في تاريخه (٤): "ولد بقرية من قرى زرنج بسجستان، ثم
_________
(١) الكرَّامي: قال السمعاني في الأنساب (مادة: الكرامي): هذه النسبة إلى أبي عبد الله محمَّد بن كرّام النيسابوري، كان والده يحفظ الكرم، فقيل له: الكرّام … وحُكِيَ عن ابن كرّام من الزهد والتقشف أشياء، وفي المذهب أشياء من التشبيه والتجسيم. اهـ. ووصفه الذهبي في تاريخ الإِسلام (٢٥١ - ٢٦٠ هـ) (ص ٣١٠) بـ "الشيخ الضال المجسِّم".
(٢) (١٣/ ٢٩٩).
(٣) (٣٨١ - ٤٠٠ هـ) (ص ٦١).
(٤) تاريخ الإِسلام (٢٥١ - ٢٦٠ هـ) (ص ٣١٠ - ٣١٥) مع بعض الاختصار.
стр. 62
دخل خراسان وأكثر الاختلاف إلى أحمد بن حرب الزاهد، وأكثر عن أحمد الجويباري ومحمد بن تميم الفاريابي، ولو عرفهما لأمسك عن الرواية عنهما. ولما ورد نيسابور بعد المجاورة بمكة خمس سنين، وانصرف إلى سجستان، وباع بها ما كان يملكه، وجاء إلى نيسابور، حبسه محمَّد بن عبد الله بن طاهر، وطالت محنته، فكان يغتسل كل يوم جمعة، ويتأهّب للخروج إلى الجامع، ثم يقول للسجّان: أتأذن لي في الخروج؟ فيقول: لا. فيقول: اللهم إني بذلت مجهودي، والمنع من غيري.
وبلغني أنه كان معه جماعة من الفقراء، وكان لباسه مسك ضأن مدبوغ غير مخيط، وعلى رأسه قلنسوة بيضاء. وقد نُصِب له دكان لبن، وكان يُطرح له قطعة فرو فيجلس عليها ويعِظ ويذكِّر ويحدِّث.
وقد أثنى عليه، فيما بلغني، ابن خزيمة، واجتمع به غير مرة. وكذلك أبو سعيد عبد الرحمن بن الحسين الحاكم، وهما إماما الفريقين.
وحدثني الثقة قال: أنا عبد الرحمن بن محمَّد قال: قال أحمد بن محمَّد الدهان: خرج ابن كرّام الزاهد من نيسابور في سنة إحدى وخمسين ومائتين، ومات بالشام في صفر سنة خمس وخمسين، ومكث في سجن نيسابور ثمان سنين". اهـ.
ونلاحظ في هذه الترجمة أن الحاكم يعظِّم ابن كرّام، ويلتمس له العذر في روايته عن أحمد الجويباري ومحمد بن تميم الفريابي الكاذبَين فيقول: "لو عرفهما - أي أنهما كاذبَين - لأمسك عن الرواية عنهما". ثم يتكلم عن "محنته"، وعن زهده وسيرته مع الفقراء، ويذكر أن ابن خزيمة - إمام الشافعية - وعبد الرحمن بن الحسين الحاكم - إمام الحنفية - اجتمعا بابن كرّام غير مرة وأنهما أثنيا عليه، ولكنه لم يذكره بإسنادٍ كعادته بل قال: "فيما بلغني"، فهي إذًا رواية منقطعة سندًا ومنكرة متنًا، إذ كيف يثني إمام الأئمة ابن خزيمة على ابن كرّام المجسِّم الضال وهو القائل في كتاب "التوحيد" (١): "نحن وجميع
_________
(١) (ص ١٠ - ١١).
стр. 63
علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا ونصدق ذلك بقلوبنا من غير أن نشبِّه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، وعزَّ ربنا عن أن نشبهه بالمخلوقين". اهـ.
ثم نأتي لكلام الحاكم في شيخ الكرّامية في عصره إسحاق بن محمشاذ الكرّامي، فيقول في تاريخه (١): "شيخهم وإمامهم في عصره، كان - على الحقيقة - من الزهّاد العبّاد المجتهدين، التاركين للدنيا مع القدرة عليها لو شاء، سمع العلم من جماعة من الفريقين، ثم اشتغل بالوعظ والذِّكر. سمعتُ من الثقة أنه أسلم على يديه، من أهل الكتابين والمجوس بنيسابور، ما يزيد على خمسة آلاف رجل وامرأة. توفي عشية الخميس، ودفن عشية الجمعة، الخامس والعشرين من رجب، سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة".
فنجد الحاكم، كما قال الذهبي، أطنب في وصفه، ويوم وفاته كان الحاكم ابن سبع وستين سنة، فالحاكم في العقد السابع من عمره، ما زال يعظِّم الكرّامية. بينما نجد الذهبي ترجم لإسحاق بن محمشاذ في ميزان الاعتدال (٢) فقال: "روى عن أبي الفضل التميمي حديثًا هو وضعه بقلة حياء متنه: "يجيء في آخر الزمان رجل يقال له محمَّد بن كرّام تحيا السنة به"، وله تصنيف في فضائل محمَّد بن كرّام، فانظر إلى المادح والممدوح، وسند حديثه مجاهيل". اهـ.
وزاد ابن حجر في لسان الميزان (٣): "وقال أحمد بن علي بن مهيار الخوارزمي: كان كذّابًا يضع الحديث على مذهب الكرّامية". اهـ.
فهل جهل الحاكم حاله؟ أم تجاوز عن ذكر معايبه وجرحه لميله إلى الكرّامية؟ أرجّح أنه الأول.
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٨٩).
(٢) (١/ ٢٠٠).
(٣) لسان الميزان (١/ ٣٧٥). والذهبي وابن حجر نقلا كلامهما من كتاب "الموضوعات" لابن الجوزي.
стр. 64
وترجم الحاكم لعلي بن محمَّد أبي الحسن الخانقاهي في تاريخه (١) فقال: "كان من مشايخ الكرّامية، يجتمع الخَلْق في مجلسه، وكان يرجع إلى أخلاق مرضية، في حُسْن العشرة والخروج إلى الثغور غازيًا، … توفي بنيسابور في رجب من سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة".
وترجم الحاكم لمحمد بن أحمد أبي جعفر الأبزاري (٢)، مذكّر الكرّامية، الذي حدّثه بعجائب، وتوفي في صفر سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.
وأنا أرجّح، أن ميلَ الحاكم إلى الكرَّامية وتأثّره بهم لم يكن من جهة عقيدتهم الضالة، وإنما كان من جهة عبادتهم وأخلاقهم وزهدهم في الدنيا ووعظهم وتذكيرهم، فعقيدة الحاكم هي عقيدة السلف الصالح أصحاب الحديث.
٢) تكذيب الحاكم لابن قتيبة الدينوري:
قال مسعود السجزي: سمعت الحاكم يقول: "أجمعت الأمة على أن القُتَبي (٣) كذاب" (٤).
قال الذهبي: هذه مجازفة بشعة من الحاكم، وما علمتُ أحدًا اتَّهم ابن قُتَيبة في نقلِ، مع أن أبا بكر الخطيب وثَّقه (٥)، وما أعلمُ أحدًا اجتمعت الأمة على كذبه إلا مُسَيلمة والدجال، غير أن ابن قتيبة كثير النقل من الصُّحف كَدَأْب الأخباريين، وقلَّ ما روى الحديث" (٦).
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٥٠٨).
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٧١٤).
(٣) تصحَّفت هذه الكلمة في المطبوع من سؤالات السجزي إلى (التيمي)، وتكلَّف الحافظ ابن كثير - فيما نقله عنه تلميذه ابن الجزري في غاية النهاية (٢/ ١٨٥) - فقال: هذا تصحيف، وإنما هو (العتبي) بالعين. اهـ. قلتُ: بل هو (القتبي) كما تعاقب الحفاظ على إثباته.
(٤) سؤالات السجزي للحاكم (ص ٢٤٨).
(٥) في تاريخ بغداد (١٠/ ١٧٠).
(٦) تاريخ الإِسلام (٢٦١ - ٢٨٠ هـ) (ص ٣٨٣).
стр. 65
وقال: "قال أبو بكر البيهقي: كان ابن قُتَيبة يرى رأي الكرّامية. ونقل صاحب "مرآة الزمان" - بلا إسناد - عن الدارقطني أنه قال: كان ابن قُتَيبة يميل إلى التشبيه. قلتُ (١): هذا لم يصح، وإنّ صحَّ عنه فسُحْقًا له، فما في الدين محاباة.
وقد أنبأني أحمد بن سلامة، عن حمّاد الحرّاني، أنه سمع الحافظ السَّلَفي يُنكر على الحاكم في قوله: لا تجوز الرواية عن ابن قتيبة. ويقول: ابن قتيبة من الثِّقات وأهل السنة. ثم قال: لكن الحاكم قصده لأجل المذهب. قلتُ (٢): عهدي بالحاكم يميل إلى الكرّامية، ثم ما رأيتُ لأبي محمَّد في كتاب "مُشكَل الحديث" ما يُخالِف طريقة المُثْبِتَة والحنابلة، ومن أن أخبار الصِّفات تُمَرُّ ولا تتأوَّل، فاللهُ أعلم" (٣).
وأتى ابن حجر بتحقيقٍ يُروي الغليل فقال: "فَسَّر الصلاح العلائي كلام السَّلَفي أنه أراد بالمذهب ما نقل عن البيهقي أن ابن قتيبة كان كرّاميًّا، وما نقل عن الدارقطني مما تقدَّم. قال العلائي: وهذا لا يصح عنه، وليس في كلامه ما يدل عليه، ولكنه جارٍ على طريقة أهل الحديث في عدم التأويل.
قلت (٤): والذي يظهر لي، أن مراد السِّلَفي بالمذهب النَّصْب، فإن في ابن قتيبة انحرافًا عن أهل البيت، والحاكم على ضد من ذلك، وإلا فاعتقادهما معًا فيما يتعلَّق بالصفات واحد، وسمعت شيخي العراقي يقول: كان ابن قتيبة كثير الغلط" (٥).
٣) التشيُّع:
قال الخطيب - مترجمًا للحاكم -: "كان من أهل العلم والفضل
_________
(١) أي: الذهبي.
(٢) أي: الذهبي.
(٣) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩).
(٤) أي: ابن حجر.
(٥) لسان الميزان (٣/ ٣٥٩).
стр. 66
والمعرفة والحفظ، وله في علوم الحديث مصنفات عدة … وكان ثقة … وكان يميل إلى التشيُّع، فحدثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد الأرموي بنيسابور - وكان شيخًا صالحًا عالمًا فاضلًا - قال: جمع الحاكم أبو عبد الله أحاديث زعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم يلزمهما إخراجهما في صحيحهما، منه حديث الطائر و"من كنت مولاه فعلي مولاه"، فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك ولم يلتفتوا فيه إلى قوله، ولا صوَّبوه في فعله" (١).
_________
(١) تاريخ بغداد (٥/ ٤٧٣ - ٤٧٤).
وأما حديث "من كنتُ مولاه فعلي مولاه"، فقد أخرجه أحمد في "المسند" وغيره عن عدد من الصحابة، وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٤٣): له طرق جيدة، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٥٠).
وأما حديث "الطير" فقد أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٣٠ - ١٣١) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كنتُ أخدم رسول الله ﷺ ، فقُدِّم لرسول الله ﷺ فرخ مشوي، فقال: "اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير"، قال: فقلت: اللهمَّ اجعله رجلًا من الأنصار، فجاء علي ﵁ فقلت: إن رسول الله ﷺ على حاجة، ثم جاء فقلت: إنَّ رسول الله ﷺ على حاجة، ثم جاء فقال رسول الله ﷺ : "افتح"، فدخل.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفسًا، ثم صحَّت الرواية عن علي وأبي سعيد الخدري وسفينة. اهـ.
وقد ألَّف عددٌ من العلماء جزءًا في طرق حديث الطير، منهم: ابن جرير الطبري، ابن مردويه، الحاكم، أبو طاهر محمَّد بن أحمد بن حمدان، أبو نعيم الأصبهاني، وأبو بكر الباقلاني، الذهبي.
وبعون الله تعالى، سأسرد ما وقفت عليه من طرق حديث "الطير":
أ - حديث أنس/ الرواة عنه:
١ - إسماعيل بن عبد الرحمن السدي:
* أخرجه النسائي في خصائص علي (ص ٢٥) من طريق مسهر بن عبد الله (قال البخاري: فيه بعض النظر)، عن عيسى بن عمر، عن السدي (وهو صدوق يهم، رمي بالتشيع).
* * وأخرجه الترمذي (٣٧٢١) قال: حدثنا سفيان بن وكيع (وهو ساقط الحديث)، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن عيسى بن عمر، عن السدي (وهو صدوق يهم، رمي بالتشيع). وقال الترمذي: هذا حديث غريب.
٢ - يحيى بن سعيد الأنصاري: أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٦٥٦١) والحاكم في المستدرك (٣/ ١٣٠ - ١٣١) من طريق محمَّد بن أحمد بن عياض بن أبي طيبة، =
стр. 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= ثنا أبي (ترجمه ابن يونس ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا؛ فهو مجهول الحال)، ثنا يحيى بن حسان، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد.
٣ - ثابت البناني: أخرجه الحاكم (٣/ ١٣١ - ١٣٢) من طريق إبراهيم بن ثابت البصري القصار. قال الذهبي في التلخيص: إبراهيم ساقط، وقال ابن كثير: مجهول.
٤ - أبو الهندي: أخرجه ابن شاذان في مشيخته الصغرى (ص ١٧) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٥٢) من طريق أبي الهندي، وقال الخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ١٧١): أبو الهندي مجهول واسمه لا يُعرف.
٥ - الحسين بن الحكم: أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٥٨٨٦) من طريق مفضل بن صالح الأسدي عن الحسين بن الحكم، ومفضل بن صالح قال البخاري وأبو حاتم عنه: منكر الحديث.
٦ - عطاء: أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٧٤٦٦) قال: حدثنا محمَّد بن شعيب (قال أبو نعيم: يروي عن الرازيين بغرائب)، ثنا حفص بن عمر المهرقاني، ثنا النجم بن بشير (سكت عنه ابن أبي حاتم)، عن إسماعيل بن سليمان (قال الذهبي في الميزان: الغالب على حديثه الوهم) عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء.
٧ - عبد الملك بن عمير:
* أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٧٣٠) من طريق حماد بن المختار عن عبد الملك بن عمير، وحماد بن المختار قال عنه الذهبي في الميزان: لا يُعرف.
* * وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٥٥) من طريق الحسين بن سليمان الطلحي عن عبد الملك بن عمير، والحسين بن سليمان قال عنه الذهبي في الميزان: لا يُعرف.
٨ - يحيى بن أبي كثير: أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط من طريق يحيى بن أبي كثير، ويحيى قال عنه أبو حاتم: روى عن أنس مرسلًا، رآه ولم يسمع منه/ تهذيب الكمال (٧٥٠٢).
٩ - الحسن البصري: أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٩٣٧٢) من طريق حفص بن عمر العدني (قال النسائي: ليس بثقة)، نا موسى بن سعد البصري، عن الحسن.
١٠ - دينار: أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٣٨٢) من طريق دينار، قال عنه ابن حبان: يروي عن أنس أشياء موضوعة.
١١ - عثمان الطويل: أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢) قال: قال لي محمَّد بن يوسف البيكندي: ثنا أحمد بن يزيد بن إبراهيم أبو الحسن (ضعفه أبو حاتم في الجرح والتعديل)، ثنا زهير، ثنا عثمان الطويل.
قال البخاري: لا يُعرف لعثمان سماع من أنس.
١٢ - إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٦/ ٣٣٩) من طريق عبد الله بن محمَّد بن عمارة القداحي قال: سمعت هذا من مالك بن أنس سماعًا =
стр. 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= يحدثنا به، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. قال الدارقطني: خبر منكر؛ تفرد به القداحي وقلّ ما روى (لسان الميزان/ ٤٧٤٨).
١٣ - إسماعيل بن سلمان الأزرق: أخرجه البزار (مختصر زوائده ٢/ ٣١٥/ ١٩٢٥) من طريق إسماعيل بن سلمان الأزرق. قال ابن حجر في التقريب: ضعيف. قال الهيثمي في المجمع: متروك.
١٤ - الزبير بن عدي: أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٢٧٩/ ترجمة بشر بن الحسين) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٥٢) من طريق بشر بن الحسين عن الزبير بن عدي. وبشر بن الحسين قال عنه البخاري: فيه نظر. وقال الدارقطني: متروك. وقال أبو حاتم: يكذب على الزبير.
١٥ - مسلم بن كيسان الملائي الأعور: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٥٦) وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٢٣٥) من طريق مسلم بن كيسان الملائي. قال الساجي: منكر الحديث، ومن منكراته حديثه عن أنس في الطير (تهذيب التهذيب ١٠/ ١٣٦).
١٦ - خالد بن عبيد، أبو عصام: أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٢٣٢) من طريق خالد بن عبيد أبي عصام. قال عنه ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٣٩): يروي عن أنس نسخة موضوعة.
١٧ - أبو النضر سالم مولى عمر بن عبيد الله: أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٢٣٣) من طريق أحمد بن سعيد بن فرقد الجدي (قال الذهبي في الميزان: روى حديث الطير، وهو المتهم بوضعه)، نا أبو حمة محمَّد بن يوسف اليامي، نا أبو قرة موسى بن طارق، عن موسى بن عقبة عن أبي النضر سالم مولى عمر بن عبيد الله.
١٨ - محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٢٣٥) من طريق عبد الله بن ميمون (قال أبو حاتم: متروك، قال البخاري: ذاهب الحديث)، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه.
١٩ - ثمامة بن عبد الله:
* أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٤٦) من طريق عبد السلام بن راشد (قال ابن حجر في اللسان: لا يُعرف)، عن عبد الله بن المثنى الأنصاري، عن عمه ثمامة بن عبد الله.
* * وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٤٧) من طريق جعفر بن سليمان الضبعي (قال الذهبي في الميزان: شيعي، وقال البخاري في الضعفاء: يخالف في بعض حديثه)، عن عبد الله بن المثنى الأنصاري، عن عمه ثمامة بن عبد الله.
* * * وأخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٢٣٤) من طريق محمَّد بن زكريا (متهم)، نا العباس بن بكار (متهم)، نا عبد الله بن المثنى الأنصاري، عن عمه ثمامة. =
стр. 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= ٢٠ - إبراهيم بن مهاجر: أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٢٣٦) من طريق خالد بن طهمان (قال ابن حجر في التقريب: صدوق رُمي بالتشيع ثم اختلط)، عن إبراهيم بن مهاجر.
٢١ - سعيد بن المسيب: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٤٧) من طريق عبد الله بن زياد أبي العلاء (قال البخاري: منكر الحديث)، عن سعيد بن المسيب.
٢٢ - قتادة: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٤٩) من طريق علي بن الحسن الشامي (قال ابن حبان في المجروحين (٢/ ٩٠): لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب)، نا خليد بن دعلج، عن قتادة.
٢٣ - ميمون أبو خلف: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٥٠ و ٢٥١) من طريق سكين بن عبد العزيز (قال الذهبي في المغني: ليس بالقوي)، عن ميمون أبي خلف (قال الذهبي في المغني: لا شيء).
٢٤ - عبد العزيز بن زياد: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٥١) من طريق المضاء بن الجارود، عن عبد العزيز بن زياد. قال أبو حاتم: ليس بمشهور، محله الصدق. قال ابن حجر في اللسان: رأيت له خبرًا منكرًا عن عبد العزيز بن زياد عن أنس مرفوعًا: "إن يوشع دعا ربه فقال: … ".
٢٥ - محمَّد بن سليم: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٥٣) من طريق محمَّد بن سليم. قال الذهبي في الميزان: لا يُعرف.
٢٦ - إسماعيل - رجل من أهل الكوفة -: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٥٦) من طريق إسماعيل - رجل من أهل الكوفة -. قال الذهبي في المغني (٧٤٢): مجهول.
٢٧ - أبو حذيفة العقيلي: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٥٧) من طريق سليمان بن قرم (قال ابن حجر في التقريب: سيء الحفظ يتشيع) عن محمَّد بن علي السلمي، عن أبي حذيفة العقيلي.
٢٨ - عبد الله بن يعلي بن مرة: أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٣٧٦) وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٢٣٣) من طريق عمر بن عبد الله بن يعلي بن مرة (قال الدارقطني: متروك)، عن أبيه، عن جده وعن أنس قالا: أهدي إلى رسول الله ﷺ طيرًا …
ب - يعلي بن مرة: سبق ذكر حديثه في آخر راوٍ عن أنس.
ج - سفينة/ الرواة عنه:
١ - عبد الرحمن بن أبي نعم: أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٩٥/ ٦٤٣٧) من طريق سليمان بن قرم (قال ابن حجر في التقريب: سيء الحفظ يتشيع)، عن فطر بن خليفة، عن عبد الرحمن بن أبي نعم. وانظر في الرواة عن أنس (٢٧). =
стр. 70
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= ٢ - ثابت البجلي: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٥٨) من طريق مطير (قال الذهبي في المغني: متروك)، عن ثابت البجلي.
٣ - بريدة بن سفيان: أخرجه البزار (مختصر زوائده ٢/ ٣١٦/ ١٩٢٦) من طريق بريدة بن سفيان. (قال الذهبي عن بريدة في الميزان: قال البخاري: فيه نظر، قال الدارقطني: متروك).
د - ابن عباس:
أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٢٢٨) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٤٦) من طريق سليمان بن قرم (قال ابن حجر في التقريب: سيء الحفظ يتشيع)، عن محمَّد بن شعيب (قال الذهبي في الميزان: لا يُعرف، والراوي عنه سليمان بن قرم ضعيف)، عن داود بن علي، عن أبيه، عن ابن عباس.
هـ - علي:
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٤٥) من طريق عيسى بن عبد الله بن محمَّد بن عمر بن علي (قال ابن حجر في اللسان: قال أبو نعيم: روى عن آبائه أحاديث مناكير، لا يُكتب حديثه، لا شيء)، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي.
و- جابر بن عبد الله:
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٤٥) من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح (قال ابن حجر في التقريب: صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة)، حدثني ابن لهيعة (وهو ضعيف في رواية عبد الله بن صالح عنه)، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر.
وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: وقد رُوي أيضًا (أي: حديث الطير) من حديث أبي سعيد الخدري وصححه الحاكم، ولكن إسناده مظلم وفيه ضعفاء. وروي من حديث حبشي بن جنادة، ولا يصح أيضًا، ومن حديث أبي رافع نحوه وليس بصحيح بل طريقه مظلم. اهـ.
فائدة: أخرج أبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ٢٣٩/ ٢٥٩٣) من طريق الهيثم بن عدي (قال البخاري: ليس بثقة، كان يكذب)، عن الكلبي (قال الذهبي في الميزان (٤/ ٣٠٤): قال الدارقطني وغيره: متروك)، عن محمَّد بن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن دحية الكلبي ﵁ قال: قدمتُ من الشام، فأهديت إلى النبي ﷺ فاكهة يابسة من فستق ولوز وكعك، فوضعته بين يديه، فقال: "اللهم ائتني بأحب أهلي إليك" أو قال: "إليَّ يأكل معي من هذا"، فطلع العباس (ابن عبد المطلب) …
بعض أقوال العلماء في الحديث:
١ - الحاكم: قال الذهبي في تاريخ الإِسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٢٧): =
стр. 71
قال الدكتور موفق عبد القادر في مقدمته لسؤالات السجزي (ص ١٦): ونحن هنا نتساءل: هل الحاكم هو الوحيد الذي أخرج حديث الطير أم سبقه إلى ذلك غيره من الحفاظ؟ كما رواه الترمذي في المناقب والنسائي في
_________
= قال أبو نعيم بن الحداد: سمعت الحسن بن أحمد السمرقندي الحافظ: سمعت أبا عبد الرحمن الشاذياخاني الحاكم يقول: كنا في مجلس السيد أبي الحسن، فسُئل أبو عبد الله الحاكم عن حديث الطير، فقال: لا يصح، ولو صحَّ لما كان أحدٌ أفضل من علي بعد النبي ﷺ .
قال الذهبي: هذه الحكاية سندها صحيح، فما باله أخرج حديث "الطير" في المستدرك؟ فلعله تغيّر رأيه. اهـ.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧٦): قال ابن طاهر: قد سمعت أبا محمَّد بن السمرقندي يقول: بلغني أن "مستدرك" الحاكم ذُكِر بين يدي الدارقطني، فقال: نعم، يستدرك عليهما حديث "الطير"! فبلغ ذلك الحاكم فأخرج الحديث من الكتاب.
قال الذهبي: هذه حكاية منقطعة، بل لم تقع، فإن الحاكم إنما ألَّف "المستخرج" في أواخر عمره، بعد موت الدارقطني بمدة، وحديث "الطير" ففي الكتاب لم يُحَوَّل منه، بل هو أيضًا في "جامع الترمذي". اهـ.
٢ - ابن تيمية: قال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (٧/ ٣٧١): "إن حديث الطائر من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل. قال أبو موسى المديني: قد جمع غير واحد من الحفَّاظ أحاديث الطير للاعتبار والمعرفة، كالحاكم النيسابوري، وأبي نعيم، وابن مردويه. وسئل الحاكم عن حديث الطير فقال: لا يصح". اهـ.
٣ - ابن كثير: قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (فضائل علي) - بعد أن ساق بعض روايات وطرق حديث "الطير" -: "وبالجملة ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر، وإنْ كثرت طرقه". اهـ.
٤ - صلاح الدين العلائي: قال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ١٦٩ - ١٧٠): "وأما الحكم على حديث الطير بالوضع فغير جيد، ورأيت لصاحبنا الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي عليه كلامًا، قال فيه: إن الحقَّ في الحديث أنه ربما ينتهي إلى درجة الحسن، أو يكون ضعيفًا يحتمل ضعفه، فأما كونه ينتهي إلى أنه موضوع من جميع طرقه، فلا". اهـ.
٥ - الذهبي: قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٣٣): "وحديث الطير - على ضعفه - فله طُرُق جمَّة، وقد أفردتها في جزء، ولم يثبت، ولا أنا بالمعتقد بطلانه". اهـ.
٦ - الألباني: ذكر عصام هادي في تحقيقه لـ "مشيخة ابن شاذان الصغرى" (ص ١٧) أن للألباني بحث يقع في أربعة عشر صفحة - بخط يده - في السلسلة الضعيفة (٦٥٧٥)، انتهى فيه إلى أنه حديث منكر.
стр. 72
"خصائص علي"، فلماذا يُتَّهم الحاكم لروايته حديث الطير بالتشيع وتُثار حوله الشبهات .. ولا تُثار على الذين سبقوه من الأئمة الحفاظ؟!!
… وأما حديث "من كنت مولاه فعلي مولاه" فهو حديث صحيح رواه الإِمام أحمد وغيره كما تقدَّم تخريجه، فلماذا يُنكر عليه أصحاب الحديث ذلك، "ولم يلتفتوا فيه إلى قوله ولا صوَّبوه في فعله"، ولم يُنكروا على الإِمام أحمد رحمه الله تعالى وعلى غيره من الحفاظ الذين أخرجوه؟!! والأدهى من ذلك وأمرّ أنه حديث صحيح كما تقدَّم تخريجه". اهـ.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٤٧ - ١٧٥): "أنبأني أحمد بن سلامة، عن محمَّد بن إسماعيل الطرسوسي، عن ابن طاهر: أنه سأل أبا إسماعيل عبد الله بن محمَّد الهروي عن أبي عبد الله الحاكم، فقال: ثقةٌ في الحديث، رافضي خبيث.
قلتُ: كلا ليس هو رافضيًّا، بلى يتشيَّع.
قال ابن طاهر: كان شديدَ التعصُّب للشيعة في الباطن، وكان يُظهر التسنُّن في التقديم والخلافة، وكان منحرفًا غاليًا عن معاوية ﵁، وعن أهل بيته (١)، يتظاهر بذلك، ولا يعتذر منه، فسمعت أبا الفتح سمكويه بَهَراة، سمعت عبد الواحد المليحي، سمعت أبا عبد الرحمن السُّلَمي يقول: دخلتُ على الحاكم وهو في داره، لا يُمكنه الخروج إلى المسجد من أصحاب أبي عبد الله بن كرَّام، وذلك أنهم كسروا منبره، ومنعوهُ من الخروج، فقلتُ له: لو خرجت وأمليتَ في فضائل هذا الرجل حديثًا، لاسترحتَ من المحنة، فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي" (٢).
_________
(١) أساء الدكتور موفق فهم عبارة ابن طاهر في مقدمته لسؤالات السجزي (ص ١٢)، فأنكر على ابن طاهر أنه يترضى عن أهل بيت معاوية (ومن بينهم يزيد ابنه)، قلتُ: إن ابن طاهر لو قصد الترضي لكانت عبارته (كان منحرفًا غاليًا عن معاوية وعن أهل بيته ﵃)، ولكنه قصد أن يقول: (كان منحرفًا غاليًا عن معاوية ﵁، وكان منحرفًا غاليًا عن أهل بيته، يتظاهر بذلك ولا يعتذر منه).
(٢) قال الذهبي في تاريخ الإِسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٣٢): يعني معاوية. قال الدكتور =
стр. 73
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية" (٧/ ٣٧٣) "إن الحاكم منسوب إلى التشيُّع، وقد طُلب منه أن يروي حديثًا في فضل معاوية فقال: ما يجيء من قلبي، ما يجيء من قلبي، وقد ضربوه على ذلك فلم يفعل. وهو يروي في "الأربعين" أحاديث ضعيفة بل موضوعة عند أئمة الحديث، كقوله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، لكن تشيّعه وتشيّع أمثاله من أهل العلم بالحديث، كالنسائي وابن عبد البر وأمثالهما، لا يبلغ إلى تفضيله على أبي بكر وعمر، فلا يُعرف في علماء الحديث من يفضِّله عليهما، بل غاية المتشيّع منهم أن يفضِّله على عثمان، أو يحصل منه كلام أو إعراض عن ذكر محاسن مَنْ قَاتَله ونحو ذلك، لأن علماء الحديث قد عَصَمَهم وقَيَّدَهم ما يعرفون من الأحاديث الصحيحة الدالة على أفضلية الشيخين".
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: "هو صدوق من الأثبات، ولكن فيه تشيع وتصحيح واهيات" (١).
قال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ١٦٧ - ١٦٨) - بعد أن نقل ترجمة الخطيب للحاكم -: "الخطيب ثقةٌ ضابط، فتأمَّلْتُ، مع ما في النفس من الحاكم من تخريجه حديث "الطير" في المستدرك، وإنْ كان خرَّجَ أشياء
_________
= موفق عبد القادر في مقدمته لسؤالات السجزي (ص ١٨): "لا أدري ما علاقة هذه الحكاية بتشيُّع الإمام الحاكم رحمه الله تعالى .. إن هذه الحكاية دليلٌ على صدق الإِمام الحاكم وسلامة عقيدته، وأنه رفض أن يُنافق ويُملي في فضائل "محمَّد بن كرّام". اهـ. قلت: سبق الكلام على ميل الحاكم إلى الكرّامية (ص ٦٣ - ٦٦) حيث عظّم محمَّد بن كرّام في تاريخ نيسابور وزكَّى مشايخه من الكرّامية، وذكر الحاكم في لاحقة تاريخه أنه انتهى من تأليف تاريخ نيسابور في شهر رمضان سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، أي: وهو ابن سبع وستين سنة. فليست مشكلته مع ابن كرّام ولكن مشكلته مع معاوية ﵁، ففي كتاب معرفة الصحابة - الذي يُعَدُّ ربعَ المستدرك - ترجم الحاكم لأكثر من عشر وثلاثمائة رجلًا من الصحابة، ولم يضمِّن كتابه "ذكر مناقب معاوية" أو على الأقل "ذكر معاوية" ليعرِّف به كما فعل مع كثير من الصحابة الغير مشهورين، وهذا وحده دليل كافٍ على انحرافه عن معاوية ﵁.
(١) شذرات الذهب (٣/ ١٧٦ - ١٧٧).
стр. 74
غيرَه موضوعة لا تَعَلُّق لها بتشيُّع ولا غيره، فأوقع اللهُ في نفسي أنَّ الرجلَ كان عنده مَيْلٌ إلى عليِّ ﵁ يزيدُ على الميل الذي يُطلَب شرعًا، ولا أقول: إنه ينتهي به إلى أن يضع من أبي بكرٍ وعمر وعثمان ﵃، ولا إنه يفضِّل عليًّا على الشيخين، بل أستَبْعِدُ أن يفضِّلهُ على عثمان ﵄، فإني رأيتُه في كتابه "الأربعين" عقد بابًا لتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان، واختصَّهم من بين الصحابة، وقدَّم في المستدرك ذِكر عثمان على عليِّ ﵄، وروى فيه (١) من حديث أحمد ابن أخي ابن وهب: حدثنا عمي، حدثنا يحيى بن أيوب، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أول حجر حمله النبي ﷺ لبناء المسجد، ثم حمل أبو بكر، ثم حمل عمر حجرًا، ثم حمل عثمان حجرًا، فقلت: يا رسول الله، ألا ترى إلى هؤلاء كيف يساعدونك؟ فقال: "يا عائشة، هؤلاء الخلفاء من بعدي". قال الحاكم: على شرطهما، وإنما اشتهر من رواية محمَّد بن الفضل بن عطية، فلذلك هُجِرَ.
قلتُ (٢): وقد حكم شيخُنا الذهبي في كتابه "تلخيص المستدرك" بأن هذا الحديث لا يصح؛ لأن عائشة لم يكن النبيُّ ﷺ دخل بها إذْ ذاك. قال: وأحمد منكر الحديث، وإنْ كان مسلم خرَّج له في الصحيح، ويحيى وإنْ كان ثقة فيه ضعف.
قلتُ: فمن يخرِّج هذا الحديث، الذي يكاد يكون نصًّا في خلافة الثلاثة، مع ما في إخراجه من الاعتراض عليه، يُظَنُّ به الرَّفض!
وخرَّج أيضًا في فضائل عثمان (٣) حديث "ليَنْهَضْ كُلُّ رجلٍ منكم إلى كُفْئِه"، فنهض النبي ﷺ إلى عثمان وقال: "أنت وليِّي في الدنيا والآخرة"، وصحَّحه، مع أن في سنده مقالات.
وأخرج غير ذلك من الأحاديث الدّالة على أفضلية عثمان، مع ما في بعضها من الاستدراك عليه، وذكر فضائل طلحة والزبير وعبد الله بن عمرو بن
_________
(١) المستدرك (٣/ ٩٦).
(٢) أي: السبكي.
(٣) المستدرك (٣/ ٩٧).
стр. 75
العاص (١)، فقد غَلَبَ على الظَّن أنه ليس فيه، ولله الحمد، شيء مما يُسْتَنكر عليه (٢)، إفراطٌ في ميلٍ لا ينتهي إلى بدعة.
وأنا أجوِّز أن يكون الخطيب إنما يعني بالميل إلى ذلك، ولذلك حكم بأن الحاكم ثقة، ولو كان يعتقد فيه رفضًا لجرَّحه به، لا سيَّما على مذهب من يرى رَدَّ رواية المبتدع مطلقًا، فكلام الخطيب عندنا يقرب من الصواب" اهـ.
وأزيدُ على السبكي ما ذكره الحاكم في تاريخه (٣) في ترجمة شيخه الحسين بن داود العلوي مشيرًا إلى حبِّ شيخه للصحابة، قال: "صحبته برهة من الدهر فما سمعته ذكر عثمان إلا قال: الشهيد؛ وبكى، وما سمعته يذكر عائشة إلا قال: الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق حبيبة حبيب رسول الله؛ وبكى".
وقال الحاكم في تاريخه (٤): "سمعتُ حمزة بن محمَّد العلوي - وجرى بحضرته ذكر يزيد بن معاوية - فقال: أنا لا أكفِّر يزيد لقولِ رسول الله ﷺ : "إني سألتُ الله أن لا يسلَّط على أمتي أحدًا من غيرهم، فأعطاني ذلك" (٥).
* * *
_________
(١) هكذا في الطبقات، وأرجّح أن السبكي أراد كتابة (عمرو بن العاص) فسبقه قلمه وكتب (عبد الله بن عمرو بن العاص).
(٢) نعم، إلا إعراضه عن ذكر معاوية ﵁ في كتاب "معرفة الصحابة" كما مضى في الحاشية (ص ٧٥).
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٤٧).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٦٨).
(٥) أخرجه مسلم (٢٨٨٩) بنحوه.
следующие страницы →