← Акыда

Акыда · id 1006

المسائل العقدية المتعلقة باسم الله عز وجل

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (157 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن الله أمر المؤمنين بالإيمان في غير موضع من كتابه الكريم، فقال جلّ وعلا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء ١٣٦]. وقال ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة ١٨٦].

стр. 2

إلى غيرها من الآيات الدالة على وجوب الإيمان بالله. وإن من أهم ما يتضمنه الإيمان بالله تعالى -الذي هو أول أركان الإيمان وأعظمها- التعرف عليه سبحانه بأسمائه وصفاته، معرفة يتبعها العمل بآثارها على منهج أهل السنة والجماعة. وإن مما يبين أهمية موضوع أسماء الله الحسنى أموراً كثيرة منها: ١ ـ أن العلم بالله وأسمائه وصفاته أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم، والمعلوم في هذا العلم هو الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، فالاشتغال بفهم هذا العلم، والبحث التام عنه، اشتغال بأعلى المطالب، وحصول للعبد من أشرف المواهب، ولذلك بينه الرسول ﷺ غاية البيان، ولاهتمام الرسول ﷺ ببيانه لم يختلف فيه الصحابة رضوان الله عليهم كما اختلفوا في الأحكام (١). ٢ ـ أن معرفة الله بأسمائه الحسنى، مما يزيد الإيمان، كما قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي (٢) ﵀: ((إن الإيمان

стр. 3

بأسماء الله الحسنى ومعرفتها يتضمن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأنواع هي روح الإيمان ورَوْحُه، وأصله وغايته، فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته ازداد إيمانه وقوي يقينه)) (١). ٣ ـ أن معرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته، وخوفه ورجائه، وإخلاص العمل له، وهذا هو عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه الحسنى، والتفقه في فهم معانيها. ٤ ـ أن الله خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه، وهذا هو الغاية المطلوبة منهم؛ لأنه كما قال ابن القيم ﵀: ((مفتاح دعوة الرسل، وزبدة رسالتهم، معرفة المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله، إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها)) (٢). فالاشتغال بمعرفة الله، اشتغال بما خلق له العبد، وتركه وتضييعه إهمال لما خلق له، وليس معنى الإيمان هو التلفظ به فقط دون معرفة الله؛ لأن حقيقة الإيمان بالله أن يعرف العبد ربه الذي يؤمن به، ويبذل جهده في معرفة الله بأسمائه وصفاته، وبحسب معرفته بربه يزداد إيمانه. ٥ ـ أن العلم بأسماء الله الحسنى أصل للعلم بكل معلوم، كما يقول ابن القيم ﵀: ((إن العمل بأسماء الله الحسنى أصل للعلم بكل معلوم؛ فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقاً له تعالى أو أمراً، إما علم بما كوّنه، أو علم بما شرعه، ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى، أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي

стр. 4

من مقتضاها ومرتبطة بها.)) (١). فينبغي للمؤمن أن يبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الأسماء والصفات، وتكون معرفته سالمة من داء التعطيل، ومن داء التمثيل، الذين ابتلي بهما كثير من أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول ﷺ ، بل تكون المعرفة متلقاة من الكتاب والسنة، وما روي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فهذه هي المعرفة النافعة التي لا يزال صاحبها في زيادة في إيمانه، وقوة في يقينه، وطمأنينة في أحواله. ومن مقتضيات هذا الإيمان الوقوف على مباحث تتعلق بلفظ الجلالة (الله)، وما خص به هذا اللفظ من خصائص لفظية (٢) ومعنوية، مع بيان معناه من حيث اللغة واشتقاقه واختلاف العلماء في ذلك. والتنبيه إلى حقيقة الخلاف الدائر بين علماء أهل السنة ومن خالفهم من أهل الأهواء والبدع في بعض مسائله، إلى غير ذلك من المباحث التي سيقف عليها القارئ في ثنايا هذا البحث الذي ضمنته المباحث الآتية: التمهيد: وفيه استعراض مواقف الطوائف من أسماء الله الحسنى. المبحث الأول: الخلاف في اسم ((الله)) هل هو مشتق أم جامد وفيه أربعة مطالب:

стр. 5

المطلب الأول: تعريف الاسم لغة واصطلاحاً المطلب الثاني: هل أسماء الله جامدة أم مشتقة. المطلب الثالث: هل لفظ الجلالة جامد أم مشتق. المطلب الرابع: مادة اشتقاق اسم ((الله)). المبحث الثاني: هل هو اسم الله الأعظم. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المفاضلة بين أسماء الله تعالى. المطلب الثاني: الأقوال في تحديد الاسم الأعظم. المطلب الثالث: القائلين بأن الاسم الأعظم لفظ الجلالة (الله) وأدلتهم. المطلب الرابع: الراجح في المسألة. المبحث الثالث: الذكر بلفظ الجلالة مفرداً. وفيه تمهيد ومطلبان التمهيد: في فضل ذكر الله والمشروع فيه. المطلب الأول: من قال بالذكر المفرد وشبهتهم. المطلب الثاني: الرد عليهم. المبحث الرابع: خصائص لفظ الجلالة. وفيه مطلبان: المطلب الأول: الخصائص اللفظية لاسم الله . المطلب الثاني: الخصائص المعنوية لاسم الله . الخاتمة. وقد كان جهدي منصباً على جمع وترتيب ما تفرق من كلام أهل العلم في هذه المسائل، وهو جهد بشري يعتريه ما يعتري عمل البشر من نقص وقصور، فإن أصبت فذلك من توفيق الله وعونه، وإن حصل فيه قصور ونقص وخلل فذلك من طبيعة عمل البشر.

стр. 6

سائلاً المولى أن ينفع به كاتبه وقارئه، وهو سبحانه الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 7

التمهيد فيه استعراض مواقف الطوائف من أسماء الله الحسنى: إن من فضل الله ونعمته على أهل السنة أن وفقهم للعمل بكتابه وسنة رسوله ﷺ ، فالهداية والنور والحق إنما هي في الكتاب والسنة، فالله يقول في شأن كتابه ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩]، وقال ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، وقال تعالى ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [الرعد ١]. وقال في شأن رسوله ﷺ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [الشورى ٥٢]، وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٥، ٤٦]، وقال تعالى ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق ١١]. فكل إنسان لا يمكنه أن يخرج من ظلمات الجهل والشرك والكفر والشك إلى نور العلم والتوحيد والإيمان واليقين إلا بالكتاب والسنة، ففيهما بحمد الله طريق الهدى وسبيل الرشاد، وضياء النفوس وشفاء الصدور، وبصائر القلوب والتذكرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ومعلوم أن كل من سلك إلى الله علما وعملا بطريق ليست مشروعة موافقة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة

стр. 8

وأئمتها فلا بد أن يقع في بدعة قولية أو عملية، فإن السائر إذا سار على غير الطريق المهيع فلا بد أن يسلك بنيات الطريق، بخلاف الطريق المشروعة في العلم والعمل، فإنها أقوم طريق ليس فيها عوج، فعن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: ((خط رسول الله ﷺ خطاً وخط خطوطاً عن يمينه وشماله ثم قال: ((هذه سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو الناس إليه ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣])) (١). ومعلوم أن الضلال والتهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمداً ﷺ من البينات والهدى، وتركهم البحث عن طريقة السابقين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله (٢). ولقد كان من نتاج ذلك البعد والإعراض الذي وقع فيه هؤلاء المبتدعة إلحادهم في أسماء الله الحسنى، بنوعيه الجلي الواضح والخفي غير المباشر معاندة ومشاقة لقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف ١٨٠]. فمسألة أسماء الله مع وضوحها وجلائها في النصوص، مع ذلك لم تسلم من إلحاد المعطلة على اختلاف طوائفهم (٣)، فأحببت

стр. 9

أن أعرض في هذا التمهيد لتلك الأقوال التي صدرت عن هؤلاء، لأجل أن تعرف المقالات والمذاهب في هذا الباب وما هي عليه من الدرجات والمراتب ليعطى كل ذي حق حقه ويعرف المسلم أين يضع قدمه، وإن كان ليس المقصود في هذا التمهيد بيان خطأ هؤلاء وبيان ما في مقالاتهم من الخطأ والصواب، وموافقة أهل السنة ومخالفتهم، بل أن يعلم مقالة كل فريق على حقيقتها. ثم إن العرض لهذه الأقوال المخالفة، ثم إتباع ذلك بعرض قول أهل السنة هو من باب إظهار حسن الشيء بذكر ضده، كما قيل ((الضد يظهر حسنه الضد)) و ((وبضدها تتميز الأشياء)). والقصد

стр. 10

في ذلك أن يتبين للقارئ الكريم معالم معتقد أهل السنة في باب الأسماء الحسنى وما تميز واختص به من بين سائر الأقوال الأخرى، الأمر الذي يساعد على تصور فهم ما سيعرض في هذه الدراسة من مسائل ومباحث لها صلة وعلاقة بما أظهرته تلك الطوائف من مقالات فاسدة في باب أسماء الله الحسنى. وإليك عرض تلك الأقوال المخالفة وهي أربعة أقوال ثم أتبعها بذكر القول الخامس وهو قول أهل السنة والجماعة: القول الأول: من يقول إن الله لا يسمى بشيء. وهذا قول الجهمية أتباع جهم بن صفوان، والغالية من الملاحدة كالقرامطة والفلاسفة. وهؤلاء المعطلة نفاة الأسماء لهم في تعطيلهم لأسماء الله أربعة مسالك هي: المسلك الأول: الاقتصار على نفي الإثبات فقالوا لا يسمى بإثبات. المسلك الثاني: أنه لا يسمى بإثبات ولا نفي. المسلك الثالث: السكوت عن الأمرين الإثبات والنفي. المسلك الرابع: تصويب جميع الأقوال بالرغم من تناقضها. فهم بذلك اتفقوا على إنكار الأسماء جميعاً، ولكن تنوعت مسالكهم في الإنكار. ١ ـ فأصحاب المسلك الأول: اقتصروا على قولهم: بأنه ليس له اسم كالحي والعليم ونحو ذلك. وشبهتهم في ذلك: أ ـ أنه إذا كان له اسم من هذه الأسماء، لزم أن يكون متصفاً

стр. 11

بمعنى الاسم كالحياة والعلم؛ فإن صدق المشتق -أي الاسم كالعليم- مستلزم لصدق المشتق منه -أي الصفة كالعلم-، وذلك محال عندهم. ب ـ ولأنه إذا سمي بهذه الأسماء فهي مما يسمى به غيره. والله منزه عن مشابهة الغير (١). فهؤلاء المعطلة المحضة -نفاة الأسماء- يسمون من سمى الله بأسمائه الحسنى مشبهاً، فيقولون: إذا قلنا حي عليم فقد شبهناه بغيره من الأحياء العالمين؛ وكذلك إذا قلنا هو سميع بصير فقد شبهناه بالإنسان السميع البصير، وإذا قلنا رؤوف رحيم فقد شبهناه بالنبي الرؤوف الرحيم، بل قالوا إذا قلنا إنه موجود فقد شبهناه بسائر الموجودات لاشتراكهما في مسمى الموجود (٢). وهذا المسلك ينسب لجهم بن صفوان، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((جهم كان ينكر أسماء الله تعالى فلا يسميه شيئاً لا حياً ولا غير ذلك إلا على سبيل المجاز)) (٣). وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله (٤). ٢ ـ وأما أصحاب المسلك الثاني: فقد زادوا في الغلو فقالوا لا يسمى بإثبات ولا نفي، ولا يقال موجود ولا لا موجود، ولا حي ولا لا حي؛ لأن في الإثبات تشبيها بالموجودات وفي النفي تشيبها له بالمعدومات، وكل ذلك تشبيه (٥).

стр. 12

والمسلك الثاني: ينسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية والمتفلسفة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا يقال ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد. قالوا لأن في الإثبات تشبيها بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيها له بما ينفي عنه هذه الصفات (١). ٣ ـ وأما أصحاب المسلك الثالث فيقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين، لا نحكم لا بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم، ولكن نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم. ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه (٢). وأصحاب المسلك الثالث هم المتجاهلة اللاأدرية. وأصحاب المسلك الثاني هم المتجاهلة الواقفة الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي. وأصحاب المسلك الأول هم المكذبة النفاة.

стр. 13

٤ ـ وهناك مسلك رابع يقول بتصويب كل واحد من القائلين للأقوال المتناقضة، كما يقوله من يقوله من أصحاب الوحدة، كابن عربي ونحوه الذي يقول بأن كل من اعتقد في الله عقيدة فهو مصيب فيها حتى قال: عقد الخلائق في الإله عقائدا … وأنا أعتقد جميع ما عقدوه فأصحاب وحدة الوجود يعطون أسماءه سبحانه لكل شيء في الوجود إذ كان وجود الأشياء عندهم هو عين وجوده ما ثمت فرق إلا بالإطلاق والتقييد (١). وهذا منتهى قول طوائف المعطلة (٢). وغاية ما عندهم في الإثبات قولهم هو وجود مطلق أي وجود خيالي في الذهن، أو وجود مقيد بالأمور السلبية، وقالوا لا نقول موجود ولا معدوم، أو قالوا: هو لا موجود ولا معدوم (٣). حكم القول بنفي الأسماء: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((والتحقيق أن التجهم المحض وهو نفي الأسماء والصفات كما يحكى عن جهم والغالية من الملاحدة ونحوهم، من نفي الأسماء الحسنى كفر بين مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ ) (٤). القول الثاني: أن الله يسمى بالخالق القادر فقط. وهذا القول منسوب كذلك للجهم بن صفوان.

стр. 14

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((كان الجهم وأمثاله يقولون: إن الله ليس بشيء؛ وروي عنه أنه قال: لا يسمى باسم يسمى به الخلق فلم يسمه إلا بالخالق القادر، لأنه كان جبريا يرى أن العبد لا قدرة له)) (١). وقال أيضاً: ((ولهذا نقلوا عن جهم أنه لا يسمي الله بشيء، ونقلوا عنه أنه لا يسميه باسم من الأسماء التي يسمى بها الخلق، كالحي، والعالم، والسميع، والبصير، بل يسميه قادراً خالقاً، لأن العبد عنده ليس بقادر، إذ كان هو رأس الجهمية الجبرية)) (٢). القول الثالث: إثبات الأسماء مجردة عن الصفات وهذا قول المعتزلة فهم يجمعون على تسمية الله بالاسم ونفي الصفة عنه، يقول ابن المرتضى المعتزلي: ((فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثاً قديماً قادراً عالماً حياً لا لمعان)) (٣). ولهم في ذلك النفي مسلكان: المسلك الأول: من جعل الأسماء كالأعلام المحضة المترادفة (٤)

стр. 15

التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به. فهم بذلك ينظرون إلى هذه الأسماء على أنها أعلام خالصة لا تدل على صفة والمحضة الخالصة الخالية من الدلالة على شيء آخر، فهم يقولون إن العليم والخبير والسميع ونحو ذلك أعلام لله ليس دالة على أوصاف، وهي بالنسبة إلى دلالتها على ذات واحدة هي: مترادفة، وذلك مثل تسميتك ذاتا واحدة بزيد وعمرو ومحمد وعلي، فهذه الأسماء مترادفة وهي أعلام خالصة لا تدل على صفة لهذه الذات المسماة بها (١). المسلك الثاني: من يقول منهم إن كل علم منها مستقل، فالله يسمى عليما وقديراً، وليست هذه الأسماء مترادفة، ولكن ليس معنى ذلك أن هناك حياة أو قدرة. ولذلك يقولون عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر. وقول المعتزلة وإن كان دون قول الجهمية، لكنه عظيم أيضاً (٢). قال أبو الحسن الأشعري: ((وزعمت الجهمية -يعني المعتزلة- أن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر له، وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه، لأنهم إذا قالوا: لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا: إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم؛ وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة

стр. 16

والتعطيل، لأن الزنادقة قال كثير منهم: إن الله ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك، فأتت بمعناه، وقالت: إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسمع والبصر)) (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((إن المعتزلة لما رأوا الجهمية قد نفوا أسماء الله الحسنى، استعظموا ذلك لما فيه من تكذيب القرآن تكذيباً ظاهر الخروج عن العقل، فأقروا بالأسماء ونفوا الصفات، فصاروا هم كذلك متناقضين، فإن إثبات حي عليم قدير حكيم سميع بصير، بلا حياة ولا علم ولا قدرة، ولا حكمة ولا سمع، ولا بصر، مكابرة للعقل كإثبات مصلٍّ بلا صلاة وصائم بلا صيام، وقائم بلا قيام، ونحو ذلك من الأسماء المشتقة كأسماء الفاعلين والصفات المعدولة عنها)) (٢). وقد ضم المعتزلة إلى بدعتهم هذه بدعاً أخرى منها: ١ ـ قولهم بأن أسماء الله مخلوقة. ٢ ـ قول بعضهم بأن أسماء الله ليست توقيفية. أما قولهم بأن أسماء الله مخلوقة فلأنهم يقولون: الاسم غير المسمّى، وأسماء الله غيره، وماكان غيره فهو مخلوق، ويقولون إن كلام الله مخلوق، وأسماؤه مخلوقة، وهو نفسه لم يتكلم بكلام يقوم بذاته ولا سمّى نفسه باسم هو المتكلم به، بل قد يقولون إنه

стр. 17

تكلم به، وسمى نفسه بهذه الأسماء بمعنى أنه خلقها في غيره، لا بمعنى أنه نفسه تكلم بها كلام القائم به. فالقول في أسمائه هو نوع من القول في كلامه. وقد ذم السلف المعتزلة بقولهم هذا وغلَّظوا فيهم القول؛ لأن أسماء الله من كلامه وكلام الله غير مخلوق، بل هو المتكلم به، وهو المسمِّي لنفسه بما فيه من الأسماء. ولهذا يروى عن الشافعي والأصمعي وغيرهما أنه قال: ((إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة)) (١). وقال الإمام أحمد: ((من قال أسماء الله تعالى مخلوقة فقد كفر)) (٢). وأما بدعتهم الثالثة في أسماء الله فهي قولهم بأن أسماء الله غير توقيفية. فقد نقل البغدادي عن المعتزلة البصرية أنهم أجازوا إطلاق الأسماء على الله بالقياس (٣). وقال أبو الحسن الأشعري: ((واختلفت المعتزلة هل يجوز أن يسمي الباريء عالما من استدل على أنه عالم بظهور أفعاله عليه وإن لم يأته السمع من قبل الله سبحانه بأن يسميه بهذا الاسم أم لا على مقالتين: فزعمت الفرقة الأولى منهم أنه جائز أن يسمي الله سبحانه

стр. 18

عالما قادرا حيا سميعا بصيرا من استدل على معنى ذلك أنه يليق بالله وإن لم يأت به رسول. وزعمت الفرقة الثانية أنه لا يجوز أن يسمي الله سبحانه بهذه الأسماء من دله العقل على معناها إلا أن يأتيه بذلك رسول من قبل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء)) (١). - موافقة ابن حزم للمعتزلة في مسألة نفي معاني الأسماء: هذا القول بإثبات الأسماء ونفي الصفات قال به أيضاً بعض متكلمة الظاهرية (٢) كابن حزم الذي قال: ((إن أسماءه الحسنى كالحي والعليم والقدير بمنزلة أسماء الأعلام التي لا تدل على حياة ولا علم ولا قدرة، وقال: لا فرق بين الحي وبين العليم وبين القدير في المعنى أصلا)) (٣). وهذا القول لابن حزم وأمثاله من الظاهرية في باب الصفات هو بعينه مسلك المعتزلة في الصفات كما سبق وأن بيناه. ومثل هذه المقالات إنما هي في الحقيقة سفسطة في العقليات وقرمطة في السمعيات. القول الرابع: إثبات الأسماء الحسنى مع إثبات معاني بعضها وتحريف معاني البعض الآخر، وهذا قول الكلابية والأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم.

стр. 19

ورأيهم في هذه المسألة مبني على قولهم في صفات الله تعالى. فالكلابية وقدماء الأشاعرة ينفون الصفات الاختيارية وبالتالي لا يثبتون معاني الأسماء التي اشتقت من الصفات الاختيارية على الوجه الصحيح. وأما المتأخرون من الأشاعرة ومعهم الماتريدية، فإنهم لا يثبتون من الصفات سوى سبع صفات وهي: (العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والإرادة والكلام) ويزيد بعض الماتريدية صفة ثامنة هي (التكوين) (١). فالاسم عندهم إن دل على ما أثبتوه من الصفات، أثبتوا ما دل عليه من المعنى، وإن كان دالاً على خلاف ما أثبتوه صرفوه عن حقيقته وحرفوا معناه. ومعلوم أنه لم يرد في باب الأسماء من تلك الصفات التي ذكروها إلا خمسة فقط وهي: (العليم) و (القدير) و (الحي) و (السميع) و (البصير)؛ فهذه الخمسة يثبتون معناها وإن كان هناك من يرجع صفتي (السمع) و (البصر) إلى (العلم) ولكن جمهورهم على خلاف ذلك (٢).

стр. 20

وأما بقية الأسماء التي لا تتفق مع ما أثبتوه من الصفات، فإنهم لا يثبتون ما دلت عليه من المعاني، بل يحرفونها كتحريفهم لمعنى (الرحمة) في اسمه (الرحمن) إلى (إرادة الثواب، أو إرادة الإنعام)، و (الود) في (الودود) بـ (إرادة إيصال الخير) (١). ومن المخالفات التي وقع فيها بعض هؤلاء بالإضافة إلى ما تقدم: ١ ـ قولهم بأن في الأسماء اسما غير مشتق. ٢ ـ قول بعضهم بأن أسماء الله ليست توقيفية. ٣ ـ مسألة الاسم والمسمى: وأما بالنسبة لما يتعلق بالمسألة الأولى، فإن بعض الأشاعرة يقسمون الأسماء إلى قسمين: القسم الأول: أسماء مشتقة. القسم الثاني: أسماء غير مشتقة. قال البغدادي: ((جملة أسمائه قسمان مشتق وغير مشتق)) (٢). فيجعلون اسم الله غير مشتق أي لا يدل على معنى، فيعاملونه معاملة الأسماء الجامدة، وهذا مخالف لمذهب أهل السنة الذين يعتقدون بأن أسماء الله جميعها متضمنة لمعان وليس فيها اسم جامد لا يدل على معنى. وأما المسألة الثانية وهي كون أسماء الله توقيفية. فإن الماتريدية وجمهور الأشاعرة يوافقون أهل السنة في هذه

стр. 21

المسألة، ولكن القاضي الباقلاني من الأشاعرة لا يشترط أن يكون توقيف من الكتاب والسنة في أسماء الله واشترط أمرين: ١ ـ أن يدل على معنى ثابت لله تعالى. ٢ ـ أن لا يكون إطلاقه موهما لما لا يليق بالله تعالى (١). وتوقف الجويني في هذه المسألة (٢). وأما المسألة الثالثة وهي مسألة الاسم والمسمى. فإن قول الأشاعرة والماتريدية فيها واحد، فهم يقولون: ((الاسم عين المسمى)) (٣). وحقيقة هذه العبارة عندهم أن المسمى أي الله غير مخلوق وأما التسميات فهي مخلوقة. فهم وافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، وإن أظهروا أنهم موافقون لأهل السنة في اللفظ بقولهم: ((إن أسماء الله غير مخلوقة)). ومرادهم بذلك أن الله غير مخلوق. وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة (٤). القول الخامس: إثبات الأسماء الحسنى مع إثبات معانيها جميعاً وإثبات ما يتعلق بها من الأحكام والمقتضيات. وهذا قول أهل السنة والجماعة واعتقادهم يمكن إجماله في النقاط التالية:

стр. 22

١ ـ الإيمان بثبوت الأسماء الحسنى الواردة في القرآن والسنة من غير زيادة ولا نقصان. ٢ ـ الإيمان بأن الله هو الذي يسمي نفسه، ولا يسميه أحد من خلقه، فالله هو الذي تكلم بهذه الأسماء، وأسماؤه منه، وليست محدثة مخلوقة كما يزعم الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية. ٣ ـ الإيمان بأن هذه الأسماء دالة على معان في غاية الكمال فهي أعلام وأوصاف، وليست كالأعلام الجامدة التي لم توضع باعتبار معناها، كما يزعم المعتزلة. ٤ ـ احترام معاني تلك الأسماء وحفظ ما لها من حرمة في هذا الجانب وعدم التعرض لتلك المعاني بالتحريف والتعطيل كما هو شأن أهل الكلام. ٥ ـ الإيمان بما تقتضيه تلك الأسماء من الآثار وما ترتب عليها من الأحكام. وبالجملة فإن أهل السنة يؤمنون بأسماء الله إيمانا صحيحاً وفق ما أمرت به نصوص القرآن والسنة ووفق ما كان عليه فهم سلف الأمة، بخلاف أهل الباطل الذين أنكروا ذلك وعطلوه، فألحدوا في أسماء الله إلحاداً كلياً أو جزئياً، كما سبق وأن بيناه خلال عرض الأقوال الأربعة السابقة. وهذا التمهيد ضروري لطالب العلم، حتى يقف على الحقيقة ويعرف الباطل معرفة تفصيلية، وحتى لا يشتبه عليه الحق والباطل. فإن الاشتقاق مثلا في لفظ الجلالة (الله) والخلاف الموجود فيه بين أهل السنة وطوائف أهل الباطل مرجعه إلى ما ذكرت، فهو خلاف عقدي وإن كان أهل الأهواء جعلوا

стр. 23

الخلاف اللغوي وهو عدم الاشتقاق سلما ومطية لخدمة معتقدهم في هذا الباب أعني باب الأسماء الحسنى. ولا يضرك الخلاف الموجود بين علماء أهل السنة في قضية الاشتقاق في لفظ الجلالة وعدمه، فذاك مرجعه إلى اللغة وأن استعمال لفظ الجلالة استعمال الأعلام الجامدة لغلبة الاستعمال فلا يقع صفة ولا خبراً عند من قال بعدم الاشتقاق فيه من أهل السنة كالشافعي وغيره، لا يعني ذلك عدم دلالته على صفة الألوهية واشتقاقه منها ودلالتها عليه باللزوم، وسيأتي مزيد بيان لذلك في بابه إن شاء الله.

стр. 24

المبحث الأول: الخلاف في اسم (الله) هل هو مشتق أم جامد. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تعريف الاسم لغة واصطلاحاً. المطلب الثاني: هل أسماء الله جامدة أم مشتقة. المطلب الثالث: هل لفظ الجلالة جامد أم مشتق. المطلب الرابع: مادة اشتقاق اسم ((الله)).

стр. 25

المطلب الأول: تعريف الاسم لغة واصطلاحاً. أ- أصل اشتقاق الاسم: اختلف في أصل اشتقاق "الاسم" على قولين: القول الأول: أنه مشتق من "السُّمُوِّ" وهو العلوُّ والارتفاع، وقال به النُّحاةُ البصريُّون. القول الثاني: أنه مشتق من "السمة"، وهي العلامة، وقال به النُّحاة الكوفيُّون. والصواب من القولين هو القول الأول (١) أولاً: لأن اشتقاقه من "السُّمُوِّ" هو "الاشتقاق الخاصُّ" (٢). الذي يتفق فيه اللفظان في الحروف وترتيبها، فإنهم: • يقولون في تصريفه: "سمِّيت"، ولا يقولون: "وَسَمْتُ". • ويقولون في جمعه: "أسماء"، ولا يقولون: "أوسام".

стр. 26

• ويقولون في تصغيره: "سُمَيٌّ"، ولا يقولون: "وُسيم". • ويقالُ لصاحبه: "مسمَّى"، ولا يقالُ: "موسومٌ". وأما "السِّمة" فهي تتفق مع الاسم في "الاشتقاق الأوسط " وهو ما يتفق فيه حروف اللفظين دون ترتيبهما، فإنه في كليهما (السِّين والميم والواو) لكن اشتقاقه من "السُّمُوِّ" هو الاشتقاق الخاصُّ، كما أسلفنا. ثانيا: ثُمَّ إن "السُّمُوَّ" هو بمعنى العلوِّ والارتفاع والرِّفعة. و"السَّمة" بمعنى العلامة. وإذا كان الاسم مقصوده إظهار المسمَّى وبيانه فإن المعنى الثاني وإن كان صحيحا، لكن المعنى الأول أخص وأتم، فإن العلو مقارن للظُّهور، فالاسم يظهر به المسمَّى ويعلو؛ فيقالُ للمسمِّي: سمِّهِ: أي أظهره وأعلِه، أي أعلِ ذكره بالاسم الذي يُذكرُ به، وبعض النحاة يقول: سمي اسمًا لأنه علا على المسمَّى؛ أو لأنه علا على قسيميه الفعل والحرف؛ وليس المراد به هذا، بل لأنه يُعلي المسمى فيظهر؛ ولهذا يقالُ: سمَّيته أي أعليته وأظهرته، فتجعل المعلى المظهر هو المسمى، وهذا إنما يحصل بالاسم. وما ليس له اسم فإنه لا يُذكر ولا يظهر ولا يعلو ذكره؛ بل هو كالشيء الخفي الذي لا يُعرفُ؛ ولهذا يقال: الاسم دليل على المسمَّى، وعلمٌ على المسمَّى، ونحو ذلك. ولهذا كان أهل الإسلام الذين يذكرون أسماء الله، يعرفونه ويعبدونه ويحبونه ويذكرونه، ويظهرون ذكره. بخلاف الملاحدة الذين

стр. 27

ينكرون أسماءه وتُعرِضُ قلوبهم عن معرفته وعبادته ومحبته وذكره (١). ب- تعريف الاسم في اللغة: عُرّف الاسم بعدَّة تعريفات، نذكر منها: ا- الاسم: هو اللفظ الدَّلُّ على المسمَّى (٢). ٢ - الاسم: هو القول الدال على المسمَّى (٣). ٣ - الاسم: حروف منظومة دالة على معنى، مفرد. (٤) ٤ - الاسم: قول يدل على مذكور يضاف إليه. (٥) ج- الفرق بين "الاسم" و"المسمَّى" و"التَّسمية": يجب التفريق بين هذه الألفاظ الثلاثة؛ لأن منشأ الغلط في هذه المسألة من إطلاق هذه الألفاظ لغير معانيها التي لها، فلا يفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني، وتنزيل ألفاظها عليها (٦). فـ "الاسم" هو: اللفظ الدال على المسمَّى. وأما "المسمى" فهو: الشيء الموجود في الأعيان أو الأذهان. وأما "التسمية" فهي: فعل المُسمِّى ووضعه الاسم للمُسمَّى. كما أن التحلية عبارة عن فعل " المُحلى" ووضعه الحلية للتَّحلية. ولهذا تقول: سمَّيت هذا الشخص بهذا الاسم، كما تقول:

стр. 28

حليته بهذه، التَّحلية، والحلية غير المحلَّى (١) والتَّسمية: مصدر "سمَّى" "يُسِّمي " "تسمية" فالتسمية نطق بالاسم وتكلُّمٌ به وليست هي الاسم نفسه (٢). فهنا ثلاث حقائق "اسم" و"مسمى" و"تسمية" ك"حلية" و"مُحلى" و"تحلية"، و"علامة" و"مُعْلَم" و"تعليم"، ولا سبيل إلى جعل لفظين منهما مترادفين على معنى واحد، لتباين حقائقها، وإذا جعلت الاسم هو المسمى، بطل واحد من هذه الثلاثة ولابدَّ (٣).

стр. 29

المطلب الثاني: هل أسماء الله جامدة أم مشتقة؟ القول الأول: قول أهل السنة والجماعة في المسألة. من الأمور المتقرِّرة في عقيدة أهل السنة والجماعة أن أسماء الله الحُسنى متضمنة للصفات، فكل اسم يدلُّ على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر، فالعزيز متضمِّنٌ لصفة العزة وهو مشتقٌ منها، والخالق متضمن لصفة الخلق وهو مشتق منه، فأسماء الله مشتقة من صفاته وليست جامدة كما يزعم المعتزلة ومن وافقهم الذين ادَّعوا أنها أعلامٌ جامدةٌ لا معاني لها، فقالوا: سميع بلا سمع، بصيرٌ بلا بصر، وعزيزٌ بلا عزة، فسلبوا بذلك عن أسماء الله معانيها. فالرب تعالى يُشتقُّ له من أوصافه وأفعاله أسماءٌ ولا يشتق له من مخلوقاته، وكل اسم من أسمائه فهو مشتقٌ من صفة من صفاته أو فعل قائم به. فأسماء الله الحُسنى كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسمٍ يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دلَّ عليه الاسم الآخر (١). وذلك لأن أسماءه الحسنى لها اعتباران:

стр. 30

ـ اعتبارٌ من حيث الذات، واعتبارٌ من حيث الصفات. فهي أعلام باعتبار دلالتها على الذَّات، وأوصاف باعتبار ما دلَّت عليه من المعاني. وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد هو الله ، فـ ((الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم)) كلها أسماء لمسمى واحد هو الله . قال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء ١١٠]. فأسماء الله تعالى تدل كلها على مسمى واحد، وليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى يضاد دعاءه باسم آخر، بل كل اسم يدل على ذاته. وهي بالاعتبار الثاني: متباينة لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فمعنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا (١). قال ابن القيم ﵀: ((أسماء الله الحسنى هي أعلمٌ وأوصافٌ، والوصفُ بها لا ينافي العلمية؛ بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة فنافتها العلمية المختصة، بخلاف أوصاف الله تعالى)) (٢). وقال ﵀: ((أسماء الرب تعالى، أسماء كتبه، وأسماء نبيه ﷺ هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف، فلا تضاد فيها العلميةُ

стр. 31

الوصفَ بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله الخالق البارئ المصوذِر القهَّار؛ فهذه أسماء له دالة على معان هي صفاته … )) (١). الأدلة على أن أسماء الله أعلامٌ وأوصافٌ. دلالة القرآن والسنة على ذلك: تنوعت دلالة القرآن والسنة في إثبات هذه المسألة، فمن ذلك: أ ـ أن الله يخبر بمصادرها ويصفُ نفسه بها: والمصدر هو الوصف الذي اشتقت منه تلك الصفة. فمن القرآن: • قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى ١٩]، وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات ٥٨]، وقال تعالى ﴿الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠]. فعُلم أنَّ ((القويِّ)) من أسمائه، ومعناه الموصوف بالقوة. وكذلك ((العزيز)) من أسمائه، ومعناه الموصوف بالعزة. فالقوي من له القوة، والعزيز من له العزة، فلولا ثبوت القوة والعزة لم يُسمَّ قويا ولا عزيزاً. • وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف ٨]، وقال تعالى ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ [الرعد ٦]، وقال تعالى ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨]. فالغفور هو المتصف بالمغفرة، والرحيم هو المتصف بالرحمة.

стр. 32

• وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [الزخرف ٨٤]، وقال تعالى ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر ١٢]. فهو الحكيم الذي له الحكم. • وقال تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء ١٦٦]، وقال تعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥]. وفي السنة: ففي الصحيح عن النبي ﷺ : ((إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسطَ ويرفعه، يرفعُ عملَ الليل قبل النهار، وعملَ النهار قبل الليل، حجابه النُّور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) (١). فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه ((البصير)). • وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂: ((الحمدُ لله الذي وَسعَ سمعه الأصوات)) (٢). فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه ((السميع)). • وفي الصحيح حديث الاستخارة ((اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك)) (٣). فهو قاردٌ بقدرة. • وفي الصحيح عنه ﷺ : ((يقول الله ﵎: العظمة

стр. 33

إزاري، والكبرياء ردائي)) (١). فهو العظيم الذي له الكبرياء. • وقوله ﷺ : ((أعوذ برضاك من سخطك)) (٢)، وقوله ﷺ : ((أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت)) (٣). فقد دل القرآن والسنة على إثبات مصادر هذه الأسماء له سبحانه وصفاً، ولو لا هذه المصادر لانتفت حقائق الأسماء والصفات والأفعال، فإن أفعاله غير صفاته، وأسماؤه غير أفعاله وصفاته، فإذا لم يقم به فعلٌ ولا صفةٌ فلا معنى للاسم المجرَّد وهو بمنزلة صوتٍ لا يفيد شيئاً، وهذا غاية الإلحاد (٤). فكلُّ ما دلت عليه أسماؤه فهو مما وصف به نفسه، فيجب الإيمان بكل ما وصف به نفسه. ب ـ أن الله يخبر عن الأسماء بأفعالها ((أي حُكم تلك الصفة)) • قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة ١]. • وقال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. • وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النحل ١٩].

стр. 34

• وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥]. فلو لم تكن أسماؤه مشتملة على معانٍ وصفات لم يسغ أن يخبر عنها بأفعالها؛ فلا يقال: يسمع ويرى ويعلم ويريد، فإن ثبوت أحكام الصفات فرعُ ثبوتها، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حُكْمها. ج ـ أن الله يعلل أحكامه وأفعاله بأسمائه: ((فالله سبحانه يعلل أحكامه وأفعاله بأسمائه، ولو لم يكن لها معنى لما كان التعليل صحيحاً، • كقوله تعالى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح ١٠]. • وقال تعالى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٦ - ٢٢٧]، فختم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة والإحسان إليها بأنه غفورٌ رحيم، يعود على عبدخ بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه بالمغفرة والرحمة. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فإن الطلاق لما كان لفظاً يسمع ومعنى يقصد عَقَّبَه باسم ((السميع)) للنطق به ((العليم)) بمضمونه. • وقال أهل الجنة ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر ٣٤]. أي لما صاروا إلى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم قالوا ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ وفي هذا معنى التعليل: أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته، فإنه غفر لنا السيئات وشكر لنا الحسنات.

стр. 35

• وقال تعالى ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء ١٤٧]. فهذا جزاء لشكرهم، أي إن شكرتم ربكم شكركم، وهو عليمٌ بشكركم لا يخفى عليه من شكره ممَّن كفره)) (١). د ـ الله يستدل على توحيده بأسمائه فالله سبحانه يستدل بأسمائه على توحيده ونفي الشريك عنه، ولو كانت أسماءً لا معنى لها لم تدل على ذلك. • كقول هارون لعبدةِ العجل ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه ٩٠]. • وقوله سبحانه في القصة ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه ٩٨]. • وقوله تعالى ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]. • وقوله تعالى ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر ٢٢ - ٢٤]. فسبح نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده، واستحالة إثبات شريك له (٢).

стр. 36

هـ ـ أن الله يعلق بأسمائه المعلومات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما: فالله سبحانه يعلق بأسمائه المعلومات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما، ولو كانت أعلاماً محضة لم يصح فيها ذلك. • كقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات ١٦]. • وقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة ٧]. • وقوله تعالى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران ٦٣]. • وقوله تعالى ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]. • وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١١٧]. • وقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ١٨٩]. • وقوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء ٣٩]. • وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى ٢٧]. ونظائره كثيرة (١). و ـ وصف الله أسماءه بأنها حسنى: قال ابن القيم ﵀: ((أسماءُ الرب ﵎ كلها أسماء مدح، ولو كانت ألفاظاً مجردة لا معاني لها، لم تدل على المدح، وقد وصفها الله بأنها حسنى كلها فقال ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف ١٨٠]. فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال.

стр. 37

ولهذا لما سمع بعض العرب قارئاً يقرأ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨] (والله غفور رحيم). قال: ليس هذا كلام الله. فقال القارئ: أتكذب بكلام الله تعالى؟ فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله تعالى. فعاد إلى حفظه وقرأ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. فقال الأعرابي: صدقتَ، عزَّ، فحكمَ، فقطعَ، ولو غفر ورحم لما قطع. ولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم عذاب، أو بالعكس، ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه، ولو كانت هذه الأسماء أعلاماً محضة لا معنى لها لم يكن فرقٌ بين ختم الآية بهذا أو بهذا)) (١). وقال أيضاً: ((أخبر سبحانه أنه إله واحد، وإن تعددت أسماؤه الحسنى المشتقة من صفاته، ولهذا كانت حسنى، وإلا فلو كانت كما يقول الجاحدون لكماله أسماء محضة فارغة من المعاني ليس لها حقائق لم تكن حسنى، ولكانت أسماء الموصوفين بالصفات والأفعال أحسن منها)) (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((الله له الأسماء الحسنى دون السوءى، وإنما تميز الاسم الحسن عن الاسم السيء بمعناه، فلو كانت كلها بمنزلة الأعلام الجامدات التي تدل على معنى لم

стр. 38

تنقسم إلى حسنى وسوءى)) (١). دليل الإجماع: أ ـ إجماع أهل اللغة: ((أجمع أهل اللغة على أنه لا يُقال: عليمٌ إلا لمن له علمٌ، ولا يقال سميع إلا لمن له سمعٌ، وهذا أمرٌ بيِّنٌ لا يحتاج إلى دليل)) (٢). ب ـ إجماع المسلمين: ((أجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله أو سمعه أو بصره أو قوته أو عزته أو عظمته انعقدت يمينه، وكانت مكفرة لأن هذه صفات كماله التي اشتق منها أسماؤه)) (٣). ج. دليل العقل: • ((أنه يُعلم بالاضطرار الفرق بين الحي والقدير والعليم والملك والقدوس والغفور. وإن العبد إذا قال: رب اغفر لي وتُب عليَّ إنك أنت التواب الغفور، كان قد أحسن في منجاة ربه. وإذا قال: اغفر لي وتُب عليَّ إنك أنت الجبار المتكبر الشديد العقاب، لم يكن محسناً في منجاته)) (٤). • ـ إن من المستحيل أن يكون عليماً قديراً سميعاً بصيراً ولا علم له ولا قدرة؛ بل صحة هذه الأسماء مستلزمة لثبوت معانيها له،

стр. 39

وانتفاء حقائقها عنه مستلزم لنفيها عنه، والثاني باطلٌ قطعاً فتعين الأول)) (١) لأن شرط صحة إطلاق هذه الأسماء حصول معانيها وحقائقها للموصوف)) (٢). القول الثاني: قول المعتزلة ومن وافقهم ((النجارية، والضرارية، والرافضة الإمامية، والزيدية، وابن حزم وغيرهم)). فهؤلاء يقولون بأن الأسماء جامدة لا معاني لها وأنها كالأعلام المحضة التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به، فقالوا: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة. واستند هؤلاء في زعمهم بأمرين: أولاً: في القاعدة النحوية التي وضعها النحاة لأنفسهم في التفريق بين الاسم والصفة، فالنحاة يفرقون بين الإسم والصفة، فحقيقة الاسم عندهم: هو كل لفظ جعل للدلالة على المعنى إن لم يكن مشتق، فإن كان مشتقاً فليس باسم وإنما هو صفة. قال ابن حزم: ((إننا لا نفهم من قولنا: قدير وعالم إذا أردنا بذلك الله تعالى إلا ما نفهم من قولنا الله فقط، لأن كل ذلك أسماء أعلام لا مشتقة من صفة أصلاً)) (٣). الرد على ذلك: هذه القاعدة أسسها سيبويه ليرتب عليها قانوناً من الصناعة في التصريف والجمع والتصغير والحذف والزيادة والنسبة وغير كلك من الأبواب (٤).

стр. 40

ولكن مسألة التفريق بين الوصفية والعلمية لا تنطبق على أسماء الله، ((لأن أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف، والوصف بها لا ينافي العلمية، بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم)) (١) وذلك لسببين: السبب الأول: أن أوصاف الخالق مختصة به، فلذلك لا تنافي بينها وبين العلمية المحضة. بخلاف أوصاف العباد فهي مشتركة بينهم فنافتها العلمية المحضة. وشرح ذلك: أن الاسم وظيفته الاختصاص والتعيين ولذلك قالوا في تعريفه: هو اللفظ الموضوع للشيء تعييناً له وتمييزاً. وبالتالي لا يمكن للصفات أن تؤدي هذه الوظيفة بالنسبة للمخلوق لأن صفات العباد مشتركة بينهم فيتعذر بذلك الاختصاص الذي هو وظيفة الاسم. ولذلك إذا سمى الإنسان بوصف من الأوصاف مثل كريم، وشجاع، وجميل فإن هذه الألفاظ تتجرد من خصائص الوصفية ويصبح لها خصائص العلمية. السبب الثاني: لا تقاس أسماء الله بأسماء المخلوق، لأن أسماء الخلق مخلوقة مستعارة وليست أسماؤهم نفس صفاتهم، بل قد تكون مخالفة لصفاتهم، وأسماء الله وصفاته ليس شيء منها مخالفاً لصفاته، ولا شيء من صفاته مخالفاً لأسمائه. فمن ادعى أن صفة من صفات الله مخلوقة أو مستعارة فقد كفر وفجر، لأنك إذا قلت ((الله)) فهو ((الله)) وإذا قلت ((الرحمن)) فهو
следующие страницы →