هـ ـ أن الله يعلق بأسمائه المعلومات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما:
فالله سبحانه يعلق بأسمائه المعلومات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما، ولو كانت أعلاماً محضة لم يصح فيها ذلك.
• كقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات ١٦].
• وقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة ٧].
• وقوله تعالى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران ٦٣].
• وقوله تعالى ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
• وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١١٧].
• وقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ١٨٩].
• وقوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء ٣٩].
• وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى ٢٧].
ونظائره كثيرة (١).
و ـ وصف الله أسماءه بأنها حسنى:
قال ابن القيم ﵀: ((أسماءُ الرب ﵎ كلها أسماء مدح، ولو كانت ألفاظاً مجردة لا معاني لها، لم تدل على المدح، وقد وصفها الله بأنها حسنى كلها فقال ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف ١٨٠].
فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال.
стр. 37
ولهذا لما سمع بعض العرب قارئاً يقرأ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨] (والله غفور رحيم).
قال: ليس هذا كلام الله.
فقال القارئ: أتكذب بكلام الله تعالى؟
فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله تعالى.
فعاد إلى حفظه وقرأ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
فقال الأعرابي: صدقتَ، عزَّ، فحكمَ، فقطعَ، ولو غفر ورحم لما قطع.
ولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم عذاب، أو بالعكس، ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه، ولو كانت هذه الأسماء أعلاماً محضة لا معنى لها لم يكن فرقٌ بين ختم الآية بهذا أو بهذا)) (١).
وقال أيضاً: ((أخبر سبحانه أنه إله واحد، وإن تعددت أسماؤه الحسنى المشتقة من صفاته، ولهذا كانت حسنى، وإلا فلو كانت كما يقول الجاحدون لكماله أسماء محضة فارغة من المعاني ليس لها حقائق لم تكن حسنى، ولكانت أسماء الموصوفين بالصفات والأفعال أحسن منها)) (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((الله له الأسماء الحسنى دون السوءى، وإنما تميز الاسم الحسن عن الاسم السيء بمعناه، فلو كانت كلها بمنزلة الأعلام الجامدات التي تدل على معنى لم
стр. 38
تنقسم إلى حسنى وسوءى)) (١).
دليل الإجماع:
أ ـ إجماع أهل اللغة:
((أجمع أهل اللغة على أنه لا يُقال: عليمٌ إلا لمن له علمٌ، ولا يقال سميع إلا لمن له سمعٌ، وهذا أمرٌ بيِّنٌ لا يحتاج إلى دليل)) (٢).
ب ـ إجماع المسلمين:
((أجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله أو سمعه أو بصره أو قوته أو عزته أو عظمته انعقدت يمينه، وكانت مكفرة لأن هذه صفات كماله التي اشتق منها أسماؤه)) (٣).
ج. دليل العقل:
• ((أنه يُعلم بالاضطرار الفرق بين الحي والقدير والعليم والملك والقدوس والغفور.
وإن العبد إذا قال: رب اغفر لي وتُب عليَّ إنك أنت التواب الغفور، كان قد أحسن في منجاة ربه.
وإذا قال: اغفر لي وتُب عليَّ إنك أنت الجبار المتكبر الشديد العقاب، لم يكن محسناً في منجاته)) (٤).
• ـ إن من المستحيل أن يكون عليماً قديراً سميعاً بصيراً ولا علم له ولا قدرة؛ بل صحة هذه الأسماء مستلزمة لثبوت معانيها له،
стр. 39
وانتفاء حقائقها عنه مستلزم لنفيها عنه، والثاني باطلٌ قطعاً فتعين الأول)) (١) لأن شرط صحة إطلاق هذه الأسماء حصول معانيها وحقائقها للموصوف)) (٢).
القول الثاني: قول المعتزلة ومن وافقهم ((النجارية، والضرارية، والرافضة الإمامية، والزيدية، وابن حزم وغيرهم)).
فهؤلاء يقولون بأن الأسماء جامدة لا معاني لها وأنها كالأعلام المحضة التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به، فقالوا: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة.
واستند هؤلاء في زعمهم بأمرين:
أولاً: في القاعدة النحوية التي وضعها النحاة لأنفسهم في التفريق بين الاسم والصفة، فالنحاة يفرقون بين الإسم والصفة، فحقيقة الاسم عندهم: هو كل لفظ جعل للدلالة على المعنى إن لم يكن مشتق، فإن كان مشتقاً فليس باسم وإنما هو صفة.
قال ابن حزم: ((إننا لا نفهم من قولنا: قدير وعالم إذا أردنا بذلك الله تعالى إلا ما نفهم من قولنا الله فقط، لأن كل ذلك أسماء أعلام لا مشتقة من صفة أصلاً)) (٣).
الرد على ذلك: هذه القاعدة أسسها سيبويه ليرتب عليها قانوناً من الصناعة في التصريف والجمع والتصغير والحذف والزيادة والنسبة وغير كلك من الأبواب (٤).
стр. 40
ولكن مسألة التفريق بين الوصفية والعلمية لا تنطبق على أسماء الله، ((لأن أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف، والوصف بها لا ينافي العلمية، بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم)) (١) وذلك لسببين:
السبب الأول: أن أوصاف الخالق مختصة به، فلذلك لا تنافي بينها وبين العلمية المحضة. بخلاف أوصاف العباد فهي مشتركة بينهم فنافتها العلمية المحضة.
وشرح ذلك: أن الاسم وظيفته الاختصاص والتعيين ولذلك قالوا في تعريفه: هو اللفظ الموضوع للشيء تعييناً له وتمييزاً. وبالتالي لا يمكن للصفات أن تؤدي هذه الوظيفة بالنسبة للمخلوق لأن صفات العباد مشتركة بينهم فيتعذر بذلك الاختصاص الذي هو وظيفة الاسم.
ولذلك إذا سمى الإنسان بوصف من الأوصاف مثل كريم، وشجاع، وجميل فإن هذه الألفاظ تتجرد من خصائص الوصفية ويصبح لها خصائص العلمية.
السبب الثاني: لا تقاس أسماء الله بأسماء المخلوق، لأن أسماء الخلق مخلوقة مستعارة وليست أسماؤهم نفس صفاتهم، بل قد تكون مخالفة لصفاتهم، وأسماء الله وصفاته ليس شيء منها مخالفاً لصفاته، ولا شيء من صفاته مخالفاً لأسمائه.
فمن ادعى أن صفة من صفات الله مخلوقة أو مستعارة فقد كفر وفجر، لأنك إذا قلت ((الله)) فهو ((الله)) وإذا قلت ((الرحمن)) فهو
стр. 41
((الرحمن)) وهو ((الله)) فإذا قلت ((الرحيم)) فهو كذلك، وإذا قلت ((حكيم - عليم - حميد - مجيد - متكبر - قاهر - قادر)) فهو كذلك هو ((الله)) سواء لا يخالف اسم له صفته ولا صفته اسماً، فهذا في حق الخالق.
وأما في حق المخلوق فقد يسمى الرجل حكيماً وهو جاهل، وحكماً وهو ظالم، وعزيزاً وهو حقير، وكريماً وهو لئيم، وصالحاً وهو طالح، وسعيداً وهو شقي، ومحموداً وهو مذموم، وحبيباً وهو بغيض، وأسداً وحماراً وكلباً وجدياً وكليباً وهراً وحنظلة وعلقمة، وليس كذلك.
والله تعالى وتقدس اسمه كل أسمائه سواء، ولم يزل كذلك، كان خالقاً قبل المخلوقين، ورازقاً قبل المرزوقين، وعالماً قبل المعلومين، وسميعاً قبل أن يسمع أصوات المخلوقين، وبصيراً قبل أن يرى أعيانهم مخلوقة (١).
وبهذين السببين يتأكد التفريق بين أسماء الخالق وأسماء المخلوقين وأن أسماء الله مشتقة من صفاته وليست أعلاماً جامدة لا تدل على معنى.
ثانياً: نفيهم لقيام الصفات بالله تعالى لاعتقادهم أن الصفات أعراض وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه (٢).
ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة ومن وافقهم في الله: إنه قديم، واحد، ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان
стр. 42
معه غيره، ولكان جسماً، إذ إن ثبوت الصفات تقتضي كثرة، وتعداداً في ذاته، وتقتضي أنه جسم، وذلك خلاف التوحيد.
بالإضافة إلى زعمهم أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم -أيضاً- يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة، فقد أثبت الإلهين. كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية (١).
فهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث التي هي الصفات والأفعال، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يلي عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو من الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.
ويزعمون أيضا أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين؛ فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.
ويزعمون أيضاً أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه، وجزؤه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثاً مخلوقاً، فالأجسام متماثلة، فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل، والتركيب،
стр. 43
والاجتماع، والافتراق، فيجب أن يصح على جميعها (١).
والمعتزلة يقولون: إننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم، ونفي كون الصانع جسماً وإمكان المعاد.
الرد عليهم: مما تقدم نعلم أن المعتزلة بنوا دليلهم في نفي الصفات على أن القديم لا يكون محلاً للصفات والحركات، فلا يكون جسماً ولا متحيزاً؛ لأن الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
فهم بهذا القول نفوا صفات البارئ، وجعلوا نفيها يتوقف عليه ثبوت الصانع، وحدوث العالم، فإذا جاء في القرآن والسنة ما يدل على إثبات الصفات لم يكن القول بموجبه.
والمتدبر لحجج المعتزلة يرى فيها الأمور التالية:
أولاً: أنهم يستدلون لأقوالهم بعبارات مبتدعة، وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ العرض، والجسم، والحيز، والمركب، وغير ذلك، فهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به جهال الناس بما يشبهون عليه، وهذه الألفاظ المجملة تتضمن معاني باطلة، ومعاني أخرى صحيحة، فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق والباطل.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما في هذه الألفاظ من معانٍ، وما تدل عليه من عبارات (٢)، وكيف استعملها هؤلاء المعطلة
стр. 44
في نفي صفات البارئ ، حيث ادعوا أن هذه الأمور من مستلزمات الجسمية، والله منزه عن ذلك، وقد بين شيخ الإسلام أن استعمال هذه الألفاظ نفياً وإثباتاً لم يرد عن السلف، ولا جاء به أثر صحيح، ولم يستعملها الأقدمون بالمعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه هؤلاء، بل جميعهم معترفون بأن العلو صفة كمال، كما أن السفل صفة نقص، وما ثبت لله من العلو فهو العلو المناسب لكمال ذاته، المنزهة عن اعتبارات المحدثين ومماثلتهم.
ومعلوم أن القول بأن العلو يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه، وتحيط به، وتحصره، أو هي محمل وظرف له، بل هو سبحانه محيط بكل شيء، وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء، وعلا كل شيء (١).
ثانياً: إن ما استدل به المعتزلة لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعاً ليس بعالم ولا قادر ولا حي (٢).
كما أن مذهب المعتزلة في الذات قريب من مذهب اليونان القائلين بأن ذات الله واحدة، لا كثرة فيها بوجه من الوجوه (٣).
ثالثاً: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي
стр. 45
الصفات إنما هي مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم (١)، الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام وهذا دليل قد بين الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: أنه دليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم (٢)، فهي بهذا طريق يحرم سلوكها لما فيها من لخطر والتأويل، وما يلزم عليها من لوازم باطلة؛ لأنها مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، وهي مستلزمة لنفي صفاته، ونفي أفعاله، ونفي المبدأ والمعاد، فهذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب، وبصره، وقدرته، وحياته، وإرادته، وكلامه، فضلاً عن نفي علوه على خلقه، ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، فلو صحت هذه الطريقة لنفت الصانع، وأفعاله، وصفاته، وكلامه، وخلقه للعالم، وتدبيره له، وما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له، بل هو لفظ لا معنى له، وبهذه الطريقة قالت الجهمية بفناء الجنة والنار، وأن الله بذاته في كل مكان، وقال إخوانهم: إنه ليس داخل العالم، ولا خارج العالم، وقالوا بخلق القرآن، إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة (٣).
وأما قولهم: بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء.
فهذه العلة عليلة بل ميتة لدلالة السمع والعقل على بطلانها.
أما السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنه الواحد الأحد، فقال تعالى ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ
стр. 46
وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ [البروج ١٢ - ١٦].
وقال تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى ١ - ٥].
وأما العقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي صفات من اتصف بها فهي قائمة به، وكل موجود فلا بد له من تعدد صفاته (١).
فبهذا يعلمُ ضلال من سلبوا أسماء الله تعالى معانيها فنفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها، قال تعالى ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف ١٨٠].
стр. 47
المطلب الثالث: هل اسم ((الله)) جامد أم مشتق.
القول الأول: القائلون بأن لفظ الجلالة جامد غير مشتق وحجتهم.
ذهب جماعة من أهل العلم هذا المذهب، على اختلاف معتقداتهم ومقصودهم، فقد نقل القول بعدم الاشتقاق في لفظ الجلالة عن بعض العلماء، وسأسرد ما تيسر لي جمعه من أسماء القائلين بعدم الاشتقاق في لفظ الجلالة مرتباً أسماءهم حسب الوفيات وهم:
أبو حنيفة (١)، والخليل بن أحمد الفراهيدي في رواية عنه (٢)، وسيبويه (٣)، والشافعي (٤)، والمازني النحوي (٥)، والزجاج (٦) وابن الفضل الكوفي (٧)، وابن كيسان النحوي (٨)،
стр. 48
والخطّابي (١)، والجويني (٢)، وأبو حامد الغزالي (٣)، والقفال الشاشي (٤)، وأبو بكر العربي (٥)، والسهيلي (٦)، والفخر الرازي (٧)، وابن جزي (٨)، والخازن (٩)، والسمين الحلبي (١٠)، والفيروزآبادي (١١)، والزبيدي (١٢)، وأبو البقاء الكفوي (١٣)،
فأما من ذهب إلى عدم اشتقاقه واحتج بأن الأصل في الأسماء الجمود ولا تلمح منها الدلالة على الوصفية إلا إذا ألمح أصلها وهو الوصف، فقد سبق الرد على هذه الشبهة في المطلب الأول.
حجتهم:
وأما بعضهم فقد احتج بأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها
стр. 49
واسمه تعالى قديم والقديم لا مادة له، فهو كسائر الأعلام المحضة التي لا تتضمن صفات تقوم بمسمياتها (١)، والله سبق الأشياء التي زعم غيرهم أنه مشتق منها.
قال السهيلي: ((ولا نقول: إن اللفظ قديم، ولكنه متقدم على كل لفظ وعبارة، ويشهد بصحة ذلك قوله تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم ٦٥]، فهذا نص في عدم المسمى، وتنبيه على عدم المادة المأخوذ منها الاسم)) (٢).
الرد عليهم:
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((زعم السهيلي وشيخه أبو بكر بن العربي أن اسم الله غير مشتق، لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها واسمه تعالى قديم والقديم لا مادة له فيستحيل الاشتقاق، ولا ريب أنه إن أريد بالاشتقاق هذا المعنى وأنه مستمد من أصل آخر فهو باطل ولكن الذين قالوا بالاشتقاق لم يريدوا هذا المعنى ولا ألم بقلوبهم وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى كالعليم، والقدير، والغفور، والسميع، والبصير،
стр. 50
فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب وهي قديمة والقديم لا مادة له فما كان جوابكم عن هذه الأسماء فهو جواب القائلين باشتقاق اسمه الله ثم الجواب عن الجميع أننا لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى لا أنها متولدة منها تولد الفرع من أصله وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه أصلا وفرعا ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة. وقول سيبويه إن الفعل أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء هو بهذا الاعتبار لا أن العرب تكلموا بالأسماء أولا ثم اشتقوا منها الأفعال فإن التخاطب بالأفعال ضروري كالتخاطب بالأسماء لا فرق بينهما فالاشتقاق هنا ليس هو اشتقاقا ماديا وإنما هو اشتقاق تلازم المتضمِن بالكسر مشتقا والمتضمن بالفتح مشتقا منه ولا محذور في اشتقاق أسماء الله تعالى بهذا المعنى)) (١)(٢)
стр. 51
القول الثاني: القائلون باشتقاقه وحجتهم.
أولاً: تعريف الاشتقاق
• الاشتقاق لغة: الأخذ في الكلام يمينا وشمالاً، واشتقاق الحرف أخذه منه، ويقال شقق الكلام إذا أخرجه أحسن مخرج (١).
• واصطلاحاً: نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتهما معنى وتركيباً ومغاير في الصيغة (٢).
• وأقسامه ثلاثة: صغير وكبير وأكبر وبعضهم يزيد قسما رابعاً ويجعلها: صغيراً وكبيراً وكُبَاراً وكُبّاراً (٣).
• وأصل المشتقات المصدر الذي هو الصفة عند البصريين خلافاً للكوفيين الذين يرون أن أصل المشتقات الفعل (٤).
• وجوده في اللغة
يقول ابن فارس: أجمع أهل اللغة إلا من شذ منهم أن للغة العرب قياساً وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض (٥).
ففي لغة العرب على سبيل المثال حرف الجيم والنون (ج ن) يدلان على الستر، تقول العرب للدِّرع: جنة، وأجنه الليل، وهذا جنين، أي هو في بطن أمه واسم الجن من الاجتنان (٦).
стр. 52
ثانياً: مذهب القائلين بأن لفظ الجلالة مشتق وحجتهم:
• وإلى هذا ذهب ابن جرير (١) ﵀ وهي رواية عن الخليل بن أحمد (٢) وكذا ابن قيم الجوزية (٣) وغيرهم، ومن المتأخرين محمد رشيد رضا (٤) ومحمد الطاهر بن عاشور (٥)، وغيرهما.
• أدلتهم
الاشتقاق في أسماء الله الحسنى
إن صفاته معان قائمة بذاته والأسماء أعلام والأسماء تدل على الصفات وهي مشتقة منها وصفاته دلت على أسمائه (٦). فتحصل من هذا أن هذه القاعدة تعالج موضوع الأسماء والصفات من ستة وجوه:
الأول: من جهة كونها معان دالةً على الكمال.
الثاني: من جهة قيام الصفات بالرب .
الثالث: من جهة دلالة الأسماء على العلمية.
الرابع: من جهة دلالة الأسماء على الصفات.
الخامس: من جهة اشتقاق الأسماء من الصفات.
السادس: من جهة الصفات على الأسماء.
فمعرفة أسماء الله وصفاته هي الوسيلة الكبرى لمعرفة ذاته
стр. 53
المفصحة عن طريق معاملته وعبادته وما يجب له من شكر نعمه والحمد على آلائه، لأن تكاثر صفات الموصوف أسماءه من أعظم الدلالات على كماله، ولذا فلا بد أن تكون هذه الصفات دالة على معان كمالية في الموصوف وذلك لوجوه:
الوجه الأول: أن المراد بذكرها مدح الموصوف بها ولا مدح فيما لا يدل على معنى فيه ثناء على الممدوح (١).
الوجه الثاني: أن صفاته لو كانت ألفاظاً مجردة لا دلالة فيها على المعاني الكمالية لكان في القرآن ما لا معنى له وهو باطل.
الوجه الثالث: أن الصفات ألفاظ عربية والعرب لا تضع كلمة إلا للدلالة على معنى تريده.
الوجه الرابع: أنها لو لم تدل على معان جمالية لما كان في إضافتها إلى الرب فائدة فلا حاجة لمعرفتها فضلاً عن الحاجة للتكليف بالإيمان بها.
الوجه الخامس: أن موجب تسميتها صفة دلالتها على معنى في الموصوف.
الوجه السادس: أن ما لا دلالة له على معنى لا يشتق منه شيء والصفات اشتقت منها أسماء كالرحمن من الرحمة والحكيم من الحكمة ولو لم تدل على شيء لامتنع الاشتقاق إذ لابد من تناسب في المعنى بين المشتق والمشتق منه.
الوجه السابع: أنها لو لم تدل على معاني المدح والثناء لما صح الإخبار عنه بأفعالها كيسمع ويرى ويعلم ويقدر، فإن ثبوت
стр. 54
أحكام الصفة فرع ثبوتها (١).
الوجه الثامن: أنها لو لم تدل على ما يمدح به الرب لم يكن بينها فرق، والفرق بينها في الدلالة والتعبير مما لا ينكره عاقل.
الوجه التاسع: انعقاد الإجماع على أن من حلف بصفة من صفات الله كسمعه وبصره وقوته كانت يمينه منعقدة، فلو كانت لا كمال فيها فلا معنى للحلف بها إذ الحلف عن تعظيم واللفظ المجردة لا يعظم لأنه مقصود لغيره. فإن صاحبه شيء من التعظيم فلما يشتمل عليه من معنى كمالي.
الوجه العاشر: أنها لو لم تدل على حمد الرب والثناء عليه لما اختصت به إذ ما الفرق بين إطلاق السمع على الله وعلى العبد ما دام المراد إجراء اللفظ.
الوجه الحادي عشر: أنها لو لم تدل على الكمال والجمال لما كان لنفي التشبيه فيها بعد إثباتها معنى إذ نفي التشبيه يتوجه للمدلول الممدوح دون اللفظ المجرد عن المعاني وإذا تقرر بما سبق اشتمال الصفات على الدلالة على معاني الكمال والجمال والجلال، فلا بد وأن تكون قائمة بالرب على معنى اتصافه بها على وجه الاختصاص به سبحانه لأن ثبوت الصفة لموصوفها يمنع من الشركة فيها ويوجب اختصاصه بها ولأن المعاني لا تقوم بنفسها بل بمن وصف بها إذ لا يوجد في الوجود الخارجي معنى مستقل بذاته عن الموصوف به ولأنه لو انفصل عنه لما كان صفة له إذ لا يقوم بالشيء معنى فارقه، ولما كانت أسماء لله دالة على الوصفية كان لابد وأن يكون منشأ الاشتقاق هو الوصف إذ
стр. 55
الأسماء في أصلها جامدة ولا تلمح الدلالة منها على الوصفية إلا إذا ألمح أصلها وهو الوصف ومما يوضح الأمر ويجليه أن الأسماء في اللغة لا تدل على الوصف لذاتها إلا في ثلاثة مواضع:
الأول: منها كون الاسم مشتقاً كمحمود ونحوه.
الثاني: دخول أل الاسمية الدالة على لمح الأصل على العلم كالنعمان فدخول أل عليه يراد به لمح أصله وهو حمرة الدم.
الثالث: ما جاء السماع بجريان الوصف على وزنه كفَعَلْ وفَعِيل ومن أمثلته فرج وجميل.
ولما كانت أسماء الله تعالى دالة على الوصفية كان الوصف مصدراً لها وهي مشتقة منه وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أنها لو لم تشتق من صفة لم تكن حسنى (١) إذ إن نسبة الحسن إليها تدل على أنها مشتقة من معنى حسن.
الأمر الثاني: ولأنه لو سمي سميعاً ولا سمع له لكان الاسم كاذباً وهذا ما لا يعقل في أسماء الله.
الأمر الثالث: أن الصفة إذا ثبتت للموصوف اشتق له اسم منها إذا كانت مما يشتق منها (٢).
الأمر الرابع: دلالتها على الوصفية إذ لو لم تكن أسماؤه مشتقة من صفاته لما دلت عليها.
الأمر الخامس: المناسبة الظاهرة بين ألفاظ الأسماء والصفات ومعانيها.
стр. 56
وينبني على اشتقاق الأسماء من الصفات دلالة الصفات على الأسماء لأن صدق المشتق لا ينفك عن صدق المشتق منه، فإذا وصف الرب بالسمع فإن من لوازم ذلك تسميته بالسميع إذ لا يقوم السمع إلا بسميع ومن ليس كذلك فلا ينسب السمع له ودلالة الصفة على الاسم تابعة لطريقة استعمالها في الكتاب والسنة والصفات في الاستعمال الشرعي على ضربين (١).
الضرب الأول: ما جاء في النصوص الوصف بلفظه مطلقاً واشتق لله منه اسم كالسمع والبصر فهي دالة على هذا الاسم دلالة لزومية إذ لا يعقل في الوجود صفة سمع بلا سميع ولا صفة بصر بلا بصير.
الضرب الثاني: ما جاء في النصوص الفعل منه وهو نوعان:
أحدهما: ما وصف الله به نفسه مطلقاً كصفة الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحوها، فهي دالة على ما اشتق منها من أسماء كالخالق والرازق والمحيي والمميت دلالة لزوم كالضرب الأول إذ لا يصح في المعقول صفة خلق بلا خالق وصفة رزق بلا رازق وهكذا.
الثاني: أفعال أطلقها الله على نفسه على سبيل الجزاء والمقابلة كصفة مخادعته للكافرين ومكره بهم ونسيانه إياهم ونحوها.
فهي دالة على ما يناسب معناها من الأسماء إلا أنها ليست من أسمائه الحسنى فلا تكون مما يقصد في هذا الأصل إذ هو يبحث في دلالة الصفات التي اشتقت منها أسماؤه الحسنى دون ما جرى من الأسماء في الإخبار بقيده.
стр. 57
فتحرر بذلك أن باب دلالة الصفات على الأسماء أوسع من باب الاشتقاق منها فما من صفة إلا وهي تدل على اسم إلا أن الدلالة لا تلازم الاشتقاق لأن مرجع الدلالة لغوي ومصدر الاشتقاق شرعي فما دلت عليه اللغة أوسع مجالاً مما دل عليه الشرع لما في المعاني اللغوية من التسامح في الاستعمال دون المعاني الشرعية التي تبنى على ورود نصوص الشرع بها ولذا يسمى الله بما مصدره الشرع من الأسماء ولا يسمى بما كان موجبه اللغة فاشتملت دلالة الصفة شرعاً على أمرين:
الأول: دلالتها على الاسم بالتلازم وهو أمر عقلي.
الثاني: دلالتها على الاسم بمعنى اشتقاقه منها لفظاً ومعنى وهو أمر لغوي شرعي فبان أن ما يقرره الشرع لا يخالف اللغة مطلقاً، لأن من مباني الشرعيات أصولاً لغوية وأما اللغة فيتسامح فيها بما لا يتسامح فيه شرعاً.
وبالنظر فيما تقدم يتبين اشتمال هذه القاعدة على عدة نتائج:
النتيجة الأولى: أن أسماءه تعالى أعلام وأوصاف (١) وأنه لا تنافي بين هذين الأمرين بالنسبة للرب .
النتيجة الثانية: أن ما لم يقم بذاته فليس بوصف له.
النتيجة الثالثة: أن أسماءه وصفاته كذاته في القدم والأزلية.
النتيجة الرابعة: أن مما بني على كون أسمائه حسنى عدم دلالتها على الذم مطلقاً سواء في باب الإخبار أو التسمية.
стр. 58
النتيجة الخامسة: أن التسمية ملازمة للوصفية وأما الوصفية فربما وصف الرب بصفة ولم يطلق عليه اسم منها، فباب الصفات أوسع من باب التسمية من جهة أن كل اسم له تعالى فلا بد وأنه مشتق من صفة وأما كل صفة فلا يجب أن يشتق له اسم منها.
النتيحة السادسة: أن دلالة الصفات على الأسماء دلالة لغوية واشتقاق الأسماء من الصفات أحكام شرعية، فباب دلالة الصفات أوسع من باب اشتقاق الأسماء.
النتيجة السابعة: أن أسماء الله تفارق المخلوقين في أن أفعاله تعالى مشتقة من أسمائه وأما المخلوقين فأسماؤهم مشتقة من أفعالهم (١) فيستدل بأسمائه على ما يمكن أن يتصف به من الأفعال فيقال اسمه حكيم فأفعاله في غاية الحكمة، وأما المخلوقون فيستدل بأفعالهم على أسمائهم فيقال: بخل فهو بخيل، وأكرم فهو كريم ونحو ذلك.
النتيجة الثامنة: أن كل اسم من أسمائه مشتق من صفة مستقلة بمعناها فله كمال من كل اسم سمى به نفسه ومن كل صفة اشتق منها ذلك الاسم (٢).
النتيجة التاسعة: أن تعدد الأسماء والصفات تكثير لأنواع الكمال وبيان لأصناف جمال الخالق وليس هو تعداداً في الذوات.
النتيجة العاشرة: أن ما ثبت وصف الرب به مطلقاً في
стр. 59
الكتاب والسنة أخبر عنه بأفعالها، فيقال يسمع ويرى ويعلم ونحو ذلك (١).
النتيجة الحادية عشر: أن ثبوت أحكام الصفات للموصوف مرتب على ثبوت الصفات له في نفس الأمر، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها (٢).
النتيجة الثانية عشر: أن استعمال لفظ الجلالة استعمال الأعلام الجامدة -عند من يقول بذلك من أهل السنة- لغلبة (٣) الاستعمال فلا يقع صفة ولا خبراً لا يعني ذلك عدم دلالته على صفة الألوهية واشتقاقه منها ودلالتها عليه باللزوم.
النتيجة الثالثة عشر: أن ثبوت الصفة للموصوف يدل على ثبوت المشتق منها له وتوضيح ذلك أنه لما اتصف سبحانه بالعلم اشتق له منها اسم العليم ولما اتصف سبحانه بالرحمة اشتق له منها اسم الرحمن (٤).
والصحيح في الأقوال التي ذكرت أن الله أصله الإله وهو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ منهم، كما نص على ذلك ابن قيم الجوزية ﵀ (٥)، وقد سبق بيان ذلك فيما إذا ترددت كلمة بين أصلين أو أكثر وأنه يطلب الترجيح وله وجوه.
стр. 60
• الترجيح: وبعد عرض ما سبق، يترجح لنا أن قول من قال إن لفظ الجلالة مشتق (١) وإنه هو الصحيح، كما هو قول المحققين من أهل العلم، وأما قول القائلين بعدم اشتقاقه فمذهبهم مرجوح.
وعليه فإن أسماء الله مشتقة من صفاته أو أفعاله، فالاسم إذا أطلق جاز أن يؤخذ منه المصدر والفعل فيخبر به عنه فعلا ومصدرا؛ نحو (السميع والقدير) يطلق عليه منه السمع والقدرة ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، هذا إن كان الفعل متعدياً.
أما إن كان الفعل لازما، فإنه يطلق عليه منه الاسم والصفة دون الفعل، نحو الحي فإنه يثبت لله اسم الحي وصفة الحياة أما الإخبار بالفعل فلا يقال حيي (٢)، ولا يحق لأحد أن يشتق من الفعل أو من الصفة إسماً إلا ما ورد الشرع به لأن الأسماء توقيفية فلا نسمي الله إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ
فإذا ثبت الاسم بالنص علمنا أنه مشتق من الصفة والفعل أو من الصفة فقط (٣) والله أعلم.
стр. 61
المطلب الرابع: مادة اشتقاق اسم الله.
ثم اختلفوا في أصل اشتقاقه على أقوال:
• فقيل هو مأخوذ من إله (١)، وتقديرها فعلانية بالضم، تقول إله بين الإلهية والأُلهانية، وأصله من أَلِهَ يَاْلَهُ إذا تحير (٢)، يريد إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف همه إليها، أبغض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد.
قال أبو الهيثم: فالله أصله إله (٣)، قال الله : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
قال: ولا يكون إلها حتى يكون معبودا. وحتى يكون لعابده خالقا ورازقًا ومدبرًا وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عُبد ظلمًا بل هو مخلوق ومُتعبد. قال: وأصل إله وِلَاهٌ (٤)
стр. 62
فقلبت الواو همزة كما قالوا للوشاح إشاح وللوجاح إجاح، ومعنى وِلاه أن الخلق يَولَهون إليه في حوائجهم و يضرعون إليه فيما يصيبهم ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم كما يَوله كل طفل إلى أمه (١).
وقد سمت العرب الشمس لما عبدوها إلاهة (٢).
وقد ضعف الزجاج هذا القول وهو أن أصل إله وِلَاه (٣).
وقال ابن سيدَه (٤): والإلاهة والألوهة والألوهية العبادة، وقد قرئ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ وقرأ ابن عباس ((ويذرك وإلاهتك)) بكسر الهمزة (٥) أي وعبادتك، وهذه الأخيرة عند ثعلب كأنها هي المختارة. قال: لأن فرعون كان يُعبد ولا يَعبد فهو على هذا ذو إلاهية لا ذو آلهة والقراءة الأولى أكثر والقراء عليها.
قال ابن برِّي: يقوي ما ذهب إليه ابن عباس في قراءته: ((ويذرك وإلاهتك)) قول فرعون ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (٦).
стр. 63
وكانت العرب في الجاهلية يدعون معبوداتهم من الأوثان والأصنام آلهة وهي جمع إلاهة (١).
قال الله : ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ وهي أصنام عبدها قوم فرعون معه والله أصله إلاه على فِعَال بمعنى مفعول لأنه مَأْلوه أي معبود كقولنا إمام فِعَال بمعنى مفعول لأنه مؤتم به فلما أدخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفا لكثرته في الكلام (٢).
والمقرر في باب الاشتقاق أنه إذا ترددت الكلمة بين أصلين أو أكثر طلب الترجيح وله وجوه منها كون أحد الأصلين أشرف لأنه أحق بالوضع له والنفوس أذكر له وأقبل وقد مثلوا له بلفظ الجلالة فقالوا كدوران لفظ الجلالة الله فيمن اشتقها بين الاشتقاق من أله أو وله فيقال من أله أشرف وأقرب (٣).
وثمة مذاهب أخر أعرضت عن ذكرها حتى لا يطول البحث، فإن من العلماء من أعرض عن تفسير لفظ الجلالة كما فعل ابن دريد فقال:
стр. 64
((فأما اشتقاق اسم الله فقد أقدم قوم على تفسيره ولا أحب أن أقول فيه شيئاً)) (١).
وذهب أبو عثمان المازني إلى أنه اسم موضوع هكذا لله وليس أصله إله ولا ولاه ولا لاه.
قال: والدليل على ذلك أني أرى لقولي الله فضل مزية على إله وأني أعقل به مالا أعقل بقوله إله.
وذكر قطرب وغيره من أصحاب العربية أن هذا الإسم لكثرة دوره في الكلام واستعماله قد كثرت فيه اللغات فمن العرب من يقول والله لا أفعل ومنهم من يقول لَاهِ لا أفعل ومنهم من يقول واللهْ بإسكان الهاء وترك تفخيم اللام ومنهم من يقول واه لا أفعل ذلك (٢)، إلى غير ذلك من الأقوال وقد أوصلها بعضهم إلى ثلاثين قولا (٣). وهو من الغرائب بل ومن المصائب التي وقعت في هذه الأمة، وإلى ذلك أشار العلَامة ابن قيم الجوزية بقوله:
ومن المصائب قول قائلهم بأنّ … الله أظْهَرُ لفظةٍ بلسانِ
وخلافهم فيه كثير ظاهر … عربي وضع ذاك أم سرياني (٤)
وكذا اختلافهم أمشتقاً يُرَى … أم جامدا قولان مشهوران
والأصل ماذا فيه خلف ثابت … عند النحاة وذاك ذو ألوان
هذا ولفظ الله أظهر لفظة … نطق اللسان بها مدى الأزمان
стр. 65
فانظر بحق الله ماذا في الذي … قالوه من لبس ومن بهتان
هل خالف العقلاء أن الله ربُّ … العالمين مدبِّرُ الأكوان
ما فيه إجمال ولا هو موهم … نقلَ المجاز ولاله وضعان
والخلف في أحوال ذاك اللفظ لا … في وضعه لم يختلف رجلان
وإذا همُ اختلفوا بلفظةِ مَكَّةٍ … فيه لهم قولان معروفان
أفبينهم خُلْفٌ بأن مرادهم … حَرَمُ الإله وقبلة البلدان
وإذا هم اختلفوا بلفظة أحمدٍ … فيه لهم قولان مذكوران
أفبينهم خلف بأن مرادهم … منه رسول الله ذو البرهان
ونظير هذا ليس يُحْصَرُ كثرةً … يا قوم فاستحيوا من الرحمن (١)
إن أصحاب هذا القانون قالوا: أظهر الألفاظ لفظ الله وقد اختلف الناس فيه أعظم اختلاف، هل هو مشتق أم لا؟ وهل هو من مشتق من التأله أو من الوله أو من لاه إذا احتجب (٢)، وكذلك اسم الصلاة (٣) وفيه من الاختلاف ما فيه، هل هو مشتق من الدعاء أو
стр. 66
من الاتباع أو من تحريك الصلوين وهما عرقان يمتدان من الظفر يكتنفان عجب الذنب، فإذا كان هذا في أظهر الأسماء فما الظن بغيره.
فتأمل هذا الوهم والإيهام واللبس والتلبيس فإن جميع أهل الأرض علمائهم وجهلائهم ومن يعرف الاشتقاق ومن لا يعرفه وعربهم وعجمهم يعلمون أن الله اسم لرب العالمين خالق السموات والأرض الذي يحي ويميت وهو رب كل شيء ومليكه، فهم لا يختلفون في أن هذا الاسم يراد به المسمّى وهو أظهر عندهم وأعرف وأشهر من كل اسم وضع لكل مسمّى وإن كان الناس متنازعين في اشتقاقه فليس ذلك بنزاع منهم في معناه وكذلك الصلاة لم يتنازعوا في معناها الذي أراده الله ورسوله وإن اختلفوا في اشتقاقها وليس هذا نزاعا في وجه الدلالة عليه وكذلك قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ يقدره البصريون كراهة أن تضلوا والكوفيون لئلا تضلوا وكذلك اختلافهم في التنازع وأمثال ذلك إنما هو نزاع في وجه دلالة اللفظ على ذلك المعنى مع اتفاقهم على أن المعنى واحد وهذا اللفظ لا يخرج اللفظ عن إفادته السامع اليقين بمسماه (١).
стр. 67
المبحث الثاني: هل هو اسم الله الأعظم.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: المفاضلة بين أسماء الله تعالى.
المطلب الثاني: الأقوال في تحديد الاسم الأعظم.
المطلب الثالث: القائلين بأن الاسم الأعظم لفظ الجلالة (الله) وأدلتهم.
المطلب الرابع: الراجح في المسألة.
стр. 68
المطلب الأول: المفاضلة بين أسماء الله تعالى.
المسألة الأولى: معنى المفاضلة في اللغة واشتقاقها (١)
المفاضلة على وزن مفاعلة، ومعلوم أن هذا البناء فيه التشريك بين جهتين. وفيه معنى المغالبة: فيدل على غلبة أحدهما، فالمفاضلة هي المقارنة بين شيئين أو جهتين وتغليب أحدهما على الآخر في الفضل، إذا فالمفاضلة إثبات الفضل لشيء على آخر، وتقديمه بذلكأ عليه، ولذا يقال: فاضلته ففضلته، إذا غلبته في الفضل، كما في الصحاح (٢)
وفي اللسان: «الفضال والتفاضل: التمازي في الفضل، وفضله: مزاه والتفاضل بين القوم: أن يكون بعضهم أفضل من بعض، ورجل فاضل: ذو فضل، ورجل مفضول: قد فضله غيره، ويقال: فضل فلان على غيره إذا غلب في الفضل عليهما (٣)، والمفاضلة مصدر قياسي من (فاضل).
والأصل الذي اشتق منه اسم المفاضلة هو الفعل: فضل، يقال: فضل الشيء يفضل كدخل يدخل أو فضل يفضل كحذر
стр. 69
يحذر، وفيه لغأة ثالثة مركبة منها: فضل كحذر يفضل كيدخل وهي نادرة شاذة لا نظير لها (١).
لكن جاء في تاج العروس: «والذي في كتاب الفرق لابن سيد أن هذه اللغات الثلاث إنما هي في الفضل الذي يراد به الزيادة فأما الفضل الذي هو معنى الشرف فليس إلا لغة واحدة وهي فضل يفضل كقعد بقعد (٢).
وفي التاج أيضا: «قال الصيمري في كتاب التبصرة له: فضل يفضل كنصر ينصر، من الفضل الذي هو السؤدد، وفضل يفضل يكسرها في الماضي وضمها في المضارع من الفضلة وهي بقية الشيء (٣).
وقد ذكر الجوهري قول سيبويه في لغة كسر الماضي وضم المضارع فقال: «قال سيبويه: هذا عند أصحابنا ما يجيء على لغتين
يعني أنه ليس لغةأ مستقلة وردت، قال سيبويه: وكذلك نعم ينعم، ومت تموت، وكدت تكود، (٤) أوكذا يرى الفراء أنها مركبة من اللغتين - نقل عنه ذلك الأنباري واستحسنه (٥) .. وعليه تكون لغة كسر الماضي وضم المضارع نادرة شاذة لا نظير لها كما قطع به ابن فارس والجوهري فلا تكون أصلا مستقلاأ
(والفاء، والضاد، واللام) أصل واحد يدل على الزيادة حيث
стр. 70
تصرف (١) ومنه الفضل والفضلة وهي البقية الزائدة من الشيء وكذا منه الفضل والفضيلة وهي الزيادة في الرفعة والشرف، ولذا قال الجوهري: الفضل والفضلة: خلاف النقص والنقيصة (٢)
المسألة الثانية:
بناء على اختلاف الناس في مسألة تفاضل (٣) أسماء الله تعالى بين مثبت وناف، فإنهم بالتبع اختلفوا هل يثبت لله تعالى اسم أعظم، له خصائص ومزايا تميزه عن غيره من سائر الأسماء الحسنى؟ (٤) إلى طائفتين نفاة ومثبتة.
стр. 71
المسألة الثالثة أدلة تفاضل أسماء الله
والحاصل أن أسماء الله كثيرة لا تحصر ولا تحد بعدد، وهي متفاضلة غير متساوية في الفضل بعضها أفضل من بعض، وإن كانت أسماء لمسمى واحد، والأدلة على تفاضل أسماء الله متعددة،
الدليل الأول: أن النصوص تدل على أن بعض أسمائه سبحانه أفضل من بعض، ففي الآثار ذكر اسمه الأعظم سبحانه وقد وردت روايات متعددة في ذكر الاسم الأعظم، ففي روايات بقول ﷺ : «لقد سأل الله باسمه الأعظم (١) وفي أخرى: «دعا الله باسمه الأعظم (٢)، وفي أخرى: لقد دعا الله باسمه العظيم (٣)، وفي أخرى: (اسم الله الأعظم في كذا (٤)، وفي رواية: «باسمه الأعظم الأكبر (٥)، وفي رواية: أسألك باسمك الأعلى الأعز الأجل الأگرم (٦)، على اختلاف في تعيين الاسم الأعظم ما هو؟ وهي مسألة للناس فيها خلاف معروف في كتب أهل العلم (٧).
стр. 72
ففي هذه الروايات دلالة ظاهرة على تفاضل الأسماء الحسني، لدلالتها على أن في الأسماء الحسنى اسم اعظم يفضلها فهو أعظمها.
الدليل الثاني: ومن الأدلة على تفاضل أسمائه سبحانه قوله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة)) (١)، فخص النبي ﷺ في هذا الحديث الأسماء التسعة والتسعين بهذه الفضيلة، وهي أن من أحصاها دخل الجنة، فاختصت بهذه الفضيلة.
وأسماء الله غير محصورة في هذا العدد فله سبحانه أسماء غيرها إذ هذه هي دلالة الحديث التي نقل النووي الاتفاق عليها في قوله: "واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ، فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها" (٢).
وقد مثل العلماء لهذا بقول من يملك الف مملوك: إن لي مائة مملوك أعددتهم للجهاد فليس قوله هذا مانع من أن له غيرهم معدون لغير الجهاد، فلا دلالة في الحديث لمن احتج به على حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد وأنه ليس له من الأسماء إلا هذا العدد فقط،
стр. 73
كما فعله ابن حزم (١).
الدليل الثالث: ومن الأدلة على تفاوت أسماء الله في الفضل: حديث: (وأسالك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندكأ (٢)، وفي الموطأ عن كعب الأحبار في دعائه: ( … وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم» (٣).
ففي هذا دلالة على تفاوتها وعلى اختصاص كل منها بخصيصة.
ثم أن كل دليل من كتاب وسنة دل على تفاضل صفات الله التي تدل عليها أسماؤه، هو دليل على تفاضل تلك الأسماء، لتفاضل دلالتها، لأن الاسم يراد لمعناه لا لحروفه.
الدليل الرابع: وجوه تفاضل أسماء الله:
الناظر في أسماء الله يجد أنها تتفاوت من وجوه عدة يظهر بها تفاضلها، فمن ذلك:
أن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفرداً ومقترناً بغيره، وهو غالب الأسماء، كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم، وهذا پسوغ أن يدعا به مفرداً ومقترناً بغيره، فتقول: يا عزيز، يا حليم، يا
стр. 74
غفور، يا رحمن يا رحيم، وأن يفرد كل اسم، وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع، ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع، الضار النافع، المنتقم العفو، المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله، لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاءً ومنعا ونفعاً وضراً وعفوا وانتقاما، وأما أن يثني عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد، الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت، جارية مجرى الأسم الواحد، والله لم تجيء مفردة، ولم تطلق عليه الا مقترنة، فاعلمه، فلو قلت يا مذل يا ضار يا مانع واخبرته عنه بذلك لم تكن مثنياً عليه ولا حامداً له حتي تذكر مقابلها (١)، فهذا وجه من وجوه تناولها يظهر به تفاضلها فليس الإسم الدال على الكمال بمفرده مساوياً للذي لا يدل على الكمال إلا باقترانه بمقابله
الدليل الخامس: أن من أسمائه سبحانه ما يدل على صفة واحدة كالسميع والبصير، ومنها ما يدل على صفات عديدة لا تختص بصفة معينة كالمجيد والعظيم:
فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، وهو موضوع لبلوغ النهاية في كل محمود، ولنبل الشرفي بكرم الفعال، وللكثرة، ولذا قالوا: استمجد المرخ والعفار أي استشرا
стр. 75
من النار حتى تناهيا في ذلك حتى إنه يقبس منهما (١)، وكذا العظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال، وكذلك الصمد، قال ابن عباس أرضي الله عنهما: «الصمد، السيد الذي كمل في سؤدده والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمه، وهو الذي قد كمل في أنواع
الشرف والسؤدد (٢)، فهذا وجه من وجوه تفاوت أسماء الله، وهو دال على تفاضلها فليس الاسم المتضمن الصفات عديدة كالدال على صفة واحدة.
ومن ذلك:
أن من الأسماء ما يتضمن سلب صفة نقص عن الله، وهي الصفة المقابلة للصفة التي يثبتها الاسم، كالبصير مثلا فيها سلب صفة نقص عن الله وهي العمي وتنزه وتقدس.
ومنها ما يرجع إلى التنزيه المحض من كل نقص وعيب جملة وتفصيلا فيكون متضمنا للكمال المحض كالقدوس والسلام، وهو وجه قريب من سابقه.
ومن ذلك:
أن من أسمائه سبحانه ما يدل على صفة بعينها، ومنها ما يدل