← Акыда

Акыда · id 1007

شرح التدمرية - محمد بن خليفة التميمي

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (1 367 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقد درج على آثارهم الرافضة، فهم أشبه بهم من القذة بالقذة، وكذلك الجهمية، فإنهم سلكوا في تحريف النصوص مسالك إخوانهم في اليهود (١). وأصحاب تحريف الألفاظ شر من أصحاب تحريف المعنى من وجه. وأصحاب تحريف المعنى شر من أصحاب تحريف اللفظ من وجه. فأصحاب تحريف اللفظ عدلوا باللفظ والمعنى جميعًا عما هما عليه فأفسدوا اللفظ والمعنى، بينما أصحاب تحريف المعنى أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله فكانوا خيرًا من أولئك من هذا الوجه. فأصحاب تحريف اللفظ لما أرادوا المعنى الباطل حرفوا له لفظًا يصلح له لئلا يتنافر اللفظ والمعنى، بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ المحرف فهم منه المعنى المحرف، فإنهم رأوا أن العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه، فبدأوا بتحريف اللفظ ليستقيم لهم حكمهم على المعنى الذي قصدوا (٢). وأما كون أصحاب تحريف المعنى شرا من أصحاب تحريف اللفظ من وجه، فلأن تحريف المعنى هو الأكثر استعمالا عند أصحاب التحريف، ولأنه أسهل رواجا وسوقًا عند الجهلة والعوام من الناس، فيفتتن به من ليس لديه زاد من العلم الصحيح المعتمد على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة. فالسلف يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تُفهم وَفق ما يقتضيه اللسان العربي، وأن لا يُتعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطلة، الذين تلاعبوا

стр. 142

بظواهر النصوص لمجرد أنَّها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة (١). فنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تُحفظ لها حُرمتها، وذلك بأن نفهمها وَفق مراد الشارع؛ فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع. فمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومِن تمام العلم أن يُبحث عن مراد الله ورسوله بها ليُثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، ويُنفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني (٢). وبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلاً على وجهٍ أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب؛ فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فَصَّلت رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقَرَّرت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ. فالمُطَّلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه. ولا تَرُوج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف أُتِي مِنْ جهة جهله لا مِنْ قِلَّة النصوص الواردة في هذا الباب، والله أعلم. الفقرة الثانية: قوله: "وَلَا تَعْطِيلٍ".

стр. 143

أولًا: معنى التعطيل: التعطيل لغة: مأخوذ من "العطل": الذي هو الخلو والفراغ والترك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ (١) أي أهملها أهلها وتركوا وردها (٢). والتعطيل في جانب الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وهو المتمثل فيمن ينكر وجود خالق لهذا الكون، وهو قول الدهرية الملاحدة. القسم الثاني: تعطيل عبادته ، أي ما يجب له على عباده من حقيقة التوحيد وإفراده بالعبادة، وهو المتمثل في أهل الشرك الذين صرفوا شيئا من العبادة لغير الله . القسم الثالث: تعطيل الله سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله (٣). وهذا القسم الثالث هو الذي نقصده هنا. فالمراد بالتعطيل في باب الأسماء والصفات هو: نفي الأسماء والصفات أو بعضها وسلبها عن الله. أو نقول: هو نفي الصفات الإلهية، وإنكار قيامها بذات الله تعالى (٤). ثانيًا: طوائف المعطلة. وقد وقع في التحريف والتعطيل طوائف، يجمعهم أهل العلم تحت مسمى

стр. 144

"المعطلة". وينقسم المعطلة إلى قسمين رئيسيين هما: القسم الأول: الفلاسفة. وهم صنفان: الصنف الأول: أهل الفلسفة البحتة. الصنف الثاني: أهل الفلسفة الباطنية، وهي نوعان: أ-رافضية. ب-صوفية. والقسم الثاني من المعطلة هم: أهل الكلام. وهم خمسة أصناف: ا-الجهمية. ٢ - المعتزلة. ٣ - الكلابية. ٤ - الأشاعرة. ٥ - الماتريدية. وينقسم التعطيل إلى قسمين: التعطيل عند طوائف أهل الكلام ينقسم إلى قسمين هما: أولاً: تعطيل جميع صفات الله وهو تعطيل الجهمية والمعتزلة (١). ثانياً: تعطيل بعض الصفات وإثبات بعضها وهذا قول الكلابية والأشاعرة

стр. 145

والماتريدية وغيرهم، الذين ينكرون بعض الصفات ويؤولونها، ويثبتون بعض الصفات. وأول من عرف بالتعطيل من هذه الأمة هو الجعد بن درهم، وكل من جاء بعده من المعطلة فهو مقلد له متأس به في كل ما جاء به من التعطيل أو في بعضه (١). فالمعطِّلة: هم نفاة الصفات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولهذا كان السلف والأئمة يُسَمُّون نُفاة الصفات: معطلة؛ لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله تعالى، وإن كانوا هم قد لا يعلمون أن قولَهم مستلزمٌ للتعطيل» (٢). فإن قلت: ما الفرق بين التَّعْطِيل والتَّحْرِيف؟ قلنا: التَّحْرِيف في الدليل، والتَّعْطِيل في المدلول فمثلًا: إذا قال قائل: معنى قول تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: بل قوَّتاه، هذا محرف للدليل ومعطل للمراد الصحيح؛ لأن المراد اليد الحقيقية، فقد عطَّل المعنى المراد، وأثبت معنًى غير المراد. وإذا قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، لا أدري، أفوِّض الأمر إلى الله، لا أثبت اليد الحقيقية ولا اليد المحرف إليها اللفظ، نقول: هذا معطِّل، وليس بمحرِّف؛ لأنه لم يغير معنى اللفظ ولم يفسِّره بغير مراده، لكن عطَّل معناه الذي يراد به، وهو إثبات اليد لله" (٣). المسألة الثامنة: معنى قوله: "وَكَذَلِكَ يَنْفُونَ عَنْهُ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ إثْبَاتِ مَا

стр. 146

أَثْبَتَهُ مِنْ الصِّفَاتِ". وهنا تجدر الإشارة إلى أمور مهمة، وهي: الأمر الأول: أنَّ معرفة الله ليست بمعرفة صفات السلب، بل الأصل فيها صفات الإثبات، والسلب تابع، ومقصوده: تكميل الإثبات (١). «فإنَّ السلب لا يُراد لذاته، وإنما يقصد لما يتضمنه من إثبات الكمال، فكل ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص-فإنه متضمن للمدح، والثناء على الله بضد ذلك النقص من الأوصاف الحميدة والأفعال الرشيدة» (٢). الأمر الثاني: أنَّ صفات التنزيه يجمعها معنيان: الأول: نفي النقائص عنه، وذلك مِنْ لوازم إثبات صفات الكمال. الثاني: إثبات أنَّه ليس كمثله شييء في صفات الكمال الثابتة له. الأمر الثالث: الصفات السلبية تُذكر غالبًا في الأحوال التالية: الأولى: بيان عموم كماله؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]. والثانية: نفي ما ادَّعاه في حقه الكاذبون؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾. والثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾] الدخان الآية: ٣٨ [.

стр. 147

الأمر الرابع: أنَّ الصفات السلبية إنما تكون كمالًا إذا تضمنت أمورًا وجودية (١). فلا يُوصف الرب من الأمور السلبية إلا بما يتضمن أمورًا وجودية، وإلا فالعدم المحض لا كمال فيه. فينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال. والعدم المحض ليس بشييء، وما ليس بشييء-فهو كما قيل: ليس بشييء؛ فضلًا عن أن يكون مدحًا وكمالًا. لأنَّ النفي المَحض يُوصف به المعدوم والممتنع؛ والمعدوم والممتنع لا يُوصف بمدح ولا كمال. ولهذا كان عامة ما يصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾؛ فنفي السِّنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام. وكذلك قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها؛ بخلاف المخلوق القادر إذا كان يَقدر على الشييء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته. وكذلك قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾، فإن نفي العُزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض. وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، فإن نفي مس اللغوب-الذي هو التعب والإعياء-دلَّ على كمال قدرته ونهاية القوة بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه.

стр. 148

وكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ -إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء، ولم يَنف مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يرى مدح؛ إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُؤي، كما أنه لا يحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رؤي لا يحاط به رؤية، فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة. وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها. وإذا تأملت ذلك وجدت كلَّ نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف به نفسه» (١). ثم إن النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه-فيه إساءة أدب مع الله سبحانه؛ فإنك لو قلت لسلطان: أنت لستَ بزبَّال ولا كسَّاح ولا حَجَّام ولا حائك؛ لأَدَّبَك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا. وإنما تكون مادحًا إذا أجملت النفي؛ فقلت: أنت لستَ مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجَل، فإن أَجملت في النفي أجملت في الأدب (٢). فأهل الكلام المذموم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المُجمل؛ فيقولون: ليس بجسم ولا شَبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عَرَض .. إلى آخر تلك السُّلوب الكثيرة التي تَمُجُّها الأسماع، وتأنف مِنْ ذكرها النفوس، والتي تتنافى مع تقدير الله تعالى حقَّ قدره (٣). الأمر الخامس: أن الرسل عليهم صلوات الله جاءوا بإثبات مُفَصَّل ونفي

стр. 149

مجمل. والمعطلة ناقضوهم؛ فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل. فإنَّ الرسل أخبرت كما أخبر الله في كتابه الذي بعث به رسوله: أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه حكيم عزيز، غفور ودود، وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلم موسى تكليمًا، وتجلى للجبل فجعله دكًّا، وأنه أنزل على عبده الكتاب. إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته. وقال في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥]. وهؤلاء الملاحدة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فقالوا في النفي: ليس بكذا ولا كذا، فلا يَقرب من شيء ولا يَقرب منه شيء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا غير ذلك، ولا يُشار إليه ولا يتعين، ولا هو مُباين للعالم ولا حالٌّ فيه، ولا داخله ولا خارجه. إلى أمثال العبارات السلبية التي لا تَنطبق إلا على المعدوم. ثم قالوا في الإثبات: هو وجود مُطلق، أو وجود مقيد بالأمور السلبية (١). وبذلك عكسوا منهج القرآن والسنة؛ فأكثروا مِنْ وصف الله تعالى بالأمور السلبية التي لم يَرد بها النص، وأفرطوا في ذلك إفراطًا عجيبًا، بينما أنكر بعضهم جميع الصفات الثبوتية، والبعض الآخر لم يُثبت سوى القليل منها. ضابط النفي في صفات الله:

стр. 150

((أن ينفى عن الله تعالى: أولاً: كل صفة عيب؛ كالعمى، والصمم، والخرس، والنوم، والموت … ونحو ذلك. ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾] النحل الآية: ٦٠]، فإن ثبوت المثل الأعلى له-وهو الوصف الأعلى-يستلزم انتفاء كل صفة عيب. ثانياً: كل نقصٍ في كماله؛ كنقص حياته، أو علمه، أو قدرته، أو عزّته، أو حكمته … أو نحو ذلك. ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾] ق الآية: ٣٨ [. ثالثاً: مماثلة المخلوقين؛ كأن يجعل علمه كعلم المخلوق، أو وجهه كوجه المخلوق، أو استواءه على عرشه كاستواء المخلوق … ونحو ذلك. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾] الشورى الآية: ١١" (١). الأمر السادس: للتفريق بين الصفات السلبية التي ورد بها النص والصفات السلبية التي أحدثها المعطلة النفاة-نقول: إن الصفات السلبية التي ورد بها النص متضمنة لثبوت كمال الضد كما تقدم شرح ذلك. وأمَّا الصفات السلبية التي هي مِنْ نسج المعطلة واختراعهم-فلا تتضمن ثبوت كمال الضد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «كل تنزيه مُدح به الرب ففيه إثبات، فلهذا كان قول: (سبحان الله) متضمنًا تنزيه الرب وتعظيمه، ففيه تنزيهه من العيوب والنقائص،

стр. 151

وفيه تعظيمه (١). فالذين لا يَصفونه إلا بالسُّلوب لم يثبتُوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا. وكذلك مَنْ شاركهم في بعض ذلك؛ كالذين قالوا: لا يتكلم، ولا يُرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يَستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا مجانب له. إذ هذه الصفات يمكن أن يُوصف بها المعدوم، وليس هي صفة مُستلزمة صفة ثبوت. فقولهم: إنه لا يتكلم، أو لا يَنزل، ليس في ذلك صفة مدح، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات (٢). الأمر السابع: إن سلب النقائص والعيوب عن الله نوعان: النوع الأول: سلب لمتصل. «وضابطه: نفي كل ما يناقض صفة من صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ ؛ كنفي الموت المنافي للحياة، والعجز المنافي للقدرة، والسِّنة والنوم المنافي لكمال القيومية، والظلم المنافي للعدل، والإكراه المنافي للاختيار، والذل المنافي للعزة … »، إلخ. النوع الثاني: سلب لمنفصل. وضابطه: تنزيه الله سبحانه عن أن يشاركه أحد مِنْ خلقه في شييء من خصائصه التي لا تَنبغي إلا له.

стр. 152

وذلك كنفي الشريك له في ربوبيته؛ فإنَّه منفرد بتمام الملك والقوة والتدبير. وكنفي الشريك له في أُلوهيته، فهو وحده الذي يجب أن يُؤلهه الخلق، ويُفردوه بكل أنواع العبادة والتعظيم. وكنفي الشريك له في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فليس لغيره من المخلوقين شِركة معه سبحانه في شيء منها. وكذلك نفي الظَّهير الذي يُظاهره أو يعاونه في خلق شيء أو تدبيره؛ لكمال قدرته وسَعة علمه ونفوذ مشيئته، وغيره من المخلوقين عاجز فقير لا حول له ولا قوة إلا بالله؛ فالشريك والظهير مَنفيان عنه بإطلاق. وكذلك ينفى عنه سبحانه اتخاذ الصاحبة والولد الذي نَسَبه إليه النصارى عابدو الصُّلبان، والصابئة الذين يقولون: إن الملائكة بنات الله؛ قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلّ﴾] الإسراء الآية: ١١١ [. (١). الأمر الثامن: الأدلة السمعية التي وردت في نفي المماثلة تنقسم إلى قسمين: ١ ـ خبر. ٢ ـ وطلب. قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين-﵀: ((الأدلة السمعية (٢) تنقسم إلى قسمين: خبر، وطلب. ـ فمن الخبر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، فالآية: فيها نفي صريح للتمثيل. وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥]، فإن هذا وإن كان إنشاء، لكنه بمعنى

стр. 153

الخبر؛ لأنه استفهام بمعنى النفي. وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، فهذه كلها تدل على نفي المماثلة، وهي كلها خبرية. ـ وأما الطلب؛ فقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، أي: نظراء مماثلين. وقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾] النحل الآية: ٧٤]) (٢). المتن قال المصنف ﵀: "مِنْ غَيْرِ إلْحَادٍ، لَا فِي أَسْمَائِهِ وَلَا فِي آيَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ الْآيَةَ". الشرح أولاً: تعريف الإلحاد. الإلحاد لغة: قال ابن فارس: " (لَحَدَ) اللَّامُ وَالْحَاءُ وَالدَّالُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى مَيْلٍ عَنِ اسْتِقَامَةٍ. يُقَالُ: أَلْحَدَ الرَّجُلُ، إِذْ مَالَ عَنْ طَرِيقَةِ الْحَقِّ وَالْإِيمَانِ. وَسُمِّيَ اللَّحْدُ لِأَنَّهُ مَائِلٌ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْجَدَثِ. يُقَالُ: لَحَدْتُ الْمَيِّتَ وَأَلْحَدْتُ. وَالْمُلْتَحَدُ: الْمَلْجَأُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ

стр. 154

لِأَنَّ اللَّاجِئَ يَمِيلُ إِلَيْهِ" (١). فالإلحاد مأخوذ من المَيل، كما يدل عليه مادته (ل- ح- د)؛ فمنه: اللحد، وهو الشَّق في جانب القبر الذي قد مال عن الوَسط. ومنه المُلحد في الدين: المائل عن الحقِّ إلى الباطل؛ قال ابن السِّكِّيت: «الملحد: المائل عن الحقِّ المُدخِلُ فيه ما ليس فيه (٢). وعلى هذا فلفظ الإلحاد في اللغة يعني الميل والعدول عن الاستقامة أو عن الدين أو عن طريق الحق والمنهج الصحيح، وهو معناه في كتاب الله تعالى. الإلحاد شرعًا: المعنى الشرعي للفظ الإلحاد لا يخرج عن معناه اللغوي، وقد رد لفظ (إلحاد) في كتاب الله تعالى في سورة الحج [آية: ٢٥] قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. وورد منه الفعل المضارع (يلحدون) كما في قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل- ١٠٣]. قال الطبري ﵀: «الإلحاد في الدين وهو المعاندة بالعدول عنه والترك له" (٣). وقال الراغب الأصفهاني: «أَلْحَدَ فلانٌ: مال عن الحقّ، والْإِلْحَادُ ضربان: إلحاد إلى الشّرك بالله، وإلحاد إلى الشّرك بالأسباب. فالأوّل ينافي الإيمان ويبطله، والثاني: يوهن عُراهُ ولا يبطله، ومن هذا النحو قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، والْإِلْحَادُ في أسمائه على وجهين:

стр. 155

أحدهما: أن يوصف بما لا يصحّ وصفه به. والثاني: أن يتأوّل أوصافه على ما لا يليق به" (١). فلفظ الإلحاد يقتضي ميلًا عن طريق الحق إلى طريق الباطل. ثانيًا: معنى الإلحاد في أسماء الله تعالى: يقول الإمام ابن القيم: "الإلحاد في أسمائه: هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. قال الإمام البغوي: "قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما لم يَتَسَمَّ به، ولم ينطق به كتابُ الله ولا سُنَّة رسوله ﷺ " (٣). وقال ابن حجر: "قال أهل التفسير: مِنْ الإلحاد في أسمائه: تسميته بما لم يَرد في الكتاب أو السنة الصحيحة" (٤). ثالثًا: أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته: قال ابن القيم: الإلحاد في أسمائه تعالى أنواع: أحدها: أن يسمى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلها، وهذا إلحاد حقيقة فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة.

стр. 156

قال ابن عباس ومجاهد: «عدلوا بأسماء الله تعالى عما هى عليه، فسموا بها أوثانهم؛ فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من الله، والعُزَّى من العزيز، ومَناة من المنَّان» (١). الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له (أبًا) وتسمية الفلاسفة له (موجبا بذاته) أو (علة فاعلة بالطبع) ونحو ذلك، وذلك لأنَّ أسماء الله- تعالى- توقيفية، فتسميته تعالى بما لم يُسَم به نفسه ميلٌ بها عما يجب فيها، كما أنَّ هذه الأسماء التي سَموه بها نفسها باطلة يُنزه الله تعالى عنها. قال ابن حزم: «مَنع تعالى أن يُسَمَّى إلا بأسمائه الحسنى، وأخبر أنَّ مَنْ سَمَّاه بغيرها فقد ألحد» (٢). وفي قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومَن جعله تسبيحًا للاسم يقول: المعنى: إنَّك لا تسم به غير الله، ولا تُلحد في أسمائه، فهذا ما يستحقُّه اسم الله» (٣). فأسماء الله توقيفية، ومخالفة ذلك وتسميته تعالى بما لم يُسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها؛ فالإقدام على فِعل شيء من ذلك هو نوع من الإلحاد في أسماء الله. وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص كقول أخبث اليهود إنه فقير وقولهم إنه استراح بعد أن خلق خلقه وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته. ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها كقول من يقول من

стр. 157

الجهمية وأتباعهم إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد ويقولون لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعًا ولغة وفطرة وهو يقابل إلحاد المشركين فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها فكلاهما ملحد في أسمائه ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب وكل من جحد شيئا عما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك فليستقل أو ليستكثر. وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوا كبيرًا، فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة فإن أولئك نفوا صفة كماله وجحدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم طرقه وبرأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظا ولا معنى بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات فكان إثباتهم بريئا من التشبيه وتنزيههم خليا من التعطيل لا كمن شبه حتى كأنه يعبد صنما أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عدما وأهل السنة وسط في النحل كما أن أهل الإسلام وسط في الملل" (١). المتن قال المصنف ﵀: "فَطَرِيقَتُهُمْ تَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مَعَ نَفْيِ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ، إثْبَاتًا بِلَا تَشْبِيهٍ وَتَنْزِيهًا بِلَا تَعْطِيلٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

стр. 158

وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١ [. فَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رَدٌّ لِلتَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رَدٌّ لِلْإلْحَادِ وَالتَّعْطِيلِ». الشرح وفيه هذا النص مسائل: المسألة الأولى: تعريف الأسماء والصفات والفرق بينهما. المسألة الثانية: أن قول أهل السنة في هذا الباب مبني على أصلين هما: أحدهما: أن الله منزه عن صفات النقص مطلقًا كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك. والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات. المسألة الأولى: تعريف الأسماء والصفات والفرق بينهما. ويمكن توضيح هذه المسألة من خلال الجوانب الآتية: الجانب الأول: أن النصوص جاءت بثلاثة أبواب هي: "باب الأسماء" و"باب الصفات" و"باب الإخبار". وعليه يجب أن يعلم: أولًا: أن باب الأسماء هو أخص تلك الأبواب، فما صح اسما صح صفة وصح خبرا وليس العكس. وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، فما صح صفة فليس شرطا أن يصح اسما، فقد يصح وقد لا يصح، مع أن الأسماء جميعها مشتقة من صفاته. أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته،

стр. 159

فالله يخبر عنه بالاسم وبالصفة وبما ليس باسم ولا صفة كألفاظ "الشيء" و"الموجود" و"القائم بنفسه" و"المعلوم"، فإنه يخبر بهذه الألفاظ عنه ولا تدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا. الجانب الثاني: كل من باب الأسماء والصفات توقيفيان. فالأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيهما عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء والصفات إطلاقاً (١) قال الإمام أحمد ﵀: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة" وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وطريقة سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ " (٢) أما باب الإخبار فالسلف لهم فيه قولان: القول الأول: أن باب الإخبار توقيفي، فإن الله لا يُخْبَرُ عنه إلا بما ورد به النص، وهذا يشمل الأسماء والصفات، وما ليس باسم ولا صفة مما ورد به النص كـ (الشييء) و (الصنع) ونحوها

стр. 160

وأما مالم يرد به النص فإنهم يمنعون استعماله (١) القول الثاني: إن باب الإخبار لا يشترط فيه التوقيف، فما يدخل في الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كـ (الشيء) و (الموجود) و (القائم بنفسه)، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فالإخبار عنه قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيِّئ، أي باسم لا ينافي الحسن، ولا يجب أن يكون حسناً، ولا يجوز أن يخبر عن الله باسم سيِّئ (٢) فيخبر عن الله بما لم يرد إثباته ونفيه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حَقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله وجب رده (٣). الجاب الثالث: الألفاظ المجملة وحكم دخولها في باب الصفات وموقف أهل السنة من استعمالها. يمكن تقسيم الألفاظ المجملة-أي التي لم يرد استعمالها في النصوص-على النحو التالي: أولاً: ألفاظ ورد استعمالها ابتداءً في بعض كلام السلف. ومن أمثلة ذلك لفظ (الذات) و (بائن) وهذه الألفاظ تحمل معاني صحيحة دلت عليها النصوص وهذا النوع من الألفاظ يجيز جمهور أهل السنة استعمالها وهناك من يمنع ذلك بحجة أن باب الإخبار توقيفي كسائر الأبواب والصواب أنه ما دام المعنى المقصود من ذلك اللفظ يوافق ما دلت عليه النصوص، واستعمل اللفظ لتأكيد ذلك فلا مانع كقول أهل

стр. 161

السنة: "إن الله استوى على العرش بذاته" فلفظة (بذاته) مراد بها أن الله مستو على العرش حقيقة وأن الاستواء صفة له. وكقولهم: "إن الله عالٍ على خلقه بائن منهم" فلفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثوراً حصلت به الألفة، وما كان معروفاً حصلت به المعرفة" (١) وقال أيضاً: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقاً وباطلاً نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلاً بباطل" (٢) فيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام: القسم الأول: الألفاظ المأثورة وهي التي وردت بها النصوص القسم الثاني: الألفاظ المعروفة وهي التي بُيِّنَت معانيها القسم الثالث: الألفاظ المبتدعة التي تدل على معنى باطل القسم الرابع: الألفاظ المبتدعة التي تحتمل الحق والباطل فلفظ (الذات) و (بائن) هي من القسم الثاني وهذه الألفاظ كما أسلفنا إنما

стр. 162

تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات، ولذلك لما اعترض الخطابي على استعمالها بقوله: "وزعم بعضهم أنه جائز أن يقال له تعالى حد لا كالحدود كما نقول يد لا كالأيدي فيقال له: إنما أُحْوِجْنَا إلى أن نقول يد لا كالأيدي لأن اليد قد جاء ذكرها في القرآن وفي السنة فلزم قبولها ولم يجز رَدُّها. فأين ذكر الحد في الكتاب والسنة حتى نقول حد لا كالحدود، كما نقول يد لا كالأيدي؟! " (١) فرد شيخ الإسلام ابن تيمية على قول الخطابي من وجوه منها: "أن هذا الكلام الذي ذكره إنما يتوجه لو قالوا: إن له صفة هي الحد، كما توهمه هذا الراد عليهم. وهذا لم يقله أحد، ولا يقوله عاقل؛ فإن هذا الكلام لا حقيقة له إذ ليس في الصفات التي يوصف بها شييء من الموصوفات-كما وصف باليد والعلم-صفة معينة يقال لها الحد، وإنما الحد ما يتميز به الشييء عن غيره من صفته وقدره" (٢) فأهل السنة لم يثبتوا بهذه الألفاظ صفة زائدة على ما في الكتاب والسنة، بل بينوا بها ما عطله المبطلون من وجود الرب تعالى ومباينته من خلقه وثبوت حقيقته" (٣) ثانياً: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف تارة لإثباتها وتارة لنفيها. ومن أمثلة ذلك: لفظ (الحد) ولفظ (المماسة)، فإطلاق السلف لها ليس من باب الصفات وإنما هو من باب الإخبار، ولهم في حال الإثبات والنفي توجيه ليس هذا محل بسطه ثالثاً: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف وفي كلام خصومهم.

стр. 163

ومن أمثلة ذلك: لفظة (الجهة) رابعاً: ألفاظ ورد استعمالها في كلام الخصوم ولم يرد استعمالها في كلام السلف. ومن أمثلة ذلك: لفظ (الجسم) و (الحيز) و (واجب الوجود) و (الجوهر) و (العرض) وأما النوعان الثالث والرابع فالجواب عن ذلك أن نقول الأصل في هذا الباب أن الألفاظ نوعان: النوع الأول: نوع مذكور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع. فهذا يجب اعتبار معناه، وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحاً استحق صاحبه المدح، وإن كان ذماً استحق الذم، وإن أثبت شيئا وجب إثباته، وإن نفى شيئا وجب نفيه، لأن كلام الله حق، وكلام رسوله حق، وكلام أهل الإجماع حق وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِن﴾ [الحشر ٢٢ - ٢٣]، ونحو ذلك من أسماء الله وصفاته وكذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار﴾ [الأنعام ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢ - ٢٣]، وأمثال ذلك مما ذكره الله تعالى ورسوله ﷺ ، فهذا كله حق. النوع الثاني: الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه

стр. 164

يوافق الشرع، والألفاظ التي تعارض بها النصوص هي من هذا الضرب، كلفظ (الجسم) و (الحيز) و (الجهة) و (الجوهر) و (العرض) (١). فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أموراً مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فيدخلون فيها نفي علمه وقدرته وكلامه، ويقولون إن القرآن مخلوق، ولم يتكلم الله به، وينفون رؤيته لأن رؤيته على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون: والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته. وكذلك يقولون إن المتكلم لا يكون إلا جسماً متحيزاً، والله ليس بجسم متحيز فلا يكون متكلماً، ويقولون: لو كان فوق العرش لكان جسماً متحيزاً، والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون متكلماً فوق العرش وأمثال ذلك (٢) الموقف من هذا النوع: "إذا كانت هذه الألفاظ مجملة-كما ذُكر-فالمخاطب لهم إما: ١ - أن يفصل لهم ويقول: ما تريدون بهذه الألفاظ؟ فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن قُبلت. وإن فسروها بخلاف ذلك رُدَّت ٢ - وأما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفياً وإثباتاً. ولكن يلاحظ أن الإنسان إذا امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسبونه إلى الجهل والانقطاع وأن الإنسان إذا تكلم بها معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقاً وباطلاً، وأوهموا الجهال باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها" (٣)

стр. 165

ولعل الراجح في المسألة أن الأمر يختلف باختلاف المَصْلَحَةِ ١ - فإن كان الخصم في مقام دعوة الناس إلى قوله وإلزام الناس بها أمكن أن يقال له: لا يجب على أحد أن يجيب داعياً إلا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق وهذه الطريق تكون أصلح إذا لَبَّسَ مُلَبِّسٌ منهم على ولاة الأمور، وأدخلوه في بدعتهم، كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك، فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال: إئتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل، وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم أن العقل أدَّاه إلى علم ضروري ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة وبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلى المحنة، وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة على قولهم فلما ذكروا حججهم كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٠٢]، وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢]، وقول النبي ﷺ : "تجيء البقرة وآل عمران"، وأمثال ذلك من الأحاديث. أجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل على مطلوبهم ولما قالوا: ما تقول في القرآن أهو الله أو غير الله؟ عارضهم بالعلم فقال: ما تقولون في العلم أهو الله أو غير الله؟ ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث-وكان من أحذقهم بالكلام-ألزمه التجسيم،

стр. 166

وأنه إذا أثبت لله كلاماً غير مخلوق لزم أن يكون جسماً فأجابه الإمام أحمد: بأن هذا اللفظ لا يُدرى مقصود المتكلم به، وليس له أصل في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به ولا بمدلوله وأخبره أني أقول: هو أحد، صمد، لم يلد ولم يلد، ولم يكن له كفواً أحد، فبين أني لا أقول هو جسم ولا ليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه وإجابة من دعاهم إليه رسول الله ﷺ ، لا إجابة من دعاهم إلى قول مبتدع، ومقصود المتكلم بها مجمل لا يُعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها فهذه المناظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعياً ٢ - وأما إذا كان المناظر معارضاً للشرع بما يذكره، أو ممن لايمكن أن يرد إلى الشريعة مثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات أو ممن يدَّعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك. أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء فهؤلاء لابد في مخاطبتهم من الكلام على المعاني التي يدعونها إما: ١ - بألفاظهم ٢ - وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم، وحينئذ يقال لهم الكلام إما: أ-أن يكون في الألفاظ. ب-وإما أن يكون في المعاني. جـ-وإما أن يكون فيهما.

стр. 167

فإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع بل يسميه علة وعاشقاً ومعشوقاً ونحو ذلك فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسناً وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ. كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم، فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفاً من التشبه بهم في الثياب وأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة فإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفياً وإثباتاً بدعة، وفي كل منها تلبيس وإيهام، فلابد من الاستفسار والاستفصال؛ أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات. وقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و (الجسم) و (العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحاً يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره وليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعاً. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك وأيضاً: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئاً، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا

стр. 168

الله فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة (١). الجانب الرابع: أوجه الجمع والفرق بين الأسماء والصفات الإلهية. يتبين أوجه الجمع والفرق بين الأسماء والصفات في الأوجه التالية: أولاً: من جهة اللغة: يتبين الفرق بين الاسم والصفة في اللغة من خلال ستة فروق (٢): ١ - الأسماء لا يلحقها ضمير الغائب فيقال رحيمه، أو عليمه، بل تلحق الصفات فيقال رحمته وعلمه. ٢ - الصفات لا تضاف إلى الأسماء، فيقال: الله رحمة، بل تضاف الأسماء إلى الصفات فيقال: رحمة الله، والله أعلم. ٣ - الأسماء تنعت بالأسماء فيقال: الله الرحمن الرحيم، وأما الصفات فلا تنعت بالصفات فلا يقال: الرحمة العلم ورحمة علم!!. ٤ - الأسماء لا تضاف إلى لفظ (ذو) فيقال ذو رحيم بل تضاف إليها الصفات فيقال ذو الرحمة (٣). ٥ - الصفات لا يدخل عليها لفظ (اسم) فيقال اسم رحمة أو اسم علم، بل يدخل على الأسماء فيقال اسم الرحمن واسم العليم.

стр. 169

٦ - الأسماء لا يلحقها لفظ (صفة) فيقال: الرحمن صفة والعليم صفة، بل تلحق الصفات فيقال: الرحمة صفة والعلم صفة. ثانيا: من جهة مصادر إثباتها. وهنا تتفق الأسماء والصفات تماماً، لأن جميع الأسماء والصفات الإلهية توقيفية، قال الإمام أحمد (١): «لا يوصف الله ﵎ بأكثر مما يوصف به نفسه ولا يتعدى القرآن والحديث» (٢). قال الخطابي (٣): «ومن علم هذا الباب أعني الأسماء والصفات ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط أنه لا يتجاوز فيها التوقيف» (٤) قال شيخ الإسلام: «صفات الله -توقيفية فلا يثبت منها ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله» (٥). ثالثًا: تحديد ضابط الأسماء الحسنى. لعل أنسب تعريف للأسماء الحسنى، هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية فيها:

стр. 170

"الأسماء الحسنى المعروفة: هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها" (١). وهذا التعريف في اعتقادي هو أصلح وأفضل تعريف للأسماء الحسنى وذلك: أولا: لموافقته للنص الشرعي، ولعل شيخ الإسلام ابن تيمية استقاه من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الأعراف: الآية: ١٨٠. فقوله في التعريف: "هي التي يدعى بها" مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾. وقوله: "هي التي وردت في الكتاب والسنة" مأخوذ من قوله: ﴿الأَسْمَاءُ﴾ (فالألف واللام هنا للعهد، فالأسماء بذلك، تكون معهودة ولا معروف في ذلك إلا ما نص الله عليه في كتابه أوسنة رسوله ﷺ (٢). وقوله: (وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها) مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الْحُسْنَى﴾ فالحسنى تأنيث الأحسن، والمعنى أن أسماء الله أحسن الأسماء وأكملها، (فما كان مسماه منقسما إلى كمال ونقص وخير وشر لم يدخل اسمه في الأسماء الحسنى) (٣). وبهذا يتضح لك أن ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف الأسماء الحسنى هو مطابق لما ذكره الله في كتابه العزيز. وهذا وحده يكفي في اختيار هذا التعريف. ثانيا: مما يؤكد صحة هذا التعريف اشتماله على شرطين للاسم هما: الشرط الأول: ورود النص من القرآن أو السنة بذلك الاسم. والشرط الثاني: صحة الإطلاق، وذلك أن يقتضي الاسم المدح والثناء بنفسه.

стр. 171

وهذان الشرطان يحققان للتعريف مقوماته بأن يكون جامعا لجوانب الشيء ومانعا من دخول غيره فيه. فالشرط الأول: يؤكد على كون أسماء الله توقيفية، وأنه لا يجوز استعمال القياس فيها. والشرط الثاني: يؤكد على خاصية باب الأسماء وأنه أخص من باب الصفات وباب الإخبار. رابعًا: باب الأفعال أوسع من باب الأسماء: إذا كان الاسم مشتقا من أفعاله القائمة به، فإن كان الفعل ورد مقيدا فإنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له منه اسم مطلق، كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى "المضل، الفاتن، الماكر تعالى الله عن قوله، فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلا أفعالا مخصوصة معينة فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة، والله أعلم) ٢. قال ابن القيم ﵀: (الفعل أوسع من الاسم، ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالا لم يتسم منها أسماء الفاعل، كأراد، وشاء، وأحدث. ولم يسم "بالمريد" و"الفاعل" و"المتمن" وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه. فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء. وقد أخطأ-أقبح خطأ-من اشتق له من كل فعل اسما، وبلغ بأسمائه زيادة على الألف فسماه "الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد" ونحو ذلك) (١). وقال الشيخ حافظ حكمي: (اعلم أنه قد ورد في القرآن أفعال أطلقها الله على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة، وهي فيما سيقت فيه مدح وكمال،

стр. 172

لكن لا يجوز أن يشتق له تعالى منها أسماء ولا تطلق عليه في غير ما سيقت فيه من الآيات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾ النساء: الآية: ١٤٢. وقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ الأنفال: الآية: ٣٠. وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ التوبة: الآية ٦٧. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ البقرة: الآيتان ١٤ - ١٥. ونحو ذلك، فلا يجوز أن يطلق على الله تعالى مخادع، ماكر، ناس، مستهزئ، ونحو ذلك مما تعالى الله عنه، ولا يقال: الله يستهزئ ويخادع ويمكر وينسى على سبيل الإطلاق، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) (١). وقال ابن القيم ﵀: (إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى، ومن ظن من الجهال المصنفين في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه تعالى الماكر، المخادع، المستهزئ، الكائد- فقد فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود، وتكاد الأسماع تصم عند سماعه، وغز قذا الجاهل أنه أطلق على نفسه هذه الأفعال، فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه تعالى كالها حسنى فأدخلها في الأسماء الحسنى وقرنها بالرحيم، الودود، الحكيم، الكريم، وهذا جهل عظيم، فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقا، بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله تعالى مطلقاً، فلا يقال إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد، فكذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء ويكفى بها، بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى المريد والمتكلم ولا الفاعل ولا الصانع لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم، وإنما يوصف بالأنواع المحمودة منها كالحليم والحكيم والعزيز والفعال لما يريد، فكيف يكون منها الماكر والمخادع والمستهزئ.

стр. 173

ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى الداعي، والآتي، والجائي، والذاهب، والقادم، والرائد، والناسي، والقاسم، والساخط، والغضبان، واللاعن، إلى أضعاف ذلك من التي أطلق تعالى على نفسه أفعالها من القرآن، وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل، والمقصود أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق فكيف من الخالق اهـ (١) ومن هنا يتبين لك خطأ ما عده بعضهم ومنهم ابن العربي المالكي في كتابه أحكام القرآن، حيث سماه بالفاعل والزارع، فإن الفاعل والزارع إذا أطلقا بدون متعلق ولا سياق يدل على وصف الكمال فيهما فلا يفيدان مدحا، أما في سياقها من الآيات التي ذكرت فيها فهي صفات كمال ومدح وتوحد كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الأنبياء: الآية ١٠٤، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ الواقعة: الآيتان ٦٣، ٦٤. الآيات، بخلاف ما إذا عدت مجردة عن متعلقاتها وما سيقت فيه وله، وأكبر مصيبة أن عد في الأسماء الحسنى رابع ثلاثة، وسادس خمسة مصرحا قبل ذلك بقوله: وفي سورة المجادلة اسمان فذكرهما. وهذا خطأ فاحشة، فإن الآية لا تدل على ذلك ولا تقتضيه بوجه، لا منطوقا ولا مفهوما، فإن الله قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ =-هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أنى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾] المجادلة: الآية ٧ [. الآية. وأين في هذا سياق رابع ثلاثة، سادس خمسة؟ وكان حقه اللائق بمراده أن يقول: رابع كل ثلاثة في نجواهم وسادس كل خمسة كذلك، فإنه تعالى يعلم أفعالهم ويسمع

стр. 174

أقوالهم كما هو مفهوم صدر الآية، ولكن لا يليق بهذا المعنى إلا سياق الآية والله تعالى أعلم) (١). أقسام الأسماء بحسب ورودها. تنقسم الأسماء الحسنى بحسب ورودها إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الأسماء المفردة. القسم الثاني: الأسماء المقترنة. القسم الثالث: الأسماء المزدوجة. فالقسم الأول: الأسماء المفردة. وضابطها: ما يسوغ أن يطلق عليه مفردا. وهذا يقع في غالب الأسماء. مثالها: الرحمن، السميع، الرحيم، القدير، الملك … وهذا القسم يسوغ أن يُدعى به مفرداً، فتقول: يا عزيز، أو يا حكيم، أو يا غفور، أو يا رحيم. ومقترنا بغيره، فتقول: يا عزيز يا حكيم، يا جواد يا عظيم. وهكذا في حال الثناء عليه أو الخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد مثل أن تقول: الله غفور، أو الله رحيم. أو الجمع، مثل أن تقول: الله غفور رحيم، الله عزيز حكيم. القسم الثاني: الأسماء المقترنة. وضابطها: ما يُطلق عليه مقترنا بغيره من الأسماء.

стр. 175

وهذا أيضا يقع في غالب الأسماء. مثالها: العزيز الحكيم، الغفور الرحيم، الرحمن الرحيم، السميع البصير. وهذا القسم يسوغ أن يُدعى به مفردا، فتقول: يا عزيز، أو يا حكيم، أو يا غفور، أو يا رحيم. ومقترنا بغيره فتقول: يا عزيز يا كريم، أو يا غفور يا رحيم وهكذا في حال الثناء عليه أو الخبر عنه بما يسوغ لك: الإفراد مثل أن تقول: الله عزيز، الله كريم. أو الجمع: مثل أن تقول: الله العزيز الحكيم، الله الرحمن الرحيم. وكما يكون الحسن في أسماء الله باعتبار كل اسم على انفراده فكذلك يكون باعتبار جمعه إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمالٌ فوق كمال. مثال ذلك: "العزيز الحكيم" فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرا، فيكون كل منهما دالا على الكمال الخاص الذي يقتضيه وهو: العزة في العزيز؛ والحُكمُ والحكمة في الحكيم. والجمع بينهما دال على كمال آخر وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظُلما وجورا وسوء فعل كما قد يكون من أعزّاء المخلوقين. فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسيءُ التَّصرف. وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعزِّ الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته، فإنهما يعتريهما الذُّلُّ (١). قال ابن القيم ﵀: "وهناك صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو: الغني الحميد، العفو القدير، الحميد

стр. 176

المجيد؛ وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغِنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما، وكذلك العفوُّ القدير، الحميد المجيد، العزيز الحكيم، فتأمله فإنه من أشرف المعارف" (١) القسم الثالث: الأسماء المزدوجة: وضابطها: ما لا يُطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله؛ لأن الكمال في اقتران كل اسم منها بما يقابله. الأسماء المزدوجة يجب أن تجري مجرى الاسم الواحد ولا يُفصل بينها. مثل: "الأول-الآخر" ودليله: قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ (الحديد: الآية: ٣). ومثل: "الظاهر-الباطنُ" ودليله: قوله تعالى: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد: الآية: ٣) .. خامسًا: الفرق بين الاسم والصفة؟ الاسم: هو اللفظ الموضوع للشيء للتعيين والتمييز. وأسماء الله تعالى: هي ما دلَّت على الذات وما قام بها من الصفات. وأما صفات الله تعالى: فهي ما قام بالذات. وفي أسماء الله تعالى قاعدة مهمة وهي: (العَلَمِيَّةُ لا تُنافي الوصفية)، أما في أسماء الناس فقد يسمى الرجل شجاعًا، وهو لا يعرف شيئًا عن الشجاعة، فله الاسم دون الصفة، أما أسماء الله تعالى فالعلمية لا تنافي الوصفية، فالله تعالى له الأسماء وله ما اشتملت عليها من الصفات. قال ابن القيم ﵀: ((أسماء الله الحسنى هي أعلامٌ وأوصافٌ، والوصفُ بها

стр. 177

لا ينافي العلمية؛ بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة، فَنَافَتْها العلمية المختصة، بخلاف أوصاف الله تعالى)) (١). وقال ﵀: ((أسماء الرب تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء نبيه ﷺ : هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف، فلا تضاد فيها العلميةُ الوصفَ بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله الخالق البارئ المصوِّر القهَّار؛ فهذه أسماء له دالة على معان هي صفاته … )) (٢). قال شيخ الإسلام: «أسماء الله الحسنى هي التي وردت في الكتاب والسنة والتي يُدعى بها، والتي تقتضي المدح والثناء بنفسها» (٣). وقوله: "تقتضي المدح والثناء بنفسها"، أي: أن أسماءه كلها حسنى، وكلمة (حسنى) تصريفها: حُسنَى على وزن "فُعلَى" تأنيث أفعل التفضيل، فحسنى تأنيث أحسن، ككبرى تأنيث (أكبر)، وصغرى تأنيث أصغر، ولذلك يخطئ من يقول: إنها تأنيث (حسن)، لأن تأنيث (حسن) (حسنة)، ومن أجل ذلك لا يصح أن نقول: إن أسماء الله حسنة، والصَّواب هو أن نقول: إن أسماء الله حسنى كما وصفها الله بذلك. ومعنى حسنى: المفضلة على الحسنة، أي: البالغة في الحسن غايته. والمعنى العام للآية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: لله أحسن الأسماء وأجلها لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها. وقد ورد ذكر الأسماء الحسنى في القرآن في أربعة مواضع: - قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].

стр. 178

- وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. - وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]. - وقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنى﴾ [الحشر: ٢٤]. وقد ورد في هذه المواضع الأربعة ذكر خاصية متعلقة بالأسماء دون الصفات، وهي أن الأسماء كلها حسنى، وأما الصفات فليست فيها هذه الخاصية، ولذلك فإن الصفات لا يُشتق منها أسماء لله تعالى، فالأسماء أخصُّ من الصفات. وقولنا في تعريف الصفة: "ما قام بالذات" يخرج من هذا التقييد ما كان من إضافة المُلْك والتشريف، إذ الإضافة إلى الله نوعان: النوع الأول: إضافة مُلْك وتشريف وضابطها: كل ما يضاف إلى الله ويكون عينًا قائمة بنفسها، أو حالًا في ذلك القائم بنفسه. ومثال ما يضاف ويكون عينًا قائمة بنفسها قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. ومثال ما يكون حالًا في ذلك القائم بنفسه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] فهذا لا يكون صفة؛ لأن الصفة قائمة بالموصوف. النوع الثاني: إضافة الصفة إلى الله وضابطها: ما كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به وهي المقصودة هنا. فالله تعالى لا يتصف إلا بما قام به، لا بما يخلقه في غيره، وهذا حقيقة الصفة، فإن كل موصوف لا يوصف إلا بما قام به لا بما هو مباين له، صفة لغيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما إضافة الوصف إلى الله فتعريفها: ما كان صفة

стр. 179

قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به" (١). سادسًا: أقسام الصفات: تنقسم الصفات باعتبار ورودها في النصوص إلى ثلاثة أقسام: ١ - الصفات الثبوتية ٢ - الصفات السلبية (أي: المنفية عن الله تعالى). ٣ - صفات من باب الإخبار عن الله تعالى. القسم الأول: الصفات الثبوتية تعريفها: أنها هي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . والصفات الثبوتية كثيرة جدًّا؛ منها: العلم- والحياة- والعزة- والقدرة- والحكمة- والكبرياء- والقوة- والاستواء- والنزول- والمجيء، وغيرها. والصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية. إضافة إلى أن معرفة الله تعالى الأصل فيها صفات الإثبات، وأما السلب فهو تابع ومقصوده تكميل الإثبات، بل كل تنزيه مدح به الرب ففيه إثبات. أقسام الصفات الثبوتية: الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الصفات الذاتية: وهي الصفات التي لا تنفكُّ عن الذَّات (٢). أو: التي لم يَزل- ولا يزال- الله

стр. 180

متصفًا بها. أو: الملازمة لذات الله تعالى (١). ومنها: (الوجه- اليدين- العينين (٢) - الأصابع- القَدَم- العِلم- الحياة- القدرة- العزة- الحكمة). فهذه الصفات لا تنفك عن الذات، وملازمة لها لا تنفك عنها. القسم الثاني: الصفات الفعلية: وهي الصفات التي تنفكُّ عن الذَّات. أو: التي تتعلق بالمشيئة والقدرة (٣). ومنها: (الاستواء- المجيء- الإتيان- النزول- الخلق- الرزق- الإحسان- العدل). وكِلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات له تعالى أزلًا وأبدًا، لم يزل متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال ربِّ العالمين (٤). والفرق بين القسمين: أنَّ الصفات الذاتية لا تنفكُّ عن الذات، أمَّا الصفات الفعلية يمكن أن تنفك عن الذات على معنى: أنَّ الله إذا شاء لم يفعلها. ولكن مع ذلك فإنَّ كلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات لله تعالى أزلًا وأبدًا لم يزل- ولا يزال- متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال الله (٥).
следующие страницы →