← Акыда

Акыда · id 1007

شرح التدمرية - محمد بن خليفة التميمي

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (1 367 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وابن الباقلاني أكثر إثباتًا بعد الأشعري، وبعد ابن الباقلاني ابن فورك، فإنه أثبت بعض ما في القرآن. وأما الجويني ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين (١). فما إن جاء أبوبكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، فتصدى للإمامة في تلك الطريقة وهذبها ووضع لها المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وجعل هذه القواعد تبعًا للعقائد الإيمانية من حيث وجوب الإيمان بها (٢) وأسهم إلى حد كبير في تنظير المذهب الأشعري الكلامي وتنظيمه مما أدى إلى تشابه منهجي بين المذهب الأشعري والمذهب المعتزلي فقد كان الأشعري يجعل النص هو الأساس والعقل عنده تابع، أما الباقلاني فالعقيدة كلها بجميع مسائلها تدخل في نطاق العقل (٣)، ويعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري (٤). ثم جاء بعده إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ) فاستخدم الأقيسة المنطقية في تأييد هذه العقيدة، وخالف الباقلاني في كثير من القواعد التي وضعها. وإن كان الجويني قد استفاد أكثر مادته الكلامية من كلام الباقلاني، لكنه مزج أشعريته بشيء من الاعتزال استمده من كلام أبي هاشم الجبائي المعتزلي على مختارات له، وبذلك خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة. وأما كلام أبي الحسن الأشعري فلم يكن يستمد منه، وإنما ينقل كلامه مما

стр. 282

يحكيه عنه الناس (١) وعلى طريقة الجويني اعتمد المتأخرون من الأشاعرة، كالغزالي (ت ٥٠٥ هـ) وابن الخطيب الرازي (ت ٦٠٦ هـ) وخلطوا مع المادة الاعتزالية التي أدخلها الجويني مادة فلسفية، وبذلك ازدادت الأشعرية بعدًا وانحرافًا. فالغزالي مادته الكلامية من كلام شيخه الجويني في "الإرشاد" و"الشامل" ونحوهما مضمومًا إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني. ومادته الفلسفية من كلام ابن سينا، ولهذا يقال: أبو حامد أمرضه "الشفا"، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك. وأما الرازي فمادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي، وله مادة اعتزالية قوية من كلام أبي الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ)، وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني ونحوهما (٢). السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات المتن قال المصنف ﵀: "وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره وفي شر منه، مع ما يلزمهم من التحريفات والتعطيلات، ولو أمعنوا النظر لسوّوا بين المتماثلات، وفرقوا بين المختلفات، كما تقتضيه المعقولات، ولكانوا من الذين أوتوا العلم الذين يرون أن ما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي إلى صراط

стр. 283

العزيز الحميد، ولكنهم من أهل المجهولات المشبَّهة بالمعقولات، يسفسطون في العقليات، ويقرمطون في السمعيات. وذلك أنه قد عُلم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عما سواه، إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات كالحيوان والمعدن والنبات، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع، وقد عُلم بالاضطرار أن المحدَث لا بد له من محدِث، والممكن لا بد له من واجب، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]، فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق ولا هم الخالقون لأنفسهم تعين أن لهم خالقا خلقهم. وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو مُحْدَث ممكن، يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى «الوجود» أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصّه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الاضافة والتقييد والتخصيص ولا في غيره، فلا يقول عاقل- إذا قيل: إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود- إن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى «الشيء»، و «الوجود»، لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه، بل الذهن يأخذ معنى مشتركا كليا هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود وهذا موجود، فوجود كلّ منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما. ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمّى صفاته بأسماء، فكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمّى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص،

стр. 284

ولم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، لا اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص. فقد سمّى الله نفسه حيًّا، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾] البقرة: الآية: ٢٥٥ [. وسمّى بعض عباده حيًا، فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ وليس هذا الحيّ مثل هذا الحي، لأن قوله ﴿الْحَيُّ﴾ اسم لله مختص به، وقوله ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أُطلقا وجُرِّدا عن التخصيص، ولكن ليس للمطق مسمّى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيّد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق. ولا بدّ من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يُفهم منها ما دلّ عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دلّ عليه بالإضافة والاختصاص، المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه . وكذلك سمّى الله نفسه عليمًا حليمًا، وسمّى بعض عباده عليمًا، فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ يعني إسحق، وسمّى آخر حليمًا، فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ يعني إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم. وسمّى نفسه سميعًا بصيرًا، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وسمّى بعض خلقه سميعًا بصيرًا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير. وسمّى نفسه بالرءوف الرحيم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وسمّى

стр. 285

بعض عباده بالرءوف الرحيم فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وليس الرءوف كالرءوف، ولا الرحيم كالرحيم. وسمى نفسه بالملك، فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ وسمّى بعض عباده بالملك، فقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ وليس الملك كالملك. وسمى نفسه بالمؤمن، فقال: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ وسمّى بعض عباده بالمؤمن، فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ وليس المؤمن كالمؤمن. وسمّى نفسه بالعزيز، فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾، وسمّى بعض عباده بالعزيز، فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ وليس العزيز كالعزيز. وسمّى نفسه الجبار المتكبر، وسمّى بعض خلقه بالجبار المتكبر، فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ وليس الجبار كالجبار، ولا المتكبر كالمتكبر. ونظائر هذا متعددة. وكذلك سمّى صفاته بأسماء، وسمّى صفات عباده بنظير ذلك، فقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾، وقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. وسمّى صفة المخلوق علمًا وقوة، فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾، وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾، وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾، وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ

стр. 286

بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة، وقال ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ﴾ أي: ذا القوة، وليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة. وكذلك وصف نفسه بالمشيئة، ووصف عبده بالمشيئة، فقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ • وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً • وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وكذلك وصف نفسه بالإرادة، ووصف عبده بالإرادة، فقال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ووصف نفسه بالمحبة، ووصف عبده بالمحبة، فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾] المائدة الآية: ٥٤]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] .. ووصف نفسه بالرضا، ووصف عبده بالرضا، فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾] التوبة الآية: ١٠٠ [. ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد، ولا إرادته مثل إرادته، ولا محبته مثل محبته، ولا رضاه مثل رضاه. وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمقت، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إلى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، وليس المقت مثل المقت. وهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا • وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، وليس المكر كالمكر، ولا الكيد كالكيد. ووصف نفسه بالعمل، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾] يس. الآية: ٧١]، ووصف عبده بالعمل فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

стр. 287

] السجدة الآية: ١٧]، وليس العمل كالعمل. ووصف نفسه بالمناداة والمناجاة، في قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾] مريم الآية: ٥٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾] القصص الآية: ٦٢]، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾] الأعراف الآية: ٢٢ [ووصف عبده بالمناداة والمناجاة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾] الحجرات الآية: ٤]، وقال: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾] المجادلة الآية: ١٢]، وقال: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾] المجادلة الآية: ٩]، وليس المناداة كالمناداة، ولا المناجاة كالمناجاة. ووصف نفسه بالتكليم في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾] النساء الآية: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾] الأعراف الآية: ١٤٣]، وقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾] البقرة الآية: ٢٥٣]، ووصف عبده بالتكليم في مثل قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ﴾] يوسف الآية: ٥٤]، وليس التكليم كالتكليم. ووصف نفسه بالتنبئة، ووصف بعض الخلق بالتنبئة، فقال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾] التحريم الآية: ٣ [وليس الإنباء كالإنباء. ووصف نفسه بالتعليم، ووصف عبده بالتعليم، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ • عَلَّمَ الْقُرْآنَ • خَلَقَ الإِنسَانَ • عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾] الرحمن الآيات: ١ إلى ٤]، وقال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾] المائدة الآية: ٤]، وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾] آل عمران الآية: ١٦٤]، وليس التعليم كالتعليم. وهكذا وصف نفسه بالغضب، في قوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾] الفتح الآية: ٦]، ووصف عبده بالغضب في قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ

стр. 288

أَسِفًا﴾] الأعراف الآية: ١٥٠]، وليس الغضب كالغضب. ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر في سبع آيات من كتابه أنه استوى على العرش، ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره، في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾] الزخرف الآية: ١٣]، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾] المؤمنون الآية: ٢٨]، وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾] هود الآية: ٤٤ [وليس الاستواء كالاستواء. ووصف نفسه ببسط اليدين، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾] المائدة الآية: ٦٤]، ووصف بعض خلقه ببسط اليد، في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾] الإسراء الآية: ٢٩]، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم. ونظائر هذا كثيرة. فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ماثلته لخلقه، فمن قال: ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة، ولا كلام، ولا يحب، ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى-كان معطلاً جاحداً ممثلاً له بالمعدومات والجمادات. ومَن قال: له علم كعلمي أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضاء كرضائي، أو يَدَان كيداي، أو استواء كاستوائي-كان مشبهاً ممثلاً لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل". الشرح المصنف يتكلم هنا عن مسألة القدر المشترك، وهذه المسألة لها تشعباتها وتفرعاتها ومصطلحاتها، وأحاول هنا شرح تلك المسألة وجوانبها فأقول: التوطئة:

стр. 289

تعد مسألة القدر المشترك من أهم مسائل باب الأسماء والصفات وأدقها، ولها تعلقها بعدة مسائل في هذا الباب، وبفهمها تزول إشكالات كثيرة كانت سببًا لغلط كثير من المخالفين في هذا الباب، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية لأهمية ذلك في الكثير من كتبه ومن ذلك قوله: «وهذا الموضع من فهمه جيداً، وتدبره، زالت عنه عامة الشبهات، وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام» (١)، «فإنه مقام زلت فيه أقدام، وظلت فيه أحلام، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم» (٢). وقال عنها كذلك: «ومن فهم هذه الحقائق الشريفة، والقواعد الجليلة النافعة: حصل له من العلم والمعرفة والتحقيق والتوحيد والإيمان، وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة ما يصير به في هذا الباب من أفضل الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، ومن سادة أهل العلم والإيمان» (٣). وفي هذه التوطئة لهذه المسألة يجدر التنبيه إلى أن علماء أهل السنة قرروا الحقائق الآتية: أولاً: أن القدر المشترك يراد به: ما تشترك فيه الموجودات من: معاني، ذهنية، كلية، مطلقة فما من مسميين إلا وبينهما: • قدر مشترك. • وقدر مميز.

стр. 290

ثانياً: أن نعلم أن المعنى العام لا يقتضي تماثلاً من كل وجه. وذلك أن لكل ماهيتين: • معنى عاماً اشتركا فيه. • ومعنى خاصاً افترقا فيه. • فالمعنى العام: الذي اشتركا فيه هو (القدر المشترك) الذي لا يقتضي تماثلا من كل وجه. • والمعنى الخاص: وحين تكون الخصائص والإضافات تتمايز هاتان الماهيتان وهو (القدر المميز). ثالثاً: أن الكليات التي يتفق فيها الشيئان إنما هي في الأذهان لا في الأعيان. فليس في الموجودات الخارجية اثنان اشتركا في شيء فضلا عن أن يكون الخالق تعالى مشاركا لغيره في شيء من الأشياء " (١). فالمقصود بالقدر المشترك هو المعنى العام الكلي المقدر في الذهن. ومثال ذلك: لفظ أو مسمى "الوجود" فهذا اللفظ يطلق على الخالق والمخلوق فيقال الله موجود والمخلوق موجود. ولكن هذا الإطلاق أو هذا القدر المشترك هو في الوجود الذهني فقط لا في الوجود العياني أو الخارجي. يقول ابن قدامة ﵀: " والرجل له وجود في: • الأعيان، • والأذهان،

стр. 291

• واللسان. • فوجوده في الأعيان لا عموم له إذ ليس في الوجود رجل مطلق بل إما زيد وإما عمرو. • وأما وجوده في اللسان فلفظة (الرجل) قد وضعت للدلالة عليه. • وأما الذي في الأذهان من معنى الرجل فيسمى كليا، فإن العقل يأخذ من مشاهدة زيد: حقيقة الإنسان وحقيقة الرجل، فإن رأى عمرا لم يأخذ منه صورة أخرى، وكان ما أخذه من قبل نسبته إلى عمرو الحارث كنسبته إلى زيد الذي عهده أولا … " (١). قال شيخ الإسلام ﵀: "والقدر المشترك كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه .. " (٢). رابعاً: "أن من قال: إنه يوجد في الخارج كليا، فقد غلط. فإن الكلي لا يكون كليا قط إلا في الأذهان لا في الأعيان، وليس في الخارج إلا شيء معين، إذا تصور منع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، ولكن العقل يأخذ القدر المشترك الكلي بين المعينات، فيكون كليا مشتركا في الأذهان" (٣). خامساً: "ما كان لازما لهذا المعنى العام كان لازما للموصوف به، وهذا لا محذور فيه، بل هو حق. ومثاله الذي يوضحه:

стр. 292

• إذا كان الخالق (موجودا) والمخلوق (موجودا). • أو هذا (قائم بنفسه)، وهذا (قائم بنفسه). • أو قيل: هذا (حي عليم رحيم)، وقيل: (هذا حي عليم رحيم). كان القدر العام الكلي المتفق هو: مسمى (الوجود) و (القيام بالنفس) و (الحياة) و (العلم) و (الرحمة) أو مسمى أنه (موجود) (قائم بنفسه) (حي) (عالم) (رحيم). وهذا المعنى العام ليس من لوازمه ما ينفى عن الله، بل لوازمه كلها صفات كمال يوصف الله بها. o وإنما يكون لوازمه صفة نقص إذا قيّد بالعبد فقيل: وجود العبد وعلم العبد ورحمة العبد، فالنقص يلزمه إذا كان مقيدا مختصا بالعبد، والله منزه عما يختص به العبد. o وأما إذا: - اتصف الرب به. - أو أُخذ مطلقا غير مختص بالعبد. ففي هذين الحالين لا يلزمه شيء من النقائص أصلا، فتبين أن إثبات القدر العام المتفق عليه لا محذور فيه أصلا (١) ". خامساً: أن المقصود بالقدر المميز: أن بين الموجودين في الوجود الخارجي قدر مميز وفارق بينهما، وعليه فإن لله وجوداً يختص به وللمخلوق وجود يختص به.

стр. 293

• فأما وجود الله فمعلوم أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، فلا يجوز أن يثبت له شيء من خصائص المخلوقين ولا يمثل بها. • وهكذا الشأن في وجود المخلوق العياني فلا أن يثبت لشيء من الموجودات مثل شيء من صفاته ولا مشابهة في شيء من خصائصه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وإذا كان المثل هو الموافق لغيره فيما يجب ويجوز ويمتنع، فهو سبحانه لا يشاركه شيء فيما يجب له ويمتنع عليه ويجوز له. بل إن المخلوق لا يشارك مخلوقا في شيء من صفاته، فكيف يكون للخالق شريك في ذلك، لكن المخلوق قد يكون له من يماثله في صفاته، والله تعالى لا مثل له أصلا. • وأما ما يتقدس الرب تعالى ويتنزه عنه من النقائص والآفات فهي ليست من لوازم ما يختص به، ولا من لوازم القدر المشترك الكلي المطلق أصلا، بل هي من خصائص المخلوقات الناقصة، والله تعالى منزه عن كل نقص وعيب " (١). سادساً: أنه "ليس في الموجودات الخارجية اثنان اشتركا في شيء فضلا عن أن يكون الخالق تعالى مشاركا لغيره في شيء من الأشياء " (٢). سابعاً: مسألة القدر المشترك لا تختص باب الأسماء والصفات وحده بل هي مسألة أعم وهذا ما يوضحه كلام الإمام ابن القيم حيث يقول: "فأحظى الناس بالحق وأسعدهم به الذي يقع على الخصائص المميزة الفارقة ويلغي القدر المشترك فيحكم بالقدر الفارق على القدر المشترك ويفصله به.

стр. 294

وأبعدهم عن الحق والهدى من عكس هذا السير وسلك ضد هذه الطريق فألغى الخصائص الفارقة وأخذ القدر المشترك وحكم به على القدر الفارق. وأضل منه من أخذ خصائص كل من النوعين فأعطاها للنوع الآخر. فهذان طريقا أهل الضلالة اللتان يرجع إليهما جميع شعب ضلالهم وباطلهم. مثال ذلك: أن أعداء الرسل المكذبين لهم الجاحدين لما جاءوا به من الحق لما أرادوا تلبيس الحق الذي جاءوا به بالباطل أخذوا بينه وبين الباطل قدرا مشتركا ثم ألغوا القدر الفارق وما اختص به أحد النوعين فقالوا هذا الرسول شاعر وكاهن ومجنون وطالب ملك ورياسة وصيت في العالم؛ فأخذوا قدرا مشتركا بين الشعر وبين كلامه الذي جاء به من الترغيب والترهيب وحسن التعبير عن المعاني باللفظ الذي يروق المسامع ويهز القلوب ويحرك النفوس. فقالوا: هو شاعر وهذا شعر وضربوا عن الخصائص الفارقة صفحا. وقالوا: هو كاهن لأن الكاهن كان عندهم معروفا بالإخبار عن الأمور الغائبة التي لا يخبر بها غيره وكذلك هذا المدعي لذلك مثله. وقالوا: مجنون لأن المجنون يقول ويفعل خلاف ما اعتاده الناس. وقالوا: ساحر لأن الساحر يأخذ بالقلوب والعيون ويحبب تارة وينفر أخرى؛ ولهذا قال لهم الوليد بن المغيرة وقد سألوه ماذا يقولون للناس في أمر محمد، ففكر وقدر ورأى أن أقرب ما يقولون هو ساحر لأنه يفرق بين المرء وزوجه، ومحمد يفعل ذلك فإن المرأة إذا أسلمت دون زوجها أو أسلم زوجها دونها وقعت الفرقة بينهما والعداوة. وكذلك قولهم عن القرآن: أساطير الأولين أخذوا قدرا مشتركا بينهما وهو جنس الإخبار عما أخبر عنه الأولون.

стр. 295

وهكذا قولهم: هو طالب ملك ورياسة وصيت. والمقصود أن كل مبطل فإنه يتوصل إلى باطله بهذه الطريق، ثم يلبس ما يدعو إليه خصائص الحق وما ينفر عنه خصائص الباطل، وهذا شأن الساحر فكلامه يخرج الحق في صورة الباطل فينفر عنه، والباطل في صورة الحق فيرغب فيه" (١). ثامنًا: أن وجه خطأ الذين ضلوا في هذا الباب أن "هؤلاء أخذوا قدرا مشتركا بين ما أثبته الله لنفسه من الصفات والأفعال وبين ما للمخلوقين من ذلك وحكموا بذلك القدر المشترك على خصائص الرب سبحانه، ثم ألغوا حكم تلك الخصائص واعتبارها، ثم جعلوا حكمها حكم خصائص المخلوقين. فأخطأوا من أربعة أوجه مثاله: • أنهم أخذوا قدرا مشتركا بين اليد القديمة والحادثة. • ثم حكموا بما فهموه من ذلك القدر المشترك على القديمة. • ثم ألغوا القدر الفارق بين اليد واليد. • ثم جعلوا خصائص أحدهما هي خصائص الأخرى واعتبر هذا منهم في كل صفة يريدون نفيها" (٢). تاسعًا: أن الصواب والحق في هذه المسألة يوضحه: إنك إذا أخذت لوازم المشترك والمميز وميزت هذا من هذا صح نظرك ومناظرتك، وزال عنك اللبس والتلبيس، وذلك أن الصفة يلزمها لوازم من حيث هي هي فهذه اللوازم يجب إثباتها ولا يصح نفيها إذ نفيها ملزوم كنفي الصفة. مثاله: الفعل والإدراك للحياة فإن كل حي فعال مدرك؛ وإدراك المسموعات

стр. 296

بصفة السمع، وإدراك المبصرات بصفة البصر، وكشف المعلومات بصفة العلم؛ والتمييز لهذه الصفات فهذه اللوازم ينتفي رفعها عن الصفة فإنها ذاتية لها ولا يرتفع إلا برفع الصفة، ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة للقديم مثل كونها واجبة قديمة عامة التعلق فإن صفة العلم واجبة لله قديمة غير حادثة متعلقة بكل معلوم على التفصيل. وهذه اللوازم منتفية عن العلم الذي هو صفة للمخلوق، ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة له مثل كونها ممكنة حادثة بعد أن لم تكن مخلوقة غير صالحة للعموم مفارقة له. فهذه اللوازم يستحيل إضافتها إلى القديم. واجعل هذا التفصيل ميزانا لك في جميع الصفات والأفعال واعتصم به في نفي التشبيه والتمثيل؛ وفي بطلان النفي والتعطيل. مثاله: واعتبره في العلو والاستواء تجد هذه الصفة يلزمها كون العالي فوق السافل في القديم والمحدث فهذا اللازم حق لا يجوز نفيه. (وهذا مايسمى القدر المشترك). ويلزمها كون السافل حاويا للأعلى محيطا به حاملا له، والأعلى مفتقر إليه، وهذا في بعض المخلوقات لا في كلها، بل بعضها لا يفتقر فيه الأعلى إلى الأسفل، ولا يحويه الأسفل ولا يحيط به ولا يحمله، كالسماء مع الأرض. (وهذا ما يسمى القدر المميز للمحدث الذي هو المخلوق). فالرب تعالى أجل شأنا وأعظم أن يلزم من علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله للسافل، وفقر السافل إليه، وغناه سبحانه عنه، وإحاطته به، فهو فوق العرش مع حمله العرش وحملته، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه،

стр. 297

وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق. (وهذا مسمى بالقدر المميز للخالق). وأصحاب التلبيس واللبس لا يميزون هذا التمييز ولا يفصلون هذا التفصيل، ولو ميزوا وفصلوا لهدوا إلى سواء السبيل وعلموا مطابقة العقل الصريح للتنزيل، ولسلكوا خلف الدليل، ولكن فارقوا الدليل وضلوا عن سواء السبيل. " (١) عاشرًا: اصطلاحات هذه المسألة تختلف مسمياتها بحسب الفنون فالقدر المشترك يراد به: ما تشترك فيه الموجودات من: معاني، ذهنية، كلية، مطلقة ولا بد من تفصيل المراد بهذه الألفاظ (مشترك، معني، ذهني، كلي، مطلق) وبيان محترزاتها: فأما (المشترك): فإنه اللفظ الموضوع لمعان متعددة (٢). والمراد بالاشتراك هنا ما يسميه النحاة: (اسم جنس)، ويسمي معانيه المنطقيون: (كليات)، كما يسميه المناطقة أيضا: (المتواطئ المشكك)، وهو اللفظ المفرد الدال على أعيان متعددة، بمعني عام مشترك بين تلك الأفراد لا على السواء، بل على التفاوت والتفاضل «لكن هذا التفاضل في الأسماء المشتكة لا يمنع أن يكون أصل المعنى مشتركاً كلياً، فلا بد في الأسماء المشككة من معني كلي مشترك، وإن كان ذلك لا يكون إلا في الذهن (٣). - وقريب من هذا قولنا: (كلي) فإن (المشترك)

стр. 298

أحد أنواع (الكلي)، واللفظ الكلي هو: «ما لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه (١). - وقولنا: (معني) بين، ويخرج به أمران: ١ - أن يكون الاشتراك باللفظ فحسب، فيكون من باب المشترك اللفظي (كما يقول بذلك بعض المعطلة). مثل قولهم: إن تسمية الله (سميعاً) وتسمية المخلوق (سميعاً) هو مشترك لفظي، بل منهم من زعم أن لفظ (الوجود) مقول بذلك الاشتراك اللفظي، من جنس تسمية المبتاع (مشتريا) وتسمية الكوكب المعروف (المشتري)، فلا يكون هناك أدني علاقة في المعنى بين هذين الأمرين (٢). ٢ - أن يكون الاشتراك في الحقيقة (الكيفية)، كما يقول به بعض الممثلة. وقولنا (الذهني): أي إن هذا المعنى المشترك غير موجود في الخارج، وإنما هو معنى يفهم في الذهن، والذهن يفهمه مطلقة، أي غير مختص بواحد من الأشياء المعينة، بل يفهم منه الذهن قدرة يوجد في الأشياء المتباينة (وهذا معنى القول بأنه:

стр. 299

مطلق (١)، وإنما الذي يكون في الخارج هو القدر المختص المعين، المقيد) (٢). وعليه فإن ذلك القدر المشترك الكلي لا يكون ثابتاً بعينه في الأمور المتعينة في الوجود الخارجي (٣)، فالاشتراك إنما يكون في الوجود الذهني، وأما الوجود الخارجي فلا اشتراك فيه، بل كل موجود فله ما يخصه من حقيقته مما لا يشركه فيه غيره، بل ليس بين موجودين في الخارج شيء بعينه اشتركا فيه، ولكن تشابها، ففي هذا نظير ما في هذا، كما أن هذا نظير هذا، وكل منهما متميز بذاته وصفاته عما سواه، فكيف الخالق سبحانه وتعالي (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «المعاني لا تكون مطلقة وعامة إلا في الأذهان، لا في الأعيان، فلا يكون موجود وجوداً مطلقاً أو عاماً إلا في الذهن، ولا يكون مطلق أو عام إلا في الذهن، ولا يكون إنسان أو حيوان مطلق وعام إلا في الذهن، وإلا فلا تكون الموجودات في أنفسها إلا معينة مخصوصة متميزة عن غيرها) (٥). فالذهن يفهم من (السميع) قدراً مطلقاً، وهو (مطلق السمع)، ولا يوجد في الخارج شيء يسمى: (سمعاً) بهذا الإطلاق، بل لا يوجد إلا مضافاً معيناً (سمع الله) أو (سمع المخلوق)، فهذا اللفظ المشترك المطلق يتناول الاثنين، لكن هذا المشترك

стр. 300

لا وجود له في الخارج عقلا، ولا لفظه موجود في الكلام سمعاً، بل موجود مطلق يتناولهما جميعاً، لا يختص بخالق ولا مخلوق، ولا يوجد في الخارج، ولا هو موجود في كلام الله ورسوله (١). وبهذا يتبين معنى القدر المشترك بين الأشياء، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور: هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا، لا أن الموجودات في الخارج يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته، وصفاته، وأفعاله» (٢). فهذه بعض النقاط العامة في هذه مسألة القدر المشترك، ولكل جانب منها تفاصيل سيتم توضيحها وبسطها في الجوانب الآتية. الجوانب التفصيلية لمسألة القدر المشترك قد تم مراعاة أن تعرض المسألة في جوانبها الثلاث وهي: * الجانب الاصطلاحي. * والجانب اللغوي. * والجانب الشرعي. وذلك لتعلق المسألة بهذه الجوانب جميعها، فقد ألبست المسألة هذه الأبواب جميعها، فتارة تناقش وتعرض في جانبها الاصطلاحي، وتارة أخرى في جانبها اللغوي، وتارة ثالثة في جانبها الشرعي، وتارة رابعة تعرض من جميع هذه الجوانب كلها.

стр. 301

وجعلت البداية للحديث عن الجانب الاصطلاحي لأنه الجانب الأكثر استعمالاً في الكلام عن هذه المسألة أثناء عرضها ومناقشتها، ثم يأتي الجانب اللغوي، ويليه الجانب الشرعي الذي لا يمكن فيه أن يتصور ويفهم إلا مع الجانبين السابقين، وأرجو أن أكون قد وفقت في شرح جوانب المسألة، فبعض المسائل دقيقة فيحتاج الأمر فيها إلى شيء من البسط والشرح والتفصيل وتسليط الضوء على أكثر من جانب وبشكل مستقل بغية الوصول إلى الهدف والغاية. الجانب الأول: الجانب الاصطلاحي للمسألة. يجد الباحث في هذه المسألة الحاجة إلى استحضار عدد من المصطلحات العقلية المستعملة في هذه المسألة والتي ترتبط في النقاش الدائر فيها فلابد من تصورها قبل الخوض في تفاصيل النزاع الواقع فيها ومن تلك المصطلحات: أولاً: مراتب وجود الشيء. ثانياً: القدر المشترك والقدر المميز. ثالثاً: الكليات الخمس. وسأتكلم عن هذه المصلحات مع ربطها بموضوع هذه القاعدة لتقريب فهمها. أولاً: مراتب وجود الشيء. لكل شيء أربع مراتب: • وجود في الأعيان. • ووجود في الأذهان. • ووجود في اللسان. • ووجود في البنان.

стр. 302

وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي (١). قال ابن القيم ﵀: "الشيء له أربعة مراتب: المرتبة الأولى: مرتبة في الأعيان والمراد. بها وجوده العيني. والمرتبة الثانية: مرتبة في الأذهان، والمراد. بها وجوده الذهني. والمرتبة الثالثة: مرتبة في اللسان، والمراد بها وجوده اللفظي. والمرتبة الرابعة: مرتبة في الخط، والمراد بها وجوده الرسمي. " (٢). وهذا التقسيم الإحاطة به مفيدة لأنه يرد كثيراً في هذه المسألة حيث يفرق بين الوجود الذهني والوجود العياني أو الخارجي، ومن ذلك على سبيل المثال: • قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والكليات التي يتفق فيها الشيئان إنما هي في الأذهان لا في الأعيان، فليس في الموجودات الخارجية اثنان اشتركا في شيء فضلا عن أن يكون الخالق تعالى مشاركا لغيره في شيء من الأشياء " (٣). ويلاحظ في هذا النص استعمال مصطلح "الكليات" وهذا يقودنا لشرح هذا المصطلح كما سيأتي. • وقوله أيضاً: "وبينّا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة في الخارج، بخلاف الماهية التي في الذهن، فإنها مغايرة للموجود في الخارج، وأن لفظ الذات والشيء والماهية والحقيقة ونحو ذلك" (٤) قال ابن تيمية ﵀: "قَدْ عُرِفَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَهَا: وُجُودٌ فِي " الْأَعْيَانِ " وَوُجُودٌ فِي

стр. 303

" الْأَذْهَانِ " وَوُجُودٌ فِي " اللِّسَانِ " وَوُجُودٌ فِي "الْبَنَانِ " وَهُوَ: الْعَيْنِيُّ وَالْعِلْمِيُّ وَاللَّفْظِيُّ وَالرَّسْمِيُّ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ قَالَ: إنَّ الْوُجُودَ الْعَيْنِيَّ وَالْعِلْمِيَّ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ وَالْأُمَمِ؛ بِخِلَافِ اللَّفْظِيِّ وَالرَّسْمِيِّ فَإِنَّ اللُّغَاتِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ. وَهَذَا قَدْ يَذْكُرُهُ بَعْضُهُمْ فِي " كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى " أَنَّهُ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ دُونَ الْحُرُوفِ الَّتِي تَخْتَلِفُ؛ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَيَضُمُّونَ إلَى ذَلِكَ أَنَّ كُتُبَهُ إنَّمَا اخْتَلَفَتْ لِاخْتِلَافِ لَفْظِهَا فَقَطْ؛ فَكَلَامُهُ بِالْعِبْرِيَّةِ هُوَ التَّوْرَاةُ وَبِالْعَرَبِيَّةِ هُوَ الْقُرْآنُ كَمَا يَقُولُونَ: إنَّ " الْمَعْنَى الْقَدِيمَ " يَكُونُ أَمْرًا وَنَهْيًا وَخَبَرًا؛ فَهَذِهِ صِفَاتٌ عَارِضَةٌ لَهُ؛ لَا أَنْوَاعٌ لَهُ. وَيَذْكُرُ بَعْضُهُمْ هَذَا الْقَوْلَ مُطْلَقًا فِي " أُصُولِ الْفِقْهِ " فِي مَسَائِلِ اللُّغَاتِ وَيَذْكُرُهُ بَعْضُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى وَأَسْمَاءِ اللَّهِ"الْحُسْنَى كَأَبِي حَامِدٍ. قُلْت: وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ وَبَعْضُهُ بَاطِلٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَلْفَاظَ اللُّغَاتِ (مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَالتَّنُّورِ وَكَمَا يُوجَدُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَّحِدَةِ فِي اللُّغَاتِ. وَمِنْهَا: مُتَنَوِّعٌ كَأَكْثَرِ اللُّغَاتِ وَاخْتِلَافُهَا اخْتِلَافَ تَنَوُّعٍ لَا تَضَادَّ؛ كَاخْتِلَافِ الِاسْمَيْنِ لِلْمُسَمَّى الْوَاحِدِ. وَكَذَلِكَ مَعَانِي اللُّغَاتِ؛ فَإِنَّ " الْمَعْنَى الْوَاحِدَ " الَّذِي تَعْلَمُهُ الْأُمَمُ؛ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ كُلُّ أُمَّةٍ بِلِسَانِهَا؛ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَاحِدًا بِالنَّوْعِ فِي الْأُمَمِ؛ بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِفُ كَمَا يَخْتَلِفُ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ بِالْعَرَبِيَّةِ. وَقَدْ يَكُونُ تَصَوُّرُ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُتَنَوِّعًا فِي الْأُمَمِ مِثْلَ: أَنْ يَعْلَمَهُ أَحَدُهُمْ بِنَعْتِ وَيُعَبِّرَ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ النَّعْتِ وَتَعْلَمُهُ الْأُمَّةُ الْأُخْرَى بِنَعْتِ آخَرَ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ النَّعْتِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَأَسْمَاءِ رَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُعَبَّرِ بِهَا عَنْ الْأَشْيَاءِ الْمُتَّفَقِ عَلَى عِلْمِهَا فِي الْجُمْلَةِ " فَتُكْرِي وَخَدَّايَ وَنَسَتْ شَكَّ " وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَتْ أَسْمَاءَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ مَعْنَاهَا مُطَابِقًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِمَعْنَى اسْمِ" "اللَّهِ؛ وَكَذَلِكَ " بيغنير وَبِهَشِمِ " وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلِهَذَا إذَا تَأَمَّلْت الْأَلْفَاظَ الَّتِي يُتَرْجَمُ بِهَا الْقُرْآنُ - مِنْ الْأَلْفَاظِ الْفَارِسِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ وَغَيْرِهَا - تَجِدْ بَيْنَ الْمَعَانِي نَوْعَ

стр. 304

فَرْقٍ وَإِنْ كَانَتْ مُتَّفِقَةً فِي الْأَصْلِ كَمَا أَنَّ اللُّغَتَيْنِ مُتَّفِقَتَانِ فِي الصَّوْتِ وَإِنْ اخْتَلَفَتَا فِي تَأْلِيفِهِ؛ وَقَدْ تَجِدُ التَّفَاوُتَ بَيْنَهَا أَكْثَرَ مِنْ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ " الْمُتَكَافِئَةِ " - الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْمُتَرَادِفَةِ وَالْمُتَبَايِنَةِ - كَالصَّارِمِ وَالْمُهَنَّدِ؛ وَكَالرَّيْبِ وَالشَّكِّ وَالْمَوْرِ وَالْحَرَكَةِ وَالصِّرَاطِ وَالطَّرِيقِ. وَتَخْتَلِفُ اللُّغَتَانِ أَيْضًا فِي قَدْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَعُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ؛ كَمَا تَخْتَلِفُ فِي حَقِيقَتِهِ وَنَوْعِهِ وَتَخْتَلِفُ أَيْضًا فِي كَيْفِيَّتِهِ وَصِفَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. بَلْ النَّاطِقَانِ بِالِاسْمِ الْوَاحِدِ بِاللُّغَةِ الْوَاحِدَةِ يَتَصَوَّرُ أَحَدُهُمَا مِنْهُ مَا لَمْ يَتَصَوَّرْ الْآخَرُ حَقِيقَتَهُ وَكَمِّيَّتَهُ وَكَيْفِيَّتَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ؛ فَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالِاسْمِ الْوَاحِدِ لَا يَتَّحِدُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي قَلْبِ النَّاطِقِينَ؛ بَلْ وَلَا فِي قَلْبِ النَّاطِقِ الْوَاحِدِ فِي الْوَقْتَيْنِ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ يَجِبُ اتِّحَادُهُ فِي اللُّغَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ. يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ مَا تَعْلَمُهُ الْمَلَائِكَةُ مِنْهُ لَيْسَ عَلَى حَدِّ مَا يَعْلَمُهُ الْبَشَرُ وَمَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ فِيهِ لَيْسَ عَلَى حَدِّ مَا تَعْلَمُهُ الْمَلَائِكَةُ؛ لَكِنَّ الِاخْتِلَافَ اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ لَا تَضَادَّ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ مَعَانِيَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ سَوَاءٌ فَفَسَادُهُ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ فَإِنَّا لَوْ عَبَّرْنَا عَنْ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِالْعِبْرِيَّةِ وَعَنْ مَعَانِي التَّوْرَاةِ بِالْعَرَبِيَّةِ لَكَانَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ لَيْسَ هُوَ الْآخَرَ بَلْ يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ تَنَوُّعُ مَعَانِي الْكُتُبِ وَاخْتِلَافُهَا اخْتِلَافَ تَنَوُّعٍ أَعْظَمَ مِنْ اخْتِلَافِ حُرُوفِهَا؛ لِمَا بَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ وَالْعِبْرِيَّةِ مِنْ التَّفَاوُتِ؛ وَكَذَلِكَ مَعَانِي الْبَقَرَةِ لَيْسَتْ هِيَ مَعَانِي آل عِمْرَانَ. وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ جَعْلُ الْأَمْرِ هُوَ الْخَبَرُ. وَلَا يُنْكَرُ أَنَّ هَذِهِ الْمُخْتَلِفَاتِ قَدْ تَشْتَرِكُ فِي حَقِيقَةٍ مَا كَمَا أَنَّ اللُّغَاتِ تَشْتَرِكُ فِي حَقِيقَةٍ مَا فَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا وَاحِدَةٌ مَعَ تَنَوُّعِهَا: فَكَذَلِكَ اللُّغَاتُ سَوَاءٌ بَلْ اخْتِلَافُ الْمَعَانِي أَشَدُّ. أَمَّا دَعْوَى كَوْنِ أَحَدِهِمَا صِفَةً حَقِيقِيَّةً وَالْأُخْرَى وَضْعِيَّةً: فَلَيْسَ كَذَلِكَ وَهَذَا مَوْضِعٌ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي " الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ " وَ " فِي أُصُولِ الدِّينِ " وَ " الْفِقْهِ " وَفِي مَعْرِفَةِ " تَرْجَمَةِ اللُّغَاتِ ". وَأَيْضًا: لَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِأَنَّ اللُّغَةَ الْوَاحِدَةَ وَاللَّفْظَ الْوَاحِدَ يَكُونُ النُّطْقُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاطِقِينَ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَاوُتٌ

стр. 305

أَصْلًا فَإِنْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْجَمِيعِ فَكَذَلِكَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ فَإِنَّ اللُّغَاتِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فَقَدْ يَحْصُلُ أَصْلُ الْمَقْصُودِ بِالتَّرْجَمَةِ فَكَذَلِكَ الْمَعَانِي: فَإِنَّ التَّرْجَمَةَ تَكُونُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. وَلِهَذَا سَمَّى الْمُسْلِمُونَ ابْنَ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانَ الْقُرْآنِ وَهُوَ يُتَرْجِمُ اللَّفْظَ. " (١) ثانياً: الكليات الخمس. الكليات في المنطق الصوري: هي الحقائق المجردة التي لا تقع تحت حكم الحواس، وتدرك بالعقل. هي خمس: • (النوع): كالإنسان، • و (الجنس): كالحيوان. • و (الفصل): كالنطق للإنسان. • و (الخاصة: (كالضاحك للإنسان. • (العامة (: كالماشي للإنسان أيضا. ويقال لها باليونانية إيساغوجي. الكليات الخمس المشتركة في الخارج هي خمس كليات: الجنس، والنوع، والفصل، والعرض الخاص، والعرض العام. والكلي ينقسم إلى: - (ذاتي) - و (عرضي).

стр. 306

• فـ (الذاتي): محمول يقوم به الموضوع في ماهيته. وهو أقسام ثلاثة: (نوع) و (جنس) و (فصل). • أما (العرضي): فهو محمول لا تتقوّم به ماهية الموضوع. أو هو محمول خارجٌ عن الموضوع. وهو قسمان: (عرض خاص) و (عرض عام) وهذه الكليات يطلق عليها مسمى القدر المشترك أي أن بينها قدر مشترك في الذهن لا في الخارج. أما عن تعريفاتها وأمثلتها: الأول: (النوع). وتعريفه: هو الكلي الذي كانت أفراده متفقة في الحقيقة، وكان هو تمام حقيقة أفراده. مثاله: (الإنسان) الذي أفراده: (زيد، وعمرو، وخالد) وغيرهم فإن حقيقتهم واحدة والاختلافات الموجودة بينهم في الطول والقصر، واللون، وغيرهما إنما هي اختلافات عارضية، لا ذاتية، فذات الطويل، وذات القصير، وذات الأبيض اللون، وذات الأسود كلها (إنسان) لا اختلاف فيها. الثاني: (الجنس). تعريفه: هو الكلي الذي كانت أفراده مختلفة في حقايقها وكان جزءً لحقيقة أفراده. مثاله: (الحيوان) الذي أفراده (الإنسان، والفرس، والبقر) وغيرها فإن حقائقهم مختلفة، فحقيقة (الإنسان) غير حقائق بقية الحيوانات، وكذلك حقيقة (الفرس) غير حقائق بقية الحيوانات، وهكذا غيرهما، إلاّ أن الحيوانية جزء لجميع هذه الحقائق المختلفة.

стр. 307

الثالث: (الفصل). تعريفه: هو الكلي الذي كانت أفراده متفقة في الحقيقة، وكان هو جزء حقيقة أفراده. مثاله: (الناطق) الذي هو جزء حقيقة (الإنسان) والإنسان أفراده متفقة في الحقيقة. الرابع: (العرض الخاص). تعريفه: هو الكلي الذي كان مختصاً بحقيقة واحدة وخارجاً عن الحقيقة. مثاله: (الضاحك) الذي هو كلي مختص بحقيقة الإنسان ـ إذ ليس غير الإنسان ضاحكاً ـ مع أنه ليس داخلاً في حقيقة الإنسان وجزءاً لذاته. الخامس: (العرض العام). تعريفه: هو الكلي الذي كان غير مختص بحقيقة واحدة وكان خارجاً عن الحقيقة. مثاله: الماشي (الذي) هو كلي يشمل (الإنسان) و (الفرس) و (البقر) وغيرها مع أن حقائقها مختلفة، وهو ليس داخلاً في حقيقتها، ولا جزءاً لذاتها. وهذه الكليات تجتمع بأنها موجودة في الأذهان لا في الأعيان. قال ابن تيمية: "ومن قال: إنه يوجد في الخارج كليا، فقد غلط، فإن الكلي لا يكون كليا قط إلا في الأذهان لا في الأعيان، وليس في الخارج إلا شيء معين، إذا تصور منع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، ولكن العقل يأخذ القدر المشترك الكلي بين المعينات، فيكون كليا مشتركا في الأذهان" (١).

стр. 308

ثالثاً: الفرق بين القدر المشترك والقدر المميز. فما من موجودين إلا بينهما قدر مشترك، وقدر مميز. وتارة يعبر عن القدر المشترك: o بـ "القدر المشترك" (١). o بـ " الاسم المطلق" (٢) o أو " الاسم العام" (٣). o بـ "القدر المطلق" (٤). o وبـ "القدر المشترك المطلق" o أو "القدر المطلق المشترك". o أو " القدر المشترك الكلي المطلق" (٥) o وبـ "القدر العام الكلي". o وبـ "المعنى العام الكلي" (٦). o أو "المعنى العام" (٧). o أو " المعنى المشترك الكلي" (٨). o أو "المعنى العام الكلي الشامل" (٩) o وبـ "الكلي المطلق". o وبـ "الجامع" (١٠). o وبـ "المتفق" (١١). وأما القدر المميز فتارة يعبر عنه: o بـ "القدر المميز". o وبـ " الفارق". أما القدر المشترك:

стр. 309

القدر المشترك هو: مسمى الاسم المطلق، وهذا المسمى هو معنى كلي لا يوجد إلا في الأذهان. فإنه ما من موجودين إلا ولا بد أن يشتركا في أنهما موجودان ثابتان حاصلان، وأنّ كلا منهما له حقيقة هي ذاته ونفسه وماهيته، حتى لو كان الموجودان مختلفين اختلافا ظاهرا كالسواد والبياض فلا بد أن يشتركا في مسمى الوجود والحقيقة ونحو ذلك، بل وفيما هو أخص من ذلك مثل كون كل منهما لونا وعرضا وقائما بغيره ونحو ذلك وهما مع هذا مختلفان. وإذا كان بين كل موجودين جامع وفارق، فمعلوم أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، فلا يجوز أن يثبت له شيء من خصائص المخلوقين ولا يمثل بها، ولا أن يثبت لشيء من الموجودات مثل شيء من صفاته ولا مشابهة في شيء من خصائصه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وإذا كان المثل هو الموافق لغيره فيما يجب ويجوز ويمتنع، فهو سبحانه لا يشاركه شيء فيما يجب له ويمتنع عليه ويجوز له. وإذا أُخذ القدر المطلق الذي يتفق فيه الخالق والمخلوق، مثل مسمى الوجود والحقيقة والعالم والقادر ونحو ذلك، فهذا لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان، والمخلوق لا يشارك مخلوقا في شيء من صفاته، فكيف يكون للخالق شريك في ذلك، لكن المخلوق قد يكون له من يماثله في صفاته، والله تعالى لا مثل له أصلا. والقدر المشترك المطلق كالوجود والعلم والحقيقة ونحو ذلك لا يلزمه شيء من صفات النقص الممتنعة على الله تعالى، فما وجب للقدر المطلق المشترك لا نقص فيه ولا عيب، وما نفي عنه فلا كمال فيه، وما جاز له فلا محذور في جوازه. وأما ما يتقدس الرب تعالى ويتنزه عنه من النقائص والآفات فهي ليست من

стр. 310

لوازم ما يختص به، ولا من لوازم القدر المشترك الكلي المطلق أصلا، بل هي من خصائص المخلوقات الناقصة، والله تعالى منزه عن كل نقص وعيب، وهذه معاني شريفة بسطت في غير هذا الموضع" (١). فيمتنع أن تقوم هذه الصفات إلا بموصوف قائم بنفسه، وهذا المطلق الكلي هو الذي من خلاله نفهم ما خوطبنا به" (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: «القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينا مقيدا، ومعنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا لا أن الموجودات في الخارج يشارك أحدها الآخر شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله» (٣). وكل واحد من هذين المشتركين له المعنى المطلق في الذهن لكل واحد منهما حصة هما ممتازتان عن بعضهما " (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والكليات الخمسة: كليات الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض العام، والقول فيها واحد، فليس فيها ما يوجد في الخارج كليا مطلقا، ولا تكون كلية مطلقة إلا في الأذهان لا في الأعيان. وما يدعى فيها من عموم وكلية أو من تركيب كتركيب النوع من الجنس والفصل، هي أمور عقلية ذهنية لا وجود لها في الخارج، فليس في الخارج شيء يعم هذا وهذا، ولا في الخارج إنسان مركب من هذا وهذا، بل الإنسان موصوف بهذا

стр. 311

وهذا بصفة يوجد نظيرها في كل إنسان، وبصفة يوجد نظيرها في كل حيوان، وبصفة يوجد نظيرها في كل نام. وأما نفس الصفة التي قامت به، ونفس الموصوف الذي قامت به الصفة، فلا اشتراك فيه أصلا ولا عموم، ولا هو مركب من عام وخاص. رابعاً: أقسام المشترك. يقسم المنطقيون المشترك إلى قسمين (لفظي ومعنوي): • المشترك اللفظي: وهو: اللفظ المفرد الدال على أعيان متعددة، بمعاني تختلف اختلافا لا تشابه فيه، فلا يكون بين تلك الأعيان اتفاق وتشابه في المعنى البتة. وذلك كلفظ (العين) التي تقال على: الباصرة، وعلى ينبوع الماء، وعلى قرص الشمس. • المشترك المعنوي: وهو: اللفظ المفرد الدال على أعيان متعددة، بمعني عام مشترك بين تلك الأفراد (سواء كان ذلك المعنى في تلك الأفراد على السوية، أو على التفاوت). وينقسم المشترك المعنوي إلى قسمين (متواطئ ومشكك): أ - المتواطئ: وهو: اللفظ المفرد الدال على اعيان متعددة، بمعني عام مشترك بين تلك الأفراد على السواء. كالإنسان، فهو يتضمن معنى (الإنسانية)، وهذا المعنى يصدق على جميع أفراد الإنسان على السوية. ب-المشكك: وهو: اللفظ المفرد الدال على اعبان متعددة، بمعني عام مشترك بين تلك الأفراد لا على السواء، بل على التفاوت.

стр. 312

فيكون وجوده في بعض تلك الأفراد أولى، أو أقدم، أو أشد من البعض الآخر. كالموجود، فإنه يتضمن معنى (الوجود)، وهذا المعنى هو في واجب الوجود أولي وأقدم وأشد مما هو في ممكن الوجود (١). وقد أشار شيخ الإسلام إلى أن هناك من جعل المشكك نوعا من المتواطئ -لا قسيماً له كما سلف-ثم قال: «وبالجملة فالنزاع في هذا لفظي، فالمتواطئة العامة تتناول المشككة، وأما المتواطئة التي تتساوي معانيها فهي قسيم المشككة، وإذا جعلت المتواطئة نوعين: متواطئة عامة، وخاصة -كما جعل الإمكان نوعين: عاما وخاصاً -زال اللبس (٢)، فكان مقصوده بالمتواطئ العام ما سمي في التقسيم السابق ب (المشترك المعنوي). الجانب الثاني: الجانب اللغوي للمسألة (٣). ويمكن توضيح المسألة في جانبها اللغوي من خلال النقاط الآتية: أولاً: أن فهم المراد من نصوص الكتاب والسنة بأن تجري على لغة العرب ووفق لسانها. فالألفاظ جارية على لغة العرب-كما يقول الشاطبي ﵀ (٤) -فحتى نفهم المراد من نصوص الكتاب والسنة فلا بد أن تجري على لغة العرب ووفق لسانها،

стр. 313

وليس لأحد أن يسخر اللغة وفق هواه وعلى ما جرى به اعتقاده، فاللغة حاكمة ليس لأحد أن يطوعها لأمر بغير أساليب أهلها (١). قال الإمام الشافعي ﵀: " إنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها " .. ثم ذكر وجوها لاتساع لسانها وضروبه المتنوعة في دلالتها على المعاني". ثم قال: " وكانت هذه الوجوه التي وصفت اجتماعها في معرفة أهل العلم منها به معرفة واضحة عندها ومستنكرا عند غيرها ممن جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة، فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه" (٢). وقال بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ: ("وقد روى عبد الرزاق في " تفسيره ": حدثنا الثوري عن ابن عباس، " أنه قسم التفسير إلى أربعة أقسام): قسم تعرفه العرب في كلامها، وقسم لا يعذر أحد بجهالته؛ يقول من الحلال والحرام، وقسم يعلمه العلماء خاصة، وقسم لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه فهو كاذب). وهذا تقسيم صحيح. فأما الذي تعرفه العرب، فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وذلك شأن اللغة والإعراب. فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها" (٣) ثانيا: أن فهم النصوص يعتمد على معنى سياق الكلام. وهذه الدلالة هي من الأهمية بمكان، إذ يتضح من خلالها فهم الكلام الوارد وتنزيله على معانيه الصحيحة، قال الإمام الشاطبي ﵀: " كلام العربي على الإطلاق

стр. 314

لابد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ وإلا صار ضحكة وهزءة. " (١) ودلالة السياق دلالة معتبرة عند أهل السنة استخدموها في توضيح النصوص على معانيها المناسبة لها. ويقصد بالسياق هنا هو المعنى الذي جرت فيه الألفاظ محتفة بقرائنها التي تؤكد دلالة هذا المعنى وتستبعد ما سواه، ويسمي بعض الباحثين السياق بأنه: " الموقف الكلامي بجميع عناصره " (٢). فالسياق إذن يعرف من خلال الكلام سابقه ولاحقه وما احتف به من قرائن سواء كانت واضحة في النص أم كانت خارجة عنه كأسباب النزول. يقول السيوطي ﵀ وهو يذكر مصادر المفسر وأنه يبدأ بالقرآن ثم السنة " فإن لم يجده في السنة رجع إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله. (٣) وقد يطول الكلام عن السياق، والمقصود هنا بيان أن النصوص حتى تفهم فلا بد من اعتبار سياقاتها، ولذا يقول شيخ الإسلام ﵀: إن الدلالة في كل موضع

стр. 315

بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية " (١). وعند ذكر بعض النصوص فإنه قد يظهر فيها أنها من نصوص الصفات وقد لا يثبت من خلالها صفة كقوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) (البقرة: ١١٥)، وكقوله: (فأتى الله بنيانهم بين القواعد) (النحل: ٢٦)، فالأولى تعني وجه الله أي قبلته، فأضيفت إلى الله تعالى للتخصيص والتشريف، والثاني المقصود به إتيان أمره المتمثل في عقوبته، وقد يستدل بعض النفاة بمثل آية (فأتى الله بنيانهم) … على نفي صفة الإتيان الله تعالى حقيقة الواردة في قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) جاعلاً من معنى الآية الأولى معنى للآية الثانية من أن الإتيان لله تعالى إنما هو إتيان أمره" (٢). ومن خلال دلالة السياق يتبين لنا أثر فهم هذه الدلالة في إثبات صفات الله تعالى وأن لا يجعل ما لا يدل على صفة من النصوص دليلا على نفي الصفة المثبتة من النصوص الأخرى. وما سبق هو إشارة للمقصود وتبيان لأهمية هذه الدلالة" (٣). ثالثاً: أقسام الألفاظ من حيث دلالتها على المعنى. أولاً: الألفاظ المختلفة. الألفاظ عند اختلافها في اللفظ فهي على نوعين من حيث دلالتهما على المعاني:

стр. 316

• -الألفاظ المترادفة: وهي الألفاظ المختلفة الدالة على معنى يندرج تحت واحد، أي أن الأسماء المترادفة اختلفت ألفاظها واتفقت معانيها كـ: • الخمر. • والراح. • والعقار. (١) • -المتباينة أو المتزايلة: وهي الألفاظ المختلفة الدالة على معان مختلفة بالحد والحقيقة كـ: • الفرس • والذهب • والثياب (٢). ثانياً: الألفاظ المتفقة في اللفظ والرسم. الألفاظ عند اتفاقها في اللفظ والرسم فهي على ثلاثة أنواع من حيث دلالتها على المعاني: النوع الأول: المشترك اللفظي (بكسر الراء): وهو اللفظ الواحد المتفق الذي يطلق على أشياء مختلفة بالحد والحقيقة إطلاقا متساوية. كـ "العين" تطلق على: • آلة البصر.

стр. 317

• وينبوع الماء. • وقرص الشمس. وهذه مختلفة الحدود والحقائق" (١). وعند ابن تيمية ﵀ فإن الأسماء المشتركة هي الأسماء المتفقة اللفظ التي يكون معناها متباينا وهي مشتركة اشتراكا لفظيا كلفظ "سهيل" المقول على "الكوكب" وعلى "الرجل" (٢). النوع الثاني: المتواطئة: وهي الألفاظ الكلية التي يكون حصول معناها وصدقها على أفرادها الخارجية والذهنية على السوية كدلالة اسم الإنسان على أفراده الخارجيين (٣)، وهذه الأسماء المتواطئة هي جمهور الأسماء الموجودة وهي أسماء الأجناس اللغوية، وهو الاسم المطلق على الشيء وما أشبهه سواء كان اسم عين أو اسم صفة جامدا أو مشتقا … كلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة (٤). النوع الثالث: المشككة: وهي الألفاظ الكلية التي لم يشأ صدقها على أفرادها، بل حصولها في بعضها أولى أو أشد من بعضها الآخر كدلالة اسم النور على نور الشمس ونور السراج فإنه في الشمس أشد منه وأقوى من نور السراج (٥). وسمي المشكك مشككا لأن الناظر فيه يتردد ويتشكك هل هو من المتباين أو من المتواطئ، فإذا نظر إلى التفاوت ظن أنه من المتباين وإذا نظر إلى الاتفاق في

стр. 318

المعنى جعله من المتواطئ، فالإنسان باعتبار أفراد الإنسان يعد متواطئا، والضوء باعتبار التفاضل والتفاوت فيه يعد مشككا " (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالمتواطئة العامة تتناول المشككة، وأما المتواطئة التي تتساوى معانيها فهي قسيم المشككة، وإذ جعلت المتواطئة نوعين: متواطئا عاما وخاصا، كما جعل الإمكان نوعين: عاما وخاصا، زال اللبس (٢). الجانب الثالث: الجانب الشرعي للمسألة. مسألة القدر المشترك لها تعلق بأكثر من مسألة شرعية، وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية: " فمسألة الكليات والأحوال وعروض العموم لغير الألفاظ من جنس واحد، ومن فهم الأمر على ما هو عليه، تبين له أنه ليس في الخارج شيء هو بعينه موجود في هذا وهذا". (٣) والسؤال الذي يتبادر للذهن هنا ما المسائل المتعلقة بهذه المسألة، وما الأقوال الواردة في كل مسألة؟ ودونك الجواب على ذلك: المسألة الأولى: مواقف الناس من نصوص الأسماء والصفات هل هي على الحقيقة أم على المجاز. فنصوص الأسماء والصفات التي أطلقت على الله تعالى وعلى خلقه، وقد وقف الناس منها مواقف (٤):

стр. 319

• فطائفة قالت: إن هذه الأسماء والصفات هي مجاز في حق الخالق، حقيقة في حق المخلوق. وهذا قول غلاة المعطلة من فلاسفة باطنيين وجهمية وغيرهم، وقولهم هذا يعني أن هذه الأسماء والصفات المتواطئة هي أتم وأكمل عند المخلوق منفية عن الخالق سبحانه وهي بالنسبة له ﷻ مجرد تمثيل وتقريب لما هو حقيقة في العبد. • وطائفة قالت: هي حقيقة في الخالق، مجاز في المخلوق. وهذا قول أبي العباس الناشئ (١) ومن وافقه " وهو قول باطل فإنه يلزمهم صحة نفي هذه الأسماء عن المخلوق مع أنها حقيقة فيه، ويلزمهم التناقض أيضا، فإنهم إن أثبتوا للرب تعالى حقائقها المفهومة منها امتنع أن تكون مجازا في المخلوق، لأن المعنى الذي كانت به حقيقة في الغائب موجود في الشاهد وإن كان غير مماثل، وإن أثبتوها على غير حقائقها المفهومة، وجعلوا معناها ما تأولوها قلبوا الحقائق وعكسوا اللغة وجعلوا المجاز حقيقة، والحقيقة مجازا (٢). • وطائفة ثالثة قالت: إن هذه الأسماء والصفات هي حقيقة في الخالق والمخلوق. وهذا القول هو قول جمهور الطوائف. وعلاقة هذه المسألة بمسألة القدر المشترك أنه إذا تأملنا في قول الطائفة الثالثة وهو القول الصواب، نجد أن القائلين اختلفوا في كيفية الجمع بين قولهم هذا بإطلاقه

стр. 320

وبين انتفاء تماثل الحقيقتين: o فمنهم من قال هذه الأسماء والصفات مقولة على الله تعالى وعلى خلقه من باب الاشتراك اللفظي. o وقال آخرون إنها من باب التواطؤ. o وثالثهم رأى أنها من باب الألفاظ المشككة. فكان الجمع على ثلاثة أقوال (١): القول الأول: أن هذه الأسماء والصفات مقولة على الخالق والمخلوق من باب الاشتراك اللفظي، ولا يعرف هذا القول عن طائفة كبيرة ولا نظار مشهورين كما يقوله ابن تيمية ولكنه عرف عن بعض المتأخرين (٢) كأمثال الشهرستاني (٣) والرازي (٤) والآمدي (٥)، وقول هؤلاء مبني على اختلاف الحقيقة بين الخالق
следующие страницы →