• -الألفاظ المترادفة: وهي الألفاظ المختلفة الدالة على معنى يندرج تحت واحد، أي أن الأسماء المترادفة اختلفت ألفاظها واتفقت معانيها كـ:
• الخمر.
• والراح.
• والعقار. (١)
• -المتباينة أو المتزايلة: وهي الألفاظ المختلفة الدالة على معان مختلفة بالحد والحقيقة كـ:
• الفرس
• والذهب
• والثياب (٢).
ثانياً: الألفاظ المتفقة في اللفظ والرسم.
الألفاظ عند اتفاقها في اللفظ والرسم فهي على ثلاثة أنواع من حيث دلالتها على المعاني:
النوع الأول: المشترك اللفظي (بكسر الراء):
وهو اللفظ الواحد المتفق الذي يطلق على أشياء مختلفة بالحد والحقيقة إطلاقا متساوية.
كـ "العين" تطلق على:
• آلة البصر.
стр. 317
• وينبوع الماء.
• وقرص الشمس.
وهذه مختلفة الحدود والحقائق" (١).
وعند ابن تيمية ﵀ فإن الأسماء المشتركة هي الأسماء المتفقة اللفظ التي يكون معناها متباينا وهي مشتركة اشتراكا لفظيا كلفظ "سهيل" المقول على "الكوكب" وعلى "الرجل" (٢).
النوع الثاني: المتواطئة: وهي الألفاظ الكلية التي يكون حصول معناها وصدقها على أفرادها الخارجية والذهنية على السوية كدلالة اسم الإنسان على أفراده الخارجيين (٣)، وهذه الأسماء المتواطئة هي جمهور الأسماء الموجودة وهي أسماء الأجناس اللغوية، وهو الاسم المطلق على الشيء وما أشبهه سواء كان اسم عين أو اسم صفة جامدا أو مشتقا … كلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة (٤).
النوع الثالث: المشككة: وهي الألفاظ الكلية التي لم يشأ صدقها على أفرادها، بل حصولها في بعضها أولى أو أشد من بعضها الآخر كدلالة اسم النور على نور الشمس ونور السراج فإنه في الشمس أشد منه وأقوى من نور السراج (٥).
وسمي المشكك مشككا لأن الناظر فيه يتردد ويتشكك هل هو من المتباين أو من المتواطئ، فإذا نظر إلى التفاوت ظن أنه من المتباين وإذا نظر إلى الاتفاق في
стр. 318
المعنى جعله من المتواطئ، فالإنسان باعتبار أفراد الإنسان يعد متواطئا، والضوء باعتبار التفاضل والتفاوت فيه يعد مشككا " (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالمتواطئة العامة تتناول المشككة، وأما المتواطئة التي تتساوى معانيها فهي قسيم المشككة، وإذ جعلت المتواطئة نوعين: متواطئا عاما وخاصا، كما جعل الإمكان نوعين: عاما وخاصا، زال اللبس (٢).
الجانب الثالث: الجانب الشرعي للمسألة.
مسألة القدر المشترك لها تعلق بأكثر من مسألة شرعية، وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية: " فمسألة الكليات والأحوال وعروض العموم لغير الألفاظ من جنس واحد، ومن فهم الأمر على ما هو عليه، تبين له أنه ليس في الخارج شيء هو بعينه موجود في هذا وهذا". (٣)
والسؤال الذي يتبادر للذهن هنا ما المسائل المتعلقة بهذه المسألة، وما الأقوال الواردة في كل مسألة؟
ودونك الجواب على ذلك:
المسألة الأولى: مواقف الناس من نصوص الأسماء والصفات هل هي على الحقيقة أم على المجاز.
فنصوص الأسماء والصفات التي أطلقت على الله تعالى وعلى خلقه، وقد وقف الناس منها مواقف (٤):
стр. 319
• فطائفة قالت: إن هذه الأسماء والصفات هي مجاز في حق الخالق، حقيقة في حق المخلوق.
وهذا قول غلاة المعطلة من فلاسفة باطنيين وجهمية وغيرهم، وقولهم هذا يعني أن هذه الأسماء والصفات المتواطئة هي أتم وأكمل عند المخلوق منفية عن الخالق سبحانه وهي بالنسبة له ﷻ مجرد تمثيل وتقريب لما هو حقيقة في العبد.
• وطائفة قالت: هي حقيقة في الخالق، مجاز في المخلوق.
وهذا قول أبي العباس الناشئ (١) ومن وافقه " وهو قول باطل فإنه يلزمهم صحة نفي هذه الأسماء عن المخلوق مع أنها حقيقة فيه، ويلزمهم التناقض أيضا، فإنهم إن أثبتوا للرب تعالى حقائقها المفهومة منها امتنع أن تكون مجازا في المخلوق، لأن المعنى الذي كانت به حقيقة في الغائب موجود في الشاهد وإن كان غير مماثل، وإن أثبتوها على غير حقائقها المفهومة، وجعلوا معناها ما تأولوها قلبوا الحقائق وعكسوا اللغة وجعلوا المجاز حقيقة، والحقيقة مجازا (٢).
• وطائفة ثالثة قالت: إن هذه الأسماء والصفات هي حقيقة في الخالق والمخلوق.
وهذا القول هو قول جمهور الطوائف.
وعلاقة هذه المسألة بمسألة القدر المشترك أنه إذا تأملنا في قول الطائفة الثالثة وهو القول الصواب، نجد أن القائلين اختلفوا في كيفية الجمع بين قولهم هذا بإطلاقه
стр. 320
وبين انتفاء تماثل الحقيقتين:
o فمنهم من قال هذه الأسماء والصفات مقولة على الله تعالى وعلى خلقه من باب الاشتراك اللفظي.
o وقال آخرون إنها من باب التواطؤ.
o وثالثهم رأى أنها من باب الألفاظ المشككة.
فكان الجمع على ثلاثة أقوال (١):
القول الأول: أن هذه الأسماء والصفات مقولة على الخالق والمخلوق من باب الاشتراك اللفظي، ولا يعرف هذا القول عن طائفة كبيرة ولا نظار مشهورين كما يقوله ابن تيمية ولكنه عرف عن بعض المتأخرين (٢) كأمثال الشهرستاني (٣) والرازي (٤) والآمدي (٥)، وقول هؤلاء مبني على اختلاف الحقيقة بين الخالق
стр. 321
والمخلوق فلا يمكن أن تكون هذه الأسماء والصفات إلا من باب الاشتراك اللفظي-عندهم-وقولهم هذا يستلزم التعطيل الكلي بنفي الصفات أو التعطيل الجزئي بنفي المعنى وهو التفويض المعروف" (١).
القول الثاني: أنها مقولة على الله تعالى وعلى عباده من باب التواطؤ، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ﵀، وقال: "وإذا لم تكن أسماؤه متواطئة لم يفهم العباد من أسمائه شيئا أصلا إلا أن يعرفوا ما يخص ذاته، وهم لم يعرفوا ما يخص ذاته فلم يعرفوا شيئاً (٢).
القول الثالث: أنها مقولة على الله تعالى وعلى العبد بطريق التشكيك، وقالوا لأن هذه الأسماء والصفات في حق الخالق هي أتم وأكمل منها في حق المخلوق.
والراجح: ولا إشكال هنا كبير بين القولين الثاني والثالث، إذا عرفنا أن المشكك نوع خاص من المتواطئ، يقول شيخ الإسلام ﵀ في سياق ذكر الخلاف في المشككة هل هي نوع من المتواطئ أم لا، قال: "والراجح الذي عليه المحققون أن المشككة ليست خارجة عن جنس المتواطئة، إذ واضع اللغة إنما وضع اللغة بإزاء
стр. 322
القدر المشترك وإن كانت نوعا مختصا من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها بلفظ، ولذلك كان المتقدمون من نظار الفلاسفة وغيرهم لا يخصون المشككة باسم بل لفظ المتواطئ يتناول ذلك كله، فهي إذا قسم المتواطئ الخاص الذي هو قسم من أقسام المتواطئ العام " (١).
ومع هذا فإننا لو قلنا إنها تطلق على الله تعالى وعلى خلقه من باب التشكيك فإن معاني الصفات في حق الله تعالى أولى منها في العبد، وهي حقيقة فيهما (٢).
بعد هذا، بقي معنا أن نقول إن هذه الأسماء والصفات المقولة على الله تعالى وعلى عباده هي من قبيل الألفاظ المتواطئة أي أن هذه الأسماء اتفقت ألفاظها وانطبقت على أفرادها في الخارج بالسوية، ولقائل أن يقول كيف يمكن أن تنطبق هذه الألفاظ وقد أطلقناها على أفرادها وهم هنا الخالق سبحانه والعبد المخلوق-بالسوية-وقد علمنا انتفاء تماثل الحقيقتين هاتين؟؟
فنقول إن الذي يوضح هذه بجلاء هو إثبات القدر المشترك ويتضح بما يلي:
أولا: أن هذه الألفاظ هي موضوعة للقدر المشترك وهو المسمى الكلي العام، فبهذا تكون متواطئة بالمعنى العام أي أنها متساوية الأفراد في المعنى الكلي العام، وإذا جاءت الخصائص فإنها لا تدخل في هذا المسمى العام. يقول ابن قدامة ﵀: " والرجل له وجود في الأعيان، والأذهان، واللسان، فوجوده في الأعيان لا عموم له إذ ليس في الوجود رجل مطلق بل إما زيد وإما عمرو، وأما وجوده في اللسان فلفظة (الرجل) قد وضعت للدلالة عليها. وأما الذي في الأذهان من معنى الرجل فيسمى
стр. 323
كليا، فإن العقل يأخذ من مشاهدة زيد: حقيقة الإنسان وحقيقة الرجل، فإن رأى عمرا لم يأخذ منه صورة أخرى، وكان ما أخذه من قبل نسبته إلى عمرو الحارث كنسبته إلى زيد الذي عهده أولا … " (١).
وبهذا نعلم أن لكل ماهيتين معنى عاماً اشتركا فيه ومعنى خاصاً افترقا فيه، فالمعنى العام الذي اشتركا فيه هو القدر المشترك الذي لا يقتضي تماثلا من كل وجه، وحين تكون الخصائص والإضافات تتمايز هاتان الماهيتان وهو القدر المميز.
يقول شيخ الإسلام ﵀ وهو يحاور ابن المرحل (٢) الشافعي: " المعاني الدقيقة تحتاج إلى إصغاء واستماع وتدبر، وذلك أن الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز، واللفظ يطلق على كل منهما، فقد يطلق عليها باعتبار ما تمتاز كل ماهية عن الأخرى، فيكون مشتركا كالاشتراك اللفظي، وقد يكون مطلقا باعتبار القدر المشترك بين الماهيتين فيكون لفظا متواطئة … " (٣).
المسألة الثانية: الأسماء المتواطئة إما أن تستعمل مطلقة وعامة وإما أن تستعمل مقيدة خاصة (٤).
o ففي حال استعمالها مطلقة لا تدل إلا على القدر المشترك، إذ أن هذا الإطلاق لا يكون تصوره إلا في الذهن ولا يمكن وجوده في الخارج كليا مطلقا، " ومعنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا لأن الموجودات في الخارج لا يشارك أحدها
стр. 324
الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته " (١).
o وفي حال استعمالها مقيدة بإضافة تعريف فإنها تدخلها الخصائص، فإذا كان العلم هو معنى مطلقا فإننا نخصه بعلم البشر إن أضفناه لزيد ونجعل له من الخصائص ما يليق بعلم البشر وكذا الأمر عندما نقيد العلم ونضيفه إلى الله تعالى فإنه سيكون على ما يليق به سبحانه. فإذا إذا استعملت هذه الألفاظ خاصة معينة دلت على ما يختص به المسمى لم تدل على ما يشركه فيه غيره في الخارج، فإن ما يختص به المسمى لا شركة فيه بينه وبين غيره (٢).
ونشير هنا إلى نقطة مهمة أشار إليها شيخ الإسلام ﵀ بقوله: " فإذا قيل: علم زيد، ونزول زيد، واستواء زيد، ونحو ذلك لم يدل هذا إلا على ما يختص به زيد من علم ونزول واستواء ونحو ذلك، لم يدل على ما يشركه فيه غيره، لكن لما علمنا أن زيدا نظير عمرو، علمنا أن علمه نظير علمه، ونزوله نظير نزوله .. فهذا علمناه من جهة القياس والمعقول والاعتبار لا من جهة دلالة اللفظ فإذا كان هذا في صفات المخلوق فذلك في صفات الخالق أولى، فإذا قيل: علم الله، وكلام الله، ونزوله … ونحو ذلك على ما يشركه فيه أحد من المخلوقين بطريق الأولى، ولم يدل ذلك على مماثلة الغير له في ذلك كما دل في زيد وعمرو، لأنا هناك علمنا التماثل من جهة الاعتبار والقياس لكون زيد مثل عمرو، وهنا نعلم أن الله لا مثل له ولا كفؤ ولا ند، فلا يجوز أن نفهم من ذلك أن علمه مثل علم غيره، ولا كلامه مثل كلام غيره، ولا نزوله مثل نزول غيره … ولهذا كان مذهب السلف والأئمة إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات … " (٣).
стр. 325
المسألة الثالثة: أن إثبات القدر المشترك فيه رد على المشبهة والمعطلة.
فمما سبق يتبين أن إثبات القدر المشترك لازم لإثبات الصفات، وأنه من خلاله عرفنا الله وعرفنا بنفسه سبحانه، وليس ثمة محذور يخشى من إثباته لأمور (١).
١ - معرفتنا بحقيقة القدر المشترك المعرفة التامة تعطينا التصور الصحيح للعلاقة في هذه الأسماء المتواطئة بين الخالق والمخلوق، وأن القدر المشترك هو اشتراك في معنى اللفظ العام (٢)، وهو يطلق على الله تعالى وعلى العبد بإطلاق كلي وأما الاشتراك بينهما في الخارج فلا يكون بكلي أبداً بل لا بد من وقوعه في الخارج متميزا متعينا، وهذا القدر المشترك لا يقتضي أبدا الاشتراك فيما يختص به أحدهما، قال شيخ الإسلام ﵀: "والقدر المشترك كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه .. " (٣).
٢ - لا يلزم من إثبات القدر المشترك الوقوع في التشبيه الممتنع شرعا وعقلا فإن اتفاق المسميين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نفته الأدلة السمعية والعقلية وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه فلا يجوز أن يشركه مخلوق في شيء من خصائصه (٤).
٣ - إثبات القدر المشترك من لوازم الوجود، فكل موجودين لابد بينهما من
стр. 326
مثل هذا، ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود، ولهذا لما اطلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة؛ لأن رفع القدر المشترك ألزمهم تعطيل وجود كل موجود" (١).
هذه أهم النقاط المتعلقة بإثبات القدر المشترك وأنه لا يوجد ما يمنع من إثباته، وتلك أهم المسائل المتعلقة بدلالات الألفاظ على هذه المسألة ذكرناها-هنا-ليتم بها الحديث عن طريقة أهل السنة في إثباتهم للقدر المشترك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وآخرون توهموا أنه إذا قيل: الموجودات تشترك في مسمى الوجود، لزم التشبيه والتركيب، فقالوا: لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي، فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث، ونحو ذلك من أقسام الموجودات.
وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى الوجود، لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه، وزعموا أن في الخارج عن الأذهان كليات مطلقة، مثل وجود مطلق، وحيوان مطلق، وجسم مطلق ونحو ذلك، فخالفوا الحس والعقل والشرع، وجعلوا ما في الأذهان ثابتًا في الأعيان، وهذا كله من نوع الاشتباه.
ومن هداه الله فرق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما بينهما من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف" (٢).
المسألة الرابعة: مسألة الحال.
وهذا الموضع منشأ زلل كثير من المنطقيين في الكليات، وكثير من المتكلمين في مسألة الحال. وبسبب ذلك غلط من غلط من هؤلاء وهؤلاء في الإلهيات فيما يتعلق
стр. 327
بهذا، فإن المتكلمين أيضا رأوا أن الأشياء تتفق بصفات وتختلف بصفات، والمشترك غير المميز، فصاروا حزبين:
الحزب الأول: أثبت هذه الأمور في الخارج، لكنه قال: لا موجودة ولا معدومة، لأنها لو كانت موجودة لكانت أعيانا موجودة أو صفات للأعيان، ولو كانت كذلك لم يكن فيها اشتراك وعموم، فإن صفة الموصوف الموجودة لا يشركه فيها غيره.
الحزب الثاني: وآخرون علموا أن كل موجود مختص بصفة فقالوا: لا عموم ولا اشتراك إلا في الألفاظ دون المعاني.
والتحقيق: أن هذه الأمور العامة المشترك فيها هي ثابتة في الأذهان، وهي معاني الألفاظ العامة، فعمومها بمنزلة عموم الألفاظ، فالخط يطابق اللفظ، واللفظ يطابق المعنى، والمعنى عام، وعموم اللفظ يطابق عموم المعنى، وعموم الخط يطابق عموم اللفظ.
المسألة الخامسة: هل العموم يكون في عوارض المعاني.
وقد اتفق الناس على أن العموم يكون من عوارض الألفاظ، وتنازعوا هل يكون من عوارض المعاني؟
القول الأول: فقيل: يكون أيضا من عوارض المعاني، كقولهم مطر عام، وعدل عام، وخصب عام.
القول الثاني: وقيل: بل ذلك مجاز؛ لأن المطر الذي حل بهذه البقعة ليس هو المطر الذي حل بهذه البقعة، وكذلك الخصب والعدل.
والتحقيق: أن معنى المطر القائم بقلب المتكلم عام كعموم اللفظ سواء، بل اللفظ دليل على ذلك المعنى، فكيف يكون اللفظ عاما دون معناه الذي هو المقصود بالبيان!
стр. 328
فأما المعاني الخارجية فليس فيها شيء بعينه عام، وإنما العموم للنوع: كعموم الحيوانية للحيوان، والإنسانية للإنسان.
فمسألة الكليات والأحوال وعروض العموم لغير الألفاظ من جنس واحد، ومن فهم الأمر على ما هو عليه، تبين له أنه ليس في الخارج شيء هو بعينه موجود في هذا وهذا". (١)
المسألة السادسة: إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا.
قال ابن تيمية: " فإذا أخبرنا الله تعالى عن الأمور الغائبة فلابد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة، والاشتباه الذي بينهما، وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة، ثم إن كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر الفارق كما تقدم في قصص الأمم، وإن لم يكن مثلها بين ذلك بذكر الفارق بأن يقال: ليس ذلك مثل هذا ونحو ذلك، وإذا تقدر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق، وانتفاء التساوي لا يمنع منه وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك، وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط.
ومثل هذه المعاني تسير وفق ترتيب نستطيع من خلاله إدراكها:
فأولا: لابد من إدراك المعاني الحسية المشاهدة.
وثانيا: أن يعقل معانيها الكلية.
وثالثا: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية.
فهذه المراتب الثلاثة لابد منها في كل خطاب.
стр. 329
وخلاصة الأمر أن الإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد مع العلم بالفارق المميز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد" (١).
فنحن نعلم أن الله سبحانه لما خلق الخلق جعله على قسمين: غيب وشهادة، فأما عالم الشهادة، فهو مدرك لرؤيته أو لرؤية نظيره، «والشيء إنما تدرك حقيقته إما بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره» (٢).
ومن الغيب: الله ، ومنه ما هو مخلوق كالملائكة والجنة والنار، وما بعد الموت، وعلى هذا جرى تفسير بعض السلف، قال الربيع بن أنس ﵀: (الذين يؤمنون بالغيب) (البقرة: ٣)، آمنوا بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه وآمنوا بالحياة بعد الموت، فهذا كله غيب (٣).
وعن قتادة (٤) ﵀ قال في قوله تعالى: (الذين يؤمنون بالغيب) قال: «آمنوا بالجنة والنار والبعث بعد الموت وبيوم القيامة، وكل هذا غيب (٥).
وقال عطاء بن أبي رباح (٦) ﵀: «من آمن بالله فقد آمن بالغيب» (٧)،
فلما كان
стр. 330
الله تعالى غيبا عنا لم نحط به ولم ندركه، وقد ذكر لنا سبحانه، كثيرا من أسمائه وصفاته لنتعبد بها فإنا نعتبر الغائب بالمشاهد وإن كنا نؤمن أن ما أخبرنا الله تعالي به عن نفسه سبحانه لم يدرك العباد مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه، لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه (١).
ويتبين هذا بأن في معارفنا أموراً لم تخرج من أذهاننا، وإنما هي باقية فيها بالمعنى الكلي لها، وإذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا، فلولا أننا رأينا الناس وأدركنا الأمور الحسية كالجوع والعطش لم نفهم ما يقال لنا في هذه الأمور، لولا أننا رأيناها وأدركناها ووقع لنا ما يشابهها، وكل خطاب يحمل معان لا يمكن فهمها إلا أن يعرف عينها أو ما يناسب عينها، ويكون بينهما قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى وإلا فلا يحصل للخطاب مقصود البتة «لأن القصد بالإخبار والوصف تعريف المخاطبين، والمخاطبون لا يعرفون الخصوصيات التي هي خصوص ذات الله وصفاته، فلو أخبروا بذلك وحده مجرداً لم يعرفوا شيئا، بل ربما أنكروا ذلك، فإذا خوطبوا بالمعاني المشتركة وأزيل مفسدة الاشتراك بما يقطع التماثل بقي المخاطبون أحد رجلين … » (٢).
ومن هنا قرر شيخ الإسلام ﵀ أنه لابد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ المتواطئ، فبهذه الموافقة والمشاركة المشابهة والمواطأة نفهم الغائب ونثبته، وهذه خاصة العقل، ولولا ذلك لم نعلم ما نحسه ولم نعلم أمورا عامة ولا أمورا غائبة عن إحساسنا الباطن والظاهر، ولهذا من لم يحس الشيء ولا نظيره لم يعرف حقيقته.
стр. 331
المسألة السابعة: التفاوت والتمايز أولى أن يكون بين صفات الخالق سبحانه وصفات خلقه.
وفي ذكر القدر المشترك بين صفات الله سبحانه وصفات خلقه إنما نذكرها من باب قياس الأولى (١)، حتى لا يكون هناك تشبيه له سبحانه بخلقه، ويمكن أن ينطبق هنا ما قرره الإمام أحمد ﵀ عندما قال: «اعلم أن الشيئين إذا اجتمعا في اسم يجمعهما فكان أحدهما أعلى من الآخر، ثم جرى عليهما اسم مدح فكان أعلاهما أولى بالمدح، وأغلب عليه، وإن جرى عليه اسم ذم فأدناهما أولى به» (٢) مع-بداهة العلم-أن الله تعالى وتقدس أن يجري عليه اسم ذم سبحانه، فكما مر معنا - التفاوت بين حقائق المسميات المشتركة بين خلقه مع وجود قدر مشترك علمنا منه تلك الأسماء ومعانيها.
- فإن التفاوت والتمايز أولى أن يكون بين صفات الخالق سبحانه وصفات خلقه، ذلك أن: «الله تعالى لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله سبحانه لا مثيل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشترك هو والمخلوق في قياس تمثيل ولا في قياس شمول (٣) تستوي أفراده، ولكن يستعمل في حقه المثل الأعلى وهو: أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزه عن مماثلة المخلوق مع المماثلة في الاسم، فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة
стр. 332
المخلوق وإن حصلت موافقته في الاسم» (١).
والله سبحانه أخبر أنه لا مثل له ولا كفؤ ولا نظير فإن «اسم الله (الصمد) يتضمن صفات الكمال، والاسم (الأحد) يتضمن نفي المثل (٢).
وقد علم أن أهل السنة والجماعة أثبتوا لله تعالى الصفات مع نفي مماثلتها الصفات خلقه، فهو سبحانه ذو الجلال وذو الكمال، المتصف بالكمال المطلق، المنزه عن النقص مطلقا.
قال أبو يوسف (٣) ﵀: «قد أمرنا الله أن نوحده، فليس التوحيد بالقياس؛ لأن القياس يكون في شيء له شبه ومثل، فالله تعالى وتقدس لا شبه له ولا مثل له، تبارك الله أحسن الخالقين، ثم قال: ويدرك التوحيد بالقياس وهو خالق الخلق بخلاف الخلق، ليس كمثله شيء ﵎» (٤)
المسألة الثامنة: القدر المشترك أو ما يسمى المعنى العام ليس من لوازمه ما ينفى عن الله، بل لوازمه كلها صفات كمال يوصف الله بها.
قال ابن تيمية: "أن يقال هب أنه حصل بين المسميين قدر مشترك هو ما اتفقا فيه، وهو المعنى العام الكلي، لكن هذا المعنى العام الكلي لا يكون كليا إلا في الذهن لا في الخارج، لكن ما كان لازما لهذا المعنى العام كان لازما للموصوف به، وهذا لا محذور فيه، بل هو حق، فإذا كان الخالق موجودا والمخلوق موجودا، أو
стр. 333
هذا قائم بنفسه وهذا قائم بنفسه، أو قيل: هذا حي عليم رحيم، وقيل: هذا حي عليم رحيم، كان القدر العام الكلي المتفق هو مسمى الوجود والقيام بالنفس والحياة والعلم والرحمة أو مسمى أنه موجود قائم بنفسه حي عالم رحيم.
وهذا المعنى العام ليس من لوازمه ما ينفى عن الله، بل لوازمه كلها صفات كمال يوصف الله بها، وإنما يكون لوازمه صفة نقص إذا قيّد بالعبد فقيل: وجود العبد وعلم العبد ورحمة العبد، فالنقص يلزمه إذا كان مقيدا مختصا بالعبد، والله منزه عما يختص به العبد.
وأما إذا اتصف الرب به أو أُخذ مطلقا غير مختص بالعبد ففي هذين الحالين لا يلزمه شيء من النقائص أصلا، فتبين أن إثبات القدر العام المتفق عليه لا محذور فيه أصلا (١) ".
المسألة التاسعة: الأسماء والصفات تنقسم إلى قسمين:
قسم يختص به الله.
وقسم يوصف به الله ويوصف به العبد.
• وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن الأسماء والصفات نوعان:
• فنوع يختص بالله تعالى مثل الإله، ورب العالمين، ونحو ذلك، فهذا لا يثبت للعبد بحال.
• ونوع يوصف به العبد في الجملة كالحي والعالم، فهذا لا يجوز أن يثبت للعبد مثل ما يثبت للرب أصلا.
ثم بين ﵀ أن هذا النوع الثاني لا يلزم منه التماثل، وبين ذلك بأمور:
стр. 334
١ - أن ما يختص به الرب سبحانه، فهذا ما يجب له ويجوز ويمتنع عليه، ليس للعبد فيه نصيب.
٢ - وما يختص بالعيد كعلمه وقدرته وحياته، فهذا إذا جاز عليه الحدوث والعدم لم يتعلق ذلك بعلم الرب وقدرته، وحياته، فإنه لا اشتراك فيه.
٣ - المطلق الكلي، وهو مطلق الحياة والعلم والقدرة، فهذا المطلق ما كان واجباً له كان واجبا فيها، وما كان جائزاً عليه كان جائزاً عليها، وما كان ممتنعا عليه كان ممتنعا عليهما، فالواجب أن يقال: هذه صفة كمال حيث كانت، ويجوز أن تقارن هذه في كل محل، وأما الممتنع عليهما فيمتنع أن تقوم هذه الصفات إلا بموصوف قائم بنفسه، وهذا المطلق الكلي وهو الذي من خلاله نفهم ما خوطبنا به" (١).
فعلم من هذا القدر المشترك أن وجوده الذهني على الإطلاق، وأما إذا خرج وأضيف فإنه يدخله الخصائص، فظاهر ما أضيف لله مختص به على ما يليق به سبحانه، وظاهر ما أضيف للمخلوق مختص به لائق به (٢).
• ومما يزيد الأمر وضوحا أن الحس والواقع يشهد بأن تماثل الأسماء لا يقتضي التشابه، والأمثلة كثيرة جدا، ومنها: للإنسان يد وللحيوان يد، فلا هذه تشبه هذه ولا تلك تشبه تلك، وإنما بينهما فارق ملموس، وهذا إنما علمناه بالمشاهدة، فإذا تصورنا هذا الفارق بين المخلوقات، فإن الفارق بين الخالق والمخلوق من باب أولى.
ومما يجدر التنبيه له أن إثبات الصفات الله تعالى لا تقتضي بالضرورة مشابهتها
стр. 335
للعبد، وهذا هو الذي جعل النافين للصفات يصلون لهذا، ذلك أنهم ظنوا أن ما وصف الله به نفسه من جنس ما توصف به أجسام العباد، فيرون ذلك مستلزما للجمع بين النقيضين، وذلك مثل إنكارهم لنزول الله تعالى؛ لأنهم رأوا فيه جمعا بين كونه فوق العرش ومع نزوله، وهذا ممتنع في مثل أجسامهم (١).
المسألة العاشرة: أن بين المخلوقات قدراً مميزاً، فالخالق أولى بذلك.
إذا تأملنا في مخلوقات الله تعالى نجد أن هناك مخلوقات لم يستطع العباد أن يدركوا كنهها مع قربها منهم، ومن أوضح ما يدل على ذلك: الروح (٢)، فإنها مخلوقة، ولم يدرك العبد كنهها، بل إنها تختلف عن البدن، مع أن كليهما ملاصق للإنسان، فالروح تتكلم وتسمع وتبصر وتنزل وتصعد؛ كما ثبت بالنصوص الصحيحة والمنقولات الصريحة، ومع ذلك فليست صفاتها وأفعالها كصفات البدن وأفعاله، فإذا لم يجز أن يقال: إن صفات الروح وأفعالها مثل صفات الجسم الذي هو الجسد وهي مقرونة به، وهما جميعا الإنسان، فإذا لم يكن روح الإنسان مماثلا للجسم الذي هو بدنه، فكيف يجوز أن يجعل الرب ﵎ وصفاته وأفعاله مثل الجسم وصفاته وأفعاله (٣)، وأهل القول هم أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه سبحانه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها (٤).
стр. 336
مناظرة مع الأشعري
المتن
قال المصنف ﵀: "يتبين هذا بأصلين شريفين، ومثلين مضروبين- ولله المثل الأعلى- وبخاتمة جامعة.
فصل:
فأما الأصلان: فأحدهما- أن يقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض.
فإن كان المخاطب ممن يقرّ بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة. ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات.
قيل له: لا فرق بين ما نفيتَه وبين ما أثبتَّه، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل.
وإن قلت: له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به. قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به.
وإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام.
قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قلت: هذه إرادة
стр. 337
المخلوق. قيل لك: وهذا غضب المخلوق.
وكذلك يُلْزَم بالقول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته، إن نفى عن الغضب والمحبة والرضا ونحو ذلك ما هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتف عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات، وإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه. قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة.
فهذا المُفرِّق بين بعض الصفات وبعض، يقال له فيما نفاه كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته، فإذا قال المعتزلي: ليس له إرادة ولا كلام قائم به، لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات، فإنه يُبَيِّنْ للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها القديم، ولا تكون كصفات المحدثات. فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك.
فإن قال: تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك.
قال له سائر أهل الإثبات: لك جوابان:
أحدهما: أن يقال: عدم الدليل المعيَّن لا يستلزم عدم المدلول المعيَّن، فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل، كما على المثبت. والسمع قد دل عليه، ولم يعارض، ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالمُ عن المعارِض المقاوم.
الثاني: أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبتَّ به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة،
стр. 338
وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكفار يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته- وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة- تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأَوْلَى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة".
الشرح
لما ذكر المصنف جوانب التأصيل والتقرير لمسائل إثبات الصفات شرع هنا في بيان جوانب الردود على أهل التعطيل على اعتبار أن المعطلة هم درجات في تعطيلهم لأسماء الله وصفاته:
فمنهم من ينفي جميع أسماء الله وصفاته وهم الجهمية.
ومنهم من يثبت الأسماء وينفي جميع الصفات وهم المعتزلة ومن وافقهم.
ومنهم من يثبت بعض الصفات وينفي بعضها على تفاوت في مقدار ذلك وهم الكلابية والأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم.
وفي كلام المصنف هنا مسائل:
المسألة الأولى: موقف الصفاتية-وهم الكلابية والأشاعرة والماتريدية-من صفات الله.
فالمصنف بدأ بالرد على متأخري الأشاعرة وعلى الماتريدية، من خلال الأصل الأول الذي عقده لهذا الغرض وهو "القول في بعض الصفات كالقول في بعض".
فقول المصنف: "فإن كان المخاطب ممن يقرّ بأن الله حي بحياة، عليم بعلم،
стр. 339
قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة. ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات". يعني به تحديدًا قول الأشاعرة المتأخرين ومعهم الماتريدية، ولمعرفة موقف الأشاعرة والماتريدية من صفات الله يحسن إعطاء نبذة مختصرة عن عقيدتهم في صفات الله:
فالأشاعرة ينقسمون إلى متقدمين ومتأخرين
أما قدماء الأشاعرة ومعهم الكلابية ومن وافقهم فهؤلاء: يتلخص قولهم في النقاط الآتية:
أولاً: يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.
ثانياً: ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.
ثالثاً: أما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها. (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب
стр. 340
عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.
وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (١)
أما المتأخرين من الأشاعرة ومعهم الماتريدية:
فالمعروف عن متأخري الأشاعرة والماتريدية من أهل الكلام تقسيمهم الصفات إلى أربعة أقسام:
١ - صفات المعاني. ٢ - الصفات المعنوية
٣ - الصفات السلبية. ٤ - الصفة النفسية
القسم الأول: صفات المعاني.
وضابطها في اصطلاحهم هي: ما دل على معنى وجودي قائم بالذات ولم يقر هؤلاء إلا بسبع منها هي، الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. ونفوا ما عداها من صفات المعاني كالرأفة والرحمة والحلم (٢)
وهي القدر الذي عند هؤلاء من الإثبات، أما الأقسام الثلاثة الباقية ليس فيها إثبات على الحقيقة
القسم الثاني: الصفات المعنوية وضابطها: هي الأحكام الثابتة للموصوف بها معللة بعلل قائمة بالموصوف وهي كونه (حياً، عليماً، قديراً، مريداً، سميعاً، بصيراً، متكلماً) وهذا العد لا وجه له لأنه في الحقيقة تكرار لصفات المعاني المتقدم ذكرها
ثم إن من عدها من هؤلاء عدوها بناءً على ما يسمونه الحالة المعنوية التي
стр. 341
يزعمون أنها واسطة ثبوتية لا معدومة ولا موجودة (١)
والتحقيق أن هذا خرافة وخيال. وأن العقل الصحيح لا يجعل بين الشييء ونقيضه واسطة البتة فكل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعاً، وكل ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعاً ولا واسطة البتة كما هو معروف عند العقلاء (٢)
القسم الثالث: الصفات السلبية: وضابطها عندهم: ما دل على سلب ما لا يليق بالله عن الله من غير أن يدل على معنى وجودي قائم بالذات
والذين قالوا هذا جعلوا الصفات السلبية خمساً لا سادس لها (٣) وهي عندهم: القِدَمُ، البقاء، والمخالفة للحوادث، والوحدانية، والغنى المطلق الذي يسمونه القيام بالنفس الذي يعنون به الاستغناء عن المخصص والمحل (٤)
وعلى ضابطهم الذي ذكروه فإن هذه الخمس لا تتضمن معنى وجودياً. وإنما تتضمن أمراً سلبياً فعلى سبيل المثال: القدم: المقصود بها نفي الحدوث
والبقاء: المقصود بها نفي الفناء
والوحدانية: المقصود بها نفي النظير المساوي له
والقيام بالنفس: عدم افتقاره للمحل وعدم افتقاره للمخصص: أي الموجد
القسم الرابع: الصفة النفسية وضابطها هي: كل صفة إثبات لنفس لازمة ما
стр. 342
بقيت النفس غير معللة بعلل قائمة بالموصوف
وهي عندهم صفة واحدة هي: الوجود. وهي عندهم لا تدل على شيء زائد على الذات
يقول شارح جوهرة التوحيد: "واعلم أن الوجود صفة نفسية وإنما نسبت للنفس أي الذات، لأنها لا تتعقل إلا بها فلا تتعقل نفس إلا بوجودها، والمراد بالصفة النفسية: صفة ثبوتية يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها
فقولنا: "صفة" كالجنس
وقولنا: "ثبوتية" يخرج السلبية كالقدم والبقاء.
وقولنا: "يدل الوصف بها على نفس الذات" معناه أنها لا تدل على شييء زائد على الذات
وقولنا: "دون معنى زائد عليها" تفسير مراد لقولنا (على نفس الذات) ويخرج بذلك المعاني لأنها لا تدل على معنى زائد على الذات، وكذلك (المعنوية) فإنها تستلزم المعاني فهي تدل على معنى زائد على الذات لاستلزامها المعاني" (١)
وبهذا يعلم أنه ليس عند هؤلاء من الإثبات إلا الصفات السبع التي يسمونها صفات المعاني وهي، الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام وما عداها من الصفات الثبوتية لا يثبتونها ولهم في نصوصها أحد طريقين إما التأويل أو التفويض وفي هذا يقول قائلهم:
وكل نص أوهم التشبيها … أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورم تنزيها (٢)
فنصوص الصفات التي وردت في إثبات ما عدا الصفات السبع التي يثبتونها،
стр. 343
يسمونها نصوصاً موهمة للتشبيه، فهم يصرفونها عن ظاهرها، ولكنهم تارة يعينون المراد كقولهم استوى: استولى، واليد: بمعنى النعمة والقدرة؛ وتارة يفوضون فلا يحددون المعنى المراد ويكلون علم ذلك إلى الله . ولكنهم يتفقون على نفي الصفة لأن ناظمهم يقول: "ورم تنزيهاً" وشارح الجوهرة يقول: "أو فوض" أي بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فبعد هذا التأويل فوض المراد من النص الموهم إليه تعالى (١).
فهم بذلك متفقون على نفي تلك الصفات، ويخيرون في تحديد المعنى المراد أو السكوت عن ذلك
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية- موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:
أحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد
والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في "الرسالة النظامية" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب
ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات. ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي" (٢)
وقال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه أضواء البيان: "اعلم أن المتكلمين قسموا صفاته جلا وعلا إلى ستة أقسام:
стр. 344
١ ـ صفة نفسية
٢ ـ صفة سلبية
٣ ـ صفة معنى
٤ ـ صفة معنوية
٥ ـ صفة فعلية
٦ ـ صفة جامعة مثل العلو والعظمة مثلاً.
والصفة الإضافية هي تتداخل مع الفعلية
لأن كل صفة فعلية من مادة متعدية إلى المفعول كالخلق والإحياء والإماتة فهي صفة إضافية، وليست كل صفة إضافية فعلية، فبينهما عموم وخصوص من وجه، يجتمعان في نحو الخلق والإحياء والإماتة
وتتفرد الفعلية في نحو الإستواء وتتفرد الإضافية في نحو كونه تعالى موجود قبل كل شييء، وأنه فوق كل شييء، لأن القَبْلِيَّةَ والفوقيَّةَ من الصفات الإضافية وليستا من صفات الأفعال" (١).
احتج الأشاعرة في إثباتهم للصفات السبع بأن العقل قد أثبت هذه الصفات ودل عليها كما يلي:
القدرة: دل عليها الفعل الحادث: والفعل هنا مصدر بمعنى المفعول، والمقصود وجود المخلوقات.
والإرادة: دل عليها التخصص: أي تميز كل شيء بميزة تخصه من صفة أو وقت أو مكان دليل على إرادة الله لذلك.
العلم: دل عليه الإحكام والإتقان في المخلوقات، فهذا لا يكون إلا بكمال
стр. 345
العلم.
الحياة: لأن القدرة والإرادة والعلم لا تقوم إلا بالحي فهي مستلزمة للحياة.
السمع والبصر والكلام: لأن الحي لا يخلو من السمع والبصر.
والكلام أو ضدها من الصمم والعمى والخرص، وهذه الأضداد نقائص يتنزه الله عنها فوجب إثبات الكمال له.
وبهذه الدلالات العقلية أثبت الأشاعرة تلك الصفات" (١).
المسألة الثانية: استعمال هذا الرد على جميع نفاة الصفات.
والرد عليهم من وجوه:
الوجه الأول: قول المصنف: "قيل له: لا فرق بين ما نفيتَه وبين ما أثبتَّه، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر".
هذا الرد استعمله علماء أهل السنة باعتباره أحد الأدلة في الرد على من أنكر إثبات الصفات، فهو من أقوى ما يرد به على نفاة الصفات جميعها: كالمعتزلة والجهمية، ومن أحكم ما يرد به على نفاة بعض الصفات: كالأشاعرة والماتريدية، من أجل ذلك جعلها شيخ الإسلام ابن تيمية الأصل الأول الذي بنى عليه جوابه لمن سأله أن يجمع له مضمون القول في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر؛ فيقول ﵀: "ويتبين هذا بأصلين شريفين، ومثلين مضروبين - ولله المثل الأعلى-، وبخاتمة جامعة؛ فأما الأصلان:
فأحدهما أن يقال: "القول في بعض الصفات كالقول في بعض" (٢).
فصفات الله تعالى: هي نعوت الكمال القائمة بالذات: كالعلم والحكمة والسمع
стр. 346
والبصر (١).
وأسماء الله تعالى تتضمن صفات له سبحانه: فأسماء الله تعالى هي كل ما دلَّ على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به: مثل القادر، العليم، الحكيم، السميع، البصير، فإن هذه الأسماء دلت على ذات الله، وعلى ما قام بها من العلم والحكمة والسمع والبصر (٢).
فلا فرق في إثبات صفات الله تعالى؛ إذ الأصل في إثباتها هو الكتاب والسنة، فما أثبته الله تعالى في كتابه وصفًا له سبحانه أثبتناه، وكذا ما أثبته له رسوله ﷺ .
وعليه فإن أهل السنة والجماعة يسوقون الكلام في صفات الله تعالى سوقًا واحدًا، فلا يفرقون بين إثبات صفة السمع والبصر لله تعالى وسائر الصفات الأخرى؛ لأنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيثبتون للهما أثبته لنفسه مما ورد في الكتاب السنة الصحيحة من الأسماء والصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل.
فهذا الرد لا يقتصر فيه على متأخري الأشاعرة، فهو يستدل به في الرد على المخالفين من نفاة صفات الله تعالى جميعًا، أو نفاة بعضها.
ولهذا قال المصنف: "فهذا المُفرِّق بين بعض الصفات وبعض، يقال له فيما نفاه كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته.
فإذا قال المعتزلي: ليس له إرادة ولا كلام قائم به، لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات، فإنه يُبَيِّنْ للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها القديم، ولا تكون
стр. 347
كصفات المحدثات. فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك".
فبهذا نرد على عدة طوائف:
أ-فالذين يثبتون بعض الصفات وينفون بعضها، كالذين يثبتون لله الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، ويجعلونها صفات حقيقية، ثم ينازعون في محبة الله ورضاه، وغضبه وكراهيته، ويجعلون ذلك مجازاً، أو يفسرونه بالإرادة، أو يفسرونه بالنعم والعقوبات.
فيقال لهؤلاء: لا فرق بين ما أثبتموه وما نفيتموه، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن كنتم تقولون: حياته وعلمه كحياة المخلوقين وعلمهم، فيلزمكم أن تقولوا في رضاه ومحبته كذلك. وإن قلتم له حياة وعلم وإرادة تليق به ولا تشبه حياة المخلوقين وعلمهم وإرادتهم، فيلزمكم أن تقولوا في رضاه ومحبته وغضبه كذلك.
وإن قلتم: إن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، فكذلك يقال: الإرادة ميل النفس إلى جلب مصلحة أو دفع مضرة، فإن قلتم: هذه إرادة مخلوق، قلنا: هذا غضب مخلوق.
ب-الذين يثبتون الأسماء وينفون الصفات، فيقولون حي بلا حياة، عليم بلا علم … الخ.
فهؤلاء يقال لهم: لا فرق بين إثبات الأسماء، وإثبات الصفات، فإنك إن قلت إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي التشبيه أو التجسيم لأنا لا نجد متصفاً بالصفات إلا وهو جسم، قلنا: وكذلك في الأسماء، إذ لا نجد ما هو مسمى بحي وعليم وقدير إلا ما هو جسم، فانف أسماء الله، فإن قالوا: هذه الأسماء تليق بكماله وجلاله، قلنا: وكذلك صفاته.
стр. 348
ج-الذين ينفون الأسماء والصفات، فإنهم بزعمهم ينفون ذلك حتى لا يشبهوا الله بالموجودات.
فيقال لهم: نفيتم علمه وحياته كما نفيتم أنه عليم حي خشية أن تشبهوه بالموجودات، ولكن يلزم قولكم هذا تشبيه الله بالمعدومات.
وهذا الرد قد استعمله أئمة قبل شيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده.
فمن المتقدمين:
قال الإمام يحيى ابن أبي الخير العِمراني شيخ الشافعيين باليمن المتوفى عام: (٥٥٨ هـ):
"ويقال للأشعري: قد أقررتَ بأن لله سمعًا وبصرًا وعلمًا وقدرة وحياة وكلامًا، لتنفي عنه ضد هذه الصفات.
فلما كان السمع الذي أثبتّه لله هو السمع المعهود في لغة العرب، وهو إدراك المسموعات، وكذلك ضده المنفي عنه هو المعهود في كلام العرب وهو الصمم، وكذلك البصر الذي أثبتَّه لله هو المعهود في كلام العرب وهو إدراك المبصرات، والعلم هو إدراك المعلومات.
وجب أن يكون الكلام لله هو الكلام المعهود في كلام العرب، وهو ما كان بحرف وصوت، كما أن ضده المنفي عنه وهو الخرس المعهود عندهم.
فأما إثبات كلام لا يفهم ولا يعلم فمحال، ولا يلزم على ما قلنا إذا أثبتنا لله كلامًا بحرف وصوت أن يثبت له آلة الكلام؛ لأنه لا يتأتى الكلام بذلك إلا من له آلة الكلام؛ لأنا قد أثبتنا نحن والأشعري لله السمع والبصر والقدرة، وإن لم نصفه بأن له آلة ذلك، وعلى أن الله سبحانه قد أخبر أن السموات والأرض ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وأخبر أن جهنم تقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، وأخبر أن الجوارح تنطق يوم القيامة بالشهادة، وأخبر النبي ﷺ أن الذراع المشوية أخبرته أنها مسمومة، وشيء
стр. 349
من هذا كله لا يوصف بأن له آلة الكلام، فبطل قوله بذلك" (١).
ومن التأخرين:
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في معرض رده على المتأخرين من الأشاعرة:
"وسنبين لك أن جميع الصفات على تقسيمهم لها جاء في القرآن وصف الخالق والمخلوق بها، وهم في بعض ذلك يقرون بأن الخالق موصوف بها، وأنها جاء في القرآن أيضا وصف المخلوق بها، ولكن وصف الخالق مناف لوصف المخلوق، كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق، ويلزمهم ضرورة فيما أنكروا مثل ما أقروا به؛ لأن الكل من باب واحد، لأن جميع صفات الله جل وعلا من باب واحد؛ لأن المتصف بها لا يشبهه شيء من الحوادث.
فمن ذلك: الصفات السبع، المعروفة عندهم بصفات المعاني وهي: القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام.
فقد قال تعالى في وصف نفسه بالقدرة: (الله على كل شيء قدير)
وقال في وصف الحادث بها: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) فأثبت لنفسه قدرة حقيقية لائقة بجلاله وكماله، وأثبت لبعض الحوادث قدرة مناسبة لحالهم من الضعف والافتقار والحدوث الفناء، وبين قدرته، وقدرة مخلوقه من المنافاة ما بين ذاته وذات مخلوقه.
وقال في وصف نفسه بالإرادة:) فعال لما يريد)، (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون)، (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، ونحو ذلك من الآيات.
وقال في وصف المخلوق بها: (تريدون عرض الدنيا) الآية، (إن يريدون إلا فرارا)، (يريدون ليطفئوا نور الله (، ونحو ذلك من الآيات.
стр. 350
فله جل وعلا إرادة حقيقية لائقة بكماله وجلاله، وللمخلوق إرادة أيضا مناسبة لحاله، وبين إرادة الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.
وقال في وصف نفسه بالعلم: (والله بكل شيء عليم)، (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه) الآية (فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين).
وقال في وصف الحادث به: (قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم)، وقال: (وإنه لذو علم لما علمناه)، ونحو ذلك من الآيات.
فله جل وعلا علم حقيقي لائق بكماله وجلاله، وللمخلوق علم مناسب لحاله، وبين علم الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.
وقال في وصف نفسه بالحياة: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم)، (هو الحي لا إله إلا هو) الآية، (وتوكل على الحي الذي لا يموت) الآية، ونحو ذلك من الآيات.
وقال في وصف المخلوق بها: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا)، (وجعلنا من الماء كل شيء حي)، (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت).
فله جل وعلا حياة حقيقية تليق بجلاله وكماله، وللمخلوق أيضا حياة مناسبة لحاله؛ وبين حياة الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.
وقال في وصف نفسه بالسمع والبصر: (ليس كمثله شيء وهو السميع
стр. 351
البصير)، (إن الله سميع بصير)، ونحو ذلك من الآيات.
وقال في وصف الحادث بهما:) إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا)، (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) الآية، ونحو ذلك من الآيات.
فله جل وعلا سمع وبصر حقيقيان يليقان بكماله وجلاله، وللمخلوق سمع وبصر مناسبان لحاله، وبين سمع الخالق وبصره، وسمع المخلوق وبصره من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.
وقال في وصف نفسه بالكلام (وكلم الله موسى تكليما)، (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي)، (فأجره حتى يسمع كلام الله)، ونحو ذلك من الآيات.
وقال في وصف المخلوق به: (فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين)، (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم) الآية، (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا)، ونحو ذلك من الآيات.
فله جل وعلا كلام حقيقي يليق بكماله وجلاله؛ وللمخلوق كلام أيضا مناسب لحاله، وبين كلام الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.
وهذه الصفات السبع المذكورة يثبتها كثير ممن يقول بنفي غيرها من صفات المعاني.
والمعتزلة ينفونها ويثبتون أحكامها فيقولون: هو تعالى حي قادر، مريد عليم، سميع بصير، متكلم بذاته لا بقدرة قائمة بذاته، ولا إرادة قائمة بذاته، هكذا فرارا منهم من تعدد القديم!!
стр. 352
ومذهبهم الباطل لا يخفى بطلانه وتناقضه على أدنى عاقل؛ لأن من المعلوم أن الوصف الذي منه الاشتقاق إذا عدم فالاشتقاق منه مستحيل فإذا عدم السواد عن جرم مثلا استحال أن تقول هو أسود، إذ لا يمكن أن يكون أسود ولم يقم به سواد، وكذلك إذا لم يقم العلم والقدرة بذات، استحال أن تقول: هي عالمة قادرة لاستحالة اتصافها بذلك، ولم يقم بها علم ولا قدرة، قال في " مراقي السعود ":
وعند فقد الوصف لا يشتق … وأعوز المعتزلي الحق
وأما الصفات المعنوية عندهم: فهي الأوصاف المشتقة من صفات المعاني السبع المذكورة، وهي كونه تعالى: قادرا، مريدا، عالما حيا، سميعا بصيرا، متكلما.
والتحقيق أنها عبارة عن كيفية الاتصاف بالمعاني، وعد المتكلمين لها صفات زائدة على صفات المعاني مبني على ما يسمونه الحال المعنوية، زاعمين أنها أمر ثبوتي ليس بموجود، ولا معدوم؛ والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذا الذي يسمونه الحال المعنوية لا أصل له، وإنما هو مطلق تخييلات يتخيلونها؛ لأن العقل الصحيح حاكم حكما لا يتطرقه شك بأنه لا واسطة بين النقيضين البتة، فالعقلاء كافة مطبقون على أن النقيضين لا يجتمعان، ولا يرتفعان، ولا واسطة بينهما البتة، فكل ما هو غير موجود، فإنه معدوم قطعا، وكل ما هو غير معدوم، فإنه موجود قطعا، وهذا مما لا شك فيه كما ترى.
وقد بينا في اتصاف الخالق والمخلوق بالمعاني المذكورة منافاة صفة الخالق للمخلوق، وبه تعلم مثله في الاتصاف بالمعنوية المذكورة لو فرضنا أنها صفات زائدة على صفات المعاني، مع أن التحقيق أنها عبارة عن كيفية الاتصاف بها.
وأما الصفات السلبية عندهم: فهي خمس، وهي عندهم: القدم، والبقاء،
стр. 353
والوحدانية، والمخالفة للخلق، والغنى المطلق، المعروف عندهم بالقيام بالنفس.
وضابط الصفة السلبية عندهم: هي التي لا تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودي أصلا، وإنما تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله.
أما الصفة التي تدل على معنى وجودي: فهي المعروفة عندهم بصفة المعنى، فالقدم مثلا عندهم لا معنى له بالمطابقة، إلا سلب العدم السابق، فإن قيل: القدرة مثلا تدل على سلب العجز، والعلم يدل على سلب الجهل، والحياة تدل على سلب الموت، فلم لا يسمون هذه المعاني سلبية أيضا؟
فالجواب: أن القدرة مثلا تدل بالمطابقة على معنى وجودي قائم بالذات، وهو الصفة التي يتأتى بها إيجاد الممكنات وإعدامها على وفق الإرادة، وإنما سلبت العجز بواسطة مقدمة عقلية، وهي أن العقل يحكم بأن قيام المعنى الوجودي بالذات يلزمه نفي ضده عنها لاستحالة اجتماع الضدين عقلا، وهكذا في باقي المعاني.
أما القدم عندهم مثلا: فإنه لا يدل على شيء زائد على ما دل عليه الوجود، إلا سلب العدم السابق، وهكذا في باقي السلبيات، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن القدم، والبقاء اللذين يصف المتكلمون بهما الله تعالى زاعمين، أنه وصف بهما نفسه في قوله تعالى: (هو الأول والآخر) الآية.
جاء في القرآن الكريم وصف الحادث بهما أيضا،
قال في وصف الحادث بالقدم: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)، وقال: (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم)، وقال:) أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون)، وقال في وصف الحادث بالبقاء:) وجعلنا ذريته هم الباقين)، وقال: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق)، وكذلك وصف الحادث بالأولية والآخرية
стр. 354
المذكورتين في الآية، قال: (ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين).
ووصف نفسه بأنه واحد، قال:) وإلهكم إله واحد).
وقال في وصف الحادث بذلك:) يسقى بماء واحد).
وقال في وصف نفسه بالغنى:) والله هو الغني الحميد)، (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد).
وقال في وصف الحادث بالغنى: (ومن كان غنيا فليستعفف)، (إن يكونوا فقراء يغنهم الله) الآية.
فهو جل وعلا موصوف بتلك الصفات حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله، والحادث موصوف بها أيضا على الوجه المناسب لحدوثه وفنائه، وعجزه وافتقاره، وبين صفات الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين الخالق والمخلوق، كما بيناه في صفات المعاني.
وأما الصفة النفسية عندهم، فهي واحدة، وهي: الوجود، وقد علمت ما في إطلاقها على الله، ومنهم من جعل الوجود عين الذات فلم يعده صفة، كأبي الحسن الأشعري، وعلى كل حال، فلا يخفى أن الخالق موجود، والمخلوق موجود، ووجود الخالق ينافي وجود المخلوق، كما بينا.
ومنهم من زعم أن القدم والبقاء صفتان نفسيتان، زاعما أنهما طرفا الوجود الذي هو صفة نفسية في زعمهم.
وأما الصفات الفعلية، فإن وصف الخالق والمخلوق بها كثير في القرآن، ومعلوم أن فعل الخالق مناف لفعل المخلوق كمنافاة ذاته لذاته، فمن ذلك:
وصفه جل وعلا نفسه بأنه يرزق خلقه، قال:) إن الله هو الرزاق)
стр. 355
الآية، (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين)، وقال:) وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) الآية.
وقال في وصف الحادث بذلك: (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منها) الآية، وقال:) وعلى المولود له رزقهن) الآية.
ووصف نفسه بالعمل، فقال:) أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما) الآية.
وقال في وصف الحادث به:) إنما تجزون ما كنتم تعملون).
ووصف نفسه بتعليم خلقه فقال:) الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان).
وقال في وصف الحادث به: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) الآية.
وجمع المثالين في قوله تعالى: (تعلمونهن مما علمكم الله).
ووصف نفسه بأنه ينبئ.
ووصف المخلوق بذلك، وجمع المثالين في قوله تعالى: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير).
ووصف نفسه بالإيتاء، فقال: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك)، وقال:) يؤتي الحكمة من يشاء)، وقال:) ويؤت كل ذي فضل فضله)، وقال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).