والصفات، وقال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير.
قيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيها بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات.
فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات.
قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل".
الشرح
لما فرغ المصنف من الرد على المعتزلة الذين يثبتون الأسماء دون ما تضمنته من الصفات شرع في الرد على الغلاة نفاة الأسماء والصفات جميعها.
ولشرح وتوضيح هذا النص أقول:
الجانب الأول: بيان أصحاب هذا القول، وأصل عقيدتهم في باب الأسماء والصفات.
فقول المصنف: "وإن كان المخاطب من الغلاة، نفاة الأسماء والصفات"
أولًا: أصحاب هذا القول.
تقدم أن المقصود بالغلاة هم الجهمية أتباع الجهم بن صفوان، ومعهم أهل الفلسفة البحتة وأهل الفلسفة الباطنية سواء كانوا قرامطة أو إتحادية.
стр. 387
وتقدم بيان درجات تعطيلهم وأن منهم:
• المكذبة النفاة.
• والمتجاهلة الواقفة.
• والمتجاهلة اللا أدرية.
• والاتحادية.
والمقصود هنا تحديدًا كل من
١ - المكذبة النفاة، وهي الدرجة عليها غُلاة الجهمية وطائفة من الفلاسفة (١)، وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله (٢). وهذا ما ذكره المصنف حيث قال: "وقال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير".
٢ - والمتجاهلة الواقفة فهؤلاء هم الذين يقولون: لا نُثبت ولا نَنفي، وهذه الدرجة للقرامطة الباطنية المتفلسفة (٣). وهذا ما ذكره المصنف بقوله: "فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات".
ثانيًا: أصل عقيدتهم في باب الأسماء والصفات.
أما الصنف الأول: وهم المكذبة النفاة.
فالمكذبة النفاة أصل عقيدتهم هو النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه، بأن جعلوا الحق لا وجود له، ولا حقيقة له في الخارج أصلاً وإنما هو أمر مطلق في الأذهان.
стр. 388
فهم يقولون: لا هو موجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير، لأن هذه الأسماء إنما هي من صفات المخلوقات، أو هي مجاز، لأن إثبات هذه الصفات لله تعالى يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير.
ولقد أقدم هؤلاء الغلاة على نفي الأسماء والصفات بمزاعم من أهمها:
أولًا: أن إثبات الصفات يقتضي أن يكون الله جسماً؛ لأن الصفات لا تقوم إلا بالأجسام، لأنها أعراض والأعراض لا تقوم بنفسها.
ثانيًا: إرادة تنزيه الله تعالى.
ثالثًا: أن وصف الله تعالى بتلك الصفات التي ذكرت في كتابه الكريم أو في سنة نبيه العظيم يقتضي مشابهة الله بخلقه، فينبغي نفي كل صفة نسبت إلى الله تعالى وتوجد كذلك في المخلوقات لئلا يؤدي إلى تشبيه الله-بزعمهم-بمخلوقاته التي تحمل اسم تلك الصفات.
لقد عارض الجهمية ومن سار على طريقتهم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وقدموا آراءهم وما تراه عقولهم على نصوص الكتاب والسنة فلم يقفوا عند حدود فهم العقل ومدى قدرته، بل تجاوزوا ذلك وظنوا أنهم علي شيء، وزخرفوا القول في ذلك، وتحذلقوا وتنطعوا فخرجوا من نور العلم إلى ظلمات الجهل، ومن اليقين إلى الشكوك عقاباً من الله لهم لعدم تلقي النصوص ومدلولاتها بالطمأنينة والتسليم، وترك التكلف في البحث عن أمور هي من المغيبات ولم يخبرنا الله بتفاصيلها و لا رسوله ﷺ فقد أراد الله أن تكون كيفياتها سراً مكتوماً عن العباد وهم يريدون الاطلاع عليها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
إن تنزيه الله لا يمكن أن يكون بسلب صفاته وما تدل عليه من العظمة والكمال، إنه من الإجرام أن ينزه الله عن ما تمدح به: (قل أأنتم أعلم أم الله)
стр. 389
] البقرة: ١٤٠. [
فالتنزيه الصحيح إنما يكون في إثبات الصفة في أعلى كمالها؛ لأن الكمال المطلق لا يوصف به أحد غير الله تعالي.
وأي تنزيه في أن تقول: إن الله ليس فوق ولا تحت ولا عن يمين ولا عن يسار ولا يحس ولا يشم ولا يري أبداً ولا يكلم أحداً، وإنه في كل مكان بذاته، وإنه لا سمع ولا بصر له، ولا يوصف بالرحمة ولا بالغضب ولا بالمجيء، إلى آخر تلك الأوصاف التي لا تقال إلا للمعدوم.
وأما الصنف الثاني: فهم المتجاهلة الواقفة:
فهؤلاء هم الذين يقولون: لا نُثبت ولا نَنفي، وهذه الدرجة للقرامطة الباطنية المتفلسفة (١)، فهؤلاء يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول؛ وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول ﷺ ، فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد،
стр. 390
قالوا: لأن في الإثبات تشبيهًا بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه هذه الصفات» (١).
وقد رد المصنف على أصحاب هذا القول في بداية الرسالة التدمرية فقال: "وهذا ممتنع في بدائه العقول، وحرّفوا ما أنزل الله تعالى من الكتاب، وما جاء به الرسول ﷺ ، ووقعوا في شرٍّ مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات، إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات".
الجانب الثاني: الرد عليهم
تقدم أن المصنف أورد هنا كلا من:
١ - قول المكذبة النفاة
٢ - وقول المتجاهلة الواقفة.
وأفرد لكل واحد منهم ردًا يتناسب مع قوله.
أما المكذبة النفاة فهم المقصودون بقوله: "وقال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير.
قيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيها بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات.
فيقال لهؤلاء النفاة: إذا قلتم: إن الله ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيهًا بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات.
وخلاصة هذا الاستدلال: أنكم يا أيها النفاة تزعمون أنكم تفرون من التشبيه
стр. 391
فقد وقعتم في شر منه وهو التعطيل، لأنكم تنفون عن الله جميع الصفات والأسماء التي أثبتها لنفسه في كتابه وأثبتها له نبيه ﷺ ، بزعم أنها ثابتة للمخلوقات، وهذا باطل، وكذلك إن نفيتم عنه الصفات فإنكم تكونون قد شبهتموه أيضًا بالمعدومات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ثم إن قولكم ليس بحي ولا عالم ولا قادر نفس سلب هذه الصفات فيه من النقص ما في قولنا: ميت وجاهل وعاجز وزيادة، ولهذا كان نقص الجماد أعظم من نقص الأعمى. فكل محذور في عدم الملكة هو ثابت في السلب العام وزيادة" (١)
وأما المتجاهلة الواقفة.
فهم المقصودون بقول المصنف:
فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات.
قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل".
وخلاصة هذا الاستدلال: أنهم إن فروا من تشبيهه بالموجودات، وفروا من تشبيهه بالمعدومات بأن زعموا أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين فإنهم بقولهم هذا وقعوا في شر مما فروا منه لأنهم بهذا القول شبههوه بالممتنعات.
وخلاصة الرد على هذا الفريق من نفاة الأسماء والصفات عمومًا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: "أن يقال لهؤلاء النفاة أنتم نفيتم هذه الأسماء فرارًا من التشبيه
стр. 392
فإن اقتصرتم على نفي الاثبات شبهتموه بالمعدوم، وإن نفيتم الاثبات والنفي جميعًا فقلتم: ليس بموجود ولا معدوم شبهتموه بالممتنع، فأنتم فررتم من تشبيهه الكامل، فشبهتموه بالحي الناقص، ثم شبهتموه بالمعدوم، ثم شبهتموه بالممتنع، فكنتم شرًا من المستجير من الرمضاء بالنار.
وهذا لازم لكل من نفى شيئًا مما وصف الله به نفسه، لا يفر من محذور إلا وقع فيما هو مثله أو شر منه مع تكذيبه بخبر الله وسلبه صفات كماله الثابتة له" (١).
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلاً لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والمَلَكَة، لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت، إذ ليس بقابل لهما.
قيل لك:
أولاً: هذا لا يصح في الوجود والعدم، فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب، باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر.
وأما ما ذكرته من الحياة والموت، والعلم والجهل، فهذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاءون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على نفي الحقائق العقلية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ • أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فسمى الجماد ميتًا، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم".
стр. 393
الشرح
لما ذكر المصنف الرد على الغلاة نفاة الأسماء والصفات شرع هنا في ذكر اعتراضات أوردوها على الاستدلال، ثم قام بالإجابة عليها.
وقبل الدخول في شرح الاعتراض يجدر التنبيه على ما يلي:
أولًا: شرح المصطلحات الواردة في النص
الألفاظ المتباينة هي ما كثرت معانيها بتكثرها، أي أن معانيها متغايرة.
ولما كان التغاير بين المعاني يقع على أقسام، فإن الألفاظ بحسب معانيها أيضاً تنسب لها تلك الأقسام.
والتغاير على ثلاثة أنواع: التماثل (١)، والتخالف (٢)، والتقابل.
والذي يعنينا في هذا المقام هو المتقابلان:
تعريف التقابل: التقابل هو عدم اجتماع لفظين في شيء واحد في زمان واحد.
стр. 394
فنسميها ألفاظا متقابلة.
مثل: موجود ومعدوم، ومسلم وكافر، وماش وقاعد، ومهتم ولا مهتم .. الخ.
أنواع التقابل: التقابل أنواع:
النوع الأول: (تقابل النقيضين) أو السلب والإيجاب، مثل: إنسان ولا إنسان، سواد ولا سواد، منير وغير منير.
والنقيضان: أمران وجودي وعدمي، أي عدم لذلك الوجودي، وهما لا يجتمعان ولا يرتفعان ببديهة العقل، ولا واسطة بينهما.
أو يقال: النقيضان لفظان لا يجتمعان معًا ولا يرتفعان معًا في موضوع واحد في زمن واحد.
النوع الثاني: (تقابل الضدين)، كالحرارة والبرودة، والسواد والبياض، والفضيلة والرذيلة، والتهور والجبن، والخفة والثقل.
والضدان: «هما الوجوديان المتعاقبان على موضوع واحد، ولا يتصور اجتماعهما فيه، ولا يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر».
وفي كلمة (المتعاقبان على موضوع واحد) يفهم أن الضدين لا بد أن يكونا صفتين، فالذاتان مثل إنسان وفرس لا يسميان بالضدين. وكذا الحيوان والحجر ونحوهما. بل مثل هذه تدخل في المعاني المتخالفة.
وبكلمة «لا يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر» يخرج المتضايفان، لأنهما أمران وجوديان أيضاً ولا يتصور اجتماعهما فيه من جهة واحدة، ولكن تعقل أحدهما يتوقف على تعقل الآخر.
النوع الثالث: تقابل الضدين: (تقابل المتضايفين) مثل: الأب والابن، الفوق والتحت، المتقدم والمتأخر، العلة والمعلول، الخالق والمخلوق وأنت إذا لاحظت
стр. 395
هذه الأمثلة تجد:
(أولاً) إنك إذا تعلقت أحد المتقابلين منها لا بد أن تتعقل معه مقابلة الآخر: فإذا تعقلت أن هذا أب أو علة لا بد أن تتعقل معه أن له ابناً أو معلولاً.
(ثانياً) أن شيئًا واحدًا لا يصح أن يكون موضوعاً للمتضايفين من جهة واحدة، فلا يصح أن يكون شخص أباً وابناً لشخص واحد، نعم يكون أباً لشخص وابناً لشخص آخر. وكذا لا يصح أن يكون الشيء فوقاً وتحتاً لنفس ذلك الشيء في وقت واحد. وإنما يكون فوقاً لشيء هو تحت له، وتحتاً لشيء آخر هو فوقه وهكذا.
وعلى هذا البيان يصح تعريف المتضايفين بأنهما: «الوجوديان اللذان يتعقلان معاً ولا يجتمعان في موضوع واحد من جهة واحدة ويجوز أن يرتفعا».
النوع الرابع: (تقابل الملكة وعدمها) كالبصر والعمى، الزواج والعزوبية، فالبصر ملكة والعمى عدمها. والزواج ملكة والعزوبية عدمها.
ولا يصح أن يحل العمى إلا في موضع يصح فيه البصر، لأن العمى ليس هو عدم البصر مطلقاً، بل عدم البصر الخاص، وهو عدمه فيمن شأنه أن يكون بصيراً. وكذا العزوبة لا تقال إلا في موضع يصح فيه الزواج، لا عدم الزواج مطلقاً، فهما ليسا كالنقيضين لا يرتفعان ولا يجتمعان، بل هما يرتفعان. وإن كان يمتنع اجتماعهما، فالحجر لا يقال فيه أعمى ولا بصير، ولا أعزب ولا متزوج، لأن الحجر ليس من شأنه أن يكون بصيراً، ولا من شأنه أن يكون متزوجاً.
إذن الملكة وعدمها: «أمران وجودي وعدمي لا يجتمعان ويجوز أن يرتفعا في موضع لا تصح فيه الملكة» (١).
ثانيًا: شرح الرد على الاعتراض
стр. 396
وصورة الاعتراض: "فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلاً لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والمَلَكَة، لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت، إذ ليس بقابل لهما".
أراد المعترض هنا التفريق بين نوعين من المتقابلين وهما:
تقابل (تقابل النقيضين) أو ما يسمى كذلك تقابل السلب والإيجاب وأن هذا النوع -كما تقدم تعريفه- هو تقابل أمرين وجودي وعدمي، أي عدم لذلك الوجودي، وهما لا يجتمعان ولا يرتفعان ببديهة العقل، ولا واسطة بينهما.
وأن هناك (تقابل العدم والملكة): وهما «أمران وجودي وعدمي لا يجتمعان ويجوز أن يرتفعا في موضع لا تصح فيه الملكة»
والفرق بينهما: أن النقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان، وأما في تقابل العدم والملكة فهما يرتفعان. وإن كان يمتنع اجتماعهما.
واعترض على هذا الفرق بأنه للتشابه القريب بين تقابل الملكة وعدمها من جهة، وبين تقابل الضدين من جهة أخرى، جعل بعض كتب المنطق لا تعدها ضمن التقابل، إذ نجد تقابل المكلة هي تقابلات أضداد، في حين أن الذين ميزوا تقابل الضدين عن تقابل الملكة عللوا بالقول:
١ - أن تعقل أحد الضدين لا يجب أن يتوقف على الآخر عكس تقابل الملكة. ٢ - كما أن تقابل الملكة وعدمها لا يفترض لهما ثالث عكس الضدين اللذين قد يكون لهما ثالث: فالنعومة والخشونة قد ترتفعا معا بحيث يكون الموضع أملس مثلا .. وهكذا.
واعتراض هؤلاء يتمثل بأنه يمتنع نفي النقيضين عن الشيء الذي يكون قابلًا لهذين النقيضين أن يرتفع عنه أحدهما فيمتنع الآخر، فهذا الجدار لا يصدق عليه أنه
стр. 397
مبصر أو أعمى، أو أنه حي أو ميت، وكلاهما نقيضان، لكنه ليس بقابل لهما أصلًا. فهم عدوا أن التقابل هنا هو من تقابل العدم والملكة.
ورد شيخ الإسلام على هذا الاعتراض بعدة أجوبة:
الوجه الأول: وهو مكون من فقرتين:
الفقرة الأولى: قول المصنف: "قيل لك: أولاً: هذا لا يصح في الوجود والعدم، فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب، باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر".
يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن التقابل هنا هو من باب تقابل السلب والإبجاب-كما تقدم تعريفه-هو تقابل أمرين وجودي وعدمي، أي عدم لذلك الوجودي، وهما لا يجتمعان ولا يرتفعان ببديهة العقل، ولا واسطة بينهما، ولذلك عبر المصنف بقوله: "فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر" وليس من تقابل العدم والملكة. والفرق بينهما: أن النقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان، وأما في تقابل العدم والملكة فهما يرتفعان. وإن كان يمتنع اجتماعهما.
الفقرة الثانية: قول المصنف: "وأما ما ذكرته من الحياة والموت، والعلم والجهل، فهذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاءون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على نفي الحقائق العقلية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ • أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فسمى الجماد ميتًا، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم".
وأما الاعتراض بعدم وصف الجدار بالحياة والموت ونحو ذلك، فيمكن أن يجاب عليه بأن القول بتقابل العدم والملكة هو اصطلاح اصطلحه أهل المنطق، وإلا فكل ما لا حياة فيه يسمى مواتًا.
стр. 398
قال الله تعالى: (والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون. أموات غير أحياء)] النحل ٢٠، ٢١]. فسمى الأصنام الجامدات أمواتًا، وتسمى الأرض مواتًا، كما قال النبي ﷺ ((من أحيا أرضًا ميتة فهي له)) (١).
وعليه يمكن أن يقال: كل عين من الأعيان تقبل الحياة، فإن الله قادر على خلق الحياة وتوابعها في كل شيء" (٢).
المتن
قال المصنف ﵀: "وقيل لك:
ثانيًا: فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر، ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك، فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحدًا منهما. فأنت فررت من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك".
الشرح
أي على فرض التسليم للخصم بأن التقابل هنا هو من باب تقابل العدم والملكة فإن الشيء الذي "لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر، ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك".
وأعطى المصنف مثالًا على ذلك بالأعمى والجماد ليتضح المعنى فقال: "فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحدًا منهما".
والنتيجة التي أراد المصنف الوصول إليها هي أن هؤلاء المعطلة زعموا أنهم
стр. 399
أرادوا الفرار من تشبيه واجب الوجود-على حد تعبيرهم-"بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك".
أي فروا من تشبيه بصفات الحيوانات ووقعوا في تشبيهه بصفات الجمادات.
وهو هنا يقصد أما المكذبة النفاة فهم المقصودون بقوله سابقًا عنهم: "وقال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير".
فهذا الزعم فيه فرار من التشبيه بالمخلوقات ولكنه في الوقت نفسه فيه تشبيه بالجمادات. وهو ما ذكره المصنف سابقًا بقوله: "قيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيها بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات".
قال ابن تيمية: "ولما أورد من أورد من الملاحدة نفاة الصفات بأن عدم هذه الصفات إنما يكون نقصاً إذا كان المحل قابلاً لها، وإنما يكون عدم البصر عمى، وعدم الكلام خرساً، وعدم السمع صمماً: إذا كان المحل قابلاً لذلك كالحيوان، فأما ما لا يقبل ذلك كالجماد، فإنه لا يوصف بهذا ولا بهذا - أجيبوا عن هذا بأن ما لا يقبل الاتصاف لا بهذا ولا بهذا أعظم نقصاً مما يقبلهما ويتصف بأحدهما، وإن اتصف بالنقص، فالجماد الذي لا يقبل الحياة والسمع والبصر الكلام أعظم نقصاً من الحيوان الذي يقبل ذلك، وإن كان أعمى أصم أبكم.
فمن نفى الصفات جعله كالأعمى الأصم الأبكم، ومن قال: إنه لا يقبل لا هذا ولا هذا جعله كالجماد الذي هو دون الحيوان الأعمى الأصم الأبكم، وهذا بعينه موجود في الأفعال، فإن الحركة بالذات مستلزمة للحياة وملزومة لها، بخلاف الحركة بالعرض كالحركة القسرية التابعة للقاسر، والحركة الطبيعية التي تطلب بها العين
стр. 400
العود إلى مركزها لخروجها عن المركز، فإن تلك حركة بالعرض.
والعقلاء متفقون على ما كان من الأعيان قابلاً للحركة فهو أشرف مما لا يقبلها، وما كان قابلاً للحركة بالذات فهو أعلى مما لا يقبلها بالعرض، وما كان متحركاً بنفسه كان أكمل من الموات الذي تحركه بغيره. " (١)
المتن
"وأيضًا: فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعًا من القابل للوجود والعدم، بل ومن اجتماع الوجود والعدم، ونفيهما جميعًا، فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم كان أعظم امتناعًا مما نفيت عنه الوجود والعدم. وإذا كان هذا ممتنعًا في صرائح العقول فذلك أعظم امتناعا، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات. وهذا غاية التناقض والفساد".
الشرح
انتقل المصنف من مسألة تشبيهه بالجمادت التي عليها طائفة من غلاة المعطلة من (المكذبة النفاة) إلى مسألة تشبيهه بالممتنعات والتي عليها طائفة منهم وهم (المتجاهلة الواقفة)، وهم المقصودون بقول المصنف سابقًا: "فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات".
وقد سبق النقاش مع هؤلاء أساس أن التقابل هو تقابل النقيضين فقال المصنف هناك "قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود
стр. 401
والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل".
فقوله: "فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعًا من القابل للوجود والعدم"
أي إذا كان الكلام في حق واجب الوجود الذي هو الله على-حد زعم هؤلاء-بأنه لا يقبل الوجود والعدم فإن هذا القول أعظم امتناعًا من القول بأنه يقبل الوجود والعدم معًا، مع أن كلاهما مستحيل ولكن الأول أعظم استحالة في حق الله.
وقوله: "بل ومن اجتماع الوجود والعدم، ونفيهما جميعًا"
أي بل هو أعظم استحالة في العقول من اجتماع الوجود والعدم بأن تقول موجود ومعدوم في نفس الوقت، أو نفيهما فتقول لا موجود ولا معدوم.
وقوله: "فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم كان أعظم امتناعًا مما نفيت عنه الوجود والعدم. وإذا كان هذا ممتنعًا في صرائح العقول فذلك أعظم امتناعا، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات. وهذا غاية التناقض والفساد".
أي أن النتيجة التي يمكن التوصل إليها أن نفي القابلية أعظم امتناعًا من في صرائح العقول من نفي الوجود والعدم معًا.
وحاصل قولهم كما قال المصنف: "فجعلت الوجود الواجب-الذي لا يقبل العدم-هو أعظم الممتنعات". والمعنى أنه إذا عرف واجب الوجود (١)، كما قال الرازي في تعريفه "فسرنا واجب الوجود بذاته بأنه الموجود الذي تكون حقيقته غير
стр. 402
قابلة للعدم البتة " (١). وهو قسيم الممكن الوجود الذي يقولون عنه بأنه يقبل العدم.
فالوجود نوعان: واجب وممكن.
فالأول: وجود الله تعالى.
والثاني: وجود كل مخلوق سوى الله تعالى، لأن كل مخلوق مسبوق بالعدم، ويجوز أن يلحقه فناء "فالأشياء في حكم العقل ثلاثة: واجب وممكن وممتنع. فالواجب ما لا يقبل الحدوث ولا العدم، والممكن: ما يقبل الوجود والعدم، والممتنع: ما لا يقبل الوجود" (٢)
المتن
قال المصنف ﵀: "وهؤلاء الباطنية منهم من يصرح برفع النقيضين: الوجود والعدم. ورفعهما كجمعهما.
ومنهم من يقول: لا أثبت واحدًا منهما، وامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر، وإنما هو كجهل الجاهل، وسكوت الساكت، الذي لا يعبر عن الحقائق.
الشرح
قوله: "وهؤلاء الباطنية منهم من يصرح برفع النقيضين: الوجود والعدم. ورفعهما كجمعهما".
يشير هنا إلى قول المتجاهلة الواقفة الذين يقولون: لا نُثبت ولا نَنفي، وهذه
стр. 403
الدرجة للقرامطة الباطنية المتفلسفة (١)، فهؤلاء يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل.
وقوله: "ورفعهما كجمعهما" أي أن كلا الأمرين ممتنع في بداهة العقول؛ إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات
وقوله: "ومنهم من يقول: لا أثبت واحدًا منهما، وامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر، وإنما هو كجهل الجاهل، وسكوت الساكت، الذي لا يعبر عن الحقائق".
يشير هنا إلى المتجاهلة اللا أدرية: الذين يقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين، لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه (٢).
فالمصنف هنا يقول إن امتناع هؤلاء هو بمثابة جهل الجاهل وسكوت وسكوت الساكت "لا يعبر عن الحقائق"، فهذا الجهل والسكوت "لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر" ومثاله لو اختلف أناس في تحديد اتجاه القبلة فقال بعضهم هي جهة الشمال وقال البعض هي جهة الجنوب وسكت البعض الآخر، فإن سكوت البعض لا يعبر عن حقيقة أن تكون جهة الشمال أو جهة الجنوب.
وهكذا الحال في شأن صفات الله فإن امتناع هؤلاء لا يؤثر في اعتبار أن الله
стр. 404
موصوف بصفات الكمال اللائق به .
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظم امتناعًا ممّا يُقدَّر قبوله لهما-مع نفيهما عنه-، فما يُقدَّر لا يقبل الحياة ولا الموت، ولا العلم ولا الجهل، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام ولا الخرس، ولا العمى ولا البصر، ولا السمع ولا الصمم، أقرب إلى المعدوم والممتنع مما يُقدَّر قابلا لهما مع نفيهما عنه. وحينئذ فنفيهما مع كونه قابلا لهما أقرب إلى الوجود والممكن، وما جاز لواجب الوجود قابلا، وجب له، لعدم توقف صفاته على غيره، فإذا جاز القبول وجب، وإذا جاز وجود المقبول وجب.
وقد بسط هذا في موضع آخر وبيِّن وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه".
الشرح
أعاد المصنف تأكيد بطلان أقوال غلاة المعطلة مرة أخرى وأعاد تكرار مسألة التقابل من جهة ما يمتنع وما هو أعظم امتناعًا.
وأراد أن يؤكد هذا الامتناع من جهة ما يسمى بالواجب والممكن وما يجب في حق كل منهما وما يجوز وما يمتنع، فالإخبار عن الله تعالى بأنه واجب الوجود يراد به عندهم أن وجوده سبحانه لذاته، فيستحيل عليه العدم أزلاً وأبداً، بخلاف المخلوق فإنه ممكن الوجود أو جائز الوجود، أي يجوز عليه الوجود والعدم، ووجوده لا لذاته، بل بإيجاد الله تعالى، ولذلك قال المصنف: "وما جاز لواجب الوجود قابلًا، وجب له، لعدم توقف صفاته على غيره، فإذا جاز القبول وجب، وإذا جاز وجود
стр. 405
المقبول وجب".
وهذا يعني أن لكل واحد منهما وجود يخصه، والمصنف هنا لم يفصل هذه المسألة وإنما اكتفى بالإشارة إليها وقال بعد ذلك: "وقد بسط هذا في موضع آخر وبيِّن وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه"
فالمقصود هنا ما قرره شيخ الإسلام في الرسالة الأكملية حيث قال: "أن يقال: قد ثبت أن الله قديم بنفسه، واجب الوجود بنفسه، قيوم بنفسه، خالق بنفسه، إلى غير ذلك من خصائصه. والطريقة المعروفة في وجوب الوجود تقال في جميع هذه المعاني.
(أمثلة ذلك)
(المثال الأول): فإذا قيل: الوجود إما واجب وإما ممكن، والممكن لابد له من واجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين.
(المثال الثاني): فهو مثل أن يقال: الموجود إما قديم وإما حادث، والحادث لابد له من قديم، فيلزم ثبوت القديم على التقديرين.
(المثال الثالث): والموجود إما غني وإما فقير، والفقير لابد له من الغنى، فلزم وجود الغنى على التقديرين.
(المثال الرابع): والموجود إما قيوم بنفسه وإما غير قيوم، وغير القيوم لابد له من القيوم، فلزم ثبوت القيوم على التقديرين.
(المثال الخامس): والموجود إما مخلوق وإما غير مخلوق، والمخلوق لابد له من خالق غير مخلوق، فلزم ثبوت الخالق غير المخلوق على التقديرين.
ونظائر ذلك متعددة.
ثم يقال: هذا الواجب القديم الخالق، إما أن يكون ثبوت الكمال الذي لا نقص
стр. 406
فيه الممكن الوجود ممكنًا له، وإما ألا يكون.
والثاني ممتنع؛ لأن هذا ممكن للموجود المحدث الفقير للممكن، فلأن يمكن للواجب الغني القديم بطريق الأولى والأحرى؛ فإن كلاهما موجود. والكلام في الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه.
فإذا كان الكمال الممكن الوجود ممكنًا للمفضول، فلأن يمكن للفاضل بطريق الأولى؛ لأن ما كان ممكنًا لما هو في وجوده ناقص، فلأن يمكن لما هو في وجوده أكمل منه بطريق الأولى، لاسيما وذلك أفضل من كل وجه فيمتنع اختصاص المفضول من كل وجه بكمال لا يثبت للأفضل من كل وجه، بل ما قد ثبت من ذلك للمفضول فالفاضل أحق به، فلأن يثبت للفاضل بطريق الأولى.
ولأن ذلك الكمال إنما استفاده المخلوق من الخالق، والذي جعل غيره كاملا هو أحق بالكمال منه، فالذي جعل غيره قادرًا أولى بالقدرة، والذي علم غيره أولى بالعلم، والذي أحيا غيره أولى بالحياة، والفلاسفة توافق على هذا، ويقولون: كل كمال للمعلول فهو من آثار العلة، والعلة أولى به.
وإذا ثبت إمكان ذلك له، فما جاز له من ذلك الكمال الممكن الوجود، فإنه واجب له لا يتوقف على غيره، فإنه لو توقف على غيره لم يكن موجودًا له إلا بذلك الغير، وذلك الغير إن كان مخلوقًا له لزم الدور القبلي الممتنع، فإن ما في ذلك الغير من الأمور الوجودية فهي منه، ويمتنع أن يكون كل من الشيئين فاعلاً للآخر، وهذا هو الدور القبلي فإن الشاء يمتنع أن يكون فاعلاً لنفسه، فلأن يمتنع أن يكون فاعلاً لفاعله بطريق الأولى والأحرى.
وكذلك يمتنع أن يكون كل من الشيئين فاعلاً لما به يصير الآخر فاعلاً، ويمتنع أن يكون كل من الشيئين معطيًا للآخر كماله، فإن معطي الكمال أحق بالكمال، فيلزم
стр. 407
أن يكون كل منهما أكمل من الآخر، وهذا ممتنع لذاته، فإن كون هذا أكمل يقتضي أن هذا أفضل من هذا، وهذا أفضل من هذا، وفضل أحدهما يمنع مساواة الآخر له، فلأن يمنع كون الآخر أفضل بطريق الأولى.
وأيضا، فلو كان كماله موقوفًا على ذلك الغير، للزم أن يكون كماله موقوفًا على فعله لذلك الغير، وعلى معاونة ذلك الغير في كماله، ومعاونة ذلك الغير في كماله موقوف عليه؛ إذ فعل ذلك الغير، وأفعاله موقوفة على فعل المبدع لا تفتقر إلى غيره، فيلزم ألا يكون كماله موقوفًا على غيره.
فإذا قيل: كماله موقوفًا على مخلوقه، لزم ألا يتوقف على مخلوقه، وما كان ثبوته مستلزمًا لعدمه كان باطلاً من نفسه.
وأيضًا، فذلك الغير كل كمال له فمنه وهو أحق بالكمال منه، ولو قيل يتوقف كماله عليه لم يكن متوقفًا إلا على ما هو من نفسه، وذلك متوقف عليه لا على غيره.
وإن قيل: ذلك الغير ليس مخلوقًا بل واجبًا آخر قديمًا بنفسه.
فيقال: إن كان أحد هذين هو المعطي دون العكس، فهو الرب، والآخر عبده.
وإن قيل: بل كل منهما يعطي للآخر الكمال، لزم الدور في التأثير وهو باطل، وهو من الدور القبلي، لا من الدور المعي الاقتراني فلا يكون هذا كاملا حتى يجعله الآخر كاملاً، والآخر لا يجعله كاملاً حتى يكون في نفسه كاملاً، لأن جاعل الكامل كاملاً أحق بالكمال ولا يكون الآخر كاملاً حتى يجعله كاملاً، فلا يكون واحدًا منهما كاملاً بالضرورة، فإنه لو قيل: لا يكون كاملاً حتى يجعل نفسه كاملاً، ولا يجعل نفسه كاملاً حتى يكون كاملاً لكان ممتنعا، فكيف إذا قيل: حتى يجعل ما يجعله كاملاً كاملاً؟!
وإن قيل: كل واحد له آخر يكمله إلى غير نهاية لزم التسلسل في المؤثرات، وهو
стр. 408
باطل بالضرورة واتفاق العقلاء. فإن تقدير مؤثرات لا تتناهي: ليس فيها مؤثر بنفسه لا يقتضي وجود شاء منها، ولا وجود جميعها، ولا وجود اجتماعها، والمبدع للموجودات لابد أن يكون موجودًا بالضرورة.
فلو قدر أن هذا كامل فكماله ليس من نفسه بل من آخر، وهلم جرا، للزم ألا يكون لشاء من هذه الأمور كمال، ولو قدر أن الأول كامل لزم الجمع بين النقيضين، وإذا كان كماله بنفسه لا يتوقف على غيره، كان الكمال له واجبًا بنفسه، وامتنع تخلف شاء من الكمال الممكن عنه، بل ما جاز له من الكمال وجب له، كما أقر بذلك الجمهور من أهل الفقه والحديث، والتصوف والكلام والفلسفة وغيرهم، بل هذا ثابت في مفعولاته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكان ممتنعًا بنفسه أو ممتنعًا لغيره، فما ثم إلا موجود واجب إما بنفسه وإما بغيره، أو معدوم إما لنفسه وإما لغيره، والممكن أن حصل مقتضيه التام: وجب بغيره، وإلا كان ممتنعًا لغيره، والممكن بنفسه: إما واجب لغيره، وإما ممتنع لغيره.
وقد بين الله سبحانه أنه أحق بالكمال من غيره، وأن غيره لا يساويه في الكمال، في مثل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] وقد بين أن الخلق صفة كمال، وأن الذي يخلق أفضل من الذي لا يخلق، وأن من عَدَل هذا بهذا فقد ظلم.
وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥]، فبين أن كونه مملوكًا عاجزًا صفة نقص، وأن القدرة والملك والإحسان صفة كمال، وأنه ليس هذا مثل هذا، وهذا لله، وذاك لما يعبد من دونه.
وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ
стр. 409
عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، وهذا مثل آخر.
فالأول مثل العاجز عن الكلام، وعن الفعل الذي لا يقدر على شاء.
والآخر المتكلم الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم، فهو عادل في أمره مستقيم في فعله.
فبين أن التفضيل بالكلام المتضمن للعدل والعمل المستقيم، فإن مجرد الكلام والعمل قد يكون محمودًا، وقد يكون مذمومًا، فالمحمود هو الذي يستحق صاحبه الحمد، فلا يستوى هذا والعاجز عن الكلام والفعل.
وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨].
يقول تعالى: إذا كنتم أنتم لا ترضون بأن المملوك يشارك مالكه لما في ذلك من النقص والظلم، فكيف ترضون ذلك لي، وأنا أحق بالكمال والغنى منكم؟
وهذا يبين أنه تعالى أحق بكل كمال من كل أحد، وهذا كقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٥٨٦٢] حيث كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، وهم يكرهون أن يكون لأحدهم بنت فيعدون هذا نقصًا وعيبًا.
стр. 410
والرب تعالى أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم، فإن له المثل الأعلى، فكل كمال ثبت للمخلوق، فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجردًا عن النقص، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص وعيب، فالخالق أولى بتنزيهه عنه.
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وهذا يبين أن العالم أكمل ممن لا يعلم، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ١٩: ٢٢] فبين أن البصير أكمل، والنور أكمل، والظل أكمل، وحينئذ فالمتصف به أولى ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ﴾ [النحل: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، فدل ذلك على أن عدم التكلم والهداية نقص، وأن الذي يتكلم ويهدي أكمل ممن لا يتكلم ولا يهدي، والرب أحق بالكمال.
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] فبين سبحانه بما هو مستقر في الفطر أن الذي يهدي إلى الحق أحق بالاتباع ممن لا يهتدي إلا أن يهديه غيره، فلزم أن يكون الهادي بنفسه هو الكامل، دون الذي لا يهتدي إلا بغيره.
وإذا كان لابد من وجود الهادي لغير المهتدي بنفسه فهو الأكمل، وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] فدل على أن الذي يرجع إليه القول، ويملك الضر والنفع، أكمل منه.
وقال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، فدل على أن السميع البصير الغني أكمل، وأن المعبود يجب أن يكون كذلك.
стр. 411
ومثل هذا في القرآن متعدد من وصف الأصنام بسلب صفات الكمال، كعدم التكلم والفعل، وعدم الحياة، ونحو ذلك مما يبين أن المتصف بذلك منتقص معيب كسائر الجمادات، وإن هذه الصفات لا تسلب إلا عن ناقص معيب.
وأما رب الخلق الذي هو أكمل من كل موجود فهو أحق الموجودات بصفات الكمال، وأنه لا يستوى المتصف بصفات الكمال والذي لا يتصف بها، وهو يذكر أن الجمادات في العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات.
فمن جعل الواجب الوجود لا يقبل الاتصاف، فقد جعله من جنس الأصنام الجامدة، التي عابها الله تعالى وعاب عابديها.
ولهذا كانت القرامطة الباطنية من أعظم الناس شركًا، وعبادة لغير الله، إذ كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر، أو يغني عنهم شيئًا.
والله سبحانه لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له، بل ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون ما سواه، فأفاد الأصلين اللذين بهما يتم التوحيد وهما: إثبات صفات الكمال، ردًا على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق للعبادة لا إله إلا هو، ردًا على المشركين.
والشرك في العالم أكثر من التعطيل، ولا يلزم من إثبات [التوحيد] المنافي للإشراك إبطال قول أهل التعطيل، ولا يلزم من مجرد الإثبات المبطل لقول المعطلة الرد على المشركين إلا ببيان آخر.
والقرآن يذكر فيه الرد على المعطلة تارة، كالرد على فرعون وأمثاله، ويذكر فيه الرد على المشركين وهذا أكثر؛ لأن القرآن شفاء لما في الصدور. ومرض الإشراك أكثر في الناس من مرض التعطيل، وأيضًا فإن الله سبحانه أخبر أن له الحمد، وأنه حميد مجيد، وأن له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم، ونحو ذلك من أنواع
стр. 412
المحامد" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما المقدمة الثانية فنقول: لابد من اعتبار أمرين:
أحدهما: أن يكون الكمال ممكن الوجود.
والثانى: أن يكون سليمًا عن النقص، فإن النقص ممتنع على الله.
لكن بعض الناس قد يسمى ما ليس بنقص نقصًا.
فهذا يقال له: إنما الواجب إثبات ما أمكن ثبوته من الكمال السليم عن النقص، فإذا سميت أنت هذا نقصًا وقدر أن انتفاءه يمتنع، لم يكن نقصه من الكمال الممكن، و [الذات] التي لا تكون حية عليمة قديرة سميعة بصيرة متكلمة، ليست أكمل من الذات التي تكون حية عليمة سميعة بصيرة متكلمة.
وإذا كان صريح العقل يقضي بأن الذات المسلوبة هذه الصفات ليست مثل الذات المتصفة، فضلاً عن أن تكون أكمل منها، ويقضي بأن الذات المتصفة بها أكمل، علم بالضرورة امتناع كمال الذات بدون هذه الصفات.
فإن قيل بعد ذلك: لا تكون ذاته ناقصة مسلوبة الكمال إلا بهذه الصفات.
قيل: الكمال بدون هذه الصفات ممتنع، وعدم الممتنع ليس نقصًا، وإنما النقص عدم ما يمكن.
وأيضًا، فإذا ثبت أنه يمكن اتصافه بالكمال، وما اتصف به وجب له، وامتنع تجرد ذاته عن هذه الصفات، فكان تقدير ذاته منفكة عن هذه الصفات تقديرًا ممتنعًا. وإذا قدر للذات تقدير ممتنع، وقيل: إنها ناقصة بدونه، كان ذلك مما يدل على امتناع ذلك التقدير، لا على امتناع نقيضه، كما لو قيل: إذا مات كان ناقصًا، فهذا يقتضي
стр. 413
وجوب كونه حيًا، كذلك إذا كان تقدير ذاته خالية عن هذه الصفات يوجب أن تكون ناقصة، كان ذلك مما يستلزم أن يوصف بهذه الصفات" (١).
ومسألة التقابل سيأتي مزيد ذكر لها في القاعدة السابعة من كلام المصنف كذلك فيحسن التنبه لذلك.
الاتفاق في المسميات في بعض الأسماء والصفات لا يوجب تماثلها
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وقيل له أيضًا: اتفاق المسمّيَين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل، الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق، مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يَشركه فيه مخلوق، ولا يُشركه مخلوق في شيء من خصائصه .
وأما ما نفيتَه فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا تمويه على الجهال، الذين يظنون أن كل معنى سماه مسمٍّ بهذا الاسم يجب نفيه. ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس، ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل.
وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف من الناس عقولهم ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة، وأبلغ الغي والضلالة".
стр. 414
الشرح
كلام المصنف سبق توضيحه عند الكلام عن قاعدة القدر المشترك بشكل موسع وشامل.
وأعيد بعض ما ذكر هناك بشيء من الاختصار فهذه المسألة هي ما يطلق عليه قاعدة أنه لا يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مُسَمَّاهما.
فالأسماء التي تُطلق على الله وعلى العباد هي من الألفاظ المتواطئة التواطؤ المشُكك؛ فالحق فيها هو أن يقال: إنه بالنسبة للأسماء والصفات التي تُطلق على الله وعلى العباد؛ كـ (الحي، والسميع، والبصير، والعليم، والقدير، والحياة، والسمع، والبصر، والعلم) ونحوها هي حقيقة في الرب وحقيقة في العبد.
ولكن للرب تعالى منها ما يليق بجلاله.
وللعبد منها ما يَليق به.
وذلك لأن «الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات:
الاعتبار الأول: اعتبار مِنْ حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب ﵎ أو العبد.
الاعتبار الثاني: اعتباره مضافًا إلى الربِّ مختصًّا به.
الاعتبار الثالث: اعتباره مضافًا إلى العبد مقيدًا به.
فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتًا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به.
وهذا كاسم (السميع) الذي يلزمه إدراك المَسموعات.
و (البصير) الذي يلزمه رؤية المُبصرات.
стр. 415
و (العليم) و (القدير) وسائر الأسماء.
فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه الأسماء لذاتها؛ فإثباتها للرب تعالى لا محذور فيه بوجهٍ، بل يثبت له على وجهٍ لايماثله فيه خَلْقُه ولا يُشابههم.
فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق أَلْحَدَ في أسمائه وجَحَد صفات كماله، ومَن أثبته على وجهٍ لا يُماثل فيه خلقه به-كما يليق بجلاله وعظمته-فقد بَرِئ من فرث التَّشبيه ودم التعطيل، وهذا طريقُ أهل السنة.
وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيُه عن الله كما يلزم حياة العبد من النَّوم والسِّنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك، وكذلك ما يَلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به، وكذلك ما يلزم عُلوَّه من احتياجه إلى ما هو عال عليه وكونه محمولاً به، مفتقرًا إليه، محاطًا به، كل هذا يجب نفيه عن القُدُّوس السَّلَام ﵎.
وما لزم الصفة من جهة اختصاصه تعالى بها فإنَّه لا يثبت للمخلوق بوجهٍ؛ كعلمه الذي يلزمه القِدَم والوجوب والإحاطة بكلِّ معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإنَّ ما يختص به منها لا يُمكن إثباته للمخلوق.
فإذا أحطت بهذه القاعدة خُبرًا وعَقَلْتَها كما ينبغي-خَلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين:
١ - آفة التعطيل. ٢ - وآفة التشبيه.
فإنك إذا وَفَّيت هذا المقام حقَّه من التصور أَثْبَتَّ لله الأسماء الحسنى والصفات العُلى حقيقة؛ فخلصت من التعطيل، ونَفيت عنها خصائص المخلوقين ومُشابهتهم، فخلصت مِنْ التشبيه؛ فتدبر هذا الموضع واجعله جُنَّتك التي تَرجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصَّواب» (١).
стр. 416
وقول المصنف: "وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف من الناس عقولهم ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة، وأبلغ الغي والضلالة".
هذا يوضحه كلام الإمام ابن القيم الذي سبق ذكره في تقرير قاعدة القدر المشترك ونعيده هنا لقوة مناسبته لكلام المصنف حيث يقول:
"فأحظى الناس بالحق وأسعدهم به الذي يقع على الخصائص المميزة الفارقة ويلغي القدر المشترك فيحكم بالقدر الفارق على القدر المشترك ويفصله به.
وأبعدهم عن الحق والهدى من عكس هذا السير وسلك ضد هذه الطريق فألغى الخصائص الفارقة وأخذ القدر المشترك وحكم به على القدر الفارق.
وأضل منه من أخذ خصائص كل من النوعين فأعطاها للنوع الآخر.
فهذان طريقا أهل الضلالة اللتان يرجع إليهما جميع شعب ضلالهم وباطلهم.
مثال ذلك: أن أعداء الرسل المكذبين لهم الجاحدين لما جاءوا به من الحق لما أرادوا تلبيس الحق الذي جاءوا به بالباطل أخذوا بينه وبين الباطل قدرا مشتركا ثم ألغوا القدر الفارق وما اختص به أحد النوعين فقالوا هذا الرسول شاعر وكاهن ومجنون وطالب ملك ورياسة وصيت في العالم؛ فأخذوا قدرا مشتركا بين الشعر وبين كلامه الذي جاء به من الترغيب والترهيب وحسن التعبير عن المعاني باللفظ الذي يروق المسامع ويهز القلوب ويحرك النفوس.
فقالوا: هو شاعر وهذا شعر وضربوا عن الخصائص الفارقة صفحا.
وقالوا: هو كاهن لأن الكاهن كان عندهم معروفا بالإخبار عن الأمور الغائبة
стр. 417
التي لا يخبر بها غيره وكذلك هذا المدعي لذلك مثله.
وقالوا: مجنون لأن المجنون يقول ويفعل خلاف ما اعتاده الناس.
وقالوا: ساحر لأن الساحر يأخذ بالقلوب والعيون ويحبب تارة وينفر أخرى؛ ولهذا قال لهم الوليد بن المغيرة وقد سألوه ماذا يقولون للناس في أمر محمد، ففكر وقدر ورأى أن أقرب ما يقولون هو ساحر لأنه يفرق بين المرء وزوجه، ومحمد يفعل ذلك فإن المرأة إذا أسلمت دون زوجها أو أسلم زوجها دونها وقعت الفرقة بينهما والعداوة.
وكذلك قولهم عن القرآن: أساطير الأولين أخذوا قدرا مشتركا بينهما وهو جنس الإخبار عما أخبر عنه الأولون.
وهكذا قولهم: هو طالب ملك ورياسة وصيت.
والمقصود أن كل مبطل فإنه يتوصل إلى باطله بهذه الطريق، ثم يلبس ما يدعو إليه خصائص الحق وما ينفر عنه خصائص الباطل، وهذا شأن الساحر فكلامه يخرج الحق في صورة الباطل فينفر عنه، والباطل في صورة الحق فيرغب فيه" (١).
مناقشة نفاة الصفات في تسمية تعطيلهم توحيدا
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة يستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع.
قيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق،
стр. 418
ولذيذ وملتذ ولذة، أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟، فهذه معان متعددة متغايرة في العقل وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدًا.
فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيبًا ممتنعًا.
قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة وليس هو تركيبًا ممتنعًا.
وذلك أنه من المعلوم بصريح المعقول أنه ليس معنى كون الشيء عالمًا هو معنى كونه قادرًا، ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالمًا قادرًا، فمن جوَّز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى، وأن تكون الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة، ثم إنه متناقض، فإنه إن جوّز ذلك جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا، فيكون الوجود واحدًا بالعين لا بالنوع. وحينئذ، فإذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب، كان وجود كل مخلوق- يُعدم بعد وجوده، ويوجد بعد عدمه- هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي، الذي لا يقبل العدم، وإذا قدّر هذا، كان الوجود الواجب موصوفًا بكل تشبيه وتجسيم، وكل نقص وكل عيب، كما يصرح بذلك أهل وحدة الوجود، الذين طردوا هذا الأصل الفاسد، وحينئذ فتكون أقوال نفاة الصفات باطلة على كل تقدير.
وهذا باب مطرد، فإن كل واحد من النفاة لِما أخبر به الرسول ﷺ من الصفات، لا ينفي شيئًا- فرارًا مما هو محذور- إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فرّ منه، فلا بدّ له في آخر الأمر من أن يثبت موجودًا واجبًا قديمًا متصفًا بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلا لخلقه، فيقال له: وهكذا القول في جمع الصفات، وكل ما نثبته من الأسماء والصفات فلا بدّ أن يدل على قدر مشترك تتواطأ فيه المسمّيات، ولولا ذلك لما فُهم الخطاب، ولكن نعلم أن ما اختص الله به، وامتاز عن خلقه أعظم مما
стр. 419
يخطر بالبال أو يدور في الخيال".
الشرح
قول المصنف: "وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة يستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع".
وفي هذا النص عدة أمور:
الأمر الأول: تعريف حجة التركيب.
حجة التركيب: هي حجة الفلاسفة في نفي الصفات وقال بها ابن سينا وأتباعه، وكذلك الرازي (١)، وقال بها أبو الهذيل العلاف وهو من أئمة المعتزلة (٢)
قال أبو حامد الغزالي، بعد أن فصل القول في حجة التركيب التي احتج بها الفلاسفة وبين حقيقة مذهبهم في الصفات قال: "إن المعتزلة وافقوا الفلاسفة على قولهم في الصفات" (٣).)
ونصها: لو كان له صفة لكان مركبًا، والمركب يفتقر إلى أجزائه، وأجزاؤه غيره، والمفتقر إلى غير لا يكون واجبًا بنفسه (٤).
الأمر الثاني: الرد عليهم.
أولًا: ألفاظ هذه الحجة كلها ألفاظ مجملة بمعنى أن كل لفظ منها محتمل لعدة معان، ولابد من توضيح المراد من كل لفظ أولًا حتى يتكلم فيها
• لفظ "التركيب"
стр. 420
فلفظ التركيب: ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: تركيب في الكيفية، له أنواع
النوع الأول: التركيب من الوجود والماهية.
فلا يكون له حقيقة سوى الوجود المطلق بشرط الاطلاق لأنه لو كان له حقيقة مغايرة لذلك لكانت موصوفة بالوجود وحينئذ فيكون الوجود الواجب لازما ومعلولا لتلك الحقيقة فيكون الواجب معلولا.
النوع الثاني: التركيب من العام والخاص.
كتركيب النوع من الجنس والفصل وهذا يجب نفيه.
النوع الثالث: التركيب من الذات والصفات.
وهذه الثلاث تركيبات في الكيفية.
القسم الثاني: التركيب في الكم.
وهو نوعان:
النوع الأول: التركيب الحسي.
وهو تركيب الجسم من أبعاضه إما من الجواهر المفردة وهو التركيب الحسي.
النوع الثاني: التركيب العقلي.
وهو تركيب الجسم من المادة والصورة
وحجة التركيب هي من أبطل الكلام وذلك بأن يقال لفظ التركيب يحتمل معان متجددة بحسب الاصطلاحات هي:
١) فيقال المركب لما ركبه غيره كما قال تعالى ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾.
стр. 421
ويقال ركبت الباب في موضعه ونحو ذلك وهذا هو مفهوم المركب في اللغة.
٢) وقد يقال: المركب لما كان متفرقا فجمع كجمع الأغذية والأدوية المركبة.
٣) وقد يقال: المركب لما يمكن تفريق بعضه عن بعض كأعضاء الإنسان وإن لم يعهد له حال تفريق في الابتداء.
٤) وقد يقال: المركب لما يشار إليه كالشمس والفلك قبل أن يعلم جواز الانفكاك عنه
٥) وقد يقال: المركب لما جاز أن يعلم منه شيء دون شيء كما يعلم كونه قادرا قبل أن يعلم كونه سميعا بصيرا.
وإذا كان كذلك فمعلوم أنهم إذا قالوا: إن أثبات الصفات تستلزم التركيب لم يريدوا به الأول والثاني فإن أثبات الصفات لازم لله تعالى فيمتنع زوال صفات الكمال عنه ويمتنع أن يجوز عليه خلاف الصمدية كالتفرق ونحوه فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد.
فنقول هذه الأمور ليست تركيبا في الحقيقة وبتقدير أن تكون تركيبا كما تدعونه فلا دليل لكم على نفيها بل الدليل يقتضي إثبات المعاني التي سميتموها تركيبا
• لفظ "الجزء"
وكذلك إذا قالوا المركب مفتقر إلى أجزائه فلفظ الجزء قد يعني به:
١) ما جمع إلى غيره حتى حصلت الجملة كالواحد من العشرة وكجزء الطعام والثياب.
٢) وقد يعني بالجزء ما كان بعضا لغيره وإن لم يعلم انفراده عنه أو لم يمكن انفراده عنه وقد يدخلون في هذه الحياة اللازمة للحي والعلم اللازم للعالم كما يقولون الحيوانية والناطقية جزءا الإنسان وهما نعتان لازمان له لا يمكن وجوده
стр. 422
بدونهما.
• لفظ "الافتقار".
وكذلك لفظ الافتقار يراد به:
١) افتقار المعلول إلى علته والمصنوع إلى صانعه.
٢) ويراد به افتقار الصفة إلى محلها الذي تقوم به.
٣) وقد يعني به التلازم وهو استلزام الموصوف لصفات كماله.
• لفظ "الغير"
وكذلك لفظ الغير قد يراد به:
١) المباين للشيء.
٢) وقد يعني به ما يعلم الشيء بدونه.
ولهذا لما تنازع الناس في صفات الله تعالى بل في صفة كل موصوف وبعض كل مجموع هل يقال أنه غير له أم لا فقالت طائفة صفة الموصوف وبعض الجملة ليس غيرا له لأنه لا يوجد إلا به وقال بعضهم بل هو غير له لأنه يمكن العلم به دونه كان هذا نزاعا لفظيا فامتنع السلف والأئمة أن يطلقوا على صفات الله كلامه وعلمه ونحو ذلك أنه غير له أو أنه ليس غيره.
ثانيًا: أن نقول لا دليل لكم على نفي هذه المعاني التي سميتموها تركيبا وذلك أن عمدتهم في نفي التركيب أنهم يقولون أن المركب مفتقر إلى جزئه وجزءه غيره وواجب الوجود لا يكون مفتقرا إلى غيره وهذا الكلام اعتمد عليه ابن سينا وأتباعه كالرازي وغيره وبنوا عليه النفي والتعطيل وهو من أبطل الكلام.
стр. 423
ومما يبين ذلك أن النبي ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" وقد ثبت عنه أنه حلف بعزة الله والحلف بعمر الله، ونحو ذلك من صفاته فعلم أن الحالف بصفاته ليس حالفا بغيره، ولو كانت الصفة يطلق عليها القول بأنها غيره، لكان الحلف بها حلفا بغيره، وإذا قال القائل الحالف بصفته حالف به، لأن الصفة تستلزم الموصوف وهو المقصود باليمين، قيل لهم فلهذا لم يدخل في إطلاق القول بأنها غير الله فعلمه لازم له وملزوم له وكلامه لازم له وملزوم له والصفة داخلة في مسمى الموصوف، فإذا قال القائل عبدت الله وذكرت الله ونحو ذلك فاسم الله متضمن لصفاته اللازمة لذاته فإذا قيل أنها غير الله فقد يفهم منه أنها خارجة عن مسمى اسمه وهذا باطل، ولهذا قد يقال أنها غير الذات، ولا يقال أنها غير الله، لأن لفظ الذات يشعر بمغايرته للصفة، بخلاف اسم الله تعالى فإنه متضمن لصفات كماله، وقولنا أنه مغاير للذات لا يتضمن جواز وجوده دون الذات فإنه ليس في الخارج ذات منفكة عن صفات، ولا صفات منفكة عن ذات، بل ذلك ممتنع لنفسه.
ومن قال من أهل الأثبات أن له صفات زائدة على ذاته فحقيقة قوله أنها زائدة على ما أثبته المثبت من الذات حيث أقر بذات ولم يقر بصفاتها، وإلا ففي الخارج ليس هناك ذات منفكة عن صفات حتى يقال أن الصفات زائدة عليها بل لفظ الذات في الأصل تأنيث ذو كقوله ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ وقوله ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وهي تستلزم الإضافة، ولكن المتكلمون قطعوه عن الإضافة وعرفوه فقالوا الذات وحقيقته التي لها صفات فحيث قيل لفظ الذات كان مستلزما للصفات ويستحيل وجود ذات منفكة عن الصفات في الخارج وفي العقل وفي اللغة ومن قدر ذاتا بلا صفات فهو تقدير محال كما يقدر سواد ليس
стр. 424
بلون وعلم بلا عالم وعالم بلا علم ونحو ذلك من الأمور الممتنعة وهذه المعاني مبسوطة في غير هذا الموضع
والمقصود هنا أن هذه الحجة التي ينفون بها الصفات ويعتمدون على نفي مسمى التركيب هي مبنية على ألفاظ مجملة مشتركة موهمة فإذا قالوا إثبات الصفات تركيب والمركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره والمفتقر إلى غيره ليس بواجب بنفسه قيل لهم إن أردتم بالغير غيرًا مباينًا له فهذا باطل وإن أردتم ما هو داخل في مسمى اسمه كان حقيقة قولكم المركب لا يوجد إلا بوجود جزئه والمجموع لا يوجد إلا بوجود بعضه والجملة لا توجد إلا بوجود أفرادها
ومن المعلوم أن القائل إذا قال الشيء لا يوجد إلا بوجود نفسه كان هذا صحيحا وكذلك إذا قيل لا يوجد إلا بوجود ما هو داخل في نفسه مما يسمى صفات وأجزاء ونحو ذلك، فإذا قيل أن هذا يقتضي افتقاره إلى غيره كان من المعلوم أن هذا دون افتقاره إلى نفسه فإن نفسه إذا كانت لا توجد إلا بنفسه فأن لا يوجد إلا بوجود ما يدخل في نفسه أولى، وإذا قيل لم يوجد إلا بنفسه لم يمنع هذا أن يكون واجبا بنفسه، وإذا قيل لا يوجد إلا بوجود ما هو داخل في مسمى نفسه كان هذا أولى أن لا يمنع كونه واجبا بنفسه لأن الافتقار إلى المجموع أعظم من الافتقار إلى الجزء ومن افتقر إلى مجموع العشرة كان افتقاره أبلغ من افتقار من افتقر إلى واحد من العشرة فإذا كان المجموع لا يوجد إلا بالمجموع ولا يمنع هذا أن يكون المجموع مفتقرا إلى نفسه فلأن لا يمنع كون المجموع مفتقرا إلى فرد من أفراده أولى وأحرى
وإذا قيل جزؤه غيره والمفتقر إلى غيره ممكن بنفسه قيل إن أريد بذلك أن المفتقر إلى المباين له ممكن بنفسه فليس هذا مورد كلامنا، وإن أريد أن المفتقر إلى
стр. 425
ما يدخل في نفسه ممكن بنفسه كان هذا ممنوعا بل كان معلوم الفساد بالضرورة فإن افتقاره إلى ما يدخل في نفسه ليس بأعظم من افتقاره إلى نفسه وإذا كان هو موجود بنفسه بمعنى أنه لا يفتقر إلى مباين له لم يلزم من هذا ألا تفتقر نفسه إلى نفسه فكذلك لا يلزم ألا تفتقر إلى ما يدخل في مسمى نفسه وإذا قيل هو مفتقر إلى نفسه فله معينان أحدهما أنه مفتقر إلى أن يفعل نفسه ونحو ذلك فهذا ممتنع لذاته فإن الشيء لا يكون فاعلا لنفسه والعلم بذلك ضروري وإن أريد بذلك أن نفسه لا تكون إلا بنفسه ولا تستغني عن نفسه ويمتنع وجود نفسه بدون نفسه فهذا صحيح لا بد منه
وإذا قيل هو مفتقر إلى ما يدخل في نفسه سواء سمي صفة أو جزءا أو غير ذلك قيل أتريد به أن ذلك الجزء يكون فاعلا له أو ما يشبه هذا فهذا ممتنع باطل ولا يقوله عاقل وإن أردت بذلك أنه لا يكون موجودا إلا بوجود ذلك وأنه يمتنع وجوده بدونه ونحو ذلك كان ما يقدر في هذا دون ما يقدر في نفسه وإذا كان لا توجد نفسه إلا بنفسه فأن لا يوجد إلا بما يدخل في نفسه بطريق الضرورة وإذا كان ذلك أمرا واجبا لا محذور فيه فهذا بطريق الأولى وإذا كان تقدير استغناء نفسه عن نفسه يوجب عدمه فكذلك تقدير وجوده بدون ما هو داخل في مسمى نفسه مما هو لازم له يوجب عدمه بالحقيقة فهذه الأمور التي نفوها عن الوجود الواجب توجب عدمه وامتناعه ولهذا كانوا من أعظم الناس تناقضا حيث وصفوا واجب الوجود بممتنع الوجود ولهذا جعلوه وجودا مطلقا بشرط الإطلاق أو بشرط نفي الأمور الثبوتية كما صرح بذلك ابن سينا وأتباعه
وهم قد قرروا في منطقهم اليوناني ما هو معلوم بصريح العقل أن المطلق بشرط الإطلاق إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان كالإنسان المطلق بشرط الإطلاق والجسم المطلق بشرط الإطلاق والحيوان المطلق بشرط الإطلاق وهذا قصدوا به