البصير)، (إن الله سميع بصير)، ونحو ذلك من الآيات.
وقال في وصف الحادث بهما:) إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا)، (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) الآية، ونحو ذلك من الآيات.
فله جل وعلا سمع وبصر حقيقيان يليقان بكماله وجلاله، وللمخلوق سمع وبصر مناسبان لحاله، وبين سمع الخالق وبصره، وسمع المخلوق وبصره من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.
وقال في وصف نفسه بالكلام (وكلم الله موسى تكليما)، (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي)، (فأجره حتى يسمع كلام الله)، ونحو ذلك من الآيات.
وقال في وصف المخلوق به: (فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين)، (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم) الآية، (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا)، ونحو ذلك من الآيات.
فله جل وعلا كلام حقيقي يليق بكماله وجلاله؛ وللمخلوق كلام أيضا مناسب لحاله، وبين كلام الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.
وهذه الصفات السبع المذكورة يثبتها كثير ممن يقول بنفي غيرها من صفات المعاني.
والمعتزلة ينفونها ويثبتون أحكامها فيقولون: هو تعالى حي قادر، مريد عليم، سميع بصير، متكلم بذاته لا بقدرة قائمة بذاته، ولا إرادة قائمة بذاته، هكذا فرارا منهم من تعدد القديم!!
стр. 352
ومذهبهم الباطل لا يخفى بطلانه وتناقضه على أدنى عاقل؛ لأن من المعلوم أن الوصف الذي منه الاشتقاق إذا عدم فالاشتقاق منه مستحيل فإذا عدم السواد عن جرم مثلا استحال أن تقول هو أسود، إذ لا يمكن أن يكون أسود ولم يقم به سواد، وكذلك إذا لم يقم العلم والقدرة بذات، استحال أن تقول: هي عالمة قادرة لاستحالة اتصافها بذلك، ولم يقم بها علم ولا قدرة، قال في " مراقي السعود ":
وعند فقد الوصف لا يشتق … وأعوز المعتزلي الحق
وأما الصفات المعنوية عندهم: فهي الأوصاف المشتقة من صفات المعاني السبع المذكورة، وهي كونه تعالى: قادرا، مريدا، عالما حيا، سميعا بصيرا، متكلما.
والتحقيق أنها عبارة عن كيفية الاتصاف بالمعاني، وعد المتكلمين لها صفات زائدة على صفات المعاني مبني على ما يسمونه الحال المعنوية، زاعمين أنها أمر ثبوتي ليس بموجود، ولا معدوم؛ والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذا الذي يسمونه الحال المعنوية لا أصل له، وإنما هو مطلق تخييلات يتخيلونها؛ لأن العقل الصحيح حاكم حكما لا يتطرقه شك بأنه لا واسطة بين النقيضين البتة، فالعقلاء كافة مطبقون على أن النقيضين لا يجتمعان، ولا يرتفعان، ولا واسطة بينهما البتة، فكل ما هو غير موجود، فإنه معدوم قطعا، وكل ما هو غير معدوم، فإنه موجود قطعا، وهذا مما لا شك فيه كما ترى.
وقد بينا في اتصاف الخالق والمخلوق بالمعاني المذكورة منافاة صفة الخالق للمخلوق، وبه تعلم مثله في الاتصاف بالمعنوية المذكورة لو فرضنا أنها صفات زائدة على صفات المعاني، مع أن التحقيق أنها عبارة عن كيفية الاتصاف بها.
وأما الصفات السلبية عندهم: فهي خمس، وهي عندهم: القدم، والبقاء،
стр. 353
والوحدانية، والمخالفة للخلق، والغنى المطلق، المعروف عندهم بالقيام بالنفس.
وضابط الصفة السلبية عندهم: هي التي لا تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودي أصلا، وإنما تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله.
أما الصفة التي تدل على معنى وجودي: فهي المعروفة عندهم بصفة المعنى، فالقدم مثلا عندهم لا معنى له بالمطابقة، إلا سلب العدم السابق، فإن قيل: القدرة مثلا تدل على سلب العجز، والعلم يدل على سلب الجهل، والحياة تدل على سلب الموت، فلم لا يسمون هذه المعاني سلبية أيضا؟
فالجواب: أن القدرة مثلا تدل بالمطابقة على معنى وجودي قائم بالذات، وهو الصفة التي يتأتى بها إيجاد الممكنات وإعدامها على وفق الإرادة، وإنما سلبت العجز بواسطة مقدمة عقلية، وهي أن العقل يحكم بأن قيام المعنى الوجودي بالذات يلزمه نفي ضده عنها لاستحالة اجتماع الضدين عقلا، وهكذا في باقي المعاني.
أما القدم عندهم مثلا: فإنه لا يدل على شيء زائد على ما دل عليه الوجود، إلا سلب العدم السابق، وهكذا في باقي السلبيات، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن القدم، والبقاء اللذين يصف المتكلمون بهما الله تعالى زاعمين، أنه وصف بهما نفسه في قوله تعالى: (هو الأول والآخر) الآية.
جاء في القرآن الكريم وصف الحادث بهما أيضا،
قال في وصف الحادث بالقدم: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)، وقال: (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم)، وقال:) أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون)، وقال في وصف الحادث بالبقاء:) وجعلنا ذريته هم الباقين)، وقال: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق)، وكذلك وصف الحادث بالأولية والآخرية
стр. 354
المذكورتين في الآية، قال: (ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين).
ووصف نفسه بأنه واحد، قال:) وإلهكم إله واحد).
وقال في وصف الحادث بذلك:) يسقى بماء واحد).
وقال في وصف نفسه بالغنى:) والله هو الغني الحميد)، (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد).
وقال في وصف الحادث بالغنى: (ومن كان غنيا فليستعفف)، (إن يكونوا فقراء يغنهم الله) الآية.
فهو جل وعلا موصوف بتلك الصفات حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله، والحادث موصوف بها أيضا على الوجه المناسب لحدوثه وفنائه، وعجزه وافتقاره، وبين صفات الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين الخالق والمخلوق، كما بيناه في صفات المعاني.
وأما الصفة النفسية عندهم، فهي واحدة، وهي: الوجود، وقد علمت ما في إطلاقها على الله، ومنهم من جعل الوجود عين الذات فلم يعده صفة، كأبي الحسن الأشعري، وعلى كل حال، فلا يخفى أن الخالق موجود، والمخلوق موجود، ووجود الخالق ينافي وجود المخلوق، كما بينا.
ومنهم من زعم أن القدم والبقاء صفتان نفسيتان، زاعما أنهما طرفا الوجود الذي هو صفة نفسية في زعمهم.
وأما الصفات الفعلية، فإن وصف الخالق والمخلوق بها كثير في القرآن، ومعلوم أن فعل الخالق مناف لفعل المخلوق كمنافاة ذاته لذاته، فمن ذلك:
وصفه جل وعلا نفسه بأنه يرزق خلقه، قال:) إن الله هو الرزاق)
стр. 355
الآية، (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين)، وقال:) وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) الآية.
وقال في وصف الحادث بذلك: (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منها) الآية، وقال:) وعلى المولود له رزقهن) الآية.
ووصف نفسه بالعمل، فقال:) أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما) الآية.
وقال في وصف الحادث به:) إنما تجزون ما كنتم تعملون).
ووصف نفسه بتعليم خلقه فقال:) الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان).
وقال في وصف الحادث به: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) الآية.
وجمع المثالين في قوله تعالى: (تعلمونهن مما علمكم الله).
ووصف نفسه بأنه ينبئ.
ووصف المخلوق بذلك، وجمع المثالين في قوله تعالى: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير).
ووصف نفسه بالإيتاء، فقال: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك)، وقال:) يؤتي الحكمة من يشاء)، وقال:) ويؤت كل ذي فضل فضله)، وقال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).
стр. 356
وقال في وصف الحادث بذلك:) وآتيتم إحداهن قنطارا)، (وآتوا اليتامى أموالهم)، (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)، وأمثال هذا كثيرة جدا في القرآن العظيم.
ومعلوم أن ما وصف به الله من هذه الأفعال فهو ثابت له حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله؛ وما وصف به المخلوق منها فهو ثابت له أيضا، على الوجه المناسب لحاله، وبين وصف الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.
وأما الصفات الجامعة، كالعظم والكبر والعلو، والملك والتكبر والجبروت، ونحو ذلك. فإنها أيضا يكثر جداً وصف الخالق والمخلوق بها في القرآن الكريم.
ومعلوم أن ما وصف به الخالق منها مناف لما وصف به المخلوق، كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق.
قال في وصف نفسه جل وعلا بالعلو والعظم والكبر: (ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم)، (إن الله كان عليا كبيرا)، (عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال).
وقال في وصف الحادث بالعظم: (فكان كل فرق كالطود العظيم)، (إنكم لتقولون قولا عظيما)، (ولها عرش عظيم)، (عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) إلى غير ذلك من الآيات.
وقال في وصف الحادث بالكبر:) لهم مغفرة وأجر كبير)، وقال:) إن قتلهم كان خطئا كبيرا)، وقال: (إلا تفعلوه تكن فتنة في
стр. 357
الأرض وفساد كبير)، وقال: (وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله)، وقال: (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين).
وقال في وصف الحادث بالعلو:) ورفعناه مكانا عليا)، (وجعلنا لهم لسان صدق عليا)، إلى غير ذلك من الآيات.
وقال في وصف نفسه بالملك: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس)، (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس)، وقال: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر).
وقال في وصف الحادث به: (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان)، (وقال الملك ائتوني به)، (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا)، (أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه)، (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء)، إلى غير ذلك من الآيات.
وقال في وصف نفسه بالعزة:) فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم)، (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم)، (أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب).
وقال في وصف الحادث بالعزة:) قالت امرأة العزيز)، (فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب).
وقال في وصف نفسه جل وعلا بأنه جبار متكبر: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر).
وقال في وصف الحادث بهما:) كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار)،
стр. 358
(أليس في جهنم مثوى للمتكبرين)، (وإذا بطشتم بطشتم جبارين)، إلى غير ذلك من الآيات.
وقال في وصف نفسه بالقوة:) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)، (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز).
وقال في وصف الحادث بها: (وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة)، (ويزدكم قوة إلى قوتكم)، (إن خير من استأجرت القوي الأمين)، (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة) الآية إلى غير ذلك من الآيات.
وأمثال هذا من الصفات الجامعة كثيرة في القرآن، ومعلوم أنه جل وعلا متصف بهذه الصفات المذكورة حقيقة على الوجه اللائق بكماله، وجلاله. وإن ما وصف به المخلوق منها مخالف لما وصف به الخالق، كمخالفة ذات الخالق جل وعلا لذوات الحوادث، ولا إشكال في شيء من ذلك، وكذلك الصفات التي اختلف فيها المتكلمون؛ هل هي من صفات المعاني أو من صفات الأفعال، وإن كان الحق الذي لا يخفى على من أنار الله بصيرته أنها صفات معان أثبتها الله-جل وعلا-لنفسه، كالرأفة والرحمة.
قال في وصفه -جل وعلا-بهما:) فإن ربكم لرءوف رحيم)،
وقال في وصف نبينا ﷺ بهما:) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم)،
وقال في وصف نفسه بالحلم: (ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم).
стр. 359
وقال في وصف الحادث به:) فبشرناه بغلام حليم)، (إن إبراهيم لأواه حليم).
وقال في وصف نفسه بالمغفرة:) إن الله غفور رحيم)،) لهم مغفرة وأجر عظيم)، ونحو ذلك من الآيات.
وقال في وصف الحادث بها: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور)، (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) الآية، (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى)، ونحو ذلك من الآيات.
ووصف نفسه جل وعلا بالرضى ووصف الحادث به أيضا فقال: (رضي الله عنهم ورضوا عنه).
ووصف نفسه جل وعلا بالمحبة، ووصف الحادث بها، فقال:) فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم)، (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).
ووصف نفسه بأنه يغضب إن انتهكت حرماته فقال: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه) الآية، (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه) الآية.
وقال في وصف الحادث بالغضب (ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا)؛ وأمثال هذا كثير جدا.
والمقصود عندنا ذكر أمثلة كثيرة من ذلك، مع إيضاح أن كل ما اتصف به جل وعلا من تلك الصفات بالغ من غايات الكمال والعلو والشرف ما يقطع علائق جميع
стр. 360
أوهام المشابهة بين صفاته جل وعلا، وبين صفات خلقه، عن ذلك علوا كبيرا" (١).
المسألة الثالثة: الرد على شبهة من زعم أن إثبات ما أثبته من الصفات هو أن العقل دل عليه.
وقد بين المصنف هذه الشبهة ورد عليها
أولًا: عرض الشبهة.
فقال المصنف: "فإن قال: تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك".
وفي هذا النص مسائل:
المسألة الأولى: أقسام الصفات باعتبار أدلتها.
تنقسم الصفات من حيث أدلة ثبوتها إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الشرعية العقلية وضابطها: هي التي يشترك في إثباتها الدليل الشرعي السمعي والدليل العقلي، والفطرة السليمة.
وهي أكثر صفات الرب تعالى، بل أغلب الصفات الثبوتية يشترك فيها الدليلان السمعي والعقلي (٢) وإن كان الأصل في ثبوتها الدليل الشرعي.
ومنها: العلم، السمع، البصر، العلو، القدرة، الإرادة، الخلق، الحياة.
وسميت "شرعية عقلية" شرعية: لأن الشرع دل عليها أو أرشد إليها.
стр. 361
وعقلية: لأنها تعلم صحتها بالعقل ولا يقال إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر
فإذا أخبر الله بالشييء، ودل عليه بالدلالات العقلية صار مدلولا عليه بخبره، ومدلولا عليه بدليل العقل الذي يعلم به، فيصير ثابتاً بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى الدلالة الشرعية (١)
القسم الثاني: الصفات الخبرية وتسمى النقلية والسمعية وضابطها: هي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع والخبر عن الله أو عن رسوله الأمين عليه الصلاة والتسليم (٢).
ومنها: الوجه - اليد - العين - الرضا - الفرح - الغضب - القَدَم - الاستواء - النزول - المجيء - الضحك
وهي تنقسم إلى قسمين:
١ - صفات ذاتية مثل: الوجه - اليد - العين - القَدَم
٢ - صفات فعلية مثل: النزول - الاستواء - الغضب - الفرح - الضحك
المسألة الثانية: شبهة المعطلة.
فهذه الشبهة هي عند جميع المعطلة الذين اعتمدوا على عقولهم فقط فيما يثبتون وفيما ينفون، فأهل التعطيل جعلوا أقوال البشر أو ما يسمونه "العقل" وحده هو أصل علمهم، فالشبه العقلية هي الأصول الكلية الأولية عندهم، وهي التي تثبت وتنفي، ثم يعرضون الكتاب والسنة على تلك الشبه العقلية، فإن وافقتها قبلت اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضتها ردت تلك النصوص الشرعية وطرحت، وفي هذا يقول قائلهم: (كل ما ورد السمع به ينظر فإن كان العقل مجوزا له وجب التصديق به،
стр. 362
وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به، ولا يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول. وظواهر أحاديث التشبيه -يعني بها أحاديث الصفات-أكثرها غير صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل) (١).
وقال: "كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال، إذ الأدلة العقلية يستعجل نسخها وتكاذبها، فإن ورد دليل سمعي على خلاف العقل، فإما أن لا يكون متواترًا فيعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترًا فيكون مؤولاً ولا يكون متعارضًا" (٢)
فهذا النقل يبين لك مدى تقديم هؤلاء لشبههم العقلية وتعصبهم لها، وكيف أنهم يجعلونها هي الأصول والسمع معروض عليها، فما أجازته عقولهم قبلوه، وما لم تجزه عقولهم شككوا فيه وانتقصوه، ومن ثم سعوا في تأويله وتحريفه، ومن يلقي نظرةً على كتب الأشاعرة مثلاً يجد أن القوم يقسمون أبواب العقيدة إلى إلهيات- ونبوَّات- وسمعيات، وهم في باب الإلهيات والنبوات لا يقبلون نصوص الكتاب والسنة، ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية، ويا عجبا أنأخذ ديننا من كلام الله ورسوله، أم من ملاحدة اليونان وتلاميذهم!
وأما باب السمعيات-أي البعث والحشر والجنة والنار والوعد والوعيد-فهم يقبلون فيه النصوص الشرعية، وبالتالي سموا هذا الباب بالسمعيات. في مقابل باب الإلهيات والنبوات، إذ إنهم يعتمدون فيهما على العقليات، وهؤلاء شابهوا حال من
стр. 363
قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
المسألة الثالثة: الرد على شبهة الاعتماد على العقل وحده.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفًا على أن يقوم عليه دليل عقلي على تلك الصفة بعينها فإنه مما يعلم بالضطرار من دين الإسلام أن الرسول ﷺ إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم (وقالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته) ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنا بالرسول ولا متلقيًا عنه الأخبار بشأن الربوبية ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك أو لم يخبر به فإن ما أخبر به لا يقتدي به بل يتأوله أو يفوضه، وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به وإلا فلا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره وبين عدم الرسول وعدم إخباره وكان ما يذكره من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده" (١)
وشبهة الاعتماد على العقل في أثبات الصفات هي شبهة مردودة يردها النص الشرعي قولًا ومعنى
فمن حيث النص: فلو كان الحق فيما يزعم هؤلاء فالنصوص تقول شيئاً، وهم يقولون شيئاً آخر، فالحق واحد لا يتعدد، فإما أن يكون الحق في صف هذه النصوص، وإما أن يكون الحق في صف هؤلاء، فأنت اجمع واعقد مقارنة، اجمع
стр. 364
النصوص واقرأها، ثم انظر في قول هؤلاء، هل تجد في قول هؤلاء ما يدل عليه النصُّ ويؤكده؟ أم أن قولهم على خلاف ما يقول النصُّ؟
فإذًا بعد ذلك، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فإما أن يكون الكتاب والسُنَّة وسلف الأمة على الخطأ وحاشا أن يكون الأمر كذلك، وإما أن يكون هؤلاء على الخطأ، وهذا الأمر من أوضح وأبين ما يكون، فإنهم على الخطأ البيِّن، إذا كان الأمر في مثل هذه المقارنة.
فإذًا كيف يُعقل أن الحق يكون على خلاف ما جاء في النصوص، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، هل نقول بعد ذلك إن للشريعة ظاهراً وباطناً؟، ونزعم كما زعم الباطنية من الرافضة والصوفية، أو أن للنصوص شريعة وحقيقة.
ويرد بعض الناس النصوص لأن عقله لم يستطع أن يستوعب ذلك النص، ومعلوم أنا مأمورون بأن نسلم ونصدق، فأحياناً قد لا يصل الإنسان إلى فهم النص، أو معرفة معنى النص، أو أن هناك في النص أمراً متعلقاً بالكيفية، وهذا لا تبلغه عقول البشر.
فالواجب على الإنسان أن يُسلم ويصدق بهذا الجانب، فالنصوص لم تأتي بما ترده العقول، ولم تأتي بما يصادم العقل، لكن أحياناً لا تبلغ العقول مبلغ فهم هذا النص، فهذا يأتي من حالين:
إما حال المعنى أو حال الكيف،
فحال المعنى فقد يكون بسبب ما يسمى الاشتباه النسبي، بمعنى: أن النص قد يتضح لك ويخفى علي أو العكس، يتضح لي ويخفى عليك، فالمعنى قد لا يبلغه عقلك أو فهمك، وهذا وقع حتى لبعض أصحاب النبي ﷺ .
فالصحابة رضوان الله عليهم لما سمعوا قول الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا
стр. 365
إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، جاءوا يبكون ويقولون للنبي: "وأينا لم يظلم نفسه" ففهموا من الظلم ظلم النفس، فأرشدهم النبي ﷺ إلى المعنى الحق، وقال: «ألم تسمعوا لقول العبد الصالح يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم» (١)، فأفهمهم بأن المراد من الظلم هنا هو الشرك؛ لأن الظلم على ثلاثة أنواع:
ظلم النفس، وظلم الغير، والظلم بمعنى الشرك.
وهذا عدي بن حاتم عربي قُح، عندما سمع قول الله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، جاء بحبلين بعقالين أحدهما أسود والثاني أبيض ووضعهما تحت وسادته وأخذ ينظر إليهما، يريد أن يتبين إليه الأبيض من الأسود، فلما جاء إلى النبي ﷺ قال: ((إن قفاك لعريض ألم يقل من الفجر)) (٢)، فبين له أن المعنى هنا بياض النهار وسواد الليل.
فيقع التباس وعدم قدرة على الفهم من جهة المعنى.
أو أن الأمر متعلق بالكيفية كقوله: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» فنحن لا نعلم كيف نزوله، ولا كيف استوائه فلا نعلم هذه الكيفيات فبعض الأمورٌ أحياناً لا تبلغها عقولنا، فما جاء النص بما يصادم العقل، لكن قد يأتي النص بما لم
стр. 366
يبلغه العقل، وما لم يصل إليه عقل الإنسان، إما معنىً من جهة قصور فهمنا أو حقيقة من جهة أن هذا الأمر غيبٌ من الغيوب.
فهذه النصوص نقابلها بالتسليم والتصديق، وإذا كان الأمر متعلقاً بالمعنى سألنا من كان فيها أفقه وأعلم وأعرف، فبالتالي سيبين لك ما هو المعنى المراد من هذا النص، وإن كان أمراً متعلقاً بالكيفية فليس لك إلا القبول والتسليم، فهذه النصوص التي ذكرها من نزول الله وكذلك من قوله ((من آتاني يمشي أتيته هرولة)) ونحو ذلك فهذه النصوص بعضها متعلق بالكيف وبعضها متعلق بالمعنى.
فما كان متعلقاً بالكيف فليس لك إليه سبيل؛ لأنه محجوبٌ عنا، والله تعالى قد قال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فليس لك أن تتخوض أو تخوض في شأن الكيف ولا سبيل لك إليها.
فلا سبيل لك إلى هذه الكيفيات، فمثلاً الروح بين جنبيك وأقرب شيء إليك ومع ذلك لا سبيل إلى معرفة كنهها وكيفيتها مع أنها مخلوقة وبين جنبي الإنسان، فإذاً علينا التسليم والتصديق والتفويض، فالتفويض هنا متعلقٌ بالكيف.
قال العلامة ابن خلدون: «واتبعْ ما أمرك الشارع به في اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك، لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك، وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، وأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد، والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك رجلٌ رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حد يقف عنده
стр. 367
ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود» (١).
فمنهج طوائف المعطلة يقوم على أن ما أجازته عقولهم قالوا به، فالعقول أجازت سبع صفات إذاً سبع صفات، ما عداها بين خيارين:
إما التحريف الذي يسمونه التأويل.
أو التجهيل الذي يسمونه التفويض، ومضمونه أن كتاب الله تعالى لا يبتدأ به في معرفة الله، فمضمون كلامهم نبذ الكتاب والسنة.
ثانيًا: الرد على شبهتهم.
رد المصنف على شبهة الأشاعرة من وجهين
أما الوجه الأول: فقال المصنف: "قال له سائر أهل الإثبات: لك جوابان:
أحدهما: أن يقال: عدم الدليل المعيَّن لا يستلزم عدم المدلول المعيَّن، فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل، كما على المثبت. والسمع قد دل عليه، ولم يعارض، ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالمُ عن المعارِض المقاوم.
ويمكن شرح هذا النص من خلال الأمور الآتية:
أولًا: توضيح المسألة.
استدل المصنف بقاعدة [انتفاء الدليل المعيَّن لا يستلزم انتفاء المدلول] (٢)،
стр. 368
ولتوضيح هذه القاعدة على وجه العموم: يمكن إجمال ذلك في النقاط الآتية
مسمياتها
تسمى: قاعدة انتفاء الدليل المعيَّن لا يستلزم انتفاء المدلول.
وبعضُ أهلِ العلمِ يعبِّر عن هذه القاعدة بقوله (عدم السبب المعيَّن لا يقتضي انتفاء المسبَّب المعين).
стр. 369
استعمالاتها:
هذه قاعدةٌ جليلةٌ في "الردِّ والمناظرةِ".
وتستخدم في الرد على جميع الطوائف والفرق التي تقدِّسُ (العقل) وتقدمه على (النقل)،
ومضمونها: أن انتفاءَ مسألةٍ ما من دليلٍ معيَّن لا يستلزمُ انتفاءَ المدلول أي المسألةِ، بل إنَّ غاية أمرنا أن ننفي دليل المسألة من هذا الدليل المعين، ثم نثبتها من طرقٍ أخرى.
أمثلتها:
مثالٌ ذلك: لو كان الطريق الرئيس الذي يوصِل إلى مكةَ مغلق الآن، هل معناهُ أنه يمتنع الوصول إلى مكة؟
فالجواب: لا، لأنه يمكن الوصول إليها من طريق آخر.
مثال آخر: لو قال قائلٌ: الأكل من لحم الإبل لا ينقضُ الوضوء لأنَّ الإجماعَ لا يدل عليه، فنقول له: إن لم يثبت انتقاض الوضوء من لحم الإبل بدليل الإجماع فإنَّ (دليل السنة) قد أثبتت انتقاض الوضوء، فانتفاء الدليل المعين-الذي هو الإجماع- لا يستلزم انتفاء المدلول -وهو انتقاض وضوء من أكل رحم إبل عن طريق السنة-
فالخلاصةُ: أنه إذا انتفى أحدُ الدليلين ثبتَ المدلولُ بالدليل الآخر، فلو أبطلَ إثباتُ هذا الإثبات عن طريق العقلِ فإن النقلَ يقبله لأنه ثبت به.
ثانيًا: تقرير المصنف لهذه القاعدة في كتبه.
وقرر المصنف هذه المسألة في مواضع من كتبه، فقال: "فمن المعلوم أن الدليل يجب طرده، وهو ملزوم للمدلول عليه، فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه،
стр. 370
ولا يجب عكسه، فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه" (١)
وأضاف المصنف تفصيلاً مهماً في ذلك، حيث قال: "عدم الدليل المعيّن لا يستلزم عدم المدلول عليه، فإن كل ما خلقه الله دليل عليه، ثم إذا عدم ذلك، لم يلزم عدم الخالق، فلا يجوز نفي الشيء لعدم الدليل الدالّ عليه، إلا أن يكون عدم الدليل مستلزماً لعدمه، كالأمور التي تتوفر الهمة على نقلها، إذا لم ينقل، عُلم انتفاؤها" (٢).
ثالثًا: وجه الرد بهذه القاعدة على المخالف.
والمقصود أن كثيرًا من المتناظرين قد يجعل عمدته في نفي وجود أمر ما، عدم علمه بالدليل على وجوده، والأصل أن عدم العلم بالدليل ليس علماً بالعدم، وعدم الوجدان ليس نفياً للوجود، فكما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، فكذلك النفي يحتاج إلى دليل، وإلا فما لم يعلم وجوده بدليل معين، قد يكون معلوماً بأدلة أخرى، فمثلاً: عدم الدليل العقلي على وجود أمر ما، لا يعني عدم وجوده، لأنه قد يكون ثابتاً بالدليل السمعي، أو غيره.
فالدليل يجب فيه الطرد لا العكس، بمعنى أنه يلزم من وجوده الوجود، ولا يلزم من عدمه العدم، أي عدم المدلول عليه، قال تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)] يونس: ٣٩ [فهذا نعي على كل من كذب بما قصر عنه علمه.
فمن نفى كثيراً من الغيبيات كالصفات، والقدر، والملائكة، والجن، وأحوال البرزخ، والمعاد، لعدم قيام دليل الحس والمشاهدة، أو دليل العقل-كما يزعم-كان غالطاً، لأنه أخبر عن نفسه، ولا يمنع أن يكون غيره قد قام عنده دليل العقل، أو
стр. 371
دليل السمع، أو دليل المشاهدة كما وقع ذلك للرسول ﷺ في مشاهدة الجن والملائكة وأحوال البرزخ والمعاد (١).
رابعًا: ما يستثنى من هذه القاعدة.
ويستثنى من هذه القاعدة ما إذا كان وجود المدلول مستلزماً لوجود الدليل، وقد علم عدم الدليل، فيقع العلم بعدم المدلول المستلزم لدليله، لأن عدم اللازم دليل على عدم الملزوم،
مثاله: قد ثبت توافر الدواعي على نقل كتاب الله تعالى ودينه، فإنه لا يجوز على الأمة كتمان ما يحتاج الناس إلى نقله، فلما لم ينقل ما يحتاجون إليه في أمر دينهم نقلاً عاماً، علمنا يقيناً عدم ذلك، نحو سورة زائدة، أو صلاة سادسة ونحو ذلك (٢)
خامسًا: هذه القاعدة من القواعد العقلية ومما يقر به المخالف.
وقد رد الفخر الرازي على النصارى دعواهم إلهية عيسى ﵇ لظهور الخوارق على يديه، بأن عدم ظهور هذه الخوارق في حق غيره لا يلزم منه عدم إلهية ذلك الغير، بل غاية ما هناك أنه لم يوجد هذا الدليل المعين، وعليه، فيجوز - كما هو لازم قولهم - حلول الله تعالى في كل مخلوق من مخلوقاته، إذ لا دليل على اختصاص عيسى ﵇ بذلك، لأنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول (٣).
وأما الوجه الثاني: فقول المصنف:
"الثاني: أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبتَّ به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة،
стр. 372
وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكفار يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته- وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة- تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأَوْلَى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة".
ويمكن توضيح المقصود هنا من خلال معرفة الأمور الآتية:
الأمر الأول: معرفة قول المتأخرين من الأشاعرة في باب الصفات.
من المعلوم-كما تقدم-أن المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية أنهم يقولون بإثبات سبع صفات فقط أو ثمان ونفي ما عداها، فهم بزعمهم لم يثبتوا من الصفات إلا ما أثبته العقل فقط، وأما ما لا مجال للعقل فيه عندهم فتعرضوا له بالتأويل والتعطيل.
فلا يستدل هؤلاء بالسمع في إثبات الصفات، بل عارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات.
وهذا القول لمتأخري الأشاعرة إنما تلقوه عن المعتزلة، لما مالوا إلى نوع التجهم، بل الفلسفة، وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه، الذين لم يكونوا يقرون بمخالفة النقل للعقل، بل انتصبوا لإقامة أدلة عقلية توافق السمع، ولهذا أثبت الأشعري الصفات الخبرية بالسمع، وأثبت بالعقل الصفات العقلية التي تعلم بالعقل والسمع، فلم يثبت بالعقل ما جعله معارضاً للسمع، بل ما جعله معاضداً له، وأثبت بالسمع ما عجز عنه العقل.
وهؤلاء خالفوه وخالفوا أئمة أصحابه في هذا وهذا، فلم يستدلوا بالسمع في
стр. 373
إثبات الصفات، وعارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات. (١)
فالصفات الثبوتية عند متأخري الأشاعرة هي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. (٢) وزاد الباقلاني وإمام الحرمين الجويني صفة ثامنة هي الإدراك. (٣)
والصفات الثبوتية عند الماتريدية (٤) هي ثمان: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والتكوين. (٥) وهم قد خصوا الإثبات بهذه الصفات دون غيرها، لأنها هي التي دل العقل عليها عندهم، وأما غيرها من الصفات فإنه لا دليل عليها من العقل عندهم، فلذا قالوا بنفيها. (٦)
وهؤلاء لا يجعلون السمع طريقاً إلى إثبات الصفات ولهم فيما لم يثبتوه طريقان.
١ - منهم من نفاه.
٢ - ومنهم من توقف فيه فلم يحكم فيه بإثبات ولا نفي ويقولون بأن العقل دلّ على ما أثبتناه ولم يدل على ما توقفنا فيه. (٧)
وعلى حد تقريرهم هذا أوضح المصنف أنه لا فرق بين ما أثبتوه من الصفات
стр. 374
وبين ما نفوه.
الأمر الثاني: بيان المقصود بالعلة الغائية في قول المصنف: "لقوة العلة الغائية" من الناحية الاصطلاحية.
المقصود بالعلة الغائية الغاية التي من أجلها وُجد الفعل المختار.
وهو مفهوم فلسفي يوناني ابتكره أرسطوطاليس ثم وصل إلى العالم الإسلامي بواسطة الترجمة.
فقد قسم أرسطوطاليس العلل إلى أربع:
١ - علة مؤثرة.
٢ - علة مادية.
٣ - علة صورية.
٤ - علة غائية.
والمثال الذي مثّل به هو صنم الرخام؛
فالنحات علته المُؤثرة.
والرخام علته المادية.
وشكل الصنم علته الصورية.
وتخليد ذكرى الشخص الذي نُحت الصنم على صورته علته الغائية.
وفي كتب علم الكلام أمثلة على هذا المنوال كخاتم الفضة وكرسي الخشب إلخ.
الأمر الثالث: الأقوال في تعليل أفعال الله وإثبات الحكمة فيها.
كل ما خلقه الله تعالى فله فيه حكمة، والحكمة تتضمن شيئين:
أحدهما: حكمة تعود إليه تعالى، يحبها ويرضاها.
والثاني: حكمة تعود إلى عباده، هي نعمة عليهم، يفرحون بها، ويلتذون بها،
стр. 375
وهذا يكون في المأمورات وفي المخلوقات (١).
فهو "سبحانه حكيم، لا يفعل شيئًا عبثًا ولا بغير معنى ومصلحة وحكمة، هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى" (٢)، وقد ذكر ابن القيم بعضها. (٣)
وقد وقع الخلاف في مسألة تعليل أفعال الله على أقوال:
القول الأول: قول من نفى الحكمة وأنكر التعليل، وهؤلاء يقولون: إن الله تعالى خلق المخلوقات، وأمر المأمورات، لا لعلة ولا لداع ولا باعث، بل فعل ذلك لمحض المشيئة، وصرف الإرادة، وهذا مذهب الجهمية والأشاعرة وهو قول ابن حزم وأمثاله. (٤)
القول الثاني: إن الله فعل المفعولات وخلق المخلوقات، وأمر بالمأمورات لحكمة محمودة، ولكن هذه الحكمة مخلوقة، منفصلة عنه، لا ترجع إليه، وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم (٥).
القول الثالث: قول من يثبت حكمة وغاية قائمة بذاته تعالى، ولكن بجعلها قديمة غير مقارنة للمفعول.
стр. 376
القول الرابع: إن الله فعل المفعولات وأمر بالمأمورات لحكمة محمودة، وهذه الحكمة تعود إلى الرب تعالى، لكن بحسب علمه، والله تعالى خلق الخلق ليحمدوه ويثنوا عليه ويمجدوه، فهذه حكمة مقصودة واقعة، بخلاف قول المعتزلة فإنهم أثبتوا حكمة هي نفع العباد. وهذا قول الكرامية الذين يقولون: من وجد منه ذلك فهو مخلوق له وهم المؤمنون، ومن لم يوجد منه ذلك فليس مخلوقا له. (١)
القول الخامس: قول أهل السنة وجمهور السلف وهو أن لله حكمة في كل ما خلق، بل له في ذلك حكمة ورحمة.
هذه خلاصة الأقوال في هذه المسألة، ويلاحظ أنها تنتهي إلى قولين:
أحدهما: نفاة الحكمة، وهو قول الأشاعرة ومن وافقهم.
والثاني: قول الجمهور الذين يثبتون الحكمة.
وهؤلاء على أقوال:
أشهرها:
١ - قول المعتزلة الذين يثبتون حكمة تعود إلى العباد ولا تعود إلى الرب.
٢ - وقول جمهور السلف الذين يثبتون حكمة تعود إلى الرب تعالى. (٢)
ويلاحظ أن من نفى الحكمة والتعليل - كالأشاعرة - دفعه ذلك إلى الميل إلى الجبر وإثبات الكسب والقدرة غير المؤثرة للعبد.
стр. 377
ومن إثبات حكمة تعود إلى العباد، جعلوا هذه الحكمة لا تتم إلا بأن يكون العباد هم الخالقين لأفعالهم وهذا قول المعتزلة.
أما أهل السنة فلم يلزمهم لازم من هذه اللوازم الباطلة، ولذلك جاء مذهبهم وسطا في باب القدر.
الأمر الرابع: توضيح مراد المصنف.
كلام المصنف هنا هو من باب أنه إذا كان من المعلوم أن الدليل يجب طرده، وهو ملزوم للمدلول عليه، فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه، ولا يجب عكسه، فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه.
وهذا كالمخلوقات، فإنها آية للخالق، فيلزم من ثبوتها ثبوت الخالق، ولا يلزم من وجود الخالق وجودها.
فإذا كان دليل المتأخرين من الأشاعرة ومن وافقهم على إثبات تلك الصفات السبع أو الثمان التي أقروا بها هو العقل، فأجاب المصنف بأنه يمكن إثبات الصفات الأخرى التي نفاها هؤلاء بنظير الدليل الذي استدل به هؤلاء على الصفات السبع أو الثمان التي أثبتوها، وذلك من باب طرد الدليل فقال المصنف: "يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبتَّ به تلك من العقليات" فكما أثبتم القدرة بالفعل، والتخصيص بالإرادة، والعلم بالإحكام، وبقية الصفات، كالحياة والسمع والبصر؛ لأنها من لوازم الحياة، فكذلك بقية الصفات.
وضرب أمثلة على ذلك
المثال الأول: إثبات "صفة الرحمة"
فإذا كان المخالف يستدل على "أن الفعل الحادث دل على القدرة" فإن طرد الدليل يوجب أن "يقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة، كدلالة
стр. 378
التخصيص على المشيئة"
المثال الثاني: إثبات "صفات المحبة والبغض والحكمة"
قال المصنف: "وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكفار يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته- وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة- تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأَوْلَى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة"
وهذا مبني على قول أهل السنة أن لله حكمة في كل ما خلق، بل له في ذلك حكمة ورحمة.
المتن
قال المصنف ﵀: «وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات، ويقر بالأسماء كالمعتزلي، الذي يقول: إنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة.
قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء وبين إثبات الصفات، فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيهًا وتجسيمًا، لأنّا لا نجد في الشاهد متصفًا بالصفات إلا ما هو جسم. قيل لك: ولا تجد في الشاهد ما هو مسمى بأنه حي عليم قدير إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا لجسم فانف الأسماء، بل وكلَّ شيء لأنك لا تجده في الشاهد إلا لجسم.
فكل ما يحتج به من نفى الصفات، يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جوابًا لذلك كان جوابًا لمثبتي الصفات".
стр. 379
الشرح
لما فرغ المصنف ﵀ من الرد على المتأخرين من الأشاعرة ومن وافقهم ممن يثبت بعض الصفات دون بعض شرع هنا يرد على المعتزلة الذين يثبتون الأسماء بدون ما تضمنته من الصفات.
ويمكن توضيح المقصود بهذا النص من خلال الأمور الآتية:
الأمر الأول: قول المعتزلة في صفات الله.
وقد تقدم بيان قول المعتزلة في باب الصفات عند شرح قوله: "فأثبتوا له الأسماء دون ما تضمنته من الصفات"
وأن المعتزلة تجمع على غاية واحدة وهي نفي إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. ولكنهم سلكوا طريقين في موقفهم من الصفات.
الطريق الأول: الذي عليه أغلبيتهم وهو نفيها صراحة فقالوا: إن الله عالم بذاته لا بعلم وهكذا في باقي الصفات.
والطريق الثاني: الذي عليه بعضهم وهو إثباتها اسماً ونفيها فعلاً فقالوا: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وهكذا بقية الصفات، فكان مجتمعاً مع الرأي الأول في الغاية وهي نفي الصفات.
وهناك آراء أخرى للمعتزلة لكنها تجتمع في الغاية مع الرأيين الأولين، وهو التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. (١)
والمقصود بنفي الصفات عندهم: هو نفي إثباتها حقيقة في الذات ومتميزة عنها، وذلك أنهم يجعلونها عين الذات فالله عالم بذاته بدون علم أو عالم بعلم وعلمه
стр. 380
ذاته. (١)
فالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه فقالوا حينئذ إن القرآن مخلوق، وإنه ليس لله مشيئة قائمة به، ولا حب ولا بغض ونحو ذلك.
وردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به. (٢)
فالمعتزلة ومن وافقهم زعموا أن الصفة هي مجرد قول الواصف (٣)، فزعموا أن إضافة الصفات هي إضافة وصف من غير قيام معنى به (٤) وهذا باطل، فإن حقيقة الصفة هي ما قام بالموصوف، فإن كل موصوف لا يوصف إلا بما قام به لا بما هو مباين له (٥).
الأمر الثاني: الرد على المعتزلة عمومًا في نفيهم لصفات الله.
يجب الوقوف في هذا الباب على ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، فلا نثبت لله تعالى من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته
قال الإمام أحمد: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا يُتَجاوز القرآن والحديث" (٦)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله
стр. 381
بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون لا يُتَجاوز القرآن والحديث" (١)
وبحمد الله نصوص الكتاب والسنة الواردة في باب صفات الله كثيرة ومتوافرة، ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفات ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: التصريح بالصفة:
كالعزة في قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾. (٢)
وقوله ﷺ : "أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت". (٣)
والقوة في قوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: الآية: ١٦٥].
والرحمة في قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام الآية: ١٣٣].
واليدين في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة الآية ٦٤].
والبطش في قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج الآية: ١٢].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إضافة الصفة إلى الموصوف:
كقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات الآية ٥٨].
وفي حديث الاستخارة "اللهم إني أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك"٩.
وفي الحديث الآخر "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق"١٠.
فهذا في الإضافة الاسمية
وأما بصيغة الفعل فكقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾
стр. 382
] البقرة الآية: ١٨٧]، وقوله ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل الآية: ٢٠].
أما الخبر الذي هو جملة اسمية فمثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات الآية: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران الآية: ١٨٩].
وذلك لأن الكلام الذي توصف به الذوات:
١ - إما جملة.
٢ - أو مفرد.
فالجملة:
إما اسمية: كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات الآية: ١٦].
أو فعلية: كقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوه﴾ [المزمل الآية: ٢٠].
أما المفرد فلا بد فيه من:
١ ـ إضافة الصفة لفظاً أو معنى كقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥].
وقوله: ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة﴾ [فصلت الآية: ١٥ [
٢ ـ أو إضافة الموصوف كقوله: ﴿ذُو الْقُوَّة﴾ [الذاريات الآية: ٥٨ [" (١)
الوجه الثاني: تضمن الاسم للصفة
فمن الأمور المتقررة في عقيدة أهل السنة والجماعة أن أسماء الله الحسنى متضمنة للصفات، فكل اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر
فالعزيز متضمن لصفة العزة وهو مشتق منها
والخالق متضمن لصفة الخلق وهو مشتق منها
стр. 383
والرحيم متضمن لصفة الرحمة وهو مشتق منها
فأسماء الله مشتقة من صفاته
وترجع أسماء الله الحسنى من حيث معانيها إلى أحد الأمور التالية:
١ - إلى صفات معنوية: كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير.
٢ - ما يرجع إلى أفعاله: كالخالق، والرازق، والبارئ، والمصور.
٣ - ما يرجع إلى التنزيه المحض ولا بد من تضمنه ثبوتاً إذ لا كمال في العدم المحض: كالقدوس، والسلام، والأحد.
٤ - ما دل على جملة أوصاف عديدة ولم يختص بصفة معينة بل هو دال على معنى مفرد نحو: المجيد، العظيم، الصمد" (١).
الوجه الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها أي ما فيها معنى الصفة والفعل مثل قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء الآية: ١٦٤ [
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس الآية: ٨٢].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة الآية: ١].
وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [الحج الآية: ١٤].
وقوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء الآية: ٩٣].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَه﴾ [محمد الآية: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة الآية: ١١٩].
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ [المؤمنون الآية: ١١٨].
стр. 384
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [السجدة الآية: ٤].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ [الأعراف الآية: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر الآية: ٢٢].
الأمر الثالث: توضيح ما احتج به المصنف على المعتزلة في إنكارهم للصفات.
فيقال للمعتزلة: لا فرق بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات،
فإن قالوا: إن إثبات الحياة والعلم ونحوها يقتضي تشبيه الله بالمخلوقين، ويقتضي التجسيم؛ وهذا هو الذي نراه في الواقع المشاهد، أن الذي يوصف بهذه الصفات هو الجسم فقط،
فيقال للمعتزلة: ولن تجد في الواقع المشاهد ما يسمى بالحي والعليم إلا الجسم أيضًا، وأنت تثبت الأسماء لله وتنفي الصفات فيلزمك أن تنفي الأسماء أيضًا خوفًا من التجسيم الذي تزعمه، فكل ما تقول به لكي تنفي الصفات يلزمك أن تقول به في نفي الأسماء.
فقول المصنف: "فكل ما يحتج به من نفى الصفات، يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جوابًا لذلك كان جوابًا لمثبتي الصفات".
هذا الكلام فسره المصنف في موضع آخر فقال: "وهؤلاء نفاة الأسماء من هؤلاء الغالية من الجهمية والباطنية والفلاسفة، وإنما استطالوا على المعتزلة بنفي الصفات، وأخذوا لفظ "التشبيه" بالاشتراك والإجمال، كما أن المعتزلة فعلت كذلك بأهل السنة والجماعة مثبتة الصفات، فلما جعلوا إثبات الصفات من التشبيه الباطل، ألزمهم ذلك بطرد قولهم، فألزموهم بنفي الأسماء الحسنى.
والأمر بالعكس، فإن إثبات الأسماء حق، وهو يستلزم إثبات الصفات، فإن حي بلا حياة، وعالم بلا علم، وقادر بلا قدرة، كإثبات متحرك بلا حركة، ومتكلم بلا كلام،
стр. 385
ومريد بلا إرادة، ومصل بلا صلاة، ونحو ذلك مما فيه إثبات اسم فاعل ونفي مسمى المصدر اللازم لاسم الفاعل، ومن أثبت الملزوم دون اللازم كان قوله باطلًا.
وكذلك هؤلاء نفاة الصفات أخذوا يقولون: إثبات الصفات يقتضي التركيب والتجسيم، إما لكون الصفة لا تقوم إلا بجسم في اصطلاحهم، والجسم مركب في اصطلاحهم، وإما لأن إثبات العلم والقدرة ونحوهما يقتضي إثبات أمور متعددة، وذلك تركيب" (١).
وقال ابن تيمية: "والإنسان قد يعتقد صحة قضية من القضايا وهي فاسدة فيحتاج أن يعتقد لوازمها فتكثر اعتقاداته الفاسدة ومن هذا الباب دخلت القرامطة الباطنية والمتفلسفة ونحوهم على طوائف المسلمين فإن هؤلاء قالوا للمعتزلة ألستم قد وافقتمونا على نفي الصفات حذرا من التشبيه والتجسيم فقالوا نعم فقالوا وهذا المحذور يلزمكم في إثبات أسماء الله تعالى له فإذا قلتم هو حي عليم قدير كان في هذا تشبيه له بغيره ممن هو حي عليم قدير وكان في هذا من التجسيم كما في إثبات الحياة والعلم والقدرة له لأنه لا يعرف مسمى بهذه الأسماء إلا جسم كما لا يعرف موصوفا بهذه الصفات إلا جسم فأخذوا ينفون أسماء الله الحسنى ويقولون ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير" (٢)
دحض شبه المعتزلة
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: «وإن كان المخاطب من الغلاة، نفاة الأسماء
стр. 386
والصفات، وقال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير.
قيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيها بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات.
فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات.
قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل".
الشرح
لما فرغ المصنف من الرد على المعتزلة الذين يثبتون الأسماء دون ما تضمنته من الصفات شرع في الرد على الغلاة نفاة الأسماء والصفات جميعها.
ولشرح وتوضيح هذا النص أقول:
الجانب الأول: بيان أصحاب هذا القول، وأصل عقيدتهم في باب الأسماء والصفات.
فقول المصنف: "وإن كان المخاطب من الغلاة، نفاة الأسماء والصفات"
أولًا: أصحاب هذا القول.
تقدم أن المقصود بالغلاة هم الجهمية أتباع الجهم بن صفوان، ومعهم أهل الفلسفة البحتة وأهل الفلسفة الباطنية سواء كانوا قرامطة أو إتحادية.
стр. 387
وتقدم بيان درجات تعطيلهم وأن منهم:
• المكذبة النفاة.
• والمتجاهلة الواقفة.
• والمتجاهلة اللا أدرية.
• والاتحادية.
والمقصود هنا تحديدًا كل من
١ - المكذبة النفاة، وهي الدرجة عليها غُلاة الجهمية وطائفة من الفلاسفة (١)، وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله (٢). وهذا ما ذكره المصنف حيث قال: "وقال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير".
٢ - والمتجاهلة الواقفة فهؤلاء هم الذين يقولون: لا نُثبت ولا نَنفي، وهذه الدرجة للقرامطة الباطنية المتفلسفة (٣). وهذا ما ذكره المصنف بقوله: "فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات".
ثانيًا: أصل عقيدتهم في باب الأسماء والصفات.
أما الصنف الأول: وهم المكذبة النفاة.
فالمكذبة النفاة أصل عقيدتهم هو النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه، بأن جعلوا الحق لا وجود له، ولا حقيقة له في الخارج أصلاً وإنما هو أمر مطلق في الأذهان.
стр. 388
فهم يقولون: لا هو موجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير، لأن هذه الأسماء إنما هي من صفات المخلوقات، أو هي مجاز، لأن إثبات هذه الصفات لله تعالى يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير.
ولقد أقدم هؤلاء الغلاة على نفي الأسماء والصفات بمزاعم من أهمها:
أولًا: أن إثبات الصفات يقتضي أن يكون الله جسماً؛ لأن الصفات لا تقوم إلا بالأجسام، لأنها أعراض والأعراض لا تقوم بنفسها.
ثانيًا: إرادة تنزيه الله تعالى.
ثالثًا: أن وصف الله تعالى بتلك الصفات التي ذكرت في كتابه الكريم أو في سنة نبيه العظيم يقتضي مشابهة الله بخلقه، فينبغي نفي كل صفة نسبت إلى الله تعالى وتوجد كذلك في المخلوقات لئلا يؤدي إلى تشبيه الله-بزعمهم-بمخلوقاته التي تحمل اسم تلك الصفات.
لقد عارض الجهمية ومن سار على طريقتهم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وقدموا آراءهم وما تراه عقولهم على نصوص الكتاب والسنة فلم يقفوا عند حدود فهم العقل ومدى قدرته، بل تجاوزوا ذلك وظنوا أنهم علي شيء، وزخرفوا القول في ذلك، وتحذلقوا وتنطعوا فخرجوا من نور العلم إلى ظلمات الجهل، ومن اليقين إلى الشكوك عقاباً من الله لهم لعدم تلقي النصوص ومدلولاتها بالطمأنينة والتسليم، وترك التكلف في البحث عن أمور هي من المغيبات ولم يخبرنا الله بتفاصيلها و لا رسوله ﷺ فقد أراد الله أن تكون كيفياتها سراً مكتوماً عن العباد وهم يريدون الاطلاع عليها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
إن تنزيه الله لا يمكن أن يكون بسلب صفاته وما تدل عليه من العظمة والكمال، إنه من الإجرام أن ينزه الله عن ما تمدح به: (قل أأنتم أعلم أم الله)
стр. 389
] البقرة: ١٤٠. [
فالتنزيه الصحيح إنما يكون في إثبات الصفة في أعلى كمالها؛ لأن الكمال المطلق لا يوصف به أحد غير الله تعالي.
وأي تنزيه في أن تقول: إن الله ليس فوق ولا تحت ولا عن يمين ولا عن يسار ولا يحس ولا يشم ولا يري أبداً ولا يكلم أحداً، وإنه في كل مكان بذاته، وإنه لا سمع ولا بصر له، ولا يوصف بالرحمة ولا بالغضب ولا بالمجيء، إلى آخر تلك الأوصاف التي لا تقال إلا للمعدوم.
وأما الصنف الثاني: فهم المتجاهلة الواقفة:
فهؤلاء هم الذين يقولون: لا نُثبت ولا نَنفي، وهذه الدرجة للقرامطة الباطنية المتفلسفة (١)، فهؤلاء يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول؛ وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول ﷺ ، فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد،
стр. 390
قالوا: لأن في الإثبات تشبيهًا بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه هذه الصفات» (١).
وقد رد المصنف على أصحاب هذا القول في بداية الرسالة التدمرية فقال: "وهذا ممتنع في بدائه العقول، وحرّفوا ما أنزل الله تعالى من الكتاب، وما جاء به الرسول ﷺ ، ووقعوا في شرٍّ مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات، إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات".
الجانب الثاني: الرد عليهم
تقدم أن المصنف أورد هنا كلا من:
١ - قول المكذبة النفاة
٢ - وقول المتجاهلة الواقفة.
وأفرد لكل واحد منهم ردًا يتناسب مع قوله.
أما المكذبة النفاة فهم المقصودون بقوله: "وقال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير.
قيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيها بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات.
فيقال لهؤلاء النفاة: إذا قلتم: إن الله ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيهًا بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات.
وخلاصة هذا الاستدلال: أنكم يا أيها النفاة تزعمون أنكم تفرون من التشبيه