← Акыда

Акыда · id 1007

شرح التدمرية - محمد بن خليفة التميمي

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (1 367 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

المتن قال المصنف رحمه الله تعالى: "وما يحتج به أهل الإيمان والإثبات على هؤلاء الملاحدة يحتج به كل من كان من أهل الإيمان والإثبات على من يَشرك هؤلاء في بعض إلحادهم، فإذا أثبت لله تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات، كما دل على ذلك الآيات البينات - كان ذلك هو الحق الذي يوافق المنقول والمعقول، ويهدم أساس الإلحاد والضلالات". الشرح أي أن ما يذكره أهل السنة من ردود على غلاة المعطلة، هو كذلك حجة على من شارك هؤلاء المعطلة فيما قالوه، وقد سبق بيان تأثر أهل الكلام بالفلاسفة وأن هذا التأثر كان على درجات متفاوتة. فجل ما اعتمد عليه هؤلاء المعطلة من أدلة على نفي الصفات إنما هو عبارة عن حجج عقلية مزعومة ومبتدعة بناها هؤلاء المعطلة على أصول فلسفية كانوا قد تأثروا بها، وليس لهؤلاء المعطلة في نفيهم هذا أساس من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإذا كان الغلط شبراً صار في الأتباع ذراعاً ثم باعاً حتى آل إلى هذا المآل والسعيد من لزم السنة (١). وحقيقة الكلام والصراع القائم في هذه المسألة، أي مسألة الأسماء والصفات، إنما هو صراعٌ بين فريقين، فريقٌ اعتمد العقل علماً وأصلاً، وبعد ذلك بعقله الفاسد أخذ يطعن في الشرع، ويترك نصوص الكتاب والسنة، ويترك ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعو التابعين ومن جاء بعدهم في هذا الباب، واعتمد على ظلمات مركبة من

стр. 492

المنطق والفلسفة، وعقد عليها أموراً في هذا الباب أوجبت عند هؤلاء رد كثير من نصوص الصفات، وسبق وأن بينَّا أن هذا الفريق لم يعملوا بنصوص الكتاب والسنة، وأن من يقرأ في كتب القوم، يجد أن هذه الكتب اعتمدت على مقدمات منطقية فلسفية أخذوها من فلاسفة اليونان وفلاسفة الهند وغيرهم، وبنوا عليها معتقدهم في هذا الباب، وبالتالي فإن الصراع قائم بين نصوص الكتاب والسنة وبين فلسفة اليونان وفلسفة الهند وغيرها من الفلسفات التي تأثر بها هؤلاء وأدخلوها على المسلمين على صورة مضيئة توهم أن هذا هو الحق؟ قال ابن تيمية: "ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في الغالب يعلم الذكي منهم والعاقل: أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست ببينة، وإنما هي كما -قيل فيها: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٨]. حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا وكل كاسر مكسور ويعلم العليم البصير أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي ﵁ حيث قال: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنة وأقبل على الكلام " (١). ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر-والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم-رحمتهم وترفقت بهم؛ أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء، وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما، وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة﴾ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون] ﴿الأحقاف: ٢٦. [ومن كان عليما بهذه الأمور: تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من

стр. 493

ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد من الله إلا بعدا" (١) قال ابن رجب الحنبلي: "وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم. فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله. ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين. وهذا يلزم منه ما قبله لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولا ممن كان قبلهم فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله كان أعلم ممن كان أقل منهم قولًا بطريق الأولى. كالثوري والأوزاعي والليث. وابن المبارك. وطبقتهم. وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضاً. فإن هؤلاء كلهم أقل كلاماً ممن جاء بعدهم وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح وإساءة ظن بهم ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم ولا حول ولا قوة إلا باللَه ولقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة أنهم أبر الأمة قلوباً. وأعمقها علوماً. وأقلها تكلفاً. وروي نحوه عن ابن عمر أيضاً. وفي هذا إشارة إلى أن من بعدهم أقل علوماً وأكثر تكلفاً. وقال ابن مسعوداً أيضاً: "إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه فمن كثر علمه، وقل قوله فهو الممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم. " (٢)

стр. 494

وهذه المسألة تقودنا إلى أن هناك في الواقع في فكر السلمين هناك ثلاثة مناهج: المنهج الأول: منهجٌ اعتمد الكتاب والسنة وكلام القرون الأولى من الصحابة والتابعين، وعادوا في عامة جميع أمور الدين سواءٌ كانت أموراً تتعلق بالاعتقاد أو تتعلق بالعبادات أو تتعلق بالمعاملات، أو تتعلق بغير ذلك من أحكام الإسلام كل هذا عادوا فيه إلى منهج الكتاب والسنة، وهذا هو المنهج السليم الذي سار عليه من تمسك بمنهج سلف الأمة وتمسك بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، وكلام الأئمة الأربعة - رحمهم الله تعالى - ومن صار على نهجهم، وهذا المنهج قائم يدعو الناس جميعاً أن يأخذوا أمر دينهم من كلام ربهم ومن سنة نبيهم ﷺ ، وكلام السلف الصالح والتابعين وتابعي التابعين وأئمة هذا الدين رضوان الله تعالى عيهم أجمعين، فالله وأخبر في كتابه فقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. وفي هذه الآية جمع الله بين الكتاب والسنة، فقال سبحانه عن كتابه العزيز: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ فسماه الله روحاً، وقال عن رسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فمن تمسك بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وعاد في كل أمرٍ من أمور الدين، سواء كان هذا الأمر يتعلق بجانب بالاعتقاد أو بجانب العبادة، أو بجانب المعاملات والآداب وسائر أمور الدين رجع إلى تلك النصوص وأخذها واعتمد عليها، وكذلك استقرء ما جاء فيها من أحكام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. اهتدى وسعد في

стр. 495

الدارين. المنهج الثاني: ما يُسمى المنهج الفلسفي أو المنهج العقلي أو المنهج الكلامي، والمقصود به قول الفلاسفة أو قول أهل الكلام أو العقلانيين. فهؤلاء قوم جاؤا إلى ميراث أولئك الملاحدة والفلاسفة وأخذوا به، وركبوا تلك القواعد المنطقية الفلسفية، وبعد ذلك جعلوا من هذه القواعد حقائق لا تقبل الشك أو الجدل وجعلوها أموراً غير قابلة للرد. ولذلك على هذا الأساس أخذوا يطعنون الكتاب والسنة، فطعنوا في المتواتر، وطعنوا في الآحاد، أما المتواتر فقالوا إنه ظني، والدليل العقلي قطعي، أي تلك القواعد المنطقية الفلسفية التي ركبوها وكانت من صنعهم، هي في ظنهم واعتقادهم أنها قطعية ثابتة لا تقبل النزاع ولا الأخذ ولا الرد. أما نصوص الكتاب والسنة، وإن كانت قد ثبتت بالتواتر، فإنها في اعتبارهم ظنية أي ظنية من جهة دلالتها وبذلك لا يمكن أن تعارض الأمور الظنية الأمور القطعية، والظنية في نظرهم المتواتر من نصوص الكتاب والسنة. وإذا لم تكن النصوص متواترة وكانت أخبار آحاد فإن القاعدة عندهم تقول إن أخبار الآحاد لا تقبل في باب الاعتقاد بمعنى أنها مرفوضة تماماً ولا تقبل، وهذا الكلام يقرره هؤلاء في كتبهم، فكتبهم تنص على هذا فيما يسمونه قانون التأويل، فأخذوا يطعنون في نصوص الكتاب والسنة إن استطاعوا أن يطعنوا في ثبوتها طعنوا، وليتهم طعنوا في ثبوتها على قواعد المحدثين لكان الأمر على الرأس والعين، فإذا لم يثبت الحديث ولم تصح الرواية ولم يصل إلى درجة الصحة أو الحسن فلا بأس أن نردها، ولكن وإن جاء في البخاري ومسلم واتفقا عليهما فإنه عند هؤلاء لا يقبل في باب العقائد ـ على حد قولهم، وهذا المنهج العقلاني ليس مقتصراً على باب العقائد

стр. 496

بل تجده أيضاً في علوم التفسير وتجده كذلك في أبواب الفقه وتجده في كثير من فنون العلم وخذ مثلاً مدراس التفسير فمدارس التفسير ثلاثة هي: التفسير بالمأثور وهذا منهج أهل الحديث وأهل السنة من الاعتماد على الكتاب والسنة وكلام السلف وجعله أساساً في تفسير كتاب الله العزيز. وهناك التفسير بالرأي وهذا هو المنهج العقلاني الذي يقول به هؤلاء وهو التفسير بالرأي وبما تراه العقول دون الرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة، فهناك من فسر القرآن بالرأي الناشئ عن هوى كما فسرت المعتزلة والخوارج والإباضية والرافضة والأشاعرة والماتريدية القرآن بآرائهم وأهوائهم وتركوا تفاسير السلف إلى تفاسير محدثة فهؤلاء مذمومون، لأنهم فسروا القرآن برأي لا دليل عليه ولا حجة فيه وإنما نشأ ذلك التفسير عن هوى فهذا رأي مذموم ومردود على صاحبه. أما من فسر القرآن بالاجتهاد والاستنباط، وكان اجتهادهم واستنباطهم صحيحا، وهذا إنما يسوغ إذا كمل لدي المفسر شروط جواز التفسير بالاجتهاد والاستنباط، وقد جمع الشروط التي بها يجوز للمفسر أن يفسر القرآن بالاجتهاد والاستنباط. المنهج الثالث: هو المنهج الباطني، فبعد أن ذكرنا كلاً من المنهج السلفي والمنهج العقلاني بقي المنهج الباطني. وهناك التفسير الباطني الإشاري أو التفسير بالرمز الذي يوجد عند غلاة المتصوفة والرافضة إذ جعلوا لهم رموزاً تخصهم يفسرون على أساسها نصوص الكتاب العزيز، فإنهم يقولون إن الظاهر غير مراد أصلا وإنما المراد الباطن وقصدهم نفي الشريعة والمنهج الباطني إما رافضي أو صوفي، والمنهج الصوفي يقوم على الوجد والذوق والكشف والمنامات والرؤى، فهؤلاء إذا بدى لهم أن يشرعوا أمراً فإن

стр. 497

قائلهم يقول رأيت النبي ﷺ في المنام والتقيت به وقال لي كذا وكذا، وبعد ذلك خرج للناس بطريقة صوفية جديدة أو بتشريع أمر من الأمور. والناس يدورون بين أحد هذه المناهج أو يكون عند بعضهم خليط بين منهج ومنهج فأحيانا تجد الشخص يجمع بين المنهج الصوفي والمنهج العقلاني. ولذلك يجد الإنسان نفسه أمام قضية مصيرية، فإما أن نكون عند طلب هذا العلم أن نرتضي لأنفسنا طريقاً ومنهجا يقوم على قال الله تعالى وقال رسوله ﷺ ، وقال ابن عباس ﵄، وقال ابن جبير، وقال أبو حنيفة، وقال مالك، وقال الشافعي، وقال الإمام أحمد، وقال ابن قتيبة، فإما أن نكون على هذا المنهج في تعلمنا لهذا الدين. وإما أن نطوي هذه الصفحة ونستبعدها ونأتي مع من يقول قال الفضلاء قال العقلاء قال الحكماء ونؤسس على ذلك قواعد منطقية وفلسفية نبنيها ونرتبها ثم بعد ذلك نهجر كتاب الله ونهجر كلام رسوله ﷺ ونعرض عن كلام السلف الصالح وأئمة هذا الدين. وإما أن نأخذ بالمنهج الثالث الذي يقول بأن هذه الأمور تؤخذ عن طريق أنواع من السلوك والطرق ثم بعد ذلك يقول أصحابها حدثني قلبي عن ربي، ورأيت ربي، ورأيت النبي ﷺ في المنام، أو كشف لي الحجاب، وهكذا بالذوق والمنامات وغير ذلك. فالناس اليوم لا يخرجون في تلقيهم عن هذه المناهج الثلاثة أو جمعوا بين منهج الصوفي ومنهج الفلسفي وهذا كثير عند طوائف من الناس، وسبب خلطهم بين هذين المنهجين لأن المهج الفلسفي منهج فكري نظري يفتقر للنواحي السلوكية العملية والمنهج الصوفي منهج عملي سلوكي يفتقر للنواحي العلمية.

стр. 498

فالمنهج الصوفي يركز على الناحية السلوكية والتربية العملية، ولكن طرق سلوكية أحدثها هؤلاء من عند أنفسهم وجعلوها من دين الله تعالى وهي لم ترد في دين الله تعالى وصدق المصطفى ﷺ إذ يقول: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (١). فعلى طالب العلم أن يتصور هذه المناهج وهذه المدارس ولا تغب عنه طالما هو في سبيل العلم وطريق العلم، فطالب العلم وهو يدرس فنون العلم من عقيدة وتفسير وفقه وأصول يجد هذه المدارس ماثلة أمامه. قياس التمثيل والشمول المتن قال المصنف رحمه الله تعالى: "والله لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشترك هو والمخلوق في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يُستعمل في حقه المثل الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أَوْلَى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أَوْلَى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزها عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم، فالخالق أَوْلَى أن يُنزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم".

стр. 499

الشرح لما كان العقل أداة للفهم والإدراك، وما أودع الله فيه من قوة الاستدلال والنظر والمقايسة، جرى استعماله في العقائد لتأييد دلالة الشرع، وقد تضمن الكتاب والسنة جملة من المقاييس العقلية، التي هي بمثابة مقدمات منطقية للوصول إلى النتائج التي جاء بها الشرع، والأمثال المضروبة في القرآن والسنة هي نوع من هذه الأقيسة العقلية (١)، جاءت لتأكيد مسألة اتفاق العقل الصريح مع النقل الصحيح، فاجتمعت فيها دلالة العقل ودلالة الشرع (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: ((ودلالة القرآن على الأمور نوعان: ١ ـ أحدهما: خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به. ٢ ـ والثاني: دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب، فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي ((شرعية))؛ لأن الشرع دلَّ عليها، وأرشد إليها، و ((عقلية))؛ لأنها تعلم صحتها بالعقل، ولا يقال: إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر. وإذا أخبر الله بشيء، ودلَّ عليه بالدلالات العقلية، صار مدلولاً عليه بخبره، ومدلولاً عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتاً بالسمع والعقل، وكلاهما يدخل في دلالة القرآن التي تسمى: "الدلالة الشرعية")) (٣). ومسألة قياس الأولى التي نحن بصددها، مستفادة من قاعدة الكمال في إثبات

стр. 500

الصفات لله ، وهي تستعمل في جانب النفي أيضاً، لتنزيه الله عن النقائص، ومبناها على جواز استعمال أحد الأقيسة العقلية في حق الله ، والذي يسمى ((قياس الأولى)). ويمكن توضيح هذه المسألة من خلال الأمور الآتية: الأمر الأول: توضيح مسألة قياس الأولى. من المقاييس الصحيحة التي يمكن الاستدلال بها في النفي في باب الصفات، قياس الأولى، وقبل الحديث عن قياس الأولى بالتفصيل، لا بد من الحديث عن القياس أولاً، وبيان بعض أنواعه بشكل مختصر، حتى يتضح لنا سبب استعمال هذا النوع من القياس في باب الصفات دون غيره. تعريف القياس لغة واصطلاحاً القياس في اللغة: مصدر قَاسَ الشيء على الشيء، إذا قَدَّرَهُ بِقَدْرِه، فالقياس: التقدير (١). وفي الاصطلاح المنطقي: قولٌ مؤلفٌ من قضايا متى سُلِّمت، لزم عنها لذاتها قولٌ آخر (٢). والقضايا التي يتألف منها القياس ثلاث: مقدمتان ونتيجة لازمة عنهما بالضرورة، بعد التسليم بصحتهما (٣). أقسام القياس وينقسم القياس باعتبار صورته إلى قسمين، اقتراني واستثنائي، وما ألحق بهما:

стр. 501

١ ـ القياس الاقتراني: (ويسمى أيضاً قياس الشمول)، وهو: ما كانت النتيجة فيه مستخلصة من المقدمات، عن طريق العقل. فالنتيجة ليست موجودة بصورتها؛ بل بمادتها، وسمي اقترانياً لاقتران حدود القياس فيه. ومثاله: كل عصفور طائر، ولا طائر ذو أذن؛ إذن: لا عصفور ذو أذن (١). ٢ ـ القياس الاستثنائي، وهو: ما كان عين النتيجة، أو نقيضها، مذكوراً في مقدماته بالفعل. وسمي استثنائياً لاشتماله على حرف الاستثناء ((لكن))، ومثاله: إذا أمطرت السماء، ابتلت الأرض، لكن الأرض غير مبتلة، فالسماء غير ممطرة (٢). هذا القياس عند المناطقة، أما القياس الذي يستعمله الأصوليون فيسمى القياس التمثيلي، وهو الذي يسميه المتكلمون بقياس الشاهد على الغائب. وهو: إثبات حكمٍ واحدٍ في جزئي؛ لثبوته في جزئي آخر؛ لمعنى مشترك بينهما. ومثاله، قياس النبيذ على الخمر في تحريم شربهما؛ لاشتراكهما في علة

стр. 502

الإسكار (١). وأكثر المناطقة يجعلون القياس هو الشمول لا التمثيل في إفادته لليقين، والصحيح أنهما متلازمان، ويمكن ردّ كل واحد منهما إلى الآخر كما يرجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). يوضح ذلك أن يقال: النبيذ حرام كالخمر بجامع الإسكار، وهذا إلحاق فرع بأصل لعلة جامعة، وهو قياس التمثيل، أو يقال: النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، النتيجة: النبيذ حرام، وهذا قياس شمول. فاليقين أو الظن، إنما يستفاد من صدق مقدمات القضية أو عدمه، لا من كون القياس المستعمل شمولياً أو تمثيلياً (٣). الأمر الثاني: لا يجوز استعمال قياس الشمول والتمثيل في حق الله تعالى. لما كان كلاً من القياس الشمولي والتمثيلي يستلزم أن يندرج الخالق والمخلوق تحت أصل وفرع، أو تحت قضية كلية يستوي أفرادها، كان كلاً منهما مما لا يجوز استعماله في العلم الإلهي؛ لأنه لا يمكن جمع الخالق والمخلوق تحت أصل وفرع، ولا يجوز أن يمثَّل الله بغيره، كما لا يجوز أن يدخل الخالق والمخلوق تحت قضية كلية تستوي أفرادها، لعظم الفرق بين الخالق والمخلوق، بل لا تتصور النسبة الجامعة بينهما، فضلاً عن أن يقاس أحدهما بالآخر. قال شيخ الإسلام: ((إن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي

стр. 503

يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي تستوي فيه أفراده، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يُمَثَّل بغيره، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها. ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية، لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم، وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة والاضطراب، لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها)) (١). الأمر الثالث: القياس الذي يجوز استعماله في حق الله تعالى هو قياس الأولى الذي يستعمل في حقه قياس الأولى، ومضمون هذا القياس أن يقال: كل نقص وعيب في نفسه -وهو ما تضمن سلب الكمال- إذا وجب نفيه عن شيء ما من أنواع المخلوقات والمحدثات والممكنات، فإنه يجب نفيه عن الرب ﵎ بطريق الأولى (٢).

стр. 504

وبعبارة أخرى: ((كل نقص يُنزه عنه مخلوق من المخلوقات، فالخالق تعالى أولى بتنزيهه عنه)) (١). وهذا القياس فرع عن قياس الأولى في جانب الإثبات، والذي مضمونه: أن كل كمال لا يستلزم نقصاً بوجه من الوجوه، ثبت للمخلوق، فالخالق أولى بالاتصاف به (٢). الأمر الرابع: قياس الأولى من الأقيسة البرهانية اليقينية فالنقص مناقض الكمال، وإذا كان الله تعالى أحق بثبوت الكمال، كان أحق بنفي النقص عنه، وهذا من الأمور العقلية اليقينية التي لا يمكن دفعها (٣)، لهذا كان هذا

стр. 505

النوع من القياس مما يدخل تحت ما يسمى بالقياس البرهاني (١). قال شيخ الإسلام ﵀: ((وأما هذا القياس "قياس الأولى"، ووجوب تنزيه الرب عن كل نقص ينزه عنه غيره ويذم به سواه، فهذا فطري ضروري متفق عليه)) (٢). الأمر الخامس: توضيح هذا القياس. ويزيد هذا القياس توضيحاً كلام شيخ الإسلام ﵀ حيث قال: ((ثم القياس تارة تعتبر (٣) فيه القدر المشترك من غير اعتبار الأولوية، وتارة يعتبر فيه الأولوية، فيؤلف على وجه قياس الأولى، وهو إن كان قد يجعل نوعاً من قياس الشمول والتمثيل، فله خاصة يمتاز بها عن سائر الأنواع، وهو: أن يكون الحكم المطلوب أولى بالثبوت من الصورة المذكورة في الدليل الدالّ عليه، وهذا النمط هو الذي كان السلف والأئمة كالإمام أحمد وغيره من السلف يسلكونه من القياس العقلي في أمر الربوبية، وهو الذي جاء به القرآن، وذلك أن الله سبحانه لا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قياس الشمول الذي تستوي أفراده، ولا تحت قياس التمثيل الذي يستوي فيه حكم الأصل والفرع، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في نفسه المذكورة بأسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولكن يسلك في شأنه قياس الأولى)) (٤). وقال في موضع آخر: ((وأما قياس الأولى الذي كان يسلكه السلف اتباعاً للقرآن، فيدلُّ على أنه: يثبت له من صفات الكمال التي لا نقص فيها أكمل مما علموه ثابتاً

стр. 506

لغيره، مع التفاوت الذي لا يضبطه العقل، كما لا يضبط التفاوت بين الخالق وبين المخلوق؛ بل إذا كان العقل يدرك من التفاضل الذي بين مخلوق ومخلوق ما لا ينحصر قدره، وهو يعلم أن فضل الله على كل مخلوق، أعظم من فضل مخلوق على مخلوق، كان هذا مما بين له: أن ما يثبت للرب أعظم من كل ما يثبت لكل ما سواه بما لا يدرك قدره)) (١). وهذا يصدق أيضاً على كل نقص تنزه عنه المخلوق، فيعلم أن ما يتنزه الله عنه أعظم مما ينزه عنه كل ما سواه. ففرق بين استعمال هذا النوع من القياس الذي تعتبر فيه الأولوية، واستعمال قياس الشمول والتمثيل على الأصل الذي عرَّفه به المناطقة والأصوليون، بأن يدخل الفرع تحت الأصل لعلةٍ جامعةٍ، أو أن يشمل الحكم الأصل والفرع، فهذا لا بد وأن تكون نتائجه خاطئة إذا استعمل في حق الله ، أما إذا استعمل هذا القياس مع اعتبار الأولوية، بأن يكون الحكم المطلوب، وهو: التنزه عن النقص في هذه الحال، أولى بالثبوت في حق الله من الصورة المذكورة في الدليل الدال عليه، وهي هنا: وجوب تنزه المخلوق عن النقص، فهذا القياس إذا أُلف على هذه الطريقة كانت نتائجه صحيحة، بل غاية في إفادة اليقين، وشدة التعظيم لله . الأمر السادس: أوجه الأولوية في هذا القياس وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أيضاً: ((فكل كمال لا نقص فيه بوجه ثبت للمخلوق فالخالق أحق به من وجهين: أحدهما: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم أكمل من المخلوق القابل للعدم المحدث المربوب.

стр. 507

الثاني: أن كل كمال فيه فإنما استفاده من ربه وخالقه؛ فإذا كان هو مبدعاً للكمال، وخالقاً له، كان من المعلوم بالاضطرار أن معطي الكمال وخالقه ومبدعه أولى بأن يكون متصفاً به من المستفيد المبدع المعطي)) (١). ويقال أيضاً في الأولوية في جانب النقص، أنها من وجهين: الأول: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم منزه عن النقائص والعيوب. الثاني: أن كل نقص تنزه عنه المخلوق المربوب فإنما نزَّهَهُ عنه ربه وخالقه، فإذا كان الله هو المُنَزِّهُ غيره عن النقص، كان معلوماً بالاضطرار أن الذي ينزه غيره عن النقائص أولى بالتنزه عنها من غيره. الأمر السادس: استعمال النفاة لقياس التمثيل والشمول في حق الله أدى إلى نفيهم الصفات ومثال استعمال النفاة لقياس التمثيل والشمول في باب الصفات، على الطريقة المعهودة لدى المناطقة، وما نتج عن هذا الاستعمال الخاطئ من نفي لصفات الله : قولهم حينما استخدموا قياس التمثيل: لو كان الله متصفاً بالصفات، لكان جسماً، قياساً على المخلوق، فأدخلوا الله الخالق مع المخلوق المربوب في قضية يستوي فيها الأصل والفرع، فأداهم ذلك إلى الحكم بالمماثلة، التي يوجبها هذا القياس، لاشتراك الخالق والمخلوق في أن كلاً منهما متصف بالصفات، وفراراً من هذه المماثلة المنتفية في العقل والشرع، رتبوا على ذلك أن الله لا يجوز أن يكون متصفاً بالصفات، فراراً من هذا المحذور الذي أوقعهم فيه استعمالهم لهذا القياس الفاسد.

стр. 508

وقولهم حينما استخدموا قياس الشمول: المخلوق متصف بالصفات، وكل متصف بالصفات فهو جسم، فالله ليس متصف بالصفات؛ لأنه يستحيل أن يكون جسماً بزعمهم، فنفوا الصفات لئلا يدخل الله في عموم قولهم: "وكل متصف بالصفات فهو جسم" (١). ((فهؤلاء النفاة أشركوا الخالق مع المخلوق، واستعملوا في حقه قياس التمثيل، الذي يستوي فرعه بأصله بجامع العلة المشتركة بينهما، واستعملوا في حقه سبحانه قياس الشمول، الذي تستوي أفراده، وتندرج تحت قضية كلية، وهذا كما أنه مخالف لما جاء في الكتاب والسنة، فهو مخالف أيضاً للفطرة السليمة، والعقول الصحيحة)) (٢). فكانت النتيجة كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية، لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم، وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة والاضطراب، لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها)) (٣). الأمر السابع: احتراز مهم في هذه القاعدة إن هذه القاعدة التي يذكرها أهل العلم، لا بد فيها من مراعاة مفهوم النقص في حق الله ، الذي يجب أن ينزه عنه؛ لأن هناك أمور هي نقص في حق المخلوق، ولكنها كمالٌ في حق الخالق، ومن ذلك: الكبرياء والعظمة، فإنه نقص في حق المخلوق لكنه كمال في حق الخالق، فإن

стр. 509

الله يسمى بالمتكبر، ويوصف بالكبرياء، قال تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١)، وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه: ((العِزُّ إِزَارُهُ، وَالكِّبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ)) (٢). قال الإمام النووي (٣) ﵀: ((ومعنى ينازعني: يتخلق بذلك، فيصير في معنى المشارك)) (٤). فهذا الوصف إذا صدر عن المخلوق كان نقصاً في حقه، وذلك لضعف الإنسان وافتقاره إلى ربه وحاجته إليه في كل أحواله، فلا يناسب وصفه هذا أن يكون متكبراً متعاظماً؛ لأنه خلاف الواقع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (( … فاحترازٌ عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض، وهو نقص بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصاً، كالأكل والشرب مثلاً، فإن الصحيح الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان، أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل والشرب؛ لأن قوامه بالأكل والشرب، فإذا قُدِّرَ غير قابلٍ له، كان ناقصاً عن القابل لهذا الكمال، لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره، وهو ما يدخل فيه من الطعام والشراب، وهو مستلزم لخروج شيء منه كالفضلات، وما لا يحتاج إلى دخول شيء فيه، أكمل ممن يحتاج إلى دخول شيء فيه، وما يتوقف كماله على غيره أنقص مما لا يحتاج في كماله إلى غيره؛ فإن الغني عن شيء أعلى

стр. 510

من الغني به، والغني بنفسه أكمل من الغني بغيره. ولهذا كان من الكمالات ما هو كمال للمخلوق وهو نقص بالنسبة إلى الخالق، وهو كل ما كان مستلزماً لإمكان العدم عليه، المنافي لوجوبه وقيوميته، أو مستلزماً للحدوث المنافي لقدمه، أو مستلزماً لفقره المنافي لغناه)) (١). وقال في موضع آخر: ((إن الذي يستحقه الرب هو الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وأنه الكمال الممكن للموجود، ومثل هذا لا ينتفي عن الله أصلاً، والكمال النسبي، هو المستلزم للنقص، فيكون كمالاً، من وجه دون وجه، كالأكل للجائع كمالٌ له، وللشبعان نقص فيه، لأنه ليس بكمال محض، بل هو مقرون بالنقص. والتعالي والتكبر والثناء على النفس، وأمر الناس بعبادته ودعائه والرغبة إليه، ونحو ذلك، مما هو من خصائص الربوبية، هذا كمال محمود من الرب ﵎، وهو نقص مذموم من المخلوق)) (٢). ((فالكبرياء والعظمة له، بمنزلة كونه حياً قيوماً قديماً واجباً بنفسه، وأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه العزيز الذي لا ينال، وأنه قهار لكل ما سواه. فهذه كلها صفات كمال لا يستحقها إلا هو، فما لا يستحقه إلا هو، كيف يكون كمالاً من غيره وهو معدوم لغيره؟ فمن ادعاه كان مفترياً منازعاً للربوبية في خواصِّها، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: ((يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: العَظَمَةُ إِزَارِي، وَالكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا عَذَبْتُهُ)) (٣)، وجملة ذلك أن الكمال

стр. 511

المختص بالربوبية ليس لغيره فيه نصيب، فهذا تحقيق اتصافه بالكمال الذي لا نصيب لغيره فيه، ومثل هذا الكمال لا يكون لغيره، فادعاؤه منازعة للربوبية، وفرية على الله)) (١). فهذا القيد مهم جداً في تطبيق هذه القاعدة وفهمها، واحتراز بالغ الأهمية تجب مراعاته والاعتناء بفهمه ودركه؛ لئلا ينسب إلى الله شيء من النقص الذي يتنزه عنه. يوضحه أن يقال مثلاً: الولد كمال في المخلوق وعدمه نقص بالنسبة له، فلا يقال بناءً على هذه القاعدة: أن عدم الولد نقص تنزه المخلوق عنه، وكل نقص تنزه عنه المخلوق فتنزيه الله عنه من باب أولى، فيجب إذاً إثبات الولد لله ، وذلك لأمرين: ١ ـ أن تنزيه الله عن الولد، ثابتٌ في كثيرٍ من نصوص الكتاب والسنة. ٢ ـ أن الولد بالنسبة للإنسان كمال، لكنه كمال مقترن بالنقص، لحاجته إليه في بقاء النوع الإنساني، والمعاونة والخدمة حال الكبر، ونحو ذلك، أما الله فليس كمثله شيء، ولا يحتاج إلى غيره في شيء، فهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه محتاج إليه مفتقرٌ إليه . ومثل هذا يقال في جميع الصفات التي يعد انتفاؤها نقص نسبي في حق المخلوق، وأما هذه القاعدة فتختص بما هو نقص محض: كالظلم، والكذب، والجهل، ونحو ذلك والله أعلم.

стр. 512

الأمر الثامن: أدلة القاعدة. علمنا من خلال المطلب السابق معنى قياس الأولى، والذي ورد استعماله في الأمثال المضروبة في القرآن الكريم، فاجتمعت فيه الدلالة الشرعية مع الدلالة العقلية، مما يزيده قوة في الاحتجاج به في مسائل الصفات، وما نحن بصدده من نفي النقائص عن الله . وهذا القياس مأخوذ من قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل الآية: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم الآية: ٢٧]، فالمثل الأعلى، هو: الوصف الأعلى، الذي وصف الله به نفسه، وجعل مثل السوء المتضمن للعيوب، والنقائص، ونفي الكمال، للمشركين، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها، له وحده، و (الأعلى) أفعل تفضيل، فمعنى ذلك: أنه أعلى من غيره، فكيف يكون أعلى وهو عدم محض، ونفي صرف، تعالى الله عن قول المعطلين علواً كبيراً (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((والرب تعالى له المثل الأعلى، وهو أعلى من غيره، وأحق بالمدح والثناء من كل ما سواه، وأولى بصفات الكمال، وأبعد عن صفات النقص، فمن الممتنع أن يكون المخلوق متصفاً بكمالٍ لا نقص فيه والرب لا يتصف إلا بالكمال الذي لا نقص فيه، وإذا كان يأمر عبده أن يفعل الأحسن والخير، فيمتنع أن لا يفعل هو إلا ما هو الأحسن والخير، فإن فعل الأحسن والخير مدح وكمال لا نقص فيه، فهو أحق بالمدح والكمال الذي لا نقص فيه من غيره)) (٢). قال الإمام الطبري-﵀: ((﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل الآية: ٦٠ [وهو الأفضل والأطيب والأحسن والأجمل)) (٣).

стр. 513

وقال الإمام القرطبي-﵀: ((﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: أي الوصف الأعلى)) (١). وقال أيضاً: ((وقال قتادة: "هذا مثل ضربه الله للمشركين"، والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء)) (٢). وقال الحافظ ابن كثير-﵀: ((وقوله ها هنا: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾، أي: النقص إنما ينسب إليهم، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل الآية: ٦٠]، أي: الكمال المطلق من كل وجه، وهو منسوب إليه)) (٣). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي-﵀: ((قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾، أي: المثل الناقص والعيب التام، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل الآية: ٦٠]، وهو كل صفة كمال، وكل كمال في الوجود، فالله أحق به، من غير أن يستلزم ذلك نقصاً بوجه من الوجوه)) (٤). وقال أيضا: ((﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم الآية: ٢٧]، وهو كل صفة كمال، والكمال من تلك الصفة … ، فالمثل الأعلى، هو وصفه الأعلى، وما ترتب عليه. لهذا كان أهل العلم يستعملون في حق الباري، قياس الأولى، فيقولون: كل صفة كمال في المخلوقات، فخالقها أحق بالاتصاف بها، على وجه لا يشاركه فيها أحد. وكل نقص في المخلوق، ينزه عنه، فتنزيه الخالق عنه، من باب أولى وأحرى)) (٥).

стр. 514

قال الإمام ابن القيم-﵀-في بيان المثل الأعلى: (( … فجعل مثل السوء المتضمن للعيوب والنقائص، وسلب الكمال للمشركين وأربابهم، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها له وحده؛ ولهذا كان المثل الأعلى، وهو أفعل تفضيل، أي: أعلى من غيره؛ فكيف يكون أعلى وهو عدم محض، ونفي صرف، وأي مثل أدنى من هذا، تعالى الله عن قول المعطلين علواً كبيراً. فمثل السوء لعادم صفات الكمال؛ ولهذا جعله مثل الجاحدين لتوحيده وكلامه وحكمته؛ لأنهم فقدوا الصفات التي من اتصف بها كان كاملاً، وهي الإيمان، والعلم، والمعرفة، واليقين، والعبادة لله، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والصبر، والرضا، والشكر، وغير ذلك من الصفات، التي اتصف بها من آمن بالآخرة، فلما سلبت تلك الصفات عنهم وهي صفات كمال، صار لهم مثل السوء، فمن سلب صفات الكمال عن الله، وعلوه على خلقه، وكلامه، وعلمه، وقدرته، ومشيئته، وحياته، وسائر ما وصف به نفسه، فقد جعل له مثل السوء، ونزهه عن المثل الأعلى، فإن مثل السوء هو: العدم وما يستلزمه، وضده المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية، والمعاني الثبوتية، التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل، كان أعلى من غيره، ولما كان الرب تعالى هو الأعلى، ووجهه الأعلى، وكلامه الأعلى، وسمعه الأعلى، وبصره، وسائر صفاته عليا، كان له المثل الأعلى، وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان؛ لأنهما إن تكافآ، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ، فالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحده، يستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع من إثبات صفات الكمال، على استحالة التمثيل

стр. 515

والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة)) (١). ومن أمثلة ورود هذا القياس على طريقة التنزيه في القرآن الكريم، قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم الآية: ٢٨]، وفي قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل الآيات: ٥٧ - ٦٠]. فإن الله تعالى احتج على المشركين وأهل الكتاب، فيما يثبتون له من الشريك والبنات، بأنهم يُنزهون أنفسهم عن ذلك؛ لأنهم يعتبرون ذلك نقصاً وعيباً في حقهم؛ فإذا كانوا لا يرضون بهذا الوصف والمثل السوء لأنفسهم؛ فكيف يصفون به ربهم، ويجعلون له مثل السوء، والرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منهم؟!. والله يستعمل في ذلك استفهام الإنكار، إقامةً للحجة عليهم، وبياناً لبطلان ما أنكره عليهم وامتناعه، وأن ذلك مما استقر في الفطر والعقول السليمة (٢). سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً، وصدق الله القائل: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان: الآية ٣٣]. ((ومثل هذا في القرآن متعدد، من وصف الأصنام بسلب صفات الكمال، كعدم التكلم والفعل، وعدم الحياة، ونحو ذلك، مما يبين أن المتصف بذلك منتقص

стр. 516

معيب، كسائر الجمادات، وأن هذه الصفات لا تسلب إلا عن ناقص معيب. وأما رب الخلق الذي هو أكمل من كل موجود، فهو أحق الموجودات بصفات الكمال، وأنه لا يستوي المتصف بصفات الكمال، والذي لا يتصف بها، وهو يذكر أن الجمادات في العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات، فمن جعل الواجب الوجود لا يقبل الاتصاف، فقد جعله من جنس الأصنام الجامدة التي عابها الله تعالى، وعاب عابديها)) (١). ونظير هذا التمثيل جاء في السنة النبوية الصحيحة، في نفي الشريك عن الله باستعمال قياس الأولى. وذلك في مثل حديث الصحابي الجليل الحارث الأشعري ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: (( … أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلَ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْداً مِنْ خَاِلصِ مَالِهِ بِوَرِقٍ أَوْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَعْمَلُ، وَيُؤَدِي غَلَّتَهُ إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ كَذَلكَ، وَإِنْ اللهَ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ، فَاعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)) الحديث (٢). الأمر التاسع: استعمال السلف لهذا النوع من القياس لقد ورد استعمال هذا القياس في كلام السلف الصالح، مما يعطي قوة في حجية هذا القياس، ويزيده تأكيداً.

стр. 517

من ذلك ما ورد عن إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل ﵀، حيث استعمل هذا القياس أثناء رده على نفاة الصفات من الجهمية، فقال: (( … ووجدنا كل شيء أسفل منه مذموماً، يقول الله جلَّ ثناءه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء الآية: ١٤٥]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت الآية: ٢٩].)) (١). قال شيخ الإسلام ﵀ تعليقاً على هذا الاستعمال من الإمام أحمد: ((وهذه الحجة من باب قياس الأولى، وهو أن السفل مذموم في المخلوق، حيث جعل الله أعداءه في أسفل السافلين، وذلك مستقر في فطر العباد، حتى إن أتباع المضلين طلبوا أن يُجعلوا تحت أقدامهم؛ ليكونوا من الأسفلين، وإذا كان هذا مما ينزه عنه المخلوق، ويوصف به المذموم المعيب من المخلوق، فالرب تعالى أحق أن ينزه ويقدس عن أن يكون في السفل، أو أن يكون موصوفاً بالسفل، هو أو شيء منه، أو يدخل ذلك في صفاته بوجه من الوجوه، بل هو العلي الأعلى بكل وجه)) (٢). واستعمله الإمام أحمد في موطن آخر أيضاً، فقال: (( … وخصلة أخرى: لو أن رجلاً بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها، وخرج منها، كان لا يخفى عليه كم بيت في داره، وكم سعة كل بيت، من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله سبحانه له المثل الأعلى، قد أحاط بجميع ما خلق، وقد علم كيف هو وما هو، من غير أن يكون في جوف شيء مما خلق)) (٣). فقال شيخ الإسلام-﵀-تعليقاً أيضاً على كلام الإمام أحمد: ((وهذا أيضاً قياس

стр. 518

عقلي، من قياس الأولى، قرر به إمكان العلم بدون المخالطة، فذكر أن العبد إذا فعل مصنوعاً كدار بناها، فإنه يعلم مقدارها، وعدد بيوتها، مع كونه ليس هو فيها؛ لكونه هو بناها، فالله الذي خلق كل شيء، أليس هو أحق بأن يعلم مخلوقاته، ومقاديرها، وصفاتها، وإن لم يكن فيها، محايثاً لها، وهذا من أبين الأدلة العقلية)) (١). وعلَّل شيخ الإسلام سبب استعمال الإمام أحمد ﵀ لهذه الأقيسة العقلية، في باب العقائد، دون غيره من الأئمة الذين سبقوه بقوله: ((وأحمد أشهر وأكثر كلاماً في أصول الدين بالأدلة القطعية، نقليها وعقليها، من سائر الأئمة، لأنه ابتلي بمخالفي السنة فاحتاج إلى ذلك، والموجود في كلامه من الاحتجاج بالأدلة العقلية على ما يوافق السنة، لم يوجد مثله في كلام سائر الأئمة، ولكن قياس التمثيل في حق الله تعالى لم يسلكه أحمد، لم يسلك فيه إلا قياس الأولى، وهو الذي جاء به الكتاب والسنة، فإن الله لا يماثل غيره في شيء من الأشياء، حتى يتساويا في حكم القياس، بل هو سبحانه أحق بكل حمد، وأبعد عن كل ذم، فما كان من صفات الكمال المحضة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهو أحق به من كل ما سواه، وما كان من صفات النقص، فهو أحق بتنزيهه عنه من كل ما سواه)) (٢). واستعمله كذلك الإمام أبو سعيد الدارمي ﵀ في إثبات صفة الكمال، بطريق قياس الأولى، فقال: ((فالله المتكلم أولاً وآخراً، لم يزل له الكلام إذ لا متكلم غيره، ولا يزال له إذا لا يبقى متكلم غيره فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر الآية ١٦]، أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ فلا يُنْكِر كلام الله إلا من يريد إبطال ما أنزل الله . وكيف يَعجَزُ عن الكلام، من علَّم العباد الكلام وأنطق الأنام؟!)) (٣).

стр. 519

وقال أيضاً: ((وقال لقوم موسى حين اتخذوا العجل: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ [طه الآية ٨٩]، وقال: ﴿عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف الآية: ١٤٨]. قال أبو سعيد: ففي كل ما ذكرنا تحقيق كلام الله وتثبيته نصاً بلا تأويل، ففيما عاب الله به العجل في عجزه عن القول والكلام، بيانٌ بيِّنٌ أن الله غير عاجزٍ عنه، وأنه متكلمٌ وقائلٌ؛ لأنه لم يكن يَعيب العجل بشيء هو موجود به. وقال إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ … الآية إلى قوله ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء الآية: ٦٣ - ٦٧]، فلم يُعِبْ إبراهيم أصنامهم وآلهتهم التي يعبدون بالعجز عن الكلام، إلا وأن إلهه متكلمٌ قائلٌ)) (١). فالإمام الدارمي-﵀-أورد هذه الحجة العقلية، ومضمونها أن من علَّم العباد الكلام وأنطق الأنام، كيف يعجز هو عن الكلام، الذي هو صفة كمال في المخلوق استفاده من خالقه، فهو الذي علمه الكلام وأقدره عليه، وعدم الكلام نقصٌ في حق المخلوق، فإذا كان كذلك فواهب هذا الكمال أولى بالاتصاف به على الوجه اللائق به، وأولى بتنزيهه عن النقص المتمثل في عدم الكلام، الذي ينزه عنه المخلوق (٢). ومن ذلك أيضاً استعماله من طرف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في جواز رؤية الله ، وفي مسألة علو الله تعالى على خلقه، ومبيانته لهم، فقال: ((فإنا قد قدمنا فيما تقدم، أن الأمثال المضروبة إذا كانت من باب الأولى جاز استعمالها في حق الله تعالى، كما ورد به القرآن والسنة، واستعملها السلف والأئمة، كما يقال: إذا كان العبد ينزه نفسه عن شريك أو أنثى، فتنزيه ربه أولى، وإذا كان العبد

стр. 520

عالماً قادراً فالله أولى. وكذلك] مسألة الرؤية [؛ فإن حاصلها أنه إذا جاز رؤية الموجود المحدث الممكن، فرؤية الموجود الواجب القديم أولى. وإذا كان المخلوق الناقص في وجوده يجوز أن يُرى ويُحس به، فالرب الكامل في وجوده أحق بأن يُرى؛ فإن كون الشيء بحيث يُرى كمال في حقه لا نقص؛ لأن كونه لا يُرى، ولا يُحس به، لا يثبت في الشاهد إلا للمعدوم، فكل صفة لم نعلمها تثبت إلا لمعدوم، فإنها لا تكون صفة نقص إلا بالنسبة إلى وجود آخر هو أكمل منها، وكل صفة لا تثبت للمعدوم ولا يختص بها الناقص، فإنها لا تكون إلا صفة كمال، وهذه طريقة في المسألة يتبين بها أن جواز الرؤية من صفات الكمال التي هو الباري أحق بها من المخلوقات. ونظيرها في مسألة العلو: أن علو الشيء بنفسه على غيره صفة كمال، كما أن قدرته عليه صفة كمال. وإذا كان كذلك فالله أحق بهذه الصفة من جميع ما يوصف بها غيره، فيجب أن يكون عالياً بنفسه، وكذلك تميزه بذاته عن غيره هي صفة لا يوصف بها المعدوم، ولا تختص بالناقصات فتكون صفة كمال، فيجب اتصاف الله بها، وذلك يوجب مباينته للعالم)) (١). واستعمله الإمام ابن القيم ﵀ في بيان حكمته تعالى، فقال: ((وكذلك إذا استدللنا على حكمته تعالى بهذه الطرائق (٢)، نحو أن يقال: إذا كان الفاعل الحكيم الذي لا يفعل فعلاً إلا لحكمةٍ وغايةٍ مطلوبةٍ له من فعله، أكمل ممن يفعل لا لغايةٍ ولا لحكمةٍ ولا لأجل عاقبةٍ محمودةٍ، وهي مطلوبة من فعله في الشاهد؛ ففي حقه تعالى أولى وأحرى، فإذا كان الفعل للحكمة كمالاً فينا، فالرب تعالى أولى به وأحق،

стр. 521

وكذلك إذا كان التنزه عن الظلم والكذب كمالاً في حقنا، فالرب تعالى أولى وأحق بالتنزه عنه)) (١). هذه بعض الأمثلة على استعمال هذا النوع من القياس في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وكلام السلف الصالح -رحمهم الله تعالى-، وتركت أشياء غير التي ذكرت مخافة التطويل واكتفاءً بما ذكر، أن ينبه على ما لم يذكر؛ فإنه جارٍ مجراه وسائر على منواله. وفي هذه النماذج التي ذكرتها من استعمال السلف الصالح -رحمهم الله تعالى- لهذا النوع من القياس العقلي الصحيح، ردٌ على طوائف النفاة الذين يدَّعون أن السَّلف ليس لهم معرفة بالعقليات، وأنهم ينكرون دور العقل في تحصيل المعرفة والاستدلال عليها، وردٌ أيضاً على طائفة ممن غلت في نفي دور العقل، وبخاصة أهل التصوف منهم، الذين ظنوا أن الكلام في التوحيد، وخاصة باب الصفات منه، لا يكون بالقياس العقلي، وأن استعمال ذلك بدعة وهو المعني من ذم السلف لعلم الكلام. قال شيخ الإسلام ﵀: ((فأما ما يفعله طوائف من أهل الكلام من إدخال الخالق والمخلوقات تحت قياس أو تمثيل يتساويان فيه، فهذا من الشرك والعدل بالله، وهو من الظلم، وهو ضرب الأمثال لله، وهو من القياس والكلام الذي ذمه السلف وعابوه، ولهذا ظن طوائف من عامة أهل الحديث والفقه والتصوف، أنه لا يتكلم في أصول الدين، ولا يتكلم في باب الصفات بالقياس العقلي، وأن ذلك بدعة، وهو من الكلام الذي ذمه السلف، وكان هذا مما أطمع الأولين (٢) فيهم؛ لما رأوهم ممسكين

стр. 522

عن هذا كله، إما عجزاً، أو جهلاً، وإما لاعتقاد أن ذلك بدعة وليس من الدين، وقال لهم الأولون: ردُّكم أيضا علينا بدعة، فإن السلف والأئمة لم يردّوا مثل ما رددتم، وصار أولئك يقولون عن هؤلاء: أنهم ينكرون العقليات، وأنهم لا يقولون بالمعقول، واتفق أولئك المتكلمون مع طوائف من المشركين والصائبين والمجوس وغيرهم من الفلاسفة، الروم والهند والفرس وغيرهم، على ما جعلوه معقولاً يقيسون فيه الحق تارة، والباطل أخرى، وحصل من هؤلاء تفريط وعدوان، ومن هؤلاء تفريط وعدوان، أوجب تفرقاً واختلافاً بين الأمة ليس هذا موضعه. ودين الإسلام هو الوسط، وهو الحق، والعدل، وهو متضمن لما يستحق أن يكون معقولاً، ولما ينبغي عقله وعلمه، ومنزه عن الجهل والضلال والعجز، وغير ذلك مما دخل فيه أهل الانحراف، فسلك الإمام أحمد وغيره، مع الاستدلال بالنصوص وبالإجماع، مسلك الاستدلال بالفطرة، والأقيسة العقلية الصحيحة المتضمنة للأولى)) (١). فائدة: قال الإمام القرطبي ﵀: ((فإن قيل كيف أضاف المثل هنا (٢) إلى نفسه، وقد قال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل الآية: ٧٤]، فالجواب: أن قوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل الآية: ٧٤]، أي: الأمثال التي توجب الأشباه والنقائص، أي: لا تضربوا لله مثلاً يقتضي نقصاً وتشبيهاً بالخلق، والمثل الأعلى: وصفه بما لا شبيه له، ولا نظير، جل وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً)) (٣).

стр. 523

وصف الروح في النصوص المتن قال المصنف رحمه الله تعالى: "وهكذا القول في المثل الثاني - وهو الروح التي فينا، فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوص أنها تَعرج وتَصعد من سماء إلى سماء، وأنها تُقبض من البدن، وتُسل منه كما تُسل الشعرة من العجين". الشرح يجدر الإشارة في شرح هذا النص إلى عدة أمور: الأمر الأول: معاني الروح والنفس في النصوص الشرعية. قال ابن قيم الجوزية "وَالروح فِي الْقُرْآن على عدَّة أوجه: أَحدهَا: الْوَحْي كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يلقِي الرّوح من أمره على من يَشَاء من عباده﴾ وسمى الْوَحْي روحا لما يحصل بِهِ من حَيَاة الْقُلُوب والأرواح. الثَّانِي: الْقُوَّة والثبات والنصرة الَّتِي يُؤَيّد بهَا من شَاءَ من عباده الْمُؤمنِينَ كَمَا قَالَ ﴿أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ﴾. الثَّالِث: جِبْرِيل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك﴾ [الشعراء الآية: ١٩٣ [وَقَالَ تَعَالَى: ﴿من كَانَ عدوا لجبريل فَإِنَّهُ نزله على قَلْبك﴾ [البقرة الآية: ٩٧ [وَهُوَ روح الْقُدس قَالَ تَعَالَى: ﴿قل نزله روح الْقُدس﴾ [النحل الآية: ١٠٢]. الرَّابِع: الرّوح الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا الْيَهُود فأجيبوا بِأَنَّهَا من أَمر الله وَقد قيل أَنَّهَا الرّوح الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ [النبأ الآية: ٣٨ [

стр. 524

وَأَنَّهَا الرّوح الْمَذْكُور فِي قَوْله ﴿تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح فِيهَا بِإِذن رَبهم﴾ [الفجر الآية: ٤]. الْخَامِس: الْمَسِيح ابْن مَرْيَم قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ﴾ [النساء الآية: ١٧١]. وَأما أَرْوَاح بنى آدم فَلم تقع تَسْمِيَتهَا فِي الْقُرْآن إِلَّا بِالنَّفسِ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة﴾ [الفجر الآية: ٢٧]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا أقسم بِالنَّفسِ اللوامة﴾ [القيامة الآية: ٢]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ النَّفس لأمارة بالسوء﴾ [الكهف الآية: ٥٣]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أخرجُوا أَنفسكُم﴾ [الأنعام الآية: ٩٣]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس الآيات: ٧ - ٨]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ [آل عمران الآية: ١٨٥]. وَأما فِي السّنة فَجَاءَت بِلَفْظ النَّفس وَالروح" (١) قال ابن قيم الجوزية: " (أولاً): النَّفس فِي الْقُرْآن تطلق: ١ ـ على الذَّات بجملتها: كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَسَلمُوا على أَنفسكُم﴾ [النور الآية: ٦١] وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَنْ نَفسهَا﴾ [النحل الآية: ١١١] وَقَوله تَعَالَى: ﴿كل نفس بِمَا كسبت رهينة﴾ [المدثر الآية: ٣٨].

стр. 525

٢ ـ وَتطلق على الرّوح وَحدهَا: كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة﴾.] الفجر الآية: ٢٧]. وَقَوله تَعَالَى: ﴿أخرجُوا أَنفسكُم﴾ [الأنعام الآية: ٩٣]. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَنهى النَّفس عَنْ الْهوى﴾ [النازعات الآية: ٤٠]. وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنْ النَّفس لأمارة بالسوء﴾ [الكهف الآية: ٥٣]. وَأما الرّوح فَلَا تطلق على الْبدن لَا بانفراده وَلَا مَعَ النَّفس (الإطلاقات الأخرى للروح في القرآن) ١ ـ تطلق الرّوح على الْقُرْآن الَّذِي أوحاه الله تَعَالَى إِلَى رَسُوله: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. ٢ ـ وعَلى الْوَحْي الَّذِي يوحيه إِلَى أنبيائه وَرُسُله: قَالَ تَعَالَى: ﴿يلقِي الرّوح من أمره على من يَشَاء من عباده لينذر يَوْم التلاق﴾ [غافر الآية: ١٥ [ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ من أمره على من يَشَاء من عباده أَنْ أنذروا أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاتقون﴾ [النحل الآية: ٢]. وسمى ذَلِك روحا لما يحصل بِهِ من الْحَيَاة النافعة فَإِنْ الْحَيَاة بِدُونِهِ لَا تَنْفَع صَاحبهَا الْبَتَّةَ بل حَيَاة الْحَيَوَان البهيم خير مِنْهَا وَأسلم عَاقِبَة ولفظ الروح له عدة معان غير الروح التي تفارق البدن بالموت التي هي النفس، فمن إطلاقات الروح ما يلي: ١ ـ تطلق الروح على الهواء الخارج من البدن والهواء الداخل فيه. ٢ ـ وتطلق على البخار الخارج من تجويف القلب من سويداه الساري في العروق. ٣ ـ وتطلق الروح على جبرائيل _ عليه السلام

стр. 526

قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]. ٤ ـ وتطلق على ما يؤيد الله به أولياءه من الروح، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. ٥ ـ وتطلق على الروح الذي أيد الله به روحه المسيح بن مريم ﵇ كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠]. ٦ ـ وتطلق على الروح التي يلقيها الله على من يشاء من عباده. ٧ ـ وتطلق الروح على القوى التي في البدن؛ فإنها تسمى أرواحاً، فيقال: الروح الباصر، والروح السامع، والروح الشامّ؛ فهذه الأرواح قوى مُوْدَعَةٌ في البدن تموت بموت الأبدان، وهي غير الروح التي لا تموت بموت البدن، ولا تبلى كما يبلى. ٨ ـ ويطلق الروح على ما هو أخص مما مضى كله، وهو قوة المعرفة بالله والإنابة إليه، ومحبته، وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته ونسبة هذه الروح إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن؛ فإذا فقدته الروح كانت بمنزلة البدن إذا فقد روحه، وهي الروح التي يؤيد الله بها أهل ولايته. ولهذا يقول الناس: فلان فيه روح، وفلان ليس فيه روح، وهو قصبةٌ فارغة، ونحو ذلك. ٩ ـ ويطلق الروح على غير ما ذكر مما فيه معنى الحياة المعنوية، فللعلم روح، وللإحسان روح، وللإخلاص روح، وللمحبة والإنابة روح، وللتوكل والصدق روح. والناس متفاوتون في هذه المعاني أعظم تفاوت؛ فمنهم من تغلب عليه هذه الأرواح، فيصير روحانياً، ومنهم من يفقدها أو أكثرها فيصير بهيمياً، والله

стр. 527

المستعان" (١) الأمر الثاني: حقيقة الروح عند أهل السنة والجماعة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (روح الآدمي مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، أو من أعلمهم. وكذلك أبو محمد بن قتيبة، قال في (كتاب اللقط) لما تكلم على خلق الروح، قال: "النسم الأرواح، قال: وأجمع الناس أن الله خالق الجثة وبارئ النسمة، أي: الروح". وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: "سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة، قال: هذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب"، إلى أن قال: "والروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة". وصنف الحافظ أبو عبد الله بن مندة في ذلك كتاباً كبيراً في (الروح والنفس) وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئاً كثيراً، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره، والشيخ أبو يعقوب الخراز، وأبو يعقوب النهرجوري، والقاضي أبو يعلى، وقد نص على ذلك الأئمة الكبار، واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في عيسى ابن مريم، لا سيما في روح غيره كما ذكره أحمد في كتابه في (الرد على الزنادقة والجهمية) " (٢)

стр. 528

وقال ابن قيم الجوزية: "أصُول أهل السّنة الَّتِي تظاهرت عَلَيْهَا أَدِلَّة الْقُرْآن وَالسّنة والْآثَار وَالِاعْتِبَار وَالْعقل وَالْقَوْل أَنَّهَا ذَات قَائِمَة بِنَفسِهَا تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل وَتخرج وَتذهب وتجيء وتتحرك وتسكن وعَلى هَذَا أَكثر من مائَة دَلِيل قد ذَكرنَاهَا فِي كتَابنَا الْكَبِير فِي معرفَة الرّوح وَالنَّفس وَبينا بطلَان مَا خَالف هَذَا القَوْل من وُجُوه كَثِيرَة وَإِنْ من قَالَ غَيره لم يعرف نَفسه. وَقد وصفهَا الله بِالدُّخُولِ وَالْخُرُوج وَالْقَبْض والتوفي وَالرُّجُوع وصعودها إِلَى السَّمَاء وَفتح أَبْوَابهَا لَهَا وغلقها عَنْهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة باسطوا أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم﴾ [الأنعام الآية: ٩٣]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي﴾ [الفجر الآيات: ٢٧ - ٢٨ - ٢٩ - ٣٠]. وَهَذَا يُقَال لَهَا عِنْد الْمُفَارقَة للجسد، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس الآيات: ٧ - ٨]. فَأخْبر أَنه سوى النَّفس كَمَا أخبر أَنه سوى الْبدن فِي قَوْله ﴿الَّذِي خلقك فسواك فعدلك﴾ [الانفطار الآية: ٧]. فَهُوَ سُبْحَانَهُ سوى نفس الْإِنْسَان كَمَا سوى بدنه بل سوى بدنه كالقالب لنَفسِهِ فتسوية الْبدن تَابع لتسوية النَّفس وَالْبدن مَوْضُوع لَهَا كالقالب لما هُوَ مَوْضُوع لَهُ. وَمن هَا هُنَا يعلم أَنَّهَا تَأْخُذ من بدنهَا صُورَة تتَمَيَّز بهَا عَنْ غَيرهَا فَإِنَّهَا تتأثر وتنتقل عَنْ الْبدن كَمَا يتأثر الْبدن وينتقل عَنْهَا فيكتسب الْبدن الطّيب والخبث من طيب النَّفس وخبثها، وتكتسب النَّفس الطّيب والخبث من طيب الْبدن وخبثه فأشد الْأَشْيَاء ارتباطا وتناسبا وتفاعلا وتأثرا من أَحدهمَا بِالْآخرِ الرّوح وَالْبدن وَلِهَذَا يُقَال لَهَا عِنْد الْمُفَارقَة «اخْرُجِي أيتها النَّفس الطّيبَة كَانَتْ فِي الْجَسَد الطّيب النَّفس

стр. 529

واخرجي أيتها النَّفس الخبيثة كَانَتْ فِي الْجَسَد الْخَبيث» " (١) وقال ابن قيم الجوزية عن الروح بعد أن ذكر الأقوال المختلفة في حقيقتها: "أَنه جسم مُخَالف بالماهية لهَذَا الْجِسْم المحسوس وَهُوَ جسم نوراني علوي خَفِيف حَيّ متحرك ينفذ فِي جَوْهَر الْأَعْضَاء ويسري فِيهَا سريان المَاء فِي الْورْد وسريان الدّهن فِي الزَّيْتُون وَالنَّار فِي الفحم فَمَا دَامَت هَذِه الْأَعْضَاء صَالِحَة لقبُول الْآثَار الفائضة عَلَيْهَا من هَذَا الْجِسْم اللَّطِيف بَقِي ذَلِك الْجِسْم اللَّطِيف مشابكا لهَذِهِ الْأَعْضَاء وأفادها هَذِه الْآثَار من الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية وَإِذا فَسدتْ هَذِه الْأَعْضَاء بسب اسْتِيلَاء الأخلاط الغليظة عَلَيْهَا وَخرجت عَنْ قبُول تِلْكَ الْآثَار فَارق الرّوح الْبدن وانفصل إِلَى عَالم الْأَرْوَاح وَهَذَا القَوْل هُوَ الصَّوَاب فِي الْمَسْأَلَة هُوَ الَّذِي لَا يَصح غَيره وكل الْأَقْوَال سواهُ بَاطِلَة وَعَلِيهِ دلّ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وأدلة الْعقل والفطرة" (٢) المتن قال المصنف رحمه الله تعالى: "والناس مضطربون فيها: فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءًا من البدن، أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: إنها النفس أو الريح التي تتردد في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة، أو المزاج، أو نفس البدن. الشرح قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه عن أهل الكلام: "ينكرون وجود النفس وأن لها نعيمًا وعذابًا، ويقولون إن ذلك إنما هو للبدن بلا نفس، ويزعمون أن

стр. 530

الروح عرض من أعراض البدن، ونحو ذلك من المقالات التي خالفوا فيها الكتاب والسنة إذ كانوا فيها هم والفلاسفة على طرفي نقيض وهذا الذي ابتدعه المتكلمون باطل باتفاق سلف الأمة وأئمتها" (١) قال ابن قيم الجوزية "قَالَ الرَّازِيّ وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ أَنْ الروح عبارَة عَنْ جسم مَخْصُوص مَوْجُود فِي دَاخل هَذَا الْبدن فالقائلون بِهَذَا القَوْل اخْتلفُوا فِي تعْيين ذَلِك الْجِسْم على وُجُوه الأول: أَنه عبارَة عَنْ الأخلاط الْأَرْبَعَة الَّتِي مِنْهَا يتَوَلَّد هَذَا الْبدن وَالثَّانِي: أنه الدَّم والثَّالِث: أَنه الرّوح اللَّطِيف الَّذِي يتَوَلَّد فِي الْجَانِب الْأَيْسَر من الْقلب وَينفذ فِي الشريانات إِلَى سَائِر الْأَعْضَاء والرَّابِع: أَنه الرّوح الَّذِي يصعد فِي الْقلب إِلَى الدِّمَاغ ويتكيف بالكيفية الصَّالِحَة لقبُول قُوَّة الْحِفْظ والفكرة وَالذكر وَالْخَامِس: أَنه جُزْء لَا يتَجَزَّأ فِي الْقلب وَالسَّادِس: أَنه جسم مُخَالف بالماهية لهَذَا الْجِسْم المحسوس" (٢) الروح عند الفلاسفة المتن قال المصنف رحمه الله تعالى: "ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما
следующие страницы →