← Акыда

Акыда · id 1007

شرح التدمرية - محمد بن خليفة التميمي

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (1 367 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]. ٤ ـ وتطلق على ما يؤيد الله به أولياءه من الروح، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. ٥ ـ وتطلق على الروح الذي أيد الله به روحه المسيح بن مريم ﵇ كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠]. ٦ ـ وتطلق على الروح التي يلقيها الله على من يشاء من عباده. ٧ ـ وتطلق الروح على القوى التي في البدن؛ فإنها تسمى أرواحاً، فيقال: الروح الباصر، والروح السامع، والروح الشامّ؛ فهذه الأرواح قوى مُوْدَعَةٌ في البدن تموت بموت الأبدان، وهي غير الروح التي لا تموت بموت البدن، ولا تبلى كما يبلى. ٨ ـ ويطلق الروح على ما هو أخص مما مضى كله، وهو قوة المعرفة بالله والإنابة إليه، ومحبته، وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته ونسبة هذه الروح إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن؛ فإذا فقدته الروح كانت بمنزلة البدن إذا فقد روحه، وهي الروح التي يؤيد الله بها أهل ولايته. ولهذا يقول الناس: فلان فيه روح، وفلان ليس فيه روح، وهو قصبةٌ فارغة، ونحو ذلك. ٩ ـ ويطلق الروح على غير ما ذكر مما فيه معنى الحياة المعنوية، فللعلم روح، وللإحسان روح، وللإخلاص روح، وللمحبة والإنابة روح، وللتوكل والصدق روح. والناس متفاوتون في هذه المعاني أعظم تفاوت؛ فمنهم من تغلب عليه هذه الأرواح، فيصير روحانياً، ومنهم من يفقدها أو أكثرها فيصير بهيمياً، والله

стр. 527

المستعان" (١) الأمر الثاني: حقيقة الروح عند أهل السنة والجماعة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (روح الآدمي مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، أو من أعلمهم. وكذلك أبو محمد بن قتيبة، قال في (كتاب اللقط) لما تكلم على خلق الروح، قال: "النسم الأرواح، قال: وأجمع الناس أن الله خالق الجثة وبارئ النسمة، أي: الروح". وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: "سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة، قال: هذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب"، إلى أن قال: "والروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة". وصنف الحافظ أبو عبد الله بن مندة في ذلك كتاباً كبيراً في (الروح والنفس) وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئاً كثيراً، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره، والشيخ أبو يعقوب الخراز، وأبو يعقوب النهرجوري، والقاضي أبو يعلى، وقد نص على ذلك الأئمة الكبار، واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في عيسى ابن مريم، لا سيما في روح غيره كما ذكره أحمد في كتابه في (الرد على الزنادقة والجهمية) " (٢)

стр. 528

وقال ابن قيم الجوزية: "أصُول أهل السّنة الَّتِي تظاهرت عَلَيْهَا أَدِلَّة الْقُرْآن وَالسّنة والْآثَار وَالِاعْتِبَار وَالْعقل وَالْقَوْل أَنَّهَا ذَات قَائِمَة بِنَفسِهَا تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل وَتخرج وَتذهب وتجيء وتتحرك وتسكن وعَلى هَذَا أَكثر من مائَة دَلِيل قد ذَكرنَاهَا فِي كتَابنَا الْكَبِير فِي معرفَة الرّوح وَالنَّفس وَبينا بطلَان مَا خَالف هَذَا القَوْل من وُجُوه كَثِيرَة وَإِنْ من قَالَ غَيره لم يعرف نَفسه. وَقد وصفهَا الله بِالدُّخُولِ وَالْخُرُوج وَالْقَبْض والتوفي وَالرُّجُوع وصعودها إِلَى السَّمَاء وَفتح أَبْوَابهَا لَهَا وغلقها عَنْهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة باسطوا أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم﴾ [الأنعام الآية: ٩٣]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي﴾ [الفجر الآيات: ٢٧ - ٢٨ - ٢٩ - ٣٠]. وَهَذَا يُقَال لَهَا عِنْد الْمُفَارقَة للجسد، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس الآيات: ٧ - ٨]. فَأخْبر أَنه سوى النَّفس كَمَا أخبر أَنه سوى الْبدن فِي قَوْله ﴿الَّذِي خلقك فسواك فعدلك﴾ [الانفطار الآية: ٧]. فَهُوَ سُبْحَانَهُ سوى نفس الْإِنْسَان كَمَا سوى بدنه بل سوى بدنه كالقالب لنَفسِهِ فتسوية الْبدن تَابع لتسوية النَّفس وَالْبدن مَوْضُوع لَهَا كالقالب لما هُوَ مَوْضُوع لَهُ. وَمن هَا هُنَا يعلم أَنَّهَا تَأْخُذ من بدنهَا صُورَة تتَمَيَّز بهَا عَنْ غَيرهَا فَإِنَّهَا تتأثر وتنتقل عَنْ الْبدن كَمَا يتأثر الْبدن وينتقل عَنْهَا فيكتسب الْبدن الطّيب والخبث من طيب النَّفس وخبثها، وتكتسب النَّفس الطّيب والخبث من طيب الْبدن وخبثه فأشد الْأَشْيَاء ارتباطا وتناسبا وتفاعلا وتأثرا من أَحدهمَا بِالْآخرِ الرّوح وَالْبدن وَلِهَذَا يُقَال لَهَا عِنْد الْمُفَارقَة «اخْرُجِي أيتها النَّفس الطّيبَة كَانَتْ فِي الْجَسَد الطّيب النَّفس

стр. 529

واخرجي أيتها النَّفس الخبيثة كَانَتْ فِي الْجَسَد الْخَبيث» " (١) وقال ابن قيم الجوزية عن الروح بعد أن ذكر الأقوال المختلفة في حقيقتها: "أَنه جسم مُخَالف بالماهية لهَذَا الْجِسْم المحسوس وَهُوَ جسم نوراني علوي خَفِيف حَيّ متحرك ينفذ فِي جَوْهَر الْأَعْضَاء ويسري فِيهَا سريان المَاء فِي الْورْد وسريان الدّهن فِي الزَّيْتُون وَالنَّار فِي الفحم فَمَا دَامَت هَذِه الْأَعْضَاء صَالِحَة لقبُول الْآثَار الفائضة عَلَيْهَا من هَذَا الْجِسْم اللَّطِيف بَقِي ذَلِك الْجِسْم اللَّطِيف مشابكا لهَذِهِ الْأَعْضَاء وأفادها هَذِه الْآثَار من الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية وَإِذا فَسدتْ هَذِه الْأَعْضَاء بسب اسْتِيلَاء الأخلاط الغليظة عَلَيْهَا وَخرجت عَنْ قبُول تِلْكَ الْآثَار فَارق الرّوح الْبدن وانفصل إِلَى عَالم الْأَرْوَاح وَهَذَا القَوْل هُوَ الصَّوَاب فِي الْمَسْأَلَة هُوَ الَّذِي لَا يَصح غَيره وكل الْأَقْوَال سواهُ بَاطِلَة وَعَلِيهِ دلّ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وأدلة الْعقل والفطرة" (٢) المتن قال المصنف رحمه الله تعالى: "والناس مضطربون فيها: فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءًا من البدن، أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: إنها النفس أو الريح التي تتردد في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة، أو المزاج، أو نفس البدن. الشرح قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه عن أهل الكلام: "ينكرون وجود النفس وأن لها نعيمًا وعذابًا، ويقولون إن ذلك إنما هو للبدن بلا نفس، ويزعمون أن

стр. 530

الروح عرض من أعراض البدن، ونحو ذلك من المقالات التي خالفوا فيها الكتاب والسنة إذ كانوا فيها هم والفلاسفة على طرفي نقيض وهذا الذي ابتدعه المتكلمون باطل باتفاق سلف الأمة وأئمتها" (١) قال ابن قيم الجوزية "قَالَ الرَّازِيّ وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ أَنْ الروح عبارَة عَنْ جسم مَخْصُوص مَوْجُود فِي دَاخل هَذَا الْبدن فالقائلون بِهَذَا القَوْل اخْتلفُوا فِي تعْيين ذَلِك الْجِسْم على وُجُوه الأول: أَنه عبارَة عَنْ الأخلاط الْأَرْبَعَة الَّتِي مِنْهَا يتَوَلَّد هَذَا الْبدن وَالثَّانِي: أنه الدَّم والثَّالِث: أَنه الرّوح اللَّطِيف الَّذِي يتَوَلَّد فِي الْجَانِب الْأَيْسَر من الْقلب وَينفذ فِي الشريانات إِلَى سَائِر الْأَعْضَاء والرَّابِع: أَنه الرّوح الَّذِي يصعد فِي الْقلب إِلَى الدِّمَاغ ويتكيف بالكيفية الصَّالِحَة لقبُول قُوَّة الْحِفْظ والفكرة وَالذكر وَالْخَامِس: أَنه جُزْء لَا يتَجَزَّأ فِي الْقلب وَالسَّادِس: أَنه جسم مُخَالف بالماهية لهَذَا الْجِسْم المحسوس" (٢) الروح عند الفلاسفة المتن قال المصنف رحمه الله تعالى: "ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما

стр. 531

يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون: لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عَرَض. وقد يقولون: إنها لا تدرك الأمور المعينة، والحقائق الموجودة في الخارج، وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة. وقد يقولون: إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة. وربما قالوا: ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها، مع تفسيرهم للجسم بما يقبل الإشارة الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها بالمعدوم والممتنع. وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل. قالوا: بل هذا ممكن، بدليل أن الكليات ممكنة موجودة، وهي غير مشار إليها. وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في العيان، فيعتمدون فيما يقولونه في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال". الشرح قال شيخ الإسلام ابن تيمية "الفلاسفة المشائين وأتباعهم يدعون في النفوس والعقول أنها شيء لا داخل العالم ولا خارجه ولا متحرك ولا ساكن ولا متصل بغيره ولا منفصل عنه وأمثال هذه الترهات" (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "دعوى الفلاسفة أن النفس ليست بجسم

стр. 532

ولا توصف بحركة ولا سكون ولا دخول ولا خروج وأنه لا يحس إلا بالتصور لا غير" (١) وقال ابن تيمية: "قالت المثبتة إنما أثبته هؤلاء المتفلسفة من موجودات ممكنة ليست أجساما ولا أعراضا قائمة بالأجسام كالعقل والنفس والهيولى والصورة التي يدعون أنها جواهر عقلية موجودة خارج الذهن ليست أجساما ولا أعرضا لأجسام فإن أئمة أهل النظر يقولون إن فسادها هذا معلوم بالضرورة كما ذكر ذلك أبو المعالي الجويني وأمثاله من أئمة النظر والكلام" (٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن أكثر أسباب غلطهم بناؤهم على أن المعقول الموجود يكون له وجوده في الخارج وهم إذا تدبروا ذلك علموا أن المعقولات التي هي أمور كلية إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان وإن الخارج لا يكون فيه شيء مما هو معقول مجرد وهو الأمور الكلية إلا أن يراد بالمعقول في قولهم مثلوا المعقول في صورة المحسوس ما يحسه الإنسان بنفسه دون جسده، فهذا في الحقيقة محسوس موجود لكن بالحس الباطن والوجد الباطن ليس معقولا محضا ولا في تمثل أن الإنسان يحس جوعه وشبعه ولذته وألمه أنه ينتقل حكمه من الباطن إلى الظاهر كما ينتقل حكم الحس بالظاهر إلى الباطن، وإذا قدر وجودالنفس بغير بدن فهو يحس بما يجده من لذة وألم وذلك أمر محسوس لها وبجنس أسباب ذلك لا يكون لها معقولا مجردا كليا فإن ذاك إنما ثبوته في مجرد العلم والاعتقاد ولا بد له من أفراد موجودة في الخارج وإلا لم يكن حقا، ومن المعلوم أن هذا الظان أن النفس تلذذ بهذه الأمور دون إدراك الحقائق الخارجية من أفسد الظن وهو كقول من يقول إن النفس تتلذذ بتمثل المحسوس والمشتهى دون المباشرة لحقيقته

стр. 533

الخارجة فقولهم يمثل المعقول في صورة المحسوس كلام لا حقيقة له، لكن لو قال يمثل الغائب في صورة الشاهد ويمثل الغيب في صورة الشهادة كان هذا حقا، فإن الإنسان إنما يعلم ما يشهده ويحس به بالقياس والتمثيل لما شاهده، لكن هذا لا يقتضي أن تكون الأمور الغائبة المتمثلة ليست في أنفسها مما يحس بل يعقل عقلا مجردا فإن هذا لا يقوله من يفهم ما يقوله" (١) وقال شيخ الإسلام معلقًا على ما حتج به الجهم بن صفوان على السمنية في أمر الروح (٢) فقال: "لكنه هنا ضل فظن أن االله لا يمكن إحساسه ولا رؤيته واحتاج

стр. 534

حينئذ إلى إثبات موجود لا يمكن احساسه، فزعم أن روح بني آدم كذلك لا يمكن احساسها بشيء من الحواس، وقاس وجود االله على وجود الروح من هذا الوجه، وهذه هي الطريقة التي سلكها هذا المؤسس في أول تأسيسه حيث اثبت وجود ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه بما قال من قال من الفلاسفة وموافقيهم من المسلمين إن الروح الذي في بني آدم لا داخل العالم ولا خارجه ولا يمكن احساسها فقول جهم هو قول هؤلاء كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ] ﴿البقرة الآية: ١١٨]. " (١) المتن قال المصنف رحمه الله تعالى: "واضطراب النفاة والمثبتة في الروح كثير، وسبب ذلك أن الروح-التي تسمى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة-ليست هي من جنس هذا البدن، ولا من جنس العناصر والمولدات منها، بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس، فصار هؤلاء لا يعرِّفونها إلا بالسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وأولئك يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة، وكلا القولين خطأ، الشرح قال شيخ الإسلام ابن تيمية - لما قارن بين فلسفة الفلاسفة المنتسيبن للإسلام وفلسفة القدماء فقال: "بخلاف فلسفة القدماء فإن فيها من التقصير والجهل في العلوم الإلهية ما لا يخفى على أحد، وإنما كلام القوم وعلمهم في العلوم الرياضية

стр. 535

والطبيعية، وكل فاضل لا يعلم أن كلام أرسطو وأمثاله في الإلهيات قليل نزر جدا. قليل الفائدة مع أنه لا يوصل إليه إلا بتعب كثير مع أنه يقول: هذا غاية فلسفتنا ونهاية حكمتنا. وهو كما قيل: لحم جمل غث على رأس جبل وعر لاسهل فيرتقي ولا سمين فينتقل" (١). وقد أقر أرسطو نفسه بصعوبة تعريف النفس فقال في كتابه "النفس" "غير أن الحصول على معرفة وثيقة عن النفس أمر على الإطلاق ومن كل وجه شديد الصعوبة" (٢)، وليته صدق أكثر فقال مستحيل على العقل البشري ولكنه يقدس عقله فلم يعترف بقصوره الفطري. ونظرية أرسطو في تعريف النفس تقوم على التفريق بين المادة (الهيولى) (٣) (والصورة) (٤) أو (القوة) و (الفعل) (٥).

стр. 536

"فالهيولى موضوع غير معين فهي ليست ماهية ولا كيفية ولا كمية ولا ما يدخل في المقولات التي هي أقسام الوجود ولكنها قوة صرف ضرورية تكون تارة في صورة وتارة في سواها والصورة كمال أول لهذا الموضوع أو فعل أول لهذه القوة، وباتحاد الهيولى والصورة اتحادا جوهريا ينشأ كائن حي واحد إذ لاتستغني إحداهما عن الأخرى فلا وجود هيولى دون صورة ولا وجود لصورة دون هيولى" ٢ - الصورة عند أرسطو "ليست صورة الإنسان مثلا هي الشكل الذي تعرضه لنا الصورة الشمسية، ولا هي الشكل الذي يعرضه لنا التمثال المنحوت، ولكنها هي كل تركيب الإنسان الذي يميزه من المادة أو يميزه من الموجودات الأخرى، أو هي ماهيته التي يصبح بها إنسانا وبغيرها يزول عنه وصف الإنسان" (١). ٣ - "الحركة عند أرسطو هي انتقال المادة من الهيولى إلى الصورة ولا يفهم من ذلك أن الهيولى توجد بغير صورة أو أن الصورة توجد بغير الهيولى، بل يفهم منه أن الصورة تسفل في المادة حتى تنزل إلى مرتبة الجمادات الخسيسة التي يخيل إلينا أنها لا صورة لها على الإطلاق وأن الصورة تعلو بالهيولى إلى مرتبة الكائنات التي يخيل إلينا أنها لا مادة لها على الإطلاق، وربما كانت صورة لشيء آخر، فالخشب له صورة تميزه من صور الجمادات الأخرى، ولكنه هو نفسه مادة لصورة التمثال وكلما ارتقت المادة في الصورة اقتربت من العلة الأولى لأنها هي الصورة المحض التي

стр. 537

لا تمتزج بها الهيولى بحال" (١) وهذه النظرية هي «المفتاح الذي يلجأ إليه من أجل تفسير كل شيء في أية ناحية من نواحي الفلسفة أو العلم، (ولتوضيح معنى المادة نقول «إن الرخام بعد مادة أساسية للتمثال، والخشب مادة للمقعد، ومن الممكن أن يصبح الرخام تمثالا كما يمكن أن يكون شيئا آخر، والخشب قد يصلح مقعدا أو مائدة؛ فالصورة هي التي تخلع على المادة هيئتها وتحددها وهي كمال المادة، ويتبين لنا أن هناك فارقا في الوجود قبل نحت الصورة وبعده، ذلك أن الرخام كان قبل النحت هو مادة غفلًا من الهيئة أو المعنى، فأصبحت بعد النحت معبرة دالة؛ وبدهي أن قطعة الرخام تعبر في الحالة الأخيرة عن وجود أسمى وأرقى منه في حالتها وهي مادة خام قبل النحت والتشكل، وهذا هو معنى الكمال. والأمر عينه بالنسبة للإنسان فالجسم هو المادة والنفس هي الصورة وكلا الاثنين يمثلان جوهرًا واحدًا فلا تنفك إحداهما عن الأخرى بحال من الأحوال ويترتب على ذلك استحالة القول باستقلال النفس عن الجسم، واستحالة وجود الجسم بدون النفس، فليس من الممكن أن نعد النفس جوهرًا مستقلا وهي لا تؤدي وظائفها إلا إذا استعانت بالجسم على نحو ما. فهي تستخدم الحواس في البصر والمس والذوق والشم. وهل لها أن تتخيل أو نحو ما. فهي تستخدم الحواس في البصر واللمس والذوق والشم. وهل لها أن تتخيل أو تشتهي أو تغضب دون أن تكون على صلة وثيقة بالبدن. وكذا الأمر في كل من الخيال والتفكير. فإن هذا الأخير إنما يتخذ الخيال والحس نقطة بدء له، وإن كان لا يستخدم آلة جسمية كما هي الحال في الوظائف النفسية الأخرى. وحينئذ فإذا أردنا أن نعرف النفس وجب القول بأنها الكمال الأول لجسم طبيعي توجد فيه الحياة بالقوة» (٢) والجدير ذكره أن: "تقسيم الوجود إلى واجب وممكن هو تقسيم ابن سينا

стр. 538

وأتباعه وأما أرسطو والمتقدمون فلا يقسمونه إلا إلى جوهر وعرض، والممكن عندهم لا يكون إلا حادثا كما اتفق على ذلك سائر العقلاء وهذا العلم هو علم المقولات العشر وهو المسمى عندهم قاطيغورياس. " (١) ونخلص مما سبق إلى أن أرسطو ينظر للإنسان على أنه مكون من مادة وصورة، المادة هي البدن والصورة هي النفس والصور كلها كمالات أولية لأن وجود الأشياء المختلفة لا يكتمل إلا بها (٢). لتوضيح معنى النفس عند الفلاسفة يحسن التعرف على أقسام العلوم عند الفلاسفة، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كانت العلوم عندهم ثلاثة: الأول: أما علم لا يتجرد عن المادة لا في الذهن ولا في الخارج وهو (الطبيعي) وموضوعه الجسم. الثاني: وأما علم مجرد عن المادة في الذهن لا في الخارج وهو (الرياضي) كالكلام في المقدورات المعدودة والمقدار والعدد. الثالث: وأما ما يتجرد عن المادة فيهما وهو (الإلهى) وموضوعه الوجود المطلق بلواحقه التي تلحقه من حيث هو وجود كانقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض" (٣). وما يخصنا هنا هو النوع الثالث وهو العلم الإلهي، وبالأخص ما يتعلق بالجوهر، ويبين شيخ الإسلام هذا الجانب فيقول: "وانقسام الجوهر إلى: الأول: ما هو حال، هو: الصورة.

стр. 539

والثاني: وما هو محل، هو: المادة وهو الهيولي ومعناه في لغتهم المحل. والثالث: وما ليس بحال ولا محل، بل هو يتعلق بذلك تعلق التدبير، هو: النفس. والرابع: وإلى ما ليس بحال ولا محل ولا هو متعلق بذلك، هو: العقل. والخامس: والمركب منهما هو: الجسم. وهذه الخمسة أقسام الجوهر عندهم. والأول مقالي يجعله أكثرهم من مقولة الجوهر، ولكن طائفة من متأخريهم كابن سينا امتنعوا من تسميته جوهرا وقالوا الجوهر ما إذا وجد كان وجوده لا في موضوع أي لا في محل يستغنى عن الحال فيه، وهذا إنما يكون فيما وجوده غير ماهيته والأول ليس كذلك فلا يكون جوهرا، وهذا خالفو مما فيه سلفهم ونازعوهم فيه نزاعا لفظيا، ولم يأتوا بفرق صحيح معقول، فإن تخصيص اسم الجوهر بما ذكروه أمر اصطلاحي. وأولئك يقولون بل هو كل ما ليس في موضوع كما يقول المتكلمون كل ما هو قائم بنفسه أو كل ما هو متحيز أو كل ما قامت به الصفات أو كل ما حمل الاعراض ونحو ذلك. وأما الفرق المعنوي فدعواهم أن وجود الممكنات زائد على ماهيتها في الخارج باطل ودعواهم أن الأول وجود مقيدة بالسلوب أيضا باطل كما هو مبسوط في موضعه. " (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قول من يقول أن الجسم مركب من الهيولى والصورة باطل، كما أن قول من يقول أنه مركب من الجواهر المفردة باطل، وأن

стр. 540

أكثر فرق أهل الكلام من المسلمين وغيرهم كالكلابية والنجارية والضرارية والهشامية وكثير من الكرامية لا يقولون بهذا ولا بهذا كما عليه جماهير أهل الفقه وغيرهم. والكلام على من فرق بين الوجود والماهية مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود هنا التنبيه على أن ما ذكروه في المنطق من الفرق بين الماهية ووجود الماهية في الخارج هو مبنى على هذا الأصل الفاسد. وحقيقة الفرق الصحيح أن الماهية هي ما يرتسم في النفس من الشيء والوجود هو نفس ما يكون في الخارج منه، وهذا فرق صحيح، فإن الفرق بين ما في النفس وما في الخارج ثابت معلوم لا ريب فيه وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة في العلم ولا في الوجود فهذا باطل. ومعلوم أن لفظ الماهية يراد به ما في النفس والموجود في الخارج، ولفظ الوجود يراد به بيان ما في النفس والموجود في الخارج، فمتى أريد بهما ما في النفس فالماهية هي الوجود وإن أريد بهما ما في الخارج فالماهية هي الوجود أيضا وأما إذا بأحدهما ما في النفس وبالآخر ما في الوجود الخارج فالماهية غير الوجود. وكلامهم إنما يستلزم ثبوت ماهية في الذهن لا في الوجود الخارجي وهذا لا نزاع فيه ولا فائدة فيه إذ هذا خبر عن مجرد وضع واختراع، إذ يقدر كل إنسان أن يخترع ماهية في نفسه غير ما اخترعه الآخر، وإذا ادعى هذا أن الماهية هي الحيوان الناطق أمكن الآخر أن يقول بل هي الحيوان الضاحك وإذا قال هذا أن الحيوانية ذاتية للإنسان بخلاف العددية للزوج والفرد أمكن الآخر أن يعارضه ويقول بل العدد ذاتي للزوج والفرد واللون ذاتي للسواد بخلاف الحيوان فليس ذاتيا للإنسان إذ مضمون هذا كله أن يأتي شخص إلى صفات متماثلة في الخارج فيدعى أن الماهية

стр. 541

التي يخترعها في نفسه هي هذه الصفة دون هذه فإنه أن جعل هذا مطابقا للأمر في نفسه وهو قولهم كان مبطلا، وإن قال هذا اصطلاح اصطلحته قوبل باصطلاح آخر وكان هذا مما لا فائدة فيه. " (١) المعاني الاصطلاحية في الجسم المتن قال المصنف رحمه الله تعالى: "وإطلاق القول عليها بأنها جسم، أو ليست بجسم، يحتاج إلى تفصيل، فإن لفظ «الجسم» للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوي، فأهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن، وبهذا الاعتبار فالروح ليست جسمًا، ولهذا يقولون: الروح والجسم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنفقون الآية: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة الآية: ٢٤٧]. وأما أهل الكلام، فمنهم من يقول: الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر المنفردة. ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة. وكل هؤلاء يقولون: إنه مشار إليه إشارة حسية. ومنهم من يقول: ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا، بل هو ما يشار إليه ويقال: إنه هنا أو هناك". الشرح قال ابن تيمية: "الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها

стр. 542

أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفياً ولا إثباتاً. والنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه. فإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ. فمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى. فإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردوداً. وذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل. وإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه. فلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب. وإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.

стр. 543

إذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر شيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين. فمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل. ومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل. ولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازماً لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازماً لهم. لكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله" (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "المتفلسفة الذين قالوا: إن النفس الناطقة لا تتحرك ولا تسكن ولا تصعد ولا تنزل وليست بجسم فإن عمدهتم على ذلك كونها يقوم بها ما لا ينقسم كالعلم بما لا ينقسم وإذا لم تنقسم امتنع كونها جسما وكلا المقدمتين ممنوعة" (٢)

стр. 544

المتن قال المصنف رحمه الله تعالى: "فعلى هذا، إذا كانت الروح مما يشار إليه، ويتَّبِعُهُ بصرُ الميِّتِ - كما قال النبي ﷺ : (إن الروح إذا خرج تبعه البصر)، وإنها تُقبض، ويُعرج بها إلى السماء، كانت الروح جسمًا بهذا الاصطلاح". الشرح يقول ابن تيمية: "الإنسان عبارة عن البدن والروح معاً، بل هو بالروح أخص منه بالبدن، وإنما البدن مطية للروح، كما قال أبو الدرداء: (إنما بدني مطيتي، فإن رفقت بها بلغتني، وإن لم أرفق بها لم تبلغني)، وقد رواه ابن مندة وغيره عن ابن عباس، قال: (لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلق حتى تختصم الروح والبدن، فتقول الروح للبدن: أنت عملت السيئات، فيقول البدن للروح: أنت أمرتني، فيبعث الله ملكاً يقضي بينهما فيقول: إنما مثلكما كمثل مقعد وأعمى دخلا بستاناً، فرأى المقعد فيه ثمراً معلقاً، فقال للأعمى: إني أرى ثمراً ولكن لا أستطيع النهوض إليه، وقال الأعمى: لكني أستطيع النهوض إليه، ولكني لا أراه، فقال المقعد: تعال فاحملني حتى أقطفه، فحمله وجعل يأمره فيسير به إلى حيث يشاء فقطع الثمرة، قال المَلَكُ: فعلى أيهما العقوبة؟ قالا: عليهما جميعاً، قال: فكذلك أنتما" (١) ويقول ابن تيمية: "لا اختصاص للروح بشيء من الجسد، بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد، فإن الحياة مشروطة بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح فارقته

стр. 545

الحياة" (١) وغالبا ما يتوارد في أذهان الناس السؤال عن كيفية النفس وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا السؤال فقال: "وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ لَهَا كَيْفِيَّةٌ تُعْلَمُ؟ فَهَذَا سُؤَالٌ مُجْمَلٌ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا يُعْلَمُ مِنْ صِفَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا هَلْ لَهَا مِثْلٌ مِنْ جِنْسِ مَا يَشْهَدُهُ مِنْ الْأَجْسَامِ أَوْ هَلْ لَهَا مِنْ جِنْسِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْعَنَاصِرِ: الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَالنَّارِ وَالتُّرَابِ. وَلَا مِنْ جِنْسِ أَبْدَانِ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعْدِنِ. وَلَا مِنْ جِنْسِ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ فَلَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ مَشْهُودٌ وَلَا جِنْسٌ مَعْهُودٌ: وَلِهَذَا يُقَالُ؛ إنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَيْفِيَّتُهَا" (٢) يقول ابن قيم الجوزية: "وقد افترق العالم في هذا المقام أربع فرق: الفرقة الأولى: أنكرت تأثير النفس وهم فرقتان: فرقة اعترفت بوجود النفوس الناطقة وأنكرت تأثيرها البتة وهذا قول طائفة من المتكلمين ممن أنكر الأسباب والقوى والتأثيرات. وفرقة أنكرت وجودها بالكلية وقالت: لا وجود لنفس الآدمي سوى هذا الهيكل المحسوس وصفاته وأعراضه فقط. وهذا قول كثير من ملاحدة الطبائعيين وغيرهم من الملاحدة المنتسبين إلى الإسلام وهو قول شذوذ من أهل الكلام الذين ذمهم السلف وشهدوا عليهم بالبدعة والضلالة.

стр. 546

الفرقة الثانية: أنكرت وجود النفس الإنسانية المفارقة للبدن وهذا قول كثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم الفرقة الثالثة: بالعكس أقرت بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن وأنكرت وجود الجن والشياطين وزعمت أنها غير خارجة عن قوى النفس وصفاتها وهذا قول كثير من الفلاسفة الإسلاميين وغيرهم، وهؤلاء يقولون إنما يوجد في العالم من التأثيرات الغريبة والحوادث الخارقة فهي من تأثيرات النفس ويجعلون السحر والكهانة كله من تأثير النفس وحدها بغير واسطة شيطان منفصل. وابن سينا وأتباعه على هذا القول حتى أنهم يجعلون معجزات الرسل من هذا الباب ويقولون إنما هي من تأثيرات النفس في هيولي العالم وهؤلاء كفار بإجماع أهل الملل وليسوا من أتباع الرسل جملة الفرقة الرابعة: وهم أتباع الرسل وأهل الحق أقروا بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن وأثبتوا ما أثبته الله تعالى من صفاتها وشرها واستعاذوا بالله تعالى منها وعلموا أنه لا يعيذهم منه ولا يجيرهم إلا الله تعالى. فهؤلاء أهل الحق ومن عداهم مفرط في الباطل أو معه باطل وحق، والله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" (١)

стр. 547

وجه ضرب المثل بالروح المتن قال المصنف رحمه الله تعالى: "والمقصود: أن الروح إذا كانت موجودة حية عالمة قادرة، سميعة بصيرة، تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها، لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرًا، والشيء إنما تدرك حقيقته إما بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات، فالخالق أَوْلَى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته، وأهل العقول هم أعجز عن أن يحدّوه أو يكيّفوه منهم عن أن يحدّوا الروح أو يكيفوها. فإذا كان مَنْ نَفَى صفاتِ الروح جاحدًا معطلا لها، ومن مثَّلها بما يشاهده من المخلوقات جاهلا ممثلا لها بغير شكلها، وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات - فالخالق أَوْلَى أن يكون من نفى صفاته جاحدًا معطلا، ومن قاسه بخلقه جاهلًا به ممثلا، وهو سبحانه ثابت بحقيقة الإثبات، مستحق لما له من الأسماء والصفات". الشرح عقد المصنف هنا مقارنة بين مسألة الروح وبين مسألة صفات الله من جهتين: الجهة الأولى: بيان الأقوال الثلاثة الواردة في هذه مسألة الروح وهي: القول الأول: قول أهل السنة: الذين يثبتون أن الروح لها حقيقة تميزها وأنها غير

стр. 548

البدن، وأنها متصفة بصفات متعددة كما جاءت بذلك النصوص الشرعية، وقد سبق بسط قولهم فيما سبق. القول الثاني: قول بعض المتكلمين الذين اعتبروا الروح جزء من أجزاء البدن. القول الثالث: قول الفلاسفة الذين ينكرون حقيقة الروح ويرون أن وجودها أمر مقدر في الذهن لا حقيقة له في الخارج. وأما الجهة الثانية: أن مسألة حقيقة الروح ومسألة صفات الله تشتركان في أن كل واحد منهما أمر غيبي لا سبيل إلى الوصول لحقيقته، فحقيقة الروح كما قال المصنف: "العقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها" على اعتبار أن الخلق " لم يشاهدوا لها نظيرًا، والشيء إنما تدرك حقيقته إما بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره" هذا مع أنها مخلوقة لكن حقيقتها من المغيبات. وكما قال المصنف: "فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات" فإن من باب أولى أن تعجز تلك العقول عن إدراك حقيقة صفات الله ولذلك قال المصنف: "فالخالق أَوْلَى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته، وأهل العقول هم أعجز عن أن يحدّوه أو يكيّفوه منهم عن أن يحدّوا الروح أو يكيفوها". ثم انتقل المصنف إلى أقوال المخالفين في مسألة الروح الذين خالفوا الشرع وأنكروا ما جاءت به النصوص من إثبات حقيقتها وصفاتها، وهؤلاء كما سبق ينقسمون إلى قسمين: القسم الأول: وهم الفلاسفة وهؤلاء يسمون معطلة، وهم الذين قصدهم هنا بقوله: "فإذا كان مَنْ نَفَى صفاتِ الروح جاحدًا معطلا لها" القسم الثاني: أهل الكلام الذين زعموا أنها جزء من البدن، وهم الذين عناهم

стр. 549

بقوله: "ومن مثَّلها بما يشاهده من المخلوقات جاهلا ممثلا لها بغير شكلها". وهؤلاء خالفوا الشرع وجاؤا بما يناقضه، واستقلوا برأيهم مع أن النصوص في شأن الروح كما قال المصنف: "ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات" التي تقدم الإشارة إليها عند ذكر قول أهل السنة. فإذا كان الأمر كذلك في شأن مسألة الروح. فإن مسألة صفات الخالق أولى بأن ينقسم المخالفون فيها إلى قسمين: القسم الأول: المعطلة الذين نفوا صفات الله وهم الذين قصدهم المصنف بقوله: "فالخالق أَوْلَى أن يكون من نفى صفاته جاحدًا معطلا". القسم الثاني: المشبهة الذين شبهوا صفات الله بصفات خلقه وهم الذين قصدهم المصنف بقوله "ومن قاسه بخلقه جاهلا به ممثلا" وكلا القولين باطل فإن الله موجود حقيقة وله صفات حقيقة تليق بجلاله وعظمته كما قال المصنف: "وهو سبحانه ثابت بحقيقة الإثبات، مستحق لما له من الأسماء والصفات". خاتمة جامعة فيها قواعد نافعة المتن قال المصنف رحمه الله تعالى: "وأما الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة: القاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي. فالإثبات كإخباره أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك، والنفي كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥].

стр. 550

وينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل ليس بشيء، فضلاً عن أن يكون مدحًا أو كمالا. ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال. فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥] .. فنفي السِنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبيِّن لكمال أنه الحي القيوم. وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥ [أي لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها. بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته، وعيب في قوته. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ الآية: ٣ [فإنّ نَفْي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، فإنّ نَفْي مس اللغوب الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة، ونهاية القوة. بخلاف المخلوق الذي يلحقه من النصب والكلال ما يلحقه. وكذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام الآية: ١٠٣]، إنما نفى الإدراك الذي هو

стр. 551

الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء (١). ولم ينف مجرد الرؤية، لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُئي، كما أنه لا يُحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رُئي لا يحاط به رؤية. فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف الله به نفسه" الشرح لما فرغ المصنف ﵀ من الكلام عن الأصلين والمثلين اللذين رد بهما على المعطلة، شرع هنا في بيان خاتمة جامعة، وقد ضمنه سبع قواعد مهمة في الأسماء والصفات، ثم شرع في بيان القاعدة الأولى. القاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي. وبيان هذه القاعدة قول المصنف: "أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي". أي أن الصِّفات تنقسمُ باعتبار ورودها في النُّصوص إلى قسمين: ١ - صفات ثبوتية. ٢ - صفات سلبية (أي: منفية).

стр. 552

القسم الأول: الصفات الثبوتية: وتعريفها: هي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . القسم الثاني: الصفات السلبية: وتعريفها: هي ما نفاه الله سبحانه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . الصفات الثبوتية صفاتُ مدح وكمال، وهي الأكثر من الصفات السلبية، إذ معرفة الله قائمة على الصفات الإثبات. وأما الصفات السَّلبية فلا تراد لذاتها، وإنما لأنها تابعة للثبوتية ومكملة لها، وفي الحقيقة أن كلَّ تنزيهٍ مُدِح به الربُّ ففيه إثباتٌ (١). وسلب النقائص والعيوب عن الله نوعان: النوع الأول: سلب لمتصل. «وضابطه: نفي كل ما يناقض صفة من صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ ؛ كنفي الموت المنافي للحياة، والعجز المنافي للقدرة، والسِّنة والنوم المنافي لكمال القيومية، والظلم المنافي للعدل، والإكراه المنافي للاختيار، والذل المنافي للعزة … »، إلخ. النوع الثاني: سلب لمنفصل. وضابطه: تنزيه الله سبحانه عن أن يشاركه أحد مِنْ خلقه في شييء من خصائصه التي لا تَنبغي إلا له. وذلك كنفي الشريك له في ربوبيته؛ فإنَّه منفرد بتمام الملك والقوة والتدبير. وكنفي الشريك له في أُلوهيته، فهو وحده الذي يجب أن يُؤلهه الخلق، ويُفردوه بكل أنواع العبادة والتعظيم.

стр. 553

وكنفي الشريك له في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فليس لغيره من المخلوقين شِركة معه سبحانه في شيء منها. وكذلك نفي الظَّهير الذي يُظاهره أو يعاونه في خلق شيء أو تدبيره؛ لكمال قدرته وسَعة علمه ونفوذ مشيئته، وغيره من المخلوقين عاجز فقير لا حول له ولا قوة إلا بالله؛ فالشريك والظهير مَنفيان عنه بإطلاق. وكذلك ينفى عنه سبحانه اتخاذ الصاحبة والولد الذي نَسَبه إليه النصارى عابدو الصُّلبان، والصابئة الذين يقولون: إن الملائكة بنات الله؛ قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلّ﴾ [الإسراء الآية: ١١١]. (١). والأدلة السمعية التي وردت في نفي المماثلة تنقسم إلى قسمين: ١ ـ خبر. ٢ ـ وطلب. قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين-﵀: ((الأدلة السمعية تنقسم إلى قسمين: خبر، وطلب. ـ فمن الخبر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، فالآية فيها نفي صريح للتمثيل. وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥] على نفي المماثلة، فإن هذا وإن كان إنشاء، لكنه بمعنى الخبر؛ لأنه استفهام بمعنى النفي. وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، فهذه كلها تدل على نفي المماثلة، وهي كلها خبرية.

стр. 554

ـ وأما الطلب؛ فقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، أي: نظراء مماثلين. وقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل الآية: ٧٤] (٢). وقول المصنف: "فالإثبات كإخباره أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك". الصفات الثبوتية كثيرة جدًّا؛ منها: العلم-والحياة-والعزة-والقدرة-والحكمة-والكبرياء-والقوة-والاستواء-والنزول-والمجيء، وغيرها. وقول المصنف: "والنفي كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥] .. والصفات المنفية كلها صفات نقص في حقه. فيجب نفيُها عن الله مع إثبات أنَّ الله موصوف بكمال ضدها. ومن أمثلتها: النَّوم-الموت-الجهل-النِّسيان-العجز-التعب-الظلم. وهنا تجدر الإشارة إلى أمور مهمة، وهي: الأمر الأول: أنَّ معرفة الله ليست بمعرفة صفات السلب، بل الأصل فيها صفات الإثبات، والسلب تابع، ومقصوده: تكميل الإثبات (٣). «فإنَّ السلب لا يُراد لذاته، وإنما يقصد لما يتضمنه من إثبات الكمال، فكل ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص-فإنه متضمن للمدح، والثناء على الله بضد ذلك النقص من الأوصاف الحميدة والأفعال الرشيدة» (٤). الأمر الثاني: أنَّ صفات التنزيه يجمعها معنيان:

стр. 555

الأول: نفي النقائص عنه، وذلك مِنْ لوازم إثبات صفات الكمال. الثاني: إثبات أنَّه ليس كمثله شييء في صفات الكمال الثابتة له. الأمر الثالث: الصفات السلبية تُذكر غالبًا في الأحوال التالية: الأولى: بيان عموم كماله؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]. والثانية: نفي ما ادَّعاه في حقه الكاذبون؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ [مريم الآيات: ٨٨ إلى ٩٢]. والثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الدخان الآية: ٣٨]. الأمر الرابع: أنَّ الصفات السلبية إنما تكون كمالًا إذا تضمنت أمورًا وجودية (١). فلا يُوصف الرب من الأمور السلبية إلا بما يتضمن أمورًا وجودية، وإلا فالعدم المحض لا كمال فيه. وقول المصنف: "وينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال. لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل ليس بشيء، فضلاً عن أن يكون مدحًا أو كمالا. ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال". أي "إذا تأملت وجدت كلَّ نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف به نفسه" (٢).

стр. 556

ثم إن النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه-فيه إساءة أدب مع الله سبحانه؛ فإنك لو قلت لسلطان: أنت لستَ بزبَّال ولا كسَّاح ولا حَجَّام ولا حائك؛ لأَدَّبَك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا. وإنما تكون مادحًا إذا أجملت النفي؛ فقلت: أنت لستَ مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجَل، فإن أَجملت في النفي أجملت في الأدب (١). فأهل الكلام المذموم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المُجمل؛ فيقولون: ليس بجسم ولا شَبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عَرَض .. إلى آخر تلك السُّلوب الكثيرة التي تَمُجُّها الأسماع، وتأنف مِنْ ذكرها النفوس، والتي تتنافى مع تقدير الله تعالى حقَّ قدره (٢). وقول المصنف: "فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح" الرسل عليهم صلوات الله جاءوا بإثبات مُفَصَّل ونفي مجمل. والمعطلة ناقضوهم؛ فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل. فإنَّ الرسل أخبرت كما أخبر الله في كتابه الذي بعث به رسوله: أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه حكيم عزيز، غفور ودود، وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلم موسى تكليمًا، وتجلى للجبل فجعله دكًّا، وأنه أنزل على عبده الكتاب. إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته.

стр. 557

وقال في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥]. وقول المصنف: " كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥] .. فنفي السِنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبيِّن لكمال أنه الحي القيوم. وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥ [أي لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها. بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته، وعيب في قوته. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ الآية: ٣ [فإنّ نَفْي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، فإنّ نَفْي مس اللغوب الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة، ونهاية القوة. بخلاف المخلوق الذي يلحقه من النصب والكلال ما يلحقه. وكذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام الآية: ١٠٣]، إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء. ولم ينف مجرد الرؤية، لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُئي، كما أنه لا يُحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رُئي لا يحاط به رؤية. فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك

стр. 558

دليلا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة". ضرب المصنف هنا عدة أمثلة على أن جميع ما وصف الله به نفسه من النفي لا بد أن يكون متضمنًا لإثبات مدح. المثال الأول: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥]. فنفي السِنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبيِّن لكمال أنه الحي القيوم، وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥ [أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته، وعيب في قوته. المثال الثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ الآية: ٣ [فإنّ نَفْي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض. المثال الثالث: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، فإنّ نَفْي مس اللغوب الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة، ونهاية القوة. بخلاف المخلوق الذي يلحقه من النصب والكلال ما يلحقه. المثال الرابع: قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام الآية: ١٠٣]، إنما نفى الإدراك الذي هو

стр. 559

الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء. ولم ينف مجرد الرؤية، فالمراد بالآية ليس نفي الرؤية، وإنما المراد نفي الإدراك؛ لأنها سِيقت مساق المدح، ولو كان المراد نفي الرؤية لما كان في ذلك مدح؛ لأن المعدوم هو الذي لا يُرَى، والكمال في إثبات الرؤية هو نفي الإدراك؛ لأن النفي المحض لا يأتي في صفات الله، وإنما الذي يأتي هو النفي الذي يستلزم إثبات ضده من الكمال. فالمعنى: أنه يُرى ولا يحاط به رؤيةً، فـ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؛ لكمال عظمته، كما أنه يُعلم ولا يُحاط به علمًا لكمال عظمته، و ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾؛ لكمال قوته واقتداره، وهكذا. لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُئي، كما أنه لا يُحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رُئي لا يحاط به رؤية. فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف الله به نفسه، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا. وقول المصنف: "وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف الله به نفسه" للتفريق بين الصفات السلبية التي ورد بها النص والصفات السلبية التي أحدثها المعطلة النفاة-نقول: إن الصفات السلبية التي ورد بها النص متضمنة لثبوت كمال الضد كما تقدم شرح ذلك.

стр. 560

وأمَّا الصفات السلبية التي هي مِنْ نسج المعطلة واختراعهم-فلا تتضمن ثبوت كمال الضد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «كل تنزيه مُدح به الرب ففيه إثبات، فلهذا كان قول: (سبحان الله) متضمنًا تنزيه الرب وتعظيمه، ففيه تنزيهه من العيوب والنقائص، وفيه تعظيمه (١). فأهل السنة يجعلون الأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيها عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ولا يتجاوزونها، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه. وضابط النفي في صفات الله: ((أن ينفى عن الله تعالى: أولاً: كل صفة عيب؛ كالعمى، والصمم، والخرس، والنوم، والموت … ونحو ذلك. ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: الآية: ٦٠]، فإن ثبوت المثل الأعلى له-وهو الوصف الأعلى-يستلزم انتفاء كل صفة عيب. ثانياً: كل نقصٍ في كماله؛ كنقص حياته، أو علمه، أو قدرته، أو عزّته، أو حكمته … أو نحو ذلك. ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق الآية: ٣٨ [ ثالثاً: مماثلة المخلوقين؛ كأن يجعل علمه كعلم المخلوق، أو وجهه كوجه

стр. 561

المخلوق، أو استواءه على عرشه كاستواء المخلوق … ونحو ذلك. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]. " (١). فمن توهم في كثير من الصفات أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فإنه يقع في محاذير: ١ ـ منها: أنه مثّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل. ٢ ـ ومنها: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بلا علم، فيكون معطلًا لما يستحقه الرب من صفات الكمال ونعوت الجلال، فيكون قد عطل ما أثبته الله ورسوله من الصفات الإلهية اللائقة بجلال الله وعظمته. ٣ ـ ومنها: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الجمادات أو صفات المعدومات، فيكون قد عطّل صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثلَّه بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدًا في أسمائه وآياته (٢). حقيقة مذهب المعطلة المتن قال المصنف ﵀: ""فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا

стр. 562

محمودًا، بل ولا موجودًا. وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: إنه لا يتكلم، أو لا يُرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث له؛ إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست هي مستلزمة صفة ثبوت. ولهذا قال محمود بن سُبكتكين (١) لمن ادّعى ذلك في الخالق: ميِّز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم. وكذلك كونه لا يتكلم، أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجماد أو الناقص. فمن قال: لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم، فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدَث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له".

стр. 563

الشرح شرع هنا في بيان حقيقة مذاهب المعطلة، وأنها تهدف إلى إنكار وجود الله تعالى. فقول المصنف: "فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا". والمقصود بهم هنا هم الجهمية وطائفة من الفلاسفة (١) وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله. (٢). فهم يصفون الله بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون له إلا وجوداً مطلقاً لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان (٣) فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات. (٤) وقول المصنف: "وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: إنه لا يتكلم، أو لا يُرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث له؛ إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست هي مستلزمة صفة ثبوت". فكما أن الذين يصفون الله بالسلوب لم يثبتوا إلهًا، فكذلك من شاركهم في بعض مقالتهم،

стр. 564

وهذا القول هو ما يذهب إليه النظار والمتكلمون من هؤلاء المعطلة (١)، الذين يقولون إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا هو مباين له ولا محايث له. وهم بقولهم هذا قد نفوا الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود منهما، وذلك خشية منهم أن يشبهوا، فهم قالوا بهذه المقالة هرباً منهم-على حد زعمهم-من إثبات الجهة والمكان والحيز، لأن فيها كما يدعون تجسيماً وهو تشبيه، فقالوا: يلزمنا في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات فنحن نسد الباب بالكلية. وقول المصنف: "ولهذا قال محمود بن سُبكتكين لمن ادّعى ذلك في الخالق: ميِّز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم. ومعنى كلامه ﵀: أنه لا فرق بين الإله الذي تُثبته وبين العدم؛ لأنك تثبت إلهًا لا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يقدر، ولا يريد، ولا … فما الفرق بين هذا الإله وبين العدم؟! وقول المصنف: "وكذلك كونه لا يتكلم، أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجماد أو الناقص". فهؤلاء المعطلة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فقالوا في النفي: ليس بكذا ولا كذا، فلا يَقرب من شيء ولا يَقرب منه شيء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا غير ذلك، ولا يُشار إليه

стр. 565

ولا يتعين، ولا هو مُباين للعالم ولا حالٌّ فيه، ولا داخله ولا خارجه. إلى أمثال العبارات السلبية التي لا تَنطبق إلا على المعدوم. ثم قالوا في الإثبات: هو وجود مُطلق، أو وجود مقيد بالأمور السلبية (١). وبذلك عكسوا منهج القرآن والسنة؛ فأكثروا مِنْ وصف الله تعالى بالأمور السلبية التي لم يَرد بها النص، وأفرطوا في ذلك إفراطًا عجيبًا، بينما أنكر بعضهم جميع الصفات الثبوتية، والبعض الآخر لم يُثبت سوى القليل منها. فقولهم: إنه لا يتكلم، أو لا يَنزل، ليس في ذلك صفة مدح، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات (٢). فالمعطلة لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات. فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم. وهذا الفهم دعاهم للتعطيل فالمعطلة نفوا ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات اللائقة به سبحانه. وبذلك جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولاً، وعطلوا آخرًا. وامتاز أهل التعطيل عن أهل التمثيل بنفيهم المعاني الصحيحة للصفات. وكمثال لجمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل: نصوص الاستواء، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه الآية: ٥].
следующие страницы →