فبعضهم ينفي المباينة والمحايثة، فيقولون: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، ولا مباين له، ولا محايث له. وهؤلاء هم نظارهم.
وبعضهم يثبت المحايثة فيقولون: إنه بذاته في كل مكان، وهذا قول طوائف من علمائهم وعبادهم.
والاتحادية من المعطلة قالوا: إنه نفس وجود الأمكنة (١).
ورداً على مزاعم هؤلاء الباطلة أطلق من أطلق من علماء السلف لفظ المباينة وعدم المماسة تقريراً منهم لإثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه ومباينته من خلقه.
وقد افترق الناس في هذا المقام أربع فرق:
القسم الأول: الجهمية النفاة، الذين يقولون: ليس داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا فوق ولا تحت، ولا يقولون بعلوه ولا بفوقبته.
القسم الثاني: يقولون: إنه بذاته في كل مكان، كما يقوله النجارية، وكثير من الجهمية، عبادهم، وصوفيتهم، وعوامهم.
القسم الثالث: من يقول هو فوق العرش وهو في كل مكان، ويقول أنا أقر بهذه النصوص، وهذه لا أصرف واحداً منها عن ظاهره.
وهذا قول طوائف ذكرهم الأشعري في مقالاته وهو موجود في كلام طائفة من السالمية والصوفية.
القسم الرابع: وهم سلف الأمة وأئمتها، أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة، فإنهم أثبتوا أن الله فوق سمواته وأنه على عرشه بائن من خلقه وهم منه
стр. 597
بائنون، وهو أيضاً مع العباد عموماً بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضاً قريب مجيب" (١).
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وكذلك لفظ «المتحيز»، إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: (يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض). وفي حديث آخر: (وإنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة) وفي حديث ابن عباس: ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم.
وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها ليس حالا فيها. فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه".
الشرح
يتحدث المصنف هنا عن شبهة وجوابها.
فالأمر الأول: من قال بنفي التحيز.
стр. 598
القائلون بنفي التحيز هم المعتزلة وشبهتهم التي اعتمدوا عليها في نفي صفات الباري بما فيها صفة العلو هي ما تسمى بطريقة الأعراض، ذلك أنهم يزعمون أن الصفات إنما هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة في الله: إنه قديم واحد ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره (١) ولكان جسماً إذ إن ثبوت الصفات يقتضي كثرة وتعدداً في ذاته ويقتضي أنه جسم وذلك خلاف التوحيد.
فهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث به التي هي الصفات والأفعال، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يدل عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.
ويزعمون أيضاً أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.
ويزعمون أيضاً أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه وجزءاه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثاً مخلوقاً، فالأجسام متماثلة فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل والتركيب والاجتماع والافتراق فيجب أن يصح على جميعها (٢).
стр. 599
والمعتزلة يقولون أننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم ونفي كون الصانع جسماً وإمكان المعاد.
ومن المعروف عن المعطلة أنهم يستدلون لأقوالهم بعبارات مبتدعة وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ الجهة والجسم والحيز والمركب وغير ذلك، فهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به جهال الناس بما يشبهون عليهم، وهذه الألفاظ المجملة تتضمن معاني باطلة ومعاني أخرى صحيحة فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق والباطل.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما في هذه الألفاظ من معانٍ، وما تدل عليه من عبارات (١)، وكيف استعملها هؤلاء المعطلة في نفي صفات الباري حيث ادعوا أن هذه الأمور من مستلزمات الجسمية، والله منزه من ذلك، وقد بين شيخ الإسلام أن استعمال هذه الألفاظ نفياً وإثباتاً لم يرد عن السلف ولا جاء به أثر صحيح ولم يستعملها الأقدمون بالمعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه هؤلاء، بل جميعهم معترفون بأن العلو صفة كمال كما أن السفل صفة نقص، وما ثبت لله من العلو فهو العلو المناسب لكمال ذاته المنزهة عن اعتبارات المحدثين ومماثلتهم.
ومعلوم أن القول بأن العلو يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية، وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه وتحيط به وتحصره، أو هي محل وظرف له، بل هو سبحانه محيط بكل شيء وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء وعالٍ على كل شيء (٢).
стр. 600
ثانيا: أن ما استدل به المعتزلة لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعاً ليس بعالم ولا قادر ولا حي (١).
كما أن مذهب المعتزلة في الذات قريب من مذهب اليونان القائلين بأن ذات الله واحدة لا كثرة فيها بوجه من الوجوه (٢).
ثالثاً: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي الصفات إنما هي مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم (٣) الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام. وهذا الدليل قد بين الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: أنه دليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم (٤)، فهي بهذا طريق يحرم سلوكها لما فيها من الخطر والتطويل وما يلزم عليها من لوازم باطلة لأنها مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، وهي مستلزمة لنفي صفاته ونفي أفعاله ونفي المبدأ والمعاد، فهذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب وبصره وقدرته وحياته وإرادته وكلامه فضلاً عن نفي علوه على خلقه ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، فلو صحت هذه الطريقة لنفت الصانع وأفعاله وصفاته وكلامه وخلقه للعالم وتدبيره له.
وما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له بل هو لفظ لا معنى له، وأن الله بذاته في كل مكان، وقال إخوانهم إنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم، وقالوا بخلق القرآن إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة (٥).
стр. 601
الأمر الثاني: الجواب على استخدام لفظ التحيز.
ومن الأمثلة التي ساقها شيخ الإسلام أيضًا من هذه الألفاظ المبتدعة لفظ «المتحيز».
فنقول لمن أثبته: ماذا تريد بهذا اللفظ؟
- فإن أراد به: أن الله تحوزه المخلوقات، فهذا باطل، فإن الله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: (يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض) (١).
وفي حديث آخر: (وإنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة) (٢).
وفي حديث ابن عباس: ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم (٣).
- وإن أراد به: أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها ليس حالًّا فيها. فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه.
стр. 602
لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "القاعدة الثالثة: إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد، أو ظاهرها ليس بمراد.
فإنه يقال: لفظ «الظاهر» فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد.
ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمّون هذا ظاهرا، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلا، والله أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال.
والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين:
تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك.
وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل.
الشرح
للحديث عن شرح هذه القاعدة يمكن تقسيم الشرح إلى عدة جوانب، وقد لا يكون لبعضها علاقة مباشرة بالموضوع، ولكنها ضرورية لفهمه وكما قال النووي ((إن المفتي إذا سئل عن شيء، وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل ولم يسأله عنه، يستحب له أن يذكره له، ويكون هذا من النصيحة لا من الكلام فيما
стр. 603
لا يعني" (١)
الجانب الأول: توطئة في أقسام الناس في نصوص الصفات عمومًا.
الأقسام التي يمكن عدُّها في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، فالناس انقسموا في النصوص، أي في نصوص القرآن والسنة المتعلقة بباب الأسماء والصفات، انقسموا إلى ستة أقسام، وهذه الأقسام يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام باعتبار جمع كل قسمين معًا:
- فقسمان يقولان: تجرى على ظواهرها.
- وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.
- وقسمان يسكتان.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وجماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة:
- قسمان يقولان: تجرى على ظواهرها.
- وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.
- وقسمان يسكتون" (٢).
أما القسمان اللذان يقولان: تجرى على ظواهرها.
القسم الأول: من يجريها على ظاهرها ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين.
فهؤلاء هم المشبِّهة.
стр. 604
فالمشبهة أجروا هذه النصوص على ظاهرها، ولكن جعلوا ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، كقولهم: له يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري، فهم من جهة أثبتوا الصفة فأثبتوا اليد، وأثبتوا السمع، وأثبتوا البصر، وأثبتوا الاستواء، وأثبتوا سائر الصفات، لكنهم تعمقوا في شأن الكيفية وجعلوا تلك الصفات من جنس ما للمخلوق.
وشبهة هؤلاء أنهم يقولون: إن الله تعالى لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كلمنا عن يد، فنحن لا نعقل من اليد إلا هذه اليد الجارحة، ولذلك نقول: له يد كيدي، ونقول: له سمع كسمعي، وبصر كبصري.
وهذه الحجة في غاية الضعف؛ لأنه ليس من شرط الإيمان بالأشياء أن تعقل حقائقها، فهذه الروح بين جنبي الإنسان ولا يمكن للإنسان أن ينكر هذه الروح، ومع ذلك لا يمكن أن يدرك كنهها أو حقيقتها، وكذلك كثير من المغيبات الله أخبر عنها، ولكن مع ذلك لا ندرك كيفية تلك المغيبات أو حقيقتها كما في شأن الملائكة، وكما في شأن الجنة والنار، وكما في شأن الكثير من الأمور المغيبة.
فهذا الصنف لا شك أن مذهبهم باطل، أنكره السلف، فالأئمة نصوصهم في ذلك كثيرة في الإنكار على المشبهة، ولا شك أنه الردود في هذا ذكرها جمع من السلف، وهذا المذهب وهذا القول قال به الهشامية من الروافض، فقدماء الرافضة كانوا على مذهب التمثيل والتشبيه، وكذلك هذا القول موجود عند الكرامية، كما ذكر في كتب المقالات.
القسم الثاني: ممن يجريها على ظاهرها، هم أهل السنة والجماعة، وهو مذهب السلف، فالسلف يجرون هذه النصوص على ظاهرها، ولكن الظاهر الذي يليق بجلال الله وكماله، فيثبتون اليد، ويثبتون السمع، ويثبتون البصر، ويثبتون العلم،
стр. 605
ويثبتون الاستواء، ويثبتون النزول، ويثبتون سائر الصفات، ولكن على ما يليق بجلال وكمال الله ، فالله هو الذي أخبر بهذه الصفات، ووصف نفسه بهذه الصفات، كما وردت بذلك نصوص الكتاب والسنة، ولكن مع هذا لا نعقل كيفية تلك الصفات، والإيمان بهذه الصفات هو إيمان وجود، وأن هذه الصفات صفات ثابتة حقيقة لله ، ولا نعلم كيفية تلك الصفات، فقال هنا: الثاني: أي القسم الثاني، من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله كما يجرى ظاهر اسمه العليم، القدير، الرب، الإله، فهذه الأسماء يعني ثابتة بالنصوص، ونجريها على ظاهرها، ونؤمن بما دلَّت عليه من المعاني.
والإيمان بهذه الصفات وإثباتها لله حقيقة، نؤمن بوجودها لله حقيقة أي أن هذه الصفات ثابتة في حق الله حقيقة، فإن لله يدًا حقيقة، ولله سمع حقيقة، والله استوى حقيقة، وهذا حدنا في الإيمان.
أما شأن الكيف فنحن نَكِلُ علمه إلى الله .
القسمان اللذان يقولان تجرى على خلاف ظاهرها.
أي اللذان ينفيان ظاهرها ويقولون: ليس لها في الباطن مدلول هو صفة لله تعالى قط، وأن الله لا صفة له ثبوتية، بل صفاته إما سلبية وإما إضافية وإما مركبة منهما، أو يثبتون بعض الصفات وهي الصفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر أو يثبتون الأحوال دون الصفات، ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث، على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين فهؤلاء قسمان:
ويقصد بهم المعطِّلة من الفلاسفة وأهل الكلام، الذين يقولون: ليس للنصوص في الباطن مدلول هو صفة لله تعالى قط، أي: يقولون: إن هذه النصوص لا تدل على صفات حقيقة، ثم بعد ذلك هم أصناف:
стр. 606
فالصنف الأول من يقول: أن الله لا صفة له ثبوتية، بل صفاته إما سلبية وإما إضافية أو مركَّبة منهما، أي: من السلب والإضافة، فهذا صنف وهم الجهمية وغلاة المعطِّلة، بما فيهم الجهمية والفلاسفة بحسبب أصنافهم، سواء كانوا أصحاب الفلسفة البحتة أو الباطنية، من باطنية الصوفية أو باطنية الرافضة، فهؤلاء لا يصفون الله بصفة ثبوتية، بل غايتهم أنهم إما يصفونه بالسلب أو بالإضافة كما يقولون والإضافة المقصود بها الأمور النسبية، كقولهم: واجد الوجود، أو العلة الفاعلة، أو نحو هذه من العبارات، فهذه يطلقونها على الله على أنها أمور نسبية إضافية، فيصفونه بأنه واجب الوجود، ويصفونه بأنه العلة الفاعلة، لكن كل هذه من باب النسب والإضافات وليست من باب الصفات.
فإما أن يقولوا: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، وهذه السلبيات.
وإما أن يقولوا: أنه واجب الوجود، أو العلة الفاعلة، وغير ذلك من العبارات الأخرى، وهذه إنما هي من باب النسب والإضافات، وإذا قلنا: نسب وإضافات أنها يعني باعتبار ما للمخلوق، فيسمونه العلة الفاعلة باعتبار أن هناك خلق موجود، فبالتالي ما يضاف إلى هذا الخالق الذي أوجد هذا الخلق يقولون عنه أنه علة فاعلة، يسمونه علة فاعلة، فهذا قول.
الصنف الثاني: المعتزلة وهؤلاء يثبتون الأحوال دون الصفات.
الصنف الثالث: الكلابية وقدماء الأشاعرة
فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري وغيرهما، كان الحارث المحاسبي ينتسب إلى قول ابن كلاب
стр. 607
الصنف الرابع: المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية.
وهؤلاء يقولون بإثبات سبع صفات فقط أو ثمان ونفي ما عداها، فهم بزعمهم لم يثبتوا من الصفات إلا ما أثبته العقل فقط، وأما ما لا مجال للعقل فيه عندهم فتعرضوا له بالتأويل والتعطيل.
ولا يستدل هؤلاء بالسمع في إثبات الصفات، بل عارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات.
وهذا القول لمتأخري الأشاعرة إنما تلقوه عن المعتزلة، لما مالوا إلى نوع التجهم، بل الفلسفة، وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه، الذين لم يكونوا يقرون بمخالفة النقل للعقل، بل انتصبوا لإقامة أدلة عقلية توافق السمع، ولهذا أثبت الأشعري الصفات الخبرية بالسمع، وأثبت بالعقل الصفات العقلية التي تعلم بالعقل والسمع، فلم يثبت بالعقل ما جعله معارضاً للسمع، بل ما جعله معاضداً له، وأثبت بالسمع ما عجز عنه العقل.
وهؤلاء خالفوه وخالفوا أئمة أصحابه في هذا وهذا، فلم يستدلوا بالسمع في إثبات الصفات، وعارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات. (١)
وما عداها من الصفات الثبوتية لا يثبتونها ولهم في نصوصها أحد طريقين إما التأويل أو التفويض وفي هذا يقول قائلهم:
وكل نص أوهم التشبيها … أوله أو فوضه ورم تنزيها (٢)
فنصوص الصفات التي وردت في إثبات ما عدا الصفات السبع التي يثبتونها، يسمونها نصوص موهمة للتشبيه، فهم يصرفونها عن ظاهرها، ولكنهم تارة يعينون
стр. 608
المراد كقولهم استوى: استولى، واليد: بمعنى النعمة والقدرة؛ وتارة يفوضون فلا يحددون المعنى المراد ويكلون علم ذلك إلى الله . ولكنهم يتفقون على نفي الصفة لأن ناظمهم يقول: «ورم تنزيهاً»
وشارح الجوهرة يقول: «أو فوض» أي بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فبعد هذا التأويل فوض المراد من النص الموهم إليه تعالى. (١)
فهم بذلك متفقون على نفي تلك الصفات، ويخيرون في تحديد المعنى المراد أو السكوت عن ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية-موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:
أحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.
والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في "الرسالة النظامية" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب.
ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات. ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي). (٢)
والقسمان اللذان يسكتان.
الواقفان الذين يقفون في هذا على أحد قولين:
القسم الأول: يقول: تجرى على ظاهرها، ومع ذلك يجوز أن يكون المراد أمراً
стр. 609
آخر، فيجوز أحد الاعتبارين، أحد الحالين، يجوز في نفس الوقت إجراؤها على ظاهرها، ويجوز في نفس الوقت أن يكون لها معنى آخر لا يعلمه إلا الله تعالى، فهذا فرق بينه وبين الذي قبله، فالذي قبله يجزم بأنها على خلاف ظاهرها لكن يسكت عن تحديد المراد، أما هذا فيجوِّز الحالين، يجوِّز الحالين معًا وهذا في غاية التناقض لأنه جمع بين ضدين.
والقسم الثاني: أصحاب الجهل البسيط الذين يمسكون عن هذا كله، ويقولون: نحن نقرأ القرآن ولا نتجاوز قراءة النص، ونُعرض عن هذا كله، وهذا يعني لا شك أنه إعراض عن ذكر الله ، فهذه الأقسام الستة لا يخرج الرجل من أحد هذه الأقسام الستة. فإما أن يكون مشبِّه أو ممن يثبتها على الوجه اللائق بالله ، أو يكون هذا القسم يأوِّل، ويحرِّف، أو يفوِّض، أو يقول: أنه يجوز أن تكون على ظاهرها وعلى خلاف ظاهرها، أو يسكت عن ذلك كله، لا يمكن أن يخرج الإنسان عن أحد هذه الستة.
الجانب الثاني: أن التعامل مع نصوص الشرع تحكمه عدة ضوابط:
فيجب أن يراعى في معرفة الظاهر أمور:
١ - دلالة اللفظ. ٢ - دلالة السياق. ٣ - سائر القرائن المحتفة. ٤ - حال المتكلم. (١)
الضابط الأول: فهم المراد من نصوص الكتاب والسنة بأن تجري على لغة العرب ووفق لسانها وهو ما يسمى (دلالة اللفظ).
стр. 610
فالألفاظ جارية على لغة العرب-كما يقول الشاطبي ﵀ (١) -فحتى نفهم المراد من نصوص الكتاب والسنة فلا بد أن تجري على لغة العرب ووفق لسانها، وليس لأحد أن يسخر اللغة وفق هواه وعلى ما جرى به اعتقاده، فاللغة حاكمة ليس لأحد أن يطوعها لأمر بغير أساليب أهلها (٢).
قال الإمام الشافعي ﵀: " إنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها ". ثم ذكر وجوها لاتساع لسانها وضروبه المتنوعة في دلالتها على المعاني". ثم قال: " وكانت هذه الوجوه التي وصفت اجتماعها في معرفة أهل العلم منها به معرفة واضحة عندها ومستنكرا عند غيرها ممن جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة، فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه" (٣).
وقال بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ: ("وقد روى عبد الرزاق في " تفسيره ": حدثنا الثوري عن ابن عباس، " أنه قسم التفسير إلى أربعة أقسام: (قسم تعرفه العرب في كلامها، وقسم لا يعذر أحد بجهالته؛ يقول من الحلال والحرام، وقسم يعلمه العلماء خاصة، وقسم لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه فهو كاذب). وهذا تقسيم صحيح.
فأما الذي تعرفه العرب، فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وذلك شأن اللغة والإعراب. فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها" (٤)
الضابط الثاني: كما أن علينا أن نعرف أن فهم النصوص يعتمد على سياق الكلام، وهو ما يسمى (دلالة السياق).
وهذه الدلالة هي من الأهمية بمكان، إذ يتضح من خلالها فهم الكلام الوارد
стр. 611
وتنزيله على معانيه الصحيحة.
قال الإمام الشاطبي ﵀: " كلام العربي على الإطلاق لابد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ وإلا صار ضحكة وهزءة. " (١)
قال ابن القيم: "السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة؛ وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته فانظر إلى قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أنت الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان الآية: ٤٩ [كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير" (٢)
ودلالة السياق دلالة معتبرة عند أهل السنة استخدموها في توضيح النصوص على معانيها المناسبة لها.
ويقصد بالسياق هنا هو المعنى الذي جرت فيه الألفاظ محتفة بقرائنها التي تؤكد دلالة هذا المعنى وتستبعد ما سواه، ويسمي بعض الباحثين السياق بأنه: " الموقف الكلامي بجميع عناصره " (٣).
فالسياق إذن يعرف من خلال الكلام سابقه ولاحقه وما احتف به من قرائن
стр. 612
سواء كانت واضحة في النص أم كانت خارجة عنه كأسباب النزول.
يقول السيوطي ﵀ وهو يذكر مصادر المفسر وأنه يبدأ بالقرآن ثم السنة " فإن لم يجده في السنة رجع إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله. (١)
وقد يطول الكلام عن السياق، والمقصود هنا بيان أن النصوص حتى تفهم فلا بد من اعتبار سياقاتها.
الضابط الثالث: دلالة اللفظ على الصفة في موضع ما لا يعني أنه يدل عليها في كل موضع وهو ما يسمى (القرائن).
ولذا يقول شيخ الإسلام ﵀: "إن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية" (٢).
والقرائن: فهي الأمارات التي تقارِنُ الخطابَ لتبيِّنه وتصحَبُ الكلمةَ فتدل على معناها، وهي مفيدة جدًا في تعيين المعنى المراد من اللفظِ.
قال القاضي أبو يعلى: "وقد اعتبر أحمد القرائن في مثل هذا، فقال في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُم﴾ [المجادلة: ٧]، قال: المراد به علمه؛ لأن الله افتتح الخبر بالعلم، وختمه بالعلم" (٣).
قال الإمام ابن القيم: "اللَّفْظَ لَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ، وَالْقَرَائِنُ ضَرْبَانِ: لَفْظِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ، وَاللَّفْظِيَّةُ نَوْعَانِ: مُتَّصِلَةٌ وَمُنْفَصِلَةٌ، وَالْمُتَّصِلَةٌ ضَرْبَانِ: مُسْتَقِلَّةٌ وَغَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ، وَالْمَعْنَوِيَّةُ إِمَّا عَقْلِيَّةُ وَإِمَّا عُرْفِيَّةُ، وَالْعُرْفِيَّةُ إِمَّا عَامَّةٌ وَإِمَّا
стр. 613
خَاصَّةٌ، وَتَارَةً يَكُونُ عُرْفَ الْمُتَكَلِّمِ وَعَادَتَهُ، وَتَارَةً عُرْفَ الْمُخَاطَبِ وَعَادَتَهُ. (١) "اهـ.
وفي أهمية اعتبار دلالة السياق والقرائن في فهم معاني نصوص القرآن والسنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "بل يُنْظَرُ فِي كُلِّ آيَةٍ وَحَدِيثٍ بِخُصُوصِهِ وَسِيَاقِهِ وَمَا يُبَيِّنُ مَعْنَاهُ مِنْ الْقُرائنِ وَالدَّلَالَاتِ، فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مُهِمٌّ نَافِعٌ فِي بَابِ فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِهِمَا مُطْلَقًا وَنَافِعٌ فِي مَعْرِفَةِ الِاسْتِدْلَالِ وَالِاعْتِرَاضِ وَالْجَوَابِ وَطَرْدِ الدَّلِيلِ وَنَقْضِهِ (٢). ".
وقال الإمام الشاطبي: "فَلَا مَحِيصَ لِلْمُتَفَهِّمِ عَنْ رَدِّ آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَأَوَّلِهِ عَلَى آخِرِهِ، وَإِذْ ذَاكَ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ فِي فَهْمِ الْمُكَلَّفِ، فَإِنْ فَرَّقَ النَّظَرَ فِي أَجْزَائِهِ فَلَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مُرَادِهِ، فَلَا يَصِحُّ الاقْتِصَارُ فِي النَّظَرِ عَلَى بَعْضِ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ دُونَ بَعْضٍ. (٣) ".
وقال شيخ الإسلام: "فتدبر هذا فإنه كثيرا ما يغلط الناس في هذا الموضع، إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة ودلالة نص عليها، يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ-حيث ورد-دالا على الصفة وظاهرا فيها، ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا، وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك، بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى-إضافة صفة-من آيات الصفات. كقوله تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) [الزمر: ٥٦]. وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة، وهذا من أكبر الغلط فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما
стр. 614
يحف به من القرائن اللفظية والحالية" (١).
وقال شيخ الإسلام: "يغلط الناس في هذا الموضع، إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة، ودلالة نص عليها، يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ-حيث ورد-دالا على الصفة وظاهرا فيها، ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا.
وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك. بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى-إضافة صفة-من آيات الصفات" (٢)
وعند ذكر بعض النصوص فإنه قد يظهر فيها أنها من نصوص الصفات وقد لا يثبت من خلالها صفة كقوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)] البقرة الآية: ١١٥]، وكقوله: (فأتى الله بنيانهم من القواعد)] النحل الآية: ٢٦]، فالأولى تعني وجه الله أي قبلته، فأضيفت إلى الله تعالى للتخصيص والتشريف، والثاني المقصود به إتيان أمره المتمثل في عقوبته، وقد يستدل بعض النفاة بمثل آية﴾ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم﴾ [النحل الآية: ٢٦] … على نفي صفة الإتيان الله تعالى حقيقة الواردة في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة الآية: ٢١٠ [جاعلاً من معنى الآية الأولى معنى للآية الثانية من أن الإتيان لله تعالى إنما هو إتيان أمره" (٣).
ومن خلال دلالة السياق يتبين لنا أثر فهم هذه الدلالة في إثبات صفات الله تعالى وأن لا يجعل ما لا يدل على صفة من النصوص دليلا على نفي الصفة المثبتة من النصوص الأخرى.
стр. 615
وما سبق هو إشارة للمقصود وتبيان لأهمية هذه الدلالة" (١).
وهكذا في ألفاظ المعية، في كل نص قد تقتضي معنى خلاف الآخر، فمع أن الله مع خلقه جميعًا بعلمه، فإنه مع أوليائه وعباده الصالحين بنصره وتأييده إضافة إلى علمه، فهذا النوع يسمى التواطؤ المشكك، فالتواطؤ نوعان: كلِّي ومشكك.
فلاحظ أن اللبس يأتي في أذهان البعض من فهمه الخاطئ، أو يريد أن يحمِّل النصَّ معنى لا يحتمله، ولو عاد إلى لغة العرب وعاد إلى كلام أهل العلم لوجد أن الأمر في غاية الوضوح والجلاء، فلم يتردد واحد من السلف فيقول: لعلها معية ذاتية، ولم يُنقل هذا عنهم، وهذا ابن عبد البر ينقل إجماع السلف أنهم فسَّروا المعيَّة بمعيَّة العلم، وهكذا ابن تيمية وهكذا تلميذه ابن القيم، وهكذا جمعٌ من أهل العلم، بيَّنوا أن المعيَّة هنا ليست معيَّة ذاتية.
الضابط الرابع: حال المتكلم.
أو ما يمسى بمفهوم مقتضى الحال، أو ما يعبر عنه بمطابقة الكلام لمقتضى الحال.
ويعتبر السياق من القرائن الكبرى التي يستند عليها التحليل الدلالي، وعلماء الدلالة حينما يتحدثون عن السياق يقسمونه إلى نوعين:
النوع الأول: نوع لغوي يهتم بالسياق واللاحق.
والنوع الثاني: وآخر مقامي لا يمكن إغفاله يراعي ملابسات الكلام، وأطلق عليه العلماء-قديما وحديثا-مصطلحات كثيرة، لعل أقدمها مقتضى الحال (٢).
وعرف بأنه: "الخلفية غير اللغوية للكلام أو (النص) ومن خلالها يأخذ تمام
стр. 616
معناه في الاستعمال" (١)
ومقتضى الحال: "صورة خاصة ترد في الكلام زائدة على أصل معناه قد اقتضاها الحال واستدعاها المقام. (٢) "
مطابقة الكلام لمقتضى الحال: العناية بحال المستمع أو المتلقِّي بالإضافة إلى جودة اللفظ والموضوع، وبذا يُعدّ الخطيب أو الكاتب بليغًا (٣)
قال الشاطبي: "علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلًا عن معرفة مقاصد الكلام إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطب أو المخاطب أو الجميع، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك، كالاستفهام، لفظه واحد، ويدخله معان أخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك؛ وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها، ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال؛ وليس كل حال ينقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرئن الدالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب-يعني أسباب النزول-رافعة لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بد؛ ومعنى معرفة السبب هو معرفة مقتضى الحال" (٤).
الجانب الثالث: استعمال لفظ الظاهر والمقصود به.
ولتحرير هذه المسألة وتقريرها يجب الوقوف عند المسائل الآتية:
стр. 617
المسألة الأولى:
قول المصنف: "فإنه يقال: لفظ «الظاهر» فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد".
قول المصنف: "فإنه يقال: لفظ «الظاهر» فيه إجمال واشتراك" يؤكد المصنف هنا أن لفظ الظاهر يعد من الألفاظ المجملة، والقاعدة كما تقدم في الألفاظ المجملة أن لا تقبل مطلقًا، ولا ترد مطلقًا، بل لابد من الاستفصال من المتلكم بها ومعرفة مقصوده.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا كانت هذه الألفاظ مجملة-كما ذُكر-فالمخاطب لهم إما:
١ - أن يفصل لهم ويقول: ما تريدون بهذه الألفاظ؟ فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن قُبلت. وإن فسروها بخلاف ذلك رُدَّت
٢ - وأما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفياً وإثباتاً. ولكن يلاحظ
أن الإنسان إذا امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسبونه إلى الجهل والانقطاع
وأن الإنسان إذا تكلم بها معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقاً وباطلاً، وأوهموا الجهال باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها" (١)
والمصنف هنا استخدم طريقة الاستفصال وذلك من خلال ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: أن الزعم بأن "ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من
стр. 618
خصائصهم" كما قال به كل من المشبهة، والمعطلة.
فالمشبهة أجروا هذه النصوص على ظاهرها، ولكن جعلوا ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، كقولهم: له يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري، فهم من جهة أثبتوا الصفة فأثبتوا اليد، وأثبتوا السمع، وأثبتوا البصر، وأثبتوا الاستواء، وأثبتوا سائر الصفات، لكنهم تعمقوا في شأن الكيفية وجعلوا تلك الصفات من جنس ما للمخلوق.
وشبهة هؤلاء أنهم يقولون: إن الله تعالى لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كلمنا عن يد، فنحن لا نعقل من اليد إلا هذه اليد الجارحة، ولذلك نقول: له يد كيدي، ونقول: له سمع كسمعي، وبصر كبصري.
والمعطلة: لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم.
والمعطلة يسمون نصوص الصفات نصوص التشبيه وفي هذا يقول قائلهم: "وظواهر أحاديث التشبيه-يعني بها أحاديث الصفات-أكثرها غير صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل" (١).
وبالتالي فإن هذا المعنى كما قال المصنف: "لا ريب أن هذا غير مراد".
النقطة الثانية: أن هذا الزعم والظن في النصوص أمر لا تدل عليه النصوص.
ولذلك قال المصنف: "ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمّون هذا ظاهرا، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلا، والله أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال".
стр. 619
"وطريقة سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف، و لا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات ونفي ممثالة المخلوقات قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، فهذا رد على الممثلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، رد على المعطلة.
وقولهم في الصفات مبني على أصلين:
أحدهما: أن الله منزهٌ عن صفات النقص مطلقاً كالسِّنَةِ، والنوم، والعجز، والجهل، وغير ذلك.
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها، على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات" (١).
النقطة الثالثة: أن من اعتقد أن ظاهر النصوص هو التشبيه فهؤلاء قال عنهم المصنف: "والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين":
الوجه الأول: قول المصنف: "تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك".
أي زعمون أن المعنى الفاسد هو ما دل عليه ظاهر اللفظ حيث زعموا أن نصوص إثبات اليدين مثلاً تدل على أن اليد هي مثل يد المخلوق، وأنهم على زعمهم هذا يرون أن النص بحاجة إلى تأويل يخالف ظاهره فقالوا في تأويل اليد هي القدرة أو النعمة.
والوجه الثاني: قول المصنف: "وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل".
стр. 620
أي أنهم بفهمهم الفاسد يردون معاني النصوص الشرعية الدالة على إثبات صفة الكمال لله ، لاعتقادهم ببطلان تلك الصفات، فلا يثبتون لله صفات أو لا يثبتون له بعض صفاته. فهؤلاء يرون إن الظاهر غير مراد: أي أن المعنى غير مراد، وأن هناك معنى لا نَعلمه.
أن لفظ (الظاهر) أصبح لفظاً مشتركاً فتارة يراد به معنى صحيحاً، وتارة يراد به خلاف ذلك فلا بد من التفصيل.
وفي هذا يقول ابن تيمية رداً على من يقول: "مَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ، وَيَقُولُ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ.
وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ خَطَأٌ:
إمَّا لَفْظًا وَمَعْنًى.
أَوْ لَفْظًا لَا مَعْنًى.
لفظ (الظَّاهِرَ) قَدْ صَارَ مُشْتَرِكًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ:
المعنى الأول: أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْيَدَ جَارِحَةٌ مِثْلُ جَوَارِحِ الْعِبَادِ، وَظَاهِرُ الْغَضَبِ غَلَيَانُ الْقَلْبِ لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ، وَظَاهِرُ كَوْنِهِ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْمَاءِ فِي الظَّرْفِ.
فَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ وَشِبْهَهَا مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَنُعُوتِ الْمُحَدِّثِينَ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فَقَدْ صَدَقَ وَأَحْسَنَ؛ إذْ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ؛ بَلْ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ يُكَفِّرُونَ الْمُشَبِّهَةَ وَالْمُجَسِّمَةَ.
لَكِنَّ هَذَا الْقَائِلَ أَخْطَأَ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ؛ وَحَيْثُ حُكِيَ عَنْ السَّلَفِ مَا لَمْ يَقُولُوهُ؛ فَإِنَّ "ظَاهِرَ الْكَلَامِ" هُوَ مَا يَسْبِقُ إلَى الْعَقْلِ السَّلِيمِ مِنْهُ لِمَنْ يَفْهَمُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ ظُهُورُهُ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ وَقَدْ يَكُونُ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ؛ وَلَيْسَتْ "هَذِهِ الْمَعَانِي" الْمُحْدَثَةَ الْمُسْتَحِيلَةَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى هِيَ السَّابِقَةَ إلَى عَقْلِ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ الْيَدُ عِنْدَهُمْ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالذَّاتِ فَكَمَا كَانَ عِلْمُنَا وَقُدْرَتُنَا وَحَيَاتُنَا وَكَلَامُنَا وَنَحْوُهَا مِنْ الصِّفَاتِ أَعْرَاضًا تَدُلُّ عَلَى حُدُوثَنَا يَمْتَنِعُ أَنْ
فَالْمُؤْمِنُ يَعْلَمُ أَحْكَامَ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَآثَارَهَا وَهُوَ الَّذِي أُرِيدَ مِنْهُ فَيُعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وَأَنَّ الْأَرْضَ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَنْظُرُونَ إلَى وَجْهِ خَالِقِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَيَتَلَذَّذُونَ بِذَلِكَ لَذَّةً يَنْغَمِرُ فِي جَانِبِهَا جَمِيعُ اللَّذَّاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. كَمَا يُعْلَمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا وَخَالِقًا وَمَعْبُودًا وَلَا يَعْلَمُ كُنْهَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ غَايَةُ عِلْمِ الْخَلْقِ هَكَذَا: يَعْلَمُونَ الشَّيْءَ مِنْ بَعْضِ الْجِهَاتِ وَلَا يُحِيطُونَ بِكُنْهِهِ وَعِلْمُهُمْ بِنُفُوسِهِمْ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ. قُلْت لَهُ: أَفَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ " الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ بِهَذَا التَّفْسِيرِ؟ فَقَالَ: هَذَا لَا يُمْكِنُ. فَقُلْت لَهُ: مَنْ قَالَ: إنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ بِمَعْنَى أَنَّ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ غَيْرُ مُرَادَةٍ قُلْنَا لَهُ: أَصَبْت فِي " الْمَعْنَى " لَكِنْ أَخْطَأْت فِي " اللَّفْظِ " وَأَوْهَمْت الْبِدْعَةَ وَجَعَلْت للجهمية طَرِيقًا إلَى غَرَضِهِمْ وَكَانَ يُمْكِنُك أَنْ تَقُولَ: تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ كَصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنْ كُلِّ مَا يَلْزَمُ مِنْهُ حُدُوثُهُ أَوْ نَقْصُهُ.
وَمَنْ قَالَ: " الظَّاهِرُ غَيْرُ مُرَادٍ " بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي -وَهُوَ مُرَادُ الْجَهْمِيَّة وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ-فَقَدْ أَخْطَأَ" (١).
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "فالأول: كما قالوا في قوله: (عبدي جعت فلم تطعمني … ) الحديث، وفي الأثر الآخر: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه)، وقوله: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن). فقالوا: قد عُلم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق.
فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لا تدل إلا على حق.
أما الحديث الواحد فقوله: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه) صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه، لأنه قال: (يمين الله في الأرض)، وقال: (فمن قبَّله وصافحه
стр. 623
فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه) ومعلوم أن المشبّه غير المشبَّه به، ففي نص الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحًا لله، وأنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفرًا، وأنه محتاج إلى التأويل! مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس.
الشرح
شرع المصنف هنا في مناقشة بعض ما أورده المعطلة من اعتراضات على بعض النصوص الشرعية والتي زعموا أن ظاهرها يوجب التشبيه، وأنه يلزم تأويلها وصرفها عن ظاهرها، وذكر هنا ثلاثة أمثلة على غلط المتكلمين، وجعلهم المعنى الفاسد هو ظاهر النص وأنه يحتاج إلى تأويل، وقد استعمل المصنف هنا ضابط النظر إلى سياق الكلام الذي سبق ذكره ضمن الضوابط الأربعة للتعامل مع ظواهر النصوص:
والمثال الأول: حديث: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه) (١)
وشبهة هؤلاء: أن ظاهر الحديث أن الحجر هو يمين الله ويده، وهذا محال، فهو يدل على أن ظواهر النصوص محالة وغير مرادة.
والجواب على هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: من حيث السند فيقال إن الحديث مرفوعًا ضعيف كما قال عنه المحقوقون.
стр. 624
قال الخطيب البغدادي: "منكر" (١).
وقال ابن الجوزي: "لا يصح" (٢).
وقال ابن العربي: "هذا حديث باطل فلا يلتفت إليه" (٣).
قال ابن تيمية: "روى عن النبي بإسناد لا يثبت، والمشهور إنما هو عن ابن عباس" (٤)
وروي موقوفًا عن ابن عباس، ورواه موقوفًا ابن قتيبة (٥)
وقال العجلوني: "ورواه القضاعي أيضا عن ابن عباس ﵄ موقوفا عليه، لكنه صحيح بلفظ (الركن يمين الله يصافح بها خلقه والذي نفس ابن عباس بيده ما من مسلم يسأل الله عنده شيئا إلا أعطاه إياه ومثله". (٦)
وصحح وقفه على ابن عباس: شيخ الإسلام ابن تيمية (٧)، والحافظ ابن حجر (٨).
الوجه الثاني: الكلام على المتن.
على القول بصحته موقوفًا فإن النص يدل على أن الحجر ليس يمين الله حقيقة والتي هي صفته القائمة به، وذلك من خلال النص الوارد وذلك من جانبين:
стр. 625
الجانب الأول: كما قال المصنف: "لأنه قال: (يمين الله في الأرض) " فهذا كما قال المصنف: "صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه إلا على من لم يتدبره، فإنه قال: يمين الله في الأرض، فقيده بقوله: في الأرض، ولم يطلق، فيقول: يمين الله، وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق" (١).
ويوضح ذلك أن الإضافة إلى الله نوعان:
النوع الأول: إضافة مُلْك وتشريف وضابطها: كل ما يضاف إلى الله ويكون عيناً قائمة بنفسها، أو حالاً في ذلك القائم بنفسه.
ومثال ما يضاف ويكون عيناً قائمة بنفسها قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (٢)
ومثال ما يكون حالاً في ذلك القائم بنفسه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (٣) فهذا لا يكون صفة لأن الصفة قائمة بالموصوف
النوع الثاني: إضافة الصفة إلى الله وضابطها: ما كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به (٤).
فالله لا يتصف إلا بما قام به لا بما يخلقه في غيره، وهذا حقيقة الصفة، فإن كل موصوف لا يوصف إلا بما قام به لا بما هو مباين له، صفة لغيره (٥)
الجانب الثاني: قول المصنف: "وقال: (فمن قبَّله وصافحه فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه) ومعلوم أن المشبّه غير المشبَّه به، ففي نص الحديث بيان أن مستلمه
стр. 626
ليس مصافحًا لله، وأنه ليس هو نفس يمينه".
والمعنى واضح في قوله "فكأنما" أي ليس المراد أن الحجر الأسود هو صفة لله تعالى أو يد له ، بل من قبله فله من الأجر مثل الذي يقبل يد الله تعالى وهذا المفهوم لا يحتاج معه إلى التأويل إذ لا محذور فيه فهو افتراض المقصود به حصول الأجر العظيم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ثم قال: (فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه). ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلا، ولكن شبه بمن يصافح الله، فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله كما هو معلوم عند كل عاقل، ولكن يبين أن الله تعالى كما جعل للناس بيتًا يطوفون به، جعل لهم ما يستلمونه؛ ليكون ذلك بمنزلة تقبيل يد العظماء، فإن ذلك تقريب للمقبل وتكريم له، كما جرت العادة، والله ورسوله لا يتكلمون بما فيه إضلال الناس، بل لابد من أن يبين لهم ما يتقون، فقد بين لهم في الحديث ما ينفى من التمثيل" (١).
قال الشيخ عبد العزيز بن باز: وليس هو يمين الله، ولكن المقصود مشبه، يعني: من صافحه فكأنما صافح الله، ويمين الله صفة ذات له ، وهو سبحانه فوق العرش، ولكن من صافح هذا الحجر كأنما صافح الله، يعني: في حصول الفضل والتقرب إلى الله والأجر؛ ولهذا قال: (فكأنما صافح)، ما قال: فقد صافح الله. (٢)
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وأما الحديث الآخر: فهو في الصحيح مفسَّرًا:
стр. 627
(يقول الله: عبدي جعت فلم تطعمنى. فيقول: ربِّ كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟!. فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي. عبدي مرضت فلم تعدني. فيقول: ربِّ كيف أعودك وأنت رب العالمين؟!. فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض، فلو عدته لوجدتني عنده) (١). وهذا صريح في أن الله لم يمرض ولم يجع، ولكن مرض عبده وجاع عبده، فجعل جوعه جوعه، ومرضه مرضه، مفسِّرًا ذلك بأنك (لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده). فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل.
الشرح
فالشبهة: قول بعض المغالطين: إن ظتهر الحديث أن الله يمرض ويجوع، وهو محال يجب تأويله، وهذا دليل على أن ظواهر النصوص محالة وتحتاج إلى تأويل.
وهنا جملتان:
١ - أن ظاهر الحديث أن الله يمرض ويجوع.
٢ - أنه محال غير مراد. (٢)
والجواب: أن الحديث صريح في أن الله لم يمرض ولم يجع، وإنما مرض عبده، وجاع عبده؛ فالحديث بمجموع سياقه يفسر بعضه، فسياق الحديث فسر المقصود عبارة عبارة فقوله: ((يقول الله: عبدي جعت فلم تطعمنى)) جاء تفسيره في نص سياق الحديث بقوله: ((فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي (٣).
стр. 628
وقوله: ((عبدي مرضت فلم تعدني)). جاء تفسيره في نص سياق الحديث بقوله: ((أما علمت أن عبدي فلانًا مرض، فلو عدته لوجدتني عنده)).
فالتفسير جاء من الحديث نفسه من رب العالمين، لأن الحديث حديث قدسي الله هو الذي تكلم به سبحانه، فأجمل في أول الحديث، ثم فسر وأوضح فلم يبق شيء يحتاج إلى التأويل، كما قال المصنف: "فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود هنا أن قوله لو عدته لوجدتني عنده" … " ليس ظاهره أن ذات الله تكون موجودة في المكان الذي يكون ذلك فيه، بل يكون الله موجودًا عنده أي في نفسه، إذ هذه العندية أقرب إليه من تلك العندية، فإن الظرف المتصل بالإنسان أقرب إليه من الظرف المنفصل عنه، فحمل الكلام عليه أولى؛ وإذا كان الظرف هو نفسه فقوله: ((وجدتني عنده)) كقوله: وجدتني في قلبه، ووجدتني في نفسه، ووجدتني حاضرًا في قلبه، ووجدتني ثابتًا في قلبه، ونحو ذلك من العبارات.
ومعلوم أن هذا الخطاب حق على ظاهره كما تقدم من ثبوت تعلقات الظرف بالمظروف وإن ذلك ليس بمنزلة قوله: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿[النور ٣٩]، بل باقتران ما أضيف إليه الظرف في الموضعين اقترن تعلقه بالمظروف كما لو قيل لبعض الصحابة وجدت رسول الله ﷺ عند أحد، وقال الآخر وجدت رسول الله عند المتبعين لسنته لاسيما وقد علم المخاطب أنه يمتنع أن يشاهد الموجود عند غيره،
стр. 629
فقد علم المخاطب بقوله ((لو عدته لوجدتني عنده)) وعلم موسى بن عمران أنهم لا يشهدون الله عيانًا في الدنيا فلا يظهر لهم من قوله لوجدتني عند عبدي المريض وعند المنكسرة قلوبهم من أجلي إلاَّ ما هو المناسب اللائق بهذا المضاف إليه دون المضاف إلى غيره" (١).
وفي هذا تطبيق للضوابط التي يرجع إليها في تفسير ظاهر النص.
فالحديث سياقه صريح في أن الله لم يمرض ولم يجع، وإنما مرض عبده وجاع عبده، كما
في قوله: "أما علمت أن عبدي فلانًا جاع .. "، فالظاهر هو مجموع الحديث لا أحاد ألفاظه، ولا يجوز الحكم على أول الكلام دون بقيته كما في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون الآية: ٤]، فيجب تفسيرها بما بعدها، كما قال أبو نواس (١) منتحلًا هذا المبدأ الفاسد:
"ما قال ربك ويل للأولى سكروا وإنما قال ويل للمصلين"
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وأما قوله: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن) (٢)، فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه. ولا في قول القائل: هذا بين يدَيّ. ما يقتضي مباشرته ليديه. وإذا قيل: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة الآية: ١٦٤]، لم يقتض أن يكون مماسًا للسماء والأرض. ونظائر هذا كثيرة.
стр. 630
الشرح
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الحديث في الصحيح والكلام عليه من وجوه:
أحدها: أنه ليس ظاهر هذا الحديث أن أصابع الرب في صدور العباد إنما أخبر أن قلوبهم بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء، لم يقل إن الأصابع في صدورهم ولا قال إن قلوبهم معلقة بالأصبع أو متصلة بها بل قال: ((إنها بين أصبعين)) وكون أن الشيء بين شيئين ليس ظاهره أنه مماس لهما كما في قوله عن الجنة والنار (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ) [الأعراف الآية: ٤٦]، وكما في قوله تعالى (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) [الزخرف الآية: ٣٨].
الوجه الثاني: أنه لو فرض أنه أخبر عن شيء من الغيب بأنه في قلوب العباد لم يكن ما ذكر من الضرورة مانعة من ذلك، لأن الضرورة تمنع أن تكون الأشياء التي نشاهدها في قلوبنا، ونحن لا نشاهد كذلك، أما إذا أخبرنا بأن الملائكة تنزل على قلوبنا، أو الشياطين تنزل، أو أن على أفواهنا ملائكة تكتب كلامًا، ونحو ذلك من الأمور الغائبة التي ليست من جنس المشاهدات لنا، فإذا أخبرنا بوجودها لم نعلم بالضرورة انتفاء ذلك.
فقول القائل (١): نعلم بالضرورة أنه ليس في صدورنا أصبعان بينهما قلوبنا يقال له المعلوم بالضرورة أن الأصابع التي شهدناها مثل أصابع الآدميين ليست في صدورنا. أما لو أخْبِرنا أن أصابع الملائكة أو الجن في صدورنا لم نعلم انتفاء ذلك
стр. 631
كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من مولود إلاّ يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها)) ثم قرأ أبو هريرة﴾ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿[آل عمران الآية: ٣٦].
وكما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا استيقظ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء فإن الشيطان يبيت على خياشيمه)) متفق عليه (١).
وفي الصحيحين أيضًا عنه أنه قال: ((إن الشيطان يعقد على قافية رأس أحدكم إذا نام ثلاث عقد، يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد)) (٢).
مع أنا لا نشهد هذا المس لجسم المولود، ولا هذا المبيت على الخياشيم، ولا العقد، ولا نحو ذلك؛ وظهر أن هذا الحديث لو كان ما ادعاه لم يكن ذلك معلوم الانتفاء بما ادعاه من الضرورة.
الوجه الثالث: إنَّ سنبين فساد ما ذكروه من التأويل في ذلك وإبطال السلف له" (٣).
وقال أيضًا:
"أحدها: أنه ليس هذا ظاهر هذا الحديث أن الله نزل من فوق العرش وانتقل إلى عند هؤلاء، ولا ظاهره أن جميع الوجود خال عن الله إلا هذا الظرف الخاص، ولا يفهم من إطلاق هذا الحديث هذا المعنى؛ بل هذا المعنى المعلوم فساده بالضرورة والحس، يَعْلَمُ أنه ليس ظاهر الحديث كل من يعلم هذا" (٤)
стр. 632
الفروق بين آيتي (ص)، (يس)
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "ومما يشبه هذا القول أن يُجعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله، كما قيل في قوله ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، فقيل: هو مثل قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس. الآية: ٧١].
فهذا ليس مثل هذا، لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي فصار شبيهًا بقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وهناك أضاف الفعل إليه، فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ [ص الآية: ٧٥ [ثم قال: ﴿بِيَدَيَّ﴾.
وأيضا فإنه هناك ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة الآية: ٦٤]، وهنا أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع، فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].
وهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك الآية: ١ [و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران الآية: ٢٦ [في المفرد.
فالله- -يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد، مظهرًا أو مضمرًا، وتارة بصيغة الجمع، كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح الآية: ١]. وأمثال ذلك. ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور، وهو مقدس عن ذلك.
فلو قال: ما منعك أن تسجد لما خلقتْ يدِي. كان كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١]، وهو نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك الآية: ١ [و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران الآية: ٢٦]،
стр. 633
ولو قال: خلقتُ بيدِي. بصيغة الإفراد، لكان مفارقًا له، فكيف إذا قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، بصيغة التثنية.
الشرح
ذكر المصنف هنا شبهة من شبه المعطلة التي يريدون من ورائها صرف النص عن ظاهره وهو محاولتهم التسوية بين المختلفين وضرب مثالًا لذلك "ومما يشبه هذا القول أن يُجعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله، كما قيل في قوله ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص. الآية: ٧٥]، فقيل: هو مثل قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس. الآية: ٧١].
ومقصود المخالف من إيراد هذه الشبهة نفي صفة اليدين عن الله من خلال التسوية بين خلق آدم وخلق الأنعام، باعتبار أن لفظ اليد ورد في النصيين، وهذا يدل على-حد زعمه-على أن الإضافة في الآيتين مجاز.
وهذه الشبهة من تأسيسات بشر المريسي (١) وتابعها عليه شيوخ المعتزلة (٢) والأشاعرة (٣).
وقد بين المصنف غلط هؤلاء وبين أن المشابهة منتفية فقال: "فهذا ليس مثل هذا" وبين أن الفرق من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: في قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١]. أضاف الفعل إلى الأيدي فهي مثل قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم﴾؛ وفي قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥ [أضاف الفعل إلى نفسه.
стр. 634
الوجه الثاني: في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، عدى الفعل بالباء إلى اليدين، فكان سبحانه هو الخالق وكان خلقه بيديه، كقولنا: كتبت بالقلم، فالكاتب هو الفاعل والقلم هو الذي حصلت به الكتابة، ولم يقل: "لما خلقت يدي"، ولو قال ذلك لكان كقوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١]. "
الوجه الثالث: في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، ذكر نفسه بصيغة المفرد في ياء المتكلم، وفي قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١ [ذكر نفسه بالجمع في ضمير المتكلم المفرد المعظم نفسه (نا).
الوجه الرابع: في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، ذكر اليدين بصيغة التثنية، وهذا صريح في إرادة الحقيقة فإن الله يذكر ذاته بالإفراد تارة، وبالجمع أخرى للتعظيم كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح الآية: ١]، ونحوها، ولا يذكر ذاته بالتثنية المضافة إلى الضمير ألبتة لأن التثنية لا تستخدم إلا في حقيقة العدد كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة الآية: ٦٤].
قال الإمام الدارمي: "فلما قال الله : ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، استحال فيهما كل معنى إلا اليدين كما قال العلماء الذين نقلنا عنهم" (١).
وأما قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١ [فذكر اليد بصيغة الجمع وكذلك نفسه بصيغة الجمع فأصبح نظير قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤ [والجمع مثل الإفراد لا يدلان على العدد، وإن دلا على أصل الصفة كقوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك الآية: ١ [و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران الآية: ٢٦].
ولو قال: "خلقت يدي" بالإضافة إلى المفرد لكان مفارقًا لقوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١ [لوجود الباء الدالة على مباشرة الخلق باليدين، فكيف وقد ذكرها بصيغة