كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من مولود إلاّ يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها)) ثم قرأ أبو هريرة﴾ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿[آل عمران الآية: ٣٦].
وكما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا استيقظ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء فإن الشيطان يبيت على خياشيمه)) متفق عليه (١).
وفي الصحيحين أيضًا عنه أنه قال: ((إن الشيطان يعقد على قافية رأس أحدكم إذا نام ثلاث عقد، يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد)) (٢).
مع أنا لا نشهد هذا المس لجسم المولود، ولا هذا المبيت على الخياشيم، ولا العقد، ولا نحو ذلك؛ وظهر أن هذا الحديث لو كان ما ادعاه لم يكن ذلك معلوم الانتفاء بما ادعاه من الضرورة.
الوجه الثالث: إنَّ سنبين فساد ما ذكروه من التأويل في ذلك وإبطال السلف له" (٣).
وقال أيضًا:
"أحدها: أنه ليس هذا ظاهر هذا الحديث أن الله نزل من فوق العرش وانتقل إلى عند هؤلاء، ولا ظاهره أن جميع الوجود خال عن الله إلا هذا الظرف الخاص، ولا يفهم من إطلاق هذا الحديث هذا المعنى؛ بل هذا المعنى المعلوم فساده بالضرورة والحس، يَعْلَمُ أنه ليس ظاهر الحديث كل من يعلم هذا" (٤)
стр. 632
الفروق بين آيتي (ص)، (يس)
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "ومما يشبه هذا القول أن يُجعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله، كما قيل في قوله ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، فقيل: هو مثل قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس. الآية: ٧١].
فهذا ليس مثل هذا، لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي فصار شبيهًا بقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وهناك أضاف الفعل إليه، فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ [ص الآية: ٧٥ [ثم قال: ﴿بِيَدَيَّ﴾.
وأيضا فإنه هناك ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة الآية: ٦٤]، وهنا أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع، فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].
وهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك الآية: ١ [و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران الآية: ٢٦ [في المفرد.
فالله- -يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد، مظهرًا أو مضمرًا، وتارة بصيغة الجمع، كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح الآية: ١]. وأمثال ذلك. ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور، وهو مقدس عن ذلك.
فلو قال: ما منعك أن تسجد لما خلقتْ يدِي. كان كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١]، وهو نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك الآية: ١ [و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران الآية: ٢٦]،
стр. 633
ولو قال: خلقتُ بيدِي. بصيغة الإفراد، لكان مفارقًا له، فكيف إذا قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، بصيغة التثنية.
الشرح
ذكر المصنف هنا شبهة من شبه المعطلة التي يريدون من ورائها صرف النص عن ظاهره وهو محاولتهم التسوية بين المختلفين وضرب مثالًا لذلك "ومما يشبه هذا القول أن يُجعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله، كما قيل في قوله ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص. الآية: ٧٥]، فقيل: هو مثل قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس. الآية: ٧١].
ومقصود المخالف من إيراد هذه الشبهة نفي صفة اليدين عن الله من خلال التسوية بين خلق آدم وخلق الأنعام، باعتبار أن لفظ اليد ورد في النصيين، وهذا يدل على-حد زعمه-على أن الإضافة في الآيتين مجاز.
وهذه الشبهة من تأسيسات بشر المريسي (١) وتابعها عليه شيوخ المعتزلة (٢) والأشاعرة (٣).
وقد بين المصنف غلط هؤلاء وبين أن المشابهة منتفية فقال: "فهذا ليس مثل هذا" وبين أن الفرق من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: في قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١]. أضاف الفعل إلى الأيدي فهي مثل قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم﴾؛ وفي قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥ [أضاف الفعل إلى نفسه.
стр. 634
الوجه الثاني: في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، عدى الفعل بالباء إلى اليدين، فكان سبحانه هو الخالق وكان خلقه بيديه، كقولنا: كتبت بالقلم، فالكاتب هو الفاعل والقلم هو الذي حصلت به الكتابة، ولم يقل: "لما خلقت يدي"، ولو قال ذلك لكان كقوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١]. "
الوجه الثالث: في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، ذكر نفسه بصيغة المفرد في ياء المتكلم، وفي قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١ [ذكر نفسه بالجمع في ضمير المتكلم المفرد المعظم نفسه (نا).
الوجه الرابع: في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، ذكر اليدين بصيغة التثنية، وهذا صريح في إرادة الحقيقة فإن الله يذكر ذاته بالإفراد تارة، وبالجمع أخرى للتعظيم كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح الآية: ١]، ونحوها، ولا يذكر ذاته بالتثنية المضافة إلى الضمير ألبتة لأن التثنية لا تستخدم إلا في حقيقة العدد كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة الآية: ٦٤].
قال الإمام الدارمي: "فلما قال الله : ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، استحال فيهما كل معنى إلا اليدين كما قال العلماء الذين نقلنا عنهم" (١).
وأما قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١ [فذكر اليد بصيغة الجمع وكذلك نفسه بصيغة الجمع فأصبح نظير قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤ [والجمع مثل الإفراد لا يدلان على العدد، وإن دلا على أصل الصفة كقوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك الآية: ١ [و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران الآية: ٢٦].
ولو قال: "خلقت يدي" بالإضافة إلى المفرد لكان مفارقًا لقوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١ [لوجود الباء الدالة على مباشرة الخلق باليدين، فكيف وقد ذكرها بصيغة
٨. وَفِي الصَّحِيحِ: وحَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ((احتجَّ آدمُ وموسى، فقال موسى: يا آدمُ، أنتَ أبونا، خيَّبْتَنا وأخرجْتَنا منَ الجنَّةِ، فقالَ لَهُ آدمُ: أنتَ موسَى، اصطفاكَ اللهُ بِكَلامِهِ، وخطَّ لَكَ بيدِه (١).
٩. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ ((قَالَ سُبْحَانَهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي؛ لَا أَجْعَلُ صَالِحَ ذَرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْت بِيَدَيَّ كَمَنْ قُلْت لَهُ: كُنْ فَكَانَ)) (٢).
١٠. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي السُّنَنِ: ((لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَمَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ فَقَالَ: خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى فَقَالَ: خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ)) (٣). " (٤).
ثالثا: إجماع السلف (٥):
قال الإمام الشافعي ﵀: "لله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه ﷺ أمَّته … ، وأن له يدين بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأن له يمينًا بقوله: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر الآية ٦٧]. " (٦).
١ - قال الإمام أبو الحسن الأشعري: "أجمعوا على أنه يسمع ويرى وأن له تعالى يدين مبسوطتين وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات
стр. 644
بيمينه من غير أن يكون جوازا … " (١) أي من غير أن يكون ذلك مجازا.
٢ - وقال الإمام أبو حنيفة: "له يد ووجه ونفس كما ذكر الله تعالى في القرآن ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف ولا يقال: إن بده قدرته لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال" (٢).
٣ - وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "باب ذكر إثبات اليد للخالق الباري جل وعلا والبيان أن الله تعالى له يدان كما أعلمنا في محكم تنزيله .. وذكر الأدلة" (٣)
٤ - وقال الإمام الإسماعيلي: "وخلق آدم بيده ويدان مبسوطتان ينفق كيف يشاء بلا اعتقاد كيف يداه إذ لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف". ذكره في نقله الاعتقاد أئمة أهل الحديث (٤)
٥ - وقال قوام السنة الأصبهاني: "فصل في إثبات اليدين الله تعالى صفة له" (٥).
٦ - قال ابن قتيبة: "فنحن نقول كما قال الله تعالى وكما قال رسوله ولا نتجاهل ولا يحملنا ما نحن فيه من نفي التشبيه على أن ننكر ما وصف به نفسه ولكنا لا نقول كيف اليدان وإن سئلنا نقتصر على جملة ما قال ونمسك عما لم يقل" (٦).
٧ - قال الإمام الآجري: "يقال للجهمي الذي ينكر أن الله عزوجل خلق آدم بيده: كفرت بالقرآن ورددت السنة وخالفت الأمة " (٧).
стр. 645
٨ - وقال الإمام السجزي: "وأهل السنة متفقون على أن الله سبحانه بدين، بذلك ورد النص في الكتاب والأثر .. " (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنَّ لله تعالى يدين مختصتين به، ذاتيتين له، كما يليق بجلاله" (٢).
قال ابن القيم ﵀: "وَرَدَ لفظ اليد في القرآن، والسنة، وكلام الصحابة والتابعين، في أكثر من مائة موضع ورودًا متنوِّعًا، متصرفًا فيه، مقرونًا بما يدل على أنها يدٌ حقيقية، من الإمساك، والطي، والقبض، والبسط، والمصافحة، والحثيات، والنضح باليد، والخلق باليدين، والمباشرة بهما، وكتب التوراة بيده، وغَرس جنة عدن بيده، وتخمير طينة آدم بيده، ووقوف العبد بين يديه، وكون المقسطين عن يمينه، وقيام رسول الله ﷺ يوم القيامة عن يمينه، وتخيير آدم بين ما في يديه، فقال: ((اخترتُ يمينَ ربي))، وأخذ الصدقة بيمينه يربِّيها لصاحبها، وكتابته بيده على نفسه أن رحمته تغلب غضبه، وأنه مَسَحَ ظهرَ آدم بيده، ثم قال له - ويداه مقبوضتان -: "اختر"، فقال: ((اخترتُ يمين ربي))، وكلتا يديه يمين مباركة، وأن يمينه ملأى، لا يغيضها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، وبيده الأخرى القسط، يرفع ويخفض، وأنه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، وأنه يطوي السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهنَّ بيده اليُمْنَى، ثم يطوي الأرض باليد الأخرى، وأنه خَطَّ الألواحَ التي كتبها لموسى بيده" (٣).
стр. 646
النصوص المتفق على معناها بين أهل السنة والأشاعرة
المتن
قال المصنف ﵀: "وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع، فإن الله تعالى لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد - كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا.
وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة، لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير.
فكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة الآية: ٥٤]، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة الآية: ١١٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: إنه على ظاهره. لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حبًّا كحبه، ولا رضًا كرضاه.
فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين، لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادًا، وإن كان يعتقد أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به، لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادا إلا بدليل يدل على النفي. وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحدا".
стр. 647
الشرح
وقول المصنف: "فإن الله تعالى لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد - كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا".
أي أن إثبات أهل السنة والجماعة كان خاليًا من التشبيه فهم ينفون أن يكون في شيء من تلك الصفات أي تشبيه لصفات الخالق بصفات المخلوق، فهذا المعنى الفاسد لم يريدوه فضلًا عن أنهم قاموا بنفيه وتنزيه صفات الخالق من أن تشبه بصفات خلقه كما تقدم ذكره عن بيان مذهب السلف في باب الصفات.
قوله: "وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع"
يشير المصنف هنا إلى قول أهل السنة والجماعة في نصوص الصفات، فهم يقولون: بأن النصوص المتعلقة بالصفات تجرى على ظاهرها في جميع ما ورد في تلك النصوص بالشروط التي تقدم ذكرها، وقولهم واحد في الجميع سواء في النصوص التي اتفقوا في إثباتها مع من أثبت بعض تلك الصفات كصفة العلم والقدرة والإرادة، أو مع نصوص الصفات التي نفاها بعض أولئك النفاة كصفة الاستواء والمحبة والرضا وغيرها من الصفات التي نفاها أولئك.
وقوله: "وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة، لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير.
فكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة الآية: ٥٤]، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة الآية: ١١٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: إنه على ظاهره. لم يقتض
стр. 648
ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حبًّا كحبه، ولا رضًا كرضاه".
أي أن السلف مع نفيهم لتمثيل صفات الخالق بصفات المخلوق، لم يمنعهم هذا النفي للماثلة من إثبات تلك الصفات إثبات وجود على ما يليق بالخالق دون تفريق بين نوع ونوع من الصفات.
وتنقسم الصفات الثُّبوتية من جهة تعلُّقِها بالله إلى قسمين (١):
القسم الأول: الصفات الذَّاتية.
القسم الثاني: الصِّفات الفعلية.
وكِلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات له تعالى أزلًا وأبدًا، لم يزل متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال ربِّ العالمين (٢).
أمَّا القسم الأول: الصفات الذَّاتية وضابطها: هي التي لا تنفكُّ عن الذَّات (٣). أو: التي لم يَزل-ولا يزال-الله متصفًا بها. أو: الملازمة لذات الله تعالى (٤).
ومنها: (الوجه-اليدين-العينين (٥) -الأصابع-القَدَم-العِلم-الحياة-القدرة-العزة-الحكمة).
وأعطى لها المصنف مثالًا هنا بصفات الحياة والعلم والقدرة فقال: اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة".
القسم الثاني: الصفات الفعلية، وضابطها: هي التي تنفكُّ عن الذَّات. أو: التي
стр. 649
تتعلق بالمشيئة والقدرة (١).
ومنها: (الاستواء-المجيء-الإتيان-النزول-الخلق-الرزق-الإحسان-العدل).
وأعطى المصنف مثالًا لهذا النوع بصفات المحبة والرضا والاستواء فقال: "فكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة الآية: ٥٤]، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة الآية: ١١٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ".
والفرق بين القسمين:
أنَّ الصفات الذاتية لا تنفكُّ عن الذات، أمَّا الصفات الفعلية يمكن أن تنفك عن الذات على معنى: أنَّ الله إذا شاء لم يفعلها.
ولكن مع ذلك فإنَّ كلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات لله تعالى أزلًا وأبدًا لم يزل-ولا يزال-متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال الله (٢).
فقول أهل السنة في النوعين واحد وهو إثبات تلك الصفات بنوعيها حقيقة، وأنها مع ذلك لا تشابه صفات المخلوقين فالله حي حقيقة، عالم حقيقة قادر حقيقة وهذه صفات ذاتية، وهو كذلك متصف بصفات المحبة والرضا والاستواء حقيقة، ومع إثبات اتصاف الله بتلك الصفات فإنه منزه سبحانه في جميع ما اتصف به عن مشابهة المخلوقين، باعتبار أن لكل موصوف له فيما اتصف به حقيقة تختص به لا يماثله فيها أحد.
فهم يثبتون لله جميع صفاته، وينفون عنه مشابهة المخلوقات، فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، فمذهبهم حسنة بين سيئتين،
стр. 650
وهدًى بين ضلالتين.
"فقد هدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، وتفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهديا بين ضلالتين.
فقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.
بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نؤول ولا نمثل ولا نجهل.
ولا نقول: ليس له يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه.
ولا نقول: له يدان كأيدي المخلوقين، ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم.
بل نقول: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين.
وله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين.
وكذلك قولنا: في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه.
ولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك، الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك من أثبت لله شيئا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها، فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما، فهكذا سائر الصفات المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله
стр. 651
سبحانه لم يكلف العباد ذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلا" (١).
وقول المصنف: "فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين، لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادًا"
يشير المصنف هنا إلى قول كل من المشبهة والمعطلة الذين اعتقدوا أن ظاهر النصوص يدل على التشبيه باعتبار أن كلا الفريقين قال بالتشبيه.
أما المعطلة: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات. فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم.
وبذلك جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولاً، وعطلوا آخرًا.
وامتاز أهل التعطيل عن أهل التمثيل بنفيهم المعاني الصحيحة للصفات.
أما تمثيل أهل التمثيل: فإنهم يقولون: إن الله لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كان مستويًا على العرش فهو كاستواء الإنسان على السرير، إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فامتاز هؤلاء الممثلة بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين، كما امتاز المعطلة بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي.
والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك، ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها.
وقوله: "وإن كان يعتقد أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به، لم يكن له
стр. 652
نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادًا إلا بدليل يدل على النفي".
أي إذا كان النافي لبعض الصفات كمن نفى جميع الصفات ما عدا سبع صفات، أو كمن نفى الصفات الاختيارية، يعتقد في البعض الآخر "أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به" كمن أثبت الصفات السبع، أو الصفات الذاتية.
فإن هذا التحكم لا دليل عليه لأن الكلام في نصوص الصفات يجب أن يسير على مسار واحد، فهذا النافي لكون نصوص الصفات على ظاهرها "لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادًا إلا بدليل يدل على النفي"
وقوله: "وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحدا"
أعاد المصنف ذكر قاعدة (القول في بعض الصفات كالقول في البعض)، فهؤلاء النفاة ليس لهم دليل لا من السمع ولا من العقل على دعواهم بالتفريق بين بعض الصفات والبعض الآخر، فالكلام في الجميع واحد فما يرد على هذا يرد على هذا.
والمصنف هنا يخاطب بالتحديد الصفاتية وبالأخص منهم الأشاعرة الذين اضطرب قولهم في باب الصفات، ولم يستقر لهم قول فيه، بل إن بعضهم يقر بما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وينص الرازي والأمدي على أنه ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية-موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:
أحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.
والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في "الرسالة النظامية" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس
стр. 653
بسائغ ولا واجب.
ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات.
ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي". (١)
المتن
قال المصنف ﵀: "وبيان هذا، أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا، كالوجه واليد؛ ومنها ما هي معان وأعراض، وهي قائمة بنا، كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة.
ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير، لم يقل المسلمون: إن ظاهر هذا غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا؛ فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه، لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا، بل صفة الموصوف تناسبه.
فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته كذاته ليست مثل صفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه، كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه، كما قال النبي ﷺ : (ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر)، فشبَّه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي".
الشرح
قوله: "وبيان هذا، أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا،
стр. 654
كالوجه واليد؛ ومنها ما هي معان وأعراض، وهي قائمة بنا، كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة".
بين المصنف-﵀-أن صفات الخلق يمكن تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: الأعيان، والمقصود بها الصفات الذاتية التي لا تنفك عن ذات الإنسان؛ وأعطى مثالًا لها: بالوجه، واليد.
والقسم الثاني: الصفات المعنوية، القائمة وهذه يمكن أن تنفك عن الذات، وأعطى مثالًا لها بالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة.
وقوله: "ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير، لم يقل المسلمون: إن ظاهر هذا غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا".
وكما قال الإمام ابن عبد البر ﵀: (( … ما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله تعالى إلا ما وصف نفسه به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ) (١).
فاذا جاءت النصوص بإثبات الصفات، فالله "وصف نفسه بأنه حي عليم قدير" فهذه الصفات وأمثالها "لم يقل المسلمون: إن ظاهر هذا غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا".
فالسلف الصالح أثبتوا تلك الصفات على الحقيقة بما يليق بجلاله وعظمته ، ولم يمنعهم اتصاف المخلوقين ببعض تلك الصفات، وذلك على اعتبار أن لكل من الخالق والمخلوق له ما يختص به من الصفات.
وقوله: "فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه، لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا، بل صفة الموصوف
стр. 655
تناسبه.
فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته كذاته ليست مثل صفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه، كنسبة صفة الخالق إليه"
فالأسماء التي تُطلق على الله وعلى العباد هي من الألفاظ المتواطئة التواطؤ المشُكك؛ فالحق فيها هو أن يقال: إنه بالنسبة للأسماء والصفات التي تُطلق على الله وعلى العباد؛ كـ (الحي، والسميع، والبصير، والعليم، والقدير، والحياة، والسمع، والبصر، والعلم) ونحوها هي حقيقة في الرب وحقيقة في العبد.
ولكن للرب تعالى منها ما يليق بجلاله.
وللعبد منها ما يَليق به.
وذلك لأن «الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات:
الاعتبار الأول: اعتبار مِنْ حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب ﵎ أو العبد.
الاعتبار الثاني: اعتباره مضافًا إلى الربِّ مختصًّا به.
الاعتبار الثالث: اعتباره مضافًا إلى العبد مقيدًا به.
فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتًا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به.
وهذا كاسم (السميع) الذي يلزمه إدراك المَسموعات.
و (البصير) الذي يلزمه رؤية المُبصرات.
و (العليم) و (القدير) وسائر الأسماء.
فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه
стр. 656
الأسماء لذاتها؛ فإثباتها للرب تعالى لا محذور فيه بوجهٍ، بل يثبت له على وجهٍ لايماثله فيه خَلْقُه ولا يُشابههم.
فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق أَلْحَدَ في أسمائه وجَحَد صفات كماله، ومَن أثبته على وجهٍ لا يُماثل فيه خلقه به-كما يليق بجلاله وعظمته-فقد بَرِئ من فرث التَّشبيه ودم التعطيل، وهذا طريقُ أهل السنة.
وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيُه عن الله كما يلزم حياة العبد من النَّوم والسِّنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك، وكذلك ما يَلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به، وكذلك ما يلزم عُلوَّه من احتياجه إلى ما هو عال عليه وكونه محمولاً به، مفتقرًا إليه، محاطًا به، كل هذا يجب نفيه عن القُدُّوس السَّلَام ﵎.
وما لزم الصفة من جهة اختصاصه تعالى بها فإنَّه لا يثبت للمخلوق بوجهٍ؛ كعلمه الذي يلزمه القِدَم والوجوب والإحاطة بكلِّ معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإنَّ ما يختص به منها لا يُمكن إثباته للمخلوق.
فإذا أحطت بهذه القاعدة خُبرًا وعَقَلْتَها كما ينبغي-خَلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين:
٢ - آفة التعطيل. ٢ - وآفة التشبيه.
فإنك إذا وَفَّيت هذا المقام حقَّه من التصور أَثْبَتَّ لله الأسماء الحسنى والصفات العُلى حقيقة؛ فخلصت من التعطيل، ونَفيت عنها خصائص المخلوقين ومُشابهتهم، فخلصت مِنْ التشبيه؛ فتدبر هذا الموضع واجعله جُنَّتك التي تَرجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصَّواب» (١).
стр. 657
ومن كلام شيخ الإسلام في هذا الموضوع قوله: «سَمَّى الله نفسه بأسماء وسَمَّى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أُضيفت إليه لا يُشركه فيها غيره».
وسَمَّى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم، تُوافق تلك الأسماء إذا قُطعت من الإضافة والتخصيص.
ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مُسَمَّاهما واتحاده-عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص-اتَّفاقُهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص؛ فضلاً عن أن يتحد مُسَمَّاهما عند الإضافة والتخصيص.
فقد سَمَّى الله نفسه حيًّا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥]، وسَمَّى بعض عباده حيًّا؛ فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ [يونس: ٣١].
وليس هذا الحي مثل هذا الحي؛ لأن قوله: (الحي) اسم لله مختص به، وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [يونس: ٣١] اسم للحيِّ المخلوق مختصٍّ به.
وإنما يتفقان إذا أُطلقا وجُرِّدا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يَفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المُسميين.
وعند الاختصاص: يُقَيَّد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق.
ولابد مِنْ هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يُفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه .
وكذلك سَمَّى الله نفسه: ﴿عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب الآية: ٥١]، وسَمَّى بعض عباده (عليمًا)؛ فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذريات الآية: ٢٨]. يعني إسحاق، وسمى آخر (حليمًا)، ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات الآية: ١٠١]، يعني إسماعيل؛ وليس العليم
стр. 658
كالعليم، ولا الحليم كالحليم.
وسَمَّى نفسه (سميعًا بصيرًا)؛ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء الآية: ٥٨]، وسمى بعض عباده (سميعًا بصيرًا)؛ فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإَنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان الآية: ٢]، وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير …
وكذلك سَمَّى صفاتِه بأسماء، وسَمَّى صفات عباده بنظير ذلك، فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥]، ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [الإنسان الآية: ١٦٦]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات الآية: ٥٨]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة﴾ [فصلت الآية: ١٥]، وسمى صفة المخلوق علمًا وقوة: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء الآية: ٨٥]، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف الآية: ٧٦]، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر الآية: ٨٣]، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَة﴾ [الروم الآية: ٥٤]، وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود الآية: ٥٢]، وليس العليم كالعلم و لا القوة كالقوة.
ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه؛ فذكر ذلك في سبعة مواضع من كتابه أنه استوى على العرش.
ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه﴾ [الزخرف الآية: ١٣]، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون الآية: ٢٨]، وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود الآية: ٤٤]، وليس الاستواء كالاستواء.
ووصف نفسه ببسط اليدين فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤].، ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود، فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم، ونظائر هذا كثيرة.
стр. 659
فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ماثلته لخلقه.
فمن قال: ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة، ولا كلام، ولا يحب، ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى-كان معطلاً جاحداً ممثلاً له بالمعدومات والجمادات.
ومَن قال: له علم كعلمي أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضاء كرضائي، أو يَدَان كيداي، أو استواء كاستوائي-كان مشبهاً ممثلاً لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل» (١).
وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه، كما قال النبي ﷺ : (ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر)، فشبَّه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي".
أي هذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي، فالله لا شبيهَ له، ولكن هذا من باب تشبيه الرؤية بالرؤية، كما أن رؤية الشمس صحوًا ليس دونها سحاب أمر واضح، وكالقمر ليلة البدر في وقت الصَّحو دون غيمٍ أمر واضح، فهكذا رؤية الله يوم القيامة؛ يراه المؤمنون في الجنَّة كما يشاء أمر واضح.
стр. 660
أربعة محاذير يقع فيها من من نفى شيئا من الصفات
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وهذا يتبين بالقاعدة الرابعة، وهي أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو في كثير منها، أو أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين"
الشرح
قول المصنف: "كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو في كثير منها، أو أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين".
مقصود المصنف بيان أن النصوص الشرعية الواردة في باب الصفات واضحة وثابتة وصريحة وامتلأت بها الكتب التي حوت هذا الأمر، لكن الخلل من أفهامٍ تنظر إلى هذه الأمور بنظرةٍ غير صحيحة وغير سليمة للنصوص فلذلك عزَّ والله من يعرف المعروف وينكر المنكر.
وعلى القول بأن هناك خلل فالخلل هنا إما أن يكون في النصوص، أو يكون في عقول هؤلاء، وحاشا أن يكون في النصوص، فالنصوص ثابتة والله تعالى أخبر عن استوائه ونبيه ﷺ -أخبر عن نزوله، وهكذا في سائر صفاته بين الكتاب والسُنَّة نصوص ثابتة صريحة صحيحة لو أن الإنسان نظر لها النظرة السليمة، ولكن كما قال الشاعر:
وكمْ من عائِبٍ قوْلًا صَحيحًا … وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السّقيمِ
فالسبب في هذا: أفهام سقيمة.
стр. 661
والخلل الذي وقع فيه المعطلة جاء من عند أنفسهم لأنهم توهموا أن النصوص أنها تماثل صفات المخلوقين وهم في هذا التوهم على درجات.
١ - فهناك من "يتوهم في بعض الصفات": وهؤلاء المقصود بهم الكلابية وقدماء الأشاعرة ومن وافقهم الذين نفوا الصفات الاختيارية.
٢ - وهناك من توهم ذلك "في كثير منها، أو أكثرها" وهؤلاء هم الأشاعرة المتأخرون والماتريدية الذين اقتصروا على إثبات سبع صفات أو ثمان صفات وأنكروا ما عداها.
٣ - وهناك من توهم ذلك في "كلها" وهؤلاء هم الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم.
وقوله: "أنها تماثل صفات المخلوقين"
اختلفت طرق المعطلة في سبب جعلهم إثبات الصفات يؤدي إلى مثل هذا الفهم الفاسد.
الفريق الأول: نفاة جميع الصفات وهم المعتزلة ومن وافقهم:
فشبهتهم التي اعتمدوا عليها في نفي صفات الباري بما فيها صفة العلو فهي ما تسمى بطريقة الأعراض، ذلك أنهم يزعمون أن الصفات إنما هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة في الله: إنه قديم واحد ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره (١) ولكان جسماً إذ إن ثبوت الصفات يقتضي كثرة وتعدداً
стр. 662
في ذاته ويقتضي أنه جسم وذلك خلاف التوحيد.
فهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث به التي هي الصفات والأفعال، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يدل عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.
ويزعمون أيضاً أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.
ويزعمون أيضاً أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه وجزءاه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثاً مخلوقاً، فالأجسام متماثلة فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل والتركيب والاجتماع والافتراق فيجب أن يصح على جميعها (١).
والمعتزلة يقولون إننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم ونفي كون الصانع جسماً وإمكان المعاد.
الرد عليهم:
مما تقدم نعلم أن المعتزلة إنما بنوا دليلهم في نفي الصفات على أن القديم لا يكون محلا للصفات والحركات فلا يكون جسماً ولا محيزاً لأن الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
стр. 663
فهم بهذا القول نفوا صفات الباري وجعلوا نفيها يتوقف عليه ثبوت الصانع وحدوث العالم، فإذا جاء في القرآن والسنة ما يدل على إثبات الصفات لم يمكن القول بموجبه.
والمتدبر لحجج المعتزلة يرى فيها الأمور التالية:
أولاً: أنهم يستدلون لأقوالهم بعبارات مبتدعة وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ العرش والجسم والحيز والمركب وغير ذلك، فهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به جهال الناس بما يشبهون عليهم، وهذه الألفاظ المجملة تتضمن معاني باطلة ومعاني أخرى صحيحة فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق والباطل.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما في هذه الألفاظ من معانٍ، وما تدل عليه من عبارات (١)، وكيف استعملها هؤلاء المعطلة في نفي صفات الباري حيث ادعوا أن هذه الأمور من مستلزمات الجسمية، والله منزه من ذلك، وقد بين شيخ الإسلام أن استعمال هذه الألفاظ نفياً وإثباتاً لم يرد عن السلف ولا جاء به أثر صحيح ولم يستعملها الأقدمون بالمعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه هؤلاء، بل جميعهم معترفون بأن العلو صفة كمال كما أن السفل صفة نقص، وما ثبت لله من العلو فهو العلو المناسب لكمال ذاته المنزهة عن اعتبارات المحدثين ومماثلتهم.
ومعلوم أن القول بأن العلو يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية، وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه وتحيط به
стр. 664
وتحصره، أو هي محل وظرف له، بل هو سبحانه محيط بكل شيء وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء وعالٍ على كل شيء (١).
ثانيا: أن ما استدل به المعتزلة لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعاً ليس بعالم ولا قادر ولا حي (٢).
كما أن مذهب المعتزلة في الذات قريب من مذهب اليونان القائلين بأن ذات الله واحدة لا كثرة فيها بوجه من الوجوه (٣).
ثالثاً: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي الصفات إنما هي مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم (٤) الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام. وهذا الدليل قد بين الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: أنه دليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم (٥)، فهي بهذا طريق يحرم سلوكها لما فيها من الخطر والتطويل وما يلزم عليها من لوازم باطلة لأنها مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، وهي مستلزمة لنفي صفاته ونفي أفعاله ونفي المبدأ والمعاد، فهذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب وبصره وقدرته وحياته وإرادته وكلامه فضلاً عن نفي علوه على خلقه ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، فلو صحت هذه الطريقة لنفت الصانع وأفعاله وصفاته وكلامه وخلقه للعالم وتدبيره له.
وما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له بل هو لفظ لا معنى له، وأن
стр. 665
الله بذاته في كل مكان، وقال إخوانهم إنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم، وقالوا بخلق القرآن إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة (١).
الفريق الثاني: نفاة بعض الصفات.
وهم الكلابية: أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وقول الحارث المحاسبي (٢) وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري في طوره الثاني، وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم. (٣)
وهؤلاء يجمعهم أنهم نفاة الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة.
وهؤلاء يسموْن الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافاً للمعتزلة، لكنهم لم يثبتوا لله أفعالاً تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته. (٤)
وأصلهم الذي أصلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته (٥)
стр. 666
لا فعل ولا غير فعل. (١)
والفرق بينهم وبين المعتزلة:
أن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث-بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.
ولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: "لا تقوم به الأعراض" وقالوا: "تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضاً".
ووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته. (٢)
ففرقوا بين الأعراض -أي الصفات-والحوادث-أي الأمور المتعلقة بالمشيئة. (٣)
فالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله (٤)، ويقولون: "لو قامت به لكان محلاً للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالاً فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له
стр. 667
كمالاً لم يجز وصفه به". (١)
الفريق الثالث: نفاة أكثر الصفات.
وهؤلاء هم متأخرو الأشاعرة ومعهم الماتريدية.
ومعلوم أن مذهب متأخري الأشاعرة والماتريدية في الصفات أنهم يثبتون سبع صفات أو ثمان فقط، وهي ما يسمونها بصفات المعاني وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام، وهم يثبتون لهذه الصفات أربعة أحكام هي:
١ ـ أن هذه الصفات ليست هي الذات بل زائدة عليها فصانع العالم عندهم عالم بعلم وحي بحياة وقادر وهكذا.
٢ ـ أن هذه الصفات كلها قائمة بذات الله تعالى ولا يجوز أن يقوم شيء منها بغير ذاته لأن الدليل دل على أنه متصف بها ولا معنى لاتصافه بها إلا قيامها بذاته، حتى لو قلنا: إنه عالم كان هو بعينه مفهوم قولنا قام بذاته علم، فلا تكون الصفة لشيء إلا إذا قامت به لا بغيره.
٣ ـ أن هذه الصفات كلها قديمة لأنها إن كانت حادثة كان القديم محلاً للحوادث وهذا محال، أو متصف بصفة لا تقوم به وذلك أظهر استحالة.
٤ ـ أن الأسماء المشتقة لله تعالى من هذه الصفات السبع صادقة عليه أزلاً وأبداً فهو في القدم كان حياً قادراً عليماً سميعاً بصيراً متكلماً (٢).
فهم على قولهم هذا لا يثبتون سوى هذه الصفات السبع فقط لأنها قديمة. أما باقي الصفات التي يسمونها الصفات الخبرية فهم ينفونها جميعها، بدعوى تنزيه ذات الله عن الحوادث.
стр. 668
ومتأخرو الأشاعرة هؤلاء وإن كانوا يخالفون المعتزلة في جعلهم الصفة غير الذات كما في الحكم الأول فيثبتون الصفات القديمة من هذا الباب، إلا أنهم قد وافقوا المعتزلة في دليلهم المسمى بدليل نفي الحوادث فنفوا باقي الصفات الأخرى، ذلك لأن قولهم في الحكم الثالث من الأحكام الأربعة التي أوردناها إنها لو كانت حادثة لكان القديم محلا للحوادث، هو بعينه ما استدل به المعتزلة على نفي الصفات (١).
ويقول متأخرو الأشاعرة في دليلهم العقلي على نفي العلو إن إثبات العلو يقتضي إثبات الجهة وإثبات الجهة يقتضي كونه جسماً، وكونه جسماً يقتضي كونه مركباً، والمركب مفتقر إلى جزئيه، والمفتقر إلى جزئيه لا يكون إلا حادثا والله سبحانه منزه عن الحوادث (٢).
فعلى قولهم هذا يكونون هم والمعتزلة على دليل واحد، وقد سبق أن ذكرنا الرد على المعتزلة فيكون الرد على هؤلاء من جنس الرد على أولئك، ويضاف إلى ذلك أن القول في الصفات التي نفاها هؤلاء هو كالقول في الصفات التي أثبتوها، فإن كان هذا تجسيماً وقولا باطلاً فهذا كذلك.
وإن قالوا: إن إثباتها على الوجه الذي يليق بالرب.
قيل لهم: وكذلك هذا.
فإن قالوا: نحن نثبت تلك الصفات وننفي التجسيم.
قيل لهم: وهذا كذلك، فليس لكم أن تفرقوا بين المتماثلين (٣).
стр. 669
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير:
أحدها: كونه مثَّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.
الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطّله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله- حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل- قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله سبحانه.
الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم، فيكون معطلا لما يستحقه الرب تعالى.
الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات.
فيكون قد عطَّل صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، يكون ملحدًا في أسمائه وآياته".
الشرح
منهج المعطِّلة في الصفات جاء بعكس طريقة الأنبياء، فنجدهم يجملون في
стр. 670
الإثبات ويفصِّلون في النفي، زعماً منهم أن ذلك أعظم وأبلغ في التنزيه، وأحوط في تفادي تشبيه الله بخلقه، وبتطبيقهم لطريقتهم هذه، حصل عكس مرادهم، فوقعوا في شر من الذي فروا منه، فأساءوا الأدب مع مليكهم، وجردوه من كماله الذي وصف به نفسه، فشبهوه بالناقصات من مخلوقاته، بل نفيهم لصفاته أوقعهم في تشبيهه بالمعدومات والممتنعات، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
فالمعطِّلة النفاة إذا تكلموا في النفي، وصفوه بالسُّلوب على وجه التفصيل؛ فيقولون مثلاً: ليس بكذا، ولا بكذا … يقولون: ليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا لحم، ولا دم، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، ولا بذي لون، ولا طعم، ولا رائحة، ولا طول، ولا عرض، ولا عمق، ولا اجتماع، ولا افتراق، ولا يتبعض، ولا يتجزأ، ولا يقرُب من شيء، ولا يقرُب منه شيء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ونحو ذلك، ولا يُشار إليه، ولا هو مباين للعالم، ولا داخله، ولا خارجه … إلى أمثال هذه العبارات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم بل الممتنع.
وإذا أرادوا الإثبات: أثبتوا شيئاً مجملاً يجمعون فيه بين النقيضين، ويُقدرون وجوداً مطلقاً لا حقيقة له إلا في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان، فبعضهم يصفونه بالسُّلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وبعضهم يثبت له الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات، وبعضهم يثبت له الأسماء وعدداً محدوداً من الصفات (١).