المجلد الأول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
ثم أما بعد أيضاً فهذا تفسير موجز لكتاب الله تعالى القرآن الكريم وضعته مراعياً فيه حاجة المسلمين اليوم إلى فهم كلام الله تعالى الذي هو مصدر شريعتهم، وسبيل هدايتهم وهو عصمتهم من الأهواء وشفاؤهم من الأدواء، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين﴾ وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ . وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . ومراعياً فيه أيضاً رغبة المسلمين اليوم في دراسة كتاب الله وفهمه والعمل به، هي رغبة لم تكن لهم منذ قرون عدة حيث كان القرآن يقرأ على الأموات دون الأحياء ويُعتبر تفسيره خطيئة من الخطايا وذنباً من الذنوب، إذ ساد بين المسلمين القول: بأن تفسير القرآن: صوابه خطأ وخطأه كفر، فلذا القارئ يقرأ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ . والناس حول ضريح الولي المدفون في ناحية المسجد يدعونه بأعلى
стр. 2
أصواتهم: يا سيدي يا سيدي كذا وكذا ولا يجرؤ أحد أن يقول: يا إخواننا لا تدعوا السيد فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ ويقرأ القارئ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ . ويسمعه من يسمعه، ولا يخطر على باله أن الآية تصرح بكفر من لم يحكم بما أنزل الله، وأن أكثر المسلمين مورطون في هذا الكفر حيث تركوا تحكيم الشريعة الإسلامية إلى تحكيم القوانين الملفقة من قوانين الشرق والغرب وهكذا كان يقرأ القرآن على أموات الأحياء وأحياء الأموات فلا يرى له أثر في الحياة.
هذا ونظراً لليقظة الإسلامية اليوم فقد تعين وضع تفسير سهل ميسر يجمع بين المعنى المراد من كلام الله، وبين اللفظ الغريب من فهم المسلم اليوم. نُبَين فيه العقيدة السلفية المنجية. والأحكام الفقهية الضرورية. مع تربية التقوى في النفوس، بتحبيب الفضائل وتبغيض الرذائل، والحث على أداء الفرائض واتقاء المحارم. مع التجمل بالأخلاق القرآنية والتحلي بالآداب الربانية. وقد هممت بالقيام بهذا المتعين عدة مرات في ظرف سنوات، وكثيراً ما يطلب مني مستمعوا دروسي في التفسير في المسجد النبوي أن لو وضعت تفسيراً للمسلمين سهل العبارة قريب الإشارة يساعد على فهم كلام الله تعالى، وكنت أعد أحياناً وأتهرب أحياناً أخرى، حتى ختمت التفسير ثلاث مرات وقاربت الرابعة، وأنا بين الخوف والرجاء وشاء الله تعالى أن أجلس في أواخر محرم عام ١٤٠٦هـ، إلى فضيلة الدكتور عبد الله بن صالح العبيد رئيس الجامعة الإسلامية ويُلهم أن يقول لي: لو أنك وضعت تفسيراً على غرار الجلالين يحل محله في المعاهد ودور الحديث تلتزم فيه العقيدة السلفية التي خلا منها تفسير الجلالين فضّر كثيراً بقدر ما نفع، وصادف في النفس رغبتها فأجبته بأن سأفعل إن شاء الله تعالى. وبهذا الوعد تعينت واستعنت بالله تعالى وشرعت وفي أوائل رجب من العام نفسه تم تأليف المجلد الأول الحاوي لثلث القرآن الكريم وفي أول رمضان كان المجلد الأول قد طبع والحمد لله، وواصلت التأليف والله أسأل أن يتم في أقرب وقت، وأن يتقبله مني وهو منه وله، فينتفع به كل مسلم يقرأه بنية معرفة مراد الله تعالى
стр. 3
من كلامه ليعرف ربه تكسبه خشيته ومحبته ويعرف محابه تعالى ليتقرب بفعلها إليه, ويعرف مساخطه ليتجنبها خوفاً مما لديه.
هذا وإن مميزات هذا التفسير التي بها رجوت أن يكون تفسير كل مسلم ومسلمة لا يخلو منه بيت من بيوت المسلمين هي:
١- الوسطية بين الاختصار المخل، والتطويل الممل.
٢- اتباع منهج السلف في العقائد والأسماء والصفات.
٣- الالتزام بعدم الخروج عن المذاهب الأربعة في الأحكام الفقهية.
٤- اخلاؤه من الإسرائيليات صحيحها وسقيمها. إلا ما لا بد منه لفهم الآية الكريمة وكان مما تجوز روايته لحديث.. "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج".
٥- إغفال الخلافات التفسيرية.
٦- الالتزام بما رجحه ابن جرير الطبري في تفسيره عند اختلاف المفسرين في معنى الآية، وقد لا آخذ برأيه في بعض التوجيهات للآية.
٧- إخلاء الكتاب من المسائل النحوية والبلاغية والشواهد العربية.
٨- عدم التعرض للقراءات إلا نادراً جداً للضرورة حيث يتوقف معنى الآية على ذلك وبالنسبة للأحاديث فقد اقتصرت على الصحيح والحسن منها دون غيرهما، ولذا لم أعزها إلى مصادرها إلا نادراً.
٩- خلو هذا التفسير من ذكر الأقوال وإن كثرت والالتزام بالمعنى الراجح والذي عليه جمهور المفسرين من السلف الصالح. حتى إن القارئ لا يفهم أن هناك معنىً غير الذي فهم من كلام ربه تعالى، وهذه ميزة جليلة وذلك لحاجة جميع المسلمين على فكر إسلامي موحد صائب سليم.
١٠- التزمت في هذا التفسير بالخطة التي مثلتها هذه المميزات رجاء أن يسهل على المسلمين تناول كتاب الله دراسة وتطبيقاً وعملاً لا هم لهم إلا مرضاة الله بفهم كلامه والعمل به، والحياة عليه عقيدة وعبادة وخلقاً وأدباً وقضاء وحكماً، فلذا أخليته من كل ما من شأنه أن يشتت الذهن، أو يصرف عن العمل إلى القول والجدل.
стр. 4
ولذا فقد جعلت الكتاب دروساً منظمة متسقة فقد أجعل الآية الواحدة درساً فأشرح كلماتها، ثم أبين معناها، ثم أذكر هدايتها المقصودة منها للاعتقاد والعمل.
وقد أجعل الآيتين درساً، والثلاث آيات والأربع والخمس ولا أزيد على الخمس إلا نادراً، وذلك طلبا لوحدة الموضوع وارتباط المعنى به.
وقد جعلت الآيات مشكولة على قراءة حفص وبخط المصحف وإني أطالب المسلم أن يقرأ أولاً الآيات حتى يحفظها، فإذا حفظها درس كلماتها حتى يفهمها، ثم يدرس معناها حتى يعيه، ثم يقرأ هدايتها للعمل بها. فيجمع بين حفظ كتاب الله تعالى وفهمه والعمل به، وبذلك يسود ويكمل ويسعد إن شاء الله تعالى. وقد جاء في الحديث١ "أن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع آخرين" فمن قراه بحسن نية فحفظه وفهمه وعمل به وعلمه فقد يدعى في السماء عظيماً، وفي الحديث الصحيح: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". اللهم اجعلني وسائر المؤمنين ممن يفوزون بهذه الخيرية فيتعلمون كتابك ويعملون به ويعلمونه يا حيِّ يا قيوم.
وأخيراً أطالب كل مؤمن ومؤمنة يقرأ تفسيري هذا المسمى: بأيسر التفاسير لكلام الله العلي الكبير أن يستغفر لي ويترحم عليَّ هذا حقي عليه اللهم وفقه لأدائه واغفر لي وله وارحمني وإياه وسائر المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتبه الراجي عفو ربه ورضوانه
أبو بكر الجزائري
المدينة المنورة ١٧ رمضان ١٤٠٦هـ.
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثالثة
الحمد لله ذي الفضل والإنعام، والصلاة والسلام على محمد خير الأنام، وآله الأماجد وصحبه الكرام، وبعد: فإنه نظراً إلى حاجة طلبة العلم إلى المزيد من المعرفة وكان "أيسر التفاسير"قد وُضِعَ وضعاً خاصاً، إذ الباعث عليه كان تقريب معاني كتاب الله تعالى إلى أفهام عامة المسلمين، وتجلية الأحكام الشرعية لهم ليعبدوا ربهم باعتقاد الحق، وبالعمل بما شرُع دون ما ابتُدع مُزكّين نفوسهم بذلك مكملين آدابهم مهذبين أخلاقهم بما أودع الله ﷻ كتابه من مناهج التربية الروحية والأخلاقية والآداب النفسية، وهو ما صرحت به أم المؤمنين عائشة ﵂، وقد سئلت عن خلق النبي ﷺ فقالت: " كان خلقه القرآن". إذ لم يقل الله تعالى -فيما علمنا- في كتاب من كتبه ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ إلا في القرآن الكريم، ومرة أخرى أقول: إنه نظراً إلى حاجة طلبة العلم إلى المزيد من المعرفة وضعت هذه الحاشية التي هي أشبهُ بتعليق على "أيسر التفاسير" وأسميتها (نهر الخير) أودعت فيها مع مراعاة الاختصار بعض ما يرغب طالب العلم في معرفته والحصول عليه من شاهد لغة، أو بيان، أو أثر جميل، أو مستند حديث جليل، أو كشف عن وجه لآية ذات وجوه، أو الوقوف على سر من أسرار القرآن أو عجيبة من عجائب القرآن، التي لا تنقضي بمرور الزمان، ولا تنتهي بتعاقب الملوان. وأهم من ذلك تصويب رأي، أو تصحيح خطأ وقعا في التفسير، مع إزالة إبهام، أو إضافة بعض الأحكام.
والله تعالى أسأل أن يكون عملي فيه صالحاً، ولوجهه خالصاً، وأن ينفع بنهر الخير كما نفع بأيسر التفاسير إنه بر رحيم وعلى كل شيء قدير.
أبو بكر الجزائري
стр. 6
الجزء الأول
سورة الفاتحة
وهي مكية وآياتها١ سبع
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧) ﴾
شرح الكلمات:
التفسير٢: لغة الشرح والبيان. واصطلاحاً: شرح كلام الله ليُفهم مُرادُه تعالى منه فيطاع في أمره ونهيه، ويؤخذ بهدايته وإرشاده. ويُعتبر بقصصه، ويتعظ بمواعظه.
السورة: السورة٣ قطعة من كتاب الله تشتمل على ثلاث آيات فأكثر. وسور القرآن الكريم مائة وأربع عشرة سورة أطولها "البقرة"٤ وأقصرها "الكوثر".
الفاتحة: فاتحة لكل شيء بدايته. وفاتحة القرآن الكريم الحمد لله رب العالمين
стр. 7
ولذا سميت الفاتحة. ولها أسماء١ كثيرة منها أم القرآن. والسبع٢ المثاني. وأم الكتاب٣، والصلاة -.
مكية: المكي من السور: ما نزل بمكة، والمدني منه ما نزل بالمدينة. والسور المكية غالبها يدور على بيان العقيدة وتقريرها والاحتجاج بها وضرب المثل لبيانها وتثبيتها. وأعظم أركان العقيدة: توحيد الله تعالى في عبادته، وإثبات نبوة رسول الله ﷺ ، وتقرير مبدأ المعاد والدار الآخرة. والسور المدنية يكثر فيها التشريع وبيان الأحكام من حلال وحرام.
الآيات: جمع آية وهي لغةً: العلامة. وفي القرآن: جملة من كلام الله تعالى تحمل الهدي للناس بدلالتها على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه، وعلى نبوة محمد ﷺ ورسالته. وآيات القرآن الكريم ست آلاف ومائتا آية وزيادة٤. وآيات الفاتحة سبع٥ بدون البسملة.
الاستعاذة٦
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
شرح الكلمات:
الاستعاذة: قول العبد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
أعوذ: أستجير وأتحصن
بالله: برب كل شيء والقادر على كل شيء والعليم بكل شيء وإله الأولين والآخرين.
стр. 8
الشيطان: إبليس لعنه الله
الرجيم: المرجوم المبعد المطرود من كل رحمة وخير.
معنى الاستعاذة: أستجير وأتحصن بالله ربي من الشيطان الرجيم أن يلبس علّي قراءتي. أو يضلني فأهلك وأشقى.
حكم الاستعاذة: يسن ١ لكل من يريد قراءة شيء من القرآن سورة فأكثر أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يقرأ. كما يستحب لمن غضب، أو خطر بباله خاطر سوء أن يستعيذ كذلك.
البسملة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١) ﴾
البسملة: قول العبد: بسم الله الرحمن الرحيم
الاسم: لفظ جُعل علامة على مُسَمَّى يعرف به ويتميز عن غيره.
الله٢: اسم علم على ذات الرب ﵎ يُعرف به.
الرَّحْمَنِ ٣: اسم من أسماء الله تعالى مشتق من الرحمة دال على كثرتها فيه تعالى.
الرَّحِيمِ: اسم وصفة لله تعالى مشتق من الرحمة ومعناه ذو الرحمة بعباده المفيضة عليهم في الدنيا والآخرة.
معنى البسملة: ابتدئ٤ قراءتي متبركاً باسم الله الرحمن الرحيم مستعيناً به .
стр. 9
حكم البسملة:
مشروع للعبد مطلوب منه أن يُبسمل عند قراءة كل سورة من كتاب الله تعالى إلا عند قراءة سورة التوبة فإنه لاييسمل وإن كان في الصلاة المفروضة يبسمل سراً إن كانت الصلاة جهرية.
ويسن للعبد أن يقول باسم الله١. عند الأكل والشرب، ولبس الثوب، وعند دخول المسجد والخروج منه، وعند الركوب، وعند كل أمر٢ ذي بال.
كما يجب عليه أن يقول بسم الله والله أكبر عند الذبح والنحر.
﴿الْحَمْدُ٣ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) ﴾
شرح الكلمات:
﴿الْحَمْدُ﴾ : الوصف بالجميل، والثناء به على المحمود ذي الفضائل والفواضل، كالمدح٤، والشكر٥.
﴿لِلَّهِ﴾ : اللام حرف جر ومعناها الاستحقاق أي: أن الله مستحق لجميع المحامد والله علم على ذات الرب ﵎.
الرب: السيد المالك المصلح المعبود٦ بحق ﷻ .
﴿الْعَالَمِينَ﴾ : جمع عالم وهو كل ما سوى الله تعالى، كعالم الملائكة، وعالم الجن، وعالم الإنس، وعالم الحيوان، وعالم النبات.
стр. 10
معنى الآية: يخبر تعالى أن جميع أنواع المحامد من صفات الجلال والكمال هي له وحده دون من سواه؛ إذ هو رب كل شيء وخالقه ومالكه.
وأن علينا١ أن نحمده ونثني عليه بذلك.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (٣) ﴾
تقدم شرح هاتين الكلمتين في البسملة. وأنهما اسمان وصف بهما اسم الجلالة "الله" في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثناء على الله تعالى لاستحقاقه الحمد كله.
﴿مَالِكِ٢ يَوْمِ الدِّينِ (٤) ﴾
شرح الكلمات:
﴿مَالِكِ﴾ : المالك: صاحب الملك المتصرف كيف يشاء.
﴿ملك﴾ : الملك ذو السلطان الآمر الناهي المعطي المانع بلا ممانع ولا منازع.
﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ : يوم الجزاء٣ وهو يوم القيامة حيث يجزي الله كل نفس ما كسبت.
معنى الآية: تمجيد لله تعالى بأنه المالك لكل ما في يوم القيامة حيث لا تملك نفس لنفس شيئاً والملك الذي لا مَلِكَ يوم القيامة سواه.
стр. 11
هداية الآيات:
في هذه الآيات الثلاث من الهداية ما يلي:
١- أن الله تعالى يحب١ الحمد، فلذا حمد تعالى نفسه وأمر عباده به.
٢- أن المدح يكون لمقتضٍ. وإلا فهو باطل وزور، فالله تعالى لما حمد نفسه ذكر مقتضى الحمد وهو كونه رب العالمين والرحمن الرحيم ومالك يوم الدين.
﴿إِيَّاكَ٢ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ﴾
شرح الكلمات:
﴿إِيَّاكَ﴾ : ضمير نصب يخاطب به الواحد.
﴿نَعْبُدُ٣﴾ : نطيع مع غاية الذل لك والتعظيم والحب.
﴿نَسْتَعِينُ﴾ : نطلب عونك لنا على طاعتك٤.
معنى الآية:
علَّمنا الله تعالى كيف نتوسل إليه في قبول دعائنا فقال: احمدوا الله واثنوا عليه ومجدوه، والتزموا له بأن تعبدوه وحده ولا تشركوا به وتستعينوه ولا تستعينوا بغيره.
هداية الآية:
من هداية هذه الآية ما يلي:
١- آداب الدعاء٥ حيث يقدم السائل بين يدي دعائه حمد الله والثناء عليه وتمجيده. وزادت
стр. 12
السنة الصلاة على النبي ﷺ ، ثم يسأل حاجته فإنه يستجاب١ له.
٢- أن لا يعبد غير ربه. وأن لا يستعينه إلا هو .
﴿اهْدِنَا٢ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) ﴾
شرح الكلمات:
﴿اهْدِنَا﴾ : أرشدنا وأدم هدايتنا.
﴿الصِّرَاطَ﴾ : الطريق الموصل إلى رضاك وجنتك وهو الإسلام لك.
﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ : الذي لا ميل فيه عن الحق ولا زيغ عن الهدى.
معنى الآية:
بتعليم من الله تعالى يقول العبد في جملة إخوانه المؤمنين سائلاً ربه بعد أن توسل إليه بحمده والثناء عليه وتمجيده، ومعاهدته أن لا يعبد هو وإخوانه المؤمنون إلا هو، وأن لا يستعينوا إلا به. يسألونه أن يُديم هدايتهم٣ للإسلام حتى لا ينقطعوا عنه.
من هداية الآية:
الترغيب في دعاء الله والتضرع إليه، وفي الحديث: "الدعاء٤ هو العبادة".
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (٦) ﴾
شرح الكلمات:
﴿الصِّرَاطَ﴾ : تقدم بيانه.
﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ : هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون٥، وكل من أنعم الله
стр. 13
عليهم بالإيمان به تعالى ومعرفته، ومعرفة محابه، ومساخطه، والتوفيق لفعل المحاب وترك المكاره.
معنى الآية:
لما سأل المؤمن له ولإخوانه الهداية إلى الصراط المستقيم، وكان الصراط مجملاً بينه بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ، وهو المنهج القويم المفضي بالعبد إلى رضوان الله تعالى والجنة، وهو الإسلام القائم على الإيمان والعمل مع اجتناب الشرك١ والمعاصي.
هداية الآية:
من هداية الآية بما يلي:
١- الاعتراف بالنعمة.
٢- طلب حسن القدوة.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧) ﴾
شرح الكلمات:
﴿غَيْرِ﴾ : لفظ يستثنى٢ به كإلاّ.
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: من غضب الله تعالى عليهم لكفرهم وافسادهم في الأرض؛ كاليهود.
الضَّالِّينَ: من أخطأوا طريق الحق فعبدوا٣ الله بما لم يشرعه؛ كالنصارى.
стр. 14
معنى الآية:
لما سأل المؤمن ربَّه الصراط المستقيم، وبينه بأنه صراط من أنعم عليهم بنعمة الإيمان١ والعلم والعمل. ومبالغة في طلب الهداية إلى الحق، وخوفاً من الغواية استثنى كلاً من طريق المغضوب عليهم، والضالين.
هداية الآية:
من هداية الآية:
الترغيب في سلوك سبيل الصالحين، والترهيب من سلوك سبيل الغاوين.
[تنبيه أول] : كلمة: آمين ليست من الفاتحة. ويستحب أن يقولها الإمام إذا قرأ الفاتحة يمد بها صوته ويقولها المأموم، والمنفرد كذلك لقول الرسول ﷺ : "إذا أمن الإمام فأمنوا". أي: قولوا آمين بمعنى: الله استجب دعاءنا، ويستحب الجهر بها؛ لحديث ابن ماجة: كان النبي ﷺ إذا قال::" ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ . قال آمين حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد".
[تنبيه ثان] : قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة من الصلاة، أما المنفرد والإمام فلا خلاف في ذلك، وأما المأموم فإن الجمهور من الفقهاء على أنه يسن له قراءتها في السرية دون الجهرية لحديث: "من كان له إمام فقراءة ٢ الإمام له قراءة"، ويكون مخصصاً لعموم حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
стр. 15
سورة البقرة ١
مدنية وآياتها مائتان وست أو سبع وثمانون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ٢ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (٥) ﴾ َ
(١) ﴿الم﴾
شرح الكلمات:
﴿الم﴾ : هذه من الحروف المقطعة تكتب الم. وتقرأ هكذا:
ألف لام ميم. والسور المفتتحة بالحروف المقطعة تسع وعشرون سورة أولها البقرة هذه، وآخرها القلم ﴿ن﴾ ومنها الأحادية مثل: ﴿ص﴾ ، و ﴿ق﴾ ، و ﴿ن﴾ ، ومنها الثنائية مثل: ﴿طه﴾ ، و ﴿يس﴾ ، و ﴿حم﴾ ، ومنها الثلاثية والرباعية والخماسية، ولم يثبت في تفسيرها عن النبي ﷺ شيء كونها من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه أقرب إلى الصواب، ولذا يقال
стр. 16
فيها: ألمْ: الله أعلم١ بمراده ذلك.
وقد استخرج منها بعض أهل العلم فائدتين: الأولى: أنه لما كان المشركون يمنعون سماع٢ القرآن مخافة أن يؤثر في نفوس السامعين كان النطق بهذه الحروف حم. طس. ق. كهيعص. وهو منطق غريب عنهم يستميلهم إلى سماع القرآن، فيسمعون فيتأثرون وينجذبون فيؤمنون ويسمعون وكفى بهذه الفائدة من فائدة. والثانية: لما أنكر المشركون كون القرآن كلام الله أوحاه إلى رسوله محمد ﷺ كانت هذه الحروف بمثابة المتحدي لهم كأنها: أن هذا القرآن مؤلف من مثل هذه الحروف فألفوا أنتم مثله. ويشهد بهذه الفائدة ذكر لفظ القرآن بعدها غالباً نحو: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ، ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ ، كأنها تقول: إنه من مثل هذه الحروف تألف القرآن فألفوا أنتم نظيره فإن عجزوا فسلموا أنه كلام الله ووحيه وآمنوا به تفلحوا.
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)
شرح الكلمات:
﴿ذَلِكَ﴾ : هذا، وإنما عُدل عن لفظ هذا إلى ذلك. لما تفيده الإشارة بلام البعد٣ من علو المنزلة وارتفاع القدر والشأن.
﴿الْكِتَابُ٤﴾ : القرآن الكريم الذي يقرأه رسول الله ﷺ على الناس.
﴿لا رَيْبَ٥﴾ : لاشك أنه وحي الله وكلامه أوحاه إلى رسوله.
стр. 17
﴿فِيهِ هُدىً١﴾ : دلالة على الطريق الموصل إلى السعادة والكمال في الدارين.
﴿لِلْمُتَّقِينَ٢﴾ : المتقين أي: عذاب الله بطاعته بفعل أوامره واجتناب نواهيه
معنى الآية:
يخبر تعالى أن ما أنزله على عبده ورسوله من قرآن يمثل كتاباً فخماً عظيماً لا يحتمل الشك، ولا يتطرق إليه احتمال، كونه غير وحي الله وكتابه بحال، وذلك لإعجازه، وما يحمله من هدى ونور لأهل الإيمان والتقوى يهتدون بهما إلى سبيل السلام والسعادة والكمال.
هداية الآية:
من هداية الآية:
١- تقوية الإيمان بالله تعالى وكتابه ورسوله، الحث على طلب الهداية من الكتاب الكريم.
٢- بيان فضيلة التقوى وأهلها.
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون﴾ َ.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ .
أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ .
شرح الجمل:
﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ : يصدقون تصديقا جازماً بكل ما هو غيب٣ لا يدرك بالحواس كالرب ﵎ ذاتاً وصفاتٍ، والملائكة والبعث، والجنة ونعيمها والنار وعذابها.
﴿وَيُقِيمُونَ ٤ الصَّلاةَ ٥﴾ : يُديمون أداء الصلوات الخمس في أوقاتها مع مراعاة شرائطها وأركانها وسننها ونوافلها الراتبة وغيرها.
стр. 18
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ١ يُنْفِقُونَ﴾ : من بعض ما آتاهم الله من مال ينفقون وذلك بإخراجهم لزكاة أموالهم وبإنفاقهم على أنفسهم وأزواجهم وأولادهم ووالديهم وتصدقهم على الفقراء والمساكين.
﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾
: يصدقون بالوحي الذي أنزل إليك أيها الرسول وهو الكتاب والسنة.
﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ : ويصدقون بما انزل الله تعالى من كتب على الرسل من قبلك؛ كالتوراة والإنجيل والزبور.
﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ٢﴾ : وبالحياة في الدار الآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب هم عالمون متيقنون لا يشكون في شيء من ذلك ولا يرتابون لكامل إيمانهم وعظم اتقائهم.
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ : الإشارة إلى أصحاب الصفات الخمس السابقة والإخبار عنهم بأنهم بما هداهم الله تعالى إليه من الإيمان وصالح الأعمال هم متمكنون٣ من الاستقامة على منهج الله المفضي بهم إلى الفلاح.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ : الإشارة إلى أصحاب الهداية٤ الكاملة والإخبار عنهم بأنهم هم المفلحون٥ الجديرون بالفوز الذي هو دخول الجنة بعد النجاة من النار.
стр. 19
معنى الآيات:
ذكر تعالى في هذه الآيات الثلاث صفات المتقين من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والإيمان بما أنزل الله من كتب والإيمان بالدار الآخرة وأخبر عنهم بأنهم لذلك هم على أتم هداية من ربهم، وأنهم هم الفائزون في الدنيا بالطهر والطمأنينة وفي الآخرة بدخول الجنة بعد النجاة من النار.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
دعوة المؤمنين وترغيبهم في الاتصاف بصفات أهل الهداية والفلاح، ليسلكوا سلوكهم فيهتدوا ويفلحوا في دنياهم وأخراهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) ﴾
شرح الكلمات:
﴿كَفَرُوا﴾ : الكفر: لغة التغطية والجحود، وشرعاً: التكذيب١ بالله وبما جاءت به رسله عنه كلاً أو بعضاً.
﴿سَوَاءٌ ٢﴾ : بمعنى مُسْتَوٍ انذارهم وعدمه، إذ لا فائدة منه لحكم الله بعدم هدايتهم.
﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ : الإنذار التخويف بعاقبة الكفر والظلم والفساد.
стр. 20
﴿ختم١ الله﴾ : طبع، إذ الختم والطبع واحد وهو وضع الخاتم أو الطابع على الظرف حتى لا يعلم ما فيه، ولا يتوصل إليه فيبدل أو يغير.
الغشاوة: الغطاء يغشى به ما يراد منع وصول شيء إليه.
العذاب: الألم يزيل عذوبة الحياة ولذتها. مناسبة الآيتين لما قبلهما ومعناهما:
لما ذكر أهل الإيمان والتقوى والهداية والفلاح ذكر بعدهم أهل الكفر والضلال والخسران، فقال: [إن الذين كفروا] ٢ إلخ. فأخبر بعدم استعدادهم للإيمان حتى استوى إنذارهم٣ وعدمه وذلك لمضي سنة الله فيهم بالطبع على قلوبهم حتى لا تفقه، وعلى آذانهم٤ حتى لا تسمع، ويجعل الغشاوة على أعينهم حتى لا تبصر، وذلك نتيجة مكابرتهم وعنادهم وإصرارهم على الكفر. وبذلك استوجبوا العذاب العظيم فحكم به عليهم. وهذا حكم الله تعالى في أهل العناد والمكابرة والإصرار في كل زمان ومكان.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- بيان سنة الله تعالى في أهل العناد والمكابرة والإصرار بأن يحرمهم الله تعالى الهداية، وذلك بتعطيل حواسهم حتى لا ينتفعوا بها فلا يؤمنوا ولا يهتدوا.
٢- التحذير من الإصرار على الكفر والظلم والفساد الموجب للعذاب العظيم.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)
стр. 21
يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) ﴾
شرح الكلمات:
﴿وَمِنَ النَّاسِ١﴾ : من بعض الناس٢.
﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ٣﴾ : صدقنا بالله ربا وإلها لا إله غيره ولا رب سواه.
﴿وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ : صدقنا بالبعث والجزاء يوم القيامة.
﴿يُخَادِعُونَ٤ الله﴾ : بإظهارهم الإيمان وإخفائهم الكفر.
﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ٥﴾ : إذ عاقبة خداعهم تعود عليهم لا على الله ولا على رسوله ولا على المؤمنين.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ : لا يعلمون أن عاقبة خداعهم عائدة عليهم.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ : في قلوبهم شك ونفاق وألم الخوف من افتضاح أمرهم والضرب على أيديهم.
﴿فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً﴾ : شكاً ونفاقاً وألماً وخوفاً حسب سنة الله في أن السيئة لا تعقب إلا سيئة.
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ : موجع شديد الوقع على النفس. مناسبة الآية لما قبلها وبيان معناها:
لما ذكر تعالى المؤمنين الكاملين في إيمانهم وذكر مقابلهم وهم الكافرون البالغون في الكفر
стр. 22
منتهاه ذكر المنافقين وهم: المؤمنون في الظاهر الكافرون في الباطن، وهم شر من الكافرين البالغين في الكفر أشده.
أخبر تعالى أن فريقاً من الناس وهم المنافقون١ يدَّعون الإيمان بألسنتهم ويضمرون الكفر في قلوبهم يخادعون٢ الله والمؤمنين بهذا النفاق. ولما كانت عاقبة خداعهم عائدة عليهم. كانوا بذلك خادعين أنفسهم لا غيرهم ولكنهم لا يعلمون ذلك ولا يدرون به.
كما أخبر تعالى أن في قلوبهم مرضا وهو الشك والنفاق والخوف، وأنه زادهم مرضاً عقوبة لهم في الدنيا وتوعدهم بالعذاب الأليم في الآخرة بسبب كذبهم وكفرهم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
التحذير من الكذب والنفاق والخداع، وأن عاقبة الخداع تعود على صاحبها كما أن السيئة لا يتولد عنها إلا سيئة مثلها.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) ﴾
شرح الكلمات:
الفساد في الأرض: الكفر وارتكاب المعاصي فيها.
الإصلاح في الأرض: يكون بالإيمان الصحيح والعمل الصالح، وترك الشرك والمعاصي.
﴿لا يشعرون﴾ : لا يدرون ولا يعلمون.
﴿السفهاء﴾ : جمع سفيه: خفيف العقل لا يحسن التصرف والتدبير.
стр. 23
معنى الآيات:
يخبر تعالى عن المنافقين أنهم إذا١ قال لهم أحد المؤمنين لا تفسدوا٢ في الأرض بالنفاق وموالاة اليهود والكافرين ردوا عليه قائلين: إنما نحن٣ مصلحون في زعمهم، فأبطل الله تعالى هذا الزعم وقرر أنهم هم وحدهم المفسدون لا من عرضوا بهم من المؤمنين، إلا أنهم لا يعلمون ذلك لاستيلاء الكفر على قلوبهم. كما أخبر تعالى عنهم بأنهم إذا قال لهم أحد المؤمنين صدقوا في إيمانكم وآمنوا إيمان فلان وفلان مثل: عبد الله بن سلام. ردوا قائلين: أنؤمن٤ إيمان السفهاء الذين لا رشد لهم ولا بصيرة٥ فرد الله تعالى عليهم دعواهم وأثبت السفه لهم ونفاه عن المؤمنين الصادقين ووصفهم بالجهل وعدم العلم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- ذم الادعاء الكاذب وهو لا يكون غالباً إلا من صفات المنافقين.
٢- الإصلاح في الأرض يكون بالعمل بطاعة الله ورسوله، والإفساد فيها يكون بمعصية الله ورسوله ﷺ .
العاملون بالفساد في الأرض يبررون دائماً إفسادهم بأنه إصلاح وليس بإفساد.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) ﴾
стр. 24
شرح الكلمات:
﴿لَقُوا ١﴾ : اللقاء: والملاقاة: المواجهة وجهاً لوجه.
﴿آمَنُوا﴾ : الإيمان الشرعي: التصديق بالله وبكل ما جاء به رسول الله عن الله، وأهله هم المؤمنون بحق.
﴿خَلَوْا﴾ : الخلو بالشيء٢: الانفراد به.
﴿شَيَاطِينِهِمْ٣﴾ : الشيطان كل بعيد عن الخير قريب من الشر يفسد ولا يصلح من إنسان أو جان، والمراد بهم هنا رؤساؤهم في الشر والفساد.
﴿مُسْتَهْزِئُونَ٤﴾ : الاستهزاء: الاستخفاف والاستسخار بالمرء.
الطغيان: مجاوزة الحد في الأمر والإسراف فيه.
العَمَه٥: للقلب؛ كالعمى للبصر: عدم الرؤية وما ينتج عنه من الحيرة والضلال.
﴿اشْتَرَوُا٦﴾ : استبدلوا بالهدى الضلالة، أي: تركوا الإيمان وأخذوا الكفر.
﴿تِجَارَتُهُمْ﴾ : التجارة: دفع رأس مال لشراء ما يربح إذا باعه، والمنافقون هنا دفعوا رأس مالهم وهو الإيمان لشراء الكفر آملين أن يربحوا عزاً وغنى في الدنيا فخسروا ولم يربحوا إذ ذُلوا وعُذبوا وافتقروا بكفرهم.
المهتدي: السالك سبيلاً قاصدة تصل به إلى ما يريده في أقرب وقت وبلا عناء، والضال خلاف المهتدي: وهو السالك سبيلاً غير قاصدة فلا تصل به إلى مراده حتى يهلك قبل الوصول.
стр. 25
معنى الآيات:
ما زالت الآيات تخبر عن المنافقين وتصف أحوالهم إذ أخبر تعالى عنهم في الآية الأولى (١٤) أنهم لنفاقهم وخبثهم إذا لقوا الذين آمنوا في مكان ما أخبروهم بأنهم مؤمنون بالله والرسول وما جاء به من الدين، وإذا انفردوا برؤسائهم في الفتنة والضلالة فلاموهم عما ادّعوه من الإيمان، قالوا لهم: إنا معكم على دينكم وما آمنا أبداً. وإنما أظهرنا الإيمان استهزاء وسخرية بمحمد وأصحابه.
كما أخبر في الآية الثانية (١٥) أنه تعالى يستهزئ بهم معاملة لهم بالمثل جزاء وفاقاً ويزيدهم١ حسب سنته في أن السيئة تلد سيئة في طغيانهم لتزداد حيرتهم واضطراب نفوسهم وضلال عقولهم. كما أخبر في الآية (١٦) أن أولئك البعداء في الضلال قد استبدلوا الإيمان بالكفر والإخلاص بالنفاق، فلذلك لا تربح تجارتهم٢ ولا يهتدون إلى سبيل ربح أو نُجح محال.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- التنديد بالمنافقين والتحذير من سلوكهم في ملاقاتهم هذا بوجه وهذا بوجه آخر وفي الحديث: "شراركم ذو الوجهين"٣.
٢- إن من الناس٤ شياطين يدعون إلى الكفر والمعاصي٥، ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
٣- بيان نقم الله، وإنزالها بأعدائه .
стр. 26
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُون (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) ﴾
شرح الكلمات:
﴿مَثَلُهُمْ ١﴾ : صفتهم٢ وحالهم.
﴿اسْتَوْقَدَ﴾ : أوقد ناراً.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ : لا يسمعون ولا ينطقون ولا يبصرون.
الصيب: المطر.
الظلمات: ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر.
الرعد: الصوت القاصف يُسمع٣ حال تراكم السحاب ونزول المطر.
البرق: ما يلمع من نور حال تراكم السحاب ونزول المطر.
﴿الصَّوَاعِقِ﴾ : جمع صاعقة: نار هائلة تنزل أثناء قصف الرعد ولمعان البرق يصيب الله تعالى بها من يشاء.
стр. 27
﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ : توقيا للموت.
﴿مُحِيطٌ﴾ : المحيط المكتنف للشيء من جميع جهاته.
﴿يَكَادُ﴾ : يقرب.
﴿يَخْطَفُ﴾ : يأخذه بسرعة.
﴿وَأَبْصَارِهِمْ﴾ : جمع بصر وهو العين المبصرة. معنى الآيات:
مثل١ هؤلاء المنافقين فيما يظهرون من الإيمان مع ما هم مبطنون من الكفر كمثل٢ من أوقد ناراً للاستضاءة بها فلما أضاءت لهم ما حولهم وانتفعوا بها أدنى انتفاع ذهب الله بنورهم٣ وتركهم في ظلمات لا يبصرون. لأنهم بإيمانهم الظاهر صانوا دماءهم وأموالهم ونساءهم وذراريهم من القتل والسبي، وبما يضمرون من الكفر إذا ماتوا عليه يدخلون النار فيخسرون كل شيء حتى أنفسهم. هذا المثل تضمنته الآية الأولى (١٧) ، وأما الآية الثاني (١٨) فهي إخبار عن أولئك٤ المنافقين بأنهم قد فقدوا كل استعداد للاهتداء فلا آذانهم تسمع صوت الحق ولا ألسنتهم تنطق به، ولا أعينهم تبصر آثاره، وذلك لتوغلهم في الفساد. فلذا هم لا يرجعون عن الكفر إلى الإيمان بحال من الأحوال. وأما الآية الثالثة والرابعة (١٩)(٢٠) فهما تتضمنان مثلاً آخر لهؤلاء المنافقين. وصورة المثل العجيبة والمنطقية على حالهم هي مطر٥
стр. 28
غزير في ظلمات مصحوب برعد قاصف وبرق خاطف، وهم في وسطه مذعورون خائفون يسدون آذانهم بأنامل أصابعهم حتى لا يسمعوا صوت الصواعق حذراً أن تنخلع قلوبهم فيموتوا، ولم يحذروا مفراً ولا مهرباً لأن الله تعالى محيط بهم هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن البرق لشدته وسرعته يكاد يخطف أبصارهم فيعمون، فإذا أضاء لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه، وإذا انقطع ضوء البرق وقفوا حيارى خائفين، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . هذه حال أولئك المنافقين، والقرآن ينزل بذكر الكفر، وهو: ظلمات، وبذكر الوعيد، وهو: كالصواعق والرعد، وبالحجج والبينات، وهي: كالبرق في قوة الإضاءة، وهم خائفون أن ينزل القرآن بكشفهم وإزاحة الستار عنهم فيؤخذوا، فإذا نزل بآية لا تشير إليهم ولا تتعرض بهم مشوا في إيمانهم الظاهر. وإذا نزل بآية فيها التنديد بباطلهم وما هم عليه وقفوا حائرين لا يتقدمون ولا يتأخرون، ولو شاء الله أخذ أسماعهم وأبصارهم لفعل؛ لأنهم لذلك أهل وهو على كل شيء قدير١.
هداية الآيات
من هداية الآيات ما يلي:
١- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان.
٢- خيبة سعي أهل الباطل وسوء عاقبة أمرهم.
٣- القرآن تحيا به القلوب كما تحيا الأرض بماء المطر.
٤- شر الكفار المنافقون.
﴿يَا أَيُّهَا٢ النَّاسُ اعْبُدُوا٣ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
стр. 29
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ١ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ٢ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً٣ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) ﴾
شرح الكلمات:
﴿النَّاسُ﴾ : لفظ جمع لا مفرد له من لفظه، واحده إنسان.
﴿اعْبُدُوا﴾ : أطيعوا بالإيمان والامتثال للأمر والنهي مع غاية الحب لله والتعظيم.
﴿رَبَّكُمُ﴾ : خالقكم ومالك أمركم وإلهكم الحق.
﴿خَلَقَكُمْ﴾ : أوجدكم من العدم بتقدير عظيم
﴿تَتَّقُونَ﴾ : تتخذون وقاية تحفظكم من عذاب الله، وذلك بالإيمان والعمل الصالح بعد ترك الشرك والمعاصي.
﴿فِرَاشاً﴾ : وطاء للجلوس عليها والنوم فوقها.
﴿بِنَاءً﴾ : مبنية؛ كقبة فوقكم.
﴿الثَّمَرَاتِ﴾ : جمع ثمرة٤ وهو ما تخرجه الأرض من حبوب وخضر وتخرجه الأشجار من فواكه.
﴿رِزْقاً لَكُمْ﴾ : قوتاً لكم تقتاتون به فتحفظ حياتكم إلى أجلها.
стр. 30
أنداداً: جمع ندّ: النظير والمثيل تعبدونه دون الله أو مع الله تضادون به الرب ﵎.
المناسبة ومعنى الآيتين:
وجه المناسبة: أنه تعالى لما ذكر المؤمنين المفلحين والكافرين الخاسرين ذكر المنافقين وهم بين المؤمنين الصادقين والكافرين الخاسرين، ثم على طريقة الالتفات نادى الجميع بعنوان الناس ليكون نداء عاماً للبشرية جمعاء في كل مكان وزمان وأمرهم بعبادته ليقوا أنفسهم من الخسران. معرفاً لهم نفسه ليعرفوه بصفات الجلال والكمال فيكون ذلك أدعى لاستجابتهم له فيعبدونه عبادة تنجيهم من عذابه وتكسبهم رضاه وجنته، وختم نداءه لهم بتنبيههم عن اتخاذ شركاء له يعبدونهم معه مع علمهم١ أنهم لا يستحقون العبادة لعجزهم عن نفعهم أو ضرهم.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- وجوب عبادة الله تعالى، إذ هي٢ علة الحياة كلها.
٢- وجوب معرفة٣ الله تعالى بأسمائه وصفاته.
٣- تحريم الشرك صغيره وكبيره ظاهره وخفيه.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا٤ شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ
стр. 31
إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) ﴾
شرح الكلمات:
الريب: الشك مع اضطراب النفس وقلقها.
﴿عَبْدِنَا ١﴾ : محمد ﷺ .
﴿مِّنْ مِثْلِهِ﴾ : مثل القرآن ومثل محمد في أميته.
﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾ : أنصاركم. وآلهتكم التي تدعون أنها تشهد لكم عند الله وتشفع.
﴿وَقُودُهَا﴾ : ما تتقد به وتشتعل وهو: الكفار والأصنام المعبودة مع الله .
﴿أُعِدَّتْ﴾ : هيئت وأحضرت.
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ : الجاحدين لحق الله تعالى في العبادة له وحده المكذبين برسوله وشرعه.
مناسبة الآية ومعناها:
لما قرر تعالى في الآية السابقة أصل الدين وهو: التوحيد الذي هو عبادة الله تعالى وحده قرر في هذه الآية أصل الدين الثاني وهو: نبوة رسوله محمد ﷺ ، وذلك من طريق برهاني وهو: إن كنتم في شك من القرآن الذي أنزلناه على عبدنا رسولنا محمد فأتوا بسورة من مثل سوره أو من رجل أمي مثل عبدنا في أميته، فإن لم تأتوا لعجزكم فقوا أنفسكم من النار بالإيمان بالوحي الإلهي وعبادة الله تعالى بما شرع فيه.
هداية الآية:
من هداية الآية:
١- تقرير نبوة رسول الله ﷺ بإثبات نزول القرآن عليه.
٢- تأكد عجز البشر عن الإتيان بسورة مثل سور القرآن الكريم لمرور ألف سنة وأربعمائة
стр. 32
وست سنين والتحدي قائم ولم يأتوا بسورة مثل سور القرآن، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ .
٣- النار تتقى بالإيمان والعمل الصالح، وفي الحديث الصحيح: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" ١.
﴿وَبَشِّرِ٢ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥) ﴾
شرح الكلمات:
﴿وَبَشِّرِ ٣﴾ : التبشير: الإخبار السار، وذلك يكون بالمحبوب للنفس.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ : تجري الأنهار من خلال أشجارها وقصورها والأنهار هي: أنهار الماء وأنهار اللبن وأنهار الخمر وأنهار العسل٤.
﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ : أعطوا الثمار وقُدم لهم يشبه بعضه بعضاً في اللون مختلف في الطعم.
﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ : من دم الحيض٥ والنفاس وسائر المعائب والنقائص.
﴿خَالِدُونَ﴾ : باقون فيها لا يخرجون منها أبداً.
المناسبة والمعنى:
لما ذكر تعالى النار وأهلها ناسب أن يذكر الجنة وأهلها ليتم الترهيب والترغيب وهما أداة الهداية والإصلاح.
في هذه الآية الكريمة أمر الله تعالى رسوله أن يبشر المؤمنين المستقيمين بما رزقهم من جنات تجري من تحتها الأنهار٦ لهم فيها أزواج مطهرات نقيات من كل أذى وقذر وهم فيها
стр. 33
خالدون. كما أخبر عنهم بأنهم إذا قُدم لهم أنواع الثمار المختلفة قالوا هذا الذي رزقنا مثله في الدنيا. كما أخبر تعالى أنهم أوتوه متشابهاً في اللون غير متشابه في الطعم زيادة في حسنه وكماله. وعظيم الالتذاذ به.
هداية الآية:
من هداية الآية:
١- فضل الإيمان والعمل الصالح إذ بهما١ كان النعيم المذكور في الآية لأصحابهما.
٢- تشويق المؤمنين إلى دار السلام٢، وما فيها من نعيم مقيم ليزدادوا رغبة فيها وعملاً لها. بفعل الخيرات وترك المنكرات.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) ﴾
شرح الكلمات:
﴿لا يستحيي٣﴾ : لا يمنعه الحياء٤ من ضرب الأمثال، وإن صغرت؛ كالبعوضة، أو أصغر منها؛ كجناحها.
стр. 34
﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ : أن يجعل شيئاً مثلاً لآخر يكشف عن صفته وحاله في القبح أو الحسن.
﴿مَا بَعُوضَةً﴾ : ما: نكرة بمعنى: شيء. أي شيء كان يجعله مثلاً، أو زائدة. وبعوضة المفعول الثاني. والبعوضة: واحدة البعوض، وهو صغار البق.
﴿الْحَقُّ﴾ : الواجب الثبوت الذي يحيل العقل عدم وجوده.
﴿الْفَاسِقِينَ﴾ : الفسق الخروج عن الطاعة، والفاسقون: هم التاركون لأمر الله تعالى بالإيمان والعمل الصالح، وبترك الشرك والمعاصي.
﴿يَنْقُضُونَ﴾ : النقض: الحل بعد الإبرام.
﴿عَهْدَ اللهِ﴾ : ما عهد به إلى الناس من الإيمان والطاعة له ولرسوله ﷺ .
﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ : من بعد إبرامه وتوثيقه بالحلف أو الإشهاد عليه.
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ : من إدامة الإيمان والتوحيد والطاعة وصلة الأرحام.
﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ : الإفساد في الأرض يكون بالكفر وارتكاب المعاصي.
﴿الْخَاسِرُونَ﴾ : الكاملون في الخسران بحيث يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
سبب النزول والمعاني:
لما ضرب الله تعالى المثلين السابقين الناري والمائي١ قال المنافقون: الله أعلى وأجل أن يضرب هذا المثل. فأنزل الله تعالى رداً عليهم قوله ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ الآية.
فأخبر تعالى أنه لا يمنعه الاستحياء أن يجعل مثلاً بعوضة٢ فما دونها٣ فضلاً عما هو أكبر٤. وإن الناس حيال ما يضرب الله من أمثال، قسمان: مؤمنون: فيعلمون أنه الحق من ربهم. وكافرون: فينكرونها، ويقولون؛ كالمعترضين: ماذا أراد الله بهذا مثلاً!؟.
كما أخبر تعالى أن ما يضرب من مثل يهدي به كثيراً من الناس ويضل به كثيراً، وأنه لا يضل به إلا الفاسقين الذين وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ
стр. 35
وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ . وحكم عليهم بالخسران التام يوم القيامة فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ .
هداية الآيتين
من هداية الآيتين ما يلي:
١- أن الحياء لا ينبغي أن يمنع فعل المعروف وقوله والأمر به.
٢- يستحسن ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان.
٣- إذا أنزل الله خبراً من هدى وغيره، يزداد به المؤمنون هدى وخيراً، ويزداد به الكافرون ضلالاً وشراً، وذلك لاستعداد الفريقين النفسي المختلف١.
٤- التحذير من الفسق٢ وما يستتبعه من نقض العهد، وقطع الخير، ومنع المعروف.
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) ﴾
شرح الكلمات:
﴿كَيْفَ ٣ تَكْفُرُونَ بِاللهِ﴾ : الاستفهام هنا للتعجب مع التقريع والتوبيخ، لعدم وجود مقتض للكفر.
﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ : هذا برهان على بطلان كفرهم، إذ كيف يكفر العبد ربه وهو الذي خلقه بعد أن لم يك شيئاً.
стр. 36
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ : إن إماتة الحي وإحياء الميت كلاهما دال على وجود الرب تعالى وقدرته.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ : يريد بعد الحياة الثانية وهو البعث الآخر.
﴿خَلَقَ لَكُمْ ١ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ : أي أوجد ما أوجده من خيرات الأرض كل ذلك لأجلكم كي تنتفعوا به في حياتكم.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى ٢ إِلَى السَّمَاءِ﴾ : علا وارتفع قهراً لها فكونها سبع سماوات.
﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ أتم خلقهن سبع سماوات تامات.
﴿وَهُوَ ٣ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ : إخبار بإحاطة علمه تعالى بكل شيء، وتدليل على قدرته وعلمه ووجوب عبادته.
معنى الآيتين:
ما زال الخطاب مع الكافرين الذين سبق وصفهم بأخس الصفات وأسوأ الأحوال، حيث قال لهم على طريقة الالتفات موبخاً مقرعاً: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية.
وذكر من أدلة وجوده وكرمه. ما يصبح الكفر به من أقبح الأمور وصاحبه من أحط الخلائق وأسوأهم حالاً ومآلاً. فمن أدلة وجوده الإحياء بعد الموت والإماتة بعد الإحياء. ومن أدلة كرمه وقدرته أن خلق الناس في الأرض جميعاً لتوقف حياتهم عليه وخلق السموات السبع، وهو مع ذلك كله محيط بكل شيء سبحانه لا إله إلا هو ولا رب سواه.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- إنكار الكفر بالله تعالى.
٢- إقامة البرهان على وجود الله وقدرته ورحمته.
стр. 37
٣- حلّية كل١ ما في الأرض من مطاعم ومشارب وملابس ومراكب إلا ما حرمه الدليل الخاص من الكتاب أو السنة لقوله: ﴿خَلَقَ٢ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ .
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا٣ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٠) ﴾
شرح الكلمات:
﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ : جمع ملاك ويخفف فيقال ملك، وهم خلق من عالم الغيب أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى خلقهم من نور٤.
﴿الخليفة٥﴾ : من يخلف غيره، والمراد به هنا آدم ﵇.
﴿يُفْسِدُ فِيهَا﴾ : الإفساد في الأرض يكون بالكفر وارتكاب المعاصي.
﴿وَيَسْفِكُ ٦﴾ : يسيل الدماء بالقتل والجرح.
﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ : نقول سبحان الله وبحمده. والتسبيح: التنزيه عما لا يليق بالله تعالى.
﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ : فننزهك عما لا يليق بك. والتقديس: التطهير والبعد عما لا ينبغي. واللام في لك زائدة لتقوية المعنى إذ فعل قدس يتعدى بنفسه يقال قدّسَه.
стр. 38
معنى الآية:
يأمر تعالى رسوله أن يذكر قوله للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة يخلفه في إجراء أحكامه في الأرض، وإن الملائكة تساءلت١ متخوفة من أن يكون هذا الخليفة ممن يسفك الدماء ويفسد في الأرض بالكفر والمعاصي قياساً على خلق من الجن حصل منهم ما تخوفوه. فأعلمهم ربهم أنه يعلم من الحكم والمصالح ما لا يعلمون.
والمراد من هذا التذكير: المزيد من ذكر الأدلة الدالة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته الموجبة للإيمان به تعالى ولعبادته دون غيره.
هداية الآية:
من هداية الآية:
١- سؤال من لا يعلم غيره ممن يعلم.
٢- عدم انتهار السائل وإجابته أو صرفه بلطف.
٣- معرفة بدء الخلق.
٤- شرف آدم وفضله.
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) ﴾
стр. 39
شرح الكلمات:
﴿آدَمَ ١﴾ : نبي الله أبو البشر ﵇.
﴿الأَسْمَاءَ﴾ أسماء الأجناس كلها؛ كالماء والنبات والحيوان والإنسان.
﴿عَرَضَهُمْ﴾ : عرض المسميات أمامهم، ولما كان بينهم العقلاء غلب جانبهم، وإلا لقال عرضها.
﴿أَنْبِئُونِي﴾ : أخبروني.
﴿هَؤُلاءِ﴾ : المعرضين عليهم من سائر المخلوقات.
﴿سُبْحَانَكَ٢﴾ : تنزيهاً لك وتقديساً.
﴿غَيْبَ السَّمَاوَاتِ﴾ : ما غاب عن الأنظار في السموات والأرض.
﴿تُبْدُونَ﴾ تظهرون من قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ الآية.
﴿تَكْتُمُونَ﴾ : تبطنون وتخفون، يريد ما أضمره إبليس من مخالفة أمر الله تعالى وعدم طاعته.
﴿الْحَكِيمُ ٣﴾ : الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه، ولا يفعل ولا يترك إلا لحكمة.
معنى الآيات:
يخبر تعالى في معرض مظاهر قدرته وعلمه وحكمته الموجبة لعبادته دون سواه أنه علم آدم أسماء الموجودات٤ كلها، ثم عرض الموجودات على الملائكة وقال أنبوئني بأسماء هؤلاء إن
стр. 40
كنتم صادقين في دعوى أنكم أكرم المخلوقات وأعلمهم فعجزوا وأعلنوا اعترافهم بذلك، وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ، ثم قال تعالى لأدم: أنبئهم بأسماء تلك المخلوقات المعروضة فأنبأهم بأسمائهم واحداً واحداً حتى القصعة، والقُصَيْعة.. وهنا ظهر شرف آدم عليهم، وعتب عليهم ربهم بقوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ .
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان قدرة الله تعالى حيث علم آدم أسماء المخلوقات كلها فعلمها.
٢- شرف العلم وفضل العالم١ على الجاهل.
٣- فضيلة الاعتراف٢ بالعجز والقصور.
٤- جواز العتاب على من ادعى دعوى هو غير متأهل لها.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ٣ (٣٤) ﴾
شرح الكلمات:
﴿اسْجُدُوا﴾ : السجود٤: هو وضع الجبهة والأنف على الأرض، وقد يكون بانحناء الرأس دون وضعه على الأرض لكن مع تذلل وخضوع.
﴿إِبْلِيسَ﴾ : قيل كان اسمه الحارث، ولما تكبر عن طاعة الله أبلسه الله أي: أيأسه من كل خير ومسخه شيطاناً.
﴿أَبَى﴾ : امتنع ورفض السجود لآدم.