﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ : إن إماتة الحي وإحياء الميت كلاهما دال على وجود الرب تعالى وقدرته.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ : يريد بعد الحياة الثانية وهو البعث الآخر.
﴿خَلَقَ لَكُمْ ١ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ : أي أوجد ما أوجده من خيرات الأرض كل ذلك لأجلكم كي تنتفعوا به في حياتكم.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى ٢ إِلَى السَّمَاءِ﴾ : علا وارتفع قهراً لها فكونها سبع سماوات.
﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ أتم خلقهن سبع سماوات تامات.
﴿وَهُوَ ٣ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ : إخبار بإحاطة علمه تعالى بكل شيء، وتدليل على قدرته وعلمه ووجوب عبادته.
معنى الآيتين:
ما زال الخطاب مع الكافرين الذين سبق وصفهم بأخس الصفات وأسوأ الأحوال، حيث قال لهم على طريقة الالتفات موبخاً مقرعاً: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية.
وذكر من أدلة وجوده وكرمه. ما يصبح الكفر به من أقبح الأمور وصاحبه من أحط الخلائق وأسوأهم حالاً ومآلاً. فمن أدلة وجوده الإحياء بعد الموت والإماتة بعد الإحياء. ومن أدلة كرمه وقدرته أن خلق الناس في الأرض جميعاً لتوقف حياتهم عليه وخلق السموات السبع، وهو مع ذلك كله محيط بكل شيء سبحانه لا إله إلا هو ولا رب سواه.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- إنكار الكفر بالله تعالى.
٢- إقامة البرهان على وجود الله وقدرته ورحمته.
стр. 37
٣- حلّية كل١ ما في الأرض من مطاعم ومشارب وملابس ومراكب إلا ما حرمه الدليل الخاص من الكتاب أو السنة لقوله: ﴿خَلَقَ٢ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ .
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا٣ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٠) ﴾
شرح الكلمات:
﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ : جمع ملاك ويخفف فيقال ملك، وهم خلق من عالم الغيب أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى خلقهم من نور٤.
﴿الخليفة٥﴾ : من يخلف غيره، والمراد به هنا آدم ﵇.
﴿يُفْسِدُ فِيهَا﴾ : الإفساد في الأرض يكون بالكفر وارتكاب المعاصي.
﴿وَيَسْفِكُ ٦﴾ : يسيل الدماء بالقتل والجرح.
﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ : نقول سبحان الله وبحمده. والتسبيح: التنزيه عما لا يليق بالله تعالى.
﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ : فننزهك عما لا يليق بك. والتقديس: التطهير والبعد عما لا ينبغي. واللام في لك زائدة لتقوية المعنى إذ فعل قدس يتعدى بنفسه يقال قدّسَه.
стр. 38
معنى الآية:
يأمر تعالى رسوله أن يذكر قوله للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة يخلفه في إجراء أحكامه في الأرض، وإن الملائكة تساءلت١ متخوفة من أن يكون هذا الخليفة ممن يسفك الدماء ويفسد في الأرض بالكفر والمعاصي قياساً على خلق من الجن حصل منهم ما تخوفوه. فأعلمهم ربهم أنه يعلم من الحكم والمصالح ما لا يعلمون.
والمراد من هذا التذكير: المزيد من ذكر الأدلة الدالة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته الموجبة للإيمان به تعالى ولعبادته دون غيره.
هداية الآية:
من هداية الآية:
١- سؤال من لا يعلم غيره ممن يعلم.
٢- عدم انتهار السائل وإجابته أو صرفه بلطف.
٣- معرفة بدء الخلق.
٤- شرف آدم وفضله.
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) ﴾
стр. 39
شرح الكلمات:
﴿آدَمَ ١﴾ : نبي الله أبو البشر ﵇.
﴿الأَسْمَاءَ﴾ أسماء الأجناس كلها؛ كالماء والنبات والحيوان والإنسان.
﴿عَرَضَهُمْ﴾ : عرض المسميات أمامهم، ولما كان بينهم العقلاء غلب جانبهم، وإلا لقال عرضها.
﴿أَنْبِئُونِي﴾ : أخبروني.
﴿هَؤُلاءِ﴾ : المعرضين عليهم من سائر المخلوقات.
﴿سُبْحَانَكَ٢﴾ : تنزيهاً لك وتقديساً.
﴿غَيْبَ السَّمَاوَاتِ﴾ : ما غاب عن الأنظار في السموات والأرض.
﴿تُبْدُونَ﴾ تظهرون من قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ الآية.
﴿تَكْتُمُونَ﴾ : تبطنون وتخفون، يريد ما أضمره إبليس من مخالفة أمر الله تعالى وعدم طاعته.
﴿الْحَكِيمُ ٣﴾ : الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه، ولا يفعل ولا يترك إلا لحكمة.
معنى الآيات:
يخبر تعالى في معرض مظاهر قدرته وعلمه وحكمته الموجبة لعبادته دون سواه أنه علم آدم أسماء الموجودات٤ كلها، ثم عرض الموجودات على الملائكة وقال أنبوئني بأسماء هؤلاء إن
стр. 40
كنتم صادقين في دعوى أنكم أكرم المخلوقات وأعلمهم فعجزوا وأعلنوا اعترافهم بذلك، وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ، ثم قال تعالى لأدم: أنبئهم بأسماء تلك المخلوقات المعروضة فأنبأهم بأسمائهم واحداً واحداً حتى القصعة، والقُصَيْعة.. وهنا ظهر شرف آدم عليهم، وعتب عليهم ربهم بقوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ .
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان قدرة الله تعالى حيث علم آدم أسماء المخلوقات كلها فعلمها.
٢- شرف العلم وفضل العالم١ على الجاهل.
٣- فضيلة الاعتراف٢ بالعجز والقصور.
٤- جواز العتاب على من ادعى دعوى هو غير متأهل لها.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ٣ (٣٤) ﴾
شرح الكلمات:
﴿اسْجُدُوا﴾ : السجود٤: هو وضع الجبهة والأنف على الأرض، وقد يكون بانحناء الرأس دون وضعه على الأرض لكن مع تذلل وخضوع.
﴿إِبْلِيسَ﴾ : قيل كان اسمه الحارث، ولما تكبر عن طاعة الله أبلسه الله أي: أيأسه من كل خير ومسخه شيطاناً.
﴿أَبَى﴾ : امتنع ورفض السجود لآدم.
стр. 41
﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ : تعاظم في نفسه فمنعه الاستكبار١ والحسد من الطاعة بالسجود لآدم.
﴿الْكَافِرِينَ﴾ : جمع كافر. من كذب بالله تعالى أو كذب بشيء من آياته أو بواحد من رسله أو أنكر طاعته.
معنى الآية:
يذكر تعالى عباده بعلمه وحكمته وإفضاله عليهم بقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ... ﴾ سجود تحية وإكرام فسجدوا إلا إبليس تعاظم في نفسه وامتنع عن السجود الذي هو طاعة الله، وتحية آدم. تكبراً وحسداً لآدم في شرفه فكان بامتناعه عن طاعة الله من الكافرين الفاسقين عن أمر الله. الأمر الذي استوجب ابلاسه٢ وطرده.
هداية الآية:
من هداية الآية:
١- التذكير بإفضال الله الأمر الذي يوجب الشكر ويرغب فيه.
٢- التحذير من الكبر والحسد حيث كانا سبب إبلاس الشيطان، وامتناع اليهود من قبول الإسلام.
٣- تقرير عداوة إبليس، والتنبيه إلى أنه عدو تجب عداوته أبداً.
٤- التنبيه إلى أن من المعاصي ما يكون٣ كفراً أو يقود إلى الكفر.
﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ٤ أَنْتَ وَزَوْجُكَ٥ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً
стр. 42
حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا١ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ٢ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) ﴾
شرح الكلمات:
﴿رَغَداً﴾ : العيش الهني الواسع يقال له: الرغد.
﴿الشَّجَرَةَ﴾ : شجرة من أشجار الجنة وجائز أن تكون كرماً أو نبيذاً أو غيرهما وما دام الله تعالى لم يعين نوعها فلا ينبغي السؤال عنها.
﴿الظَّالِمِينَ﴾ : لأنفسهما بارتكاب ما نهى الله تعالى عنه.
﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ : أوقعهما في الزلل، وهو مخالفتهما لنهي الله تعالى لهما عن الأكل من الشجرة.
﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ : المستقر: مكان الاستقرار والإقامة.
﴿إِلَى حِينٍ﴾ : الحين: الوقت مطلقاً قد يقصر أو يطول والمراد به نهاية الحياة.
﴿فَتَلَقَّى ٣ آدَمُ﴾ : أخذ آدم ما ألقى الله تعالى إليه من كلمات التوبة.
﴿كَلِمَاتٍ﴾ : هي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ : وفقه للتوبة فتاب٤ وقبل توبته، لأنه تعالى تواب رحيم.
стр. 43
معنى الآيات:
في الأية الأولى (٣٥) يخبر تعالى عن إكرامه لآدم وزوجه حواء حيث أباح لهما جنته يسكنانها ويأكلان من نعيمها ما شاءا إلا شجرة واحدة فقد نهاهما عن قربها١ والأكل من ثمرها حتى لا يكونا من الظالمين.
وفي الآية الثانية (٣٦) أخبر تعالى أن الشيطان أوقع آدم وزوجه في الخطيئة حيث زين لهما الأكل من الشجرة فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما فلم يصبحا أهلاً للبقاء في الجنة فأهبطا إلى الأرض مع عدوهما إبليس ليعيشوا بها بعضهم لبعض عدو إلى نهاية الحياة.
وفي الآية الثالثة (٣٧) يخبر تعالى أن آدم تلقى كلمات التوبة من ربه تعالى وهو: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فقالاها توبة فتاب الله عليهما وهو التواب الرحيم.
هداية الآية:
من هداية الآية:
١- كرامة آدم وذريته على ربهم تعالى.
٢- شؤم المعصية وآثارها في تحويل النعمة إلى نقمة.
٣- عداوة الشيطان للإنسان ووجوب معرفة ذلك لاتقاء وسوسوته.
٤- وجوب التوبة٢ من الذنب وهي الاستغفار بعد الاعتراف بالذنب وتركه والندم على فعله.
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩) ﴾
стр. 44
شرح الكلمات:
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً﴾ : انزلوا من الجنة١ إلى الأرض لتعيشوا فيها متعادين٢.
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ٣ مِنِّي هُدىً﴾ : إن يجيئكم من ربكم هدى: شرع ضمنه كتاب وبينه رسول.
﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ : أخذ٤ بشرعي فلم يخالفه ولم يحد عنه.
﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ : جواب شرط فمن اتبع هداي، ومعناه إتباع الهدى يفضي بالعبد إلى أن لا يخاف ولا يحزن لا في الدنيا ولا في الآخرة.
﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾ : كفروا: جحدوا شرع الله، وكذبوا رسوله.
﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ : أهلها الذين لا يفارقونها بحث لا يخرجون منها.
معنى الآيتين:
يخبر تعالى أنه أمر آدم وحواء٥ وإبليس بالهبوط إلى الأرض بعد أن وسوس الشيطان لهما فأكلا من الشجرة، وأعلمهم أنه إن أتاهم منه هدى فاتبعوه ولم يحيدوا عنه يأمنوا ويسعدوا فلن يخافوا ولن يحزنوا، وتوعد من كفر به وكذب رسوله فلم يؤمن ولم يعمل صالحاً بالخلود٦ في النار.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- المعصية تسبب الشقاء والحرمان.
стр. 45
٢- العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ يسبب الأمن والإسعاد والإعراض عنهما يسبب الخوف والحزن والشقاء والحرمان.
٣- الكفر والتكذيب جزاء صاحبهما الخلود في النار.
﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُون (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُون (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ﴾
شرح الكلمات:
بنو١ إسرائيل: إسرائيل: هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ﵈ وبنوه هم: اليهود؛ لأنهم يعودون في أصولهم إلى أولاد يعقوب الأثنى عشر٢
النعمة: النعمة هنا اسم جنس بمعنى النعم، ونعم الله تعالى على بني إسرائيل كثيرة٣ ستمر أفرادها في الآيات القرآنية الآتية.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ : الوفاء بالعهد: إتمامه، وعهد الله عليهم أن يبينوا أمر محمد ﷺ ويؤمنوا به.
﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ : أتم لكم عهدكم بإدخالكم الجنة بعد إكرامكم في الدنيا وعزكم فيها.
﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ : اخشوني ولا تخشوا غيري.
﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ : القرآن الكريم.
﴿وَلا تَشْتَرُوا ٤ بِآيَاتِي﴾ : لا تعتاضوا على بيان الحق في أمر محمد ﷺ .
стр. 46
﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ : متاع الحياة الدنيا.
﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ : واتقوني وحدي في كتمانكم الحق وجحدكم نبوة نبيي محمد ﷺ أن أنزل بكم نقمتي.
﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ : أي لا تخلطوا الحق بالباطل حتى يعلم فيعمل به، وذلك قولهم: محمد نبي ولكن مبعوث إلى العرب لا إلى بني إسرائيل.
﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ : الركوع الشرعي: انحناء الظهر في امتداد واعتدال مع وضع الكفين على الركبتين والمراد به هنا: الخضوع١ لله والإسلام له .
مناسبة الآيات ومعناها:
لما كان السياق في الآيات السابقة في شأن آدم وتكريمه، وسجود الملائكة له وامتناع إبليس لكبره وحسده، وكان هذا معلوماً لليهود؛ لأنهم أهل كتاب، ناسب أن يخاطب الله تعالى بني إسرائيل مذكراً إياهم بما يجب عليهم من الإيمان والإستقامة. فناداهم بعنوان بنوتهم لإسرائيل ﵇، فأمرهم ونهاهم، أمرهم بذكر نعمته عليهم ليشكروه تعالى بطاعته فيؤمنوا برسوله محمد ﷺ وما جاء به من الهدى وأمرهم بالوفاء بما أخذ عليهم من عهد لينجز لهم ما وعدهم، وأمرهم أن يرهبوه٢ ولا يرهبوا غيره من خلقه وأمرهم أن يؤمنوا بالقرآن الكريم، وأن لا يكونوا أول من يكفر٣ به. ونهاهم عن الاعتياض عن بيان الحق في أمر الإيمان برسوله محمد ﷺ ثمناً قليلاً من متاع الحياة الدنيا وأمرهم بتقواه في ذلك وحذرهم أن هم كتموا الحق أن ينزل بهم عذابه. ونهاهم عن خلط الحق بالباطل دفعاً للحق وبعداً عنه حتى لا يؤمنوا برسوله محمد ﷺ وأمرهم بإقام٤ الصلاة وإيتاء الزكاة والإذعان لله تعالى بقبول الإسلام والدخول فيه كسائر المسلمين.
стр. 47
هداية الايات:
من هداية الآيات:
١- وجوب ذكر النعم لشكر الله تعالى عليها.
٢- وجوب الوفاء بالعهد لا سيما ما عاهد عليه العبد ربه تعالى.
٣- وجوب بيان الحق وحُرمة كتمانه.
٤- حرمة خلط١ الحق بالباطل تضليلاً للناس وصرفهم عنه كقول اليهود: محمد نبي ولكن للعرب خاصة حتى لا يؤمن به يهود.
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) ﴾
شرح الكلمات:
البر: البر: لفظ جامع لكل خير. والمراد هنا: الإيمان بمحمد ﷺ والدخول في الإسلام مقابل الذكر، وهو هنا الترك.
النسيان: مقابل الذكر، وهو هنا الترك.
تلاوة الكتاب: قراءته، والكتاب هنا: التوراة التي بأيدي اليهود.
العقل: قوة باطنية يميز بها المرء بين النافع والضار، والصالح والفاسد.
الاستعانة: طلب العون للقدرة على القول والعمل.
الصبر٢: حبس النفس على ما تكره.
الخشوع: حضور القلب وسكون الجوارح، والمراد هنا: الخضوع لله والطاعة لأمره ونهيه.
стр. 48
﴿يَظُنُّونَ﴾ : يوقنون١.
﴿مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ : بالموت، راجعون إليه يوم القيامة.
معنى الآيتين:
ينعي الحق ﵎ في الآية الأولى (٤٤) على علماء بني إسرائيل أمرهم بعض العرب بالإيمان بالإسلام ونبيه، ويتركون أنفسهم فلا يأمرونها بذلك والحال أنهم يقرأون التوراة، وفيها بعث النبي محمد والأمر بالإيمان به واتباعه ويقرعهم موبخاً لهم بقوله: أفلا تعقلون، إذ العاقل يسبق إلى الخير ثم يدعو إليه.
وفي الآيتين الثانية والثالثة (٤٥-٤٦) يرشد الله تعالى بني إسرائيل إلى الاستعانة بالصبر والصلاة حتى يقدروا على مواجهة الحقيقة والتصريح بها، وهي الإيمان بمحمد والدخول في دينه، ثم يعلمهم أن هذه المواجهة صعبة شاقة٢ على النفس لا يقدر عليها إلا المخبتون لربهم الموقنون بلقاء الله، والرجوع إليه.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- قبح٣ سلوك من يأمر غيره بالخير ولا يفعله.
٢- السيئة قبيحة وكونها من٤ عالم أشد قبحاً.
٣- مشروعية الاستعانة على صعاب الأمور وشاقها بالصبر والصلاة، إذ كان النبي ﷺ إذ حزبه أمر فزع٥ إلى الصلاة.
стр. 49
٤- فضلية الخشوع لله والتطامن له، وذكر الموت، والرجوع إلى الله تعالى للحساب والجزاء.
﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) ﴾
شرح الكلمات:
﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ : تقدم شرح هذه الجملة.
﴿فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ١﴾ : آتاهم من النعم الدينية والدنيوية ما لم يؤت غيرهم من الناس وذلك على عهد موسى ﵇ وفي آزمنة صلاحهم واستقامتهم.
﴿وَاتَّقُوا يَوْماً﴾ : المراد باليوم: يوم القيامة بدليل ما وصف به. واتقاؤه: هو اتقاء ما يقع فيه من الأهوال والعذاب. وذلك الإيمان والعمل٢ الصالح.
﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ : لا تغني نفس عن نفس أخرى أي غنى. ما دامت كافرة٣.
﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ٤﴾ : هذه النفس الكافرة إذ هي التي لا تنفعها شفاعة الشافعين.
﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ : على فرض أنها تقدمت بعدل، وهو الفداء فإنه لا يؤخذ منها.
﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ : يدفع العذاب عنهم.
معنى الآيتين:
ينادي الله بني إسرائيل مطالباً إياهم بذكر نعمه عليهم ليشكروها بالإيمان برسوله محمد ﷺ وقبول ما جاء به من الدين الحق، وهو الإسلام، محذراً إياهم من عذاب يوم القيامة، آمراً لهم باتقائه بالإيمان وصالح الأعمال. لأنه يوم عظيم لا تقبل فيه شفاعة.
стр. 50
لكافرٍ، ولا يؤخذ منه عدل أي فداء، ولا ينصره بدفع العذاب عنه أحد.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- وجوب ذكر النعم لتشكر١ بحمد الله وطاعته.
٢- وجوب اتقاء عذاب يوم القيامة بالإيمان والعمل الصالح بعد ترك الشرك والمعاصي
٣- تقرير أن الشفاعة لا تكون لنفس كافرة. وأن الفداء يوم القيامة لا يقبل٢ أبداً.
﴿وَإِذْ٣ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) ﴾
شرح الكلمات:
النجاة: الخلاص من الهلكة؛ كالخلاص من الغرق، والخلاص من العذاب.
﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ : اتباع٤ فرعون. وفرعون٥ ملك مصر على عهد موسى ﵇.
﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ : يبغونكم سوء العذاب وهو أشده وأفظعه ويذيقونكم إياه.
стр. 51
وَيَسْتَحْيُونَ١ نِسَاءَكُمْ: يتركون ذبح البنات ليكبرن للخدمة، ويذبحون الأولاد خوفاً منهم إذا كبروا.
بلاء٢ عظيم: ابتلاء وامتحان شديد لا يطاق.
﴿فَرَقْنَا٣ بِكُمُ الْبَحْرَ٤﴾ : صيرناه فرقتين، وما بينهما يبس لا ماء فيه لتسلكوه فتنجوا، والبحر هو: بحر القلزم (الأحمر) .
﴿اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ : عجل من ذهب صاغه لهم السامري ودعاهم إلى عبادته فعبده أكثرهم، وذلك في غيبة موسى عنهم.
الشكر: إظهار النعمة بالاعتراف بها وحمد الله تعالى عليها وصرفها في مرضاته.
﴿الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ٥﴾ : الكتاب: التوراة، والفرقان: المعجزات التي فرق الله تعالى بها بين الحق والباطل.
﴿تَهْتَدُونَ﴾ : إلى معرفة الحق في كل شئونكم من أمور الدين والدنيا.
معنى الآيات:
تضمنت هذه الآيات الخمس أربع نعم عظمى أنعم الله تعالى بها على بني إسرائيل، وهي التي أمرهم بذكرها ليشكروه عليها بالإيمان برسوله محمد ﷺ ودينه الإسلام.
فالنعمة الأولى: انجاؤهم من فرعون وآله بتخليصهم من حكمهم الظالم وما كانوا يصبونه عليهم من ألوان العذاب. من ذلك: ذبح الذكور من أولادهم وترك البنات لاستخدامهن في المنازل كرقيقات.
стр. 52
والثانية: فلق البحر لهم وإغراق عدوهم بعد نجاتهم وهم ينظرون١.
والثالثة: عفوه تعالى عن أكبر زلة زلوها وجريمة اقترفوها، وهي اتخاذهم عجلا٢ صناعياً إلهاً وعبادتهم له. فعفا تعالى عنهم ولم يؤاخذهم بالعذاب لعلة أن يشكروه تعالى بعبادته وحده دون سواه.
والرابعة: ما أكرم به نبيهم موسى ﵇ من التوراة التي فيها الهدى والنور والمعجزات التي أبطلت باطل فرعون، وأحقت دعوة الحق التي جاء بها موسى ﵇.
هذه النعم هي محتوى الآيات الخمس، ومعرفتها معرفة لمعاني الآيات في الجملة اللهم إلا جملة ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ في الآية الأولى فإنها: إخبار بأن الذي حصل لبني إسرائيل من عذاب على أيدي فرعون وملئه إنما كان امتحاناً من الله واختباراً عظيماً لهم. كما أن الآية الثالثة فيها ذكر مواعدة الله تعالى لموسى بعد نجاة٣ بني إسرائيل أربعين ليلة، وهي: القعدة وعشر الحجة ليعطيه التوراة يحكم٤ بها بني إسرائيل فحدث في غيابه أن جمع السامري حُلي نساء بني إسرائيل وصنع منه عجلاً ودعاهم إلى عبادته فعبدوه فاستوجبوا العذاب إلا أن الله منّ عليهم بالعفو ليشكروه.
هداية الآيات:
من هداية هذه الآيات:
١- ذكر النعم يحمل٥ على شكرها، والشكر هو الغاية من ذكر النعمة.
٢- أن الله تعالى يبتلي عباده لحكم عالية فلا يجوز الاعتراض على الله تعالى فيما يبتلي به عباده.
٣- الشرك ظلم٦، لأنه وضع العبادة في غير موضعها.
стр. 53
٤- إرسال الرسل وإنزال الكتب الحكمة فيهما هداية الناس إلى معرفة ربهم وطريقة التقرب إليه ليعبدوه فيكملوا ويسعدوا في الحياتين.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ١ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) ﴾
شرح الكلمات:
ظلم النفس٢: تدسيتها بسيئة الجريمة.
﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ : بجعلكم العجل الذي صاغه السامري من حلي نسائكم إلهاً عبدتموه.
البارئ: الخالق .
﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ٣﴾ : أمرهم أن يقتل من لم يعبد العجل من٤ عبدَه منهم وجعل ذلك توبتهم ففعلوا فتاب عليهم بقبول توبتهم.
﴿نَرَى اللهَ جَهْرَةً ٥﴾ : نراه عياناً.
стр. 54
﴿الصَّاعِقَةُ﴾ : نار محرقة التي تكون مع السحب والأمطار والرعود.
﴿بَعَثْنَاكُمْ﴾ : أحييناكم١ بعد موتكم.
﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ : المن: مادة لزجة حلوة كالعسل٢، والسلوى: طائر يقال له السماني.
الطيبات: الحلال.
المناسبة ومعنى الآيات:
لما ذكر الله تعالى اليهود بما أنعم على أسلافهم مطالباً إياهم بشكرها فيؤمنوا برسوله. ذكرهم هنا ببعض ذنوب أسلافهم ليتعظوا فيؤمنوا، فذكرهم بحادثة اتخاذهم العجل إلهاً وعبادتهم له. وذلك بعد نجاتهم من آل فرعون وذهاب موسى لمناجاة الله تعالى، وتركه هارون خليفة له فيهم، فصنع السامري لهم عجلاً من ذهب وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه، فأطاعوه أكثرهم وعبدوا العجل، فكانوا مرتدين بذلك فجعل الله توبتهم من ردتهم أن يقتل من لم يعبد العجل من عبدَه فقتلوا منهم سبعين ألفاً، فكان ذلك توبتهم فتاب الله عليهم إنه هو التواب الرحيم، كما ذكرهم بحادثة أخرى وهي: إنه لما عبدوا العجل وكانت ردة اختار موسى بأمر الله تعالى منهم سبعين رجلاً من خيارهم ممن لم يتورطوا في جريمة عبادة العجل، وذهب بهم إلى جبل الطور ليعتذروا إلى ربهم من عبادة إخوانهم العجل فلما وصلوا قالوا لموسى اطلب لنا ربك أن يسمعنا كلامه، فأسمعهم قوله: ﴿إِنِّي أَنَا اللهُ﴾ لا إله إلا أنا أخرجتكم من أرض مصر بيدٍ شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري. ولما أعلمهم موسى بأن الله تعالى جعل توبتهم وقتلهم أنفسهم، قالوا: لن نؤمن لك، أي لن نتابعك على قولك فيما ذكرت من توبتنا بقتل بعضنا بعضا حتى نرى الله جهرة، وكان هذا منهم ذنباً عظيماً لتكذيبهم رسولهم فغضب الله عليهم فأنزل عليهم صاعقة فأهلكتهم فماتوا واحداً واحداً وهم ينظرون ثم أحياهم تعالى بعد يوم وليلة، وذلك ليشكروه بعبادته وحده دون سواه كما ذكرهم بنعمة أخرى، وهي إكرامه لهم وإنعامه عليهم بتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن
стр. 55
والسلوى١ أيام حادثة التيه في صحراء سيناء وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ إشارة إلى أن محنة التيه كانت عقوبة لهم على تركهم الجهاد وجرأتهم على نبيهم إذ قالوا له: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ . وما ظلمهم٢ في محنة التيه، ولكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- عبادة المؤمن غير الله وهو يعلم أنها عبادة لغير الله تعالى تعتبر ردة منه٣، وشركاً.
٢- مشروعية قتال المرتدين، وفي الحديث: "من بدل دينه فاقتلوه"، ولكن بعد استتابته.
٣- علة الحياة كلها شكر الله تعالى٤ بعبادته وحده.
٤- الحلال، من المطاعم والمشارب وغيرها، ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله .
﴿وَإِذْ٥ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً
стр. 56
غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) ﴾
شرح الكلمات:
﴿الْقَرْيَةَ ١﴾ : مدينة القدس.
﴿رَغَداً﴾ : عيشاً واسعاً هنيئاً.
﴿سُجَّداً﴾ : ركعاً٢ متطامنين لله، خاضعين شكراً لله على نجاتهم من التيه.
﴿حِطَّةٌ﴾ : حطة٣: فعلة مثل ردة، وحدة من ردت وحددت، أمرهم أن يقولوا حطة بمعنى أحطط عنا خطايانا ورفع (حطة) ٤ على إنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: دخولنا الباب سجداً حطة لذنوبنا
﴿نَغْفِرْ﴾ : نمحو ونستر.
﴿خَطَايَاكُمْ﴾ : الخطايا: جمعة خطيئة٥: الذنب يقترفه العبد.
﴿فَبَدَّلَ﴾ غيروا٦ القول الذي قيل لهم قولوه وهو حطة فقالوا: حبة في شعره٧.
﴿رِجْزاً ٨﴾ : وباء الطاعون.
﴿يَفْسُقُونَ﴾ : يخرجون عن طاعة الله ورسوله إليهم، وهو يوشع ﵇.
معنى الآيتين:
تضمنت الآية الأولى (٥٨) تذكير اليهود بحادثة عظيمة حدثت لأسلافهم تجلت فيها
стр. 57
نعمة الله على بني إسرائيل وهي: حال تستوجب الشكر، وذلك إنهم لما انتهت مدة التيه وكان قد مات كل من: موسى وهارون، وخلفهم في بني إسرائيل فتى موسى يوشع بن نون، وغزا بهم العمالقة وفتح الله تعالى عليهم بلاد القدس أمرهم الله تعالى أمر إكرام وإنعام فقال ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا. واشكروا لي هذه الأنعام بأن تدخلوا باب المدينة راكعين متطامنين قائلين. دخولنا الباب سجداً حطة لذنوبنا التي اقترفناها بنقولنا عن الجهاد على عهد موسى وهارون. نثبكم بمغفرة ذنوبكم ونزيد المحسنين منكم ثواباً كما تضمنت الآية الثانية (٥٩) حادثة أخرى تجلت فيها حقيقة سوء طباع اليهود وكثرة رعوناتهم وذلك بتغييرهم الفعل الذي أمروا به والقول الذي قيل لهم فدخلوا الباب زاحفين على أستاههم قائلين: حبة في شعيرة!! ومن ثم انتقم الله منهم فانزل على الظالمين منهم طاعوناً أفنى منهم خلقاً كثيراً جزاء فسقهم عن أمر الله . وكان فيما ذكر عظة لليهود لو كانوا يتعظون.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- تذكير الأبناء بأيام١ الآباء للعظة والاعتبار.
٢- ترك الجهاد إذا وجب يسبب٢ للأمة الذل والخسران.
٣- التحذير عن عاقبة الظلم والفسق والتمرد على أوامر الشارع.
٤- حرمة٣ تأويل النصوص الشرعية للخروج بها عن مراد الشارع منها.
٥- فضيلة الإحسان٤ في القول والعمل.
стр. 58
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) ﴾
شرح الكلمات:
اسْتَسْقَى: طلب لهم من الله تعالى السقيا أي: الماء للشرب وغيره.
بِعَصَاكَ الْحَجَرَ: عصا موسى التي كانت معه منذ خرج من بلاد مدين. وهل هي من شجر الجنة هبط بها آدم، كذا قيل والله أعلم. والحجر هو حجر مربع الشكل من نوع الكذان رخو كالمدر. وهل هو الذي فر بثوب موسى في حادثة١ معروفة، كذا قيل، أو هو حجر من سائر الأحجار٢؟ الله أعلم.
стр. 59
﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ : الانفجار: الانفلاق فانفجرت: انفلقت من العصا العيون.
﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ : موضع شربهم.
﴿رِزْقِ اللهِ﴾ : ما رزق الله به العباد من سائر الأغذية.
﴿وَلا تَعْثَوْا﴾ : العَثَيّ والعِثِيّ: أكبر الفساد وفعله عثي كرضي، يعثي كيرضي، وعثا يعثو، كعدا يعدو.
﴿مُفْسِدِينَ﴾ : الإفساد: العمل بغير طاعة الله ورسوله في كل مجالات الحياة.
البقل: وجمعه البقول: سائر أنواع الخضر؛ كالجزر والخردل والبطاطس، ونحوها.
القثاء: الخيار والقتة، ونحوهما.
الفوم: الفوم: الحنطة، وقيل: الثوم لذكر البصل١ بعده.
﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ : الإستبدال: ترك شيء وأخذ آخر بدلاً عنه.
﴿أَدْنَى﴾ : أقل صلاحاً وخيرية ومنافع؛ كاستبدال المن والسلوى بالفوم والبقل.
﴿مِصْراً﴾ : مدينة من٢ المدن، قيل لهم هذا وهم في التيه؛ كالتعجيز لهم والتحدي لأنهم نكلوا عن قتال الجبارين فأصيبوا بالتيه وحرموا خيرات مدينة القدس وفلسطين.
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ : أحاطت بهم ولازمتهم الذلة وهي الصغار والاحتقار.
﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ : والمسكنة: وهي الفقر والمهانة.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ : رجعوا من طول عملهم وكثرة كسبهم بغضب الله وسخطه عليهم وبئس ما رجعوا به.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ : ذلك إشارة إلى ما أصابهم٣. من الذلة والمسكنة والغضب وبأنهم أي بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء وعصيانهم، فالباء سببية.
الاعتداء: مجاوزة الحق إلى الباطل، والمعروف إلى المنكر والعدل إلى الظلم.
стр. 60
معنى الآيتين:
يُذكر الله تعالى اليهود المعاصرين لنزول القرآن بالمدينة النبوية بأياديه في أسلافهم وأيامه فيهم وفي الآية الأولى رقم (٦٠) ذكرهم بأنهم لما عطشوا في التيه، استسقى١ موسى ربه فسقاهم بأمر خارق للعادة، ليكون لهم ذلك آية ليلزموا الإيمان والطاعة وهو أن يضرب موسى ﵇ بعصاه الحجر٢ فيتفجر الماء منه من اثنا عشر موضعاً كل موضع يمثل عيناً يشرب منها سبط٣ من أسباطهم الإثنى عشر حتى لا يتزاحموا فيتضرروا، أكرمهم الله بهذه النعمة، ونهاهم عن الفساد في الأرض بارتكاب المعاصي.
وفي الآية الثانية (٦١) ذكرهم بسوء أخلاق كانت في سلفهم، منها: عدم الصبر، والتعنت، وسوء التدبير، والجهالة بالخير، والرعونة، وغيرها. وهذا ظاهر في قولهم يا موسى بدل يا نبي الله أو رسول الله لن نصبر على طعام واحد. وقولهم: إدع لنا ربك بدل ادع الله تعالى لنا، أو ادع لنا ربنا . وفي مللهم اللحم والعسل وطلبهم الفوم والبصل بدلاً عنهما وفي قول موسى ﵇: تستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير٤ ما يقرر ذلك كما ذكرهم بالعاقبة المرة التي كانت لهم نتيجة كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء، واعتدائهم وعصيانهم، وهي: أن ضرب٥ الله تعالى عليهم الذلة والمسكنة وغضب عليهم.
كل هذا وغيره مما ذكَّر الله تعالى اليهود به في كتابه من أجل أن يذكروا فيتعظوا ويشكروا، فيؤمنوا بنبيه محمد ﷺ ، ويدخلوا في دينه، فيكملوا ويسعدوا بعد أن ينجوا مما حاق بهم من الذلة والمسكنة والغضب في الدنيا، ومن عذاب النار يوم القيامة.
هداية الآتيتين:
من هداية الآيتين:
١- استحسان الوعظ والتذكير بنعم الله تعالى ونقمه في الناس.
стр. 61
٢- مطالبة ذي النعمة بشكرها١، وذلك بطاعة الله تعالى بفعل أوامره. وترك نواهيه.
٣- ذم الأخلاق السيئة والتنديد بأهلها للعظة والاعتبار.
٤- التنديد بكبائر الذنوب؛ كالكفر، وقتل النفس بغير الحق لا سيما قتل الأنبياء أو خلفائهم وهم العلماء الآمرون بالعدل في الآمة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) ﴾
شرح الكلمات:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا ٢﴾ : هم المسلمون آمنوا بالله ووحده وآمنوا برسوله واتبعوه.
﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ : هم اليهود سموا٣ يهوداً لقولهم: إنا هدنا إليك، أي: تبنا ورجعنا.
﴿وَالنَّصَارَى﴾ : الصليبيون سموا نصارى: إما لأنهم يتناصرون أو لنزول مريم بولدها عيسى قرية الناصرة، والواحد: نصران٤ أو نصراني وهو الشائع على الألسنة.
﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ : أمة كانت بالموصل يقولون لا إله إلا الله. ويقرأون الزبور. ليسوا يهودا ولا نصارى، واحدهم صابئ٥، ولذا كانت قريش تقول لمن قال لا إله إلا الله: صابئ، أي مائل عن دين آبائه إلى دين جديد وحّدَ فيه الله تعالى.
стр. 62
مناسبة الآية ومعناها:
لما كانت الآية في سياق دعوة اليهود إلى الإسلام ناسب أن يعلموا أن النسب لا قيمة لها وإنما العبرة بالإيمان الصحيح والعمل الصالح المزكي للروح البشرية والمطهر لها، فلذا المسلمون واليهود والنصارى والصابئون١ وغيرهم؛ كالمجوس وسائر أهل الأديان من آمن منهم بالله واليوم الآخر حق الإيمان وعمل صالحاً مما شرع الله تعالى من عبادات فلا خوف عليهم بعد توبتهم، ولا حزن ينتابهم عند موتهم من أجل ما تركوا من الدنيا، إذ الآخرة خير وأبقى.
والإيمان الصحيح لا يتم لأحد إلا بالإيمان بالنبي الخاتم محمد ﷺ والعمل الصالح لا يكون إلا بما جاء به النبي الخاتم في كتابه وما أوحى إليه، إذ بشريعته نسخ الله سائر الشرائع قبله وبالنسخ بطل مفعولها فهي لا تزكي النفس ولا تطهرها. والسعادة الآخروية متوقفة على زكاة النفس٢ وطهارتها.
هداية الآية:
من هداية الآية:
١- العبرة بالحقائق لا بالألفاظ، فالمنافق إذا قال هو مؤمن أو مسلم، ولم يؤمن بقلبه ولم يسلم بجوارحه لا تغني النسبة عنه شيئاً، واليهودي والنصراني والصابئ، وكل ذي دين نسبته إلى دين قد نسخ وبطل العمل بما فيه فأصبح لا يزكي النفس، هذه النسبة لا تنفعه، وإنما الذي ينفع الإيمان الصحيح والعمل الصالح.
٢- أهل الإيمان الصحيح والإستقامة على شرع الله الحق مبشرون بنفي الخوف عنهم والحزن وإذا انتفى الخوف حصل الأمن، وإذا انتفى الحزن حصل السرور والفرح وتلك السعادة.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ٣ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ
стр. 63
بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا١ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ٢ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا٣ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا٤ نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) ﴾
شرح الكلمات:
الميثاق: العهد المؤكد باليمين.
﴿الطُّورَ﴾ : جبل. أو هو الجبل الذي ناجى الله تعالى عليه موسى ﵇
﴿بِقُوَّةٍ﴾ : بجد وحزم وعزم.
﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ : رجعتم عما التزمتم القيام به من العمل بما في التوراة.
﴿اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ : تجاوزوا الحد فيه حيث حرم عليهم الصيد فيه فصادوا.
﴿قِرَدَةً﴾ : القردة: جمع قرد، حيوان معروف مسخ الله تعالى المعتدين في السبت على نحوه
стр. 64
﴿خَاسِئِينَ﴾ : مبعدين عن الخير ذليلين مهانين.
﴿نَكَالاً﴾ : عقوبة شديدة تمنع من رآها أو علمها من فعل ما كانت سبباً فيه
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ : لما بين يدي العقوبة من الناس، ولمن يأتي بعدهم.
﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ١﴾ : يتعظون٢ بها فلا يقدمون على معاصي الله .
معنى الآيات:
يذكر الحق اليهود بما كان لأسلافهم من أحداث لعلهم يعتبرون فيذكرهم بحادثة امتناعهم من تحمل العمل بالتوراة، وإصرارهم على ذلك حتى رفع الله تعالى فوقهم جبلاً فأصبح كالظلة فوق رؤسهم، حينئذ أذعنوا غير أنهم تراجعوا بعد ذلك ولم يفوا بما التزموا به فاستوجبوا الخسران لولا رحمة الله بهم.
كما يذكرهم بجريمة كانت لبعض أسلافهم وهي أنه تعالى حرم عليهم الصيد يوم السبت فاحتالت طائفة منهم على الشرع واصطادوا فنكل الله تعالى بهم فمسخهم٣ قردة، وجعلهم عظة وعبرة للمعتبرين٤.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق.
٢- يجب أخذ أحكام الشرع بحزم، وذكرها وعدم نسيانها أو تناسيها.
٣- لا تتم التقوى لعبد إلا إذا أخذ أحكام الشرع بحزم وعزم.
٤- حرمة٥ الاحتيال لإباحة المحرم وسوء عاقبة المحتالين المعتدين.
الفارض١: المسنة. والبكر الصغيرة التي لم تلد بعد. والعوان: النصف وسط بين المسنة والصغيرة.
فاقع: يقال: أصفر فاقع شديدة الصفرة؛ كأحمر قاني، وأبيض ناصع٢
الذلول: الريضة التي زالت صعوبتها فأصبحت سهلة منقادة.
﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ : تقلبها بالمحراث فيثور غبارها بمعنى: أنها لم تستعمل في الحرث ولا في سقاية الزرع أي لم يُسن عليها، وذلك لصغرها.
﴿مسلَّمة﴾ : سليمة من العيوب؛ كالعور والعرج٣.
﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾ : الشية: العلامة أي لا توجد فيها لون غير لونها٤ من سواد أو بياض.
معنى الآيات:
واذكر يا رسولنا لهؤلاء اليهود عيباً آخر من عيوب أسلافهم الذين يعتزون بهم وهو سوء سلوكهم مع أنبيائهم فيكون توبيخاً لهم لعلهم يرجعون عن غيهم فيؤمنوا بك وبما جئت به من الهدى ودين الحق. اذكر لهم قصة الرجل الذي قتله ابن أخيه استعجالاً لإرثه ثم ألقاه تعمية في حي غير الحي الذي هو منه، ولما اختلفوا في القاتل، قالوا نذهب إلى موسى يدعو لنا ربه ليبين لنا من هو القاتل فجاءوه، فقال لهم: إن الله تعالى يأمركم أن تذبحوا بقرة من أجل أن يضربوا القتيل بجزء منها فينطق مبيناً من قتله فلما قال لهم ذلك، قالوا: أتتخذنا هزواً، فوصفوا نبي الله بالسخرية واللعب، وهذا ذنب قبيح وما زالوا يسألونه عن البقرة ويتشددون، حتى شدد الله تعالى عليهم الأمر الذي كادوا معه لا يذبحون مع أنهم لو تناولوا بقرة من عرض الشارع وذبحوها لكفتهم٥. ولكن شددوا فشدد الله عليهم فعثروا على البقرة المطلوبة بعد جهد جهيد وغالى فيها صاحبها فباعها منهم بملء جلدها ذهباً.
стр. 67
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان ما كان عليه قوم موسى من بني إسرائيل من العجرفة وسوء الأخلاق، ليتجنب مثلها المسلمون.
٢- حرمة الاعتراض على الشارع ووجوب تسليم أمره أو نهيه ولو لم تعرف فائدة الأمر والنهي وعلتها.
٣- الندب إلى الأخذ بالمتيسر وكراهة١ التشدد في الأمور.
٤- بيان فائدة الاستثناء بقول: إن شاء الله، إذ لو لم يقل اليهود: إن شاء٢ الله لمهتدون ما كانوا ليهتدوا إلى معرفة البقرة المطلوبة.
٥- ينبغي تحاشي الكلمات التي قد يفهم منها انتقاص الأنبياء مثل قولهم: الآن جئت بالحق، إذ مفهومه أنه ما جاءهم بالحق إلا في هذه المرة من عدة مرات سبقت!!.
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي٣ اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ٤ أَشَدُّ قَسْوَةً٥ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنّ
стр. 68
مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) ﴾
شرح الكلمات:
﴿نَفْساً﴾ : نفس الرجل الذي قتله وارثه استعجالاً للإرث.
﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ : تدافعتم أمر قتلها كل قبيل يقول قتلها القبيل الآخر.
﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ : من أمر القاتل ستراً عليه دفعاً للعقوبة والفضيحة.
﴿بِبَعْضِهَا﴾ : ببعض أجزاء البقرة كلسانها أو رجلها مثلاً.
معنى الآيات:
يقول تعالى لليهود موبخاً لهم اذكروا إذ قتل أحد أسلافكم قريبه ليرثه، فاختصم في شأن القتل كل جماعة تنفي أن يكون القاتل منها، والحال أن الله تعالى مظهر ما تكتمونه لا محالة إحقاقاً للحق وفضيحة للقاتلين، فأمركم أن تضربوا القتيل ببعض أجزاء البقرة، فيحيا ويخبر عن قاتله ففعلتم وأحيا الله القتيل وأخبر بقاتله١ فقتل به، فأراكم الله تعالى بهذه القصة آية من آياته الدالة على حلمه وعلمه وقدرته، وكان المفروض أن تعقلوا عن الله آياته فتكملوا في إيمانكم وأخلاقكم وطاعتكم، ولكن بدل هذا قست قلوبكم وتحجرت وأصبحت أشد قساوة من الحجارة فهي لا ترق ولا تلين ولا تخشع على عكس الحجارة، إذ منها ما تتفجر منه العيون، ومنها ما يلين فيهبط من خشية الله؛ كما اندك جبل الطور لما تجلى له الرب تعالى، وكما أضطرب أحد تحت قدمي رسول الله ﷺ وأصحابه. ثم توعدكم الرب تعالى بأنه ليس بغافل عما تعملون من الذنوب والآثام، وسيجزيكم به جزاء عادلاً إن لم تتوبوا إليه وتنيبوا.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- صدق نبوة الرسول محمد ﷺ وتقريرها أمام اليهود، إذ يخبرهم بأمور جرت لأسلافهم لم
стр. 69
يكن يعلمها، غيرهم وذلك إقامة الحجة عليهم.
٢- الكشف عن نفسيات اليهود وإنهم يتوارثون الرعونات والمكر والخداع.
٣- اليهود من أقسى البشر قلوباً إلى اليوم، إذ كل عام يرمون البشرية بقاصمة الظهر وهم ضاحكون.
٤- من علامات الشقاء: قساوة القلوب، وفي الحديث: "من لا يرحم لا يرحم" ١.
﴿أَفَتَطْمَعُونَ٢ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ٣ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ (٧٨) ﴾
شرح الكلمات:
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ : الهمزة للإنكار الاستبعادي، والطمع: تعلق النفس بالشيء رغبة فيه.
﴿يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ : يتابعونكم على دينكم (الإسلام) .
﴿كَلامَ اللهِ٤﴾ : في كتبه؛ كالتوراة والإنجيل والقرآن.
﴿يُحَرِّفُونَهُ ٥﴾ : التحريف: الميل بالكلام على وجه لا يدل على معناه كما قالوا في نعت
стр. 70
الرسول ﷺ في التوراة: أكحل العينين ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه، قالوا: طويل أزرق العينين، سبط الشعر.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ : إذا لقي منافقوا اليهود المؤمنين قالوا: آمنا بنبيكم ودينكم.
﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ : الهمزة: للإستفهام الانكاري، وتحديثهم إخبار المؤمنين بنعوت النبي في التوراة.
﴿بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ : إذا خلا منافقوا اليهود برؤسائهم أنكروا عليهم إخبارهم المؤمنين بنعوت النبي ﷺ في التوراة، وهو مما فتح١ الله به عليهم ولم يعلمه غيرهم.
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ : يقولون لهم لا تخبروا المؤمنين بما خصكم الله به من العلم حتى لا يحتجوا عليكم به، فيغلبوكم وتقوم الحجة عليكم فيعذبكم الله٢.
﴿أُمِّيُّونَ﴾ : الأمي: المنسوب إلى أمة كأنه ما زال في حجر أمه لم يفارقه، فلذا هو لم يتعلم الكتابة والقراءة٣.
﴿أَمَانِيَّ﴾ : الأماني: جمع أمنية وهي إما ما يتمناه المرء في نفسه من شيء يريد الحصول عليه، وإما القراءة من تمنى الكتاب إذا قرأه٤.
معنى الآيات:
ينكر تعالى على المؤمنين طمعهم في إيمان اليهود لهم بنبيهم ودينهم، ويذكر وجه استبعاده بما عرف به اليهود سلفاً وخلفاً من الغش والاحتيال بتحريف الكلام وتبديله، تعمية وتضليلاً حتى لا يُهتدى إلى وجه الحق فيه، ومن كان هذا حاله يبعد جداً تخلصه من النفاق والكذب وكتمان الحق ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ وهم كاذبون وإذا خلا بعضهم ببعض أنكروا
стр. 71
على أنفسهم ما فاه به بعضهم للمسلمين من صدق نبوة الرسول وصحة دينه، متعللين بأن مثل هذا الاعتراف يؤدي إلى احتجاج المسلمين به عليهم وغلبهم في الحجة، وسبحان الله كيف فسد ذوق القوم وساء فهمهم حتى ظنوا أن ما يخفونه يمكن إخفاؤه على الله، قال تعالى في التنديد بهذا الموقف الشائن: ﴿أَوَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ؟.
ومن جهل بعضهم بما في التوراة وعدم العلم بما فيها من الحق والهدى والنور ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ﴾ إلا مجرد قراءة فقط، أما إدراك المعاني الموجبة لمعرفة الحق والإيمان به واتباعه فليس لهم فيها نصيب، وما يقولونه ويتفوهون به لم يَعْدُ الحرص والظن الكاذب.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- أن أبعد الناس عن قبول الحق والإذعان له اليهود.
٢- قبح إنكار الحق بعد معرفته.
٣- قبح الجهل بالله وبصفاته العلا وأسمائه الحسنى.
٤- ما كل من يقرأ الكتاب يفهم معانيه فضلاً عن معرفة حكمه وأسراره وواقع أكثر المسلمين اليوم شاهد على هذا فإن حفظة القرآن منهم من لا يعرفون معانيه فضلاً عن غير الحافظين له.
﴿فَوَيْلٌ١ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ٢ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ
стр. 72
أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) ﴾
شرح الكلمات:
ويل: الويل١: كلمة تقال لمن وقع في هلكة أو عذاب.
﴿الْكِتَابَ﴾ : ما يكتبه علماء اليهود من أباطيل وينسبونه إلى الله تعالى ليتوصلوا به إلى أغراض دنية من متاع الدنيا القليل.
﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ : ينسبون ما كتبوه بأيديهم إلى التوراة بوصفها٢ كتاب الله ووحيه إلى موسى ﵇.
﴿يَكْسِبُونَ﴾ : الكسب يكون في الخير، وهو هنا في الشر فيكون من باب التهكم بهم.
﴿أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾ : أربعين٣ يوماً وهذا من كذبهم وتضليلهم للعوام منهم ليصرفوهم عن الإسلام.
﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً﴾ : الهمزة للإستفهام الانكاري، والعهد: الوعد المؤكد.
﴿سَيِّئَةً﴾ : هذه سيئة الكفر والكذب على الله تعالى.
﴿وَأَحَاطَتْ ٤ بِهِ﴾ : الإحاطة بالشيء: الالتفاف به والدوران عليه.
стр. 73
﴿خَطِيئَتُهُ﴾ : الخطيئة: واحدة الخطايا وهي الذنوب عامة.
الخلود: البقاء الدائم الذي لا تحول معه ولا ارتحال.
معنى الآيات:
يتوعد الرب ﵎ بالعذاب الأليم أولئك المضللين من اليهود الذين يحرفون كلام الله، ويكتبون أموراً من الباطل وينسبونها إلى الله تعالى ليتوصلوا بها إلى أغراض دنيوية سافلة.
وينكر عليهم تبجحهم الفارغ بأنهم لا يعذبون بالنار مهما كانت ذنوبهم ما داموا على ملة اليهود إلا أربعين يوماً ثم يخرجون، وجائز أن يتم هذا لو كان هناك عهد من الله تعالى قطعه لهم به ولكن أين العهد؟ إنما هو الإدعاء الكاذب فقط ثم يقرر العليم الحكيم حكمه في مصير الإنسان بدخول النار أو الجنة ذلك الحكم القائم على العدل والرحمة البعيد عن التأثير بالأنساب والأحساب، فيقول: ﴿بلى﴾ ، ليس الأمر كما تدعون، وإنما هي الخطايا والحسنات فمن كسب سيئة وأحاطت١به خطيئته٢ فخبثت نفسه ولوثتها فهذا لا يلائم خبث نفسه إلا النار، ومن آمن وعمل صالحاً فزكى بالإيمان والعمل الصالح نفسه وطهرها فإنه لا يلائم طهارة روحه وزكاة نفسه إلا الجنة دار النعيم. أما الحسب والنسب والادعاءات الكاذبة فلا تأثير لها البتة.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- التحذير الشديد من الفتاوى الباطلة التي تحرم ما أحل الله أو تحلل ما حرم ليتوصل بها صاحبها إلى غرض دنيوي كمال، أو حظوة لدى ذي سلطان.
٢- إبطال الانتفاع بالنسب والانتساب، وتقرير أن سعادة الإنسان؛ كشقائه مردهما في السعادة إلى الإيمان والعمل الصالح. وفي الشقاوة إلى الشرك والمعاصي.
٣- التنبيه على خطر الذنوب صغيرها وكبيرها، وإلى العمل على تكفيرها بالتوبة والعمل الصالح قبل أن تحوط بالنفس فتحجبها عن التوبة. والعياذ بالله.
وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا١ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُون (٨٦) ﴾
شرح الكلمات:
الميثاق: العهد٢ المؤكد باليمين.
حسناً: حسن القول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمخاطبة باللين، والكلم الطيب الخالي من البذاءة والفحش.
توليتم: رجعتم عما التزمتم به مصممين على أن لا تتوبوا.
سفك الدماء٣: إراقتها وصبها بالقتل والجراحات.
تظاهرون: قرئ تظّاهرون، وتظاهرون بتاء واحدة ومعناه تتعاونون.
بالإثم والعدوان: الإثم: الضار الموجب للعقوبة، والعدوان الظلم.
أسارى: جمع أسير: من أخذ في الحرب.
الخزي: الذل والمهانة.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تذكير اليهود٤ بما كان لأسلافهم من خير وغيره والمراد هدايتهم لو كانوا يهتدون، فقد ذكرهم في الآية (٨٣) بما أخذ الله تعالى عليهم في التوراة من عهود ومواثيق على أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا في عبادته سواه. وأن يحسنوا للوالدين ولذي