← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وقبح أعمالهم حملهم هذا الجميل والإحسان على أن قالوا: ﴿هو أذن﴾ طعناً فيه ﷺ وعيباً له. وقوله تعالى ﴿يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾ هذا من جملة ما أمر الرسول ﷺ أن يقول للمنافقين رداً على باطلهم. أنه ﷺ يؤمن بالله رباً وإلهاً، ﴿ويؤمن للمؤمنين﴾ أي بصدقهم فيما يقولون وهذا من خيريّته ﷺ وقوله ﴿ورحمة١ للذين آمنوا منكم﴾ أيضاً من خيريّته فهو ﷺ رحمة لمن آمن به واتبع النور الذي جاء به فكمل عليه وسعد به في حياتيه. وقوله تعالى ﴿والذين يؤذون رسول الله﴾ أي بأي نوع من الأذى قل أو كثر توعدهم الله تعالى بقوله ﴿لهم عذاب أليم﴾ وهو لا محالة نازل بهم وهم ذائقوه حتماً هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٦١) أما الآية الثانية (٦٢) فقد أخبر تعالى عن المنافقين أنهم يحلفون للمؤمنين بأنهم ما طعنوا في الرسول ولا قالوا فيه شيئاً يريدون بذلك إرضاء المؤمنين حتى لا يبطشوا بهم انتقاماً لكرامة نبيهم قال تعالى ﴿يحلفون بالله٢ لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق٣ أن يرضوه إن كانوا مؤمنين﴾ أي فبدل أن يرضوا المؤمنين كان الواجب أن يرضوا الله تعالى بالتوبة إليه ويرضوا الرسول بالإيمان ومتابعته إن كانوا كما يزعمون أنهم مؤمنون. وقوله في الآية الثالثة (٦٣) ﴿ألم يعلموا٤ أنه من يحادد الله ورسوله﴾ أي يشاقهما ويعاديهما فإن له جزاء عدائه ومحاربته نار جهنم خالداً فيها ﴿ذلك الخزي العظيم﴾ أي كونه في نار جهنم خالداً فيها لا يخرج منها هو الخزي العظيم. هداية الآيات من هداية الآيات:

стр. 1052

١- حرمة أذية رسول الله بأي وجه من الوجوه. ٢- كون النبي ﷺ رحمة للمؤمنين دعوة للإيمان والإسلام. ٣- توعد الله تعالى من يؤذى رسوله بالعذاب الأليم دليل على كفر من يؤذي رسول الله ﷺ . ٤- بيان كذب المنافقين وجبنهم حيث يحلفون١ للمؤمنين أنهم ما طعنوا في الرسول وقد طعنوا بالفعل، وإنما حلفهم الكاذب يدفعون به غضب المؤمنين والانتقام منهم. ٥- وجوب طلب رضا الله تعالى بفعل محابه وترك مساخطه. ٦- ترعد من يحادد الله ورسوله بالعذاب الأليم. يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (٦٥) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ (٦٦) شرح الكلمات: يحذر المنافقون: أي يخافون ويحترسون. تنزَّل عليهم سورة: أي في شأنهم فتفضحهم بإظهار عيبهم.

стр. 1053

تنبّئهم بما في قلوبهم: أي تخبرهم بما يضمرونه في نفوسهم. قل استهزئوا: الأمر هنا للتهديد. مخرج ما تحذرون: أي مخرجه من نفوسكم مظهره للناس أجمعين. نخوض ونلعب: أي نخوض في الحديث على عادتنا ونلعب لا نريد سباً ولا طعناً. تستهزئون: أي تسخرون وتحتقرون. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن المنافقين لكشف الستار عنهم وإظهارهم على حقيقتهم ليتوب منهم من تاب الله عليه قال تعالى مخبراً عنهم ﴿يحذر١ المنافقون أن تنزّل عليهم٢ سورة تنبئّهم بما في قلوبهم﴾ أي يخشى المنافقون أن تنزل في شأنهم على رسول الله ﷺ ﴿سورة تنبئههم﴾ أي تخبرهم بما في قلوبهم فتفضحهم، ولذا سميت هذه السورة بالفاضحة٣ وقوله تعالى لرسوله ﴿قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون﴾ يهددهم تعالى بأن الله مخرج ما يحذرون إخراجه وظهوره مما يقولونه في خلواتهم من الطعن في الإسلام وأهله. وقوله تعالى ﴿ولئن سألتهم﴾ أي عما قالوا من الباطل. لقالوا ﴿إنما كنا نخوض ونلعب٤﴾ لا غير. قل لهم يا رسولنا ﴿أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون﴾ وذلك أن نفراً من المنافقين في غزوة تبوك قالوا في مجلس لهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أحذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء! فبلغ ذلك النبي ﷺ ونزلت هذه الآيات: وجاءوا يعتذرون لرسوله الله فأنزل الله ﴿لا تعتذروا٥ قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ أي الذي كنتم تدعونه، لأن الاستهزاء بالله والرسول والكتاب كفر مخرج من الملة، وقوله تعالى ﴿إن

стр. 1054

نعف عن طائفة منكم﴾ لأنهم يتوبون كمخشي بن حمير١، ﴿نعذب طائفة﴾ أخرى لأنهم لا يتوبون وقوله تعالى ﴿بأنهم كانوا مجرمين﴾ علة للحكم بعذابهم وهو إجرامهم بالكفر والاستهزاء بالمؤمنين إذ من جملة ما قالوه: قولهم في الرسول ﷺ يظن هذا يشيرون إلى النبي وهم سائرون يفتح قصور الشام وحصونها فأطلع الله نبيه عليهم فدعاهم فجاءوا واعتذروا بقولهم إنا كنا نخوض٢ أي في الحديث ونلعب تقصيراً للوقت، ودفعاً للملل عنا والسآمة فأنزل تعالى ﴿قل أبالله﴾ الآية. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الكشف عن مدى ما كان يعيش عليه المنافقون من الحذر والخوف. ٢- كفر من استهزأ بالله أو آياته أو رسوله. ٣- لا يقبل اعتذار ٣من كفر بأي وجه وإنما التوبة أو السيف فيقتل كفراً. ٤- مصداق ما أخبر به تعالى من أنه سيعذب طائفة فقد هلك عشرة بداء الدبيلة "خراج يخرج من الظهر وينفذ ألمه إلى الصدر فيهلك صاحبه حتماً". الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ

стр. 1055

فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) شرح الكلمات: المنافقون: أي الذين يظهرون للمؤمنين الإيمان بألسنتهم ويسترون الكفر في قلوبهم. بعضهم هن بعض١: أي متشابهون في اعتقادهم وقولهم وعملهم فأمرهم واحد. بالمنكر: أي ما ينكره الشرع لضرره أو قبحه وهو الكفر بالله ورسوله. عن المعروف: أي ما عرفه الشرع نافعاً فأمر به من الإيمان والعمل الصالح. يقبضون أيديهم: أي يمسكونها عن الإنفاق في سبيل الله. نسوا الله فنسيهم: أي تركوا الله فلم يؤمنوا به وبرسوله فتركهم وحرمهم من توفيقه وهدايته. عذاب مقيم: أي دائم لا يزول ولا يبيد.

стр. 1056

بخلاقهم: أي بنصيبهم وحظهم من الدنيا. وخضتم: أي في الكذب والباطل. والمؤتفكات: أي المنقلبات حيث صار عاليها سافلها وهي ثلاث مدن١. بالبينات: الآيات الدالة على صدقهم في رسالاتهم إليهم. معنى الآيات: ما زال السياق في هتك استار المنافقين وبيان فضائحهم لعلهم يتوبون. قال تعالى ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾ أي كأبعاض الشيء الواحد وذلك لأن أمرهم واحد لا يختلف بعضهم عن بعض في المعتقد والقول والعمل بيّن تعالى حالهم بقوله ﴿يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف﴾ وهذا دليل على انتكاسهم وفساد قلوبهم وعقولهم، إذ هذا عكس ما يأمر به العقلاء، والمراد من المنكر الذي يأمرون به هو الكفر والعصيان، والمعروف الذي ينهون عنه هو الإيمان بالله ورسوله وطاعتهما. وقوله تعالى ﴿ويقبضون أيديهم﴾ كناية عن الإمساك وعدم البذل في الإنفاق في سبيل الله ٢. وقوله ﴿نسوا الله﴾ فلم يؤمنوا به ولم يؤمنوا برسوله ولم يطيعوا الله ورسوله ﴿فنسيهم﴾ الله بأن تركهم محرومين من كل هداية ورحمة ولطف. وقوله ﴿إن المنافقين هم الفاسقون﴾ نقرير لمعنى ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ ، إذ كفرهم بالله وبرسوله هو الذي حرمهم هداية الله تعالى ففسقوا سائر أنواع الفسق فكانوا هم الفاسقين الجديرين بهذا الوصف وهو الفسق والتوغل فيه. وقوله تعالى في الآية (٦٨) ﴿وعد٣ الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم﴾ ٤ أي كافيهم ﴿ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم﴾ أي دائم لا يزول ولا يبيد ولا يفنى فقد حملت هذه الآية أشد وعيد لأهل النفاق والكفر إذ توعدهم الرب تعالى بنار جهنم خالدين فيها وبالعذاب المقيم الذي لا يبارحهم ولا يتركهم لحظة أبد الأبد وذلك بعد أن لعنهم الله فأبعدهم وأسحقهم من كل رحمة وخير. وفي الآية الثالثة (٦٩) يأمر

стр. 1057

تعالى رسوله أن يقول للمنافقين المستهزئين بالله وآياته ورسوله؟ أنتم أيها المنافقون كأولئك الذين كانوا من قبلكم في الاغترار بالمال والولد والكفر بالله والتكذيب لرسله حتى نزل بهم عذاب الله ومضت فيهم سنته في إهلاكهم هذا ما تضمنته الآية الكريمة إذ قال تعالى ﴿كالذين من قبلكم١ كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم﴾ أي بنصيبهم الذي كتب لهم في الدنيا ﴿فأستمتعتم بخلاقكم﴾ أي بما كتب لكم في هذه الحياة الدنيا ﴿كما استمتع الذين من قبلكم﴾ أي سواء بسواء ﴿وخضتم﴾ في الباطل والشر وبالكفر والتكذيب ﴿كالذي خاضوا٢﴾ أي كخوضهم سواء بسواء أولئك الهالكون ﴿حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾ أي تلاشت وذهبت ولم ينتفعوا منها بشيء، ﴿وأولئك هم الخاسرون﴾ . وبما أنكم أيها المنافقون تسيرون على منهجهم في الكفر والتكذيب والاغترار بالمال والولد فسوف يكون مصيركم كمصيرهم وهو الخسران المبين. وقوله تعالى في الآية الرابعة (٧٠) ﴿ألم يأتهم٣ نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم٤ رسلهم بالبينات﴾ أي الآيات الدالة على توحيد الله وصدق رسوله وسلامة دعوتهم كما جاءكم أيها المنافقون رسولنا محمد ﷺ بالبينات فكذبتم كما كذب الذين من قبلكم فنزل بهم عذاب الله فهلك قوم نوح بالطوفان وعاد بالريح العاتية، وثمود بالصاعقة، وقوم إبراهيم٥ بسلب النعم وحلول النقم، وأصحاب مدين بالرجفة وعذاب الظلمة، والمؤتفكات٦ بالمطر والإئتفاك أي القلب بأن أصبح أعالي مدنهم الثلاث٧ أسافلها، وأسافلها أعاليها، وما ظلمهم الله تعالى بما أنزل عليهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، وأنتم أيها المنافقون إن لم تتوبوا إلى ربكم سيحل بكم ما حل بمن قبلكم أو أشد لأنكم لم تعتبروا بما سبق.

стр. 1058

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- إن المنافقين لما كان مرضهم واحد وهو الكفر الباطني كان سلوكهم متشابها. ٢- الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف علامة النفاق وظاهرة الكفر وانتكاس الفطرة. ٣- الاغترار بالمال والولد من عوامل عدم قبول الحق والإذعان له والتسليم به. ٤- تشابه حال البشر وإتباع بعضهم لبعض في الباطل والفساد والشر. ٥- حبوط الأعمال بالباطل وهلاك أهلها أمر مقضى به لا يتخلف. ٦- وجوب الاعتبار بأحوال السابقين والاتعاظ بما لاقاه أهل الكفر منهم من عذاب. وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) شرح الكلمات: والمؤمنون: أي الصادقون في إيمانهم بالله ورسوله ووعد الله ووعيده. أولياء بعض: أيما يتولىّ بعضهم بعضاً في النّضرة والحماية والمحبة والتأييد. ويقيمون الصلاة". أي يؤدونها في خشوع وافية الشروط والأركان والسنن والآداب. ويؤتون الزكاة: أي يخرجون زكاة أموالهم الصامتة كالدراهم والدنانير والمعشرات، والناطقة كالأنعام: الإبل والبقر والغنم.

стр. 1059

في جنات عدن: أي إقامة دائمة لا يخرجون منها ولا يتحولون١ عنها. ورضوان من الله أكبر: أي رضوان الله الذي يحله عليهم أكبر من كل نعيم في الجنة. معنى الآيتين: بمناسبة ذكر المنافقين وبيان سلوكهم ونهاية أمرهم ذكر تعالى المؤمنين وسلوكهم الحسن ومصيرهم السعيد فقال ﴿والمؤمنون والمؤمنات﴾ أي المؤمنون بالله ورسوله ووعده ووعيده والمؤمنات بذلك ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ أي يوالي بعضهم بعضاً محبة٢ ونصرة وتعاوناً وتأييداً ﴿يأمرون بالمعروف﴾ وهو ما عرفه الشرع حقاً وخيراً من الإيمان وصالح الأعمال، ﴿وينهون عن المنكر﴾ وهو ما عرفه الشرع باطلاً ضاراً فاسداً من الشرك وسائر الجرائم فالمؤمنون والمؤمنات على عكس المنافقين والمنافقات في هذا الأمر وقوله تعالى ﴿ويقيمون٣ الصلاة ويؤتون الزكاة﴾ والمنافقون لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى فهم مضيعون لها غير مقيمين لها، ويقبضون أيديهم فلا ينفقون، والمؤمنون يطيعون الله ورسوله٤، والمنافقون يعصون الله ورسوله، المؤمنون سيرحمهم الله ٥، والمنافقون سيعذبهم الله، ﴿إن الله عزيز﴾ غالب سينجز وعده ووعيده ﴿حكيم﴾ يضع كل شيء في موضعه اللائق به فلا يعذب المؤمنين وينعّم المنافقين بل ينعّم المؤمنين ويعذب المنافقين. وقوله تعالى في الآية الثانية (٧٢) ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار﴾ أي من خلال قصورها وأشجارها ﴿خالدين فيها ومساكن﴾ أي قصوراً طيبة في غاية النظافة وطيب الرائحة ﴿في جنات عدن٦﴾ أي إقامة، وقوله ﴿ورضوان من الله﴾

стр. 1060

أي يحله عليهم أكبر من الجنات والقصور وسائر أنواع النعيم. وقوله ﴿ذلك هو الفوز العظيم﴾ ذلك المذكور من الجنة ونعيمها ورضوان الله فيها هو الفوز العظيم. والفوز هو السلامة من المرهوب والظفر بالمرغوب. هذا الوعد الإلهي الصادق للمؤمنين والمؤمنات يقابله وعيد الله تعالى للمنافقين والكفار في الآيات السابقة، ونصه ﴿وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم﴾ . هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- بيان صفات المؤمنين والمؤمنات والتي هي مظاهر إيمانهم وأدلته. ٢- أهمية صفات أهل الإيمان وهي الولاء لبعضهم بعضاً، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، طاعة الله ورسوله. ٣- بيان جزاء أهل الإيمان في الدار الآخرة وهو النعيم المقيم في دار الإسلام. ٤- أفضلية رضا١ الله تعالى على سائر النعيم. ٥- بيان معنى الفوز وهو النجاة من النار، ودخول الجنة. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ

стр. 1061

اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (٧٤) شرح الكلمات: جاهد الكفار: ابذل غاية جهدك في قتال الكفار والمنافقين. واغلظ عليهم: أي في القول والفعل أي شدد عليهم ولا تلن لهم. كلمة الكفر: أي كلمة يكفر بها من قالها وهي قول الجلاس بن سويد: إن كان ما جاء به محمد حقاً لنحن شرّ من الحمير. وهموا بما لم ينالوا: أي هموا بقتل النبي ﷺ في مؤامرة دنيئة١ وهم عائدون من تبوك. وما نقموا إلا أن أغناهم: أي ما أنكروا أو كرهوا من الإسلام ورسوله إلا أن أغناهم الله بعد فقر أعلى مثل هذا يهمون بقتل رسول الله؟ معنى الآيتين: يأمر تعالى رسوله محمداً ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين فيقول ﴿يا أيها النبي٢ جاهد الكفار والمنافقين﴾ وجهاد الكفار يكون بالسلاح وجهاد المنافقين يكون باللسان، ٣ وقوله تعالى ﴿واغلظ عليهم٤﴾ أي شدد عملك وقولك، فلا هوادة مع من كفر بالله ورسوله، ومع من نافق الرسول والمؤمنين فأظهر الإيمان وأسر الكفر وقوله تعالى ﴿ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾ أي جهنم يريد ابذل ما في وسعك في جهادهم قتلاً وتأديياً هذا لهم في الدنيا، وفي الآخرة مأواهم جهنم وبئس المصير، وقوله تعالى في الآية الثانية (٧٤) ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا﴾ هذا الكلام علّة للأمر بجهادهم والإغلاظ عليهم لقول الجلاس بن سويد المنافق: لئن كان ما جاء به محمد حقاً لنحن شر من الحمير سمعه منه أحد المؤمنين فبلغه رسول الله ﷺ فجاء

стр. 1062

الجلاس يعتذر ويحلف بالله ما قال الذي قال فأكذبه الله تعالى في قوله في هذه الآية ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾ والسياق دال على تكرر مثل هذا القول الخبيث وهو كذلك. وقوله تعالى ﴿وهموا بما لم ينالوا١﴾ يعني المنافقين الذين تآمروا على قتل النبي ﷺ عند عودته من تبوك في عقبة في الطريق إلا أن الله فضحهم وخيّب مسعاهم ونجى رسوله منهم حيث بعث عمار بن ياسر يضرب وجوه الرواحل لما غشوه فردوا وتفرقوا بعد أن عزموا على أن لزاحموا رسول الله وهو على ناقته بنوقهم حتى يسقط منها فيهلك أهلكهم الله. وقوله تعالى ﴿وما نقموا﴾ ٢ أي وما كرهوا من رسول الله ولا من الإسلام شيئاً إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله وهل الغنى بعد الفقر مما ينقم منه، والجواب لا ولكنه الكفر والنفاق يفسد الذوق والفطرة والعقل أيضاً. ومع هذا الذي قاموا به من الكفر والشر والفساد يفتح الرب الرحيم ﵎ باب التوبة في وجوههم ويقول ﴿فإن يتوبوا﴾ ٣ من هذا الكفر والنفاق والشر والفساد٤ يك ذلك ﴿خيراً لهم﴾ حالاً ومآلاً أي في الدنيا والآخرة، ﴿وإن يتولوا﴾ عن هذا العرض ويرفضوه فيصرون على الكفر والنفاق ﴿يعذبهم الله عذاباً أليماً﴾ أي موجعاً في الدنيا بالقتل والخزي، وفي الآخرة بعذاب النار، ﴿ومالهم في الأرض من ولي﴾ ٥ يتولاهم ولا ناصر ينصرهم، أي وليس لهم في الدنيا من ولي يدفع عنهم ما أراد الله أن ينزله بهم من الخزي والعذاب وما لهم من ناصر ينصرهم بعد أن يخذلهم الله .

стр. 1063

هداية الآيتين. من هداية الآيتين: ١- بيان آية السيف١ وهي ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين﴾ . ٢- تقرير مبدأ الردة وهي أن يقول المسلم كلمة الكفر فيكفر بها وذلك كالطعن في الإسلام أو سب الله أو رسوله ﷺ أو التكذيب بما أمر الله تعالى بالإيمان به والتصديق بضده أي بما أمر الله بتكذيبه. ٣- تقرير مبدأ التوبة من كل الذنوب، وأن من تاب تقبل توبته. ٤- الوعيد الشديد لمن يصر على الكفر ويموت عليه. وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨) شرح الكلمات: ومنهم: أي من المنافقين. لئن آتانا من فضله: أي مالاً كثيراً. بخلوا به: أي منعوه فلم يؤدوا حقه من زكاة وغيرها. فأعقبهم نفاقاً: أي فأورثهم البخل نفاقاً ملازماً لقلوبهم لا يفارقها إلى يوم يلقون

стр. 1064

الله تعالى. بما أخلفوا الله.: أي بسبب إخلافهم ما وعدوا الله تعالى به. سرهم ونجواهم: أي ما يسرونه في نفوسهم ويخفونه، وما يتناجون به فيما بينهم. علام الغيوب: يعلم كل غيب في الأرض أو في السماء. معنى الآيات: ما زال السياق في المنافقين وهم أصناف وهذا صنف١ آخر منهم قد عاهد الله تعالى لئن أغناهم من فضله وأصبحوا ذوي ثروة ومال كثير ليصدقن منه ولينفقنّه في طريق البر والخير، فلما أعطاهم الله ما سألوا وكثر مالهم شحوا به وبخلوا، وتولوا عما تعهدوا به وما كانوا عليه من تقوى وصلاح، وهم معرضون. فأورثهم هذا البخل وخلف الوعد والكذب ﴿نفاقاً في قلوبهم٢﴾ لا يفارقهم حتى يلقوا ربهم. هذا ما دل عليه قوله تعالى ﴿ومنهم من٣ عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم٤ من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ . أما الآية الأخيرة (٧٨) وهي قوله تعالى ﴿ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب؟؟﴾ فإنها تضمنت توبيخ الله تعالى للمنافقين الذين عاهدوا الله وأخلفوه بموقفهم الشائن كأنهم لا يعلمون أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأنه تعالى علام الغيوب، وإلا كيف يعدونه ويحلفون له أم يحسبون أن الله لا يسمع سرهم ونجواهم فموقفهم هذا موقف مخز لهم شائن، وويل لهم حيث لازمهم ثمرته وهو النفاق حتى الموت وبهذا أغلق باب التوبة في وجوههم وهلكوا مع الهالكين.

стр. 1065

هداية الآيات. من هداية الآيات: ١- وجوب الوفاء بالعهود وخاصة عهود١ الله تعالى. ٢- ذم البخل وأهله. ٣- تقرير مبدأ أن السيئة يتولد عنها سيئة. ٤- جواز تقريع وتأنيب أهل الباطل. ٥- وجوب مراقبة الله تعالى إذ لو راقب هؤلاء المنافقون٢ الله تعالى لما خرجوا عن طاعته. الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠) شرح الكلمات: يلمزون: أي يعيبون ويطعنون

стр. 1066

المطوّعين: أي المتصدقين بأموالهم زيادة على الفريضة. إلا جهدهم: إلا طاقتهم وما يقدرون عليه فيأتون به. فيسخرون منهم: أي يستهزئون بهم احتقاراً لهم. استغفر لهم: أي اطلب لهم المغفرة أو لا تطلب. لا يهدي القوم الفاسقين: أي إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم وذلك لتوغلهم في العصيان. معنى الآيتين: ما زال السياق في التنديد بالمنافقين وكشف عوراتهم فقد أخبر تعالى أن ﴿الذين يلمزون١ المطوعين٢ من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم٣ فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم﴾ . أخبر تعالى أنه سخر منهم جزاء سخريتهم بالمتصدقين وتوعدهم بالعذاب الأليم. وكيفية لمزهم المتطوعين أن النبي ﷺ دعا إلى الصدقة فإذا جاء الرجل بمال كثير لمزوه وقالوا مراء، وإذا جاء الرجل بالقليل لمزوه وقالوا: الله غني عن صاعك هذا فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ففضحهم وسخر منهم وتوعدهم بأليم العذاب وأخبر نبيه أن استغفاره لهم وعدمه سواء فقال ﴿استغفر لهم٤ أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ وبين علة ذلك بقوله ﴿ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله﴾ ، وهذه العلة كافية في عدم المغفرة لهم لأنها الكفر والكافر مخلد في النار. وأخبر تعالى أنه حرمهم الهداية فلا يتوبوا فقال ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ لأن الفسق قد أصبح وصفاً لازماً لهم فلذا هم لا يتوبون، وبذلك حرموا هداية الله تعالى.

стр. 1067

هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- حرمة لمز المؤمن والطعن فيه. ٢- حرمة السخرية بالمؤمن. ٣- غيرة الله على أوليائه حيث سخر الله ممن سخر من المطوعين. ٤- من مات على الكفر لا ينفعه الاستغفار له، بل ولا يجوز الاستغفار له. ٥- التوغل في الفسق أو الكفر أو الظلم يحرم صاحبه الهداية. فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣) شرح الكلمات: فرح المخلفون: أي سرّ الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله ﷺ . وقالوا: لا تنفروا في الحر: أي قال المنافقون لبعضهم بعضاً لا تخرجوا للغزو في الحر. لو كانوا يفقهون: أي لو كانوا يفقهون أسرار الأمور وعواقبها ونتائجها لما قالوا: لا تنفروا في الحر ولكنهم لا يفقهون. فليضحكوا قليلاً وليبكوا: أي في الدنيا، وليبكوا كثيراً في الدار الآخرة.

стр. 1068

فإن رجعك الله إلى طائفة منهم: أي من المنافقين. فاقعدوا مع الخالفين: أي المتخلفين عن تبوك من النساء والأطفال وأصحاب الأعذار. معنى الآيات:. ما زال السياق في الحديث عن المنافقين فقال تعالى مخبراً عنهم ﴿فرح المخلفون١﴾ أي سر المتخلفون ﴿بمقعدهم خلاف٢ رسول الله﴾ أي بقعودهم بعد رسول الله ﷺ في المدينة ﴿وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم﴾ في سبيله، وكرههم هذا للجهاد هو ثمرة نفاقهم وكفرهم وقولهم ﴿لا تنفروا في الحر﴾ لأن غزوة تبوك كانت في شدة الحر، قالوا هذا لبعضهم بعضاً وهنا أمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم قولهم هذا فقال ﴿قل نار جهنم أشد حراً﴾ فلماذا لا يتَّقونها بالخروج في سبيل الله كما يتقون الحر بعدم الخروج، وقوله تعالى ﴿لو كانوا يفقهون﴾ أي لما تخلفوا عن الجهاد لأن نار جهنم أشد حراً، ولكنهم لا يفقهون وقوله تعالى ﴿فليضحكوا قليلاً﴾ أي٣ في هذه الحياة الدنيا بما يحصل لهم من المسرات ﴿وليبكوا كثيراً﴾ أي يوم القيامة لما ينالهم من الحرمان والعذاب، وذلك كان ﴿جزاء بما كانوا يكسبون﴾ من الشر والفساد، وقوله تعالى لرسوله ﷺ ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة منهم٤﴾ أي فإن ردك الله سالماً من تبوك إلى المدينة إلى طائفة من المنافقين ﴿فاستأذنوك للخروج﴾ معك لغزو وجهاد ﴿فقل لن تخرجوا معي أبداً، ولن تقاتلوا معي عدواً﴾ وعلة ذلك ﴿أنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين﴾ ٥ أي من النساء

стр. 1069

والأطفال فإن هذا يزيد في همهم ويعظم حسرتهم جزاء تخلفهم عن رسول الله وكراهيتهم الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله. هداية الآلات من هداية الآيات: ١- من علامات النفاق الفرح بترك طاعة الله ورسوله. ٢- من علامات النفاق كراهية طاعة الله ورسوله. ٣- كراهية الضحك والإكثار منه١. ٤- تعمد ترك الطاعة قد يسبب الحرمان منها. وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥) شرح الكلمات: ولا تصل على أحد: أي صلاة الجنازة. ولا تقم على قبره: أي لا تتول دفنه والدعاء له كما تفعل مع المؤمنين. وماتوا وهم فاسقون.: أي خارجون عن طاعة الله ورسوله. وتزهق أنفسهم: أي تخرج أرواحهم بالموت وهم كافرون. معنى الآيتين: ما زال السياق في شأن المنافقين المتخلفين عن غزوة تبوك، وإن كانت هذه الآية

стр. 1070

نزلت في١ شأن عبد الله بن أبي بن سلول كبير المنافقين وذلك أنه لما مات طلب ولده الحباب الذي سماه رسول الله ﷺ عبد الله وقال له الحباب اسم الشيطان وسماه عبد الله جاءه فقال يا رسول الله إن أبي قد مات فأعطني قميصك٢ أكفنه فيه، "رجاء بركته" وصل عليه واستغفر له يا رسول الله فأعطاه رسول الله ﷺ القميص وقال له إذا فرغتم فآذنوني فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر وقال له: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين فقال بل خيرني فقالوا استغفر لهم أو لا تستغفر لهم. فصلى عليه فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ولا تصل على أحد منهم٣ فات أبداً، ولا تقم على قبره﴾ أي لا تتول دفنه والدعاء له بالتثبيت عند المسألة. وعلل تعالى لهذا الحكم بقوله ﴿إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ ، وقوله ﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم﴾ أي لا تصل٤ على أحد منهم مات يا رسول الله ﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم﴾ فتصلي عليهم. إني إنما أعطيتهم ذلك لا كرامة لهم وإنما لأعذبهم بها في الدنيا بالغموم والهموم ﴿وتزهق أنفسهم﴾ أي ويموتوا ﴿وهم كافرون﴾ فسينقلون إلى عذاب أبدي لا يخرجون منه، وذلك جزاء من كفر بالله ورسوله. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- حرمة الصلاة على الكافر مطلقاً. ٢- حرمة غسل الكافر والقيام على دفنه والدعاء له.

стр. 1071

٣- كراهة الصلاة على أهل الفسق دون الكفر. ٤- حرمة الإعجاب بأحوال الكافرين المادية. وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ (٨٧) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠) شرح الكلمات: استأذنك: أي طلبوا إذنك لهم بالتخلف. أولوا الطول منهم: أي أولو الثروة والغنى. ذرنا نكن مع القاعدين: أي اتركنا مع المتخلفين من العجزة والمرضى والأطفال والنساء. مع الخوالف: أي مع النساء جمع خالفة المرأة تخلف الرجل في البيت إذا غاب.

стр. 1072

طبع على قلوبهم: أي توالت ذنوبهم على قلوبهم فأصبحت طابعاً عليها فحجبتها المعرفة. لهم الخيرات: أي في الدنيا بالنصر والغنيمة. وفي الآخرة بالجنة والكرامة فيها. وأولئك هم المفلحون: أي الفائزون بالسلامة من المخوف والظفر بالمحبوب. المعذرون: أي المعتذرون. وقعد الذين كذبوا الله: أي ولم يأت إلى طلب الإذن بالقعود عن الجهاد منافقوا الأعراب. معنى الآيات:. ما زال السياق في كشف عورات المنافقين وبيان أحوالهم فقال تعالى ﴿وإذا أنزلت١ سورة﴾ أي قطعة من القرآن آية أو آيات ﴿أن آمنوا بالله وجاهدوا مع٢ رسوله﴾ أي تأمر بالإيمان بالله والجهاد مع رسوله ﴿استأذنك أولوا الطول منهم٣﴾ أي من المنافقين ﴿وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين﴾ أي المتخلفين عن الجهاد للعجز كالمرضى والنساء والأطفال قال تعالى: في عيبهم وتأنيبهم ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ أي مع النساء وذلك لجبنهم وهزيمتهم النفسية وقوله تعالى ﴿وطبع على قلوبهم﴾ أي طبع الله على قلوبهم بآثار ذنوبهم التي رانت على قلوبهم فلذ اهم لا يفقهون معنى الكلام وإلا لما رضوا بوصمة العار وهي أن يكونوا في البيوت مع النساء هذه حال المنافقين وتلك فضائحهم إذا أنزلت سورة تأمر بالإيمان والجهاد يأتون في غير حياء ولا كرامة يستأذنون في البقاء مع النساء (لكن٤ الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم﴾ ولم يستأذنوا ففازوا بكرامة الدنيا

стр. 1073

والآخرة قال تعالى ﴿وأولئك لهم الخيرات﴾ ١ أي في الدنيا بالانتصارات والغنائم وفي الآخرة بالجنة ونعيمها ورضوان الله فيها. وقال ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ أي الفائزون بالسلامة من كل مرهوب وبالظفر بكل مرغوب وفسر تعالى تلك الخيرات وذلك الفلاح بقوله في الآية (٨٩) فقال ﴿أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾ وأخبر عما أعد لهم من ذلك النعيم المقيم بأنه الفوز فقال ﴿ذلك الفوز العظيم﴾ . هذا ما دلت عليه الآيات الأربع أما الآية الخامسة (٩٠) فقد تضمنت إخبار الله تعالى عن منافقي الأعراب أي البادية، فقال تعالى ﴿وجاء المعذرون٢﴾ أي المعتذرون أدغمت التاء في الذال فصارت المعذرون من الأعراب أي من سكان البادية كأسد وغطفان ورهط عامر بن الطفيل جاءوا يطلبون الإذن من رسول الله ﷺ بالتخلف بدعوى الجهد والمخمصة، وقد يكونون معذورين حقاً وقد لا يكونون كذلك. وقوله ﴿وقعد الذين كذبوا الله ورسوله﴾ في دعوى الإيمان بالله ورسوله وما هم بمؤمنين بل هم كافرون منافقون، فلذا مال تعالى فيهم ﴿سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾ في الدنيا وفي الآخرة، إن ماتوا على كفرهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- القرآن هو مصدر التشريع الإلهي الأول والسنة الثاني. ٢- مشروعية الاستئذان للحاجة الملحة. ٣- حرمة الاستئذان للتخلف عن الجهاد مع القدرة عليه. ٤- حرمة التخلف عن الجهاد بدون إذن من الإمام. ٥- فضل الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله. ٦- بيان عظم الأجر وعظيم الجزاء لأهل الإيمان والجهاد.

стр. 1074

لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٩١) وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ (٩٢) شرح الكلمات: على الضعفاء: أي كالشيوخ. ولا على المرضى: كالعمى والزَمْنَى. حرج: أي إثم على التخلف. إذا نصحوا لله ورسوله: أي لا حرج عليهم في التخلف إذا نصحوا لله ورسوله وذلك بطاعتهم لله ورسوله مع تركهم الإرجاف والتثبيط. ما على المحسنين من سبيل: أي من طريق إلى مؤاخذتهم. لتحملهم.: أي على رواحل يركبونها. تولوا ": أي رجعوا إلى بيوتهم. تفيض من الدمع: أي تسيل بالدموع الغزيرة حزناً على عدم الخروج. معنى الآيتين: لما ندد تعالى بالمتخلفين وتوعد بالعذاب الأليم الذين لم يعتذروا منهم ذكر في هذه الآيات أنه لا حرج على أصحاب الأعذار وهم الضعفاء، كالشيوخ والمرضى والعميان وذوو العرج١ والفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون ولكن بشرط نصحهم لله ورسوله فقال عز

стр. 1075

وجل ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾ أي إثم ﴿إذا نصحوا لله ورسوله﴾ ١ ومعنى النصح لله ورسوله طاعتهما في الأمر والنهي وترك الإرجاف والتثبيط والدعاية المضادة لله ورسوله والمؤمنين والجهاد في سبيل الله وقوله تعالى ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ أي ليس على من أحسنوا في تخلفهم لأنه أولاً بعذر شرعي٢ وثانياً هم مطيعون لله ورسوله وثالثاً قلوبهم ووجوههم مع الله ورسوله وإن تخلفوا بأجسادهم للعذر فهؤلاء ما عليهم من طريق إلى انتقاصهم أو أذيتهم بحال من الأحوال، كما ليس من سبيل ﴿على الذين إذا ما أتوك لتحملهم﴾ إلى الجهاد معك في سيرك ﴿قلت﴾ معتذراً إليهم ﴿لا أجد ما أحملكم عليه تولوا﴾ أي رجعوا إلى منازلهم وهم يبكون والدموع تفيض من أعينهم٣ حزناً ﴿ألا يجدوا ما ينفقون﴾ في سيرهم معكم وهم نفر منهم العرباص بن سارية وبنو مقرن وهم بطن من مزينة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- لا حرج على أصحاب الأعذار الذين ذكر الله تعالى في قوله ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾ وفي هذه الآية ﴿ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون﴾ حرج وبشرط طاعة الله والرسول فيما يستطيعون والنصح٤ لله والرسول بالقول والعمل وترك التثبيط والتخذيل والإرجاف من الإشاعات المضادة للإسلام والمسلمين.

стр. 1076

٢- مظاهر الكمال المحمدي في تواضعه ورحمته وبره وإحسانه إلى المؤمنين. ٣- بيان ما كان عليه أصحاب الرسول ﷺ من المهاجرين والأنصار من الإيمان واليقين والسمع والطاعة والمحبة والولاء ورقة القلوب وصفاء الأرواح. اللهم إنا نحبهم بحبك فأحببنا كما أحببتهم واجمعنا معهم في دار كرامتك.

стр. 1077

الجزء الحادي عشر إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦) شرح الكلمات: إنما السبيل: أي الطريق إلى المعاقبة. أغنياء: واجدون لأهبة الجهاد مع سلامة أبدانهم. الخوالف: أي النساء والأطفال والعجزة. إذا رجعتم إليهم: أي إذا عدتم إليهم من تبوك، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً. لن نؤمن لكم: أي لن نصدقكم فيما تقولون. ثم تُرَدّون: أي يوم القيامة. إذا انقلبتم: أي رجعتم من تبوك.

стр. 1078

لتُعرِضوا عنهم: أي لا تعاقبوهم. رجس: أي نَجَس لخُبْث بواطنهم. معنى الآيات:. ما زال السياق الكريم في المُخَلَّفين من المنافقين وغير المنافقين فقال تعالى ﴿إنما١ السبيل﴾ أي الطريق إلى عقاب المخلَّفين على الذين يستأذنونك في التخلُّف عن الغزو وهم أغنياء أي ذوو قُدرة٢ على النفقة والسير ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ أي النساء ﴿وطبع الله على قلوبهم﴾ بسبب ذنوبهم فهم لذلك لا يعلمون أن تخلفهم عن رسول الله لا يُجديهم نفعاً وأنه يجرُّ عليهم البلاء الذي لا يطيقونه. هؤلاء هُم الذين لكم سبيل على عقابهم ومؤاخذتهم، لا على الذين لا يجدون ما ينفقون، وطلبوا منك حملاناً فلم تجد ما تحملهم عليه فرجعوا إلى منازلهم وهم يبكون حزناً. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٩٣) أما الآيات الثلاث بعدها فهي في المخلَّفين من المنافقين يخبر تعالى عنهم فيقول ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم﴾ يطلبون العذر منكم إذا رجعتم إلى المدينة من غزوكم. قل لهم يا رسولنا لا تعتذروا لأننا لا نؤمن لكم أي لا نصدقكم فيما تقولونه، لأن الله تعالى قد نَبَّأنَا من أخباركم٣ وسيرى الله عملكم٤ ورسوله. إن أنتم تبتم فأخلصتم دينكم لله، أو أصررتم على كفركم ونفاقكم، وستُردُّون بعد موتكم إلى عالم الغيب والشهادة وهو الله تعالى فينبئكم يوم القيامة بعد بعثكم بما كنتم تعملون من حسنات أو سيئآت ويجزيكم بذلك الجزاء العادل. وقوله تعالى ﴿سيحلفون٥ بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم﴾ يخبر تعالى رسوله والمؤمنين فيقول سيحلف لكم هؤلاء المخلَّفون إذا رجعتم إليهم أي إلى المدينة من أجل أن تعرضوا عنهم فأعرضوا٦ عنهم أي لا تؤاخذوهم ولا تلتفوا إليهم إنهم رجْس أي نَجَس، ومأواهم جهنم جزاء لهم بما كانوا يكسبونه من

стр. 1079

الكفر والنفاق والمعاصي.. وقوله تعالى ﴿يحلفون لكم﴾ ١ معتذرين بأنواع من المعاذير لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فلن ينفعهم رضاكم شيئاً لأنهم فاسقون والله لا يرضى عن القوم الفاسقين وما دام لا يرضى عنهم فهو ساخط عليهم، ومن سخط الله عليه أهلكه وعذبه فلذا رضاكم عنهم وعدمه سواء. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- لا سبيل إلى أذِيَّة المؤمنين الصادقين إذا تخلَّفوا فإنهم ما تخلفوا إلا لعذر. وإنما السبيل على الأغنياء القادرين على السير إلى الجهاد وقعدوا عنه لنفاقهم. ٢- مشروعية الاعتذار على شرط أن يكون المؤمن صادقاً في اعتذاره. ٣- المنافقون كالمشركين رجْس أي نَجَس لأن بواطنهم خبيثة بالشرك والكفر وأعمالهم الباطنة خبيثة أيضاً إذْ كلها تآمر على المسلمين ومكر بهم وكيد لهم. ٤- حرمة الرضا على الفاسق المجاهر بفسقه، إذ يجب بُغْضه فكيف يُرضى عنه ويُحب؟ الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٩٩) شرح الكلمات:

стр. 1080

الأعراب١: جمع أعرابي وهو من سكن البادية. أشد كفراً ونفاقاً: أي من كفار ومنافقي الحاضرة. وأجدر٢: أي أحق وأولى. حدود ما أنزل الله: أي بشرائع الإسلام. مغرماً: أي غرامة وخسراناً. ويتربص: أي ينتظر. الدوائر: جمع دائرة: ما يحيط بالإنسان من مصيبة أو نكبة. دائرة السوء: أي المصيبة التي تسوءهم ولا تسرهم وهي الهلاك. قربات: جمع قربة وهي المنزلة المحمودة. وصلوات الرسول: أي دعاؤه لهم بالخير. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الكشف عن المنافقين وإعدادهم للتوبة أو للقضاء عليهم ففي الآية الأولى (٩٧) يخبر تعالى أن الأعراب٣ وهم سكان البادية من العرب أشد كفراً ونفاقاً من كفار الحَضَر ومنافقيهم. وإنهم أجدر أي أخلق وأحق أي بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله أي من الأحكام٤ والسنن وذلك لبعدهم عن الاتصال بأهل الحاضرة وقوله تعالى ﴿والله عليم حكيم﴾ أي عليم بخلقه حكيم في شرعه فما أخبر به هو الحق الواقع، وما قضى به هو العدل الواجب. وقوله تعالى في الآية الثانية (٩٨) ﴿ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً﴾ ٥ أي من بعض الأعراب من يجعل ما ينفقه في الجهاد غرامة لزمَتْه وخسارة لحقَتْه في ماله وذلك لأنه لا يؤمن بالثواب والعقاب الأخروي

стр. 1081

لأنه كافر بالله ولقاء الله تعالى. وقوله ﴿ويتربص بكم الدوائر﴾ أي وينتظر بكم أيها المسلمون الدوائر متى تنزل بكم فيتخلص منكم ومن الإنفاق لكم والدوائر جمع دائرة المصيبة والنازلة من الأحداث وقوله تعالى ﴿عليهم دائرة السوء﴾ ١ هذه الجملة دعاء عليهم. جزاء ما يتربصون بالمؤمنين. وقوله ﴿والله سميع عليم﴾ أي سميع لأقوالهم عليم بنيانهم فلذا دعا عليهم بما يستحقون. وقوله تعالى في الآية الثالثة (٩٩) ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر٢ ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول﴾ ٣ إخبار منه تعالى بأن الأعراب ليسوا سواء بل منهم من يؤمن بالله واليوم الأخر، فلذا هو يتخذ ما ينفق من نفقة في الجهاد قربات عند الله أي قرباً يتقرب بها إلى الله تعالى، ووسيلة للحصول على دعاء الرسول له، لأن الرسول ﷺ كان إذا أتاه المؤمن بزكاته أو صدقته يدعو له بخير، كقوله لعبد الله بن أبي أوفى: اللهم صل على آل أبي أوفى، وقوله تعالى ﴿ألا إنها قربة لهم﴾ إخبار منه تعالى بأنه تقبلها منهم صارت قربة٤ لهم عنده تعالى، وقوله تعالى ﴿سيدخلهم الله في رحمته﴾ بشرى لهم بدخول الجنة، وقوله ﴿إن الله غفور رحيم﴾ يؤكد وعد الله تعالى لهم بإدخالهم في رحمته التي هي الجنة فإنه يغفر ذنوبهم أولاً، ويدخلهم الجنة ثانياً هذه سنته تعالى في أوليائه، يطهرهم ثم ينعم عليهم بجواره. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أن سكان البادية يُحرمون من كثير عن الآداب والمعارف فلذا سكن البادية غير محمود إلا إذا كان فراراً من الفتن. ٢- من الأعراب المؤمن والكافر والبر والتقي والعاصي والفاجر كسكان المدن إلا أن كفار البادية ومنافقيها أشد كفراً ونفاقاً لتأثير البيئة. ٣- فضل النفقة في سبيل الله والإخلاص فيها لله تعالى.

стр. 1082

وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٠٢) شرح الكلمات: والسابقون: أي إلى الإيمان والهجرة والنصرة والجهاد. اتبعوهم بإحسان: أي في أعمالهم الصالحة. ﵃: بسبب طاعتهم له وإنابتهم إليه وخشيتهم منه ورغبتهم فيما لديه. ورضوا عنه: بما أنعم عليهم من جلائل النعم وعظائم المِنَنْ. وممن حولكم: أي حول المدينة من قبائل العرب. مردوا: مرقوا وحذقوه وعتوْا فيه. سنعذبهم مرتين: الأولى قد تكون فضيحتهم بين المسلمين والثانية عذاب القبر. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿والسابقون١ الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ ٢ وهم الذين سبقوا غيرهم.

стр. 1083

إلى الإيمان والهجرة والنصرة والجهاد، والذين اتبعوهم١ في ذلك وأحسنوا أعمالهم فكانت موافقة لما شرع الله وبين رسوله محمد ﷺ الجميع ﵃ بإيمانهم وصالح أعمالهم، ورضوا عنه بما أنالهم من إنعام وتكريم، وأعد لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً أي وبشرهم بما أعد لهم من جنات وقوله ﴿ذلك الفوز العظيم﴾ أي ذلك المذكور من رضاه تعالى عنهم ورضاهم عنه وإعداد الجنة لهم هو الفوز العظيم، والفوز السلامة من المرهوب والظفر بالمرغوب فالنجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم، هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٠٠) وأما الآية الثانية فقد تضمنت الإخبار بوجود منافقين في الأعراب٢ حول المدينة، ومنافقين في داخل المدينة، إلا أنهم لتمرسهم وتمردهم في النفاق أصبحوا لا يُعرفون، لكن الله تعالى يعلمهم هذا معنى قوله تعالى ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا٣ على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ ، وقوله تعالى ﴿سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ وعيد لهم نافذ فيهم لا محالة وهو أنه تعالى سيعذبهم في الدنيا مرتين مرة بفضحهم أو بما شاء من عذاب ومرة في قبورهم، ثم بعد البعث يردهم إلى عذاب النار وهو العذاب العظيم، وقوله تعالى في الآية الثالثة (١٠٢) ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً﴾ ٤ هؤلاء أُناس آخرون تخلفوا عن الجهاد بغير عذر وهم أبو لبابة ونفر معه ستة أو سبعة أنفار ربطوا أنفسهم في سواري المسجد لما سمعوا ما نزل في المتخلفين وقالوا لن نحل أنفسنا حتى يحلنا رسول الله ﷺ خلطوا عملاً صالحاً وهو إيمانهم وجهادهم وإسلامهم وعملاً سيئاً وهو تخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر، فقوله تعالى ﴿عسى الله أن يتوب عليهم﴾ إعلامهم بتوبة الله تعالى عليهم فجاء رسول الله ﷺ فحل رباطهم وقالوا لرسول الله ﷺ هذه أموالنا التي خلفتنا عنك خذها فتصدق بها واستغفر لنا فقال ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً.

стр. 1084

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- فضل السبق للخير والفوز بالأولية فيه. ٢- فضل أصحاب رسول الله ﷺ على غيرهم ممن جاء بعدهم. ٣- فضل التابعين لأصحاب رسول الله ﷺ إن أحسنوا المتابعة. ٤- علْم ما في القلوب إلى الله تعالى فلا يعلم أحد من الغيب إلا ما علَّمه الله . ٥- الرجاء لأهل التوحيد الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً بأن يغفر الله لهم ويرحمهم. خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦) شرح الكلمات: صدقة: مالاً يتقرب به إلى الله تعالى. تطهرهم وتزكيهم بها: أي تطهرهم من ذنوبهم، وتزكيهم أنت أيها الرسول بها بدعائك لهم وثنائك عليهم. وصل عليهم: أي ادع لهم بالخير. إن صلاتك سكن لهم: أي دعاءك رحمة. ويأخذ الصدقات: يتقبلها.

стр. 1085

مرجون لأمر الله: مؤخرون لحكم الله وقضائه. عليم حكيم: أي بخلقه نيات وأموالاً وأعمالاً حكيم في قضائه وشرعه. معنى الآيات: لقد تقدم في الآية قبل هذه أن المتخلفين التائبين قالوا للرسول ﷺ هذه أموالنا١ التي تخلفنا بسببها صدقة فخذها يا رسول الله فقال لهم إني لم أُؤْمر بذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿خذ٢ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم، والله سميع عليم﴾ فأمر تعالى رسوله أن يأخذ صدقة هؤلاء التائبين لأنها تطهرهم من ذنوبهم ومن أوضار الشُّح في نفوسهم وتزكيهم أيها الرسول بها بقبولك لها وصل عليهم أي ادع لهم بخير، إن صلاتك سكن٣ لهم أي رحمة وطمأنينة في نفوسهم والله سميع لأقوالهم لمَّا قدموا صدقتهم وقالوا خذها يا رسول الله عليم بنياتهم وبواعث نفوسهم فهم تائبون توبة صدق وحق. وقوله تعالى ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده﴾ الاستفهام للتقرير أي هم يعلمون ذلك قطعاً، ويأخذ الصدقات٤ أي يقبلها، وأن الله هو التواب أي كثير قبول التوبة من التائبين الرحيم بعباده المؤمنين ثم أمر الله تعالى رسوله أن يقول لهم حاضاً لهم على العمل الصالح تطهيراً لهم وتزكية لنفوسهم ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ ٥ فيشكر لكم ويثني به عليكم ﴿وستردون إلى عالم الغيب والشهادة﴾ وهو الله ﴿فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ ويجزيكم به الحسن بالحسن والسيء بمثله. وقوله تعالى ﴿وآخرون مرجون لأمر الله. إما يعذبهم وإما يتوب

стр. 1086

عليهم﴾ هذا هو الصنف الثالث من أصناف المتخلفين فالأول هم المنافقون والثاني هم التائبون والثالث هو المقصود بهذه الآية وهم ثلاثة أنفار كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية فهؤلاء لم يأتوا الرسول ﷺ ليعتذروا إليه كما فعل التائبون المتصدقون بأموالهم منهم أبو لبابة حيث ربطوا أنفسهم في سواري المسجد فأمر الرسول ﷺ بمقاطعتهم١ حتى يحكم الله فيهم، وهو معنى قوله تعالى ﴿مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم﴾ فإن عذبهم أو تاب عليهم فذلك لعلمه وحكمته. وبقوا كذلك حتى ضاقت بهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ثم تاب الله تعالى عليهم كما جاء ذلك بعد كذا آية من آخر هذه السورة ﴿إن الله هو التواب الرحيم﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الصدقة تكفر الذنوب ونطهر الأرواح من رذيلة الشح والبخل.. ٢- يستحب لمن يأخذ صدقة امرئ مسلم أن يدعو له بمثل: آجرك الله٢ على ما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت. ٣- ينبغي للتائب من الذنب الكبير أن يكثر بعده من الصالحات كالصدقات والصلوات ونحوها. ٤- فضيلة الخوف والرجاء فالخوف يحمل على ترك المعاصي والرجاء يعمل على الإكثار من الصالحات. وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ

стр. 1087

يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠) شرح الكلمات: ضراراً: أي لأجل الإضرار. وإرصاداً: اانتظاراً وترقباً. إلا الحسنى: أي إلا الخير والحال الأحسن. لا تقم فيه أبداً: أي لا تقم فيه للصلاة أبداً. أسس على التقوى: أي بني على التقوى وهو مسجد قبا. فيه رجال: هم بنو عَمرو بن عوف. على تقوى من الله: أي على خوف. ورضوان: أي رجاء رضوان الله تعالى. على شفا جرف هار: أي على طرف جرف مشرف على السقوط، وهو مسجد الضرار. ريبة في قلوبهم: أي شكاً في نفوسهم. إلا أن تقطع قلوبهم: أي تُفْصَل من صدورهم فيموتوا. معنى الآيات: ما زال السياق في فضح المنافقين وإغلاق أبواب النفاق في وجوههم حتى يتوبوا إلى الله تعالى أو يهلكوا وهم كافرون فقال تعالى ذاكراً فريقاً منهم ﴿والذين اتخذوا مسجداً ١

стр. 1088

ضراراً وكفراً وتفريقاً ١ بين المؤمنين وإرصاداً لمن٢ حارب الله ورسوله من قبل﴾ إن المراد من هؤلاء الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً اثنا عشر رجلاً من أهل المدينة كانوا قد أتوا النبي ﷺ وهو شاخص إلى تبوك فقالوا يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً للعاجز منا والمريض واللّيلة المطيرة فَصَلِّ لنا فيه فقال لهم ﷺ أنا الآن على جناح سفر وإن عدنا نصلي لكم فيه إن شاء الله أو كما قال. فلما عاد ﷺ من تبوك ووصل إلى مكان قريب من المدينة يقال له ذواوان وهو بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار نزل عليه الوحي بشأن مسجد الضرار فبعث مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي أو أخاه عاصماً أخا بني العجلان فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا مسرعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال لمعن أنظرني حتى أخرج إليك بنار فخرج بسعف نخل قد أضرم فيه النار وأتيا المسجد وأهله فيه فأضرما فيه النار وهدماه وتفرق أهله ونزل فيهم قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا مسجداً ضراراً﴾ أي لأجل الإضرار المسجد النبوي ومسجد قباء حتى يأتيهما أهل الحي وقوله ﴿كفراً﴾ أي لأجل الكفر بالله ورسوله وقوله ﴿وتفريقاً بين المؤمنين﴾ علة ثالثة لبناء مسجد الضرار إذ كان أهل الحي مجتمعين في مسجد قباء فأرادوا تفرقتهم في مسجدين حتى يجد هؤلاء المنافقون مجالاً للتشكيك والطعن وتفريق صفوف المؤمنين على قاعدة: (فرق تسد) ﴿وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾ وهو أبو عامر الراهب الفاسق لأنه عليه لعائن الله هو الذي أمرهم أن يبنوه ليكون وكراً للتآمر والكيد وهذا الفاسق قال للنبي ﷺ ما وجدت قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فكان مع المشركين في حروبهم كلها إلى أن أنهزم المشركون في هوازن وأيس اللعين ذهب إلى بلاد الروم يستعديهم على رسول الله ﷺ ، ومن هنا أمر المنافقين ببناء مسجد الضرار ليكون كما ذكر تعالى حتى ينزل به مع جيوش الروم التي قد خرج يستعديها ويؤلَّبها إلا أنه خاب في مسعاه وهلك بالشام إلى جهنم وبئس المصير فهذا معنى قوله تعالى ﴿وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾ أي قبل بناء مسجد الضرار الذي هُدم وحُرق وأصبح موضع قمامة تلقى فيه الجِيَفْ والقمائم.

стр. 1089

وقوله تعالى ﴿وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى﴾ هذا قولهم لما حرق عليهم المسجد وهدم وانفضح أمرهم حلفوا ما أرادُوا ببنائه إلا الحالة التي هي حسنى لا سوء فيها إذ قالوا بنيناه لأجل ذي العلة ولليلة المطيرة. وقوله تعالى ﴿والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ تفيد لقولهم وتقرير لكذبهم. وقوله تعالى ﴿لا تقم فيه أبداً﴾ ١ نهيٌ للرسول ﷺ أن يصلى لهم فيه كما واعدهم وهو ذاهب إلى تبوك. وقوله تعالى ﴿لمسجد أسس٢ على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾ وهو مسجده ﷺ ومسجد قباء إذ كل منهما أسس من أول يوم على تقوى من الله ورضوان أي على خوف من الله وطلب رضاه، وقوله تعالى ﴿فيه رجال يحبون أن يطهروا والله يحب المطهرين﴾ ثناء على أهل قباء بخير وإخبار أنهم يحبون أن يتطهروا٣ من الخبث الحسِّي والمعنوي فكانوا يجمعون في الاستنجاء بين الحجارة والماء فأثنى الله تعالى عليهم بذلك، وقوله تعالى ﴿أفمن أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان﴾ أي على مخافة من الله وطلب لرضاه خير أمن أسس بنيانه على شفا أي طرف جرف هار أي مشرف على السقوط، والجرف٤ ما يكون في حافة الوادي من أرض يجرف السيل من تحتها التراب وتبقى قائمة ولكنها مشرفة على السقوط، وقوله تعالى ﴿فانهار به في نار جهنم﴾ أي سقط به ذلك الجرف في نار جهنم والعياذ بالله تعالى، هذا حال أولئك المنافقين الذين بنوا مسجد الضرار. وقوله تعالى ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي لا يهديهم إلى ما يكمُلون به ويسعدون أي يحرمهم هدايته فيخسرون دنيا وأُخرى وقوله تعالى ﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم٥﴾ أي شكاً واضطراباً في نفوسهم ﴿إلا أن تقطع ٦ قلوبهم﴾ فيهلكوا والشك في قلوبهم أي فكان هذا البناء الظالم سبباً في تأصل النفاق

стр. 1090

والكفر في قلوبهم حتى يموتوا كافرين وقوله ﴿والله عليم حكيم﴾ تذييل للكلام بما يقرر مضمونه ويثبته فكونه تعالى علمياً حكيماً يستلزم حرمان أولئك الظلمة المنافقين من الهداية حتى يموتوا وهم كافرون إلى جهنم وذلك لتوغلهم في الظلم والشر والفساد. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أكبر مؤامرة ضد الإسلام قام بها المنافقون بإرشاد الفاسق أبي عامر الراهب. ٢- بيان أن تنازع الشرف هو سبب البلاء كل البلاء فابن أُبَيّ حاربَ الإسلام لأنه كان يُؤمِّلُ في السُّلطة على أهل المدينة فحُرِمَها بالإسلام. وأبو عامر الراهب ترهَّب لأجل الشرف على أهل المدينة والسلطان الروحى فلذا لما فقدها حارب من كان سبب حرمانه وهو الرسول ﷺ حتى قال له مواجهة: ما قاتلك قوم إلا قاتلتك معهم. بل ذهب إلى الروم يؤلِّبهم على رسول الله ﷺ واليهود ما حاربوا الإسلام إلا من أجل المحافظة على أملهم في مملكة إسرائيل. ٣- لا يصح الاغترار بأقوال أهل النفاق فإنها كذب كلها. ٤- أيما مسجد بُني للإضرار والتفرقة بن المسلمين إلا ويجب هدمه وتحرم الصلاة فيه. ٥- فضل التطهر والمبالغة في الطهارتين الروحية والبدنية. ٦- التحذير من الظلم والإسراف فيه فإنه يحرم صاحبه هداية الله فيهلك وهو ظالم فيخسر دنيا وأُخرى. إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ
следующие страницы →