← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

عليهم﴾ هذا هو الصنف الثالث من أصناف المتخلفين فالأول هم المنافقون والثاني هم التائبون والثالث هو المقصود بهذه الآية وهم ثلاثة أنفار كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية فهؤلاء لم يأتوا الرسول ﷺ ليعتذروا إليه كما فعل التائبون المتصدقون بأموالهم منهم أبو لبابة حيث ربطوا أنفسهم في سواري المسجد فأمر الرسول ﷺ بمقاطعتهم١ حتى يحكم الله فيهم، وهو معنى قوله تعالى ﴿مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم﴾ فإن عذبهم أو تاب عليهم فذلك لعلمه وحكمته. وبقوا كذلك حتى ضاقت بهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ثم تاب الله تعالى عليهم كما جاء ذلك بعد كذا آية من آخر هذه السورة ﴿إن الله هو التواب الرحيم﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الصدقة تكفر الذنوب ونطهر الأرواح من رذيلة الشح والبخل.. ٢- يستحب لمن يأخذ صدقة امرئ مسلم أن يدعو له بمثل: آجرك الله٢ على ما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت. ٣- ينبغي للتائب من الذنب الكبير أن يكثر بعده من الصالحات كالصدقات والصلوات ونحوها. ٤- فضيلة الخوف والرجاء فالخوف يحمل على ترك المعاصي والرجاء يعمل على الإكثار من الصالحات. وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ

стр. 1087

يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠) شرح الكلمات: ضراراً: أي لأجل الإضرار. وإرصاداً: اانتظاراً وترقباً. إلا الحسنى: أي إلا الخير والحال الأحسن. لا تقم فيه أبداً: أي لا تقم فيه للصلاة أبداً. أسس على التقوى: أي بني على التقوى وهو مسجد قبا. فيه رجال: هم بنو عَمرو بن عوف. على تقوى من الله: أي على خوف. ورضوان: أي رجاء رضوان الله تعالى. على شفا جرف هار: أي على طرف جرف مشرف على السقوط، وهو مسجد الضرار. ريبة في قلوبهم: أي شكاً في نفوسهم. إلا أن تقطع قلوبهم: أي تُفْصَل من صدورهم فيموتوا. معنى الآيات: ما زال السياق في فضح المنافقين وإغلاق أبواب النفاق في وجوههم حتى يتوبوا إلى الله تعالى أو يهلكوا وهم كافرون فقال تعالى ذاكراً فريقاً منهم ﴿والذين اتخذوا مسجداً ١

стр. 1088

ضراراً وكفراً وتفريقاً ١ بين المؤمنين وإرصاداً لمن٢ حارب الله ورسوله من قبل﴾ إن المراد من هؤلاء الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً اثنا عشر رجلاً من أهل المدينة كانوا قد أتوا النبي ﷺ وهو شاخص إلى تبوك فقالوا يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً للعاجز منا والمريض واللّيلة المطيرة فَصَلِّ لنا فيه فقال لهم ﷺ أنا الآن على جناح سفر وإن عدنا نصلي لكم فيه إن شاء الله أو كما قال. فلما عاد ﷺ من تبوك ووصل إلى مكان قريب من المدينة يقال له ذواوان وهو بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار نزل عليه الوحي بشأن مسجد الضرار فبعث مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي أو أخاه عاصماً أخا بني العجلان فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا مسرعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال لمعن أنظرني حتى أخرج إليك بنار فخرج بسعف نخل قد أضرم فيه النار وأتيا المسجد وأهله فيه فأضرما فيه النار وهدماه وتفرق أهله ونزل فيهم قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا مسجداً ضراراً﴾ أي لأجل الإضرار المسجد النبوي ومسجد قباء حتى يأتيهما أهل الحي وقوله ﴿كفراً﴾ أي لأجل الكفر بالله ورسوله وقوله ﴿وتفريقاً بين المؤمنين﴾ علة ثالثة لبناء مسجد الضرار إذ كان أهل الحي مجتمعين في مسجد قباء فأرادوا تفرقتهم في مسجدين حتى يجد هؤلاء المنافقون مجالاً للتشكيك والطعن وتفريق صفوف المؤمنين على قاعدة: (فرق تسد) ﴿وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾ وهو أبو عامر الراهب الفاسق لأنه عليه لعائن الله هو الذي أمرهم أن يبنوه ليكون وكراً للتآمر والكيد وهذا الفاسق قال للنبي ﷺ ما وجدت قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فكان مع المشركين في حروبهم كلها إلى أن أنهزم المشركون في هوازن وأيس اللعين ذهب إلى بلاد الروم يستعديهم على رسول الله ﷺ ، ومن هنا أمر المنافقين ببناء مسجد الضرار ليكون كما ذكر تعالى حتى ينزل به مع جيوش الروم التي قد خرج يستعديها ويؤلَّبها إلا أنه خاب في مسعاه وهلك بالشام إلى جهنم وبئس المصير فهذا معنى قوله تعالى ﴿وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾ أي قبل بناء مسجد الضرار الذي هُدم وحُرق وأصبح موضع قمامة تلقى فيه الجِيَفْ والقمائم.

стр. 1089

وقوله تعالى ﴿وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى﴾ هذا قولهم لما حرق عليهم المسجد وهدم وانفضح أمرهم حلفوا ما أرادُوا ببنائه إلا الحالة التي هي حسنى لا سوء فيها إذ قالوا بنيناه لأجل ذي العلة ولليلة المطيرة. وقوله تعالى ﴿والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ تفيد لقولهم وتقرير لكذبهم. وقوله تعالى ﴿لا تقم فيه أبداً﴾ ١ نهيٌ للرسول ﷺ أن يصلى لهم فيه كما واعدهم وهو ذاهب إلى تبوك. وقوله تعالى ﴿لمسجد أسس٢ على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾ وهو مسجده ﷺ ومسجد قباء إذ كل منهما أسس من أول يوم على تقوى من الله ورضوان أي على خوف من الله وطلب رضاه، وقوله تعالى ﴿فيه رجال يحبون أن يطهروا والله يحب المطهرين﴾ ثناء على أهل قباء بخير وإخبار أنهم يحبون أن يتطهروا٣ من الخبث الحسِّي والمعنوي فكانوا يجمعون في الاستنجاء بين الحجارة والماء فأثنى الله تعالى عليهم بذلك، وقوله تعالى ﴿أفمن أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان﴾ أي على مخافة من الله وطلب لرضاه خير أمن أسس بنيانه على شفا أي طرف جرف هار أي مشرف على السقوط، والجرف٤ ما يكون في حافة الوادي من أرض يجرف السيل من تحتها التراب وتبقى قائمة ولكنها مشرفة على السقوط، وقوله تعالى ﴿فانهار به في نار جهنم﴾ أي سقط به ذلك الجرف في نار جهنم والعياذ بالله تعالى، هذا حال أولئك المنافقين الذين بنوا مسجد الضرار. وقوله تعالى ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي لا يهديهم إلى ما يكمُلون به ويسعدون أي يحرمهم هدايته فيخسرون دنيا وأُخرى وقوله تعالى ﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم٥﴾ أي شكاً واضطراباً في نفوسهم ﴿إلا أن تقطع ٦ قلوبهم﴾ فيهلكوا والشك في قلوبهم أي فكان هذا البناء الظالم سبباً في تأصل النفاق

стр. 1090

والكفر في قلوبهم حتى يموتوا كافرين وقوله ﴿والله عليم حكيم﴾ تذييل للكلام بما يقرر مضمونه ويثبته فكونه تعالى علمياً حكيماً يستلزم حرمان أولئك الظلمة المنافقين من الهداية حتى يموتوا وهم كافرون إلى جهنم وذلك لتوغلهم في الظلم والشر والفساد. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أكبر مؤامرة ضد الإسلام قام بها المنافقون بإرشاد الفاسق أبي عامر الراهب. ٢- بيان أن تنازع الشرف هو سبب البلاء كل البلاء فابن أُبَيّ حاربَ الإسلام لأنه كان يُؤمِّلُ في السُّلطة على أهل المدينة فحُرِمَها بالإسلام. وأبو عامر الراهب ترهَّب لأجل الشرف على أهل المدينة والسلطان الروحى فلذا لما فقدها حارب من كان سبب حرمانه وهو الرسول ﷺ حتى قال له مواجهة: ما قاتلك قوم إلا قاتلتك معهم. بل ذهب إلى الروم يؤلِّبهم على رسول الله ﷺ واليهود ما حاربوا الإسلام إلا من أجل المحافظة على أملهم في مملكة إسرائيل. ٣- لا يصح الاغترار بأقوال أهل النفاق فإنها كذب كلها. ٤- أيما مسجد بُني للإضرار والتفرقة بن المسلمين إلا ويجب هدمه وتحرم الصلاة فيه. ٥- فضل التطهر والمبالغة في الطهارتين الروحية والبدنية. ٦- التحذير من الظلم والإسراف فيه فإنه يحرم صاحبه هداية الله فيهلك وهو ظالم فيخسر دنيا وأُخرى. إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ

стр. 1091

الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) شرح الكلمات: الجنة: هي دار السلام التي أعدها الله تعالى للمتقين. يقاتلون: أي الكفار والمشركين. وعداً: أي وعدهم وعداً حقاً. في التوراة: أي مذكوراً في التوراة والإنجيل والقرآن. ومن أوفى بعهده: أي لا أحد أوفى بعهده من الله تعالى. ذلك هو الفوز العظيم: أي ذلك البيع هو الفوز العظيم. التائبون: أي من الشرك والنفاق والمعاصي. العابدون: أي المطيعون لله في تذلل وخشوع مع حبهم لله وتعظيمهم له. السائحون: أي الصائمون والخارجون في سبيل الله لطلب علم أو تعليمه أو جهاد لأعدائه. الآمرون بالمعروف: أي بعبادة لله الله تعالى وتوحيده فيها. الناهون عن المنكر: أي عن الشرك والمعاصي. والحافظون لحدود الله: أي القائمون عليها العاملون بها. وبشر المؤمنين: أي بالجنة دار السلام. معنى الآيات: لما ذكر تعالى حال المتخلفين عن الجهاد ذكر فضل الجهاد ترغيباً فيه وفيما أعد لأهله

стр. 1092

فقال ﴿إن الله اشترى١ من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن٢ لهم الجنة﴾ وهذا هو المُثَّمَن الذي أعطى الله تعالى فيه الثمن وهو الجنة، وقوله ﴿يقاتلون في سبيل الله فيقتُلون﴾ أي أعداء الله المشركين ﴿ويقتلون﴾ ٣ أي يستشهدون في معارك القتال وقوله ﴿وعداً عليه حقاً٤ في التوراة والإنجيل والقرآن﴾ أي وعدهم بذلك وعداً وأحقه حقاً أي أثبته في الكتب الثلاثة التوراة والإنجيل والقرآن تقريراً له وتثبيتاً وقوله ﴿ومن أوفى بعهده من الله﴾ استفهام بمعنى النفي أي لا أحد مطلقاً أوفى بعهده إذا عاهد من الله تعالى وقوله ﴿فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾ فبناء على ذلك فاستبشروا٥ أيها المؤمنون ببيعكم الذي بايعتم الله تعالى به أي فسروا٦ بذلك وافرحوا وذلك البيع والاستبشار هو الفوز العظيم الذي لا فوز خير ولا أعظم منه. وقوله ﴿التائبون﴾ ٧ قوله: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ هو ذكر لأوصاف أهل البيع وتحديد لهم فهم الموصوفون بتسع صفات الأولى التائبون أي من الشرك والمعاصي والثانية العابدون وهم المطيعون لله طاعة ملؤها المحبة لله تعالى والتعظيم له والرهبة منه والثالثة الحامدون لله تعالى في السراء والضراء وعلى كل حال والرابعة السائحون وهم الصائمون كما في الحديث٨ والذين يخرجون في سبيل الله لطلب علم أو غزو أو تعليم أو دعوة إلى الله تعالى ليُعْبد ويوحَّد ويُطاع في أمره ونهيه والخامسة والسادسة الراكعون الساجدون أي المقيمون الصلاة المكثرون من نوافلها كأنهم دائماً في ركوع وسجود والسابعة والثامنة الآمرون بالمعروف وهو الإيمان بالله وتوحيده وطاعته وطاعة رسوله

стр. 1093

والناهون عن المنكر وهو الكفر به تعالى والشرك في عبادته ومعصية رسوله محمد ﷺ والتاسعة الحافظون لحدود الله بالقيام عليها١ وعملها بعد العلم بها وقوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾ وهم أهل الإيمان الصادق الكامل المستحقون لبشرى الرسول ﷺ بالنصر والتأييد في الدنيا والنجاة من النار ودخول الجنة يوم القيامة اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان فضل الله تعالى ومننه على عباده المؤمنين حيث وهبهم أرواحهم وأموالهم واشتراها منهم. ٢- فضل الجهاد والاستشهاد في سبيل الله. ٣- على المؤمن أن يشعر نفسه أن بدنه وماله لله تعالى وأن عليه رعايتهما وحفظهما حتى ترفع راية الجهاد ويطالب إمام المسلمين بالنفس والمال فيقدم نفسه وماله إذ هما وديعة الله تعالى عنده. ٤- على المؤمن أن لا يدخل الضرر على نفسه ولا على ماله بحكم أنهما لله تعالى. ٥- على المؤمن أن يتعاهد نفسه ليرى هل هو متصف بهذه الصفات التسع أولاً فإن رأى نقصاً كمله وإن رأى كمالاً حمد الله تعالى عليه وحفظه وحافظ عليه. مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى

стр. 1094

يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (١١٦) شرح الكلمات: أن يستغفروا للمشركين: أي يسألون الله تعالى لهم المغفرة. أولي قربى: أصحاب قرابة كالأُبَّوة والبُنَّوة والأُخوة. موعدة: أي وعدٌّ وعده به. تبرأ منه.: أي قال: إني بريء منك. أواه حليم: الأواه: كثير الدعاء والشكوى إلى الله تعالى والحليم الذي لا يغضب ولا يؤاخذ بالذنب. ما يتقون: أي ما يتقون الله تعالى فيه فلا يفعلوه أو لا يتركوه. من ولي: الولي من يتولى أمرك فيحفظك ويعينك. معنى الآيات: لما مات أبو طالب١ على الشرك بعد أن عرض عليه الرسول كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) فأبى أن يقولها وقال هو على ملة عبد المطلب قال له النبي ﷺ لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عن ذلك، واستغفر بعض المؤمنين أيضاً لأقربائهم الذين ماتوا على الشرك، أنزل الله تعالى قوله ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ إذ ماتوا على الشرك ومن مات على الشرك قضى الله تعالى بأنه في النار أي ما صح ولا انبغى٢ للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا أي ما صح

стр. 1095

ولا انبغى استغفارهم. ولما قال بعضٌ إن إبراهيم قد استغفر لأبيه وهو مشرك قال تعالى جواباً ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ وهي قوله: ﴿سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً﴾ لكنه ﵇ لما تبين له أن أباه عدو لله أي مات على الشرك تبرأ منه ولم يستغفر له، وقوله ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾ ١ تعليل لمواعدة إبراهيم أباه بالاستغفار له لأن إبراهيم كان كثير الدعاء والتضرع والتأسف والتحسر فلذا واعد أباه، بالاستغفار له وقوله تعالى ﴿وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ هذه الآية نزلت رداً على تساؤلات الذين قالوا متندمين لقد كنا استغفرنا لأقاربنا المشركين فخافوا فأخبرهم تعالى أنه ليس من شأنه تعالى أن يضل قوماً بعد إذ هداهم إلى الصراط المستقيم حتى يبين لهم ما يتقون وأنتم استغفرتم لأقربائكم قبل أن يبين لكم أنه حرام. ولكن إذا أراد الله أن يضل قوماً٢ بيّن لهم ما يجب أن يتقوه فيه فإذا لم يتقوه أضلهم. وقوله تعالى ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ فلا يضل إلا من يستحق الضلال كما أنه يهدي من يستحق الهداية وذلك لعلمه بكل شيء وقوله تعالى ﴿له ملك السموات والأرض﴾ أي خلقاً وملكاً وتصرفاً فهو يضل من يشاء ويهدي من يشاء يحيى ويميت يحيي بالإيمان ويميت بالكفر ويحيى الأموات ويميت الأحياء لكامل قدرته وعظيم سلطانه وقوله ﴿وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾ أي ليس لكم من يتولاكم إذا تخلى عنكم وليس لكم من ينصركم إذا خذلكم فلذا وجبت طاعته والاتكال عليه، وحرم الالتفات إلى غيره من سائر خلقه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة الاستغفار لمن مات على الشرك لأن الله لا يغفر أن يشرك به فلذا لا يطلب منه شيء أخبر أنه لا يفعله. ٢- وجوب الوفاء بالوعود والعهود.

стр. 1096

٣- ليس من سنة الله تعالى في الناس أن يضل عباده قبل أن يبين لهم ما يجب عليهم عمله أو اتقاؤه. ٤- ليس للعبد من دون الله من ولي يتولاه ولا نصير ينصره ولذا وجبت ولاية الله بطاعته واللجوء إليه بالتوكل عليه. النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) شرح الكلمات: المهاجرين: الذين هجروا ديارهم من مكة وغيرها ولحقوا برسول الله بالمدينة. الأنصار: هم سكان المدينة من الأوس والخزرج آمنوا ونصروا رسول الله ﷺ . ساعة العسرة ١: هي أيام الخروج إلى تبوك لشدة الحر والجوع والعطش. يزيغ قلوب: أي تميل عن الحق لشدة الحال وصعوبة الموقف. الثلاثة الذين خلفوا: هم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية.

стр. 1097

بما رحبت: أي على اتساعها ورحابتها. أن لا ملجأ: أي إذ لا مكان للُّجوء فيه والهرب إليه. الصادقين: في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم والصدق ضد الكذب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في أحداث غزوة تبوك وفي هذه الآيات الثلاث إعلان عن شرف وكرامة الرسول ﷺ وأصحابه البررة من الأنصار والمهاجرة إذ قال تعالى ﴿لقد تاب الله١ على النبي والمهاجرين والأنصار﴾ أي أدامها (التوبة) وقبلها وقوله ﴿الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ ٢ أي عند خروجه إلى تبوك في الحر الشديد والفاقة الشديدة وقوله ﴿من بعد ما كاد يزيغ قلوبك٣ فريق منهم﴾ وذلك لصعوبة الحال وشدة الموقف لقد عطشوا يوماً كما قال عمر ﵁ كان أحدنا يذبح بعيره ويعصر فرثه فيشرب ماءه ويضع بعضه على كبده فخطر ببعض القوم خواطر كادت القلوب تزيغ أي تميل عن الحق ولكن الله تعالى ثبتهم فلم يقولوا سوءاً ولم يعملوه لأجل هذا أعلن الله تعالى في هذه الآيات عن كرامتهم وعلو مقامهم ثم تاب عليهم إنه هو التواب الرحيم وقوله ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية ومعنى خلفوا أرجئوا في البت في توبتهم إذ تقدم قوله تعالى ﴿وآخرون مرجون لأمر الله﴾ فقد تخلفت توبتهم خمسين يوماً ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت٤ وضاقت عليهم أنفسهم٥ وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ فصبروا على شدة ألم النفس من جراء المقاطعة التي أعلنها رسول الله ﷺ لهم انتظاراً لحكم الله لأنهم تخلفوا عن الخروج مع رسول الله ﷺ إلى تبوك ولم يكن لهم عذر، فلذا لما قدم النبي ﷺ تقدم المخلفون فاعتذروا فقبل منهم رسول الله وتاب الله على المؤمنين منهم ولم يتقدم هؤلاء الثلاثة ليعتذروا خوفاً من الكذب فآثروا جانب

стр. 1098

الصدق فأذاقهم الله ألم المقاطعة ثم تاب عليهم وجعلهم مثلاً للصدق فدعا المؤمنين أن يكونوا معهم فقال ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ أي اتقوا الله بإتباع أوامره واجتناب نواهيه وكونوا من الصادقين١ في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم تكونوا مع الصادقين في الآخرة مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ وسائر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان فضل أصحاب رسول الله ﷺ . ٢- بيان فضل غزوة العسرة على غيرها من الغزوات "وهي غزوة تبوك". ٣- بيان فضل الله على المؤمنين بعصمة قلوبهم من الزيغ في حال الشدة. ٤- بيان فضل كعب بن مالك وصاحبيه في صبرهم وصدقهم ولجوئهم إلى الله تعالى حتى فرج عليهم وتاب عليهم وكانوا مثالاً للصدق. ٥- وجوب التقوى والصدق في النيات والأقوال والأحوال والأعمال. مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ

стр. 1099

وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٢١) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) شرح الكلمات: ومن حولهم من الأعراب: وهم مزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم. ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه: أي يطلبون لأنفسهم الراحة ولنفس رسول الله التعب والمشقة. ظمأ.: أي عطش. ولا نصب: أي ولا تعب. ولا مخمصة: أي مجاعة شديدة. يغيظ الكفار: أي يصيبهم بغيظ في نفوسهم يحزنهم. نيلا: أي منالاً من أسر أو قتل أو هزيمة للعدو. وادياً: الوادي: مسيل الماء بين جبلين أو مرتفعين. لينفروا كافة.: أي يخرجوا للغزو والجهاد جميعاً. طائفة.: أي جماعة معدودة. ليتفقهوا في الدين: أي ليعلموا أحكام الدين وأسرار شرائعه. ولينذروا قومهم: أي ليخوفوهم عذاب النار بترك العمل بشرع الله. لعلهم يحذرون: أي عذاب الله تعالى بالعلم والعمل. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في آثار أحداث غزوة تبوك فقال تعالى ﴿ما كان لأهل المدينة﴾ ١

стр. 1100

أي سكانها من المهاجرين والأنصار ﴿ومن حولهم من الأعراب﴾ أي ومن النازلين حول المدينة من الأعراب كمزينة وجهينة وغفار وأشجع وأسلم ﴿أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ إذا خرج إلى جهاد ودعا بالنفير العام وفي هذا عتاب ولوم شديد لمن تخلفوا عن غزوة تبوك وقوله ﴿ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾ أي بأن يطلبوا لأنفسهم الراحة دون نفس رسول الله ﷺ وقوله ﴿ذلك﴾ أي النهي الدال عليه بصيغة ما كان لأهل المدينة وهي أبلغ من النهي بأداته (لا) لأنه نفي للشأن أي هذا مما لا ينبغي أن يكون أبداً. وقوله ﴿بأنهم لا يصيبهم﴾ بسبب أنهم لا يصيبهم ﴿ظمأ﴾ أي عطش ﴿ولا نصب﴾ أي تعب ﴿ولا مخمصة﴾ ١ أي جوع شديد في سبيل الله أي في جهاد أهل الكفر لإعلاء كلمة الإسلام التي هي كلمة الله ﴿ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار﴾ أي ولا يطأون أرضاً من أرض العدو يغتاظ لها العدو الكافر ويحزن ﴿ولا ينالون من عدو﴾ ٢ أي لله تعالى ﴿نيلاً﴾ أي منالاً أي أسرى أو قتلى أو غنيمة منه أو هزيمة له ﴿إلا كتب لهم به عمل صالح﴾ فلهذا لا ينبغي لهم أن يتخلفوا عن رسول الله ﷺ حتى لا يفوتهم هذا الأجر العظيم. وقوله ﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ تعليل لتقرير الأجر وإثباته لهم إن هُم خرجوا مع رسول الله ﷺ وأحسنوا الصحبة والعمل وقول تعالى ﴿ولا ينفقون نفقة﴾ أي في سبيل الله الذي هو هنا الجهاد ﴿صغيرة ولا كبيرة﴾ أي قليلة ولا كثيرة ﴿ولا يقطعون وادياً﴾ ذاهبين إلى العدو أو راجعين ﴿إلا كتب لهم﴾ ٣ أي ذلك المذكور من النفقة والسير٤ في سبيل الله. وقوله تعالى ﴿ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾ أي جزاء أحسن عمل كانوا يعملونه قبل خروجهم في سبيل الله. وقوله تعالى ﴿فلولا نفر من كل فرقة﴾ ٥ أي قبيلة منهم طائفة أي جماعة ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ بما

стр. 1101

يسمعون من رسول الله ﷺ ويتعلمونه منه ﴿ولينذروا قومهم﴾ عواقب الشرك والشر والفساد ﴿لعلهم يحذرون﴾ ذلك فينجون من خزى الدنيا وعذاب الآخرة هذه الآية نزلت لما سمع المسلمون ورأوا نتائج التخلف عن رسول الله ﷺ فقالوا لن نتخلف بعد اليوم عن رسول الله ﷺ أبداً ولا نتخلف عن غزو ما حيينا فأنزل الله تعالى هذه الآية يرشدهم إلى ما هو خير وأمثل فقال ﴿فلولا﴾ أي فهلا نفر من كل فرقة منهم أي قبيلة أو حيّ من أحيائهم طائفة فقط وتبقى طائفة منهم بدل أن يخرجوا كلهم ويتركون رسول الله ﷺ وحده فإن خروجهم على هذا النظام أنفع لهم فالذين يبقون مع رسول الله ﷺ أو يخرجون معه إذا خرج يتفقهون في الدين لصحبتهم لرسول الله ﷺ والباقون هم في مهام دينهم أيضاً ودنياهم فإذا رجع أولئك المتفقهون علموا إخوانهم ما فاتهم من العلم وأسرار الشرع كما أن الذين ينفرون إلى الجهاد قد يشاهدون من نصر الله لأوليائه وهزيمته لأعدائه ويشاهدون أيضاً ضعف الكفار وفساد قلوبهم وأخلاقهم وسوء حياتهم فيعودون إلى إخوانهم فينذرونهم ما عليه أهل الكفر والفساد فيحذرون منه ويتجنبونه وفي هذا خير للجميع وهو معنى قوله تعالى ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ . هداية الآيات. من هداية الآيات: ١- وجوب إيثار رسول الله ﷺ على النفس بكل خير بل بالحياة كلها. ٢- بيان فضل السير في سبيل الله، وما فيه من الأجر العظيم. ٣- فضل الإحسان وأهله. ٤- تساوي فضل طلب العلم والجهاد على شرط النية الصالحة في الكل وطالب العلم لا ينال هذا الأجر إلا إذا كان يتعلم ليعلم فيعمل فيعلم مجاناً في سبيل الله والمجاهد لا ينال هذا الأجر إلا إذا كان لإعلاء كلمة الله خاصة. ٥- حاجة الأمة إلى الجهاد والمجاهدين كحاجتها إلى العلم والعلماء سواء بسواء. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)

стр. 1102

شرح الكلمات: آمنوا: أي بالله ورسوله ووعد الله ووعيده. الذين يلونكم: أي يلون بلادكم وحدودها. من الكفار: من: بيانية، أي الكافرين. وليجدوا فيكم غلظة: أي قوة بأس وشدة مراس ليرهبوكم وينهزموا أمامكم. مع المتقين: أي بنصره وتأييده والمتقون هم الذين اتقوا الشرك والمعاصي والخروج عن السنن الإلهية في النصر والهزيمة. معنى الآية الكريمة: لما طهرت الجزيرة من الشرك وأصبحت دار إسلام وهذا في أخريات حياة الرسول ﷺ وذلك بعد غزوة تبوك أمر الله تعالى المؤمنين بأن يواصلوا الجهاد في سبيله بعد وفاة نبيه وأرشدهم إلى الطريقة التي يجب أن يتبعوها في ذلك وهي: أن يبدأوا بدعوة وقتال أقرب كافر منهم والمراد به الكافر المتاخم لحدودهم كالأردن أو الشام أو العراق مثلاً فيعسكروا على مقربة منهم ويدعونهم إلى خصلة من ثلاث: الدخول في دين الله الإسلام أو قبول حماية المسلمين لهم بدخولهم البلاد وضرب الجزية على القادرين منهم مقابل حمايتهم وتعليمهم وحكمهم بالعدل والرحمة الإسلامية أو القتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم فإذا ضمت أرض هذا العدو إلى بلادهم وأصبحت لهم حدود أخرى فعلوا كما فعلوا أولاً وهكذا حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فتسعد البشرية في دنياها وآخرتها. وأمرهم أن يعلموا أن الله ما كلفهم بالجهاد إلا وهو معهم وناصرهم ولكن على شرط أن يتقوه في أمره ونهيه فهذا ما دلت عليه الآية الكريمة ﴿يا أيها الذين آمنوا١ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾ ٢ أي قوة بأس وشدة مراس في الحرب ﴿واعلموا٣ أن الله مع المتقين﴾ أي بنصره وتأييده.

стр. 1103

هداية الآية الكريمة من هداية الآية الكريمة ١- وجوب الجهاد واستمراريته إلى أن لا تبقى فتنة أو شرك أو اضطهاد لمؤمن ويكون الدين والحكم كلاهما لله تعالى. ٢- مشروعية البداءة في الجهماد بأقرب الكفار إلى بلاد المسلمين من باب (الأقربون أولى بالمعروف) . ٣- إذا اتسعت بلاد الإسلام تعين على أهل كل ناحية قتال من يليهم الأقرب فالأقرب. ٤- وعد الله بالنصر والتأييد لأهل التقوى العامة والخاصة. وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون (١٢٧) شرح الكلمات: سورة: أي قطعة من القرآن وسواء كانت آيات من سورة أو سورة بكاملها وحدها. زادته إيماناً: أي السورة قَوَّت إيمانه وزادت فيه لأنها كالغيث النافع. يستبشرون: فرحين بفضل الله تعالى عليهم.

стр. 1104

في قلوبهم مرض: أي شك ونفاق وشرك. فزادتهم رجساً: أي نجساً إلى نجس قلوبهم ونفوسهم. يفتنون: أي يمتحنون. ولا هم يذكرون: أي لا يتعظون لموات قلوبهم. صرف الله قلوبهم: دعاء عليهم بأن لا يرجعوا إلى الحق بعد انصرافهم عنه. لا يفقهون: أي لا يفهمون أسرار الخطاب لظلمة قلوبهم وخبث نفوسهم. معنى الآيات.. هذا آخر حديث عن المنافقين في سورة براءة الفاضحة للمنافقين يقول تعالى ﴿وإذا ما أنزلت سورة﴾ ١ أي من سور القرآن التي بلغت ١١٤ سورة نزلت وتليت وهم غائبون عن المجلس الذي تليت فيه، فمنهم أي من المنافقين من يقول: ﴿أيكم زادته هذه إيماناً﴾ ٢ وقولهم هذا تهكم منهم وازدراء قال تعالى ﴿فأما الذين آمنوا﴾ بحق وصدق ﴿فزادتهم إيماناً﴾ لأنها نزلت بأحكام أو أخبار لم تكن عندهم فآمنوا بها لما نزلت فزاد بذلك إيمانهم وكثر كما كان أن إيمانهم يقوى حتى يكون يقيناً بما يتنزل من الآيات وقوله ﴿وهم يستبشرون﴾ أي فرحون مسرورون بالخبر الذي نزل والقرآن كله خير كما هم أيضاً فرحون بإيمانهم وزيادة يقينهم ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض﴾ أي شك ونفاق ﴿فزادتهم رجساًَ﴾ ٣ أي شكاً ونفاقاً ﴿إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ . وقوله تعالى ﴿أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين﴾ ٤ أي أيستمر هؤلاء المرضى بالنفاق على نفاقهم ولا يرون أنهم يفتنون أي من أجل نفاقهم مرة أو مرتين أي يختبرون بالتكاليف والفضائح وغيرها ﴿ثم لا يتوبون﴾ من نفاقهم ﴿ولا هم يذكرون﴾ فيتعظون فيتوبون هذا ما دلت عليه الآيات الأولى (١٢٤) والثانية (١٢٥) والثالثة (١٢٦) أما الآية الرابعة (١٢٧) فقد تضمنت سوء حال هؤلاء المنافقين وقبح سلوكهم فسجَّلت عليهم وصمة عار وخزي إلى يوم القيامة إذ قال

стр. 1105

تعالى ﴿وإذا ما أُنزلت سورة﴾ ١ أي وهم في المجلس وقرئت على الجالسين وهم من بينهم. ﴿نظر بعضهم إلى بعض﴾ وقال في سرية ومُخافَتَه هيا نقوم من هذا المجلس الذي نعير فيه ونشتم ﴿هل يراكم من أحد﴾ أي من أصحاب محمد ﷺ فإن كان الجواب: لا يرانا أحد انصرفوا متسللين لواذاً قال تعالى في دعاء عليهم: ﴿صرف الله قلوبهم﴾ ٢ أي عن الهدى ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ أي لا يفقهون أسرار الآيات وما تهدي إليه، فعلتهم سوء فهمهم وعلة سوء فهمهم ظلمة قلوبهم وعلة تلك الظلمة الشك والشرك والنفاق والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير مبدأ زيادة الإيمان ونقصانه زيادته بالطاعة ونقصانه بالعصيان. ٢- جواز الفرح بالإيمان وصالح الأعمال. ٣- مريض القلب يزداد مرضاً وصحيحه يزداد صحة سنة من سنن الله في العباد. ٤- كشف أغوار المنافقين وفضيحتهم في آخر آية من سورة التوبة تتحدث عنهم. ٥- يستحب أن لا يقال انصرفنا٣ من الصلاة أو الدرس ولكن يقال انقضت الصلاة أو انقضى الدرس ونحو ذلك. لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (١٢٨) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)

стр. 1106

شرح الكلمات: رسول من أنفسكم: أي محمد بن عبد الله ﷺ من جنسكم عربي. عزيز عليه: أي شاق صعب. ما عنتم: أي ما يشق عليكم ويصعب تحمله. حريص عليكم: أي حريص على هدايتكم وما فيه خيركم وسعادتكم. رؤوف: شفيق. رحيم: برق ويعطف ويرحم. فإن تولوا: أي أعرضوا عن دين الله وما جئت به من الهدى. حسبي الله: أي كافيّ الله. لا إله إلا هو.: أي لا معبود بحق إلا هو. توكلت: أي فوضت أمري إليه واعتمدت عليه. رب العرش العظيم: عرش الله تعالى لا أعظم منه إلا خالقه إذ كرسيه تعالى وسع السموات والأرض ونسبة الكرسي إلى العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة. معنى الآيتين الكريمتين: في ختام سورة التوبة يقول الله تعالى لكافة العرب: ﴿لقد جاءكم رسول﴾ ١ أي كريم عظيم ﴿من أنفسكم﴾ ٢ عدناني قرشي هاشمي مُطًَّلِبي تعرفون نسبه وصدقه وأمانته. ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ ٣ أي يشق عليه ما يشق عليكم ويؤلمه ما يؤلمكم لأنه منكم ينصح لكم نصح القومي لقومه. ﴿حريص عليكم﴾ أي على هدايتكم وإكمالكم وإسعادكم

стр. 1107

﴿بالمؤمنين﴾ منكم ومن غيركم من سائر الناس ﴿رؤوف رحيم﴾ أي شفوق عطوف يحب رحمتهم وإيصال الخير لهم. إذا فآمنوا به واتبعوا النور الذي جاء به تهتدوا وتسعدوا ولا تكفروا فتضلوا وتشقوا. وقوله تعالى ﴿فإن تولوا﴾ أي أعرضوا عن دعوتك فلا تأْسَ وقل حسبي الله أي يكفيني ربي كل ما يهمني ﴿لا إله إلا هو﴾ أي لا معبود بحق سواه لذا فإني أعبده وأدعو إلى عبادته، ﴿عليه توكلت﴾ ١ أي في شأني كله ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير. هداية الآيتين. من هداية الآيتين: ١- بيان مِنَّه الله تعالى على العرب خاصة وعلى البشرية عامة ببعثه خاتم أنبيائه محمد ﷺ . ٢- بيان كمال أخلاقه ﷺ . ٣- وجوب التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه في كل شيء يقوم به العبد. ٤- عظمة عرش الرحمن .

стр. 1108

سورة يونس مكية١ وآياتها مائة وتسع آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ (٢)

стр. 1109

شرح الكلمات: الر: هذه السورة الرابعة من السور المفتتحة بالحروف المقطعة نكتب الر وتقرأ ألفْ. لام. را. الكتاب: أي القرآن العظيم. الحكيم: القائل بالحكمة والقرآن مشتمل على الحِكَم فهو حكيم ومحكم أيضاً. عجباً: العجب ما يتعجب منه. رجل منهم: هو محمد ﷺ . قدم صدق: أي أجراً حسناً بما قدموا في حياتهم من الإيمان وصالح الأعمال. إن هذا: أي القرآن. لسحر ١ مبين: أي بين ظاهر لا خفاء فيه في كذبهم وادعائهم الباطل. معنى الآيتين: مما تعالجه السور المكية قضايا التوحيد والوحي والبعث الآخر وسورة يونس افتتحت بقضية الوحي أي إثباته وتقريره من الله لرسوله محمد ﷺ قال تعالى ﴿آلر تلك آيات٢ الكتاب الحكيم﴾ ٣ أي هذه آيات القرآن الكريم المحكم آياته المشتمل على الحكم الكثيرة حتى لكأنه الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه وقوله تعالى ﴿أكان للناس٤ عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم﴾ أي أكان ايحاؤنا إلى محمد عبدنا ورسولنا وهو رجل من قريش عجباً لأهل مكة يتعجبون منه؟ والموحى به هو: ﴿أن أنذر الناس﴾ ، أي خوفهم عاقبة الشرك والكفر والعصيان ﴿وبشر الذين آمنوا﴾ أي بأن لهم قدم٥ صدق عند ربهم وهو

стр. 1110

الجزاء الحسن لما قدموا من الإيمان وصالح الأعمال يتلقونه يوم يلقون ربهم في الدار الآخرة فلما أنذر وبشر ﷺ قال الكافرون هذا سحر مبين ومرة قالوا: ساحر مبين وقولهم هذا لمجرد دفع الحق وعدم قبوله لا أن ما أنذر به وبشر هو سحر، ولا المنذر المبشر هو ساحر وإنما هو المجاحدة والعناد والمكابرة من أهل الشرك والكفر والباطل والشر والفساد. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة الوحي بشهادة الكتاب الموحى به. ٢- إثبات نبوة محمد ﷺ وتقريرها بالوحي إليه. ٣- بيان مهمة الرسول ﷺ وهي النذارة والبشارة. ٤- بشرى أهل الإيمان والعمل الصالح، بما أعد لهم عند ربهم. ٥- عدم تورع أهل الكفر عن الكذب والتضليل. إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ

стр. 1111

اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) شرح الكلمات: إن ربكم الله: أي معبودكم الحق الذي يجب أن تعبدوه وحده هو الله. خلق السموات والأرض: أي أوجدها من العدم حيث كانت عدماً فأصبحت عوالم. في ستة أيام: هي الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، والجمعة. ثم استوى على العرش: أي استوى استواء يليق به فلا يقال كيف؟ ما من شفيع إلا من بعد إذنه: أي لا يشفع أحد يوم القيامة إلا من بعد أن يأذن له. أفلا تذكرون: أي أتستمرون في جحودكم وعنادكم فلا تذكرون. ثم يعيده: أي بعد الفناء والبلى وذلك يوم القيامة. شراب من حميم: أي من ماء أُحمى عليه وغلى١ حتى أصبح حميماً يشوي الوجوه. جعل الشمس ضياء٢: أي جعلها تضيء على الأرض. والقمر نوراً.: أي جعل القمر بنور الأرض وهو الذي خلق ضوء الشمس ونور القمر. وقدره منازل: أي قدر القمر منازل والشمس كذلك. لتعلموا: أي قدرهما منازل ليعلم الناس عدد السنين والحساب. يتقون: أي مساخط الله وعذابه وذلك بطاعته وطاعة رسوله. معنى الآيات: هذه الآيات في تقرير الألوهية بعد تقرير الوحي وإثباته في الآيتين السابقتين فقوله تعالى ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر﴾ إخبار منه تعالى أنه هو رب أي معبود أولئك المشركين به آلهة أصناماً

стр. 1112

يعبدونها معه وهي لم تخلق شيئاً أما الله فإنه الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام بمقدار أيامنا هذه إذ لم تكن يومئذ أياماً كأيام الدنيا هذه، ثم استوى على عرشه استواء يليق بجلاله وكماله يدبر١ أمر السماء والأرض. هذا هو الإله الحق الذي يجب أن يعبد ويتقرب إليه. وقوله: ﴿ما من٢ شفيع إلا من بعد إذنه﴾ أي وأنه لعظمته وعزة سلطانه لا يقدر أحد أن يشفع لآخر إلا بعد إذنه له فكيف إذاً تعبد هذه الأصنام رجاء شفاعتها لعابديها، والله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه؟ وقوله تعالى ﴿ذلكم الله ربكم فاعبدوه﴾ أي هذا الموصوف بهذه الصفات المعرَّف بهذه النعوت من الجلال والكمال هو ربكم الحق فاعبدوه بما شرع لكم من أنواع العبادات تكملوا وتسعدوا وقوله ﴿أفلا تذكرون﴾ هر توبيخ للمشركين لهم لِمَ لا تتعظون بعد سماع الحق. وقوله تعالى ﴿إليه مرجعكم بعد موتكم جميعاً وعد الله حقاً﴾ ٣ تقرير لمبدأ البعث الآخر أي إلى الله تعالى ربكم الحق مُرجعكم بعد موتكم جميعاً إذ وعدكم وعد الحق بالرجوع إليه والوقوف بين يديه وقوله ﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط﴾ ٤ أي بالعدل: بيان لعلة الحياة بعد الموت إذ هذه الدار دار عمل والآخرة دار جزاء على هذا العمل فلذا كان البعث واجباً حتماً لا بد منه ولا معنى لإنكاره لأن القادر على البدء قادر على الإعادة من باب أولى وأحرى وقوله تعالى ﴿والذين كفروا لهم شراب من حميم﴾ أي ماء حار قد بلغ المنتهى في حرارته وعذاب أليم أي موجع إخبار منه تعالى بجزاء أهل الكفر يوم القيامة وهو علة أيضاً للحياة بعد الموت والبعث بعد الفناء وبهذا تقرر مبدأ البعث كما تقرر قبله مبدأ التوحيد ومن قبل مبدأ الوحي إذ على هذه القضايا تدور السور المكية وقوله تعالى ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء﴾ أي ذات ضياء والقمر نوراً ذا نور وقدر القمر منازل٥ وهي ثمانية وعشرون منزلة يتنقل فيها القمر، فعل ذلك ﴿لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ ٦ فتعرفون

стр. 1113

عدد السنوات والشهور والأيام والساعات إذ حياتكم تحتاج إلى ذلك فهذا الرب القادر على هذا الخلق والتدبير هو المعبود الحق الذي يجب أن تعبدوه ولا تعبدوا سواه فهذا تقرير للتوحيد وتأكيد له. وقريه ﴿ما خلق الله ذلك إلا بالحق﴾ أي لم يخلق هذه الحياة الدنيا وهذه العوالم فيها عبثاً فتفنى وتبلى بعد حين ولا شيء وراء ذلك بل ما خلق ذلك إلا بالحق أي من أجل أن يأمر وينهى ثم يجزي المطيع بطاعته والعاصي بعصيانه وفي هذا تأكيد لقضية البعث والجزاء أيضاً وقوله ﴿يفصل الآيات﴾ أي هذا التفصيل المشاهد في هذا السياق ﴿لقوم يعلمون﴾ إذ هم الذين ينتفعون به أما الجهلة فلا ينتفعون بهذا التفصيل والبيان وقوله تعالى في الآية الأخيرة ﴿إن في اختلاف الليل والنهار﴾ أي بالطول والقصر والضياء والظلام ﴿وما خلق الله في السموات والأرض﴾ ١ من أفلاك وكواكب ورياح وأمطار وما خلق في الأرض من إنسان وحيوان وبر وبحر وأنهار وأشجار وجبال وَوِهاد ﴿لآيات﴾ أي علامات واضحة دالة على الخالق المعبود بحق وعلى جلاله وجماله وكماله وعظيم قدرته وقوة سلطانه فيُعبد لذلك بحبه غاية الحب وبتعظيمه غاية التعظيم وبرهبته والخشية منه غاية الرهبة والخشية ويذكر فلا يُنسى ويشكر فلا يُكفر ويطاع فلا يُعصى وقوله تعالى ﴿لقوم يتقون﴾ ٢ خص أهل التقوى بالآيات فيما ذكر من مظاهر خلقه وقدرته لأنهم هم الذين حقاً يبصرون ذلك ويشاهدونه لصفاء أرواحهم وطهارة قلوبهم ونفوسهم أما أهل الشرك والمعاصي فهم في ظلمة لا يشاهدون معها شيئاً والعياذ بالله. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير ألوهية الله تعالى وأنه الإله الحق. ٢ - تقرير عقيدة البعث والجزاء في الدار الآخرة. ٣- بيان الحكمة في خلق الشمس والقمر وتقدير منازلهما. ٤- مشروعية تعلم الحساب وعلم الفلك لما هو نافع للمسلمين؟

стр. 1114

٥- فضل العلم والتقوى وأهلهما من المؤمنين. إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠) شرح الكلمات: لا يرجون لقاءنا: أي لا ينتظرون ولا يؤملون في لقاء الله تعالى يوم القيامة. ورضوا بالحياة الدنيا: أي بدلاً عن الآخرة فلم يفكروا في الدار الآخرة. واطمأنوا بها: أي سكنوا إليها وركنوا فلم يروا غيرها حياة يُعمل لها. غافلون: لا ينظرون إليها ولا يفكرون فيها. مأواهم النار: أي النار هي المأوى الذي يأوون إليه وليس لهم سواها. يهديهم ربهم بإيمانهم١: أي بأن يجعل لهم بإيمانهم نوراً يهتدون به إلى الجنة. دعواهم فيها سبحانك اللهم٢: أي يطلبون ما شاءوا بكلمة سبحانك اللهم. وآخر دعواهم أن الحمد لله: أي آخر دعائهم: الحمد لله رب العالمين. معنى الآيات: بعد تقرير الوحي والأُلوهية في الآيات السابقة ذكر تعالى في هذه الآيات الثلاث

стр. 1115

الكريمة بيان جزاء كل ممن كذب بلقاء الله فلم يرجُ ثواباً ولم يخشَ عقاباً ورضيَ بالحياة الدنيا واطمأن بها، وممن آمن بالله ولقائه ووعده ووعيده فآمن بذلك وعمل صالحاً فقال تعالى ﴿إن الذين لا يرجون١ لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾ ٢ أي سكنت نفوسهم إليها وركنوا فعلاً إليها ﴿والذين هم عن آياتنا غافلون﴾ أي آياته الكونية في الآفاق والقرآنية وهي حُجج الله تعالى وأدلته الدالة على وجوده وتوحيده ووحيه وشرعه غافلون عنها لا ينظرون فيها ولا يفكرون فيما تدل لإنهماكهم في الدنيا حيث أقبلوا عليها وأعطوها قلوبهم ووجوههم وكل جوارحهم. هؤلاء يقول تعالى في جزائهم ﴿أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون﴾ أي من الظلم والشر والفساد. ويقول تعالى في جزاء من آمن بلقائه ورجا ما عنده ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم﴾ أي إلى طريق الجنة ﴿بإيمانهم﴾ أي بنور إيمانهم فيدخلونها ﴿تجري من تحتهم٣ الأنهار في جنات النعيم﴾ . ونعيم الجنة روحاني وجسماني فالجسماني يحصلون عليه بقولهم: سبحانك اللهم، فإذا قال أحدهم هذه الجملة "سبحانك اللهم"٤ حضر لديه كل مُشتهى له. والروحاني يحصلون عليه بسلام الله تعالى عليهم وملائكته ﴿وتحيتهم فيها سلام﴾ وإذا فرغوا من المآكل والمشارب قالوا: الحمد لله رب العالمين. وهذا معنى قوله ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم﴾ أي دعاؤهم أي صيغة طلبهم ﴿وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم﴾ أي دعائهم ﴿أن﴾ أي أنه: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ٥ هداية الآيات من هداية الآيات: ١- التحذير من نسيان االآخرة والإقبال على الدنيا والجري وراء زخارفها.

стр. 1116

٢- التحذير من الغفلة بعدم التفكر بالآيات الكونية والقرآنية إذ هذا التفكير هو سبيل الهداية والنجاة من الغواية. ٣- الإيمان والعمل الصالح مفتاح الجنة والطريق الهادي إليها. ٤- نعيم الجنة روحاني وجسماني وهو حاصل ثلاث كلمات هي: سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام. وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٢) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) شرح الكلمات: الشر: كل ما فيه ضرر في العقل أو الجسم أو المال والولد، والخير عكسه: ما فيه نفع يعود على الجسم أو المال أو الولد. لقضي إليهم أجلهم: لهلكوا وماتوا. فنذر: أي نترك. في طغيانهم يعمهون: أي في ظلمهم وكفرهم يترددون لا يخرجون منه كالعميان. الضر: المرض وكل ما يضر في جسمه، أو ماله أو ولده.

стр. 1117

مر كأن لم يدعنا: مضى في كفره وباطله كأن لم يكن ذاك الذي دعا بكشف ضره. كذلك زين ١: مثل ذلك النسيان بسرعة لما كان يدعو لكشفه، زين للمسرفين إسرافهم في الظلم والشر. القرون: أي أهل القرون. بالبينات: بالحجج والآيات على صدقهم في دعوتهم. خلائف: أي لهم، تخلفونهم بعد هلاكهم. معنى الآيات: هذه الفترة التي كانت تنزل فيها هذه السورة المكية كان المشركون في مكة في هيجان واضطراب كبيرين حتى إنهم كانوا يطالبون بنزول العذاب عليهم إذ ذكر تعالى ذلك عنهم في غير آية من كتابه منها ﴿سأل سائل بعذاب واقع﴾ ومنها ﴿ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب﴾ وفي هذا الشأن نزل قوله تعالى ﴿ولو يعجِّل الله للناس الشر﴾ ٢ أي عند سؤالهم إياه٣، أو فعلهم ما يقتضيه كاستعجاله الخير لهم ﴿لقضي إليهم أجلهم﴾ أي لهلكوا الهلاك العام وانتهى أجلهم في هذه الحياة، وقوله تعالى ﴿فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون﴾ أي لم نعجل لهم العذاب فنذر الذين لا يرجون لقاءنا أي لا يؤمنون بلقائنا وما عندنا من نعيم وجحيم نتركهم في طغيانهم في الكفر والظلم والشر والفساد يعمهون حيارى يترددون لا يعرفون مُتجهاً ولا مخرجاً لما هم فيه من الضلال والعمى. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١١) أما الآية الثانية (١٢) فقد تضمنت بيان حقيقة وهي أن الإنسان الذي يعيش في ظلمة الكفر ولم يستنر بنور الإيمان إذا مسه الضر وهو

стр. 1118

المرض والفقر وكل ما يضر دعا ربه على الفور لجنبه أو قاعداً أو قائماً يا رباه يا رباه فإذا استجاب الله له وكشف ما به من ضر مرَّ كأن لم يكن مرض ولا دعا واستجيب له واستمر في كفره وظلمه وغيِّه. وقوله تعالى ﴿كذلك زُين للمسرفين ما كانوا يعملون﴾ أي كما أن الإنسان الكافر سرعان ما ينسى ربه الذي دعاه ففرج ما به كذلك حال المسرفين في الظلم والشر فإنهم يرون ما هم عليه هو العدل والخير ولذا يستمرون في ظلمهم وشرهم وفسادهم. هذا ما دل عليه قوله تعالى ﴿كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون﴾ . وقوله تعالى في الآية الثالثة ﴿ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا﴾ هذا خطاب لأهل مكة يخبرهم تعالى مهدداً إياهم بإمضاء سنته فيهم بأنه أهلك أهل القرون من قبلهم لَمَّا ظلموا أي أشركوا وجاءتهم رسلهم بالبينات١ أي بالآيات والحجج، وأبوْا أن يؤمنوا لِما ألفوا من الشرك والمعاصي فأهلكهم كعاد وثمود وأصحاب مدين وقوله تعالى ﴿كذلك نجزي القوم المجرمين﴾ أي مثل ذلك الجزاء بالإهلاك العام نجزي القوم المجرمين في كل زمان ومكان إن لم يؤمنوا ويستقيموا. وقوله تعالى ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾ أي يقول لمشركي العرب من أهل مكة وغيرها، ثم جعلناكم خلائف٢ في الأرض بعد إهلاك من قبلكم لننظر٣ كيف تعملون فإن كان عملكم خيراً جزيناكم به وإن كان سوءاً جزيناكم به وتلك سنتنا في عبادنا وما الله بغافل عما يعمل الظالمون. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مظاهر رحمة الله بعباده إذ لو عجل لهم ما يطلبون من العذاب كما يعجل لهم الخير عندما يطلبونه لأهلكهم وقضى إليهم أجلهم فماتوا. ٢- يعصي الله العصاةُ ويكفر به الكافرون وبتركهم في باطلهم وشرهم فلا يعجل لهم العذاب لعلهم يرجعون.

стр. 1119

٣- بيان أن الإنسان الكافر يعرف الله عند الشدة ويدعوه ويضرع إليه فإذا نجاه عاد إلى الكفر به كأن لم يكن يعرفه. ٤- استمرار المشركين على إسرافهم في الكفر والشر والفساد مُزين لهم١ حسب سنة الله تعالى. فمثلهم مثل الكافر يدعو عند الشدة وينسى عند الفرج. ٥- وعيد الله لأهل الإجرام بالعذاب العاجل أو الآجل إن لم يتوبوا. ٦- كل الناس أفراداً وأمماً مُمهَلُون مُراقَبُون في أعمالهم وسلوكهم ومَجزيون بأعمالهم خيرها وشرها لا محالة. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُل لَّوْ شَاء اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)

стр. 1120

شرح الكلمات: لا يرجون لقاءنا: أي لا يؤمنون بالبعث والدار الآخرة. من تلقاء نفسي: أي من جهة نفسي. ولا أدراكم به: أي لا أعلمكم به. عمراً من قبله: أي أربعين سنة قبل أن يوحى إليّ. المجرمون: المفسدون لأنفسهم بالشرك والمعاصي. ما لا يضرهم: أي إن لم يعبدوه. ومالا ينفعهم: أي إن عبدوه. أتنبئون: أي أتعلمون وتخبرون الله. سبحانه: أي تنزيها له. عما يشركون: أي به معه من الأصنام. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير قضايا أصول الدين الثلاث: التوحيد والوحي والبعث فقوله تعالى ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا﴾ أي إذا قرئت عليهم آيات الله ﴿قال الذين لا يرجون لقاءنا﴾ ١ وهم المنكرون للبعث إذ به يتم اللقاء مع الله تعالى للحساب والجزاء. ﴿إئت بقرآن غير هذا﴾ أي بأن يكون خالياً من عيب آلهتنا وانتقاصها. أو أبَقه ولكن بدل كلماته بما لا يسوءنا فاجعل مكان آية فيها ما يسوءنا آية أخرى لا إساءة فيها لنا وقولهم هذا إما أن يكون من باب التحدي أو الاستهزاء والسخرية٢ ولكن الله تعالى علَّم رسوله طريقة الرد عليهم بناء على ظاهر قولهم فقال له ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾ أي إنه لا يتأتَّى لي بحال أن أبدله من جهة نفسي لأني عبد الله ورسوله ما اتبع إلا ما يوحى

стр. 1121

إلى ﴿إني١ أخاف إن عصيت ربي﴾ بتبديل كلامه ﴿عذاب يوم عظيم﴾ أي عذاب يوم القيامة وقوله ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به﴾ أي قل لهم رداً على طلبهم: لو شاء الله أن لا أتلوه عليكم ما تلوته عليكم، ولا أدراكم هو به أي ولا أعلَمكم فالأمر أمره وأنا لا أعصيه ويدل لكم على صحة ما أقول: إني لبثت فيكم عمراً٢ أي أربعين سنة قبل أن آتيكم به ﴿أفلا تعقلون﴾ : معنى ما أقول لكم من الكلام وما أذكر لكم من الحجج؟. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية (١٥- ١٦) أما الآية الثالثة فقد تضمنت التنديد بالمجرمين الذين يكْذِبون على الله تعالى بنسبة الشريك إليه ويكذِّبون بآياته ويجحدونها فقال تعالى ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً﴾ ٣ أي لا أحد أظلم منه ﴿أو كذب بآياته﴾ بعدما جاءته أي لا أحد أظلم من الاثنين، وقوله تعالى ﴿إنه لا يفلح المجرمون﴾ دل أولاً على أن المذكورين مجرمون وأنهم لا يفلحون شأنهم شأن كل المجرمين. وإذا لم يفلحوا فقد خابوا وخسروا. وقوله تعالى في الآية الرابعة ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم﴾ أي من الأصنام ﴿ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ ٤ وهم في ذلك كاذبون مفترون فلذا أمر الله أن يرد عليهم بقوله ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض﴾ إذ لو كان هناك من يشفع عنده لعلِمَهُم وأخبر عنهم فلم الكذب على الله والافتراء عليه ثم نزه الله تعالى نفسه عن الشرك به والشركاء له فقال ﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ . هداية الآلات من هداية الآيات ١- من الدعوة إلى الله تعالى تلاوة آياته القرآنية على الناس تذكيراً وتعليماً.

стр. 1122

٢- بيان ما كان عليه المشركون من تعنت وجحود ومكابرة. ٣- كون النبي ﷺ عاش أربعين سنة لم يعرف فيها علماً ولا معرفة ثم برز في شيء من العلوم والمعارف فتفوق وفاق كل أحد دليل على أنه نبي يوحى إليه قطعاً. ٤ - لا أحد أظلم من أحد رجلين رجل يكذب على الله تعالى وآخر يكذِّب الله تعالى. ٥- إبطال دعوى المشركين أن آلهتهم تشفع لهم عند الله يوم القيامة. ٦- بيان سبب عبادة المشركين لآلهتهم وهو رجاؤهم شفاعتها لهم. وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (٢٠) شرح الكلمات: أمة واحدة: أي على دين واحد هو الإسلام. فاختلفوا: أي تفرقوا بأن بقى بعض على التوحيد وبعض على الشرك. كلمة سبقت: بإبقائهم إلى آجالهم ومجازاتهم يوم القيامة. آية: خارقة كناقة صالح ﵇. إنما الغيب لله: أي إن علم الآية متى تأتي من الغيب والغيب لله وحده فلا أنا ولا أنتم تعلمون إذاً فانتظروا إنا معكم من المنتظرين. معنى الآيتين: يخبر تعالى رسوله بحقيقة علمية تاريخية من شأن العلم بها المساعدة على الصبر والتحمل فيقول ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة﴾ أي في زمن سابق أمة واحدة على دين التوحيد دين الفطرة ثم حدث أن أحدثت لهم شياطين الجن والإنس البدع والأهواء

стр. 1123

والشرك فاختلفوا فمنهم من ثبت على الإيمان والتوحيد ومنهم من كفر بالشرك والضلال. وقوله تعالى ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾ ١ وهي أنه لا يعجل العذاب للأمم والأفراد بكفرهم وإنما يؤخرهم إلى آجالهم ليجزيهم في دار الجزاء بعذاب النار يوم القيامة لولا كلمته والتي هي ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ لعجل لهم العذاب فحكم بينهم بأن أهلك الكافر وأنجى المؤمن. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٩) أما الآية الثانية (٢٠) فيخبر تعالى عن المشركين أنهم قالوا ﴿لولا أنزل عليه آية من ربه﴾ ٢ أي هلاَّ أُنزل على محمد آية خارقة من ربه لنعلم ونستدل بها على أنه رسول الله وقد يريدون بالآية عذاباً فلذا أمر الله رسوله أن يرد عليهم بقوله ﴿إنما الغيب لله﴾ فهو وحده يعلم متى يأتيكم العذاب وعليه ﴿فانتظروا إني معكم٣ من المنتظرين﴾ ولم تطل مدة الانتظار ونزل بهم العذاب ببدر فهلك رؤساؤهم وأكابر المستهزئين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الأصل هو التوحيد والشرك طارىء. ٢- الشر والشرك هما اللذان يحدثان الخلاف في الأمة والتفرق فيها أما التوحيد والخير فلا يترتب عليهما خلاف ولا حرب ولا فرقة. ٣- بيان علة بقاء أهل الظلم والشرك يظلمون ويفسدون إلى آجالهم. ٤- الغيب كله لله فلا أحد يعلم الغيب إلا الله ومن علَّمه الله شيئاً منه وهذا خاص بالرسل لإقامة الحجة على أممهم. وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ

стр. 1124

(٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) شرح الكلمات: رحمة: أي مطر بعد قحط أو صحة بعد مرض أو غنى بعد فاقة. ضراء: حالة من الضر بالمرض والجدب والفقر. مكر في آياتنا: أي استهزاء بها وتكذيب. إن رسلنا: أي الحفظة من الملائكة. يسيركم١: أي يجعلكم تسيرون بما حولكم من مراكب وما يسر لكم من أسباب. بريح طيبة.: أي مناسبة لسير السفن موافقة لغرضهم. ريح عاصف: أي شديدة تعصف بالشجر فتقتلعه والبناء فتهدمه. وأحيط بهم: أي أحدق بهم الهلاك من كل جهة. يبغون بغير الحق٢: أي يظلمون مجانبين للحق والاعتدال. معنى الآيات: ما زال السياق في دعوة أهل مكة إلى توحيد الله والإيمان برسوله والدار الآخرة فيقول

стр. 1125

تعالى ﴿وإذا أذقنا الناس﴾ أي كفار مكة ﴿رحمة من بعد ضراء مستهم﴾ أي أذقناهم طعم الرحمة التي هي المطر بعد الجفاف والغنى بعد الفاقة والصحة بعد المرض وهي الضراء التي مستهم فترة من الزمن. يفاجئونك١ بالمكر بآيات الله وهو استهزاؤهم بها والتكذيب بها وبمن أُنزلت عليه. وقوله تعالى ﴿قل الله أسرع مكراً﴾ أي قل يا رسولنا لهؤلاء الماكرين من المشركين الله أسرع مكراً منكم فسوف يريكم عاقبة مكره بكم وهي إذلالكم وخزيكم في الدنيا وعذابكم في الآخرة إن متم على كفركم وقوله ﴿إن رسلنا يكتبون ما تمكرون﴾ تقرير لما أعلمهم به من مكر الله تعالى بهم إذ كتابة الملائكة ما يمكرون دليل على تبييت الله تعالى لهم المكروه الذي يريد أن يجازيهم به على مكرهم. هذا ما تضمنته الآية الأولى (٢١) أما الآية الثانية (٢٢) فهي تُري المشركين ضعفهم وعجزهم وحاجتهم إلى الله تعالى، ومن كان كذلك فكيف يستهزىء بربه ويسخر من آياته ويكذب رسوله إن أمرهم لعجب فيقول تعالى هو أي الله الذي تمكرون بآياته الذي يسيركم في البر بِما خلق لكم من الظهر الإبل والخيل والحمير، وفي البحر بما سخر لكم من الفلك تجري في البحر بأمره. حتى إذا كنتم في البحر وجرين٢ أي السفن بهم أي بالمشركين بريح طيبة مناسبة لسير السفن وفرحوا بها على عادة ركاب٣ البحر يفرحون بالريح المناسبة لسلامتهم من المَيَدَان٤ والقلق والاضطراب. جاءتها أي السفن ريح عاصف أي شديدة الهبوب تضطرب لها السفن ويخاف ركابها الغرق، وجاءهم أي الكفار الراكبين عليها الموج من كل مكان من جهات البحر والموج هو ارتفاع ماء البحر وتموجه كزوابع الغُبور في البر. وظنوا أي أيقنوا أو كادوا أنهم أحيط بهم أي هلكوا ﴿دعوا الله مخلصين
следующие страницы →