← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

تعالى ذلك العذاب الشديد الذي أذاقهم بكفرهم فقال: ﴿بما كانوا يكفرون﴾ ١ أي يجحدون كمال الله وغناه فنسبوا إليه الولد والشريك. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- كفر من ينسب إلى الله تعالى أي نقص كالولد والشريك أو العجز مطلقاً. ٢- كل دعوى لا يقيم لها صاحبها برهاناً قاطعاً وحجة واضحة فلا قيمة لها ولا يحفل بها. ٣- أهل الكذب على الله كالدجالين والسحرة وأهل البدع والخرافات لا يفلحون ونهايتهم الخسران. ٤- لا ينبغي للمؤمن أن يغتر بما يرى عليه أهل الباطل والشر من المتع وسعة الرزق وصحة البدن فإن ذلك متاع الحياة الدنيا، ثم يؤول أمرهم إلى خسران دائم. وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (٧١) فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ (٧٣) شرح الكلمات: واتل عليهم نبأ نوح: أي اقرأ على المشركين نبأ نوح أي خبره العظيم الخطير.

стр. 1157

كبر عليكم مقامي: أي عظم عليكم مقامي بينكم أدعو إلى ربي. فأجمعوا أمركم: أي اعزموا عزماً أكيداً. غمّة: أي خفاء ولبساً لا تهتدون منه إلى ما تريدون. ثم اقضوا إلي: أي انفذوا أمركم. ولا تنظرون: أي ولا تمهلون رحمة بي أو شفقة علي. فإن توليتم: أي أعرضتم عما أدعوكم إليه من التوحيد. في الفلك: أي في السفينة. خلائف: أي يخلف الآخر الأول جيلاً بعد جيل. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في طلب هداية المشركين بالرد على دعاواهم وبيان الحق لهم وفي هذه الآيات يأمر الله تعالى الرسول ﷺ أن يقرأ عليهم طرفاً من قصة نوح مع قومه المشركين الذين كانت حالهم كحال مشركي العرب سواء بسواء وفي قراءة هذا القصص فائدتان الأولى تسلية الرسول وحمله على الصبر، والثانية تنبيه المشركين إلى خطإهم، وتحذيرهم من الاستمرار على الشرك والعصيان فيحل بهم من العذاب ما حل بغيرهم قال تعالى: ﴿واتل عليهم نبأ نوح﴾ ١ أي خبره العظيم الشأن وهو قوله لهم ﴿يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي﴾ ٢ أي عظم وشق عليكم وجودي بينكم أدعوكم إلى الله، وتذكيري إياكم بآيات الله، فإني٣ توكلت على الله فأجمعوا أمركم أي اعزمرا عزماً أكيداً وادعوا أيضاً شركاءكم للاستعانة بهم، ثم أحذركم أن يكون أمركم عليكم غمة أي٤ خفياً ملتبساً عليكم فيجعلكم تترددون في إنفاذ ما عزمتم عليه، ثم اقضوا٥ إليَّ ما تريدون من قتلي أو نفعي ولا

стр. 1158

تنظرون أي لا تؤخروني أي تأخير. وقوله تعالى: ﴿فإن توليتم﴾ أي أعرضتم عن دعوتي وتذكيري ولم تقبلوا ما أدعوكم إليه من عبادة الله تعالى وحده، فما سألتكم عليه من أجر أي ثواب، حتى تتولوا. إن أجري إلا على ربي الذي أرسلني وكلفني. وقد أمرني أن أكون من المسلمين له قلوبهم ووجوههم وكل أعمالهم فأنا كذلك كل عملي له فلا أطلب أجراً من غيره قال تعالى: ﴿فكذبوه﴾ أي دعاهم واستمر في دعائهم إلى الله زمناً غير قصير وكانت النهاية: أن كذبوه، ودعانا لنصرته فنجيناه ومن معه من المؤمنين في السفينة وجعلناهم خلائف١ لبعضهم بعضاً أي يخلف الآخر الأول، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا التي أرسلنا بها عبدنا نوحاً فانظر يا رسولنا كيف كان عاقبة المنذرين الذين لم يقبلوا النصح ولم يستجيبوا للحق إنها عاقبة وخيمة إذ كانت إغراقاً في طوفان وناراً في جهنم وخسراناً قال تعالى في سورة نوح: ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تسلية الدعاة بمثل موقف نوح العظيم إذ قال لقومه: أجمعوا أمركم ونفذوا ما تريدون إني توكلت على الله. ٢- ثمرة التوكل شجاعة واطمئنان نفس وصبر وتحمل مع مضاء عزيمة. ٣- دعوة الله لا ينبغي أن يأخذ الداعي عليها أجراً إلا للضرورة. ٤- بيان سوء عاقبة المكذبين بعد إنذارهم وتحذيرهم. ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (٧٥)

стр. 1159

فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) شرح الكلمات: بالبينات: أي بالحجج الواضحات على صدق دعوتهم، وما يدعون إليه من توحيد الله تعالى. نطبع: الطبع على القلب عبارة عن تراكم الذنوب على القلب حتى لا يجد الإيمان إليه طريقاً. المعتدين: الذين تجاوزوا الحد في الظلم والاعتداء على حدود الشرع. الحق.: الآيات التي جاء بها موسى ﵇ وهي تسع. لتلفتنا: لتصرفنا وتحول وجوهنا عما وجدنا عليه آباءنا. الكبرياء: أي العلو والسيادة والملك على الناس. معنى الآيات: لما ذكر تعالى طرفاً من قصة نوح ﵇ وأبرز فيها مظهر التوكل على الله تعالى من نوح ليُقتدى به، ومظهر نصرة الله تعالى لأوليائه وهزيمته أعدائه ذكر هنا سنة من سننه في خلقه وهي أنه بعث من بعد نوح رسلاً كثيرين١ إلى أممهم فجاؤوهم بالبينات أي بالحجج والبراهين على صدقهم وصحة ما جاءوا به ودعوا إليه من توحيد الله، فما كان أولئك الأقوام ليؤمنوا بما كذب به من سبقهم من أمة نوح. قال تعالى: ﴿كذلك نطبع على٢

стр. 1160

قلوب المعتدين﴾ هذا بيان سنة الله تعالى في البشر وهي أن العبد إذا أذنب وواصل الذنب بدون توبة يصبح الذنب طبعاً من طباعه لا يمكنه أن يتخلى عنه، وما الذنب إلا اعتداء على حدود الشارع فمن اعتدى واعتدى وواصل الاعتداء حصل له الطبع وكان الختم على القلب فيصبح لا يقبل الإيمان ولا يعرف المعروف ولا ينكر المنكر. وقوله تعالى: ﴿ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون﴾ ١ أي من بعد الأمم الهالكة بعثنا رسولينا موسى وهرون ابني عمران إلى فرعون وملئه بآياتنا المتضمنة الدليل على صحة مطلب رسولينا وهو توحيد الله وإرسال بني إسرائيل معهما، ﴿فاستكبروا﴾ أي فرعون وملؤه ﴿وكانوا قوماً مجرمين﴾ حيث أفسدوا القلوب٢ والعقول وسفكوا الدماء وعذبوا الضعفاء يقول تعالى عنهم ﴿فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين﴾ أي لما بهرتهم المعجزات وهي آيات موسى وأبطلت إفكهم قالوا إن هذا لسحر مبين تخلصاً من الهزيمة التي لحقتهم، فرد موسى عليهم بقوله ﴿أتقولون للحق لما جاءكم﴾ هذا سحر٣ ثم بعد توبيخهم استدل على بطلان قولهم بكونه انتصر عليهم فأفلح بينهم وفاز عليهم فقال: ﴿أسحر هذا ولا يفلح الساحرون﴾ فلو كان ما جئت به سحراً فكيف أفلحت في إبطال سحركم وهزيمة سحرتكم. فلما أفحمهم بالحجة قالوا مراوغين: ﴿أجئتنا لتلفتنا﴾ أي تصرفنا ﴿عما وجدنا عليه آباءنا، وتكون لكما الكبرياء في الأرض﴾ أي وتكون لكما السيادة والملك في أرض مصر فسلكوا مسلك الاتهام السياسي. وقالوا ﴿وما نحن لكما بمؤمنين﴾ أي بمصدقين ولا متبعين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان سنة الله في البشر وهي أن التوغل في الشر والفساد والظلم يوجب الختم على

стр. 1161

القلوب فيحرم العبد الإيمان والهداية. ٢- ذم الاستبكار وأنه سبب كثير من الإجرام. ٣- تقرير أن السحر صاحبه لا يفلح أبداً ولا يفوز بمطلوب ولا ينجو من مرهوب. ٤- الاتهامات الكاذبة من شأن أهل الباطل والظلم والفساد. وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) شرح الكلمات: ساحر عليم: أي ذو سحر حقيقي له تأثير عليم بالفن. ألقوا: أي ارموا في الميدان ما تريدون إلقاءه من ضروب السحر. إن الله سيبطله: أي يظهر بطلانه أمام النظارة من الناس. ويحق الله الحق: أي يقرر الحق ويثبته. بكلماته: أي بأمره إذ يقول للشيء كن فيكون. المجرمون: أهل الإجرام على أنفسهم وعلى غيرهم وهم الظلمة المفسدون. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر قصة موسى بعد قصة نوح ﵉ في الآيات السابقة لما غلب موسى فرعون وملأه بالحجة اتهم فرعون موسى وأخاه هارون بأنهما سياسيان يريدان الملك والسيادة على البلاد لا همَّ لهما إلا ذاك وكذب فرعون وهو من الكاذبين وهنا أمر

стр. 1162

رجال دولته أن يحضروا له علماء السحر١ ليبارى موسى في السحر فجمع سحرته فقال لهم موسى ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ ٢ فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، فنظر إليه موسى وقال: ﴿ما جئتم٣ به السحر إن الله سيبطله٤ إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولوكره المجرمون﴾ ٥ وألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- للسحر طرق يتعلم بها وله علماء به وتعلمه حرام واستعماله حرام. ٢- حد الساحر القتل لأنه إفساد في الأرض. ٣- جواز المبارزة للعدو والمباراة له إظهاراً للحق وإبطالاً للباطل. ٤- عاقبة الفساد وعمل أصحابه الخراب والدمار. ٥- متى قاوم الحق الباطل انهزم الباطل وانتصر الحق بأمر الله تعالى ووعده الصادق. فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) َقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ (٨٤) َقَالُواْ عَلَى اللهِ

стр. 1163

تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) شرح الكلمات: فما آمن لموسى: أي لم يَنْقَدْ له ويتبعه. إلا ذرية: أي طائفة قليلة من أولاد بني إسرائيل. وملائهم: أي أشرافهم ورؤسائهم. أن يفتنهم: أن يضطهدهم ويعذبهم. لعال في الأرض: قاهر مُستبدّ. مسلمين: مذعنين منقادين لأمره ونهيه. فتنة للقوم الظالمين: أي لا تفتنهم بنا بأن تنصرهم علينا فيروا أنهم خير منا فيزدادوا كفراً. أن تبوَّءا: اتخذا لقومكما بمصر بيوتا تبوءون إليها وترجعون. قبلة: أي مساجد تصلون فيها. معنى الآيات: بعد ذلك الانتصار الباهر الذي تم لموسى على السحرة، والهزيمة المرة التي لحقت فرعون ولم يؤمن لموسى ويتابعه إلا ذرّيّة من بني إسرائيل، وعدد قليل من آل فرعون كامرأته ومؤمن آل فرعون والماشطة قال تعالى: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية١ من قومه على خوف من فرعون﴾ أي مع خوف من فرعون أن يفتنهم وقوله: ﴿وملائهم﴾ عائد إلى مؤمنى آل فرعون أي مع خوف من ملائهم أي رؤسائهم وأشرافهم أن يفتنوهم أيضاً، وقوله تعالى ﴿وإن فرعون لعال في الأرض﴾ أي إنه قاهر متسلط مستبد ظالم، ﴿وإنه لمن

стр. 1164

المسرفين﴾ ١ في الظلم فلذا خافوه لما آمنوا، ولما ظهر الخوف علي بني إسرائيل قال لهم موسى ﴿يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين﴾ ٢ ففوضوا أمركم إليه إن كنتم حقاً مسلمين لله منقادين لأمره ونهيه، فأجابوا قائلين: ﴿على الله توكلنا﴾ وسألوا الله تعالى أن لا يفتن قوم فرعون بهم بأن ينصرهم عليهم فيزدادوا كفراً وظلماً، وضمن ذلك أن لا تسلط الظالمين علينا فيفتونا في ديننا بصرفنا عنه بقوة التعذيب ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين﴾ وهذا حسن توسل منهم إذا قالوا برحمتك فتوسلوا إلى الله برحمته ليستجيب دعاءهم، والمراد من القوم الكافرين هنا فرعون وملأه. وقوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه﴾ أي هارون ﴿أن تبوءا لقومكما﴾ ٣ أي من بني إسرائيل ﴿بمصر﴾ أي بأرض مصر٤ ﴿بيوتاً، واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ٥ أي متقابلة ومساجد٦ تصلون فيها ﴿وأقيموا الصلاة﴾ على الوجه الذي شرع لكم. وهذا بناء على أن بني إسرائيل بعد الانتصار على فرعون أخذوا ينحازون من مجتمع فرعون فأمروا أن يكونوا حياً مستقلاً استعداداً للخروج من أرض مصر فأمرهم الرب ﵎ أن يجعلوا بيوتهم قبلة أي متقابلة ليعرفوا من يدخل عليهم ومن يخرج منهم وليصلوا فيها كالمساجد حيث منعوا من المساجد إما بتخريبها وإما بمنعهم منها ظلماً وعدواناً وقوله تعالى ﴿وبشر المؤمنين﴾ أي وبشر يا رسولنا٧ المؤمنين الصادقين في إيمانهم الكاملين فيه بحسن العاقبة بكرامة الدنيا وسعادة الآخرة بدخول دار السلام.

стр. 1165

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تسلية الرسول ﷺ حيث أراه كيف انتصر موسى بالمعجزات ومع ذلك لم يتابعه إلا القليل من قومه. ٢- التنديد بالعلو في الأرض والإسراف في الشر والفساد وبأهلهما. ٣٠- وجوب التوكل على الله تعالى لتحمل عبء الدعوة إلى الله تعالى والقيام بطاعته. ٤- مشروعية الدعاء والتوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته. ٥- اتخاذ المساجد في المنازل للصلاة فيها عند الخوف. ٦- وجوب إقام الصلاة. ٧- بشرى الله تعالى للمؤمنين والمقيمين للصلاة بحسن العاقبة في الدارين. وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (٨٩) شرح الكلمات: زينة: أي حلياً وحللاً ورياشاً ومتاعاً. أموالاً: أي كثيرة من الذهب والفضة والأنعام والحرث. اطمس: أي أزل أثرها من بينهم بإذهابها. واشدد على قلوبهم: اربط عليها حتى لا يدخلها إيمان ليهلكوا وهم كافرون.

стр. 1166

أجيبت دعوتكما:. أي استجابها الله تعالى. فاستقيما: على طاعة الله بأداء رسالته والدعوة إليه والصبر على الأذى فيه. سبيل الذين لا يعلمون: أي طريق الجهلة الذي لا يعرفون محاب الله ومساخطه ولا يعلمون شرائع الله التي أنزل لعباده. معنى الآيتين: ما زال السياق في قصة موسى مع فرعون وبني إسرائيل فبعد أن لج فرعون في العناد والمكابرة بعد هزيمته سأل موسى ربه قائلاً ﴿ربنا إنك آتيت فرعون وملأه﴾ أي أعطيتهم ﴿زينة﴾ أي ما يتزين به من الملابس والفرش والأثاث وأنواع الحلي والحلل وقوله ﴿وأموالاً﴾ ١ أي الذهب والفضة والأنعام والحرث ﴿في الحياة الدنيا﴾ أي في هذه الحياة الدنيا وقوله: ﴿ربنا ليضلوا عن سبيلك﴾ ٢ أي فيسبب ذلك لهم الضلال إذاً ﴿ربنا اطمس٣ على أموالهم﴾ أي أذهب أثرها بمسحها وجعلها غير صالحة للانتفاع بها، ﴿واشدد على٤ قلوبهم﴾ أي اطبع على قلوبهم واستوثق منها فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم الموجع أشد الإيجاع، قال تعالى: ﴿قد أجيبت دعوتكما، فاستقيما﴾ ٥ على طاعتنا بالدعوة إلينا وأداء عبادتنا والنصح لعبادنا والعمل على إنقاذ عبادنا من ظلم الظالمين، ﴿ولا تتبعانِّ سبيل الذين لا يعلمون﴾ أي فتستعجلا وقوع العذاب فإن الذين لا يعلمون ما لله من حكم وتدابير وقضاء وقدر يستعجلون الله تعالى في وعده لهم فلا تكونوا مثلهم بل انتظروا وعدنا واصبروا حتى يأتي وعد الله وما الله بمخلف وعده.

стр. 1167

هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- مشروعية الدعاء بالهلاك على أهل الظلم. ٢- كثرة المال وأنواع الزينة، والانغماس في ذلك والتلهي به يسبب الضلال لصاحبه. ٣- الذين بلغوا حداً من الشر والفساد فطبع على قلوبهم لا يموتون إلا على الكفر فيخسرون. ٤- المؤمِّن داع فهو شريك في الدعاء١ فلذا أهل المسجد يؤمِّنون على دعاء الإمام في الخطبة فتحصل الإجابة للجميع، ومن هنا يخطيء الذين يطوفون أو يزورون إذ يدعون بدعاء المطوف ولا يؤمِّنون. ٥- حرمة إتباع طرق أهل الضلال، وتقليد الجهال والسير وراءهم. وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) شرح الكلمات: وجاوزنا ببني إسرائيل: أي قطعنا بهم البحر حتى تجاوزوه. البحر: بحر القلزم.

стр. 1168

بغيا وعدوا ١: أي بغيا على موسى وهرون واعتداء عليهما. الآن: أي أفي هذا الوقت تقر بالوحدانية وتعترف له بالذلة؟!. ببدنك: أي بجسدك لا روح فيه. آية: علامة على أنك عبد وليس برب فيعتبروا بذلك. معنى الآيات: ما زال السياق في قصة موسى وهرون مع فرعون وبني إسرائيل قال تعالى: ﴿وجاوزنا٢ ببني إسرائيل البحر﴾ وذلك بداية استجابة الله تعالى دعوة موسى وهرون ومعنى ﴿جاوزنا﴾ أي قطعنا بهم البحر حتى تجاوزوه، وذلك بأن أمر موسى أن يضرب بعصاه البحر فضرب فانفلق البحر فكان كل فرق كالطود العظيم ويَبِسَت الأرض ودخل موسى مع بني إسرائيل يتقدمهم جبريل ﵇ على فرس حتى تجاوزوا البحر إلى الشاطىء، وجاء فرعون على فرسه ومعه ألوف٣ الجنود فتبعوا موسى٤ وبني إسرائيل فدخلوا البحر فلما توسطوه أطبق٥ الله تعالى عليهم البحر فغرقوا أجمعين إلا ما كان من فرعون فإنه لما أدركه الغرق أي لحقه ووصل الماء إلى عنقه أعلن عن توبته فقال: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ ولكبريائه لم يقل لا إله إلا الله ولو قالها لتاب الله عليه فأنجاه بل قال: ﴿لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ وهو يعرف أنه الله. وقوله: ﴿وأنا من المسلمين﴾ مبالغة في طلب النجاة من الغرق بالتوبة حيث أعلن أنه من المسلمين أي المستسلمين المنقادين لأمره. فرد الله تعالى بقوله: ﴿آلآن﴾ أي وقت التوبة٦ والإسلام بعد الإيمان،

стр. 1169

﴿وقد عصيت قبل﴾ وتمردت على الله وشرعه وكفرت به وبرسوله ﴿وكنت من المفسدين﴾ للبلاد والعباد بالظلم والشر والفساد، ﴿فاليوم ننجيك﴾ أي نجعلك على نجوة من الأرض أي مرتفع منها ﴿ببدنك﴾ أي يجسمك دون روحك، وبذلك ﴿لتكون لمن خلفك﴾ أو بعده من الناس ﴿آية﴾ أي علامة على أنك عبد مربوب وليس كما زعمت أنك رب وإله معبود، وتكون عبرة لغيرك فلا يطغى طغيانك ولا يكفر كفرانك فيهلك كما هلكت، وقوله تعالى: ﴿وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون﴾ إخبار منه بواقع الناس ومن أولئك الغافلين عن آيات الله وهي تتلى عليهم أهل مكة من كفار قريش وما سيق هذا القصص إلا لأجل هدايتهم. لو كانوا يهتدون. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- لا تقبل التوبة عند معاينة العذاب وفي الحديث "تقبل توبة العبد ما لم يغرغر". ٢- أكمل الأديان وأفضلها الإسلام ولهذا أهل اليقين يسألون الله تعالى أن يتوفاهم مسلمين ولما أيقن فرعون بالهلاك زعم أنه من المسلمين. ٣- فضل لا إله إلا الله فقد ورد أن جبريل كان يحول بين فرعون وبين أن يقول: لا إله إلا الله فينجو فلم يقلها فغرق وكان من الهالكين. ٤- تقرير حقيقة وهي أن أكثر الناس في هذه الحياة غافلون عما يراد بهم ولهم ولم ينتبهوا حتى يهلكوا. وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣) شرح الكلمات: مبوأ صدق: أي أنزلناهم منزلاً صالحاً طيباً مرضياً. من الطيبات: أي من أنواع الأرزاق الطيبة الحلال.

стр. 1170

حتى جاءهم العلم: وهو معرفتهم أن محمداً ﷺ هو النبي المنتظر وأنه المنجي. يقضي بينهم: يحكم بينهم. فيما كانوا في يختلفون: وأي في الذي اختلفوا من الحق فيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار. معنى الآية الكريمة: هذه خاتمة الحديث عن موسى وبني إسرائيل بعد أن نجاهم الله من عدوهم بإهلاكه في اليم قال تعالى: ﴿ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق﴾ أي أنزلناهم مبوأ صالحاً طيباً وهو بلاد فلسطين من أرض الشام المباركة١، وذلك بعد نجاتهم من التيه ودخولهم فلسطين بصحبة نبي الله يوشع بن نون ﵇، وقوله ﴿ورزقناهم من الطيبات﴾ إذ أرض الشام أرض العسل والسمن والحبوب والثمار واللحم والفحم وذكر هذا إظهار لنعم الله تعالى ليشكروها. وقوله: ﴿فما اختلفوا حتى جاءهم العلم﴾ يريد أن بني إسرائيل الذين أكرمهم ذلك الإكرام العظيم كانوا قبل مبعث النبي ﷺ متفقين على دين واحد منتظرين النبي المنتظر المبشر به في التوراة الذي سينقذ بني إسرائيل مما حل بهم من العذاب والاضطهاد على أيدي أعدائهم الروم، فلما جاءهم وهو العلم وهو القرآن والمنزل عليه محمد ﷺ اختلفوا فمنهم من آمن به٢، ومنهم من كفر. وقوله تعالى في خطاب النبي ﷺ : ﴿إن ربك يقضي٣ بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ من أمر الإيمان لك واتباعك واتباع ما جئت به من الهدى ودين الحق، فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكفار النار. هداية الآية الكريمة: من هداية الآية الكريمة: ١- بيان إكرام الله تعالى لبني إسرائيل.

стр. 1171

٢- الرزق الطيب هو ما كان حلالاً لا ما كان حراماً. ٣- إذا أراد الله هلاك أمة اختلف بسبب العلم الذي هو في الأصل سبب الوحدة الوئام. ٤- حرمة الاختلاف في الدين إذ كان يؤدي إلى١ الانقسام والتعادي والتحارب. ٥- يوم القيامة هو يوم الفصل الذي يقضي الله تعالى فيه بين المختلفين بحكمه العادل. فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (٩٧) شرح الكلمات: شك:. ما قابل التصديق فالشاك غير المصدق. مما أنزلنا إلبك: أي في أن بني إسرائيل لم يختلفوا إلا من٢ بعد ما جاءهم العلم. الكتاب: أي التوراة والإنجيل. فلا تكونن من الممترين: أي لا تكونن من الشاكين. حقت عليهم: أي وجبت لهم النار بحكم الله بذلك في اللوح المحفوظ. حتى يروا العذاب: أي يستمرون على تكذيبهم حتى يروا العذاب يؤمنوا حيث لا ينفع الإيمان٣.

стр. 1172

معنى الآيات: يقرر تعالى نبوة رسوله ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل١ الذين يقرأون الكتاب من قبلك﴾ أحبار اليهود ورهبان النصارى فإنهم يعرفون نعوتك وصفاتك في التوراة والإنجيل وإنك النبي الخاتم والمنقذ وأن من آمن بك نجا ومن كفر هلك وهذا من باب الفرض وليكون تهييجاً للغير ليؤمن وإلا فهو ﷺ قد قال: ﴿لا أشك ولا أسأل" وقوله ﴿لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين﴾ ، يقسم تعالى لرسوله بأنه قد جاءه الحق من ربه وهو الحديث الثابت بالوحي الحق وينهاه أن يكون من الممترين أي الشاكين في صحة الإسلام، وأنه الدين الحق الذي يأبى الله إلا أن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وقوله ﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين﴾ أي وينهاه أيضاً أن يكون من الذين كذبوا بوحي الله وشرعه ورسوله المعبر عنها بالآيات لأنها حاملة لها داعية إليها، فتكون من الخاسرين يوم القيامة. وهذا كله من باب ("إياك أعني واسمعي يا جاره") وإلا فمن غير الجائز أن يشك الرسول أو يكذب بما أنزل عليه من الآيات الحاملة من الشرائع والأحكام. وقوله تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية﴾ هو كما أخبر فالذين قضى٢ الله بعذابهم يوم القيامة فكتب ذلك في كتاب المقادير عنده هؤلاء لا يؤمنون أبداً مهما بذل في سبيل إيمانهم من جهد في تبيين الحق وإقامة الأدلة وإظهار الحجج عليهم وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ من جراء ما يألم له ويحزن من إعراض كفار قريش وعدم استجابتهم وقوله ﴿ولو جاءتهم كل آية﴾ تأكيد للحكم السابق وهو أن الذي حكم الله بدخولهم النار لا يؤمنون ولا يموتون إلا كافرين لينجز الله ما وعد ويمضي ما قضى وحكم. وقوله: ﴿حتى يروا العذاب الأليم﴾ أي يستمرون على كفرهم بك وبما جئت به حتى يشاهدوا العذاب الأليم وحينئذ يؤمنون كما آمن فرعون عندما أدركه الغرق ولكن لم ينفعه إيمانه فكذلك هؤلاء المشركون من

стр. 1173

قومك الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم وعندئذ لا ينفعهم إيمانهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير نبوة الرسول ﷺ . ٢- سؤال من لا يعلم من يعلم. ٣- التكذيب بآيات الله كفر وصاحبه من الخاسرين. ٤- الشك والافتراء في أصول الدين وفروعه كفر. ٥- تقرير عقيدة القضاء والقدر، وإن الشقي من شقي في كتاب المقادير١ والسعيد من سعد فيه. ٦- عدم قبول توبة من عاين العذاب في الدنيا بأن رأى ملك الموت وفي الآخرة بعد أن يبعث ويشاهد أهوال القيامة. فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (١٠٠) شرح الكلمات: فلولا: أداة تحضيض هنا بمعنى هلاّ وفيها معنى التوبيخ والنفي.

стр. 1174

قرية آمنت: أي أهل قرية آمنوا. يونس: هو يونس بن مَتَّى نبي الله ورسوله١. إلى حين: أي إلى وقت انقضاء آجالهم. أفأنت تكره الناس: أي إنك لا تستطيع ذلك. إلا بإذن الله.: أي بإرادته وقضائه. الرجس: أي العذاب معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى في الآيات السابقة أن الخسران لازم لمن كذب بآيات الله، وأن الذين وجب لهم العذاب لإحاطة ذنوبهم بهم لا يؤمنون لفقدهم الاستعداد للإيمان ذكر هنا ما يحض به أهل مكة على الإيمان وعدم الإصرار على الكفر والتكذيب فقال: ﴿فلولا٢ كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها﴾ أي فهلا أهل قرية آمنوا فانتفعوا بإيمانهم فنجوا من العذاب اللازم لمن لم يؤمن أي لِمَ لا يؤمنون وما المانع من إيمانهم وهذا توبيخ لهم. وقوله ﴿إلا قوم٣ يونس٤ لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا﴾ فلم نهلكهم بعذاب استئصال وإبادة شاملة لأنهم لما رأوا أمارات العذاب بادروا إلى التوبة قبل نزوله بهم فكشف الله تعالى عنهم العذاب، ومتعهم بالحياة إلى حين انقضاء آجالهم فما لأهل أم القرى لا يتوبون كما تاب أهل نَيْنَوى من أرض الموصل وهم قوم يونس ﵇. وقوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً﴾ يحمل دلالتين الأولى أن عرض الله تعالى الإيمان على أهل مكة وحضهم عليه وتوبيخهم على تركه لا ينبغي

стр. 1175

أن يفهم منه أن الله تعالى عاجز عن جعلهم يؤمنون بل لو شاء إيمانهم لآمنوا كما لو شاء إيمان أهل الأرض جميعاً لآمنوا والثانية تسلية الرسول والتخفيف عنه من ألم وحزن عدم إيمان قومه وهو يدعوهم بجد وحرص ليل نهار فأعلمه ربه أنه لو شاء إيمان كل من في الأرض لآمنوا، ولكنه التكليف المترتب عليه الجزاء فيعرض الإيمان على الناس عرضاً لا إجبار معه فمن آمن نجا، ومن لم يؤمن هلك وبدل على هذا قوله له ﴿أفأنت تكره١ الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ أي إن هذا ليس لك، ولا كلفت به، وقوله تعالى: ﴿وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله﴾ تقرير وتأكيد لما تضمنه الكلام السابق من أن الإيمان لا يتم لأحد إلا بإرادة الله وقضائه، وقوله تعالى: ﴿ويجعل الرجس٢ على الذين لا يعقلون﴾ أي إلا أنه تعالى يدعو الناس إلى الإيمان مبيناً لهم ثمراته الطيبة ويحذرهم من التكذيب مبيناً لهم آثاره السيئة فمن آمن نجاه وأسعده ومن لم يؤمن جعل الرجس الذي هو العذاب عليه محيطاً به جزاء له لأنه لا يعقل إذ لو عقل لما كذب ربه وكفر به وعصاه وتمرد عليه وهو خالقه ومالك أمره. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- من مظاهر رحمة الله تعالى بعباده دعوته إياهم إلى الإيمان به وحضهم عليه. ٢- قبول التوبة قبل معاينة العذاب، ورؤية العلامات لا تمنع من التربة. ٣- إرادة الله الكونية التي يكون بها الأشياء لا تتخلف أبداً، وإرادته الشرعية التكليفية جائزة التخلف. لا إيمان إلا بإذن الله وقضائه فلذا لا ينبغي للداعي أن يحزن على عدم إيمان الناس إذا دعاهم ولم يؤمنوا لأن الله تعالى كتب عذابهم أزلاً وقضى به.

стр. 1176

قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) شرح الكلمات: ماذا في السموات والأرض: أي من عجائب المخلوقات، وباهر الآيات. وما تغني الآيات والنذر: أي ما تغني أيِّ إغناء إذا كان القوم لا يؤمنون. فهل ينتظرون.: أي ما ينتظرون. خلوا من قبلهم: أي مضوا من قبلهم من الأمم السابقة. قل فانتظروا: أي العذاب. ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا: أي من العذاب المنتظر. كذلك: أي كذلك الإنجاء ننج المؤمنين. معنى الآيات: ما زال السياق في دعوة قريش إلى الإيمان والتوحيد والطاعة لله ولرسوله ﷺ فقد أمر تعالى رسوله أن يقول لهم: ﴿قل انظروا١ ماذا في السموات والأرض﴾ من سائر المخلوقات وما فيها من عجائب الصنعة، ومظاهر الحكمة والرحمة والقدرة فإنها تدعو إلى الإيمان بالله رباً وإلهاً لا إله غيره ولا رب سواه، وتفند دعوى ألوهية الأصنام والأحجار. ثم قال تعالى: ﴿وما تغني الآيات والنذر﴾ أي الرسل في هداية قوم قضى الله تعالى أزلاً

стр. 1177

أنهم لا يؤمنون حتى ينتهوا إلى ما قدر لهم وما حكم به عليهم من عذاب الدنيا والآخرة ولكن لما كان علم ذلك إلى الله تعالى فعلى النذر أن تدعو وتبلغ جهدها والأمر لله من قبل ومن بعد. وقوله: ﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين١ خلوا من قبلهم﴾ أي إنهم ما ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلفوا من قبلهم من قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم دعتهم رسلهم وبلغتهم دعوة ربهم إليهم إلى الإيمان والتوحيد والطاعة فاعرضوا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب. ثم أمر الله تعالى رسوله أن يقول لهم ﴿فانتظروا٢﴾ أي ما كتب عليكم من العذاب إن لم تتوبوا إليه وتسلموا ﴿إني معكم من المنتظرين﴾ فإن كان العذاب فإن سنة الله فيه أن يهلك الظالمين المشركين المكذبين وينجي رسله والمؤمنين وهو معنى قوله تعالى٣ في الآية الأخيرة (١٠٣) ﴿ثم ننجى٤ رسلنا والذين آمنوا، كذلك﴾ أي الإنجاء ﴿حقاً علينا٥ ننج المؤمنين﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- لا تنفع الموعظة مهما بولغ فيها عبداً كُتب أزلاً أنه من أهل النار. ٢- ما ينتظر الظلمة في كل زمان ومكان إلا ما حل بمن ظلم من قبلهم من الخزي والعذاب. ٣- وعد الله تعالى ثابت لأوليائه بإنجائهم من الهلاك عند إهلاكه الظلمة المشركين. قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ

стр. 1178

أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) شرح الكلمات: من دينى: أي الإسلام في أنه حق. يتوفاكم: أي يقبض أرواحكم فيميتكم. وأن أقم وجهك للدين حنيفاً: أي أمرني ربى أن أقم وجهي للدين الإسلامي حنيفاً أي مائلاً عن كل الأدبان إليه دون غبره. مالا ينفعك ولا يضرك: أي آلهة لا تنفع ولا تضر وهي أصنام المشركين وأوثانهم. إنك إذاً من الظالمين: أي انك إذا دعوتها من المشركين الظالمين لأنفسهم. فلا كاشف له إلا هو: أي لا مزيل للضُّر ومبعده عمن أصابه إلا هو . يصيب به: أي بالفضل والرحمة. وهو الغفور الرحيم: أي لذنوب عباده التائبين الرحيم بعباده المؤمنين. معنى الآيات: بعد أن بين تعالى طريق الهدى وطريق الضلال وأنذر وحذر وواعد وأوعد في الآيات السابقة بما لا مزيد عليه أمر رسوله هنا أن يواجه المشركين من أهل مكة وغيرهم بالتقرير التالي فقال: ﴿قل يا أيها الناس﴾ أي مشركي مكة والعرب من حولهم ﴿إن كنتم في شك﴾ وريب١ في صحة ديني الإسلام الذي أنا عليه وأدعو إليه، ﴿فلا أعبد الذين تعبدون من

стр. 1179

دون الله﴾ فمجرد شككم في صحة ديني لا يجعلني أعبد أوثاناً وأصناماً لا تنفع ولا تضر، ﴿ولكن أعبد الله﴾ الذي ينفع ويضر، يحيى ويميت، الله الذي يتوفاكم أي يميتكم بقبض أرواحكم فهو الذي يجب أن يعبد ويخاف ويرهب ﴿وأمرت أن أكون من المؤمنين﴾ أي أمرني ربي أن أومن به فأكون من المؤمنين فآمنت وأنا من المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿وأن أقم وجهك للدين حنيفاً ولا تكونن من المشركين﴾ أي وأوحى إليّ ربي آمراً إياي بأن أقيم وجهي لدينه١ الحق فلا ألتفت إلى غيره من الأديان الباطلة، ونهاني مشدداً عليّ أن أكون من المشركين الذين يعبدون معه آلهة أخرى بعد هذا الإعلان العظيم والمفاصلة الكاملة والتعريض الواضح بما عليه أهل مكة من الضلال والخطأ الفاحش، واجه الله تعالى رسوله بالخطاب وهو من باب "إياك أعنى واسمعي يا جاره" فنهاه بصريح القول أن يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره وهو كل المعبودات ما سوى الله فقال: ﴿ولا تدع من دون ما لا ينفعك﴾ أي لا يجلب لك نفعاً ولا يدفع عنك ضراً، ولا يضرك بمنع خير عنك، ولا بإنزال شربك فإن فعلت بأن دعوت غير الله فإنك إذاً من الظالمين، ولما كان دعاء النبي غير الله ممتنعاً فالكلام إذاً تعريض بالمشركين وتحذير للمؤمنين، وقوله تعالى: في خطاب رسوله: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له﴾ ٢ عنك ﴿إلا هو﴾ ، ﴿وإن يردك بخير﴾ من الخيور عافية وصحة رخاء ونصر ﴿فلا راد لفضله﴾ أي ليس هناك من يرده عنك بحال من الأحوال، وقوله: ﴿يصيب﴾ ٣ أي بالفضل والخير والنعمة ﴿من يشاء من عباده﴾ إذ هو الفاعل المختار، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وقوله: ﴿وهو الغفور الرحيم﴾ بيان لصفات الجلال والكمال فيه فإنه تعالى يغفر ذنوب التائبين إليه مهما بلغت في العظم، ويرحم عباده المؤمنين مهما كثروا في العدد، وبهذا استوجب العبادة بالمحبة والتعظيم والطاعة والتسليم. هداية الآيات من هداية الآيات ١- على المؤمن أن لا يترك الحق مهما شك وشكك فيه الناس.

стр. 1180

٢- تحريم الشرك ووجوب تركه وترك أهله.. ٣- دعاء غير الله مهما كان المدعو شرك محرم فلا يحل أبداً، وإن سموه توسلاً. ٤- لا يؤمن عبد حتى يوقن أن ما أراده الله له من خير أو شر لا يستطيع أحد دفعه ولا تحويله بحال من الأحوال، وهو معنى حديث١: "ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك". قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩) شرح الكلمات: يا أيها الناس: أي يا أهل مكة. قد جاء الحق: أي الرسول يتلو القرآن ويبين الدين الحق. من اهتدى: أي آمن بالله ورسوله وعبد الله تعالى موحداً له. ومن ضل: أي أبى إلا الإصرار على الشرك والتكذيب والعصيان. فعليها: أي وبال الضلال على نفس الضال كما أن ثواب الهداية لنفس المهتدي. وما أنا عليكم بوكيل: أي بمجبر لكم على الهداية وإنما أنا مبلغ ونذير. واصبر حتى يحكم الله: أي في المشركين بأمره. خير الحاكمين: أي رحمة وعدلاً وإنفاذاً لما يحكم به لعظيم قدرته. معنى الآيتين: هذا الإعلان الأخير في هذه السورة يأمر الله تعالى رسوله أن ينادى المشركين بقوله:

стр. 1181

﴿يا أيها الناس﴾ وهو نداء عام يشمل البشرية كلها وإن أريد به ابتداء أهل مكة ﴿قد جاءكم الحق من ربكم﴾ وهو القرآن يتلوه رسول الله وفيه بيان الدين الحق الذي لا كمال للإنسان له إلا بالإيمان به والأخذ الصادق بما تضمنه من هدى. وبعد فمن اهتدى بالإيمان والاتباع فإنما ثواب هدايته لنفسه إذ هي التي تزكو وتَطْهُر وتتأهل لسعادة الدارين، ومن ضل بالإصرار على الشرك والكفر والتكذيب فإنما ضلاله أي جزاء ضلاله عائد على نفسه إذ هي التي تَتَدَسَّى وتخبُث وتتأهل لمقت الله وغضبه وأليم عقابه. وما على الرسول المبلغ من ذلك شيء، إذ لم يوكل إليه ربه هداية الناس بل أمره أن يصرح لهم بأنه ليس عليهم بوكيل ﴿وما أنا عليكم بوكيل﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿واتبع ما يوحى إليك﴾ ٢ أمر للنبي ﷺ بالتزام الحق باتباع ما يوحى إليه من الأوامر والنواهي وعدم التفريط في شيء من ذلك، ولازم هذا وهو عدم اتباع ما لا يوحى إليه به ربه وقوله: ﴿واصبر حتى يحكم الله٣ وهو خير الحاكمين﴾ أمر للنبي ﷺ بالصبر على اتباع الوحي والثبات على الدعوة وتحمل الأذى من المشركين إلى غاية أن يحكم الله فيهم وقد حكم فأمره بقتالهم فقتلهم في بدر وواصل قتالهم حتى دانوا لله بالإسلام ولله الحمد والمنَّة، وقوله ﴿وهو خير الحاكمين﴾ ٤ ثناء على الله تعالى بأنه خير من يحكم وأعدل من يقضي لكمال علمه وحكمته، وعظيم قدرته، وواسع رحمته. هداية الآيات من هداية الآيات ١- تقرير أن القرآن والرسول حق والإسلام حق.

стр. 1182

٢- تقرير مبدأ أن المرء يشفى ويسعد بكسبه لا بسكب غيره. ١ ٣- وجوب اتباع الوحي الإلهي الذي تضمنه القرآن والسنة الصحيحة. ٤- فضيلة الصبر وانتظار الفرج من الله تعالى.

стр. 1183

سورة هود مكية ٢ وآياتها مائة وثلاث وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥) شرح الكلمات آلر: هذا أحد الحروف المقطعة: يكتب آلر ويقرأ ألف، لام، را.

стр. 1184

أحكمت: أي نظمت نظماً متقناً ورصفت ترصيفاً لا خلل فيه. فصلت: أي ببيان الأحكام، والقصص والمواعظ، وأنواع الهدايات. من لدن: أي من عند حكيم خبير وهو الله ﷻ . متاعاً حسناً: أي بطيب العيش وسعة الرزق. إلى أجل مسمى.: أي موت الإنسان لأجله الذي كتب له. ويؤت كل ذي فضل: أي ويعط كل ذي عمل صالح فاضل جزاءه الفاضل. عذاب يوم كبير: هو عذاب يوم القيامة. يثنون صدورهم: أي يطأطئون رؤوسهم فوق صدورهم ليستتروا عن الله في زعمهم. يستغشون ثيابهم: يغطون رؤوسهم ووجوههم حتى لا يراهم الله في نظرهم الباطل. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿آلر﴾ هذا الحرف مما هو متشابه ويحسن تفويض معناه إلى الله فيقال: الله أعلم بمراده بذلك. وإن أفاد فائدتين الأولى: أن القرآن الكريم الذي تحداهم الله بالإتيان بمثله أو بسورة من مثله قد تألف من مثل هذه الحروف: آلم، آلر، طه، طس حم، ق، ن، فألفوا مثله فإن عجزتم فاعلموا أنه كتاب الله ووحيه وأن محمداً عبده ورسوله فآمنوا به، والثانية أنهم لما كانوا لا يريدون سماع القرآن بل أمروا باللغو عند قراءته، ١ ومنعوا الاستعلان به جاءت هذه الحروف على خلاف ما ألفوه في لغتهم واعتادوه في لهجاتهم العربية فاضطرتهم إلى سماعه فإذا سمعوا تأثروا به وآمنوا ولنعم الفائدة أفادتها هذه الحروف المقطعة. وقوله تعالى ﴿كتاب٢ أحكمت آياته﴾ أي المؤلف من هذه الحروف كتاب عظيم أحكمت آياته أي رصفت ترصيفاً ونظمت تنظيماً متقناً لا خلل فيها ولا في تركيبها ولا معانيها، وقوله: ﴿ثم فصلت﴾ أي بين ما تحمله من أحكام وشرائع، ومواعظ وعقائد

стр. 1185

وآداب وأخلاق بما لا نظير له في أي كتاب سبق، وقوله: ﴿من لدن حكيم خبير﴾ أي تولى تفصيلها حكيم خبير، حكيم في تدبيره وتصرفه، حكيم في شرعه وتربيته وحكمه وقضائه، خبير بأحوال عباده وشؤون خلقه، فلا يكون كتابه ولا أحكامه ولا تفصيله إلا المثل الأعلى في كل ذلك. وقوله: ﴿ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير﴾ أي أنزل الكتاب وأحكم آيَةُ وفصَّل أحكامه وأنواع هدايته بأن١ لا تعبدوا إلا الله إذ لا معبود حق إلا هو ولا عبادة تنفع إلا عبادته. وقوله ﴿إنني لكم منه نذير وبشير﴾ هذا قول رسوله المبلغ عنه يقول أيها الناس إني لكم منه أي من ربكم الحكيم العليم نذير بين يدي عذاب شديد إن لم تتوبوا فتؤمنوا وتوحدوا. وبشير أي أبشر من آمن ووحد وعمل صالحاً بالجنة في الآخرة ﴿وأن استغفروا٢ ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى﴾ أي وبأن تستغفروا ربكم باعترافكم بخطأكم بعبادة غيره، ثم تتوبوا إليه أي ترجعوا إليه بالإيمان به وبرسوله ووعده ووعيده وطاعته في أمره ونهيه، ولكم جزاء على ذلك وهو أن يمتعكم في هذه الحياة متاعاً حسناً بالنعم الوفيرة والخيرات الكثيرة إلى نهاية آجالكم المسماة لكل واحد منكم. وقوله ﴿ويؤت كل ذي فضل فضله﴾ ٣ أي ويعط كل صاحب فضل في الدنيا من بر وصدقة وإحسان فضله تعالى يوم القيامة في دار الكرامة الجنة دار الأبرار. وقوله: ﴿وإن تولوا﴾ أي تعرضوا عن هذه الدعوة فتبقوا على شرككم وكفركم ﴿فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير﴾ وهو عذاب يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿إلى الله مرجعكم﴾ يخبرهم تعالى بعد أن أنذرهم عذاب يوم القيامة بأن مرجعهم إليه تعالى لا محالة فسوف يحييهم بعد موتهم ويجمعهم عنده ويجزيهم بعدله ورحمته ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ ومن ذلك إحياؤهم بعد موتهم ومجازاتهم السيئة بمثلها والحسنة بعشر أمثالها وهذا هو العدل والرحمة اللذان لا نظير لهما.

стр. 1186

وقوله تعالى: ﴿ألا إنهم يثنون١ صدورهم ليستخفوا منه﴾ هذا النوع من السلوك الشائن الغبي كان بعضهم يثني صدره أي يطأطىء رأسه ويميله على صدره حتى لا يراه الرسول ﷺ ، وبعضهم يفعل ذلك ظناً منه أنه يخفي نفسه عن الله تعالى وهذا نهاية الجهل، وبعضهم يفعل ذلك بغضاً للرسول ﷺ حتى لا يراه فرد تعالى هذا بقوله: ﴿ألا حين يستغشون ثيابهم﴾ أي يتغطون بها ﴿يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور﴾ فلا معنى لاستغشاء الثياب استتاراً بها عن الله تعالى فإن الله يعلم سرهم وجهرهم ويعلم ما تخفي صدورهم وإن كانوا يفعلون ذلك بغضاً٢ للنبي ﷺ ، فبئس ما صنعوا وسيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم. هداية الآيات. من هداية الآيات: ١- مظهر من مظاهر إعجاز القرآن وهو أنه مؤلف من الحروف المقطعة ولم تستطع العرب الإتيان بسورة مثله. ٢- بيان العلة في إنزال الكتاب وأحكام آية وتفصيلها وهي أن يعبد الله تعالى وحده وأن تستغفره المشركون ثم يتوبون إليه ليكملوا ويسعدوا في الدنيا والآخرة. ٣- وجوب التخلي عن الشرك أولا، ثم العبادة الخالصة ثانياً. ٤- المعروف لا يضيع عند الله تعالى إذا كان صاحبه من أهل التوحيد ﴿ويؤت٣ كل ذي فضل فضله﴾ . ٥- بيان جهل المشركين الذين كانوا يستترون عن الله برؤوسهم وثيابهم٤. ٦- مرجع الناس إلى ربهم شاءوا أم أبوا والجزاء عادل ولا يهلك على الله إلا هالك.

стр. 1187

الجزء الثاني عشر وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (٨) شرح الكلمات: من دابّة: أي حيّ يدبّ على الأرض أي يمشي من إنسان وحيوان. مستقرها: أي مكان استمرارها من الأرض. ومستودعها: أي مكان استيداعها قبل استقرارها كأصلاب الرجال وأرحام النساء. في كتاب مبين: أي اللوح المحفوظ. في ستة أيام: أي الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة. وكان عرشه على الماء: إذ لم يكن قد خلق شيئاً من المخلوقات سواه، والماء على الهواء. ليبلوكم: أي ليختبركم ليرى أيكم أحسن عملاً. إلى أمة معدودة: أي إلى طائفة من الزمن معدودة. وحاق بهم: أي نزل وأحاط بهم.

стр. 1188

معنى الآيات: لما أخبر تعالى في الآية السابقة انه عليم بذات الصدور ذكر في هذه مظاهر علمه وقدرته تقريراً لما تضمنته الآية السابقة فقال ﴿وما من دابّة في الأرض﴾ ١ من إنسان يمشي على الأرض أو حيوان يمشي عليها زاحفاً أو يمشي على رجلين أو أكثر أو يطير في السماء إلا وقد تكفّل الله برزقها أي بخلقه وإيجاده لها وبتعليمها كيف تطلبه وتحصل عليه، وهو تعالى يعلم كذلك مستقرها أي مكان استقرار تلك الدابة في الأرض، كما يعلم أيضاً مستودعها بعد موتها إلى أن تبعث بيوم القيامة. وقوله تعالى ﴿كل في كتاب مبين﴾ أي من الدابة ورزقها ومستقرها ومستودعها قد دوّن قبل خلقه في كتاب المقادير اللوح المحفوظ، وقوله تعالى في الآية (٧) ﴿وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء﴾ أي أوجد السموات السبع والأرض وما فيها في ظرف ستة أيام وجائز أن تكون كأيام الدنيا، وجائز أن تكون كالأيام التي عنده وهي ألف سنة لقوله في سورة الحج ﴿وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ وقوله ﴿وكان عرشه على الماء﴾ ٢ أي خلق العرش قبل خلق السموات والأرض، والعرش: سرير المُلك ومنه يتم تدبير كل شيء في هذه الحياة، وقوله ﴿على الماء﴾ إذ لم يكن أرض ولا سماء فلم يكن إلا الماء كالهواء. وقوله تعالى ﴿ليبلوكم أيكم أحسن٣ عملاً﴾ أي خلقكم وخلق كل شيء لأجلكم، ليختبركم أيكم أطوع له وأحسن عملا أي بإخلاصة لله تعالى وحده وبفعله على نحو ما شرعه الله وبيّنه رسوله. هذه مظاهر علمه تعالى وقدرته وبها استوجب العبادة وحده دون سواه وبها عُلم أنه لا يخفى عليه من أمر عباده شيء فكيف يحاول الجهلة إخفاء ما في صدورهم وما تقوم به جوارحهم بثني صدورهم واستغشاء ثيابهم ألا ساء ما يعملون. وقوله تعالى ﴿ولئن قلت﴾ - أي أيها الرسول للمشركين- إنكم مبعوثون من بعد الموت،

стр. 1189

أي مخلوقون خلقاً جديداً ومبعوثون من قبوركم لمحاسبتكم ومجازاتكم بحسب أعمالكم في هذه الحياة الدنيا ﴿ليقولن الذين كفروا﴾ أي عند سماع أخبار الحياة الثانية وما فيها من نعيم مقيم، وعذاب مهين ﴿إن هذا إلا سحر مبين﴾ أي ما يقوله محمد ﷺ من هذا الكلام ما هو إلا سحر مبين يريد به صرف الناس عن ملذاتهم، وجمعهم حوله ليترأس عليهم ويخدموه، وهو كلام باطل وظن كاذب وهذا شأن الكافر، وقوله تعالى في الآية (٨) ﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة﴾ ١ أي ولئن أخرنا أي أرجأنا ما توعدناهم به من عذاب ألى أوقات زمانية معدودة الساعات والأيام والشهور والأعوام ﴿ليقولن ما يحبسه﴾ أي شيء حبس العذاب يقولون هذا إنكاراً منهم واستخفافاً قال تعالى ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم﴾ أي ليس هناك من يصرفه ويدفعه عنهم بحال من الأحوال، ﴿وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ أي ونزل بهم العذاب الذي كانوا به يستهزئون بقولهم: ما يحبسه!!؟ هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- سعة علم الله تعالى وتكفله بأرزاق٢ مخلوقاته من إنسان وحيوان. ٢- بيان خلق الأكوان، وعلة الخلق. ٣- تقرير مبدأ البعث الآخر بعد تقرير الألوهية لله تعالى. ٤- لا ينبغي الاغترار بإمهال الله تعالى لأهل معصيته، فإنه قد يأخذهم فجأة وهم لا يشعرون. وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء

стр. 1190

مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) شرح الكلمات: أذقنا الإنسان: أي أنلناه رحمة أي غنى وصحة. ثم نزعناها منه: أي سلبناها منه. يؤوس كفور: أي كثير اليأس أي القنوط شديد الكفر. نعماء بعد ضراء: أي خيراً بعد شر. السيئات: جمع سيئة وهي ما يسوء من المصائب. فرح فخور: كثير الفرح والسرور والبطر. صبروا: أي على الضراء والمكاره. مغفرة: أي لذنوبهم. وأجر كبير: أي الجنة دار الأبرار. معنى الآيات: يخبر تعالى أن الإنسان١ الذي لم يستنر بنور الإيمان ولم يتحل بصالح الأعمال إن أذاقه الله تعالى رحمة منه برخاء وسعة عيش وصحة بدن، ثم نزعها منه لأمر أراده الله تعالى ﴿إنه﴾ أي ذلك الإنسان ﴿ليؤوس﴾ ٢ أي كثير اليأس والقنوط ﴿كفور﴾ لربه الذي أنعم عليه جحود لما كان قد أنعم به عليه. وقوله ﴿ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء﴾ أي أذقناه طعم نعمة ولذاذة رخاء وسعة عيش وصحة بدن بعد ضراء كانت قد أصابته من فقر ومرض ﴿ليقولن﴾ بدل أن يحمد الله ويشكره على إسعاده بعد شقاء وإغنائه بعد فقر وصحة بعد مرض يقول متبجحاً ﴿ذهب السيئات عني

стр. 1191

إنه لفرح﴾ أي كثير السرور ﴿فخور﴾ كثير الفخر والمباهاة، وهذا علته ظلمة النفس بسبب الكفر والمعاصي، أما الإنسان المؤمن المطيع لله ورسوله فعلى العكس من ذلك إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، وذلك لما في قلبه من نور الإيمان وفي نفسه من زكاة الأعمال. هذا ما تضمنه قوله تعالى ﴿إلا الذين١ صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة﴾ ٢ أي لذنوبهم ﴿وأجر كبير﴾ عند ربهم وهو الجنة دار السلام. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- أن الإنسان قبل أن يطهر بالإيمان والعمل الصالح يكون في غاية الضعف والانحطاط النفسي. ٢- ذم اليأس والقنوط٣ وحرمتهما. ٣- ذم الفرح بالدنيا والفخر بها. ٤- بيان كمال المؤمن الروحي المتمثل في الصبر والشكر وبيان جزائه بالمغفرة والجنة. فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٤)

стр. 1192

شرح الكلمات: فلعلك: للاستفهام الإنكاري أي لا يقع منك ترك ولا يضق صدرك. ضائق به صدرك: أي بتلاوته عليهم كراهية أن يقولوا كذا وكذا. كنز: مال كثير تنفق منه على نفسك وعلى أتباعك. وكيل: أي رقيب حفيظ. افتراه: اختلقه وكذبه. من استطعتم: من قدرتم على دعائهم لإعانتكم. فهل أنتم مسلمون: أي أسلموا لله بمعنى انقادوا لأمره وأذعنوا له. معني الآيات: بعد أن كثرت مطالبة المشركين الرسول ﷺ بأن يحول لهم جبال مكة ذهباً في اقتراحات منها لولا أنزل عليه ملك فيكون معه نذيراً أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها قال تعالى لرسوله ﷺ ﴿فلعلك نارك بعض ما يوحى إليك﴾ ١ أي لا تتلوه على المشركين ولا تبلغهم إياه لتهاونهم به وإعراضهم عنه ﴿وضائق به صدرك﴾ أي بالقرآن، كراهة أن تواجههم به فيقولوا ﴿لولا أنزل عليه كنز﴾ ٢ أي مال كثير يعيش عليه فيدل ذلك على إرسال الله له ﴿أو جاء معه ملك﴾ يدعو بدعوته ويصدقه فيها ويشهد له بها فلا ينبغي أن يكون ذلك منك أي فبلغ ولا يضق صدرك ﴿إنما أنت٣ نذير﴾ أي محذر عواقب الشرك والكفر والمعاصي، والله الوكيل على كل شيء أي الرقيب الحفيظ أما أنت فليس عليك من ذلك شيء. وقوله تعالى ﴿أم يقولون افتراه﴾ أي بك يقولون افتراه أي افترى القرآن وقاله من نفسه بدون ما أوحي إليه، قل في الرد عليهم ﴿فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم﴾ ٤ دعوتهم لإعانتكم ﴿إن كنتم صادقين﴾ في دعواكم أني افتريته، فإن لم تستطيعوا ولن

стр. 1193

تستطيعوا فتوبوا إلى ربكم وأسلموا له. وقوله ﴿فإن لم يستجيبوا لكم﴾ ١ أي قل لهم يا رسولنا فإن لم يستجب لنصرتكم من دعوتموه وعجزتم ﴿فاعلموا أنما أنزل بعلم الله﴾ ٢ أي أنزل القرآن متلبساً بعلم الله وذلك أقوى برهان على أنه وحيه وتنزيله ﴿وأن لا إله إلا هو﴾ ٣ أي وأنه لا إله إلا الله ولا معبود بحق سواه، وأخيراً ﴿فهل أنتم مسلمون﴾ أي أسلموا بعد قيام الحجة عليكم بعجزكم، وذلك خير لكم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان ولاية الله لرسوله وتسديده له وتأييده. ٢- بيان ما كان عليه المشركون من عناد في الحق ومكابرة. ٣- بيان أن الرسول ﷺ لَمْ يُكَلَّفْ هداية الناس وإنما كلف إنذارهم عاقبة كفرهم وعصيانهم، وعلى الله تعالى بعد ذلك مجازاتهم. ٤- تحدي الله تعالى منكري النبوة والتوحيد بالإتيان بعشر سور من مثل القرآن فعجزوا وقامت عليهم الحجة وثبت أن القرآن كلام الله ووحيه وأن محمداً عبده ورسوله وأن الله لا إله إلا هو. مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ٤

стр. 1194

مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (١٧) شرح الكلمات: زينة الحياة الدنيا: المال والولد وأنواع اللباس والطعام والشراب. توفّ إليهم: نعطهم نتاج أعمالهم وافياً. لا يبخسون: أي لا ينقصون ثمرة أعمالهم. وحبط: أي بطل وفسد. على بينة من ربه.: أي على علم يقيني. ويتلوه شاهد منه: أي يتبعه. كتاب موسى: أي التوراة. ومن يكفر به: أي بالقرآن. فالنار موعده: أي مكان وعد به فهو لا محالة نازل به. في مرية منه: أي في شك منه. معنى الآيات: لما أقام الله تعالى الحجة على المكذبين بعجزهم عن الإتيان بعشر سور من مثل القرآن مفتريات حيث ادعوا أن القرآن مفترى وأن محمداً ﷺ قد افتراه ولم يبق إلا أن يختار المرء أحد الطريقين طريق الدنيا أو الآخرة الجنة أو النار فقال تعالى ﴿من كان يريد الحياة١ الدنيا وزينتها﴾ من مال وولد وجاه وسلطان وفاخر اللباس والرياش. ﴿نوف٢ إليهم أعمالهم فيها﴾ ٣ نعطهم نتاج عملهم فيها وافياً غير منقوص فعلى قدر جهدهم وكسبهم فيها يعطون ولا يبخسهم عملهم لكفرهم وتركهم، ثم هم بعد ذلك إن لم يتوبوا

стр. 1195

إلى ربهم. هلكوا كافرين ليس لهم إلا النار ﴿وحبط ما صنعوا﴾ ١ في هذه الدار من أعمال وبطل ما كانوا يعملون. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٥ والثانية ١٦) وهو قوله تعالى ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ وقوله تعالى في الآية الثالثة (١٧) ﴿أفمن كان على بينة من ربه﴾ ٢ بما أوحى إليه من القرآن وما حواه من الأدلة والبراهين على توحيد الله ونبوة رسوله، وعلى المعاد الآخر، وقوله ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ أي ويتبع ذلك الدليل دليل آخر وهو لسان الصدق الذي ينطق به وكمالاته الخُلُقَيَّة والروحية حيث نظر إليه إعرابي فقال والله ما هو بوجه كذّاب، ودليل ثالث في قوله ﴿ومن قبله كتاب موسى﴾ أي التوراة ﴿إماماً ورحمة﴾ شاهد له حيث حمل نعوت الرسول وصفاته ونعوت أمته وصفاتها في غير موضع منه أفمن هو على هذه البينات والدلائل والبراهين من صحة دينه، كمن لا دليل له ولا برهان إلا التقليد للضلال والمشركين، وقوله ﴿أولئك يؤمنون به﴾ أي أولئك الذين ثبتت لديهم تلك البيّنات والحجج والبراهين ﴿يؤمنون به﴾ أي بالقرآن الحق والنبي الحق والدين الحق. وقوله تعالى ﴿ومن يكفر به﴾ أي بالقرآن ونبيه ودينه من الأحزاب٣ أي من سائر الطوائف والأمم والشعوب فالنار موعده، وحسبه جهنم وبئس المصير٤ وقوله تعالى ﴿فلا تك في مرية منه﴾ ٥ أي فلا تك في شك منه أي في أن موعد من يكفر به من الأحزاب النار. وقوله ﴿إنه الحق من ربك﴾ أي٦ القرآن الذي كذّب به المكذبون وما تضمنه من الوعد والوعيد، والدين الحق كل ذلك هو الحق الثابت من ربك، إلا أن ﴿أكثر الناس لا يؤمنون﴾ ٧ وإن ظهرت الأدلة ولاحت الأعلام وقويت البراهين.
следующие страницы →