إنه لفرح﴾ أي كثير السرور ﴿فخور﴾ كثير الفخر والمباهاة، وهذا علته ظلمة النفس بسبب الكفر والمعاصي، أما الإنسان المؤمن المطيع لله ورسوله فعلى العكس من ذلك إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، وذلك لما في قلبه من نور الإيمان وفي نفسه من زكاة الأعمال.
هذا ما تضمنه قوله تعالى ﴿إلا الذين١ صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة﴾ ٢ أي لذنوبهم ﴿وأجر كبير﴾ عند ربهم وهو الجنة دار السلام.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- أن الإنسان قبل أن يطهر بالإيمان والعمل الصالح يكون في غاية الضعف والانحطاط النفسي.
٢- ذم اليأس والقنوط٣ وحرمتهما.
٣- ذم الفرح بالدنيا والفخر بها.
٤- بيان كمال المؤمن الروحي المتمثل في الصبر والشكر وبيان جزائه بالمغفرة والجنة.
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٤)
стр. 1192
شرح الكلمات:
فلعلك: للاستفهام الإنكاري أي لا يقع منك ترك ولا يضق صدرك.
ضائق به صدرك: أي بتلاوته عليهم كراهية أن يقولوا كذا وكذا.
كنز: مال كثير تنفق منه على نفسك وعلى أتباعك.
وكيل: أي رقيب حفيظ.
افتراه: اختلقه وكذبه.
من استطعتم: من قدرتم على دعائهم لإعانتكم.
فهل أنتم مسلمون: أي أسلموا لله بمعنى انقادوا لأمره وأذعنوا له.
معني الآيات:
بعد أن كثرت مطالبة المشركين الرسول ﷺ بأن يحول لهم جبال مكة ذهباً في اقتراحات منها لولا أنزل عليه ملك فيكون معه نذيراً أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها قال تعالى لرسوله ﷺ ﴿فلعلك نارك بعض ما يوحى إليك﴾ ١ أي لا تتلوه على المشركين ولا تبلغهم إياه لتهاونهم به وإعراضهم عنه ﴿وضائق به صدرك﴾ أي بالقرآن، كراهة أن تواجههم به فيقولوا ﴿لولا أنزل عليه كنز﴾ ٢ أي مال كثير يعيش عليه فيدل ذلك على إرسال الله له ﴿أو جاء معه ملك﴾ يدعو بدعوته ويصدقه فيها ويشهد له بها فلا ينبغي أن يكون ذلك منك أي فبلغ ولا يضق صدرك ﴿إنما أنت٣ نذير﴾ أي محذر عواقب الشرك والكفر والمعاصي، والله الوكيل على كل شيء أي الرقيب الحفيظ أما أنت فليس عليك من ذلك شيء.
وقوله تعالى ﴿أم يقولون افتراه﴾ أي بك يقولون افتراه أي افترى القرآن وقاله من نفسه بدون ما أوحي إليه، قل في الرد عليهم ﴿فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم﴾ ٤ دعوتهم لإعانتكم ﴿إن كنتم صادقين﴾ في دعواكم أني افتريته، فإن لم تستطيعوا ولن
стр. 1193
تستطيعوا فتوبوا إلى ربكم وأسلموا له.
وقوله ﴿فإن لم يستجيبوا لكم﴾ ١ أي قل لهم يا رسولنا فإن لم يستجب لنصرتكم من دعوتموه وعجزتم ﴿فاعلموا أنما أنزل بعلم الله﴾ ٢ أي أنزل القرآن متلبساً بعلم الله وذلك أقوى برهان على أنه وحيه وتنزيله ﴿وأن لا إله إلا هو﴾ ٣ أي وأنه لا إله إلا الله ولا معبود بحق سواه، وأخيراً ﴿فهل أنتم مسلمون﴾ أي أسلموا بعد قيام الحجة عليكم بعجزكم، وذلك خير لكم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان ولاية الله لرسوله وتسديده له وتأييده.
٢- بيان ما كان عليه المشركون من عناد في الحق ومكابرة.
٣- بيان أن الرسول ﷺ لَمْ يُكَلَّفْ هداية الناس وإنما كلف إنذارهم عاقبة كفرهم وعصيانهم، وعلى الله تعالى بعد ذلك مجازاتهم.
٤- تحدي الله تعالى منكري النبوة والتوحيد بالإتيان بعشر سور من مثل القرآن فعجزوا وقامت عليهم الحجة وثبت أن القرآن كلام الله ووحيه وأن محمداً عبده ورسوله وأن الله لا إله إلا هو.
مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ٤
стр. 1194
مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (١٧)
شرح الكلمات:
زينة الحياة الدنيا: المال والولد وأنواع اللباس والطعام والشراب.
توفّ إليهم: نعطهم نتاج أعمالهم وافياً.
لا يبخسون: أي لا ينقصون ثمرة أعمالهم.
وحبط: أي بطل وفسد.
على بينة من ربه.: أي على علم يقيني.
ويتلوه شاهد منه: أي يتبعه.
كتاب موسى: أي التوراة.
ومن يكفر به: أي بالقرآن.
فالنار موعده: أي مكان وعد به فهو لا محالة نازل به.
في مرية منه: أي في شك منه.
معنى الآيات:
لما أقام الله تعالى الحجة على المكذبين بعجزهم عن الإتيان بعشر سور من مثل القرآن مفتريات حيث ادعوا أن القرآن مفترى وأن محمداً ﷺ قد افتراه ولم يبق إلا أن يختار المرء أحد الطريقين طريق الدنيا أو الآخرة الجنة أو النار فقال تعالى ﴿من كان يريد الحياة١ الدنيا وزينتها﴾ من مال وولد وجاه وسلطان وفاخر اللباس والرياش. ﴿نوف٢ إليهم أعمالهم فيها﴾ ٣ نعطهم نتاج عملهم فيها وافياً غير منقوص فعلى قدر جهدهم وكسبهم فيها يعطون ولا يبخسهم عملهم لكفرهم وتركهم، ثم هم بعد ذلك إن لم يتوبوا
стр. 1195
إلى ربهم. هلكوا كافرين ليس لهم إلا النار ﴿وحبط ما صنعوا﴾ ١ في هذه الدار من أعمال وبطل ما كانوا يعملون.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٥ والثانية ١٦) وهو قوله تعالى ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ وقوله تعالى في الآية الثالثة (١٧) ﴿أفمن كان على بينة من ربه﴾ ٢ بما أوحى إليه من القرآن وما حواه من الأدلة والبراهين على توحيد الله ونبوة رسوله، وعلى المعاد الآخر، وقوله ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ أي ويتبع ذلك الدليل دليل آخر وهو لسان الصدق الذي ينطق به وكمالاته الخُلُقَيَّة والروحية حيث نظر إليه إعرابي فقال والله ما هو بوجه كذّاب، ودليل ثالث في قوله ﴿ومن قبله كتاب موسى﴾ أي التوراة ﴿إماماً ورحمة﴾ شاهد له حيث حمل نعوت الرسول وصفاته ونعوت أمته وصفاتها في غير موضع منه أفمن هو على هذه البينات والدلائل والبراهين من صحة دينه، كمن لا دليل له ولا برهان إلا التقليد للضلال والمشركين، وقوله ﴿أولئك يؤمنون به﴾ أي أولئك الذين ثبتت لديهم تلك البيّنات والحجج والبراهين ﴿يؤمنون به﴾ أي بالقرآن الحق والنبي الحق والدين الحق. وقوله تعالى ﴿ومن يكفر به﴾ أي بالقرآن ونبيه ودينه من الأحزاب٣ أي من سائر الطوائف والأمم والشعوب فالنار موعده، وحسبه جهنم وبئس المصير٤
وقوله تعالى ﴿فلا تك في مرية منه﴾ ٥ أي فلا تك في شك منه أي في أن موعد من يكفر به من الأحزاب النار. وقوله ﴿إنه الحق من ربك﴾ أي٦ القرآن الذي كذّب به المكذبون وما تضمنه من الوعد والوعيد، والدين الحق كل ذلك هو الحق الثابت من ربك، إلا أن ﴿أكثر الناس لا يؤمنون﴾ ٧ وإن ظهرت الأدلة ولاحت الأعلام وقويت البراهين.
стр. 1196
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان حقيقة وهي أن الكفر غير مانع من أن ينتج الكافر بحسب جهده من كسب يده فيحصد إذ زرع، ويربح إذا اتجر، وينتج إذا صنع.
٢- بيان أن الكافر لا ينتفع من عمله في الدنيا ولو كان صالحاً وأن الخسران لازم له.
٣- المسلمون على بينة من دينهم، وسائر أهل الأديان الأخرى لا بينة لهم وهم في ظلام التقليد وضلال الكفر والجهل.
٥- بيان سنة الله في الناس وهي أن أكثرهم لا يؤمنون.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ (٢٠)
شرح الكلمات:
ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً: أي لا أحد فالاستفهام للنفي.
يعرضون على ربهم: أي يوم القيامة.
الأشهاد: جمع شاهد وهم هنا الملائكة.
لعنة الله: أي طرده وإبعاده.
على الظالمين: أي المشركين.
стр. 1197
سبيل الله: أي الإسلام.
عوجاً: أي معوجة.
معجزين في الأرض: أي الله أي فائتين بل هو قادر على أخذهم في أيّة لحظة.
من أولياء: أي أنصار يمنعونهم من عذاب الله.
وما كانوا يبصرون: ذلك لفرط كراهيتهم للحق فلا يستطيعون سماعه، ولا رؤيته.
معنى الآيات:
بعد أن قرر تعالى مصير المكذبين بالقرآن ومن نزل عليه وما نزل به من الشرائع ذكر نوعاً من إجرام المجرمين الذين استوجبوا به النار فقال ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً﴾ أي لا أحد في الناس أعظم ظلماً من أحد افترى على الله كذباً ما من أنواع١ الكذب وإن قل وقوله ﴿أولئك يعرضون على ربهم﴾ أي أولئك الكذبة يعرضون يوم القيامة على ربهم ﷻ في عرصات القيامة، ويقول الأشهاد من الملائكة شاهدين٢ عليهم ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم﴾ ثم يُعْلِنُ مُعْلِنٌ قائلاً ﴿ألا لعنة الله على٣ الظالمين﴾ أي ألا بعداً لهم من الجنة وطرداً لهم منها إلى نار جهنم.
ثم وضح تعالى نوع جناياتهم التي استوجبوا بها النار فقال ﴿الذين يصدون عن سبيل الله﴾ ٤ أي يصرفون أنفسهم وغيرهم عن الدين الإسلامي، ﴿ويبغونها﴾ أي سبيل الله ﴿عوجاً﴾ أي معوجه كما يهوون ويشتهون فهم يريدون الإسلام أن يبيح لهم المحرمات من الربا والزنى والسفور، ويريدون من الإسلام أن يأذن لهم في عبادة القبور والأشجار والأحجار إلى غير ذلك، ويضاف إلى هذا ذنب أعظم وهو كفرهم بالدار الآخرة. قال تعالى ﴿أولئك﴾ أي المذكورون ﴿لم يكونوا معجزين في الأرض﴾ أي لم يكن من شأنهم
стр. 1198
ومهما رأوا أنفسهم أقوياء أن يعجزوا الله تعالى في الأرض فإنه مدركهم مهما حاولوا الهرب١ ومنزل بهم عذابه متى أراد ذلك لهم، وليس لهم من دون الله من أولياء أي أنصار يمنعونهم من العذاب متى أنزله بهم، وقوله تعالى ﴿يضاعف لهم العذاب﴾ إخبار منه بأن هؤلاء الظالمين يضاعف لهم العذاب يوم القيامة لأنهم صدوا غيرهم عن سبيل الله فيعذبون بصدهم أنفسهم عن الإسلام، وبصد غيرهم عنه، وهذا هو العدل وقوله تعالى فيهم ﴿ما كانوا يستطيعون٢ السمع وما كانوا يبصرون﴾ إخبار بحالهم في الدنيا أنهم كانوا لشدة كراهيتهم للحق ولأهله من الداعين إليه لا يستطيعون سماعه ولا رؤيته ولا رؤية أهله القائمين عليه والداعين إليه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- عظم ذنب من يكذب على الله تعالى بنسبة الولد أو الشريك إليه أو بالقول عليه بدون علم منه.
٢- عظم جرم من يصد عن الإسلام بلسانه أو بحاله، أو سلطانه.
٣- عظم ذنب من يريد إخضاع الشريعة الإسلامية لهواه وشهواته بالتأويلات الباطلة والفتاوى غير المسؤولة ممن باعوا آخرتهم بدنياهم.
٤- بيان أن من كره قولاً أو شخصاً لا يستطيع رؤيته ولا سماعه٣.
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٢١) لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ
стр. 1199
الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (٢٤)
شرح الكلمات:
وضل عنهم ما كانوا يفترون: أي غاب عنهم ما كانوا يدعونه من شركاء الله تعالى.
لا جرم: أي حقاً وصدقاً أنهم في الآخرة هم الأخسرون.
وأخبتوا إلى ربهم: أي تطامنوا أو خشعوا لربهم بطاعته وخشيته.
مثل الفريقين: أي فريق المؤمنين وفريق الكافرين.
أفلا تذكرون: أي تتعظون، فتستغفروا ربكم ثم تتوبوا إليه.؟
معنى الآيات:
مازال السياق في تحديد المجرمين وبيان حالهم في الآخرة فقال تعالى ﴿أولئك﴾ أي البعداء ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ حيث استقروا في دار الشقاء فخسروا كل شيء حتى أنفسهم، ﴿وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ أي وغاب عنهم ما كانوا يزعمون أن لهم شركاء، وأنهم يشفعون لهم وينصرونهم قال تعالى: ﴿لا جرم﴾ ١ أي حقاً ﴿أنهم في الآخرة﴾ أي في دار الآخرة ﴿هم الأخسرون﴾ أي الأكثر خسراناً من غيرهم لأنهم أضافوا إلى جريمة كفرهم جريمة تكفير غيرهم ممن كانوا يدعونهم إلى الضلال، ويصدونهم عن الإسلام سبيل الهدى والنجاة من النار. ولما ذكر تعالى حال الكافرين وملأ انتهوا إليه من خسران. ذكر تعالى حال المؤمنين فقال ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ٢ أي آمنوا بالله وبوعده ووعيده. وآمنوا برسول الله وبما جاء به، وعملوا الصالحات التي شرعها الله
стр. 1200
تعالى لهم من صلاة وزكاة ﴿وأخبتوا إلى ربهم﴾ أي أسلموا له وجوههم وقلوبهم وانقادوا له بجوارحهم فتطامنوا وخشعوا أولئك أي السامون أصحاب الجنة أي أهلها ﴿هم فيها خالدون﴾ أي لا يبرحون منها ولا يتحولون عنها، هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث أما الآية الرابعة (٢٤) وهي قوله تعالى ﴿مثل الفريقين كالأعمى١ والأصم والسميع والبصير هل يستويان مثلا﴾ ؟ فقد ذكر تعالى مقارنة بين أهل الشرك وأهل التوحيد توضيحاً للمعنى وتقريراً للحكم فقال ﴿مثل الفريقين﴾ أي صفة الفريقين الموضحة لهما هي كالأعمى والأصم وهذا فريق الكفر والظلم والسميع والبصير. وهذا فريق أهل الإيمان والتوحيد فهل يستويان مثلا أي صفة الجواب لا، لأن بين الأعمى والبصير تبايناً كما بين الأصم والسميع تبايناً فأي عاقل يرضى أن يكون العمى والصمم وصفاً له ولا يكون البصر والسمع وصفاً له؟ والجواب لا أحد إذاً ﴿أفلا تذكرون﴾ أي أفلا تتعظون بهذا المثل٢ وتتوبوا إلى ربكم فتؤمنوا به وتوحدوا وتؤمنوا برسوله وتتبعوه، وبكتابه وتعملوا بما فيه؟
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- استحسان المقارنات بين الأشياء المتضادة للعبرة والاتعاظ.
٢- الكافر ميت موتاً معنوياً فلذا هو لا يسمع ولا يبصر، والمسلم حيُّ فلذا هو سميع بصير.
٣- بيان ورثة دار النعيم وهم أهل الإيمان والطاعة، وورثة دار الخسران وهم أهل الكفر والظلم.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢٥) أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ
стр. 1201
الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)
شرح الكلمات:
نوحا: هو العبد الشكور أبو البشرية الثاني نوح ﵇.
إني لكم نذير مبين: أي مخوف لكم من عذاب الله بَيِّنُ النذارة.
عذاب يوم أليم: هو عذابه يوم القيامة.
الملأ: الأشراف وأهل الحل والعقد في البلاد.
أراذلنا ١: جمع أرذل وهو الأكبر خسة ودناءة.
بادي الرأي: أي ظاهر الرأي، لا عمق عندك في التفكير والتصور للأشياء.
معنى الآيات:
هذه بداية قصة نوح ﵇ وهي بداية لخمس قصص٢ جاءت في هذه السورة سورة هود ﵇ قال تعالى ﴿ولقد أرسلنا نوحاً٣ إلى قومه إني لكم نذير٤ مبين﴾ أي قال لهم إني لكم نذير مبين أي بين النذارة أي أخوفكم عاقبة كفركم بالله وبرسوله وشرككم في عبادة ربكم الأوثان والأصنام. وقوله ﴿أن لا تعبدوا٥ إلا الله﴾ أي نذير لكم بأن لا تعبدوا إلا الله، وتتركوا عبادة غيره من الأصنام والأوثان وقوله ﴿إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم﴾ علل لهم أمرهم بالتوحيد ونهيهم عن الشرك بأنه يخاف عليهم إن أصروا على كفرهم وتركهم عذاب يوم أليم٦ وهو عذاب يوم القيامة ﴿فقال الملأ الذين كفروا من قومه﴾ أي فرد على نوح ملأ قومه اشرافهم وأهل الحل والعقد فيهم ممن كفروا بالله ورسوله فقالوا ﴿ما نراك إلا بشراً مثلنا﴾ ٧ أي لا فضل لك علينا فكيف تكون رسولاً لنا ونحن مثلك هذا
стр. 1202
أولاً وثانياً ﴿وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا﴾ أي سفلتنا من١ أهل المهن المحتقرة كالحياكة والحجامة والجزارة ونحوها وقولهم٢ بادي الرأي أي ظاهر الرأي لا عمق في التفكير ولا سلامة في التصور عندك وقولهم ﴿وما نرى لكم علينا من فضل﴾ أي وما نرى لكم علينا من أي فضل تستحقون به أن نصبح أتباعاً لكم فنترك ديننا ونتبعكم على دينكم بل نظنكم كاذبين فيما تقولون.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- إن نوحاً واسمه عبد الغفار أول رسول إلى أهل الأرض بعد أن أشركوا بربهم وعبدوا غيره من الأوثان والآلهة الباطلة.
٢- قوله أن لا تعبدوا إلا الله هو معنى لا إله إلاّ الله
٣- التذكير بعذاب يوم القيامة.
٤- اتباع الرسل هم الفقراء والضعفاء وخَصُوُمهم الأغنياء والأشراف والكبراء.
٥- احتقار أهل الكبر لمن دونهم. وفي الحديث "الكبر٣ بطر الحق وغمط الناس".
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلاَ
стр. 1203
أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)
شرح الكلمات:
أرأيتم: أي أخبروني.
على بينة من ربي: أي على علم علمنيه الله فعلمت أنه لا إله إلا الله.
فعميت عليكم:. أي خفيت عليكم فلم تروها.
أنُلزِمُكمُوها: أي أجبركم على قبولها.
بطارد الذين آمنوا: أي بمبعدهم عني ومن حولي.
خزائن الله: التي فيها الفضل والمال.
تزدري أعينكم: تحتقر أعينكم.
معنى الآيات:
مازال السياق في قصة نوح مع قومه فأخبر تعالى أن نوحاً قال لقومه أرأيتم أي أخبروني إن كنت على بيَّنة من ربي أي على علم يقيني تعالى وبصفاته وبما أمرني به من عبادته وتوحيده والدعوة إلى ذلك. وقوله ﴿وآتاني رحمة من عنده﴾ وهي الوحي والنبوة والتوفيق لعبادته. ﴿فعميت عليكم﴾ أنتم١ فلم تروها. فماذا أصنع معكم ﴿أنلزمكموها﴾ أي٢ أنجبركم أنا ومن آمن بي على رؤيتها والإيمان بها والعمل بهداها، ﴿وانتم لها كارهون﴾ ٣ أي والحال أنكم كارهون لها والكاره للشيء لا يكاد يراه ولا يسمعه، هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٢٧) أما الآية الثانية فإن الله تعالى يخبر أيضاً عن قيل نوح لقومه: ﴿ويا قوم لا أسألكم عليه مالا﴾ أي لا أطلب منكم أجراً على إبلاغكم هذه الرحمة التي عميت عليكم فلم تروها. ﴿إن أجري إلا على الله﴾ أي ما أجري إلا على الله إذ هو الذي كلفنى
стр. 1204
بالعمل بها والدعوة إليها وواعدني بالأجر عليها. وقوله ﴿وما أنا بطارد المؤمنين﴾ أي وما أنا بمطيعكم في طرد المؤمنين من حولي كما اقترحتم عليّ، إنهم ملاقو ربهم، ومحاسبهم ومجازيهم على أعمالهم فكيف يصح مني ابعادهم عن سماع الحق وتعلمه والأخذ به ليكملوا ويسعدوا إذ العبرة بزكاة النفوس وطهارة الأرواح بواسطة الإيمان والعمل الصالح لا بالشرف والمال والجاه كما تتصورون ولذا فإني أراكم قوما تجهلون هذا ما دلت عليه الآية الثانية (٢٨) ثم قال لهم في الآية الثالثة ﴿ويا قوم من ينصرني١ من الله إن طردتهم﴾ أي من هو الذي يرد عنى عذاب الله ويمنعني منه إن أنا عصيته فطردت أي أقصيت وأبعدت عباده المؤمنين عن سماع الهدى وتعلم الخير ولا علة لذلك إلا لأنهم فقراء ضعفاء تزدريهم أعينكم المريضة التي لا تقدر على رؤية الحق وأهله والداعين إليه. ثم قال لهم ﴿أفلا تذكرون٢﴾ أي تتفكرون فتعلمون خطأكم وجهلكم فتثوبوا إلى رشدكم. وتتوبوا إلى ربكم فتؤمنوا به وبرسوله وتعبدوه وحده لا شريك له ثم قال لهم في الآية الأخيرة (٣١) ﴿ولا أقول لكم عندي خزائن الله٣﴾ رداً على قولهم: ﴿وما نرى لكم علينا من فضل﴾ ﴿ولا أعلم الغيب﴾ فأعرف ما تخفيه صدور الناس فأطرد هذا وأبقي هذا، ولا أقول إني ملك حتى تقولوا ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴿ولا أقول للذين تزدري أعينكم﴾ ٤ لفقرهم وضعفهم ﴿لن يؤتيهم الله خيراً الله أعلم بما في أنفسهم﴾ أي من صدق أو نفاق ومن حب لي أو بغض كأنهم طعنوا في المؤمنين واتهموهم بأنهم ينافقون أولهم أغراض فاسدة أو أطماع مادية من أجلها التفوا حول نوح، وقوله ﴿إني إذاً لمن الظالمين﴾ أي إني إذا قلت للمؤمنين من الضعفاء لن يؤتيكم الله خيراً كنت بعد ذلك من الظالمين٥ الذين يعتدون على الناس بهضمهم حقوقهم وامتهان كرامتهم.
هداية الآيات:
стр. 1205
من هداية الآيات:
١) كُرهُ الشيء يجعل صاحبه لا يراه ولا يسمعه ولا يفهم ما يقال له فيه.
٢) كراهية أخذ الأجرة على الدعوة والتربية والتعليم الديني.
٣) وجوب احترام الضعفاء وإكرامهم وحرمة احتقارهم وازدرائهم.
٤) علم الغيب استأثر الله تعالى به دون سائر خلقه إلا من علمه الله شيئاً منه فإنه يعلمه.
٥) حرمة غمط الناس وازدرائهم والسخرية منهم
قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)
شرح الكلمات:
جادلتنا: أي خاصمتنا تريد إسقاطنا وعدم اعتبارنا في ديننا وما نحن عليه.
بما تعدنا: أي من العذاب إن لم نؤمن بما تدعونا إليه.
إن كنت من الصادقين: أي في دعواك النبوة والإخبار عن الله .
بمعجزين: أي بغالبين ولا فائتين الله تعالى متى أراد الله عذابكم.
نصحي: أي بتخويفي إياكم عذاب ربكم إن بقيتم على الكفر به وبلقائه ورسوله.
أن يغويكم: أي يوقعكم في الضلال ويبقيكم فيه فلا يهديكم أبدا.
معنى الآيات:
ما زال السياق في قصة نوح ﵇ مع قومه فأخبر تعالى عن قول قوم نوح له عليه
стр. 1206
السلام: فقال: ﴿قالوا يا نوح قد جادلتنا١﴾ أي خاصمتنا وأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين أي فعجل العذاب وأنزله علينا إن كنت من الصادقين فيما تقول وتدعو وتعد. فأخبر تعالى عن قول نوح لهم ردا على مقالتهم وهو ما علمه ربه تعالى أن يقوله: فقال ﴿قل إنما يأتيكم به الله﴾ أي بالعذاب الله إن شاء ذلك. ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ أي فائتين الله ولا هاربين منه. وقوله: ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ٢ هو ربكم واليه ترجعون﴾ . أي إن نصحي لا شفعكم بمعنى أنكم لا تقبلونه مهما أردت ذلك وبالغت فيه إن كان الله ﷻ يريد أن يغويكم لما فرط منكم وما أنتم عليه من عناد وكفر ومجاحدة ومكابرة إذ مثل هؤلاء لا يستحقون هداية الله تعالى بل الأولى بهم الضلالة حتى٣ يهلكوا ضالين فيشقوا في الدار الآخرة. وقوله تعالى: ﴿هو ربكم وإليه ترجعون﴾ أي فالأمر له ألستم عبيده وهو ربكم إن يشأ يرحمكم وإن يشأ يعذبكم وإن كانت حكمته تنفي أن يعذب الصالحين ويرحم الغواة الظالمين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- مشروعية الجدال لإحقاق الحق وإبطال الباطل بشرط الأسلوب الحسن.
٢- إرادة الله تعالى قبل كل إرادة وما شاءه الله يكون وما لم يشأه لم يكن.
٣- لا ينفع نصح الناصحين ما لم يرد الله الخير للمنصوح له.
٤- ينبغي عدم إصدار حكم على عبد لم يمت فيعرف بالموت مآله. إلاَّ قول الله أعلم به.
أَمْ يَقُولُونَ٤ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (٣٥)
стр. 1207
وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (٣٩)
شرح الكلمات:
وأوحى إلى نوح: أي اعلم بطريق الوحي الذي هو الإعلام السريع الخفي.
فلا تبتئس: لا تحزن ولا يشتد بك الحزن فإني منجيك ومهلكهم.
الفلك: أي السفينة التي أمرناك بصنعها لحمل المؤمنين عليها.
سخروا منه: أي استهزئوا به كقولهم: تحمل هذا الفلك إلى البحر أو تحمل البحر إليه.
يخزيه: أي يذله ويهينه.
ويحل عليه عذاب مقيم: أي وينزل به عذاب النار يوم القيامة فلا يفارقه.
معنى الآيات:
عاد السياق بعد الاعتراض بالآية (٣٥) إلى الحديث عن نوح وقومه فقال تعالى ﴿وأوحى إلى نوح أنه١ لن يؤمن من قومك إلا من٢ قد آمن﴾ . وهذا بعد دعوة دامت قرابة ألف سنة إلا
стр. 1208
خمسين عاماً أي فلم يؤمن بعد اليوم أحد من قومك وعليه فلا تبتئس١ أي لا تغتم ولا تحزن بسبب ما كانوا يفعلون من الشر والفساد والكفر والمعاصي فإني منجيك ومن معك من المؤمنين ومهلكهم بالغرق. وقوله تعالى في الآية الثانية (٣٧) ﴿واصنع الفلك بأعيينا ووحينا﴾ أي وأمرناه أن يصنع الفلك أي السفينة تحت بصرنا وبتوجيهنا وتعليمنا. إذ لم يكن يعرف السفن ولا كيفية صنعها وقوله ﴿ولا تخاطبني في الذين ظلموا﴾ أي لا تسألني لهم صرف العذاب ولا تشفع لهم في تخفيفه عليهم، لأنا قضينا بإهلاكهم بالطوفان فهم لا محالة مغرقون قوله تعالى ﴿ويصنع الفلك٢ وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه﴾ يخبر تعالى عن حال نوح وهو يصنع الفلك بقطع الخشب ونجره وتركيبه وقومه يمرون عليه وكلما مرّ عليه أشراف القوم وعليتهم يسخرون منه كقولهم يا نوح أصبحت نجاراً أو وهل تنقل البحر إليها، أو تنقلها إلى البحر فيرد عليهم نوح ﵇ بقوله ﴿إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون﴾ أي منا فسوف تعلمون أي مستقبلاً من يأتيه عذاب يخزيه أي يذله ويهينه ويكسر أنف كبريائه، ويحل٣ عليه عذاب مقيم وهو عذاب النار يوم القيامة وهو عذاب دائم لا ينتهى أبداً.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- كراهية الحزن والأسى والأسف على ما يقوم به أهل الباطل والشر والفساد.
٢- بيان تاريخ صنع السفن وانها بتعليم الله لنوح ﵇.
٣- بيان سنة البشر في الاستهزاء والسخرية بأهل الحق ودعاته لظلمة نفوسهم بالكفر والمعاصي.
٤ بيان صدق وعد الله رسله.
حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا
стр. 1209
مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠) وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)
شرح الكلمات:
فار التنور: أي خرج الماء وارتفع من التنور وهو مكان طبخ الخبز.
زوجين اثنين: أي من كل ذكر وأنثى من سائر أنواع المخلوقات اثنين.
وأهلك: أي زوجتك وأولادك.
مجريها ومرساها: أي إجراؤها وإرساؤها.
في موج كالجبال: الموج ارتفاع ماء البحر وكونه كالجبال أي في الارتفاع.
يعصمني من الماء: يمنعني من الماء أن يغرقني.
وغيض الماء: أي نقص بنضوبه في الأرض.
على الجودي: أي فوق جبل الجودي وهو جبل بالجزيرة غرب الموصل.
بعدا للقوم الظالمين: أي هلاكاً لهم.
стр. 1210
شرح الكلمات:.
أم يقولون: أي بل يقولون افتراه.
افتراه: أي اختلقه وقال من نفسه ولم يوح به إليه.
فعلى إجرامي١: أي عاقبة الكذب الذي هو الإجرام تعود عليَّ لا على غيري.
وأنا بريء: أي أتبرأ وأتنصل من إجرامكم فلا أتحمل مسؤوليته.
مما تجرمون: أي على أنفسكم بإفسادها بالشرك والكفر والعصيان.
معنى الآية:
هذه الآية الكريمة أوقعها الله مُنَزِلُها بين أجزاء الحديث عن نوح وقومه، وحسن موقعها هنا لأن الحديث عن نوح وقومه لا يتأتى لأحد إلا لنبي يوحى إليه، وذلك لبعده في الحاريخ فَقَصُّ النبي له اليوم دليل على أنه نبي يُوحى إليه، فلذا قال أم يقولون افتراه٢ أي يقولون افترى القرآن وكذبه ولم يوح إليه قل إن افتريته كما زعمتم فعليّ إجرامي أي أثم كذبي وأنا بريء مما تجرمون أنتم بتكذيبكم إياي وكفركم بربكم ورسوله ووعده ووعيده.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- جواز الاعتراض في الكلام إذا حسن موقعه لإقامته حجة أو إبطال باطل أو تنبيه على أمر مهم.
١- قص القصص أكبر دليل على صدق النبي ﷺ في دعوى النبوة ودعوته إلى الله تعالى.
٣- تقرير مبدأ تحمل كل إنسان مسؤولية عمله وأن لا تزر وازرة وزر أخرى.
стр. 1211
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث عن نوح وقومه قال تعالى ﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور﴾ أي واصل صنع السفينة حتى إذا جاء أمرنا أي بإهلاك المشركين، وفار١ التنور أي خرج الماء من داخل التنور وفار وتلك علامة بداية الطوفان فاحمل فيها أي في السفينة التي صنعت من كل زوجين٢ اثنين أي من كل نوع من أنواع الحيوانات زوجين أي ذكراً وأنثى. وأهلك أي واحمل أهلك من زوجة وولد كسام وحام ويافث إلا من سبق عليه القول أي بالإهلاك كامرأته واعلة وولده كنعان. ومن آمن٣ أي واحمل من آمن من سائر الناس، ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ أي نحو من ثمانين رجلاً وامرأة هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٤٠) أما الثانية فقد أخبر تعالى فيها أن نوحاً قال لجماعة المؤمنين ﴿اركبوا فيها﴾ أي في السفينة ﴿باسم الله مجراها٤ ومرساها﴾ أي باسم الله تجري وباسم الله ترسو أي تقف ﴿إن ربي لغفور رحيم٥﴾ أي فهو لا يهلكنا بما قد يكون لنا من ذنب ويرحمنا فينجينا ويكرمنا. وقوله تعالى في الآية الثالثة (٤٢) ﴿وهي تجري بهم في موج كالجبال﴾ وصف للسفينة وهي تغالب الماء وتمخر عبابه وأمواج الماء ترتفع حتى تكون كالجبال في ارتفاعها وقبلها نادى نوح ابنه كنعان، وهو في هذه الساعة في معزل٦ أي من السفينة حيث رفض الركوب فيها لعقوقه وكفره٧ فقال له ﴿يا بني اركب٨ معنا ولا تكن مع الكافرين﴾ فتغرق كما يغرقون فأجاب الولد قائلاً
стр. 1212
﴿سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ أي يمنعني منه حتى لا أغرق، فأجابه نوح قائلاً ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله﴾ أي بعذاب الكافرين ﴿إلا من رحم﴾ أي الله فهو المعصوم. قال تعالى ﴿وحال بينهما الموج﴾ أي بين الولد العاق والوالد الرحيم ﴿فكان﴾ أي الولد ﴿من المغرقين﴾ . وقوله تعالى ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك﴾ أي اشربيه وابتلعيه، ويا سماء اقلعي أي من الصب والإمطار، والآمر للأرض والسماء هو الله تعالى. ﴿وغيض الماء﴾ أي نقص ونضب. ﴿واستوت على الجودي١﴾ أي ورست السفينة بركابها على الجودي وهو جبل بالجزيرة قرب الموصل ﴿وقيل بعداً للقوم الظالمين﴾ أي هلاكاً لهم فلم يبق منهم أحداً إذ أخذهم الطوفان وهم ظالمون بدأ الطوفان أول يوم من رجب واستمر ستة أشهر حيث رست السفينة في أول محرم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- الإيمان ينجي، والكفر يهلك ويردي.
- ٢- مشروعية التسمية عند الركوب في سفينة أو غيرها.
٣- عقوق الوالدين كثيراً ما يسبب الهلاك في الدنيا، أما عذاب الآخرة فهو لازم له.
- ٤- مظهر من مظاهر رحمة الوالد بولده.
٥- مظاهر عظمه الرب تعالى وإطاعة الخلق أمره حتى الأرض والسماء.
وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ
стр. 1213
تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)
شرح الكلمات:
من أهلي: أي من جملة أهلي من أزواج وأولاد.
وإن وعدك الحق: أي الثابت الذي لا يخلف.
إنه عمل غير صالح: أي إن سؤالك هذا إياي عمل غير صالح.
أعظك: أي أنهاك وأخوفك من أن تكون من الجاهلين.
من الجاهلين: أي من الذين لا يعرفون جلالي وصدق وعدي ووفائي فتسألني ما ليس لك به علم.
سنمتعهم: أي بالأرزاق والمتع إلى نهاية آجالهم ثم يحل بهم عذابي وهم الكفرة.
للمتقين: أي الذين يتقون الله فيعبدونه ولا يشركون به شيئاً.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في الحديث عن نوح وقومه قال تعالى، ﴿ونادى نوح ربه﴾ أي دعاه سائلاً ﴿ربّ إن ابني من أهلي١ وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين﴾ ، وهذا كان منه حال الإركاب في الفلك، وامتناع ولده كنعان من الركوب أي رب إن ولدي كنعان من زوجتي ومن جملة أولادي، وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ومن معي من المؤمنين، ﴿وإن وعدك الحق﴾ أي الذي لا خلف فيه أبداً، ﴿وأنت أحكم الحاكمين﴾ أعلمهم وأعدلهم، وهذا ابني قد استعصى عنّي ولم يركب معي وسيهلك مع الهالكين إن لم ترحمه يا رب.
стр. 1214
العالمين فأجابه الرب ﵎ بقوله الحق: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ أي الذين وعدتك بإنجائهم لأنه على غير دينك وعلى خلاف منهجك، ﴿إنه عمل١ غير صالح﴾ أي إن سؤالك هذا إليّ بإنجاء ولدك وهو كافر على غير ملتك، وقد أعلمتك إني مغرق الكافرين. سؤالك هذا عمل غير صالح يصدر عنك: ﴿إني أعظك﴾ أي أنهاك وأخوفك ﴿أن تكون من الجاهلين﴾ فتسألني ما ليس لك به علم. قال نوح ﴿ربّ﴾ أي يا رب إنّي أعوذ بك أي استجير وأتحصن بك أن أسألك بعد الآن ما ليس لي به علم. وإلا تغفرلي وترحمني أكن من الخاسرين أي الذين غبنوا أنفسهم حظوظها فهلكوا، فأجابه الرب٢ تعالى ﴿يا نوح أهبط﴾ من السفينة أنت ومن ومعك من المؤمنين بسلام منا أي بأمن منا وتحيات، وبركات عليك وعلى أمم ممن معك أي من ذريّة من معك، فلا تخافوا جوعاً ولا شقاء، وأمم من ذريّة من معك سنمتعهم متاع الحياة الدنيا بالأرزاق ثم يمسهم منا عذاب أليم يوم القيامة لأنهم ينحرفون عن الإسلام ويعيشون على الشرك والكفر. وهذا من علم الغيب الذي أخبر الله تعالى به فكان كما أخبر فقد نشأت أجيال وأجيال من ذريّة نوح منهم الكافر ومنهم المؤمن وفي الجميع ينفذ حكم الله ويتم فيهم وعده ووعيده. وقوله تعالى في الآية (٤٩) وهي الأخيرة في هذا السياق يقول تعالى ﴿تلك من أنباء الغيب٣ نوحيها﴾ أي هذه القصة التي قصصناها عليك من أنباء الغيب الذي لا يعلم تفصيله إلا الله نوحيها إليك ضمن آيات القرآن ما كنت تعلمها أنت ولا قومك على وجه التفصيل من قبل هذا القرآن إذاً فاصبر يا رسولنا على أذى قومك مبلغاً دعوة ربك حتى يأتيك نصرنا فإن العاقبة٤ الحسنى الحميدة وإنما للمتقين ربهم بطاعته والصبر عليها حتى يلْقوهُ مؤمنين صابرين محتسبين.
стр. 1215
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- رابطة الإيمان والتقوى أعظم من رابطة النسب.
٢- حرمة العمل بغير علم فلا يحل القدوم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه.
٣- ذم الجهل وأهله.
٤- شرف نوح ﵇ وانه أحد أولى العزم من الرسل.
٥- بيان العبرة من القصص القرآني وهي تسلية الرسول ﷺ والمؤمنين.
٦- تقرير نبوة الرسول ﷺ وإثباتها ببرهان عقلي وهو الإخبار بالغيب الذي لا يعلم إلا من طريق الوحي.
٧- بيان فضل الصبر، وأن العاقبة الحميدة للمتقين وهم أهل ألتوحيد والعمل الصالح.
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ (٥٢)
شرح الكلمات:
وإلى عاد أخاهم هودا: أي وأرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم في النسب لا في الدين أخاهم هوداً. وهود من قبيلة عاد وعاد من ولد سام بن نوح ﵇.
اعبدوا الله: أي اعبدوه وحده ولا تعبدوا معه غيره.
ما لكم من إله غيره: أي ليس لكم معبود بحق يستحق عبادتكم غيره.
стр. 1216
إن أنتم إلا مفترون: أي ما أنتم في تأليه غير الله من الأوثان إلا كاذبون.
لا أسألكم عليه أجراً: أي لا أطلب منكم أجراً على إبلاغي دعوة التوحيد إليكم.
فطرني: أي خلقني.
مدرارا: أي كثيرة الدرور للمطر النازل منها.
ولا تتولوا مجرمين: أي ولا تعرضوا عن دعوة التوحيد مجرمين على أنفسكم بالشرك بالله.
معنى الآيات:
هنا شروع في قصة هود مع قومه عاد بعد قصة نوح ﵇ ومغزى القصة تقرير توحيد الله ونبوة رسول الله محمد ﷺ قال تعالى ﴿وإلى عاد أخاهم١ هوداً﴾ أي وأرسلنا إلى قبيلة عاد٢ أخاهم هوداً وهو أخوهم في النسب وأول من تكلم بالعربية فهو أحد أربعة أنبياء من العرب وهم هود، وصالح، وشعيب، ومحمد ﷺ . وقوله ﴿قال يا قوم اعبدوا الله﴾ أي قال هود لقومه بعد أن أرسله الله إليهم يا قوم اعبدوا الله أي وحدوه في عبادته فلا تعبدوا معه غيره فإنه ما لكم من إله غير٣ الله . وقوله ﴿إن أنتم إلا مفترون﴾ أي ما أنتم في عبادة غير الله من الأصنام والأوثان إلا كاذبون، إذ لم يأمركم الله تعالى ربكم بعبادتها، وإنما كذبتم عليه في ذلك. وقوله ﴿يا قوم لا أسألكم عليه أجراً﴾ يريد لا أسألكم على دعوتي إياكم إلى توحيد ربكم لتكملوا بعبادته وتسعدوا أجراً أي مالاً ﴿إن أجرى إلا على الله الذي فطرني﴾ أي ما أجري إلا على الله الذي خلقني. وقوله ﴿أفلا تعقلون٤﴾ أي أفلا تعقلون أني لو كنت أبغي بدعوتي إلى التوحيد أجراً لطلبت ذلك منكم، غير أني لم أطلب من غير ربي أجراً فبان بذلك صدقي في دعوتكم ونصحي لكم.
وقوله تعالى عن قيل هود ﴿يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ يخبر تعالى أن هوداً نادى قومه فقال يا قوم استغفروا ربكم أي آمنوا به واطلبوا منه المغفرة لذنوبكم، ثم توبوا إليه أي ارجعوا إلى عبادته وحده بما شرع لكم على لسان نبيكم، واتركوا عبادة غيره يكافئكم بأن
стр. 1217
يرسل السماء عليكم مدرارا١ أي بالأمطار المتتالية بعد الذي أصابكم من الجفاف والقحط والجدب، ويزدكم قوة روحية إلى قوتكم المادية، وقوله ﴿ولا تتولوا مجرمين﴾ ينهاهم ناصحاً لهم أن يرفضوا نصيحته ويرجعوا إلى عبادة الأوثان فيُجْرِمُوا على أنفسهم بإفسادها بأوضار الشرك والعصيان.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- دعوة الرسل من نوح إلى محمد ﷺ واحدة وهي أن يُعبَدَ الله وحده.
٢- تقرير مبدأ لا إله إلا الله.
٣- المشركون والمبتدعون الكل مفترون على الله كاذبون حيث عبدوه بما لم يشرع لهم.
٤- وجوب الإخلاص في الدعوة.
٥- فضل الاستغفار ووجوب التوبة.
٦- تقديم الاستغفار على التوبة مشعر بأن العبد إذا لم يعترف أولاً بذنبه لا يمكنه أن يتوب منه.
قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)
стр. 1218
شرح الكلمات:
بيّنة: أي بحجة وبرهان على صحة ما تدعونا إليه من عبادة الله وحده.
وما نحن بتاركي آلهتنا: أي عبادة آلهتنا لأجل قولك إنها لا تستحق أن تعبد.
إلاّ اعتراك: أي أصابك.
بسوء: أي بِخَبَل فأنت تهذي وتقول مالا يقبل ولا يعقل.
ثم لا تنظرون: أي لا تمهلون.
آخذ بناصيتها: أي مالكها وقاهرها ومتصرف فيها. فلا تملك نفعاً ولا ضراً إلا بإذنه.
إن ربي على صراط مستقيم: أي على طريق الحق والعدل.
فإن تولوا: أصلها تتولوا فعل مضارع حذفت منه إحدى التائين ومعناه تُدبروا.
على كل شيء حفيظ: أي رقيبٌ ولا بد انه يجزي كل نفس بما كسبت.
معنى الآيات:
مازال السياق في قصة هود مع قومه إذ أخبر تعالى عن قيل قوم هود إلى هود فقال ﴿قالوا يا هود ما جئتنا ببيّنة﴾ أي بحجة أو برهان على صحة ما تدعونا إليه من عبادة الله وترك عباده آلهتنا والاعتراف بنبوتك ﴿وما نحن بتاركي آلهتنا﴾ أي عبادتها ﴿عن قولك﴾ أي من أجل قولك إنها لا تستحق أن تعبد لكونها لا تنفع ولا تضر، ﴿وما نحن لك بمؤمنين﴾ أي بمتابعين لك على دينك ولا مصدقين لك فيما تقول ﴿إن نقول إلا اعتراك١ بعض آلهتنا بسوء﴾ أي ما نجد ما نقول فيك إلا أن بعض آلهتنا التي تسبها وتشتمها قد أصابتك بسوء بخبل وجنون فأنت تهذر وتهذي ولا تدري ما تقول. فأجابهم قائلا ﴿إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون﴾ فأعلن براءته في وضوح من آلهتهم وأنه لا يخافها إبطالا لدعواهم أنَّها أصابته بسوء وأعلمهم أنه يشهد الله على ذلك، ثم أمرهم أن يشهدوا هم كذلك٢. وقوله ﴿من دونه﴾ أي من دون الله من سائر الآلهة والشركاء ثم تحداهم مستخفا
стр. 1219
بهم وبآلهتهم، فقال ﴿فكيدوني١ جميعا﴾ أي احتالوا على ضري ثم لا تنظرون أي لا تؤخرون ولا تمهلون، ثم كشف لهم عن مصدر قوته وهو توكله على ربّه فقال ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم﴾ أي فوضت أمري إليه وجعلت كل ثقتي فيه فهو لا يسلمني إليكم ولا يخذلني بينكم. ثم أعلمهم بإحاطة قدرة الله بهم وقهره لهم فقال ﴿وما من٢ دابّة إلا هو آخذ بناصيتها٣﴾ أي قاهر لها متحكم فيها يقودها حيث شاء وينزل بها من العذاب ما يشاء، ثم أعلمهم أن ربّه تعالى على طريق العدل والحق فلا يُسلط أعداءه على أوليائه، فقال ﴿إن ربّي على صراط مستقيم﴾ فلذا أنا لست بخائف ولا وجل ثم قال لهم ﴿فإن تولوا﴾ أي فإن تدبروا عن الحق وتعرضوا عنه فغير ضائري ذلك إذ أبلغتكم ما أرسلني به ربي إليكم وسيهلككم ويستخلف قوماً غيركم٤، ولا تضروه شيئاً من الضرر لا قليلاً ولا كثيراً، ﴿إن ربّي على كل شيء حفيظ﴾ أي رقيب، وسيجزي كلا بما كسب بعدله ورحمته. وله الحمد والمنة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان مدى مجاحدة ومكابرة المشركين في كل زمان ومكان.
٢- تشابه الفكر الشركي وأحوال المشركين إذ قول قوم هود ﴿إن نقول إلا اعتراك﴾ .. الخ. يردده جهلة المسلمين وهو فلان ضربه الولي الفلاني.
٣- مواقف أهل الإيمان واحدة فما قال نوح لقومه متحدياً لهم قاله هود لقومه.
٤- تقرير مبدأ أن كل شيء في الكون خاضع لتدبير الله لا يخرج عما أراده له أو به.
وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ
стр. 1220
مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)
شرح الكلمات:
ولما جاء أمرنا: أي بعذابهم وهي الريح الصرر.
برحمة منا: أي بفضل منا ونعمة.
جبار عنيد: أي مستكبر عن الحق لا يذعن له ولا يقبله.
ويوم القيامة: أي ولعنة في يوم القيامة.
ألا بعداً لعاد: أي هلاكاً لعاد وإبعاداً لهم من كل رحمه.
معنى الآيات:
مازال السياق في هود وقومه قال تعالى ﴿ولما جاء أمرنا﴾ أي عذابنا١ ﴿نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة٢ منا﴾ أي بلطف وفضل ونعمة ﴿ونجيناهم٣ من عذاب غليظ﴾ هو عذاب يوم القيامة فهما نجاتان نجاة في الدنيا من عذاب الريح العقيم الصرر التي دمرت كل شيء بأمر ربها ونجاة من عذاب النار يوم القيامة وهي أعظم. وقوله تعالى ﴿وتلك عاد﴾ أي هذه عاد قوم هود جحدوا بآيات٤ ربهم فلم يؤمنوا وعصوا رسله أي هوداً وجمُع لأن من كذب برسول كأنما كذب بكل الرسل ﴿واتبعوا أمر كل جبار عنيد٥﴾ أي اتبعوا أمر دعاة الضلالة من أهل الكبر والعناد للحق فقادوهم إلى سخط الله وأليم عقابه وقوله ﴿واتبعوا في هذه الدنيا لعنة﴾ أي اتبعهم الله غضبه وسخطه وهلاكه، ويوم القيامة كذلك وأشد. ويختم الحديث عن هذه القصة بقول الله تعالى ﴿ألا إن عاداً كفروا ربهم﴾ أي جحدوه فلم يعترفوا بألوهيته
стр. 1221
وعبادته ﴿ألا١ بعداً﴾ أي هلاكاً لعادٍ قوم هود. فهل يعتبر مشركو قريش بهذه القصة فيؤمنوا ويوحدوا فينجوا ويفلحوا.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير التوحيد إذ القصة كلها مسوقة لذلك.
٢- بيان سنة الله في الأولين وهي انه لبعث الرسل مبشرين ومنذرين فَإنِ استجابَ المرسل إليهم سعدوا، وإن لم يستجيبوا يمهلهم حتى تقوم الحجة عليهم ثم يهلكهم، وينجي المؤمنين.
٣- التنديد بالكبر والعناد إذ هما من شر الصفات الخلقية في الإنسان.
٤- اتباع الطغاة والظلم والكفر والفساد لا تقود إلا إلى الدمار والخسار.
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (٦١) قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)
شرح الكلمات:
وإلى ثمود: أي وأرسلنا إلى قبيلة ثمود.
أخاهم صالحاً: أي في النسب لأنه من قبيلة ثمود، بينه وبين ثمود أبي القبيلة خمسة أجداد.
стр. 1222
واستعمركم: أي جعلكم عماراً فيها تعمرونها بالسكن والإقامة فيها.
قريب مجيب: أي من خلقه، إذ العوالم كلها بين يدله ومجيب أي لمن سأله.
مرجوا قبل هذا: أي قبل أن تقول ما قلت كنا نرجو أن تكون سيداً فينا.
أرأيتم: أي أخبروني.
على بيّنة من ربي: أي على علم بربي علمنيه فهل يليق بي أن أعبد غيره.
غير تخسير: أي خسار وهلاك.
معنى الآيات:
هذه بداية قصة صالح مع قومه إذ قال تعالى مخبراً عن إرساله إلى قومه ﴿وإلى ثمود١ أخاهم صالحا! أي وأرسلنا إلى قبيلة ثمود بالحجر بين الحجاز والشام أخاهم في القبيلة لا في الدين صالحاً. فقال ﴿يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ فناداهم بعنوان القومية جمعا لقلوبهم على ما يقول لهم فقال ﴿يا قوم اعبدوا الله﴾ أي آمنوا به ووحدوه في عبادته فلا تعبدوا معه أحداً. إذ ليس لكم من إله غيره. إذ هو ربكم أي خالقكم ورازقكم ومدير أمركم. ﴿أنشأكم من الأرض﴾ أي ابتدأ خلقكم بخلق أبيكم آدم منها ﴿واستعمركم٢ فيها﴾ أي جعلكم تعمرونها بالسكن فيها والعيش عليها، إذا فاستغفروه بالاعتراف بألوهيته ثم توبوا إليه فاعبدوه وحده ولا تشركوا في عبادته أحداً. وقوله ﴿إنّ ربّي قريب مجيب﴾ أخبرهم بقرب الربّ تعالى من عباده وإجابته لسائليه ترغيباً لهم في الإيمان والطاعة، وترك الشرك والمعاصي. هذا ما تضمّنته الآية الأولى (٦١) أما الآية الثانية فقد تضمنت رد القوم عليه ﵇ إذ قالوا بما اخبر تعالى عنهم ﴿يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا﴾ أي كنا نأمل فيك الخير ونرجو أن تكون سيداً فينا حتى فاجأتنا بما تدعونا إليه من ترك آلهتنا لإلهك ثم أنكروا عليه دعوته فقالوا ﴿أتنهانا٣ أن نعبد ما يعبد آباؤنا﴾ وأخبروه أنهم
стр. 1223
غير مطمئنين إلى صحة ما يدعوهم إليه من توحيد الله تعالى فقالوا ﴿وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب﴾ أي موقع في الريب وهو اضطراب النفس وعدم سكونها إلى ما قيل لها أو أخبرت به هذا ما تضمنه الآية الثانية (٦٢) أما الآية الثالثة (٦٣) فقد تضمنت دعوة صالح لقومه بأسلوب رفيع رغبة منه في إقامة الحجة عليهم لعلهم يؤمنون ويوحدون إذ قال بما أخبر الله تعالى في قوله: ﴿قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربي﴾ أي على علم يقيني بالإيمان بربي ووجوب عبادته وتوحيده وآتاني منه رحمة وهي النبوة والرسالة، فمن ينصرني١ من الله إن عصيته اللهم إنه لا أحد أبداً إذاً فإنكم ما تزيدونني إن أنا أطعتكم في ترك عبادة ربي والرضا بعبادة آلهتكم إلا خساراً٢ وضلالاً في هذه الحياة وفي الحياة الآخرة..
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وحدة الوسيلة والغاية عند كافّة الرسل فالوسيلة عبادة الله وحده، والغاية رضا الله والجنة.
٢- تقديم الاستغفار على التوبة في الآية سره إن المرء لا يقلع عن ذنبه حتى يعترف به.
٣- بيان سنة في الناس وهي أن المرء الصالح يرجى في أهله حتى إذا دعاهم إلى الحق وإلى ترك الباطل كرهوه وقد يصارحونه بما صارح به قوم صالح نبيّهم إذ قالوا ﴿قد كنت فينا مرجواً قبل هذا﴾ .
٤- حرمة الاستجابة لأهل الباطل بأي نوع من الاستجابة، إذ الاستجابة لا تزيد العبد إلا خساراً.
وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جَاء
стр. 1224
أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ (٦٨)
شرح الكلمات:
آية.: أي علامة على صدقي فيما جئتكم به من أنه لا إله إلا الله.
فذروها تأكل في أرض الله: أي اتركوها ترعى في المراعي غير المحميّة لآحد.
بسوء: أي كضربها أو قتلها، أو منعها من الماء الذي تشرب منه.
فعقروها: أي قتلوها بالعقر الذي هو قطع قوائمها بالسيف.
تمتعوا في دياركم: أي ابقوا في دياركم تأكلون وتشربون وتتمتعون في الحياة ثلاثة أيام.
وعد غير مكذوب: أي صادق لم أكذبكم فيه ولم يكذبني ربي الذي وعدكم به.
في ديارهم جاثمين.: أي ساقطين على ركبهم ووجوههم.
كأن لم يغنوا فيها: أي كأن لم يكونوا بها أمس ولم تعمر بهم يوما.
معنى الآيات:
مازال السياق في الحديث عن صالح وقومه. إنه لما دعاهم صالح إلى توحيد الله تعالى كذبوه وطالبوه بما يدل على صدق ما دعا إليه فأجابهم صالح بما أخبر تعالى به في هذه الآية ﴿ويا قوم١ هذه ناقة الله لكم آية﴾ وذلك أنهم سألوا أن يخرج لهم ناقة من جبل أشاروا
стр. 1225
إليه فدعا صالح ربّه فاستجاب الله تعالى له وتمخض الجبل عن ناقة عشراء هي عجب في خلقتها وكمالها فقال عندئذ ﴿يا قوم هذه ناقة الله﴾ أضافها إلى الله لأنها كانت بقدرته ومشيئته ﴿لكم آية﴾ أي علامة لكم على صدق ما دعوتكم إليه من عبادة الله وحده وترك عبادة الأوثان، فذروها١ تأكل في أرض الله أي خلّوها تأكل من نبات الأرض من المراعي العامة التي ليست لأحد، ولا تمسوها بسوء كعقرها أو ذبحها وقتلها فيأخذكم عذاب قريب٢ قد لا يتأخر أكثر من ثلاثة أيام. فكذبوه فعقروها فلما رأى ذلك قال لهم بأمر الله ﴿تمتعوا في داركم٣ ثلاثة أيام﴾ أي عيشوا فيها. ﴿ذلك وعد غير مكذوب﴾ أي ذلك الوعد وعد صادق غير مكذوب فيه. هذا ما دلت عليه الآيتان (٦٤- ٦٥) وقال تعالى: ﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا﴾ أي لما اكتملت المدة التي حددت لهم وجاء أمر الله بعذابهم نجى الله تعالى رسوله صالحاً والمؤمنين برحمة منه أي بلطف ونعمة منه وقوله ﴿ومن خزي٤ يومئذ﴾ أي ونجاهم من ذل ذلك اليوم وعذابه، وقوله ﴿إن ربك قوي عزيز﴾ أي إن ربك يا محمد ﷺ قوي إذا بطش عزيز غالب لا يٌغلب على أمر يريده. هذا ما دلت عليه الآية الثالثة (٦٦) وأما الآيتان بعد فقد أخبر تعالى فيهما عن هلاك ثمود بقوله ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحة٥ فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ أي إنّ الذين أشركوا بربهم وكذبوا بآياته أخذتهم الصيحة فانخلعت لها قلوبهم فهلكوا وأصبحوا في ديارهم جاثمين على ركبهم كأن لم يغنوا بديارهم ولم يعمروها قال تعالى ﴿ألا إن ثموداً كفروا ربّهم ألا بعداً لثمود﴾ أي هلاكاً لثمود، وبهذا التنديد والوعيد بعد الهلاك والعذاب المخزي انتهت قصة صالح مع قومه ثمود الذين آثروا الكفر على الإيمان والشرك على التوحيد
هداية الآيات:
هن هداية الآيات:
١- إعطاء الله تعالى الآيات للمطالبين بها لا يستلزم الإيمان بها.
стр. 1226
٢- آية صالح ﵇ من أعظم الآيات ولم يؤمن عليها قومه.
٣- إقامة ثلاثة أيام لا يعد صاحبها مقيما وعليه أن يقصر الصلاة.
٤- شؤم الظلم وسوء عاقبة أهله.
وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ (٧٣)
شرح الكلمات:
بالبشري: أي بإسحاق ومن وراء اسحق يعقوب.
فما لبث: أي ما أبطأ.
بعجل حنيذ: أي مشوي على الحجارة.
لا تصل إليه: أي لم يتناولوه فيأكلوا منه.
نكرهم: أي لم يعرفهم.
وأوجس: أي أحس بالخوف وشعر به.
لوط: هو ابن هاران أخي إبراهيم ﵇.
يا ويلتا: أي ياويلتي احضري هذا أوان حضورك.
وهذا بعلي شيخا: إشارة إلى إبراهيم إذ هو بعلها أي زوجها.
إن هذا لشيء عجيب: أي أمر يتعجب منه استبعاداً له واستغراباً.
стр. 1227
معنى الآيات:
هذه بشارة إبراهيم ﵇ التي بشره الله تعالى بها إذ قال تعالى ﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى١﴾ والمراد بالرسل جبريل وميكائيل وإسرافيل، إذ دخلوا عليه داره فسلموا عليه فرد ﵈ وهو معنى قوله تعالى ﴿قالوا سلاما٢ فقال سلام﴾ وقوله تعالى ﴿فما لبث أن جاء٣ بعجل حنيذ﴾ أي لم يبطأ حتى جاء بعجل٤ مشوي فحنيذ بمعنى محنوذ وهو المشوي على الحجارة. فقربه إليهم وعرض عليهم الأكل بقوله ﴿ألا تأكلون٥﴾ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه أي لم يتناولوه نكرهم بمعنى أنكرهم وأوجس منهم خيفة لأن العادة أن الضيف إذا نزل على أحد فقدم إليه طعاماً فلم يأكل عرف أنه ينوي شراً ولما رأت الملائكة ذلك منه قالوا له لا تخف وبينوا له سبب مجيئهم فقالوا إنا أرسلنا إلى قوم لوط أي لإهلاكهم وتدميرهم بسبب إجرامهم. وكانت امرأته قائمة وراء الستار تخدمهم مع إبراهيم. فلما سمعت بنبأ هلاك قوم لوط ضحكت فرحاً بهلاك أهل الخبث فعندئذ بشرها الله تعالى على لسان الملائكة بإسحق ومن بعده يعقوب أي بولد وولد ولد، فلما سمعت البشرى صكت وجهها تعجباً على عادة النساء وقالت ﴿ياويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي﴾ تشير إلى زوجها إبراهيم ﴿شيخا﴾ أي كبير السن إذ كان سنه يومئذ مائة سنة وسنها فوق التسعين. ﴿إن هذا لشيء عجيب﴾ أي ولادتي في هذه السن أمر يتعجب منه. قالوا أتعجبين من أمر٦ الله ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ أي بيت إبراهيم، ﴿إنه حميد مجيد﴾ أي محمود بإفضاله وإنعامه عليكم ﴿مجيد﴾ أي ذو مجد وثناء وكرم. وامرأة إبراهيم المبشرة هي سارة بنت عم إبراهيم ﵇، والبشارة هنا لإبراهيم ﴿إنه حميد مجيد﴾ أي محمود بإِفضاله وإنعامه عليكم ﴿مجيد﴾ أي ذو مجد وثناء وكرم. وامرأة ابراهيم المبشرة هي سارة بنت عم إبراهيم ﵇، والبشارة هنا لإبراهيم، وزوجه سارة معاً وهي مزدوجة إذ هي بهلاك الظالمين، وبإسحاق ويعقوب.
стр. 1228
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- استحباب تبشير المؤمن بما هو خير له ولو بالرؤيا الصالحة.
٢- مشروعية السلام١ لمن دخل على غيره أو وقف عليه أو مرّ به ووجوب رد السلام.
٣- مشروعية خدمة أهل البيت٢ لضيوفهم ووجوب إكرام الضيف وفي الحديث الصحيح "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه".
٤- شرف أهل بيت إبراهيم ﵇.
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (٧٥) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)
شرح الكلمات:
الروع٣: الفزع والخوف.
البشرى: أي الخبر السار المفرح للقلب.
يجادلنا: أي يخاصمنا.
في قوم لوط: أي في شأن هلاك قوم لوط، ولوط هو رسول الله لوط بن هاران بن عم إبراهيم.
حليم أواه: الحليم الذي لا يعامل بالعقوبة والأواه كثير التأوه مما يسيء ويحزن.
أعرض عن هذا: أي اترك الجدال في قوم لوط.
стр. 1229
غير مردود: أي لا يستطيع أحد رده لأن الله تعالى قد قضى به فهو واقع لا محالة.
معنى الآيات:
مازال السياق الكريم في الحديث عن بشارة إبراهيم قال تعالى فلما ذهب عن إبراهيم الروع أي الفزع والخوف من الملائكة قبل أن يعرفهم وجاءته البشرى بالولد وبهلاك قوم لوط أخذ يجادل الملائكة في شأن هلاك قوم لوط لأجل ما بينهم من المؤمنين فقال إن فيها لوطاً فأجابوه بقولهم الذي ذكر تعالى في سورة العنكبوت ﴿نحن أعلم بمن فيها لننجيّنه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين﴾ وقوله تعالى ﴿إن إبراهيم لحليم أواه منيب﴾ ١ تعليل لمجادلة إبراهيم الملائكة في قوم لوط، وذلك أن إبراهيم رقيق القلب حليم لا يعامل بالعقوبة فأراد تأخير العذاب عنهم لعلهم يتوبون، وكان أواهاً ضارعا قانتا يكثر من قول آه إذا رأى أو سمع٢ ما يسوء ومنيباً أي توابا رجاعاً إلى ربّه في كل وقت. ولما الحّ إبراهيم في مراجعة الملائكة قالوا له يا إبراهيم أعرض عن هذا الجدال إنه قد جاء٣ أمر ربك أي بهلاك القوم. ﴿وإنهم آتيهم عذاب غير مردود﴾ أي غير مدفوع من أحد وهو ما سَيُذْكَرُ في السياق بعد.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- مشروعية الجدال عمن يُرجى له الخير من الناس، وذلك في غير الحدود الشرعية إذا رفعت إلى الحاكم.
٢- فضيلة خلق الحلم.
٣- فضل الإنابة إلى الله تعالى.
٤- قضاء الله لا يرد أي ما حكم الله به لابد واقع.
стр. 1230
وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (٧٨) قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)
شرح الكلمات
سيء بهم: أي حصل له غم وهم بمجيئهم إليه.
وضاق بهم ذرعا١: أي عجزت طاقته عن تحمل الأمر.
يوم عصيب: أي شديد لا يحتمل.
يهرعون إليه: أي مدفوعين بدافع الشهوة يمشون مسرعين في غير اتزان.
السيئات: أي كبائر الذنوب بإتيان الذكور.
ولا تخزون في ضيفي: أي لا تذلوني ولا تهينوني بالتعرض لضيفي.
رجل رشيد: أي ذو رشد وعقل ومعرفة بالأمور وعواقبها.
أو آوى إلى ركن شديد: أي إلى عشيرة قوية تمنعني منكم. ولم تكن له عشيرة لأنه من غير ديارهم.
معنى الآيات:.
هذه فاتحة حديث لوط ﵇ مع الملائكة ثم مع قومه قال تعالى ﴿ولما جاءت