← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) شرح الكلمات: إلا حاجة في نفس يعقوب: هي إرادة دفع العين عن أولاده شفقة عليهم. آوى إليه أخاه: أي ضمه إليه أثناء الأكل وأثناء المبيت. فلا تبتئس: أي لا تخزن. جعل السقاية: أي صاع الملك وهو من ذهب كان يشرب فيه ثم جعله مكيالاً يكيل به. أذن مؤذن: نادى مناد. أيتها العير: أي القافلة. صواع الملك.: أي صاع الملك. فالصاع والصواع بمعنى واحد. وأنا به زعيم: أي بالحمل كفيل. معنى الآيات: مازال السياق في الحديث عن إخوة يوسف فقد عهد إليهم إذا هم وصلوا إلى ديار مصر أن لا يدخلوا من باب واحد بل من أبواب متعددة خشية العين عليهم، وقد وصلوا وعملوا بوصية أبيهم فقد قال تعالى مخبراً عنهم ﴿ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم﴾ أي دخولهم من أبواب متفرقة ﴿من الله﴾ أي من قضائه ﴿من شيء إلا حاجة﴾ أي لكن حاجة ﴿في نفس يعقوب﴾ وهي خوف العين عليهم ﴿قضاها﴾ ١ أي لا غير. وقوله تعالى: ﴿وإنه لذو علم لما علمناه﴾ ثناء على يعقوب أي إنه لصاحب علم وعمل لتعليمنا إياه وقوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ هو كما أخبر أكثر

стр. 1297

الناس لا يعلمون عن الله تعالى صفات جلاله وكماله ومحابه ومساخطه وأبواب الوصول، إلى مرضاته والحصول على رضاه ومحبته، وما يتقي مما يحرم على العبد من ذلك. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٦٨) . أما الآية الثانية فقد أخبر تعالى أن إخوة يوسف لما دخلوا عليه في منزله آواى إليه أخاه أي شقيقه وهو بنيامين، وذلك لما جاء وقت النوم جعل كل اثنين في غرفة وهم أحد عشر رجلاً بقى بنيامين فقال هذا ينام معي، وأنه لما آواه إليه في فراشه أعلمه أنه أخوه يوسف، وأعلمه أن لا يحزن بسبب ما كان إخوته قد عملوه مع أبيهم ومع أخيهم يوسف وأعلمه أنه سيحتال على بقائه معه فلا يكترث بذلك ولا يخبر إخوته بشيء من هذا. هذا ما دلت عليه الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس١ بما كانوا يعملون﴾ . أما الآية الثالثة (٧٠) فقد تضمنت الإخبار عن تدبير٢ يوسف لبقاء أخيه معه دونهم وذلك أنه لما جهزهم بجهازهم أي كال لهم الطعام وزودهم بما يحتاجون إليه بعد إكرامه لهم جعل بطريق خفيّ لم يشعروا به سقاية الملك وهي الصاع أو الصواع وهي عبارة عن إناء من ذهب كان يشرب فيه ثم جعل آلة كيل خاصة بالملك عرفت بصواع الملك أو صاعه. جعلها في رحل أخيه بنيامين، ثم لما تحركت القافلة وسارت خطوات نادى منادٍ قائلاً أيتها العير٣ أي يا أهل القافلة إنكم لسارقون. هذا ما تضمنته الآية الكريمة إذ قال تعالى: ﴿فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير أنكم لسارقون﴾ . قال تعالى إخباراً عنهم: ﴿قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون﴾ فأجابوا بقولهم: ﴿نفقد صواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير﴾ أي مكافأة له ﴿وأنا به زعيم٤﴾ أي وأنا بإعطائه حمل البعير كفيل. هداية الآيات:

стр. 1298

من هداية الآيات: ١- بيان فضل العلم وأهله. ٢- تقرير حقيقة وهي أن أكثر الناس لا يعلمون. ٣- حسن تدبير يوسف للإبقاء على أخيه معه بعد ذهاب إخوته. ٤- مشروعية إعطاء المكافآت لمن يقوم بعمل معين وهي الجعالة في الفقه. ٥- مشروعية الكفالة والكفيل غارم. قَالُواْ تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) شرح الكلمات: تالله: أي والله. لنفسد في الأرض: أي بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب. وما كنا سارقين: أي لم نسرق الصوامع كما أنا لم نسرق من قبل متاع أحد. من وجد في رحله فهو جزاؤه: أي يأخذ بالسرقة رقيقاً. كذلك نجزي الظالمين: أي في شريعتنا.

стр. 1299

في وعاء أخيه: أي في وعاء أخيه الموجود في رحله. كذلك كدنا ليوسف: أي يسرنا له هذا الكيد الذي توصل به إلى أمر محمود. في دين الملك: أي في شرعه إذ كان يضرب السارق ويغرم بمثل ما سرق. نرفع درجات من نشاء: أي كما رفع يوسف ﵇. معنى الآيات:. ما زال السياق في الحديث عن يوسف وإخوته، إنه لما أعلن عن سرقة صواع الملك وأوقفت القافلة للتفتيش، وأعلن عن الجائزة لمن يأتي بالصواع وأنها مضمونة هنا قال إخوة يوسف ما أخبر تعالى به عنهم: ﴿قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض﴾ أي بالسرقة وغشيان الذنوب وإنما جئنا للميرة١ ﴿وما كنا سارقين٢﴾ أي في يوم من الأيام. وهنا قال رجال الملك رداً على مقالتهم بما أخبر تعالى به: ﴿قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين﴾ فأجاب الإخوة بما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه﴾ يريدون أن السارق يُسترق أي يملك بالسرقة وقوله ﴿كذلك نجزي الظالمين﴾ أي في شريعتنا. وهنا أخذ يوسف بنفسه يفتش أوعية إخوته بحثاً عن الصواع، وبدأ بأوعيتهم واحداً بعد واحد وآخر وعاء وعاء أخيه بنيامين دفعاً للتهمة والتواطؤ في القضية، حتى استخرجها من وعاء أخيه الذي كان في رحله، هذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها٣ من وعاء أخيه﴾ وقوله تعالى: ﴿كذلك كدنا ليوسف﴾ أي هكذا يسرنا٤ له هذا الكيد الذي توصل به إلى أمر محمود غير مذموم. وقوله تعالى: ﴿ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك﴾ أي لم يكن في شرع مصر أن يأخذ أخاه عبداً بالسرقة بل السارق يضرب ويغرم فقط، ﴿إلا أن يشاء الله﴾ أمراً فإنه يكون. وقوله

стр. 1300

تعالى: ﴿نرفع درجات من نشاء١﴾ أي في العلم كما رفعنا يوسف ﴿وفوق كل ذي علم﴾ ٢ من الناس ﴿عليم﴾ إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى فهو العليم الذي لا أعلم منه بل العلم كله له ومنه ولولاه لما علم أحد شيئاً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- جواز الحلف بالله تعالى للحاجة. ٢- مشروعية دفع التهمة عن النفس البريئة. ٣- معرفة حكم السرقة في شرعة يعقوب ﵇. ٤- بيان حسن تدبير الله تعالى لأوليائه. ٥- بيان حكم السرقة في القانون المصري على عهد يوسف ﵇. ٦- علوّ مقام يوسف ﵇ في العلم. ٧- تقرير قاعدة ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ إلى أن يبتهي العلم إلى الله تعالى. قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ (٧٩)

стр. 1301

شرح الكلمات: إن يسرق: أي يأخذ الصواع خفية من حرزه. فقد سرق أخ له: أي يوسف في صباه. فأسرها يوسف: أي أخفى هذه التهمة في نفسه. ولم يبدها لهم: أي لم يظهرها لهم. أنتم شر وكاناً: أي منزلةً ممن رميتموه بالسرقة. بما تصفون: أي بحقيقة ما تصفون أي تذكرون. أباً شيخاً كبيراً: أي يعقوب ﵇. معاذ الله: أي نعوذ بالله من أن نأخذ من لم نجد متاعنا عنده. متاعنا: أي الصواع. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث مع يوسف ﵇ وإخوته، إنه بعد أن استخرج يوسف الصواع من متاع أخيه وتقرر ظاهراً أن بنيامين قد سرق، قال إخوته ما أخبر به تعالى عنهم في قوله: ﴿قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من أخ له من قبل﴾ ١ أي إن يكن بنيامين قد سرق كما قررتم فلا عجب فقد سرق أخ له من قبل يعنون يوسف أيام صباه، كان يسرق الطعام ويعطيه للمساكين وسوق صنماً لأبي أمه فكسره حتى لا يعبده، وليس هذا من السرقة المحرمة ولا المذمومة بل هي محمودة. وقوله تعالى: ﴿فأسرها يوسف٢ في نفسه ولم يبدها لهم﴾ أي أسر يوسف قولتهم ﴿فقد سرق أخ له من قبل﴾ ولم يظهرها لهم وقال رداً لقولتهم الخاطئة: ﴿أنتم شر٣ مكاناً﴾ ي شر منزلة ممن رميتموه بالسرقة ﴿والله أعلم بما تصفون﴾ أي بحقيقة ما تذكرون. ولما سمعوا قول يوسف وكان فيه نوع من الصرامة والشدة قالوا مستعطفين يوسف مسترحمينه بما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿قالوا يا

стр. 1302

أيها العزيز١ إن له أباً شيخا ًكبيراً﴾ ٢ أي لأخينا والداً كبير السن يعز عليه فراقه ولا يطيقه. ﴿فخذ أحدنا٣ مكانه إنا نراك من المحسنين﴾ أي واحداً منا بدلاً مِنهُ ومثلك يفعل ذلك لأنه إحسان وأنت عن المحسنين. فأجابهم بما أخبر تعالى به في قوله: ﴿قال معاذ الله﴾ ٤ أي نعوذ بالله ﴿أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون﴾ أي إذا أخذنا من لم يَجْنِ ونترك من جنى أي سرق فقد كنا بذلك ظالمين وهذا مالا نرضاه ولا نوافق عليه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مشروعية الاعتذار عن الخطأ. ٢-قد يضطر الحليم إلى أن يقول ما لم لكن يقوله لولا ما وُوجِهَ به من السوء. ٣- مشروعية الاسترحام والاستعطاف لمن احتاج إلى ذلك رجاء أن يرحم ويعطف عليه. ٤- حرمة ترك الجاني وأخذ غيره بدلاً منه إذ هذا من الظلم المحرم. فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ

стр. 1303

(٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) شرح الكلمات:. خلصوا نجيا: أي اعتزلوا يناجي بعضهم بعضاً. أخذ عليكم موثقاً: أي عهداً وميثاقاً لتأتن به إلا أن يحاط بكم. ومن قبل ما فرطتم: أي ومن قبل إضاعتكم لبنيامين فرطتم في يوسف كذلك. فلن أبرح الأرض: أي لن أفارق الأرض، أي أرض مصر. وما كنا للغيب حافظين: أي لما غاب عنا ولم نعرفه حافظين. العير التي أقبلنا فيها: أي أصحاب القافلة التي جئنا معها وهم قوم كنعانيون. سولت لكم أنفسكم: أي زينت وحسنت لكم أمراً ففعلتموه. أن يأتيني بهم جميعاً: أي بيوسف وأخويه بنيامين وروبيل. وتولى عنهم: أي معرضاً عن حديثهم. وقال يا أسفى: أي يا حزني أحضر هذا أوان حضورك. فهو كظيم: أي مغموم مكروب لا يظهر كربه. معنى الآيات: مازال السياق في الحديث على قصة يوسف وإخوته، إنه بعد أن أخذ يوسف أخاه بالسرقة ولم يقبل استرحامهم له بأخذ غيره بدلاً عنه انحازوا ناحية يفكرون في أمرهم وهو

стр. 1304

ما أخبر به تعالى عنه في قوله: ﴿فلما استيأسوا﴾ أي يئسوا ﴿خلصوا نجياً﴾ ١ أي اعتزلوا يتناجون في قضيتهم ﴿قال كبيرهم﴾ وهو روبيل مخاطباً إياهم٢ ﴿ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً﴾ يذكرهم بالميثاق الذي أخذه يعقوب عليهم لما طلبوا منه أن يرسل معهم بنيامين لأن عزيز مصر طلبه. ﴿ومن قبل ما فرطتم في٣ يوسف﴾ أي وذكرهم بتفريطهم في يوسف يوم ألقوه في غيابة الجب وباعوه بعد خروجه من الجب. ومن هنا قال لهم ما أخبر تعالى به: ﴿فلن أبرح الأرض﴾ أي أرض مصر حتى يأذن لي أبي بالرجوع إليه. ﴿أو يحكم الله لي﴾ بما هو خير٤ ﴿وهو خير الحاكمين﴾ . ولما أقنعهم بتخلفه عنهم أخذ يرشدهم إلى ما يقولونه لوالدهم وهو ما أخبر تعالى به في قوله عنه: ﴿ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق٥ وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ ٦ أي حيث رأينا الصواع يستخرج من رحل أخينا ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ أي ولو كنا نعلم أن أخانا يحدث له هذا الذي حدث ما أخذناه معنا. كما أننا ما شهدنا بأن السارق يؤخذ بالسرقة إلا بما علمنا منك ﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾ ٧ وهي عاصمة مصر ﴿والعير التي أقبلنا فيها﴾ إذ فيها كنعانيون من جيرانك ﴿وإنا لصادقون﴾ في كل ما أخبرناك به. هذا ما أرشد به روبيل إخوته، ولما ذهبوا به واجتمعوا بأبيهم وحدثوه بما علمهم روبيل أن يقولوه فقالوه لأبيهم. رد عليهم يعقوب ﵇ بما أخبر تعالى به عنه في قوله: ﴿قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً﴾ أي زينت لكم أنفسكم أمراً ففعلتموه ﴿فصبر جميل﴾ أي فصبري على ما أصابني صبر جميل لا جزع فيه ولا شكاية لأحد غير الله ﴿عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً﴾ أي يوسف

стр. 1305

وبنيامين وروبيل ﴿إنه هو العليم﴾ بفقري إليه وحاجتي عنده ﴿الحكيم﴾ في تدبيره لأوليائه وصالحي عباده ﴿وتولى عنهم﴾ أي أعرض عن مخاطبتهم ﴿وقال يا أسفى﴾ أي يا أسفي وشدة حزني أحضر فهذا أوان حضورك ﴿على يوسف﴾ قال تعالى مخبراً عن حاله بعد ذلك ﴿وابيضت عيناه من الحزن﴾ فغلب بياضهما على سوادهما ومعنى هذا أنه فقد الإبصار بما أصاب عينيه من البياض. ﴿فهو كظيم١﴾ أي ممتلىء من الهم والكرب والحزن مكظوم لا يبثه لأحد ولا يشكوه لغير ربه تعالى. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مشروعية المناجاة للتشاور في الأمر الهام. ٢- مشروعية التذكير بالالتزامات والعهود والمحافظة على ذلك. ٣- قد يغلب الحياء على المؤمن فيمنعه من أمور هي خير له. ٤- مشروعية النصح وتزويد المنصوح له بما يقوله ويعمله. ٥- جواز اتهام البرىء لملابسات أو تهمة سابقة. ٦- جواز إظهار التأسف والحزن والشكوى لله تعالى. قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٨٦) يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ

стр. 1306

وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) شرح الكلمات: تالله تفتؤا تذكر: أي والله لا تزال تذكر يوسف. حرضاً: أي مشرفاً على الهلاك لطول مرضك. أشكو بثي: أي عظيم حزني إذ البث الذي لا يصبر عليه حتى يبث إلى الغير. فتحسسوا: أي اطلبوا خبرهما بلطف حتى تصلوا إلى النتيجة. من روح الله: أي من رحمة الله. ببضاعة مزجاة: أي بدراهم مدفوعة لا يقبلها الناس لرداءتها. يجزي المتصدقين: أي يثيب المتصدقين بثواب الدنيا والآخرة. معنى الآيات: مازال السياق فيما جرى من حديث بين يعقوب ﵇ وبنيه أنه بعدما ذكروا له ما جرى لهم في مصر اعرض عنهم وقال يا أسفى على يوسف وأبيضت عيناه من الحزن وهو كظيم. قالوا له ما أخبر به تعالى في قوله: ﴿قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف١﴾ أي والله لا تزال تذكر يوسف حتى تصبح حرضاً مشرفاً٢ على الموت أو تكون من الهالكين أي الميتين. أجابهم بما أخبر تعالى به عنه: ﴿قال إنما أشكو بثي﴾ ٣ أي همي ﴿وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾ يريد أن رجاءه في الله كبير وأن الله لا يخيب رجاءه وأن رؤيا يوسف صادقة وأن الله تعالى سيجمع شمله به ويسجد له كما رأى. ومن هنا قال لهم ما أخبر تعالى به: ﴿يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه﴾ ٤ أي التمسوا أخبارهما

стр. 1307

بحواسكم بالسؤال عنهما والنظر إليهما، ﴿ولا تيأسوا من روح الله﴾ أي لا تقنطوا من فرج الله ورحمته وعلل للنهي فقال: ﴿إنه لا ييأس من روح الله﴾ ١ أي من فرجه ورحمته ﴿إلا القوم الكافرون﴾ . وامتثل الأبناء أمر الوالد وذهبوا إلى مصر وانتهوا إليها ونزلوا بها وأتوا إلى دار العزيز ﴿فلما دخلوا عليه قالوا﴾ ما أخبر تعالى به عنهم ﴿يا أيها العزيز مسنا٢ وأهلنا الضر﴾ أي من الجدب والقحط والمجاعة ﴿وجئنا ببضاعة مزجاة﴾ أي دراهم رديئة مدفوعة لا تقبل كما تقبل الجيدة منها ﴿فأوف٣ لنا الكيل﴾ بها ﴿وتصدق علينا﴾ بقبولها على رداءتها ﴿إن الله يجزي٤ المتصدقين﴾ أي يثيبهم على إحسانهم ويجزيهم به خيراً. هداية الآيات. من هداية الآيات: ١- شدة الحزن تعرض صاحبها للحرض أو الموت. ٢- تحرم الشكوى لغير الله . ٣- حرمة اليأس من الفرج عند الشدة والرحمة عند العذاب. ٤- جواز الشكوى إذا كان المراد بها الكشف عن الحال للإصلاح أو العلاج كأن يقول المحتاج إني جائع أو عار مثلاً وكأن يقول المريض للطيب أشكو ألماً في بطني أو رأسي مثلاً. ٥- فضل الصدقة وثواب المتصدقين. قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ

стр. 1308

عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُواْ تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) شرح الكلمات:. إذ أنتم جاهلون: أي لا تعلمون ما يؤول إليه أمر يوسف. قد منّ الله علينا: أي أنعم علينا بأن جمع بيننا بعد افتراق طويل أنتم سببه. من يتق ويصبر: أي يتق الله فيخافه فلا يعصيه ويصبر على ما يناله من وصب ونصب. لقد آثرك الله علينا: أي فضلك علينا بما من عليك من الإنعام والكمال. لا تثريب عليكم: أي لا عتب عليكم ولا لوم. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث مع يوسف وإخوته، إنه لما وصلوا إليه من أرض كنعان بأمر والدهم وشكوا إليه ما هم فيه من ضيق الحال إذ قالوا له: قد مسنا الضر١ وجئنا ببضاعة٢ مزجاة، لما سمع منهم ذلك رق قلبه وارفَضَّت عيناه بالدموع وأراد أن ينهي التكتم الذي كان عليه وهو إخفاء حاله عليهم فقال لهم: ﴿هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه﴾ ٣ ذكرهم

стр. 1309

بما صنعوا به من إلقائه في الجب وبيعه عبداً وبذلك فرقوا بينه وبين والده وأخيه شقيقه وقوله: ﴿إذ أنتم جاهلون﴾ أي بما يصير إليه أمر يوسف وهنا قالوا في اندهاش وتعجب: ﴿أإنك لأنت يوسف﴾ فأجابهم قائلاً بما أخبر تعالى به عنه ﴿قال أنا يوسف١ وهذا أخي قد منّ الله علينا﴾ أي أنعم علينا فجمع بيننا على أحسن حال ثم قال: ﴿إنه من يتق ويصبر﴾ أي يتق الله يخافه فيقيم فرائضه ويتجنب نواهيه ويصبر على ذلك وعلى ما يبتليه به ﴿فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ ٢ أي في طاعة ربهم والإسلام له ظاهراً وباطناً. وهنا قالوا له ما أخبر به تعالى عنهم: ﴿قالوا تالله لقد آثرك الله علينا﴾ ٣ أي بالعلم والعمل والفضل ﴿وإن كنا لخاطئين﴾ فيما فعلنا بك، فكان هذا توبة منهم فقال لهم: ﴿لا تثريب٤ عليكم اليوم﴾ أي لا عتب ولا لوم ولا ذكر لما صنعتم لأنه يؤذي ﴿يغفر٥ الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾ سأل الله تعالى له ولهم المغفرة وأثنى على الله تعالى بأنه أرحم الراحمين متعرضاً لرحمته تعالى له ولإخوته. ثم سألهم عن والده فأخبروه أنه قد عمي من الحزن عليه فقال: ﴿اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً﴾ ٦ أي يرجع بصيراً كما كان ﴿وأتوني بأهلكم أجمعين﴾ ٧ يريد أبويه والنساء والأطفال والأحفاد. وهو تحول كامل للأسرة الشريفة من أرض كنعان إلى أرض مصر تدبيراً من الله العزيز الحكيم. هداية الآيات

стр. 1310

من هداية الآيات: ١- تقرير مبدأ أن المعاصي لن تكون إلا نتيجة للجهل بالله تعالى وجلاله وشرائعه ووعده ووعيده. ٢- فضل التقوى والصبر وما لهما من حسن العاقبة. ٣- فضل الصفح والعفو وترك عتاب القريب إذا أساء. وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ (٦٤) قَالُواْ تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)

стр. 1311

شرح الكلمات: ولما فصلت العير: أي خرجت من عريش مصر متوجهة إلى أرض فلسطين. أني لأجد ريح يوسف: أشتمها لأن الريح حملتها إليه بأمر الله تعالى. لولا أن تفندّون: أي تسفّهون، لصدقتموني فإني وجدت ريح يوسف. إنك لفي ضلالك القديم: أي خطإك بإفراطك مي حب يوسف. فلما أن جاء البشير١: هو يهودَا الذي حمل إليه القميص الملطخ بالدم الكذب. فارتد بصيراً: أي رجع بصيراً. سوف استغفر لكم ربي: أجَّلَ الاستغفار لهم إلى آخر الليل أو إلى ليله الجمعة. على العرش: أي السرير. وخروا له سجداً: أي سجدوا له تحية وتعظيماً. من البدو: أي البادية، بادية الشام. من بعد أن نزع: أي أفسد. لطيف لما يشاء: أي لطيف في تدبيره لمن يشاء من عباده كما لطف بيوسف. معنى الآيات: هذه أواخر قصة يوسف ﵇، إنه بعد أن بعث بقميصه إلى والده وحمله أخوه يهودا ضمن القافلة المتجهة إلى أرض كنعان، ولما فصلت٢ العير من عريش مصر حملت ريح الصبا ريح يوسف إلى أبيه قال: ﴿إني لأجد ريح يوسف٣ لولا أن تفندون﴾ أي تسفهون لصدقتموني فإني٤ أجدها فقال الحاضرون مجلسه من أفراد الأسرة والذين لم يعلموا بخبر يوسف بمصر قالوا له: ﴿إنك لفي ضلالك القديم٥﴾ أي من خطإك بإفراطك في حب يوسف. واصلت العير سيرها وبعد أيام وصلت وجاء يهودا يحمل القميص فألقاه على وجه يعقوب فاترد بصيراً كما أخبر يوسف إخوته بمصر. وهنا واجه أبناءه بالخطاب الذى أخبر تعالى به في قوله: ﴿قال أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون﴾ أي أعلم من لطف الله وحسن تبديره ورحمته وإفضاله ما لا تعلمون. وهنا طلبوا من الواحدهم أن يعفوا عنهم ويستغفر لهم ربهم فقالوا ما أخبر تعالى به: ﴿قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين، قال سوف استغفر لكم ربي إنه الغفور الرحيم﴾ . أجَّلَ لهم طلب المغفرة إلى ساعة الاستجابة كآخر الليل وقت السحر أو يوم الجمعة. وتنفيذاً لأمر يوسف أخوته بأن يأتوه بأهلهم أجميعن تحملت الأسرة بسائر أفرادها مهاجرين إلى مصر. وكان يوسف وملك مصر وألوف من رجال الدولة وأعيان البلاد في استقبالهم، وكان يوسف قد ضربت له خيمة أو فسطاط، ووصلت المهاجرة إلى مشارف الديار المصرية وكان يوسف في فسطاطه ﴿فلما دخلوا عليه آوى إليه أبويه﴾ أي ضمّهما إلى موكبه ﴿وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾ ولما انتهوا إلى القصر ودخلوا ﴿ورفع﴾ يوسف ﴿أبويه﴾ أمه وأباه ﴿على العرش﴾ سرير الملك ﴿وخروا له سجداً﴾ تحية وتشريفاً. وهنا قال يوسف ﴿يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً﴾ إذ رأى في صباه أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رآهم له ساجدين. وقوله ﴿وقد أحسن بي إذ أخرجني الله بنعمه وتذكير للحاضرين بالحادثة والطاف الله تعالى فيها. ومن كرم نفس يوسف وسمو آدابه لم يقل قد أحسن بي إذ أخرجني من الجب فيذكرهم بما يؤلمهم بل قال من من إخوته إلى الشيطان تلطيفاً للجو ومبالغة في إذهاب الهم من نفس إخوته، وختم حديث النعمة في أعظم فرحة ﴿إن ربي لطيف لما يشاء انه هو العليم﴾ أي بخلقه

стр. 1312

﴿الحكيم﴾ في تدبيره وصنعه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- آية عظيمة هي حمل الريح ريح١ يوسف على مسافات بعيدة. ٢- آية أخرى هي ارتداد بصر يعقوب بعد العمى بمجرد أن ألقي القميص على وجهه. ٣- كرم يعقوب وحسن عفوه وصفحه على أولاده إذ استغفر لهم ربهم فغفر لهم. ٤- مشروعية الخروج خارج المدينة لاستقبال أهل الكمال والفضل كالحجاج مثلاً. ٥- صدق رؤيا يوسف ﵇ إذ تمت حرفياً فجلس يوسف على عرشه وخر له أبواه وإخونه ساجدين. ٦- قد يتأخر تأويل الرؤيا عشرات السنين إذ تأخرت رؤية يوسف أربعين سنة. ٧- تجليات الألطاف الإلهية والرحمات الربانية في هذه القصة في مظاهر عجيبة. رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) شرح الكلمات: رب: أي يا رب خالقي ورازقي ومالك أمري ومعبودي الذي ليس لي معبود سواه. من الملك: أي من بعض الملك إذ أصبح ملكًا لمصر فقط. تأويل الأحاديث: تعبير الرؤا. فاطر السموات والأرض: أي خالقهما على غير مثال سابق. أنت ولي: أي متولي أمري في الحياتين الدنيا والآخرة.

стр. 1313

معنى الآية الكريمة: هذا آخر الحديث عن قصة يوسف، إنه بعد أن جمع الله تعالى شمله بكافة أفراد أسرته وفتح عليه من خزائن رحمته ما فتح، وانقلبت الإحراقات: إحراقات الإلقاء في الجب، والبيع رقيقاً بثمن بخس، وفتنة امرأة العزيز، والسجن سبع سنين؛ انقلبت إلى اشراقات ملكاً ودولة، عزاً ورفعة، مالاً وثراء، اجتماعاً ووئاماً، وفوق ذلك العلم اللدنى والوحي الإلهي وتأويل الأحاديث. وبعد أن قبض الله تعالى والده وتاب على إخوته وهيأهم للنبوة ونبأهم. تاقت نفس يوسف إلى الملكوت الأعلى إلى الجيرة الصالحة إلى رفقة الأخيار آبائه الأطهار إبراهيم وإسحق ويعقوب رفع يديه إلى ربه وقال: ﴿رب قد آتيتني من١ الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليّ في الدنيا والآخرة توفني٢ مسلماً وألحقني بالصالحين﴾ واستجاب الله تعالى دعاءه فلم يلبث إلا قليلاً حتى وافاه الأجل فارتحل والتحق بآبائه وصالحي إخوانه فسلام عليه وعليهم وعلى كل صالح في الأرض والسماء، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. هداية الآية من هداية الآية: ١- مشروعة دعاء الله تعالى والتوسل إليه بأسمائه وصفاته. ٢- مشروعيه العزوف عن الدنيا والرغبة عنها عند حصولها والتمكن منها. ٣- فضل الشوق إلى الله والحنين إلى رفقة الصالحين في الملكوت الأعلى. ٤- مشروعية سؤال الموت إن لم يكن لضر أو ملل من العبادة، أو رغبة في الراحة لحديث "لا يسألن أحدكم٣ الموت لضر نزل به" وهو صحيح. ولكن شوقاً إلى الله تعالى والالتحاق بالصالحين٤، عزوفاً عن هذه الدار وشوقاً إلى الأخرى دار السلام.

стр. 1314

ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (١٠٦) شرح الكلمات: ذلك: إشارة إلى ما قص تعالى على رسوله من قصة يوسف وإخوته. من أنباء الغيب: أي أخبار الغيب. وما كنت لديهم: أي لدى إخوة يوسف. إذ أجمعوا أمرهم: أي اتفقوا على إلقاء يوسف في غيابة الجب. وهم يمكرون: أي يحتالون على إخراجه وإلقائه في الجب. عليه من أجر: أي على القرآن وإبلاغه من ثواب أي مال. إن هو إلا ذِكْرٌ: أي ما هو إلا ذكر أي موعظة يتعظ بها المؤمنون. معنى الآيات: بعد ما قص تعالى على رسوله بواسطة الوحي قصة يوسف وإخوته وهي من الغيب المحض إذ لم يكن رسول الله ﷺ ولا قومه من العرب يعرفون عن هذه الأحداث التاريخية شيئاً، لاسيما وأن بعض هذه الأنباء تم في ظلام الليل وبعضها في ظلام البئر وبعضها وراء الستور، وبعضها في طبقات السجون وبعضها في قصور الملوك وبعضها في الحضر وبعضها في البدو، وبعد تطاول الزمن وتقادم العصور. بمد أن قص ما قص قال لرسوله

стр. 1315

محمد ﷺ : ﴿ذلك من أنباء الغيب﴾ ١ أي من أخبار الغيب ﴿نوحيه إليك﴾ أي نعلمك به بطريق الوحي ﴿وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون﴾ ويؤكد وحيه إليه بذلك فيقول، وما كنت لدى إخوة يوسف في الوقت الذي أجمعوا فيه أمرهم على التخلص من يوسف بأي ثمن وهم يحتالون على إخراجه من بين يدي أبويه ليلقوه في غيابة الجب تخلصاً منه حيث رأوا أنه حجب عنهم وجه أبيهم وذهب بعطفه وحنانه دونهم. وقوله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ ٢ يخبره تعالى أن الإيمان بك وبما جئت به من الوحي والتوحيد والبعث الآخر مثل هذا القصص كاف في التدليل على صحة نبوتك وعلى وجوب الإيمان بما جئت به وتدعو إليه ومع هذا فأكثر الناس ولو حرصت على إيمانهم ما هم بمؤمنين، ولذلك عوامل من أبرزها أن الإيمان يتعارض مع ما ألفوا من الباطل والشر والفساد، لاسيما شهواتهم وأغراضهم الدنيوية ومن قبل ذلك أن من كتب الله شقاءه لا يؤمن بحال، ولذا فلا تحزن ولا تكرب، وقوله تعالى: ﴿وما تسألهم عليه من أجر﴾ ٣ أي على هذا القرآن وإبلاغه إليهم من مال إذ لو كنت سائلهم أجراً على قراءتك عليهم وإبلاغك لهم لكان ذلك مانعاً من قبول ما تدعوهم إليه، ولكن ما دام ذلك يقدم لهم مجاناً فلا معنى لعدم إيمانهم إلا ما كتب الله من خسرانهم فهم عاملون للوصول إليه. وقوله تعالى: ﴿إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ أي ما هذا القرآن وما يحمله من هدى ونور وقراءتك له إلا ذكرى أي موعظة يتعظ بها من يسمعها من أهل البصيرة والإيمان من العالمين ممن هيأهم الله تعالى للسعادة والكمال، وقوله تعالى: ﴿وكأين من آية في٤ السموات والأرض﴾ أي وكثير من الآيات الدالة على الله وعلى وجوب عبادته وتوحيده فيها

стр. 1316

في السموات كالشمس والقمر والكواكب والسحب والأمطار، والأرض كالجبال. والأنهار والأشجار والمخلوقات المختلفة يمرون عليها صباح مساء وهم معرضون غير ملتفتين إليها ولا متفكرين فيها فلذا هم لا يؤمنون ولا يهتدون. وقوله تعالى في الآية الأخيرة (١٠٦) ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ ١ يخبر تعالى رسوله أن من يدعوهم إلى الإيمان به وبما جاء به ما يؤمن أكثرهم بالله رباً خالقاً رازقاً إلا وهم مشركون به أصناماً وأوثاناً يعبدونها وهي حقيقة قائمة لو سئل يهودي أو نصراني عن الخالق الرازق المحيي المميت المدبر للكون لقال الله، ولكن هو به مشرك يعبد معه غيره وكذلك حال المشركين الذين أخبر تعالى عنهم، وكثير من أهل الجهل في هذه الأمة القرآنية يدعون غير الله ويذبحون لغير الله وينذرون لغير الله وهم مؤمنون بالله وبما جاء به رسوله من التوحيد والبعث والجزاء والشرع. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير النبوة المحمدية بأصدق برهان وأعظم حجة. ٢- بيان حكم الله في الناس وهو أن أكثرهم لا يؤمنون فلا يحزن الداعي ولا يكرب. ٣- دعوة الله ينبغي أن نقدم إلى الناس مجّاناً، وأجر الداعي على الله تعالى الذي يدعو إليه. ٤- ذم الغفلة وعدم التفكر في الآيات الكونية. ٥- بيان حقيقة ثابتة وهي أن غير أهل التوحيد وإن آمنوا بالله رباً خالقاً رازقاً مدبراً أكثرهم يشركون به غيره في بعض صفاته وعباداته. أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ

стр. 1317

سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (١٠٩) شرح الكلمات: غاشية من عذاب الله: أي نقمة من نقمه تعالى تغشاهم١ أي تحوط بهم. بغتة: فجأة وهم مقيمون على شركهم وكفرهم. هذه سبيلي: أي دعوتي وطريقتي التي أنا عليها. على بصيرة: أي على علم يقين مني. وسبحان الله: أي تنزيهاً لله وتقديساً أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه. من أهل القرى: من أهل المدن والأمصار لا من أهل البوادي. للذين اتقوا: أي الله تعالى بأداء فرائضه وترك نواهيه. أفلا تعقلون: أي أفلا يعقل هؤلاء المشركون هذا الذي يتلى عليهم ويبين لهم فيؤمنوا ويوحدوا. معنى الآيات: ما زال السياق في الدعوة إلى الإيمان بالوحي الإلهي والتوحيد والبعث والجزاء وهي أركان الدين العظمى، فقال تعالى: فأمن هؤلاء المشركون والذين لا يؤمن ﴿أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ والذين يمرون بالكثير من آيات الله وهم معرضون، أفأمن هؤلاء ﴿أن تأتيهم غاشية من عذاب الله﴾ أي عقوبة من عذاب تغشاهم وتجللهم بالعذاب الذي لا

стр. 1318

يطاق ﴿أو تأتيهم الساعة﴾ أي القيامة ﴿بغتة﴾ ١ أي فجأة ﴿وهم لا يشعرون﴾ بوقت مجيئها فتعظم البلية وتشتد عليهم الرزية، وكيف يأمنون وهل يوجد من يؤمنهم غير الله تعالى فما لهم إذا لا يؤمنون ولا يتقون حتى ينجوا مما يتوقع لهم؟ هذا ما دلت علمه الآية الأولى (١٠٧) أما الثانية فقد أمر الله تعالى رسوله أن يواصل دعوته دعوة الخير هو والمؤمنون معه فقال: ﴿قل هذه سبيلي﴾ أي قل أيها الرسول للناس هذه طريقتي في دعوتي إلى ربي بأن يؤمن به ويعبد وحده دون سواه. ﴿أدعو إلى الله على بصيرة ٢﴾ أي على علم يقين بمن أدعو إليه وبما أدعو به وبالنتائج المترتبة على هذه الدعوة، ﴿أنا ومن اتبعني﴾ من المؤمنين كلنا ندعو إلى الله على بصيرة. وقوله تعالى: ﴿وسبحان الله﴾ أي وقل سبحان الله أي تنزيهاً له عن دن يكون له شريك أو ولد، وقل كذلك معلناً براءتك من الشرك والمشركين ﴿وما أنا من المشركين﴾ . هذا ما دلت عليه الآية الثانية. أما الآية الثالثة فإن الله تعالى يخبر رسوله بأنه ما أرسل من قبله من الرسل وهم كثر إلا رجالاً أي لا نساء ولا ملائكة ﴿نوحي إليهم من أهل القرى٣﴾ أي الأمصار والمدن، وهذا إبطال لإنكارهم أن يكون الرسول رجلاً من الناس، وقوله تعالى. ﴿أفلم يسيروا﴾ أي هؤلاء المكذبون من قريش وغيرهم ﴿في الأرض﴾ للاعتبار ﴿فينظروا﴾ ٤ كيف كان عاقبة من سبقهم من الأمم كعاد وثمود فإنا أهلكناهم ونجينا أهل الإيمان والتوحيد من بينهم مع رسلهم هذه النجاة ثمرة من ثمرات الإيمان والتقوى، ﴿ولدار الآخرة خير٥ للذين اتقوا﴾ فإنها دار النعيم المقيم والسلامة من الآهات والعاهات والكبر والهرم والموت والفناء. قوله تعالى في نهاية الآية ﴿أفلا تعقلون﴾ ٦ يوبخ أولئك المشركين المصرين على

стр. 1319

التكذيب والشرك على عدم تعقلهم وتفهمهم لما يتلى عليهم وما يسمعون من الآيات القرآنية وما يشاهدون من الآيات الكونية. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- التحذير من العقوبات المترتبة على الشرك والمعاصي. ٢- تقرير عقيدة البعث الآخر. ٣- تعين الدعوة إلى الله تعالى على كل مؤمن تابع للرسول ﷺ . ٤- تعين العلم اليقيني للداعي إلى الله إذ هو البصيرة المذكورة في الآية. ٥- وجوب توحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته. ٦- الرسالة من خصوصيات الرجال وليس في النساء رسولة١. ٧- بيان ثمرات التوحيد والتقوى في الدنيا والآخرة. حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) شرح الكلمات: استيأس الرسل: أي يئسوا من إيمان قومهم. وظنوا أنهم قد كذبوا: أي ظن الأمم المرسل إليهم أن الرسل قد أخلفوا ما وعدوا به

стр. 1320

من النصر. ولا يرد بأسنا: أي عذابنا الشديد. عن القوم المجرمين: أي الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي وأجرموا على غيرهم بصرفهم عن الإيمان. لقد كان في قصصهم: أي الرسل ﵈. ما كان حديثا يفترى: أي ما كان هذا القرآن حديثاً يختلق. تصديق الذي بين يديه: أي ما قبله من الكتب الإلهية إذ نزل مصدقاً لها في الإيمان والتوحيد. معنى الآيتين: ما زال السياق في الدعوة إلى الإيمان والتوحيد بقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا﴾ أي ما زال من أرسلنا مَنْ رسلنا يدعون إلينا ويواصلون دعوتهم ويتأخر نصرهم حتى يدب اليأس إلى قلوبهم١ ويظن أتباعهم أنهم قد أخلفوا ما وعدوا به من نصرهم وإهلاك أعدائهم ﴿جاءهم﴾ بعد وجود اليأس نصرنا٢ ﴿فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين﴾ . هذا ما جاء في الآية الأولى ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين﴾ وهم أهل الشرك والمعاصي. وقوله تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم٣ عبرة لأولي الألباب﴾ أي كان في قصص الرسل مع أممهم بذكر أخبارهم وتبيان أحوالهم من نجاة المؤمنين وهلاك الكافرين المكذبين عبرة٤ يعتبر بها المؤمنون فيثبتون على إيمانهم ويواصلون تقواهم لربهم بأداء فرائضه واجتناب نواهيه. وأولوا الألباب هم أصحاب العقول، وقوله تعالى: ﴿ما كان حديثاً يفترى،﴾ أي لم يكن هذا القرآن العظيم بالحديث الذي في إمكان الإنسان أن يكذب ويختلق مثله بحال من

стр. 1321

الأحوال ولكنه أي القرآن هو ﴿تصديق الذي بين يديه﴾ أي تقدم في النزول عليه كالتوراة والإنجيل فهو مصدق لهما في أصول الإيمان والتوحيد ولا يتنافى معهما وهذا أكبر دليل على أنه وحي إلهي مثلهما، وليس بالكلام المختلق كما يقول المبطلون، وقوله تعالى: ﴿وتفصيل١ كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ أي كما هو مصدق لما بين يديه هو أيضاً يفصل كل شيء تحتاج إليه البشرية في دينها المزكي لأنفسها الموجب لها رحمة ربها ورضاه عنها وهدى ينير الطريق فيهدي من الضلالة ورحمة تنال المؤمنين به العاملين به المطبقين لشرائعه وأحكامه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان سنة الله تعالى في تأخر النصر على رسله وعباده المؤمنين زيادة في الإعداد والتمحيص ثم يأتي نصر الله فيعز أولياء الله ويذل أعداءه. ٢- التنديد بالإجرام وهو الإفساد للعقائد والأخلاق والشرائع والأحكام. ٣- بيان فضل القرآن وما فيه من الهدى والرحمة لمن طلب ذلك منه. ٤- المؤمنون باعتبار أنهم أحياء هم الذين ينتفعون بهداية القرآن ورحمته.

стр. 1322

سورة يوسف ... في حب يوسف. وواصلت العير سيرها وبعد أيام وصلت وجاء يهودا يحمل القميص فألقاه على وجه يعقوب فارتد بصيراً كما أخبر يوسف إخوته بمصر. وهنا واجه أبناءه بالخطاب الذي أخبر تعالى به في قوله: ﴿قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون﴾ أي أعلم من لطف الله وحسن تدبيره ورحمته وإفضاله مالا تعلمون. وهنا طلبوا من والدهم أن يعفو عنهم ويستغفر لهم ربهم فقالوا ما أخبر تعالى به: ﴿قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين، قال سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم﴾ . أجَّلَ لهم طلب المغفرة إلى ساعة الاستجابة كآخر الليل وقت السحر أو يوم الجمعة. وتنفيذاً لأمر يوسف إخوته بأن يأتوه بأهلهم أجمعين تحملت الأسرة بسائر أفرادها مهاجرين إلى مصر. وكان يوسف وملك مصر وألوف من رجال الدولة وأعيان البلاد في استقبالهم، وكان يوسف قد ضربت له خيمة أو فسطاط، ووصلت المهاجرة إلى مشارف الديار المصرية وكان يوسف في فسطاطه ﴿فلما دخلوا عليه آوى إليه أبويه﴾ أي ضمّهما إلى موكبه ﴿وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾ ولما انتهوا إلى القصر ودخلوا ﴿ورفع﴾ يوسف ﴿أبويه﴾ أمه وأباه ﴿على العرش﴾ سرير الملك ﴿وخروا له سجداً﴾ تحية وتشريفاً١. وهنا قال يوسف ﴿يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً﴾ إذ رأى في صباه أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رآهم له ساجدين. وقوله ﴿وقد أحسن بي إذ أخرجني٢ من السجن وجاء بكم من البدو٣ من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي﴾ هذا ثناء على الله بنعمه وتذكير للحاضرين، بالحادثة والطاف الله تعالى فيها. ومن كرم نفس يوسف وسمو آدابه لم يقل قد أحسن بي إذ أخرجني من الجب فيذكرهم بما يؤلمهم بل قال من السجن. ويعني بقوله وجاء بكم من البدو أي من أرض كنعان. ونسب الإساءة التي كانت من إخوته إلى الشيطان تلطيفاً للجو ومبالغة في إذهاب الهم من نفس إخوته، وختم حديث النعمة في أعظم فرحة ﴿إن ربي٤ لطيف لما يشاء انه هو العليم﴾ أي بخلقه

стр. 1323

المجلد الثالث سورة الرعد مكية وآياتها ثلاث وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (١) اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) شرح الكلمات: المر: هذه الحروف المقطعة تكتب المر وتُقرأ ألف لاَمْ مِيْم را. والله أعلم بمراده بها. بغير عمد ترونها: العمد جمع عمود أي مرئية لكم إذ الجملة نعت.

стр. 1324

ثم استوى على العرش١: استواء يليق به . وسخر الشمس والقمر: أي ذللها بمواصلة دورانها لبقاء الحياة إلى أجلها. هو الذي مد الأرض: أي بسطها للحياة فوقها. رواسي: أي جبال ثوابت. زوجين اثنين: أي نوعين وضربين كالحلو والحامض والأصفر والأسود مثلا. يغشى الليل النهار: أي يغطيه حتى لا يبقى له وجود بالضياء. لآيات: أي دلالات على وحدانية الله تعالى. قطع متجاورات: أي بقاع متلاصقات. ونخيل صنوان: أي عدة نخلات في أصل واحد يجمعها، والصنو الواحد والجمع صنوان. في الأكل: أي في الطعم هذا حلو وهذا مرّ وهذا حامض، وهذا لذيذ وهذا خلافه. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿المرَ﴾ الله أعلم بمراده به. وقوله ﴿تلك آيات الكتاب﴾ الإشارة إلى ما جاء من قصص سورة يوسف، فالمراد بالكتاب التوراة والإنجيل فمن جملة آياتها ما قص الله تعالى على رسوله. وقوله: ﴿والذي٢ أنزل إليك من ربك﴾ ٣ وهو القرآن العظيم ﴿الحق﴾ أي هو الحق الثابت. وقوله ﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾ أي مع أن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق فإن أكثر الناس من قومك وغيرهم لا يؤمنون بأنه وحي الله وتنزيله فيعملوا به فيكملوا ويسعدوا. وقوله تعالى: ﴿الله الذي رفع السموات والأرض بغير عمد٤

стр. 1325

ترونها﴾ : أي أن إلهكم الحق الذي يجب أن تؤمنوا به وتعبدوه وتوحدوه الله الذي رفع السموات على الأرض بغير عمد مرئية لكم ولكن رفعها بقدرته وبما شاء من سنن. وقوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ أي خلق السموات والأرض ثم استوى على عرشه استواء يليق بذاته وجلاله يدبر أمر الملكوت وقوله: ﴿وسخر الشمس والقمر﴾ أي ذللهما بعد خلقهما يسيران في فلكهما سيراً منتظماً إلى نهاية الحياة، وقوله ﴿كل يجري﴾ أي في فلكه فالشمس تقطع فلكها في سنة كاملة والقمر في شهر كامل وهما يجريان هكذا إلى نهاية الحياة الدنيا فيخسف القمر وتنكدر الشمس وقوله: ﴿يدبر الأمر﴾ أي يقضي ما يشاء في السموات والأرض ويدبر أمر مخلوقاته بالإماتة والإحياء والمنع والإعطاء كيف يشاء وحده لا شريك له في ذلك. وقوله: ﴿يفصل الآيات﴾ أي القرآنية بذكر القصص وضرب الأمثال وبيان الحلال والحرام كل ذلك ليهيئكم ويعدكم للإيمان بلقاء ربكم فتؤمنوا به وتعبدوا الله وتوحدوه في عبادته فتكملوا في أرواحكم وأخلاقكم وتسعدوا في دنياكم وآخرتكم. وقوله تعالى: ﴿وهو الذي مد الأرض﴾ ١ أي بسطها ﴿وجعل فيها رواسي﴾ أي جبالاً ثوابت ﴿وأنهاراً﴾ أي وأجرى فيها أنهاراً ﴿ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين﴾ أي نوعين وضربين فالرمان منه الحلو ومنه الحامض والزيتون منه الأصفر والأسود، والتين منه الأبيض والأحمر وقوله: ﴿يغشى الليل النهار﴾ أي يغطي النهار بالليل لفائدتكم لتناموا وتستريح أبدانكم من عناء النهار وقوله: ﴿إن في ذلك﴾ أي المذكور في هذه الآية الكريمة من مد الأرض وجعل الرواسي فيها وإجراء الأنهار، وخلق أنواع الثمار واغشاء الليل النهار، في كل هذا المذكور ﴿لآيات﴾ أي علامات ودلائل واضحات على وجود الله تعالى وعلمه وقدرته وحكمته وعلى وجوب عبادته وتوحيده وعلى الإيمان بوعده ووعيده، ولقائه وما أعد من نعيم لأوليائه وعذاب لأعدائه، وقوله تعالى: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ ٢ أي بقاع من الأرض بعضها إلى جنب بعض متلاحقات هذه تربتها طيبة وهذه تربتها خبيثة ملح سبخة وفي الأرض أيضاً جنات أي بساتين من

стр. 1326

أعناب وفيها زرع ونخيل ﴿صنوان﴾ ١ النخلتان والثلاث في أصل واحد، ﴿وغير صنوان﴾ كل نخلة قائمة على أصلها، وقوله: ﴿تسقى﴾ أي تلك الأعناب والزروع والنخيل ﴿بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل﴾ ٢ وهو ما يؤكل منها فهذا حلو وهذا حامض وهذا لذيذ وهذا سمج، وقوله: ﴿إن في ذلك﴾ أي المذكور من القطع المتجاورات مع اختلاف الطيب وعدمه وجنات الأعناب والنخيل وسقيها بماء واحد واختلاف طعومها وروائحها وفوائدها ﴿لآيات﴾ ٣ علامات ودلائل باهرات على وجوب الإيمان بالله وتوحيده ولقائه، ولكن ﴿لقوم يعقلون﴾ أما الذين فقدوا عقولهم لاستيلاء المادة عليها واستحكام الشهوة فيها فإنهم لا يدركون ولا يفهمون شيئاً فكيف إذاً يرون دلائل وجود الله وعلمه وقدرته وحكمته فيؤمنون به ويعبدونه ويتقربون إليه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة الوحي الإلهي ونبوة محمد ﷺ . ٢- تقرير عقيدة التوحيد وأنه لا إله إلا الله. ٣- تقرير عقيدة البعث الآخر والجزاء على الكسب في الدنيا. ٤- فضيلة التفكر في الآيات الكونية. ٥- فضيلة العقل للاهتداء به إلى معرفة الحق وإتباعه للإسعاد والإكمال. وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ

стр. 1327

جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧) اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) شرح الكلمات: وإن تعجب: أي يأخذك العجب من إنكارهم نبوتك والتوحيد. فعجب: أي فأعجب منه إنكارهم للبعث والحياة الثانية مع وضوح الأدلة وقوة الحجج. لفي خلق جديد: أي نرجع كما كنا بشراً أحياء. الأغلال في أعناقهم: أي موانع من الإيمان والاهتداء في الدنيا، وأغلال تشد بها أيديهم إلى أعناقهم في الآخر. بالسيئة: أي بالعذاب. قبل الحسنة: أي الرحمة وما يحسن بهم من العاقبة والرخاء والخصب. المثلات: أي العقوبات واحدها مَثُله التي قد أصابت المكذبين في الأمم الماضية. لولا أنزل عليه: أي هلاَّ أنزل، ولولا أداة تحضيض كهلاَّ.

стр. 1328

آية من ربه: أي معجزة كعصا موسى وناقة صالح مثلاً. ولكل قوم هاد: أي نبي يدعوهم إلى ربهم ليعبدوه وحده ولا يشركون به غيره. ما تحمل كل أنثى: أي من ذكر أو أنثى واحداً أو أكثر أبيض أو أسمر. وما تغيض الأرحام: أي تنقص من دم الحيض، وما تزداد منه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة المشركين إلى الإيمان بالتوحيد والنبوة المحمدية والبعث يوم القيامة للحساب والجزاء، فقوله تعالى في الآية الأولى (٥) ﴿وإن تعجب﴾ ١ يا نبينا من عدم إيمانهم برسالتك وتوحيد ربك فعجب أكبر هو عدم إيمانهم بالبعث الآخر، إذ قالوا في إنكار وتعجب: ﴿أئذا متنا٢ وكنا تراباً أئنا لفي خلق جديد﴾ أي يحصل لنا بعد الفناء والبلى؟ قال تعالى مشيراً إليهم مسجلاً الكفر عليهم ولازمه وهو العذاب ﴿أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال٣ في أعناقهم﴾ وهي في الدنيا موانع الهداية كالتقليد الأعمى والكبر والمجاحدة والعناد، وفي الآخرة أغلال توضع في أعناقهم من حديد تشد بها أيديهم إلى أعناقهم، ﴿وأولئك أصحاب النار﴾ أي أهلها ﴿هم فيها خالدون﴾ أي ماكثون أبداً لا يخرجون منها بحال من الأحوال. وقوله تعالى في الآية الثانية (٦) ﴿ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة﴾ يخبر تعالى رسوله مقرراً ما قال أولئك الكافرون بربهم ولقائه ونبي الله وما جاء به، ما قالوه استخفافاً واستعجالاً وهو طلبهم العذاب الدنيوي، إذ كان الرسول ﷺ يخوفهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فهم يطالبون به كقول بعضهم: ﴿فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم،﴾ قبل طلبهم الحسنة وهذا لجهلهم وكفرهم، وإلا لطالبوا بالحسنة التي هي العافية والرخاء والخصب قبل السيئة التي هي الدمار والعذاب.

стр. 1329

وقوله تعالى: ﴿وقد خلت من قبلهم المثلات﴾ ١ أي والحال أن العقوبات قد مضت في الأمم من قبلهم كعقوبة الله لعاد وثمود وأصحاب الأيكة والمؤتفكات فما لهم يطالبون بها استبعاداً لها واستخفافاً بها أين ذهبت عقولهم؟ وقوله تعالى: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس٢ على ظلمهم﴾ وهو ظاهر مشاهد إذ لو كان يؤاخذ بالظلم لمجرد وقوعه فلم يغفر لأصحابه لما ترك على الأرض من دابة، وقوله: ﴿وإن ربك لشديد العقاب﴾ أي على من عصاه بعد أن أنذره وبين له ما يتقي فلم يتق ما يوجب له العذاب من الشرك والمعاصي. وقوله تعالى في الآية الثالثة (٧) ﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه﴾ ! يخبر تعالى رسوله والمؤمنين عن قيل الكافرين بالتوحيد والبعث والنبوة: ﴿لولا﴾ أي هلا أنزل على محمد ﷺ آية من ربه كعصا موسى وناقة صالح، حتى نؤمن بنبوته ونصدق برسالته، فيرد تعالى عليهم بقوله: ﴿إنما أنت منذر﴾ والمنذر المخوف من العذاب وليس لازماً أن تنزل معه الآيات، وعليه فلا تلتفت إلى ما يطالبون به من الآيات، واستمر على دعوتك فإن لكل قوم٣ هادياً وأنت هادي هذه الأمة، وداعيها إلى ربها فادع واصبر. وقوله تعالى في الآية الرابعة (٨) ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى﴾ ٤ أي من ذكر أو أنثى واحداً أو أثنين أبيض أو أسمر سعيداً أو شقياً، وقوله: ﴿وما تغيض٥ الأرحام وما تزداد﴾ أي ويعلم ما تغيض الأرحام من دماء الحيض٦ وما تزداد منها إذ غيضها ينقص من مدة الحمل وازديادها يزيد في مدة الحمل فقد تبلغ السنة أو أكثر، وقوله: ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ أي وكل شيء في حكمه وقضائه وتدبيره بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص في ذات ولا صفة

стр. 1330

ولا حال، ولا زمان ولا مكان، وقوله: ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ أي كل ما غاب عن الخلق، وما لم يغب عنهم مما يشاهدونه أي العليم بكل شيء، وقوله: ﴿الكبير المتعال﴾ أي الذي لا أكبر منه وكل كبير أمامه صغير المتعال على خلقه المنزه عن الشريك والشبيه والصاحبة والولد هذا هو الله وهذه صفاته فهل يليق بعاقل أن ينكر استحقاقه للعبادة دون سواه؟ فهل يليق بعاقل أن ينكر عليه أن يوحي بما شاء على من شاء من عباده؟ فهل يليق بعاقل أن ينكر على من يشاء من عباده؟ فهل يليق بعاقل ان ينكر على هذه قدرته وعمله ان يحي العباد بعد ان يميتهم ليسألهم عن كسبهم ويحاسبهم عليه ويجزيهم به؟ اللهم لا اذا فالمنكرون على الله ما دعاهم الى الايمان به لا يعتبرون عقلاء وان طاروا في السماء وغاصوا في الماء. هداية الآيات من هداية الآيات: ١-تقرير أصول العقيدة الثلاثة: التوحيد والنبوة البعث والجزاء الآخر. ٢- صوارف الإيمان والتي هي كالأغلال ير التقليد الأعمى، والكبر والعناد. ٣- عظيم قدرة الله تعالى وسعة علمه. ٤-تقرير عقيدة القضاء والقدر. سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا

стр. 1331

وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣) شرح الكلمات: وسارب بالنهار: أي ظاهر في سربه أي طريقه. له معقبات: أي ملائكة تتعقبه بالليل والنهار. من أمر الله: أي بأمر الله تعالى وعن إذنه وأمره. لا يغير ما بقوم: أي من عافية ونعمة إلى بلاء وعذاب. ما بأنفسهم: من طهر وصفاء بالإيمان والطاعات إلى الذنوب والآثام. وما لهم من دونه من وال: أي وليس لهم من دون الله من يلبي أمرهم فيدفع عنهم العذاب. من خيفته: أي من الخوف منه وهيبته وجلاله. وهو شديد المحال: أي القوة والمماحلة. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر جلال الله وعظيم قدرته وسعة علمه، قال تعالى في هذه الآية: ﴿سواء منكم١ من أسر القول ومن جهر به﴾ فالله يعلم السر والجهر وأخفى ﴿ومن هو مستخف بالليل﴾ يمشى في ظلامه ومن هو ﴿سارب بالنهار﴾ أي يمشي في سربه٢ وطر يقه مكشوفاً معلوماً لله تعالى، وقوله تعالى: ﴿له معقبات٣ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من

стр. 1332

أمر الله﴾ جائز أن يعود الضمير في "له" على من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار، فيكون المراد من المعقبات الحرس والجلاوزة الذين يحرسون السلطان من أمر الله تعالى في نظرهم، ولكن إذا أراده الله بسوء فلا مرد له وما له من دون الله من وال يتولى حمايته والدفاع عنه، وجائز أن يعود على الله تعالى ويكون المراد من المعقبات الملائكة الحفظة١ والكتبة للحسنات والسيئات ويكون معنى من أمر الله٢ أي بأمره تعالى وإذنه، والمعنى صحيح في التوجيهين للآية وإلى الأول ذهب ابن جرير وإلى الثاني ذهب جمهور المفسرين، وقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ يخبر تعالى عن سنة من سننه في خلقه ماضية فيهم وهي أنه تعالى لا يزيل نعمة أنعم بها على قوم من عافية وأمن ورخاء بسبب إيمانهم وصالح أعمالهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من طهارة وصفاء بسبب ارتكابهم للذنوب وغشيانهم للمعاصي نتيجة الإعراض عن كتاب الله وإهمال شرعه وتعطيل حدوده والانغماس في الشهوات والضرب في سبيل الضلالات، وقوله تعالى: ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾ هذا إخبار منه تعالى بأنه إذا أراد بقوم أو فردٍ أو جماعة سوءاً ما أي ما يسوءهم من بلاء وعذاب فلا مرد له بحال من الأحوال بل لا بد وأن يمسهم، ولا يجدون من دون الله من وال يتولى صرف العذاب عنهم، أما من الله تعالى فإنهم إذا أنابوا إليه واستغفروه وتابوا إليه فإنه تعالى يكشف عنهم السوء ويصرف عنهم العذاب، وقوله تعالى: ﴿هو الذي يريكم البرق خوفاً﴾ من الصواعق من جهة وطمعاً في المطر من جهة أخرى ﴿وينشىء السحاب الثقال﴾ أي وهو الذي ينشئ٣ أي يبدء السحاب الثقال الذي يحمل الأمطار ﴿ويسبح الرعد بحمده﴾ ٤ أي وهو الذي يسبح الرعد بحمده وهو ملك موكل بالسحاب يقول:

стр. 1333

سبحان الله وبحمده، وقوله: ﴿والملائكة١ من خيفته﴾ ٢ أي خيفة الله وهيبته وجلاله فهي لذلك تسبحه أي تنزهه عن الشريك والشبيه والولد بألفاظ يعلمها الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله﴾ ٣ أي في وجوده وصفاته وتوحيده وطاعته ﴿وهو شديد المحال﴾ ٤ هذه الآية نزلت فعلاً في رجل٥ بعث إليه رسول الله ﷺ من يدعوه إلى الإسلام فقال الرجل الكافر لمن جاء من قبل رسول الله ﷺ : من رسول الله؟ وما الله أمن ذهب هو أم من فضة أم من نحاس؟ فنزلت عليه صاعقة أثناء كلامه فذهبت بقحف رأسه، ومعنى شديد المحال أي القوة والأخذ والبطش. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- سعة علم الله تعالى. ٢- الحرس والجلاوزة لمن يستخدمهم لحفظه من أمر الله تعالى لن يغنوا عنه من أمر الله شيئاً. ٣- تقرير عقيدة أن لكل فرد ملائكة يتعاقبون عليه بالليل والنهار منهم الكرام الكاتبون، ومنهم الحفظة للإنسان من الشياطين والجان. ٤- بيان سنة أن النعم لا تزول إلا بالمعاصي. ٥- استحباب قول سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته عند سماع الرعد لورود ذلك عن النبي ﷺ بألفاظ مختلفة. لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ

стр. 1334

كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ (١٤) وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (١٥) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) شرح الكلمات: له دعوة الحق: أي لله تعالى الدعوة١ الحق أي فهو الإله الحق الذي لا إله إلا هو. ليبلغ فاه: أي الماء فمه. إلا في ضلال: أي في ضياع لا حصول منه على طائل. بالغدو والآصال: أي البُكُر جمع بكرة، والعشايا جمع عشية. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير عقيدة التوحيد بالأدلة والبراهين، قال تعالى: ﴿له دعوة الحق﴾ أي لله الدعوة الحق وهي أنه الإله الحق الذي لا إله إلا هو، أما غيره فإطلاق لفظ الإله إطلاق باطل، فالأصنام والأوثان وكل ما عبد من دون الله إطلاق لفظ إله عليه إطلاق باطل، والدعوة إلى عبادته باطلة، أما الدعوة الحق فإنها لله وحده. وقوله تعالى: ﴿والذين يدعون من دونه﴾ أي من دون الله من سائر المعبودات ﴿لا يستجيبون لهم بشيء﴾ أي لا يجيبونهم بإعطائهم شيئاً مما يطلبون منهم ﴿إلا كباسط

стр. 1335

كفيه إلى الماء﴾ ١ أي إلا كاستجابة٢ من بسط يديه أي فتحهما ومدهما إلى الماء والماء في قعر البئر فلا كفاه تصل إلى الماء ولا الماء يصل إلى كفيه وهو عطشان ويظل كذلك حتى يهلك عطشاً، هذا مثل من يعبد غير الله تعالى بدعاء أو ذبح أو نذر أو خوف أو رجاء فهو محروم الاستجابة خائب في مسعاه ولن تكون له عاقبة إلا النار والخسران وهو معنى قوله تعالى ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ ٣ أي بطلان وخسران، وقوله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السماوات﴾ أي الملائكة ﴿والأرض﴾ أي من مؤمن يسجد طوعاً، ومنافق أي يسجد كرها، ٤ ﴿وظلالهم﴾ تسجد أيضاً ﴿بالغدو﴾ أوائل النهار، ﴿والآصال﴾ ٥ أواخر النهار. ومعنى الآية الكريمة: إذا لم يسجد الكافرون أي لم ينقادوا لعبادة الله وحده تعالى فإنَّ لله يسجد من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من الجن والإنس المؤمنون يسجدون طائعين والكافرون يسجدون إذا أكرهوا على السجود والمنافقون يسجدون مكرهين، وظلالهم تسجد في البكر والعشايا كما أنهم منقادون لقضاء الله تعالى وحكمه فيهم لا يستطيعون الخروج عنه بحال فهو الذي خلقهم وصورهم كما شاء ورزقهم ما شاء ويميتهم متى شاء فأي سجود وخضوع وركوع أظهر من هذا؟ وقوله تعالى: ﴿قل من رب السماوات والأرض﴾ أي من خالقهما ومالكهما ومدبر الأمر فيهما؟ وأمر رسوله أن يسبقهم إلى الجواب ﴿قل الله﴾ إذ لا جواب لهم إلا هو، وبعد أن أقروا بأن الرب الحق هو الله، أمر رسوله ﷺ أن يقول لهم موبخاً مقرعاً ﴿أفاتخذتم من دونه أولياء٦﴾ ، أي شركاء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فضلاً عن أن يملكوا لكم نفعاً أو يدفعون عنكم ضراً فأين يذهب بعقولكم أيها المشركون، ومبالغة في البيان وإقامة للحجة والبرهان على وجوب التوحيد وبطلان الشرك والتنديد أمر رسوله أن يقول لهم: ﴿هل يستوى الأعمى
следующие страницы →