← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

٢-قد تتأخر الرؤيا فلا يظهر مصداقها إلا بعد السنين العديدة. ٣- مشروعية الحذر والأخذ بالحيطة في الأمور الهامة. ٥- بيان إفضال الله على آل إبراهيم بما أنعم عليهم فجعلهم أنبياء آباء وأبناء وأحفاداً. لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (٨) اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (١٠) شرح الكلمات: آيات للسائلين١: عبر للسائلين عن أخبارهم وما كان لهم من أحوال غريبة. ونحن عصبة: أي جماعة إذ هم أحد عشر رجلا. أو اطرحوه أرضا: أي ألقوه في أرض بعيدة لا يعثر عليه. يخل لكم وجه أبيكم: أي من النظر إلى يوسف فيقبل عليكم ولا يلتفت إلى غيركم. في غيابة الجب: أي ظلمة البئر. بعض السيارة: أي المسافرين السائرين في الأرض. معنى الآيات: ما زال السياق في قصة يوسف ﵇ قال تعالى ﴿لقد كان في يوسف وإخوته﴾ أي

стр. 1262

في شأن يوسف وإخوته وما جرى لهم وما تم من أحداث جسام عبر وعظات للسائلين١ عن ذلك المتطلعين إلى معرفته. ﴿إذ قالوا﴾ أي إخوة يوسف ﴿ليوسف وأخوه﴾ بنيامين وهو شقيقه٢ دونهم ﴿أحب إلى أبينا منّا ونحن عصبة﴾ أي جماعة فكيف يفضل٣الاثنين على الجماعة ﴿إن أبانا﴾ أي يعقوب ﵇ ﴿لفي ظلال مبين﴾ أي في خطأ بيّن بإيثاره يوسف وأخاه بالمحبة دوننا. وقوله ﴿اقتلوا يوسف٤ أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم﴾ يخبر تعالى عما قاله إخوة يوسف وهم في خلوتهم يتآمرون على أخيهم للتخلص منه فقالوا ﴿اقتلوا يوسف﴾ بإزهاق روحه، ﴿أو اطرحوه﴾ في أرض بعيدة ألقوه فيها فيهلك وتتخلصوا منه بدون قتل منكم، وبذلك ﴿يخل لكم وجه أبيكم﴾ حيث كان مشغولاً بالنظر إلى يوسف، ويحبكم وتحبونه وتتوبوا إلى الله من ذنب إبعاد يوسف عن أبيه، وتكونوا بعد ذلك قوماً صالحين حيث لم يبق ما يورثكم ذنباً أو يكسبكم إثماً. وقوله تعالى: ﴿قال قائل منهم﴾ يخبر تعالى عن قيل إخوة يوسف لبعضهم البعض وهم يتشاورون في شأن يوسف وكيف يبعدونه عن أبيهم ورضاه عنهم قال قائل منهم هو يهودا أو روبيل وكان أخاه وابن خالته وكان أكبرهم سناً وأرجحهم عقلا قال: لا تقتلوا يوسف، لأن القتل جريمة لا تطاق ولا ينبغي ارتكابها بحال، والقوة في غيابة الجب٥ أي في ظلمة البئر، وهي بئر معروفة في ديارهم بأرض فلسطين يلتقطه٦ بعض السيارة من المسافرين إن كنتم فاعلين شيئاً إزاء أخيكم فهذا أفضل السبل لذلك. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الميل إلى أحد الأبناء بالحب يورث العداوة بين الإخوة.

стр. 1263

٢- الحسد١ سبب لكثير من الكوارث البشرية. ٣- ارتكاب أخف الضررين قاعدة شرعية عمل بها الأولون. ٤- الشفقة والمحبة في الشقيق أكبر منها في الأخ للأب. قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ (١٤) شرح الكلمات: لناصحون: لمشفقون عليه نحب له الخير كما نحبه لأنفسنا. يرتع ويلعب٢: أي يأكل ويشرب ويلعب بالمسابقة والمناضلة. إني ليحزنني: أي يوقعني في الحزن الذي هو ألم النفس أي ذهابكم به. الذئب: حيوان مفترس خداع شرس. ونحن عصبة: أي جماعة قوية. لخاسرون: أي ضعفاء عاجزون عرضة للخسران بفقدنا أخانا. معنى الآيات: ما زال السياق في قصة يوسف إنهم بعد ائتمارهم واتفاقهم السري على إلقاء يوسف في غيابة الجب طلبوا من أبيهم أن يترك يوسف يخرج معهم إلى البر كعادتهم للنزهة والتنفه

стр. 1264

وكأنهم لاحظوا عدم ثقة أبيهم فيهم فقالوا له ﴿ما لك لا تأمنا١ على يوسف وإنا له لناصحون﴾ أي محبون له كل خير مشفقون عليه أن يمسه أدنى سوء. ﴿أرسله معنا غداً يرتع ويلعب﴾ أي يرتع في البادية يأكل الفواكه ويشرب الألبان ويأكل اللحوم ويلعب بما نلعب به من السباق والمناضلة، والمصارعة، ﴿وإنا له لحافظون﴾ من كل ما قد يضره أو يُسيءُ إليه. فأجابهم ﵇ قائلاً ﴿إني ليحزنني٢ أن تذهبوا به﴾ أي إنه ليوقعني في الحزن وآلامه ذهابكم به. ﴿وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون﴾ في رتعكم ولعبكم. فأجابوه قائلين والله ﴿لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون﴾ أي لا خير في وجودنا ما دمنا نُغلب على أخينا فيأكله الذئب بيننا. ومع الأسف فقد اقنعوا بهذا الحديث والدهم وغداً سيذهبون بيوسف لتنفيذ مؤامرتهم الدنية. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير قاعدة: لا حذر مع القدر أي لا حذر ينفع٣ في ردّ المقدور. ٢- صدق المؤمن يحمله على تصديق من يحلف له ويؤكد كلامه. ٣- جواز الحزن وأنه لا إثم فيه وفي الحديث "وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". ٤- أكل الذئب٤ للإنسان إن أصاب منه غفلة واقع وكثير أيضاً. فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ (١٦) قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ

стр. 1265

بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨) شرح الكلمات: وأجمعوا: أي أمرهم على إلقائه في غيابة الجب. في غيابة الجب: أي في ظلمة البئر. وأوحينا إليه: أي أعلمناه بطريق خفي سريع. عشاء: أي بعد غروب الشمس أول الليل. نستبق: أي بالمناضلة. عند متاعنا: أي أمتعتنا من ثياب وغيرها. وما أنت بمؤمن لنا: أي بمصدّق لنا. بدم كذب: أي بدم مكذوب أي دم سخلة وليس دم يوسف. بل سولت لكم: أي زينت وحسنت. على ما تصفون: أي من الكذب. معنى الآيات: مازال السياق الكريم في الإخبار عما عزم عليه إخوة يوسف أن يفعلوه فقد أقنعوا والدهم يوم أمس على إرسال يوسف معهم إلى البر وها هم أولاء وقد أخذوه معهم وخرجوا به، وما إن بعدوا به حتى تغيرت وجوههم عليه وصار يتلقى الكلمات النابية والوكز والضرب أحياناً، وقد أجمعوا أمرهم على إلقائه في بئر معلومة لهم في الصحراء، ونفذوا مؤامرتهم وألقوا أخاهم وهو يبكي بأعلى صوته وقد انتزعوا منه قميصه وتركوه مكتوفاً في قعر البئر. وهنا أوحى الله تعالى إليه أي أعلمه بما شاء من وسائط العلم انه سينبئهم في يوم من الأيام بعملهم الشنيع هذا وهو معنى قوله تعالى في السياق ﴿وأوحينا١ إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ وبعد أن فرغوا من أخيهم ذبحوا سخلة ولطخوا بدمها قميصه، وعادوا

стр. 1266

إلى أبيهم مساء يبكون يحملون الفاجعة إلى أبيهم الشيخ الكبير قال تعالى ﴿وجاءوا أباهم عشاء﴾ أي ليلا ﴿يبكون﴾ ١ وقالوا معتذرين ﴿يا أبانا إنا ذهبنا نستبق٢ وتركنا يوسف عند متاعنا٣ فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا﴾ أي بمصدق لنا ﴿ولو كنا صادقين﴾ وقد دلت عباراتهم على كذبهم قال تعالى ﴿وجاءوا على قميصه بدم كذب٤﴾ أي ذي كذب أو مكذوب إذ هو دم سخلة ذبحوها فأكلوها ولطخوا ببعض دمها قميص يوسف أخيهم ونظر يعقوب إلى القميص وهو ملطخ بالدم الكذب ولم يكن به خرق ولا تمزيق فقال إن هذا الذئب لحليم إذ أكل يوسف ولم يخرق ثوبه. ثم قال ما أخبر تعالى عنه بقوله ﴿قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً﴾ أي لم يكن الأمر كما وصفتم وادعيتم وإنما سولت لكم أنفسكم أمراً فنفذتموه. ﴿فصبر جميل٥﴾ أي فأمري صبر جميل والصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى معه. ﴿والله المستعان٦ على ما تصفون﴾ أي من الكذب. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- جواز صدور الذنب الكبير من الرجل المؤمن المهيء للكمال مستقبلا٧. ٢- لطف الله تعالى بيوسف وإكرامه له بإعلامه إياه أنه سينّبىء إخوته بفعلتهم هذه وضمن ذلك بشره بسلامة الحال وحسن المآل. ٣- اختيار الليل للاعتذار دون النهار لأن العين تستحي من العين كما يقال. وكما قيل "كيف يرجو الحياء منه صديق ... ومكان الحياء منه خراب" يريد عينيه لا تبصران. ٤- فضيلة الصبر الجميل وهو الخالي من الجزع والشكوى معاً.

стр. 1267

وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) شرح الكلمات: سيارة: رُفْقَة من الناس تسير مع بعضها بعضا. واردهم: أي الذي يرد لهم الماء. فأدلى دلوه: أي دلى دلوه في البئر. وأسروه بضاعة: أي أخفوه كبضاعة من البضائع. وشروه بثمن بخس: أي باعوه بثمن ناقص. وقال الذي اشتراه: أي الرجل الذي اشتراه واسمه قطفير ولقبه العزيز. أكرمي مثواه: أي أكرمي موضع إقامته بمعنى أكرميه وأحسني إليه. أو نتخذه ولدا: أي نتبناه فقال ذلك لأنه لم يكن يولد له. من تأويل الأحاديث: أي تعبير الرؤيا. ولما بلغ أشده: أي قوته البدنية والعقلية. حكماً وعلماً: أي حكمة ومعرفة أي حكمة في التدبير ومعرفة في الدين.

стр. 1268

معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن يوسف وإخوته إنه لما ألقى يوسف في الجب وترك هناك جاءت قافلة من بلاد مدين تريد مصر فأرسلوا وارداً لهم١ يستقي لهم الماء فأدلى دلوه في البئر فتعلق به يوسف فخرج معه وما إن رآه المدلي حتى صاح قائلاً يا بشراي٢ هذا غلام وكان إخوة يوسف يترددون على البئر يتعرفون على مصير أخيهم فلما رأوه بأيدي الوارد ورفقائه قالوا لهم هذا عبد لنا أبق، وإن رأيتم شراءه بعناه لكم فقالوا ذاك الذي نريده فباعوه لهم بثمن ناقص وأسره٣ الذين اشتروا أي أخفوه عن رجال القافلة حتى لا يطالبونهم بالاشتراك فيه معهم، وقالوا هذه بضاعة كلفنا أصحاب الماء بإيصالها إلى صاحبها بمصر. هذا ما دل عليه قوله تعالى ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة﴾ ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾ . وكونها معدودة غير موزونة دال على قلتها ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ أي إخوته لا الذين اشتروه٤. ولما وصلوا به مصر باعوه من وزير يقال له قطفير العزيز فتفرس فيه الخير فقال لامرأته زليخا أكرمي مقامه بيننا رجاء أن ينفعنا في الخدمة أو نبيعه بثمن غال، أو نتخذه ولداً حيث نحن لا يولد لنا. هذا معنى قوله تعالى ﴿وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً﴾ قال تعالى ﴿وكذلك مكّنا ليوسف في الأرض﴾ أي وكما نجيناه من القتل والجب وعطفنا عليه العزيز مكّنا له في الأرض فيما بعد فصار ملك مصر بما فيها يحكمها ويسوسها بالعدل والرحمة. وقوله تعالى ﴿ولنعلمه من تأويل الأحاديث﴾ أي ولنعلمه٥ تعبير الرؤا من أحاديث الناس وما يقصونه منه. وقوله تعالى ﴿والله غالب على أمره﴾ ٦ أي على أمر يوسف فلم يقدر إخوته أن يبلغوا منه مرادهم

стр. 1269

كما هو تعالى غالب على كل أمر أراده فلا يحول بينه وبين مراده أحد وكيف وهو العزيز الحكيم. وقوله ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ إذ لو علموا لفوضوا أمرهم إليه وتوكلوا عليه ولم يحاولوا معصيته بالخروج عن طاعته. وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ على ما يجد من أقربائه من أذى إذ يوسف ناله الأذى من إخوته الذين هم أقرب الناس إليه بعد والديه. وقوله تعالى ﴿ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً١ وكذلك نجزي المحسنين﴾ أي ولما بلغ يوسف اكتمال قوته البدنية بتجاوز سن الصبا إلى سن الشباب وقوته العقلية بتجاوزه سن الشباب إلى سن الكهولة آتيناه حكماً وعلماً أي حكمة وهي الإصابة في الأمور وعلماً وهو الفقه في الدين، وكما آتينا يوسف الحكمة والعلم نجزي المحسنين٢ طاعتنا بالصبر والصدق وحسن التوكل وفي هذا بشارة لرسول الله ﷺ بحسن العاقبة وأن الله تعالى سينصره على أعدائه ويمكن له منهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- جواز الفرح بما يسر٣ والإعلان عنه. ٢- جواز الاحتياط لأمر الدين والدنيا. ٣- إطلاق لفظ الشراء على البيع. ٤- شمخ التبنّي في الإسلام. ٥- معرفة تعبير الرؤيا كرامة لمن علّمه الله ذلك. ٦- من غالب الله غُلِبَ. ٧- بلوغ الأشد يبتدى بانتهاء الصبا والدخول في البلوغ. ٨- حسن الجزاء مشروط بحسن القيد والعمل. وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا

стр. 1270

لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) شرح الكلمات: راودته: أي طالبته لحاجتها تريد أن ينزل عن إرادته لإرادتها وهو يأبى. التي هو في بينها: أي زليخا امرأة العزيز. وغلقت الأبواب: أغلقتها بالمغّاليق. هيت لك: أي تعال عندي. معاذ الله: أي أعوذ بالله أي أتحصن وأحتمي به من فعل مالا يجوز. أحسن مثواي: أي إقامتي في بيته. همت به: أي لتبطش به ضرباً. وهم بها: أي ليدفع صولتها عليه. برهان ربّه: ألهمه ربّه أن الخير في عدم ضربها. السوء والفحشاء: السوء ما يسوء وهو ضربها، والفحشاء الخصلة القبيحة. المخلصين: أي الذين استخلصناهم لولايتنا وطاعتنا ومحبتنا. وقدت قميصه: أي قطعته من وراء. وألفيا سيدها: أي وَجَدا العزيز زوجها وكانوا يطلقون على الزوج لفظ السيد لأنه يملك المرأة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن يوسف وما جرى له من أحداث في بيت العزيز الذي اشتراه إنه ما إن أوصى العزيز امرأته بإكرام يوسف حتى بادرت إلى ذلك فأحسنت طعامه وشرابه ولباسه وفراشه، ونظراً إلى ما تجلبه الخلوة بين الرجل والمرأة من إثارة

стр. 1271

الغريزة الجنسية لا سيما إذا طالت المدة، وأمن الخوف وقلت التقوى حتى راودته بالفعل عن نفسه أي طلبت منه نفسه ليواقعها بعد أن اتخذت الأسباب المؤمّنة حيث غلّقت أبواب الحجرة والبهو والحديقة، وقالت تعال إلي. وكان رد يوسف على طلبها حازماً قاطعاً للطمع وهذا هو المطلوب في مثل هذا الموقف قال تعالى مخبراً عما جرى في القصر حيث لا يعلم أحدٌ من الناس ما جرى وما تم فيه من أحداث. ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت١ الأبواب وقالت هيت٢ لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون﴾ . إنها بعد أن اتخذت كل ما يلزم للحصول على رغبتها منه أجابها قائلاً ﴿إنه ربي٣ أحسن مثواي﴾ يريد العزيز أحسن إقامتي فكيف أخونه في أهله. وفي نفس الوقت أن سيده الحق الله ﷻ قد أحسن مثواه بما سخّر له فكيف يخونه فيما حرم عليه. وقوله إنه لا يفلح الظالمون تعليل ثان فالظالم بِوَضْعِ الشيء في غير موضعه يخيب في سعيه ويخسر في دنياه وأُخراه فكيف أرضى لنفسي ولك بذلك وقوله تعالى ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه٤﴾ أي همت بضربه لامتناعه عن إجابتها لطلبها بعد مراودات طالت مدتها، وهم هو بها أي بضربها دفعاً لها عن نفسه إلا إنه أراه الله برهاناً في نفسه فلم يضربها وآثر الفرار إلى خارج البيت، ولحقته تجري وراءه لترده خشية أن يعلم أحد بما صنعت معه. واستبقا الباب هو يريد الخروج وهي تريد رده إلى البيت خشيه الفضيحة وأخذته من قميصه فقدته أي شقته من دُبر أي من وراء لأنه أمامها وهي وراءه. وقوله تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء٥﴾ أي هكذا نصرف عن يوسف السوء فلا يفعله والفحشاء فلا يقربها، وعلل لذلك بقوله إنه من عبادنا المخلصين أي الذين استخلصناهم لعبادتنا ومحبتنا فلا نرضى لهم أن يتلوثوا بآثار الذنوب والمعاصي. يقوله تعالى ﴿وألفيا سيّدها لدى الباب٦﴾ أي ووجدا زوجها عند الباب جالساً في حال هروبه منها

стр. 1272

وهي تجرى وراءه حتى انتهيا إلى الباب وإذا بالعزيز جالس عنده فخافت المعرة على نفسها فبادرت بالاعتذار قائلة ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أي يوما أو يومين، أو عذاب أليم يكون جزاءاً له كأن يضرب ضرباً مبرحاً. قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩) شرح الكلمات: وشهد شاهد من أهلها: أي ابن عمها. قْدَّ من قُبل: أي من قدام. قدَّ من دبُر: أي من وراء أي من خلف. إنه من كيدكن: أي قولها، ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً. يوسف أعرض عن هذا: أي عن هذا الأمر ولا تذكره لكيلا يشيع. من الخاطئين: المرتكبين للخطايا الآثمين. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث كل يوسف وأحداث القصة فقد ادعت زليخا أن يوسف راودها عن نفسها وطالبت بعقوبته فقالت ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم﴾ وهنا رد يوسف ما قذفته به، ولولا أنها قذفته ما أخبر عن مراودتها إياه فقال ما أخبر تعالى به في هذه الآيات ﴿هي راودتني عن نفسي﴾ وهنا انطق الله ﷻ طفلاً رضيعاً١

стр. 1273

إكراماً لعبده وصفيّه يوسف فقال هذا الطفل والذي سماه الرسول ﷺ شاهد يوسف ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ هذا ما قضى به الشاهد الصغير. ﴿فلما رأى قميصه قد من دبر قال﴾ . ﴿إنه﴾ أي قولها ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً﴾ ﴿من١ كيدكن﴾ أي من صنيع النساء ﴿إن كيدكن عظيم﴾ ، ثم قال ليوسف٢ يا يوسف ﴿أعرض عن هذا﴾ الأمر ولا تذكره لأحد لكيلا يفشو فيضر. وقال لزليخا ﴿استغفري لذنبك﴾ أي اطلبي العفو من زوجك ليصفح عنك ولا يؤاخذك بما فرط منك من ذنب إنك كنت من الخاطئين أي الآثمين من الناس هذا ما تضمنته الآيات الأربع في هذا السياق الكريم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- مشروعية الدفاع عن النفس ولو بما يُسيُّ إلى الخصم. ٢- إكرام الله تعالى لأوليائه حيث أنطق طفلا في المهد فحكم ببراءة يوسف. ٣- تقرير أن كيد النساء عظيم وهو كذلك. ٤- استحباب الستر على المسيء وكراهية إشاعة الذنوب بين الناس. وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا

стр. 1274

مِّنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) شرح الكلمات: في المدينة: أي عاصمة مصر يومئذ. نراود فتاها: أي عبدها الكنعاني. قد شغفها حبا: أي دخل حبّه شغاف قلبها أي أحاط بقلبها فتملكه عليها.. إنا لنراها في ضلال مبين: أي في خطأ بيّن بسبب حبها إياه. فلما سمعت بمكرهن: أي بما تحدثن به عنها في غيبتها. وأعتدت لهن متكئا: أي وأعدت لهن فراشاً ووسائد للاتكاء عليها. أكبرنه: أي أعظمنه في نفوسهن. فذلك الذي لمتنني فيه: أي قلتن كيف تحب عبداً كنعانياً. فاستعصم: أي امتنع مستمسكا بعفته وطهارته. الصاغرين: الذليلين المهانين. أصب إليهن: أمل إليهن. وأكن من الجاهلين: أي المذنبين إذ لا يذنب إلا من جهل قدرة الله وإطلاعه عليه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في قصة يوسف إنه بعد الحكم الذي أصدره شاهد يوسف ﵇ انتقل الخبر إلى نساء بعض الوزراء فاجتمعن في بيت إحداهن وتحدثن بما هو لوم لامرأة العزيز حيث راودت عبداً لها كنعانياً عن نفسه وهو ما أخبر تعالى عنه في الآيات الآتية قال تعالى ﴿وقال نسوة١ في المدينة﴾ أي عاصمة مصر يومئذ ﴿امرأة العزيز تراود

стр. 1275

فتاها﴾ ١ أي عبدها ﴿عن نفسه قد شغفها حبا﴾ أي قد بلغ حبها إياه شغاف قلبها أي غشاءه٢. ﴿إنا لنراها﴾ أي نظنها ﴿في ضلال مبين﴾ أي خطأ واضح: إذ كيف تحب عبداً وهي من هي في شرفها وعلّو مكانتها. قوله تعالى ﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ ٣ أي ما تحدثن به في غيبتها ﴿أرسلت إليهن٤ وأعتدت لهن٥ متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا﴾ أي فقابلت مكرهن بمكر أعظم منه فأعدت لهن حفلة طعام وشراب فلما أخذن في الأكل يقطعن بالسكاكين الفواكه كالأترج وغيره أمرته أن يخرج عليهن ليرينه فيعجبن برؤيته فيذهلن عن أنفسهن ويقطعن٦ أيديهن بدل الفاكهة التي يقطعنها للأكل وبذلك تكون قد دفعت عن نفسها المعرة والملامة، وهذا ما جاء في قوله تعالى ﴿وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاشا لله٧ ما هذا بشرا﴾ أي إنسان من الناس. ﴿إن هذا إلا ملك﴾ أي ما هذا إلا ملك ﴿كريم﴾ وذلك لجماله وما وهبه الله تعالى من حسن وجمال في خلقه وخلقه. وهنا قالت ما أخبر تعالى به في قوله ﴿قالت فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ أي هذا هو الفتى الجميل الذي لمتنني في حبه ومراودته عن نفسه ﴿ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ أي راودته فعلا وامتنع عن إجابتي. ﴿ولئن لم يفعل ما آمره﴾ أي به مما أريده منه ﴿ليسجنن وليكونا من الصاغرين﴾ أي الذليلين المهانين. وهكذا اسمعته تهديدها أمام النسوة المعجبات به. ومن هنا فزع يوسف إلى ربّه ليخلصه من مكر هذه المرأة وكيدها فقال ما أخبر تعالى به عنه ﴿قال ربّ السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه﴾ أي يا رب فلذا عد كلامه هذا سؤالاً لربه ودعاء السجن أحب إلي مما يدعونني إليه من الإثم، ﴿وألاّ تصرف عني كيدهن﴾ أي كيد النسوة ﴿أصب إليهن﴾ أي أَملْ إليهن ﴿وأكن﴾ أي بفعل ذلك ﴿من الجاهلين﴾ أي الآثمين بارتكاب معصيتك.

стр. 1276

وهذا ما لا أريده وهو ما فررت منه ﴿فاستجاب له ربه﴾ أي أجابه في دعائه وصرف عنه كيدهن إنه تعالى هو السميع لأقوال عباده ودُعَاءِ عبده وصفيه يوسف ﵇ العليم بأحوال وأعمال عباده ومنهم عبده يوسف. ولذا استجاب له فطمأنه وأذهب الألم ألم الخوف من نفسه، وله الحمد والمنة. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان طبيعة الإنسان في حب الإطلاع وتتبع الأخبار. ٢- رغبة الإنسان في الثأر لكرامته، وما يحميه من دم أو مال أو عرض. ٣- ضعف النساء أمام الرجال، وعدم قدرتهن على التحمل كالرجال. ٤- إيثار يوسف ﵇ السجن على معصية الله تعالى وهذه مظاهر الصديقية. ٥- الجهل بالله تعالى وبأسمائه وصفاته ووعده ووعيده وشرعه هو سبب كل الجرائم في الأرض. ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (٣٨)

стр. 1277

شرح الكلمات: ثم بدا لهم: أي ظهر لهم. الآيات: أي الدلائل على براءة يوسف. أعصر خمرا: أي أعصر عنباً ليكون خمرا. واتبعت ملة: أي دين. ما كان لنا: أي ما انبغى لنا ولا صح منّا. أن نشرك بالله من شيء: أي أن أشرك بالله شيئا من الشرك وإن قل ولا من الشركاء وإن عظموا أو حقروا. ذلك من فضل الله علينا: أي ذلك التوحيد والدين الحق. وعلى الناس: إذ جاءتهم الرسل به ولكنهم ما شكروا فلم يتبعوا. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن يوسف ﵇ وما حدث له بعد ظهور براءته من تهمة امرأة العزيز قال تعالى ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ أي ثم ظهر للعزيز ومن معه من بعد ما رأوا الدلائل الواضحة على براءة يوسف وذلك كقدّ القميص من دُبر ونطق الطفل وحكمه في القضية بقوله ﴿إن كان قميصه﴾ الخ وهي أدلة كافية في براءة يوسف إلا أنهم رأوا سجنه إلى حين١ ما، أي ريثما تسكن النفوس وتنسى الحادثة ولم يبق لها ذكر بين الناس. وقوله تعالى ﴿ودخل معه السجن٢ فتيان﴾ أي فقرروا سجنه وادخلوه السجن ودخل معه فتيان أي خادمان كانا يخدمان ملك البلاد بتهمة وجهت٣ إليهما. وقوله تعالى ﴿قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا ومال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ وكان هذا الطلب منهما بعد أن أعجبا بسلوكه مع أهل السجن وحسن معاملته وسألاه عن معارفه فأجابهم

стр. 1278

بأنه يعرف تعبير الرؤيا فعندئذ قالا هيا نجربه فندعي١ أنا رأينا كذا وكذا وسألاه فأجابهما بما أخبر تعالى به في هذه الآيات: ﴿قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل٢ أن يأتيكما﴾ واللفظ محتمل لما يأتيهما في المنام أو اليقظة وهو لما علمه الله تعالى يخبرهما به قبل وصوله إليهما وبما يؤول إليه. وعلل لهما مبيّناً سبب علمه هذا بقوله ﴿ذلكما مما علّمني ربّي إني٣ تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة كافرون﴾ وهم الكنعانيون والمصريون إذ كانوا مشركين يعبدون الشمس وغيرها، تركت ملة الكفر واتبعت ملة الإيمان بالله واليوم الآخر ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب، ثم واصل حديثه معهما دعوة لهما إلى الإيمان بالله والدخول في الإسلام فقال ﴿ما كان لنا﴾ أي ما ينبغي لنا أن نشرك بالله من شيء فنؤمن به ونَعْبُدُه معه، ثم أخبرهما أن هذا لم يكن باجتهاد منهم ولا باحتيال، وإنما هو من فضل الله تعالى عليهم، فقال ذلك من فضل الله علينا٤، وعلى الناس إذ خلقهم ورزقهم وكلأهم ودعاهم إلى الهدى وبيّنه لهم ولكن أكثر الناس لا يشكرون٥ فهم لا يؤمنون ولا يعبدون. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- دخول يوسف السجن بداية أحداث ظاهرها محرق وباطنها مشرق. ٢- دخول السجن ليس دائما دليلا على أنه بيت المجرمين والمنحرفين إذ دخله صفيٌ لله تعالى يوسف ﵇. ٣- تعبير الرؤى تابع لصفاء الروح وقوة الفراسة وهي في يوسف علم لدني خاص. ٤- استغلال المناسبات للدعوة إلى الله تعالى كما استغلها يوسف ﵇. ٥- وجوب البراءة من الشرك وأهله. ٦- اطلاق لفظ الآباء على الجدود إذ كل واحد هو أب لمن بعده.

стр. 1279

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٤٠) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) شرح الكلمات: يا صاحبي السجن: أي يا صاحبي في السجن وهما الفتيان صاحب طعام الملك وصاحب شرابه. أأرباب متفرقون: أي آلهة متفرقون هنا وهناك أي في ذواتهم وصفاتهم وأماكنهم. من دونه: أي من دون الله . إلا أسماء.: أي مجرد اسم إله، وإلا في الحقيقة هو ليس بإله إنما هو صنم. ما أنزل الله بها من سلطان: أي لم يأمر الله تعالى بعبادتها بأي نوع من أنواع العبادة. فيسقي ربه خمرا: أي يسقي سيده الذي هو ملك البلاد شراب الخمر.

стр. 1280

فيصلب: يقتل مصلوباً على خشبة كما هي عادة القتل عندهم. قضي الأمر: أي فرغ منه وبتّ فيه. ظن انه ناج منهما: أي أيقن إنه محكوم ببراءته. اذكرني عند ربك: أي أذكرني عند الملك بأني مسجون ظلما بدون جريمة. فأنساه الشيطان ذكر ربه: أي أنسى الشيطان يوسف ذكر ربّه تعالى. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن يوسف وهو في السجن لقد سبق أن استعبر الفتيان يوسف رؤياهما أي طلبا منه أن يعبرها لهما لما علما منه أنه يعبر الرؤى غير أن يوسف استغل الفرصة وأخذ يحدثهما عن أسباب علمه بتعبير الرؤى وأنه تركه لملّة الكفر وإيمانه بالله تعالى وحده وأنه في ذلك متّبع ملة آبائه إبراهيم واسحق ويعقوب، وانه لا ينبغي لهم أن يشركوا بالله وفي هذا تعريض بما عليه أهل السجن من الشرك بالله تعالى بعبادة الأصنام، وواصل حديثه داعياً إلى الله تعالى فقال ما أخبر به تعالى في هذا السياق ﴿يا صاحبي١ السجن آرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ فخاطب صاحبيه يا صاحبي السجن أخبراني واصدقاني: آرباب أي آلهة متفرقون هنا وهناك، هذا صنم وهذا كوكب، وهذا إنسان، وهذا حيوان، وهذا لونه كذا وهذا لونه كذا خير أم الله الواحد في ذاته وصفاته القهار لكل ما عداه من سائر المخلوقات، ولم يكن لهم من جواب سوى ﴿الله الواحد القهار﴾ إن العقل يقضي بهذا. ثم خاطب أهل السجن كافة فقال ﴿ما تعبدون من دونه﴾ ٢ أي من دون الله الواحد القهار ﴿إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم﴾ إنها مجرد أسماء لا غير إذ كونكم تطلقون لفظ إله أو رب على صنم أو كوكب مرسوم له صورة لا يكون بذلك ربّاً وإلهاً إن الرب هو الخالق الرازق المدبر أما المخلوق المرزوق الذي لا يملك نفعا ولا ضراً لنفسه فضلا عن غيره فإطلاق الربّ والإله عليه كذب وزور، إنّها أسماء ما أنزل الله بها من سلطان٣ حجة ولا برهاناً فتعبد لذلك بحكم أن الله أمر بعبادتها. ثم قال لهم ﴿إن الحكم إلا لله﴾ أي ما الحكم إلا لله، وقد حكم بأن لا يعبد إلا هو، إذاً فكل عبادة لغيره

стр. 1281

هي باطلة يجب تركها والتخلي عنها، ذلك الدين القيم أخبرهم أن عبادة الله وحده وترك عبادة غيره هي الدين القويم والصراط المستقيم إلا أن أكثر الناس لا يعلمون فجهلهم بمعرفة ربهم الحق الذي خلقهم ورزقهم ويدبر حياتهم وإليه. مرجعهم هو الذي جعلهم يعبدون ما ينحتون ويؤلهون ما يصنعون. ولما فرغ من دعوته إلى ربّه التفت إلى من طلبا منه تعبير رؤياهما فقال: ما أخبر تعالى به عنه ﴿يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربّه خمرا﴾ أي سيطلق سراحه١ ويعود إلى عمله عند الملك فيسقيه الخمر كما كان يسقيه من قبل، وأما الآخر وهو طباخ الملك المتهم بأنه أراد أن يضع في طعام الملك السم ليقتله، فيصلب فتأكل الطير من رأسه بعد صلبه. وهنا قالا: إننا لم نر شيئاً وإنما سألناك لنجربك لا غير فرد عليهما قائلا ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ أي فرغ منه وبُت فيه رأيتما أم لم تريا. ثم قال للذي ظن أنّه ناج منهما ما أخبر تعالى به عنه ﴿اذكرني عند ربك﴾ ٢ أي عند سيدك وكانوا يطلقون على السيد المالك لفظ الربّ. فأنساه الشيطان ذكر ربّه٣ أي أنسى الشيطان يوسف ﵍ ذكر ربّه تعالى حيث التفت بقلبه إلى الخادم والملك ونسى الله تعالى فعاقبه ربّه الحق فلبث في السجن بضع سنين أي سبع سنوات عداً. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وجوب اغتنام الفرص للدعوة إلى الله تعالى. ٢- تقرير التوحيد عن طريق أحاديث السابقين. ٣- لا حكم في شيء إلا بحكم الله تعالى فالحق ما أحقه الله والباطل ما أبطله والدين ما شرعه. ٤- مشروعية الاستفتاء في كل مشكل من الأمور.

стр. 1282

٥-غفلة يوسف ﵇ فإقباله على الفتى وقوله له اذكرني عند ربك ناسياً مولاه الحق ووليه الذي أنجاه من القتل وغيابة الجب، وفتنة النساء جعلته يحبس في السجن سبع سنين. وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) شرح الكلمات: الملك: ملك مصر الذي العزيز وزير من وزرائه واسمه الريان بن الوليد. سبع عجاف: هزال غير سمان. يا أيها الملأ: أيها الأشراف والأعيان من رجال الدولة. أفتوني في رؤياي: أي عبروها لي. أضغاث أحلام: أي أخلاط أحلام كاذبة لا تعبير لها إلا ذاك. وادّكر بعد امة: أي وتذكر بعد حين من الزمن أي قرابة سبع سنين. يوسف أيها الصديق: أي يا يوسف أيها الصديق أي يا كثير الصدق علم ذلك منه في السجن. معنى الآيات: مازال السياق الكريم في الحديث عن يوسف وهو في محنته إنه لما قارب الفرج أوانه رأى

стр. 1283

ملك مصر رؤيا أهالته وطلب من رجال دولته تعبيرها، وهو ما أخبر تعالى به في هذه الآيات إذ قال : ﴿وقال الملك﴾ أي ملك البلاد ﴿إني أرى﴾ أي في منامي ﴿سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات عجاف١﴾ أي مهازيل في غاية الهزال ﴿وسبع سنبلات خضر وأخر﴾ أي سنبلات يابسات. ثم واجه رجال العلم والدولة حوله وقد جمعهم لذلك فقال ﴿يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ أي تؤولون. فأجابوه بما أخبر تعالى عنهم بقوله ﴿قالوا أضغاث أحلام٢﴾ أي رؤياك هذه هي من أضغاث الأحلام التي لا تعبر، إذ قالوا ﴿وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾ والمراد من الأضغاث الأخلاط وفي الحديث الصحيح "الرؤيا من الرحمن والحلم من الشيطان". وقوله تعالى ﴿وقال الذي نجا منهما﴾ أي من صاحبي السجن، ﴿وادّكر بعد امة٣﴾ أي وتذكر ما أوصاه به يوسف وهو يودعه عند باب السجن إذ قال له ﴿اذكرني عند ربك﴾ بعد حين من الزمن قرابة سبع سنوات. قال ما أخبر تعالى به عنه ﴿أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾ أي إلى يوسف في السجن فإنه أحسن من يعبر الرؤى فأرسلوه فدخل عليه وقال ما أخبر به تعالى عنه في قوله ﴿يوسف﴾ أي يا يوسف ﴿أيها الصديق افتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات﴾ وقوله ﴿لعلي أرجع إلى الناس﴾ أي الملك ورجاله ﴿لعلهم يعلمون﴾ أي ما تعبرها به أنت فينتفعون بذلك. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- جواز الرؤيا الصالحة يراها الكافر والفاسق. ٢- الرؤى نوعان حلم من الشيطان، ورؤيا من الرحمن. ٣- النسيان من صفات البشر. ٤- جواز وصف الإنسان بما فيه من غير إطراء كقوله أيها الصديق. ٥- لعل تكون بمعنى كي التعليلية.

стр. 1284

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) شرح الكلمات: دأبا: أي متتابعة على عادتكم. فذروه في سنبله: أي اتركوه في سنبله لا تدرسوه. سبع شداد: أي صعاب قاسية لما فيها من الجدب. بما تحصنون: أي تحفظونه وتدخرونه للبذر والحاجة. يغاث الناس: أي يُغيثهم ربهم بالأمطار وجريان النيل. وفيه يعصرون: أي ما من شأنه أن يعصر كالزيتون والعنب وقصب السكر. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿قال تزرعون﴾ إلى آخره هو جواب يوسف للذي استفتاه أي طلب منه تعبير رؤيا الملك قال له في بيان تأويل الرؤيا تزرعون بمعنى ازرعوا سبع سنين دأباً أي١ متتالية كعادتكم في الزرع كل سنة وهي تأويل السبع البقرات السمان، فما حصدتم من زروع فذروه في سنبله أي اتركوه بدون درس حتى لا يفسد٢ إلا قليلا مما تأكلون أي فادرسوه لذلك. ثم يأتي بعد ذلك أي من بعد المخصبات سبع٣ شداد أي مجدبات صعاب وهي

стр. 1285

تأويل السبع البقرات العجاف يأكلن ما قدمتم لهن أي من الحبوب التي احتفظتم بها من السبع المخصبات يريد تأكلونه فيهن إلا قليلا مما تحصنون١ أي تدخرونه للبذور ونحوه. ثم يأتي بعد ذلك عام فيه٢ يغاث الناس وفيه يعصرون أي يأتي من بعد السبع السنين المجدبات عام فيه يغاث الناس بالمطر وفيه يعصرون العنب والزيت وكل ما يعصر لوجود الخصب فيه. وقوله ثم يأتي من بعد ذلك عام الخ. هذا لم تدل عليه الرؤيا وإنما هو مما علّمه الله تعالى يوسف فأفادهم به من غير ما سألوه ذلك إحساناً منه ولحكمة عالية أرادها الله تعالى. وهو الحكيم العليم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- أرض مصر أرض فلاحة وزراعة من عهدها الأول. ٢- الاحتفاظ بالفائض في الصوامع وغيرها مبدأ اقتصادي هام ومفيد. ٣- كمال يوسف في حسن تعبير الرؤى شيء عظيم. ٤- فضل يوسف ﵇ على أهل مصر حيث أفادهم بأكثر مما سألوا. وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)

стр. 1286

شرح الكلمات: وقال الملك ائتوني به: أي بيوسف. فلما جاءه الرسول: أي مبعوث الملك. ارجع إلى ربّك: أي سيدك. ما بال النسوة.: ما حالهن. ما خطبكن: ما شأنكن. حاش لله: أي تنزيهاً لله تعالى عن العجز أن يخلق بشراً عفيفا. حصحص الحق: وضح وظهر الحق. معنى الآيات: إن رؤيا الملك كانت تدبيراً من الله تعالى لإخراج يوسف من السجن إنه بعد أن رأى الملك الرؤيا وعجز رجاله عن تعبيرها وتذكّر أحد صاحبي السجن ما وصّاه به يوسف، وطلب من الملك أن يرسله إلى يوسف في السجن ليستفتيه في الرؤيا وأرسلوه واستفتاه فأفتاه وذهب به إلى الملك فأعجبه التعبير وعرف مدلوله أمر بإحضار يوسف لإكرامه لما ظهر له من العلم والكمال وهو ما أخبر تعالى به في قوله ﴿وقال الملك ائتوني به﴾ أي يوسف ﴿فلما جاءه الرسول﴾ أي جاء يوسف رسول الملك وهو صاحبه الذي كان معه في السجن ونجا من العقوبة وعاد إلى خدمة الملك فقال له إن الملك يدعوك فقال له عد إليه١ وإسأله ﴿ما بال النسوة٢ التي قطّعن أيديهن﴾ أي قل له يسأل عن حال النسوة اللائي قطعن أيديهن والمرأة التي اتهمتني فجمع الملك النسوة وسألهن قائلا ما خطبكن٣ إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ فأجبن قائلات حاش لله ما علمنا عليه من سوء أي نُنَزِهُ الله تعالى أن يعجز أن يخلق بشرا عفيفا مثل هذا. ما علمنا عليه من سوء.

стр. 1287

وهنا قالت امرأة العزيز زليخا ما اخبر تعالى به عنها ﴿الآن حصحص الحق١﴾ أي وضح وبان وظهر ﴿أنا راودته عن نفسه﴾ وليس هو الذي راودني، ﴿وإنه لمن الصادقين﴾ وقوله تعالى ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ هذا إخبار عن يوسف ﵇ فإنه قال ذلك أي امتناعي من الخروج من السجن وعدم إجابتي الملك وطلبي إليه أن يسأل عن حال النسوة حتى تم الذي تم من براءتي على لسان النسوة عامة، وامرأة العزيز خاصة حيث اعترفت قطعياً ببراءتي وقررت أنها هي التي راودتني عن نفسي فأبيت ورفضت فعلت هذا ليعلم زوجها العزيز أني لم أخنه في أهله في غيبته وأن عرضه مصان وشرفه لم يدنس لأنه ربي أحسن مثواي. وإن الله لا يهدى كيد الخائنين فلو كنت خائنا ما هداني لمثل هذا الموقف المشرف والذي أصبحت به مبرأ الساحة سليم العرض طاهر الثوب والساحة. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- فضل العلم وشرفه إذ به رفع الملك يوسف إلى حضرته وهو رفيع. ٢- فضيلة الحلم والأناة وعدم التسرع في الأمور. ٣- فضيلة الصدق وقول الحق ولو كان على النفس. ٤- شرف زليخا٢ بإقرارها بذنبها رفعها مقاما ساميا وأنزلها درجة عالية فقد تصبح بعد قليل زوجة لصفي الله يوسف الصديق بن الصديق زوجة له في الدنيا وزوجة له في الآخرة وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

стр. 1288

الجزء الثالث عشر وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٥٣) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (٥٧) شرح الكلمات: لأمارة بالسوء: أي كثيرة الأمر والسوء هو ما يُسيء إلى النفس البشرية مثل الذنوب. إلا ما رحم ربي: أي إلا من ﵀ فإن نفسه لا تأمر بالسوء لطيبها وطهارتها. استخلصه لنفسي: أجعله من خلصائي من أهل مشورتي وأسراري. مكين أمين: أي ذو مكانة تتمكن بها من فعل ما تشاء، أمين مؤتمن على كل شيء عندنا. خزائن الأرض: أي خزائن الدولة في أرض مصر. إني حفيظ عليم: أي أحافظ على ما تسنده إليّ واحفظه، عليم بتدبيره. يتبوأ: أي ينزل ويحل حيث يشاء بعد ما كان في غيابة الجُب وضيق السجن. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث على يوسف ﵇ فقوله تعالى: ﴿وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم﴾ هذا من قول يوسف علية١

стр. 1289

السلام، إذ قال لما طلب إلى الملك أن يحقق في قضية النسوة اللاتي قطعن أيديهن وامرأة العزيز وتم التحقيق بالإعلان عن براءة يوسف مما أتهم به قال ذلك، أي فعلت ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. وهضماً لنفسه من جهة ومن جهة أخرى فقد همَّ بضرب زليخا كما تقدم، قال: ﴿وما أبرىء نفسي﴾ وعلل لذلك فقال ﴿إن النفس﴾ أي البشرية ﴿لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي١﴾ إلا نفساً رحمها ربي بتوفيقها إلى تزكيتها وتطهيرها بالإيمان وصالح الأعمال فإنها تصبح نفساً مطمئنة تأمر بالخير وتنهى عن الشر٢، وقوله: ﴿إن ربي غفور رحيم﴾ ذكر هذه الجملة تعليلاً لقوله: ﴿وما أبرىء نفسي﴾ فذكر وإن حصل منيّ هم بضرب وهو سوء فإني تبت إلى الله، والله غفور أي يعفو ويصفح فلا يؤاخذ من تاب إليه ويرحمه فإنه رحيم بالمؤمنين من عباده. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٥٣) أما الآية الثانية (٥٤) والثالثة (٥٥) فقد تضمنت استدعاء الملك ليوسف وما دار من حديث بينهما إذ قال تعالى: ﴿وقال الملك﴾ الريان بن الوليد ﴿ائتوني به﴾ أي بيوسف بعد أن ظهر له علمه وكماله الروحي ﴿أستخلصه لنفسي﴾ أي أجعله خالصاً لي أستشيره في أمري واستعين به على مهام ملكي وجاء يوسف من السجن وجلس إلى الملك وتحدث معه وسأله عن موضوع سني الخصب والجدب فأجابه بما أثلج صدره من التدابير الحكيمة السديدة وهنا قال له ما أَخْبرَ تعالى به قال له: ﴿إنَّك اليوم لدينا مكين أمين﴾ أي ذو مكانة عندنا تمكنك من التصرف في البلاد كيف تشاء أمين على كل شيء عندنا فأجابه يوسف بما أخبر به تعالى بقوله: ﴿قال اجعلني٣ على خزائن الأرض﴾ أي أرض مصر ومعنى هذا أنه حل محل العزيز الذي قد مات في تلك الأيام. وعلل لطلبه وزارة المال والاقتصاد بقوله: ﴿إنّي حفيظ عليم﴾ أي حفيظ على ما أتولى تدبيره عليم بكيفية الإدارة وتدبير الشؤون. وقوله تعالى في الآية الرابعة (٥٦) : ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء﴾ أي بمثل هذه الأسباب

стр. 1290

والتدابير مكنا ليوسف في أرض مصر يتبوأ منها أي ينزل حيث يشاء يتقلب فيها أخذاً وعطاء وإنشاء وتعميراً لأنه أصبح وزيراً مطلق التصرف. وقوله تعالى: ﴿نصيب برحمتنا من نشاء﴾ أي رحمته من عبادنا ولا نضيع أجر المحسنين، وهذا وعد من الله تعالى لأهل الإحسان بتوفيتهم أجورهم، ويوسف ﵇ من شاء الله رحمتهم كما هو من أهل الإحسان الذين يوفيهم الله تعالى أجورهم في الدنيا والآخرة، وأخبر تعالى أن أجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون، ترغيبا في الإيمان والتقوى إذ بهما تنال ولاية الله تعالى إذ أولياؤه هم المؤمنون المتقون. هداية الآيات. من هداية الآيات: ١- فضيلة هضم النفس باتهامها بالنقص والتقصير. ٢- تحقيق الحكمة القائلة: المرءُ مخبوء تحت لسانه. ٣- جواز ذكْرِ المًرشِّح للعمل كحذق الصنعة ونحوه ولا يعد تزكية للنفس. ٤- فضيلة الإحسان في المعتقد والقول والعمل. ٥- فضل الإيمان والتقويم. وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (٥٩) فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ شرح الكلمات:

стр. 1291

وجاء إخوة يوسف: من أرض كنعان لما بلغهم أن ملك مصر يبيع الطعام. وهم له منكرون: أي غير عارفين أنه أخوهم. ولما جهزهم بجهازهم: أي أكرمهم وزودهم بما يحتاجون إليه في سفرهم بعدما كال لهم ما ابتاعوه منه. بأخ لكم من أبيكم: هو بِنْيامين لأنه لم يجيء معهم لأن والده لم يقدر على فراقه. سنراود عنه أباه: أي سنجتهد في طلبه منه. وقال لفتيانه: أي غلمانه وخدمه. بضاعتهم: أي دراهمهم التي جاءوا يمتارون بها. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن قصة يوسف ﵇ وتتبع أحداثها، إنه بعد أن ولي يوسف أمر الوزارة ومرت سنوات الخصب وجاءت سنوات الجدب فاحتاج أهل أرض كنعان إلى الطعام كغيرهم فبعث يعقوب ﵇ بنيه يمتارون وكانوا عشرة رجال بعد أن علم أن ملك مصر يبيع الطعام، قال تعالى مخبراً عن حالهم: ﴿وجاء إخوة١ يوسف﴾ أي من أرض كنعان ﴿فدخلوا عليه﴾ أي على يوسف ﴿فعرفهم وهم له منكرون﴾ أي لم يعرفوه لتغيره بكبر السن وتغير أحواله٢ وقوله تعالى: ﴿ولما جهزهم بجهازهم٣﴾ أي كال لهم وحَمَّل لكل واحد بعيره بعد أن أكرمهم غاية الإكرام ﴿قال ائتوني٤ بأخ لكم من أبيكم﴾ ولا شك أنه قد سألهم عن أحوالهم فأخبروه عن أبيهم وأولاده بالتفصيل فلذا قال لهم ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ وهو بنيامين ورغبهم في ذلك بقوله: ﴿ألا ترون أني أوفِ الكيل وأنا خير المنزلين﴾ أي خير المضيفين لمن نزل عليهم ﴿فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون﴾ . بعد هذا الإلحاح عليهم أجابوه بما أخبر تعالى به عنهم بقوله: ﴿قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون﴾ أي سنبذل جهدنا في طلبه

стр. 1292

حتى نأتي به، ﴿وإنا لفاعلون﴾ كما أخبرناك. وقوله تعالى: ﴿وقال لفتيانه١ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم﴾ يخبر تعالى عن قيل يوسف لغلمانه اجعلوا دراهمهم التي اشتروا بها الطعام في رحالهم من حيث لا يشعرون ﴿لعلهم يعرفونها٢ إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون٣﴾ كل هذا كان رغبة من يوسف في إحضار أخيه الشقيق فجعل رد الدراهم وسيلة لذلك لأنهم إذا وجدوها تحرجوا من أخذها فرجعوا بها. وجاءوا بأخيهم معهم، وهو مطلب يوسف ﵇ حققه الله. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- عجيب تدبير الله تعالى إذ رؤيا الملك وتعبير يوسف لها وظهورها كما عبرها كان تدبيراً لولاية يوسف ثم لمجيء إخوته يطلبون الطعام لأهليهم ولتتم سلسلة الأحداث الآتية، فلا إله إلا الله، ولا رب سواه. ٢- حسن تدبير يوسف ﵇ للإتيان بأخيه بنيامين تمهيداً للإتيان بالأسرة كلها. ٣- أثر الإيمان في السلوك، إذ عرف يوسف أن أخوته لا يستحلون أكل مال بغير حقه فجعل الدراهم في رحالهم ليرجعوا بها ومعهم أخوهم الذي يريد إحضاره. فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا

стр. 1293

مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) شرح الكلمات: منع منا الكيل: أي منع الملك منا الكيل حتى نأتيه بأخينا. نكتل: أي نحصل على الكيل المطلوب. على أخيه من قبل: أي كما أمنتكم على يوسف من قبل وقد فرطتم فيه. ما نبغي: أي أي شيء نبغي. ونزداد كيل بعير: أي بدل ما كنا عشرة نصبح أحد عشر لكل واحد حمل بعير. ذلك كيل يسير: أي على الملك لغناه وطوله فلا يضره أن يزيدنا حمل بعير. موثقاً: أي عهدا مؤكدا باليمين. إلا أن يحاط بكم: أي تهلكوا عن آخركم. من شيء: أي أراد الله خلافه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن يوسف وإخوته قال تعالى مخبراً عن رجوع إخوة يوسف من مصر إلى أرض كنعان بفلسطين: ﴿فلما رجعوا إلى أبيهم﴾ أي يعقوب عليه

стр. 1294

السلام ﴿قالوا يا أبانا منع منا الكيل﴾ أي منع١ منا ملك مصر الكيل إلا أن نأتي بأخينا بنيامين ﴿فأرسل معنا أخانا نكتل٢ وإنا له لحافظون﴾ أن يناله مكروه بحال من الأحوال. فأجابهم يعقوب ﵇ بما أخبر تعالى عنه بقوله: ﴿قال هل آمنكم عليه﴾ أي ما آمنكم عليه ﴿إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل﴾ يعني يوسف لما ذهبوا به إلى البادية. ﴿فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين﴾ ٣ جرى هذا الحديث بينهم عند وصولهم وقبل فتح أمتعتهم، وأما بعد فتحها فقد قالوا ما أخبر تعالى به في قوله: ﴿ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم﴾ أي دراهمهم ﴿ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ أي فأرسل معنا أخانا نذهب به إلى مصر ﴿ونمير٤ أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير﴾ لأن الملك المصري لا يبيع للنفر الواحد إلا حمل بعير نظراً لحاجة الناس إلى الطعام في هذه السنوات الصعبة للجدب العام في البلاد. فأجابهم يعقوب بما قال تعالى عنه ﴿قال لن أرسله معكم حتى تؤتونِ موثقاً من الله﴾ أي حتى تعطوني عهداً مؤكداً باليمين على أن تأتوني به ﴿لتأتنني به إلا أن يحاط بكم﴾ ٥ بعدو ونحوه فتهلكوا جميعاً فأعطوه ما طلب منهم من عهد وميثاق، قال تعالى: ﴿فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل﴾ أي شهيد عليّ وعليكم، أي فأشهد الله تعالى على عهدهم. ولما أرادوا السفر إلى مصر حملته العاطفة الأبوية والرحمة الإيمانية على أن قال لهم ما أخبر تعالى عنه: ﴿وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة﴾ أي لا تدخلوا وأنتم أحد عشر رجلا من باب واحد فتسرع إليكم العين٦، وإنما ادخلوا من عدة أبواب فلا

стр. 1295

تُرون جماعة واحدة أبناء رجل واحد فلا تصيبكم عين الحاسدين ثم قال: ﴿وما أغني عنكم من الله من شيء﴾ ، وهو كذلك ﴿إن الحكم إلا لله﴾ فما شاءه كان. ﴿عليه توكلت﴾ أي فوضت أمري إليه ﴿وعليه فليتوكل المتوكلون﴾ أي فليفوض إليه المتوكلون أمورهم لأنه الكافي ولا كافي على الحقيقة إلا هو عز جاره وعظم سلطانه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان مدى توكل يعقوب ﵇ على الله وثقته في ربّه ، ومعرفته بأسمائه وصفاته، وكيف لا وهو أحد أنبياء الله ورسله ﵈. ٢- جواز أخذ العهد المؤكد في الأمور الهامة ولو على أقرب الناس كالأبناء مثلاً. ٣- لا بأس بتخوف المؤمن من إصابة العين وأخذ الحيطة للوقاية منها مع اعتقاد أن ذلك لا يغني من الله شيئاً وأن الحكم لله وحده في خلقه لا شريك له في ذلك. ٤- وجوب التوكل على الله تعالى وإمضاء العمل الذي تعيَّن وتفويض أمر ما يحدث لله تعالى. وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ

стр. 1296

أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) شرح الكلمات: إلا حاجة في نفس يعقوب: هي إرادة دفع العين عن أولاده شفقة عليهم. آوى إليه أخاه: أي ضمه إليه أثناء الأكل وأثناء المبيت. فلا تبتئس: أي لا تخزن. جعل السقاية: أي صاع الملك وهو من ذهب كان يشرب فيه ثم جعله مكيالاً يكيل به. أذن مؤذن: نادى مناد. أيتها العير: أي القافلة. صواع الملك.: أي صاع الملك. فالصاع والصواع بمعنى واحد. وأنا به زعيم: أي بالحمل كفيل. معنى الآيات: مازال السياق في الحديث عن إخوة يوسف فقد عهد إليهم إذا هم وصلوا إلى ديار مصر أن لا يدخلوا من باب واحد بل من أبواب متعددة خشية العين عليهم، وقد وصلوا وعملوا بوصية أبيهم فقد قال تعالى مخبراً عنهم ﴿ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم﴾ أي دخولهم من أبواب متفرقة ﴿من الله﴾ أي من قضائه ﴿من شيء إلا حاجة﴾ أي لكن حاجة ﴿في نفس يعقوب﴾ وهي خوف العين عليهم ﴿قضاها﴾ ١ أي لا غير. وقوله تعالى: ﴿وإنه لذو علم لما علمناه﴾ ثناء على يعقوب أي إنه لصاحب علم وعمل لتعليمنا إياه وقوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ هو كما أخبر أكثر

стр. 1297

الناس لا يعلمون عن الله تعالى صفات جلاله وكماله ومحابه ومساخطه وأبواب الوصول، إلى مرضاته والحصول على رضاه ومحبته، وما يتقي مما يحرم على العبد من ذلك. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٦٨) . أما الآية الثانية فقد أخبر تعالى أن إخوة يوسف لما دخلوا عليه في منزله آواى إليه أخاه أي شقيقه وهو بنيامين، وذلك لما جاء وقت النوم جعل كل اثنين في غرفة وهم أحد عشر رجلاً بقى بنيامين فقال هذا ينام معي، وأنه لما آواه إليه في فراشه أعلمه أنه أخوه يوسف، وأعلمه أن لا يحزن بسبب ما كان إخوته قد عملوه مع أبيهم ومع أخيهم يوسف وأعلمه أنه سيحتال على بقائه معه فلا يكترث بذلك ولا يخبر إخوته بشيء من هذا. هذا ما دلت عليه الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس١ بما كانوا يعملون﴾ . أما الآية الثالثة (٧٠) فقد تضمنت الإخبار عن تدبير٢ يوسف لبقاء أخيه معه دونهم وذلك أنه لما جهزهم بجهازهم أي كال لهم الطعام وزودهم بما يحتاجون إليه بعد إكرامه لهم جعل بطريق خفيّ لم يشعروا به سقاية الملك وهي الصاع أو الصواع وهي عبارة عن إناء من ذهب كان يشرب فيه ثم جعل آلة كيل خاصة بالملك عرفت بصواع الملك أو صاعه. جعلها في رحل أخيه بنيامين، ثم لما تحركت القافلة وسارت خطوات نادى منادٍ قائلاً أيتها العير٣ أي يا أهل القافلة إنكم لسارقون. هذا ما تضمنته الآية الكريمة إذ قال تعالى: ﴿فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير أنكم لسارقون﴾ . قال تعالى إخباراً عنهم: ﴿قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون﴾ فأجابوا بقولهم: ﴿نفقد صواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير﴾ أي مكافأة له ﴿وأنا به زعيم٤﴾ أي وأنا بإعطائه حمل البعير كفيل. هداية الآيات:

стр. 1298

من هداية الآيات: ١- بيان فضل العلم وأهله. ٢- تقرير حقيقة وهي أن أكثر الناس لا يعلمون. ٣- حسن تدبير يوسف للإبقاء على أخيه معه بعد ذهاب إخوته. ٤- مشروعية إعطاء المكافآت لمن يقوم بعمل معين وهي الجعالة في الفقه. ٥- مشروعية الكفالة والكفيل غارم. قَالُواْ تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) شرح الكلمات: تالله: أي والله. لنفسد في الأرض: أي بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب. وما كنا سارقين: أي لم نسرق الصوامع كما أنا لم نسرق من قبل متاع أحد. من وجد في رحله فهو جزاؤه: أي يأخذ بالسرقة رقيقاً. كذلك نجزي الظالمين: أي في شريعتنا.

стр. 1299

في وعاء أخيه: أي في وعاء أخيه الموجود في رحله. كذلك كدنا ليوسف: أي يسرنا له هذا الكيد الذي توصل به إلى أمر محمود. في دين الملك: أي في شرعه إذ كان يضرب السارق ويغرم بمثل ما سرق. نرفع درجات من نشاء: أي كما رفع يوسف ﵇. معنى الآيات:. ما زال السياق في الحديث عن يوسف وإخوته، إنه لما أعلن عن سرقة صواع الملك وأوقفت القافلة للتفتيش، وأعلن عن الجائزة لمن يأتي بالصواع وأنها مضمونة هنا قال إخوة يوسف ما أخبر تعالى به عنهم: ﴿قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض﴾ أي بالسرقة وغشيان الذنوب وإنما جئنا للميرة١ ﴿وما كنا سارقين٢﴾ أي في يوم من الأيام. وهنا قال رجال الملك رداً على مقالتهم بما أخبر تعالى به: ﴿قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين﴾ فأجاب الإخوة بما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه﴾ يريدون أن السارق يُسترق أي يملك بالسرقة وقوله ﴿كذلك نجزي الظالمين﴾ أي في شريعتنا. وهنا أخذ يوسف بنفسه يفتش أوعية إخوته بحثاً عن الصواع، وبدأ بأوعيتهم واحداً بعد واحد وآخر وعاء وعاء أخيه بنيامين دفعاً للتهمة والتواطؤ في القضية، حتى استخرجها من وعاء أخيه الذي كان في رحله، هذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها٣ من وعاء أخيه﴾ وقوله تعالى: ﴿كذلك كدنا ليوسف﴾ أي هكذا يسرنا٤ له هذا الكيد الذي توصل به إلى أمر محمود غير مذموم. وقوله تعالى: ﴿ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك﴾ أي لم يكن في شرع مصر أن يأخذ أخاه عبداً بالسرقة بل السارق يضرب ويغرم فقط، ﴿إلا أن يشاء الله﴾ أمراً فإنه يكون. وقوله

стр. 1300

تعالى: ﴿نرفع درجات من نشاء١﴾ أي في العلم كما رفعنا يوسف ﴿وفوق كل ذي علم﴾ ٢ من الناس ﴿عليم﴾ إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى فهو العليم الذي لا أعلم منه بل العلم كله له ومنه ولولاه لما علم أحد شيئاً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- جواز الحلف بالله تعالى للحاجة. ٢- مشروعية دفع التهمة عن النفس البريئة. ٣- معرفة حكم السرقة في شرعة يعقوب ﵇. ٤- بيان حسن تدبير الله تعالى لأوليائه. ٥- بيان حكم السرقة في القانون المصري على عهد يوسف ﵇. ٦- علوّ مقام يوسف ﵇ في العلم. ٧- تقرير قاعدة ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ إلى أن يبتهي العلم إلى الله تعالى. قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ (٧٩)
следующие страницы →