← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

فمن علينا بها فنحن ننبئكم بما أمرنا الله ربنا وربكم أن ننبئكم به كما نأمركم وندعوكم لا من تلقاء أنفسنا ولكن بما أمرنا أن نأمركم به وندعوكم إليه، ﴿وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله﴾ أي بإرادته وقدرته فهو ذو الإرادة التي لا تحد والقدرة التي لا يعجزها شيء ولذا توكلنا عليه وحده وعليه ﴿فليتوكل المؤمنون﴾ فإنه يكفيهم كل ما يهمهم، ثم قالت الرسل وهي تعظ أقوامها بما تقدم: ﴿وما لنا ألا نتوكل١ على الله وقد هدانا سبلنا﴾ أي طرقنا التي عرفناه بها وعرفنا عظمته وعزة سلطانه فأي شيء يجعلنا لا نتوكل عليه وهو القوي العزيز ﴿ولنصبرن على ما آذيتمونا﴾ بألسنتكم وأيديكم متوكلين على الله حتى ينتقم الله تعالى لنا منكم، ﴿وعلى الله فليتوكل المتوكلون﴾ إذ هو الكافل لكل من يثق فيه ويفوض أمره إليه متوكلا عليه وحده دون سواه، وقوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا﴾ هذا إخبار منه تعالى على ما قالت الأمم الكافرة لرسلها: قالوا موعدين مهددين بالنفي والإبعاد من البلاد لكل من يرغب عن دينهم ويعبد غير آلهتهم: ﴿لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا﴾ أي ديننا الذي نحن عليه وهنا أوحى الله تعالى إلى رسله بما أخبر تعالى به: ﴿فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم﴾ قال لنهلكن الظالمين ولم يقل لنهلكنهم إشارة إلى علة الهلاك وهي الظلم الذي هو الشرك والإفساد ليكون ذلك عظة للعالمين، وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي الإنجاء للمؤمنين والإهلاك للظالمين جزاءً٢ ﴿لمن خاف مقامي٣﴾ أي الوقوف بين يدي يوم القيامة ﴿وخاف وعيد﴾ على ألسنة رسلي بالعذاب لمن كفر بي وأشرك في عبادتي ومات على غير توبة إلىَّ من كفره وشركه وظلمه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بطلان الشك في وجود الله وعلمه وقدرته وحكمته ووجوب عبادته وحده وذلك لكثرة

стр. 1367

الأدلة وقوة الحجج، وسطوع البراهين. ٢- بيان ما كان أهل الكفر يقابلون به رسل الله والدعاة إليه وما كانت الرسل ترد به عليهم. ٣- وجوب التوكل على الله تعالى، وعدم صحة التوكل على غيره إذ لا كافي إلا الله. ٤- وجوب الصبر على الأذى في سبيل الله وانتظار الفرج بأخذ الظالمين. ٥- عاقبة الظلم وهي الخسران والدمار لا تتبدل ولا تتخلف وإن طال الزمن. وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) شرح الكلمات: واستفتحوا: أي طلب الرسل الفتح لهم أي النصر على أقوامهم الظالمين. وخاب: أي خسر وهلك.

стр. 1368

كل جبار عنيد: أي ظالم يجبر الناس على مراده عنيد كثير العناد. من ماء صديد: أي هو ما يخرج سائلاً من أجواف أهل النار مختلطاً من قيح ودم وعرق. يتجرعه ولا يكاد يسيغه: أي يبتلعه مرة بعد مرة لمرارته ولا يقارب ازدراده لقبحه ومراراته. ويأتيه الموت من كل مكان: أي لشدة ما يحيط به من العذاب فكل أسباب الموت حاصلة ولكن لا يموت. أعمالهم كرماد: أي الصالحة منها كصلة الرحم وبر الوالدين وإقراء الضيف وفك الأسير والفاسدة كعبادة الأصنام بالذبح لها والنذر والحلف والعكوف حولها كرماد. لا يقدرون مما كسبوا على شيء: أي لا يحصلون من أعمالهم التي كسبوها على ثواب وإن قل لأنها باطلة بالشرك. وما ذلك على الله بعزيز: أي بصعب ممتنع عليه. معنى الآيات: هذا آخر حديث ما ذكر به موسى قومه من أنباء الأمم السابقة على بنى إسرائيل، قال تعالى في الإخبار عنهم: ﴿واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد﴾ أي واستفتح الرسل أي طلبوا من الله تعالى أن يفتح عليهم١ بنصر على أعدائه وأعدائهم واستجاب الله لهم، ﴿وخاب كل جبار عنيد١﴾ أي خسر وهلك كل ظالم طاغ معاند للحق وأهله، وقوله٢: ﴿من ورائه جهنم٣﴾ أي أمامه جهنم تنتظره سيدخلها بعد هلاكه ويعطش ويطلب الماء

стр. 1369

فتسقيه الزبانية ﴿من ماء صديد١﴾ أي وهو صديد أهل النار وهو ما يخرج من قيح ودم وعرق، ﴿يتجرعه﴾ أي يبتلعه جرعة بعد أخرى لمرارته٢ ﴿ولا يكاد يسيغه﴾ أي يدخله جوفه الملتهب عطشاً لقبحه ونتنه ومرارته وحرارته، وقوله تعالى: ﴿ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت﴾ أي ويأتي هذا الجبار العنيد والذي هو في جهنم يقتله الظمأ فيسقى بالماء الصديد يأتيه الموت لوجود أسبابه وتوفرها من كل مكان إذ العذاب محيط به من فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وما هو بميت لأن الله تعالى لم يشأ ذلك قال تعالى: ﴿لا يموت فيها ولا يحيا﴾ وقال: ﴿لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها﴾ ومن وراء ذلك العذاب الذي هو فيه ﴿عذاب﴾ أي لون آخر من العذاب ﴿غليظ﴾ أي شديد لا يطاق، وقوله تعالى: ﴿مثل٣ الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد٤ اشتدت به الريح في يوم عاصف﴾ أي من شديد هبوب الريح فيه ﴿لا يقدرون مما كسبوا﴾ أي من أعمال في الدنيا ﴿على شيء﴾ أي من الثواب والجزاء الحسن عليها، هذا مثل أعمالهم الصالحة كأنواع الخير والبر والطالحة كالشرك والكفر وعبادة غير الله مما كانوا يرجون نفعه، الكل يذهب ذهاب رماد حملته الريح وذهبت به، مشتدة في يوم عاصف شديد هبوب الريح فيه. وقوله تعالى: ﴿ذلك هو الضلال البعيد﴾ أي ذلك الذي دل عليه المثل هو الضلال البعيد لمن وقع فيه إذ ذهب كل عمله سدى بغير طائل فلم ينتفع بشيء منه وأصبح من الخاسرين. وقوله تعالى: ﴿ألم٥ تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق﴾ أي ألم تعلم أيها الرسول أن الله خلق السموات والأرض بالحق أي من أجل الإنسان ليذكر الله تعالى ويشكره فإذا تنكر لربه فكفر به وأشرك غيره في عبادته عذبه بالعذاب الأليم الذي تقدم

стр. 1370

وصفه في هذا السياق لأن الله تعالى لم يخلق السموات والأرض عبثاً وباطلاً بل خلقهما وخلق ما فيهما من أجل أن يذكر فيهما ويشكر فمن ترك الذكر والشكر عذبه أشد العذاب وأدومه وأبقاه، وقوله تعالى: ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ أيها الناس المتمردون على طاعته المشركون به ﴿ويأت بخلق جديد١﴾ غيركم يعبدونه ويوحدونه ﴿وما ذلك على الله بعزيز﴾ أي بممتنع ولا متعذر لأن الله على كل شيء قدير. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- إنجاز وعد الله لرسله في قوله: ﴿فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين﴾ الآية. ٢- خيبة وخسران عامة أهل الشرك والكفر والظلم. ٣- عظم عذاب يوم القيامة وشدته. ٤- بطلان أعمال المشركين والكافرين وخيبتهم فيها إذ لا ينتفعون بشيء منها. ٥- عذاب أهل الكفر والشرك والظلم لازم لأنهم لم يذكروا ولم يشكروا والذكر والشكر علة الوجود كله فلما عبثوا بالحياة استحقوا عذاباً أبدياً. وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ (٢١) وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ

стр. 1371

بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ (٢٣) شرح الكلمات: وبرزوا لله جميعاً ١: أي برزت الخلائق كلها لله وذلك يوم القيامة. إنا كنا لكم تبعاً: أي تابعين لكم فيما تعقتدون وتعملون. فهل أنتم مغنون عنا: أي دافعون عنا بعض العذاب. ما لنا من محيص.: أي من ملجأ ومهرب أو منجا. لما قضي الأمر: بإدخال أهل الجنة، الجنة وأهل النار النار. ما أنا بمصرخكم: أي بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب والكرب. تجري من تحتها الأنهار: أي من تحت قصورها وأشجارها الأنهار الأربعة: الماء واللبن والخمر والعسل. معنى الآيات: في هذه الآيات عرض سريع للموقف وما بعده من استقرار أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة يقرر مبدأ الوحي والتوحيد والبعث الآخر بأدلة لا ترد، قال تعالى: ﴿وبرزوا لله جميعاً﴾ أي خرجت البشرية من قبورها مؤمنوها وكافروها صالحوها وفاسدوها ﴿فقال الضعفاء﴾ أي الأتباع ﴿للذين استكبروا﴾ أي الرؤساء والموجهون للناس بما لديهم من قوة وسلطان ﴿إنا كنا لكم تبعا٢﴾ أي أتباعاً في عقائدكم وما تدينون به، ﴿فهل

стр. 1372

أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء﴾ ؟ أي فهل يمكنكم أن ترفعوا عنا بعض العذاب بحكم تبعيتنا لكم فأجابوهم بما أخبر تعالى به عنهم؟ ﴿قالوا لو هدانا الله لهديناكم﴾ ١ اعترفوا الآن أن الهداية بيد الله وأقروا بذلك، ولكنا ضللنا فأضللناكم ﴿سواء علينا أجزعنا﴾ اليوم ﴿أم صبرنا مالنا من محيص﴾ ٢ أي من مخرج من هذا العذاب ولا مهرب، وهنا يقوم إبليس خطيبا فيهم٣ بما أخبر تعالى عنه بقوله: ﴿وقال الشيطان﴾ أي إبليس عدو بنى آدم ﴿لما قضي الأمر﴾ بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأدخل أهل النار النار ﴿إن الله وعدكم عد الحق٤﴾ بأن مم آمن وعمل صالحاً مبتعدا عن الشرك والمعاصي أدخله جنته وأكرمه في جواره، وأن من كفر وأشرك وعصى أدخله النار وعذبه عذاب الهون في دار البوار ﴿ووعدتكم﴾ بأن وعد الله ووعيده ليس بحق ولا واقع ﴿فأخلفتكم﴾ فيما وعدتكم به، وكنت في ذلك كاذباً عليكم مغرراً بكم، ﴿وما كان لي عليكم من سلطان﴾ أي من قوة مادية أكرهتكم بها على اتباعي ولا معنوية ذات تأثير خارق للعادة أجبرتكم بها على قبول دعوتي ﴿إلا أن دعوتكم﴾ أي لكن دعوتكم ﴿فاستجبتم لي﴾ إذاً ﴿فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم﴾ أي بمزيل صراخكم بما أغيثكم به من نصر وخلاص من هذا العذاب ﴿وما أنتم﴾ أيضاً ﴿بمصرخي٥﴾ ، أي بمغيثيَّ ﴿إني كفرت بما أشركتمون من٦ قبل﴾ إذ كل عابد لغير الله في الواقع هو عابد للشيطان إذ هو الذي زين له ذلك ودعاه إليه، و ﴿إن الظالمين لهم عذاب أليم﴾ أي المشركين لهم عذاب أليم موجع، وقوله تعالى: ﴿وأدخل٧ الذين آمنوا﴾ أي وأدخل الله الذين آمنوا أي صدَّقوا بالله وبرسوله وبما جاء به رسوله ﴿وعملوا الصالحات﴾ وهي العبادات التي تَعَبَّدَ الله بها عباده فشرعها

стр. 1373

في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ﴿جنات﴾ ١ بساتين ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي من خلال قصورها وأشجارها أنهار الماء واللبن والخمر والعسل ﴿خالدين فيها﴾ لا يخرجون منها ولا يبغون عنها حولاً، وقوله تعالى: ﴿بإذن ربهم﴾ ٢ أي أن ربهم هو الذي أذن لهم بدخولها والبقاء فيها أبداً، وقوله: ﴿تحيتهم فيها سلام﴾ أي السلام عليكم يحييهم ربهم وتحييهم الملائكة ويحيى بعضهم بعضا بالسلام وهي كلمة دعاء بالسلامة من كل العاهات والمنغصات وتحية بطلب الحياة الأبدية. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أن التقليد والتبعية لا تكون عذراً لصاحبها عند الله تعالى. ٢- بيان أن الشيطان هو المعبود من دون الله تعالى إذ هو الذي دعا إلى عبادة غير الله وزينها للناس. ٣- تقرير لعلم الله بما لم يكن كيف يكون إذ ما جاء في الآيات من حوار لم يكن بعد ولكنه في علم الله كائن كما هو وسوف يكون كما جاء في الآيات لا يتخلف منه حرف واحد. ٤- وعيد الظالمين بأليم العذاب. ٥- العمل لا يدخل الجنة إلا بوصفه سبباً لا غير، وإلا فدخول الجنة يكون بإذن الله تعالى ورضاه. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (٢٤)

стр. 1374

تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاء (٢٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) شرح الكلمات: كلمة طيبة: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ . كشجرة طيبة: هي النخلة. كلمة خبيثة: هي كلمة الكفر. كشجرة خبيثة: هي الحنظل. اجتثت: أي اقتلعت جثتها أي جسمها وذاتها. بالقول الثابت: هو لا إله إلا الله. وفي الآخرة: أي في القبر فيجيب الملكين عما يسألانه عنه حيث يسألانه عن ربه ودينه ونبيه. بدلوا نعمة الله كفراً: أي بدلوا التوحيد والإسلام بالجحود والشرك. دار البوار: أي جهنم. وجعلوا لله أندادا: أي شركاء.

стр. 1375

معنى الآيات: الآيات في تقرير التوحيد والبعث والجزاء، قوله تعالى: ﴿ألم تر﴾ أيها الرسول أي ألم تعلم ﴿كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة﴾ ١ هي كلمة الإيمان يقولها المؤمن ﴿كشجرة طيبة﴾ وهي النخلة٢ ﴿أصلها ثابت﴾ في الأرض ﴿وفرعها﴾ عال ﴿في السماء﴾ ، ﴿تؤتي أكلها﴾ تعطي أكلها أي ثمرها الذي يؤكل منها كل حين بلحا وبسراً ومنصَّفاً ورطباً وتمراً وفي الصباح والمساء ﴿بإذن ربها﴾ أي بقدرته وتسخيره فكلمة الإيمان لا إله إلا الله محمد رسول الله تثمر للعبد أعمالاً صالحة كل حين فهي في قلبه والأعمال الصالحة الناتجة عنها ترفع إلى الله ، وقوله تعالى: ﴿ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون﴾ أي كما ضرب هذا المثال للمؤمن والكافر في هذا السياق يضرب الأمثال للناس مؤمنهم وكافرهم لعلهم يتذكرون أي رجاء أن يتذكروا فيتعظوا فيؤمنوا ويعملوا الصالحات فينجوا من عذاب الله، وقوله: ﴿ومثل كلمة خبيثة﴾ هي كلمة الكفر في قلب الكافر ﴿كشجرة خبيثة﴾ هي الحنظل مُرَّة ولا خير فيها ولا أصل لها ثابت ولا فرع لها في السماء ﴿اجتثت﴾ أي اقتلعت واستؤصلت ﴿من فوق الأرض مالها من قرار﴾ أي لا ثبات لها ولا تثمر إلا ما فيها من مرارة وسوء طعم وعدم بركة وقوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ هذا وعد من الله تعالى لعباده المؤمنين الصادقين بأنه يثبتهم على الإيمان مهما كانت الفتن والمحن حتى يموتوا على الإيمان ﴿وفي الآخرة﴾ أي في القبر إذ هو عتبة الدار الآخرة عندما يسألهم٣ الملكان عن الله وعن الدين والنبي من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبتهم بالقول الثابت وهو الإيمان وأصله لا إله إلا الله محمد رسول الله والعمل الصالح الذي هو الإسلام وقوله تعالى: ﴿ويضل الله الظالمين﴾ مقابل هداية المؤمنين فلا يوفقهم للقول الثابت حتى يموتوا على الكفر فيهلكوا ويخسروا، وذلك

стр. 1376

لإصرارهم على الشرك ودعوتهم إليه وظلم المؤمنين وأذيتهم من أجل إيمانهم، وقوله تعالى: ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ تقرير لإرادته الحرة فهو يثبت من يشاء ويضل من يشاء فلا اعتراض عليه ولا نكير مع العلم أنه يهدي ويضل بحكم عالية تجعل هدايته كإضلاله رحمة وعدلاً. وقوله تعالى: ﴿ألم تر﴾ أي ألم ينته إلى علمك أيها الرسول ﴿إلى الذين بدلوا نعمة الله﴾ إلتي هي الإسلام الذي جاءهم به رسول الله بما فيه من الهدى والخير فكذبوا رسول الله وكذبوا بما جاء به ورضوا بالكفر وأنزلوا بذلك قومهم الذين يحثونهم على الكفر ويشجعونهم على التكذيب أنزلوهم١ ﴿دار البوار٢﴾ فهلك من هلك في بدر كافراً إلى جهنم، ودار البوار هي جهنم يصلونها أي يحترقون بحرها ولهيبها ﴿وبئس القرار﴾ أي المقر الذي أحلوا قومهم فيه، وقوله تعالى: ﴿وجعلوا لله أنداداً ليضلوا عن سبيله﴾ أي جعل أولئك الذين بدلوا نعمة الله كفراً وهم كفار مكة لله أنداداً أي شركاء عبدوها وهي اللات والعُزَّى وهُبل ومَناة وغيرها من آلهتهم الباطلة، جعلوا هذه الأنداد ودعوا إلى عبادتها ليضلوا ويضلوا غيرهم عن سبيل الله التي هي الإسلام الموصل إلى رضا الله تعالى وجواره الكريم، وقوله تعالى: ﴿قل تمتعوا﴾ ٣ أي بما أنتم فيه من متاع الحياة الدنيا ﴿فإن مصيركم﴾ أي نهاية أمركم ﴿إلى النار﴾ حيث تصيرون إليها بعد موتكم إن أصررتم على الشرك والكفر حتى متم على ذلك. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان. ٢- المقارنة بين الإيمان والكفر، وكلمة التوحيد وكلمة الكفر وما يثمره كل واحد من هذه الأصناف من خير وشر.

стр. 1377

٣- بشرى المؤمن بتثبيت الله تعالى له على إيمانه حتى يموت مؤمناً وبالنجاة من عذاب القبر حيث يجيب منكراً ونكيراً على سؤالهما إياه بتثبيت الله تعالى له. ٤- الأمر في قوله تعالى تمتعوا ليس للإباحة ولا للوجوب وإنما هو للتهديد والوعيد. قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ (٣١) اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) شرح الكلمات: لا بيع فيه ولا خلال: هذا يوم القيامة لا بيع فيه ولا فداء ولا مخالة تنفع ولا صداقة. الفلك: أي السفن فلفظ الفلك دال على متعدد ويذكَّر ويؤنث. دائبين: جاريين في فلكهما لا يفتران أبداً حتى نهاية الحياة الدنيا. لظلوم كفار: كثير الظلم لنفسه ولغيره، كفار عظيم الكفر هذا ما لم يؤمن ويهتد فإن آمن واهتدى سلب هذا الوصف منه. معنى الآيات: لما أمر تعالى رسوله أن يقول لأولئك الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴿قل تمتعوا فإن

стр. 1378

مصيركم إلى النار﴾ أمر رسوله أيضاً أن يقول للمؤمنين أن يقيموا الصلاة وينفقوا من أموالهم سراً وعلانية ليتقوا بذلك عذاب يوم القيامة الذي توعد به الكافرين فقال: ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة١﴾ أي يؤدوها على الوجه الذي شرعت عليه فيتموا ركوعها وسجودها ويؤدوها في أوقاتها المعينة لها وفي جماعة وعلى طهارة كاملة مستقبلين بها القبلة حتى تثمر لهم زكاة أنفسهم وطهارة أرواحهم، ﴿وينفقوا٢﴾ ويوالوا الإنفاق في كل الأحيان ﴿سراً وعلانية﴾ ، ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ وهو يوم القيامة ﴿لا بيع فيه ولا خلال٣﴾ لا شراء فيحصل المرء على ما يفدي به نفسه من طريق البيع، ولا خلة أي صداقة تنفعه ولا شفاعة إلا بإذن الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿الله٤ الذي خلق السماوات والأرض﴾ أي انشأهما وابتدأ خلقهما ﴿وأنزل من السماء ماء﴾ هو ماء الأمطار ﴿فأخرج به من الثمرات﴾ والحبوب ﴿رزقاً لكم﴾ ٥ تعيشون به وتتم حياتكم عليه ﴿وسخر لكم الفلك﴾ ٦ أي السفن ﴿لتجري في البحر بأمره﴾ أي بإذنه وتسخيره تحملون عليها البضائع والسلع من إقليم إلى إقليم وتركبونها كذلك ﴿وسخر لكم الأنهار﴾ الجارية بالمياه العذبة لتشربوا وتسقوا مزارعكم وحقولكم ﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين٧﴾ لا يفتران أبداً في جريهما وتنقلهما في بروجهما لمنافعكم التي لا تتم إلا على ضوء الشمس وحرارتها ونور القمر وتنقله في منازله ﴿وسخر لكم الليل والنهار﴾ الليل لتسكنوا فيه وتستريحوا والنهار لتعملوا فيه وتكسبوا أرزاقكم ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ ٨ مما أنتم في حاجة إليه لقوام حياتكم، هذا هو الله المستحق لعبادتكم

стр. 1379

رغبة فيه ورهبة منه، هذا هو المعبود الحق الذي يجب أن يعبد وحده لا شريك له وليس تلك الأصنام والأوثان التي تعبدونها وتدعون إلى عبادتها حتى حملكم ذلك على الكفر والعناد بل والظلم والشر والفساد. وقوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ أي بعد أن عدد الكثير من نعمه أخبر أنه لا يمكن للإنسان أن يعد نعم الله عليه ولا أن يحصيها عداً بحال من الأحوال، وقرر حقيقة في آخر هذه الموعظة والذكرى وهي أن الإنسان إذا حرم الإيمان والهداية الربانية ﴿ظلوم﴾ أي كثير الظلم كفور كثير الكفر عظيمه، والعياذ بالله تعالى من ذلك. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإكثار من الصدقات لاتقاء عذاب النار. ٢- جواز صدقة العلن كصدقة السر وإن كانت الأخيرة أفضل. ٣- التعريف بالله إذ معرفة الله تعالى هي التي تثمر الخشية منه تعالى. ٤- وجوب عبادة الله تعالى وبطلان عبادة غيره. ٥- وصف الإنسان بالظلم والكفر وشدتهما ما لم يؤمن ويستقيم على منهج الإسلام. وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣٦) رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ

стр. 1380

تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء (٣٨) الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١) شرح الكلمات: هذا البلد آمنا: أي اجعل مكة بلداً آمناً يأمن كل من دخله. واجنبني: بعِّدْني. أن نعبد الأصنام: عن أن نعبد الأصنام. أضللن كثيراً من الناس: أي بعبادتهم لها. من تبعني فإنه مني: أي من اتبعني على التوحيد فهو من أهل ملتي وديني. من ذريتي: أي من بعض ذريتي وهو إسماعيل ﵇ وأمه هاجر. بواد غير ذي زرع.: أي مكة إذ لا مزارع فيها ولا حولها يومئذ. تهوي إليهم: تَحِنُّ إليهم وتميل رغبة في الحج والعمرة. على الكبر إسماعيل واسحق: أي مع الكبر إذ كانت سنه يومئذ تسعاً وتسعين سنه وولد له إسحق وسنه مائة واثنتا عشرة سنة. ولوالدي: هذا قبل أن يعرف موت والده على الشرك. يوم يقوم الحساب: أي يوم يقوم الناس للحساب. معنى الآيات: مازال السياق في تقرير التوحيد والنبوة والبعث والجزاء وقد تضمنت هذه الآيات ذلك،

стр. 1381

فقوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم﴾ أي اذكر إذ قال إبراهيم فكيف يذكر ما لم يوح الله تعالى إليه بذلك ففسر هذا نبوة رسول الله ونزول الوحي إليه، وقوله: ﴿رب اجعل هذا البلد آمنا﴾ إي ذا أمن فيأمن من دخله على نفسه وماله والمراد من البلد مكة. وقوله: ﴿واجنبني١ وبني أن نعبد الأصنام﴾ فيه تقرير للتوحيد الذي هو عبادة الله وحده ومعنى أجنبني أبعدني أنا وأولادي وأحفادي وقد استجاب الله تعالى له فلم يكن في أولاده وأولاد أولاده مشرك، وقوله: ﴿رب إنهن أضللن كثيراً من الناس﴾ ٢ تعليل لسؤاله ربه أن يجنبه وبنيه عبادتها، وإضلال الناس كان بعبادتهم لها فضلوا في أودية الشرك، وقوله: ﴿فمن تبعني﴾ أي من أولادي ﴿فإنه مني﴾ أي على ملتي وديني، ﴿ومن عصاني﴾ فلم يتبعني على ملة الإسلام إن تعذبه فذاك وإن تغفر له ولم تعذبه ﴿فإنك غفور٣ رحيم﴾ ، وقوله: ﴿ربنا إني اسكنت من ذريتي﴾ ٤ أي من بعض ذريتي وهو إسماعيل مع أمه هاجر ﴿بواد غير ذي زرع﴾ هو مكة إذ ليس فيها ولا حولها زراعة يومئذ وإلى آماد بعيدة وأزمنة عديدة ﴿عند بيتك المحرم﴾ قال هذا بإعلام من الله تعالى له أنه سيكون له بيت في هذا الوادي ومعنى المحرم أي الحرام وقد حرمه تعالى فمكة حرام إلى يوم القيامة لا يُصاد صيدها ولا يُختلي خلاها ولا تُسفك فيها دماء ولا يحل فيها قتال، وقوله: ﴿ربنا ليقيموا الصلاة٥ فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم﴾ هذا دعاء بأن ييسر الله تعالى عيش سكان مكة ليعبدوا الله تعالى فيها بإقام الصلاة، فإن قلوب بعض الناس عندما تهفوا إلى مكة وتميل إلى الحج والعمرة تكون سبباً في نقل الأرزاق والخيرات إلى مكة، وقوله: ﴿وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾ دعاء آخر بأن يرزق الله بنيه من الثمرات ليشكروا الله تعالى على ذلك فوجود الأرزاق والثمرات موجبة للشكر، إذ النعم تقتضي

стр. 1382

شكراً، وقوله: ﴿ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء﴾ أراد به أن ما سأل ربه فيه من كل ما سأل إنما هو من باب إظهار العبودية لله والتخشع لعظمته والتذلل لعزته والافتقار إلى ما عنده، وإلا فالله أعلم بحاله وما يصلحه هو وبنيه، وما هم في حاجة إليه لأنه تعالى يعلم كل شيء ولا يخفي١ عنه شيء في الأرض ولا في السماء.. وقوله: ﴿الحمد الله الذي وهب لي على الكبر٢ إسماعيل واسحق إن ربي لسميع الدعاء﴾ أراد به حمد الله وشكره على ما أنعم به عليه حيث رزقه إسماعيل واسحق على كبر سنه، والإعلام بأن الله تعالى سميع دعاء من يدعوه وينيب إليه، وقوله: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي﴾ أيضاً من يقيم الصلاة، لأن الصلاة هي علة الحياة كلها إذ هي الذكر والشكر فمتى أقام العبد الصلاة فأداها بشروطها وأركانها كان من الذاكرين الشاكرين، ومتى تركها العبد كان من الناسين الغافلين وكان من الكافرين، وأخيراً ألحَّ على ربه في قبول دعائه وسأل المغفرة له ولوالديه٣ وللمؤمنين يوم يقوم٤ الناس للحساب وذلك يوم القيامة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- فضل مكة وشرفها وأنها حرم آمن أي ذو أمن. ٢- الخوف من الشرك لخطره وسؤال الله تعالى الحفظ من ذلك. ٣- علاقة الإيمان والتوحيد أولى من علاقة الرحم والنسب. ٤- أهمية إقام الصلاة وأن من لم يرد أن يصلي لا حق له في الغذاء ولذا يعدم إن أصر على ترك الصلاة.

стр. 1383

٥- بيان استجابة دعاء إبراهيم ﵇ فيما سال ربه تعالى فيه. ٦- وجوب حمد الله وشكره على ما ينعم به على عبده. ٧- مشروعية الاستغفار للنفس وللمؤمنين والمؤمنات. ٨- تقرير عقيدة البعث والحساب والجزاء. وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء (٤٣) وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) شرح الكلمات: عما يعمل الظالمون: أي المشركون من أهل مكة وغيرهم. ليوم تشخص فيه الأبصار: أي تنفتح فلا تغمض لشدة ما ترى من الأهوال. مهطعين مقنعي رؤوسهم: أي مسرعين إلى الداعي الذي دعاهم إلى الحشر، رافعي رؤوسهم.

стр. 1384

وأفئدتهم هواء: أي فارغة من العقل لشدة الخوف والفزع. نجب دعوتك.: أي على لسان رسولك فنعبدك ونوحدك ونتبع الرسل. ما لكم من زوال: أي عن الدنيا إلى الآخرة. وقد مكروا مكرهم: أي مكرت قريش بالنبي ﷺ حيث أرادوا قتله أو حبسه أو نفيه. وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال: أي لم يكن مكرهم بالذي تزول منه الجبال فإنه تافه لا قيمة له فلا تعبأ به ولا تلتفت إليه. معنى الآيات: في هذا السياق الكريم تقوية رسول الله ﷺ وحمله على الصبر ليواصل دعوته إلى ربه إلى أن ينصرها الله تعالى وتبلغ المدى المحدد لها والأيام كانت صعبة على رسول الله وأصحابه لتكالب المشركين على أذاهم، وازدياد ظلمهم لهم فقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون﴾ من قومك إنه إن لم ينزل بهم نقمته ولم يحل عذابه إنما يريد أن يؤخرهم ﴿ليوم تشخص١ فيه الأبصار﴾ أي تنفتح فلا تغمض ولا تطرف لشدة الأهوال وصعوبة الأحوال، ﴿مهطعين٢﴾ أي مسرعين ﴿مقنعي رؤوسهم٣﴾ أي حال كونهم مهطعين مقنعي رؤوسهم أي رافعين رؤوسهم مسرعين للداعي الذي دعاهم إلى المحشر، قال تعالى: ﴿واستمع يوم يناد المنادي من مكان قريب﴾ ﴿لا يريد إليهم طرفهم٤﴾ أي لا تغمض أعينهم من الخوف ﴿وأفئدتهم﴾ أي قلوبهم ﴿هواء﴾ أي٥

стр. 1385

فارغة من الوعي والإدراك لما أصابها من الفزع والخوف ثم أمر تعالى رسوله في الآية (٤٤) بإنذار الناس مخوفاً لهم من عاقبة أمرهم إذا استمروا على الشرك بالله والكفر برسوله وشرعه، ﴿يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا﴾ أي أشركوا بربهم، وآذوا عباده المؤمنين ﴿ربنا أخرنا إلى أجل قريب﴾ أي يطلبون الإنظار والإمهال ﴿نجب دعوتك﴾ أي نوحدك ونطيعك ونطيع رسولك، فيقال لهم: توييخاً وتقريعاً وتكذيباً لهم: ﴿أو لم تكونوا أقسمتم﴾ أي حلفتم ﴿من قبل ما لكم من زوال﴾ أي أطلبتم الآن التأخير ولم تطلبوه عندما قلتم ما لنا من زوال ولا ارتحال من الدنيا إلى الآخرة، ﴿وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾ بالشرك والمعاصي ﴿وتبين لكم﴾ أي عرفتم ﴿كيف فعلنا بهم﴾ أي بإهلاكنا لهم وضربنا لكم الأمثال في كتبنا وعلى ألسنة رسلنا فيوبخون هذا التوبيخ ولا يجابون لطلبهم ويقذفون في الجحيم، وقوله تعالى: ﴿وقد مكروا مكرهم﴾ أي وقد مكر كفار قريش برسول الله في حيث قرروا حبسه مغللاً في السجن حتى الموت أو قتله، أو نفيه وعزموا على القتل ولم يستطيعوه ﴿وعند الله مكرهم﴾ أي علمه وما أرادوا به، وجزاؤهم عليه، وقوله: ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال١﴾ أي ولم يكن مكرهم لتزول منه الجبال فإنه تافه لا وزن له ولا اعتبار فلا تحفل به أيها الرسول ولا تلتفت، فإنه لا يحدث منه شيء، وفعلاً قد خابوا فيه أشد الخيبة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تأخير العذاب عن الظلمة في كل زمان ومكان لم يكن غفلة عنهم، وإنما هو تأخيرهم إلى يوم القيامة أو إلى أن يحين الوقت المحدد لأخذهم. ٢- بيان أهوال يوم القيامة وصعوبة الموقف فيه حتى يتمنى الظالمون الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا ويوحدوا ربهم في عبادته. ٣- التنديد بالظلم وبيان عقاب الظالمين بذكر أحوالهم.

стр. 1386

٤ – تقرير جريمة قريش في ائتمارها على قتل رسول الله ﷺ . فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِي اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١) هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (٥٢) شرح الكلمات: إن الله عزيز: أي غالب لا يحال بينه وبين مراده بحال هن الأحوال. ذو انتقام: أي صاحب انتقام ممن عصاه وعصى رسوله. يوم تبدل الأرض: أي اذكر يا رسولنا للظالمين يوم تبدل الأرض. وبرزوا لله: أي خرجوا من القبور لله ليحاسبهم ويجزيهم. مقرنين: أي مشدودة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم. في الأصفاد: الأصفاد جمع صفد وهو الوثاق من حبل وغيره. سرابيلهم: أي قمصهم التي يلبسونها من قطران. هذا بلاغ: أي هذا القرآن بلاغ للناس. أولوا الألباب: أصحاب العقول. معنى الآيات: ما زال السياق في تسلية الرسول ﷺ والمؤمنين وهم يعانون من صلف المشركين

стр. 1387

وظلمهم وطغيانهم فيقول تعالى لرسوله ﷺ : ﴿فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله١﴾ إنه كما لم يخلف رسله الأولين لا يخلفك أنت، إنه لابد منجز لك ما وعدك من النصر على أعدائك فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم. ﴿إن الله عزيز٢﴾ أي غالب لا يغلب غالب على أمره ما يريده لا بد واقع ﴿ذو انتقام﴾ شديد ممن عصاه وتمرد على طاعته وحارب أولياءه، واذكر ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات٣﴾ كذلك ﴿وبرزوا﴾ أي ظهروا بعد خروجهم من قبورهم في طريقهم إلى المحشر إجابة منهم لدعوة الداعي وقد برزوا ﴿لله الواحد القهار﴾ ، ﴿وترى المجرمين يومئذ﴾ يا رسولنا تراهم ﴿مقرنين في الأصفاد﴾ ٤ مشدودة أيديهم وأرجلهم إلى أعناقهم، هؤلاء هم المجرمون اليوم بالشرك والظلم والشر والفساد أجرموا على أنفسهم أولاً ثم على غيرهم ثانياً سواء ممن ظلموهم وآذوهم أو ممن دعوهم إلى الشرك وحملوهم عليه، الجميع قد أجرموا في حقهم، ﴿سرابيلهم٥﴾ قمصانهم التي على أجسامهم ﴿من قطران﴾ وهو ما تدهن به الإبل: مادة سوداء محرقة للجسم أو من نحاس إذْ قرئ من قِطرآن أي من نحاس أُحمي عليه حتى بلغ المنتهى في الحرارة ﴿وتغشى وجوههم النار﴾ أي وتغطي وجوههم النار بلهبها، هؤلاء هم المجرمون في الدنيا بالشرك والمعاصي، وهذا هو جزاؤهم يوم القيامة، فعل تعالى هذا بهم ﴿ليجزي الله كل نفس بما كسبت إن الله سريع الحساب﴾ فما بين أن وجدوا في الدنيا وبين أن انتهوا إلى نار جهنم واستقروا في أتون جحيمها إلا كمن دخل

стр. 1388

مع باب وخرج مع آخر، وأخيراً يقول تعالى: ﴿هذا بلاغ للناس١ وليذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب﴾ أي هذا القرآن بلاغ للناس من رب الناس قد بلغه إليهم رسول رب الناس ﴿ولينذروا به﴾ أي بما فيه من العظات والعبر والعرض لألوان العذاب وصنوف الشقاء لأهل الإجرام والشر والفساد، ﴿وليعلموا﴾ أي بما فيه من الحجج والدلائل والبراهين ﴿أنما هو إله واحد﴾ أي معبود واحد لا ثاني له وهو الله ﷻ ، فلا يعبدوا معه غيره إذ هو وحده الرب والإله الحق، وما عداه فباطل، ﴿وليذكر أولوا الألباب﴾ أي وليتعظ بهذا القرآن أصحاب العقول المدركة الواعية فيعملوا على إنجاء أنفسهم من غضب الله وعذابه، وليفوزوا برحمته ورضوانه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان صدق وعد الله من وعدهم من رسله وأوليائه. ٢- بيان أحوال المجرمين في العرض وفي جهنم. ٣- بيان العلة في المعاد الآخر وهو الجزاء على الكسب في الدنيا. ٤- قوله تعالى في آخر آية من هذه السورة: ﴿هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب﴾ هذه الآية صالحة لأن تكون عنواناً٢ للقرآن الكريم إذ دلت على مضمونه كاملاً مع وجازة اللفظ وجمال العبارة، والحمد لله أولاً وآخراً.

стр. 1389

الجزء الرابع عشر سورة الحجر مكية وآياتها تسع وتسعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ (١) رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ (٤) مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) شرح الكلمات: آلر: الله أعلم بمراده بذلك، تُكتب آلر. ويقرأ: ألِفْ، لاَمْ، را. تلك آيات الكتاب: الآيات المؤلفة مثل هذه الحروف المقطعة تلك آيات الكتاب أي القرآن. يود: يحب ويرغب متمنياً أن لو كان من المسلمين. ويتمتعوا: أي بالملذات الشهوات. ويلههم الأمل: أي بطول العمر وبلوغ الأوطار وإدراك الرغائب الدنيوية. إلا ولها كتاب معلوم: أي أجل محدود لإهلاكها. ما تسبق من أمة أجلها: أي لا يتقدم أجلها المحدد لها ومن زائدة للتأكيد. معنى الآيات: بما أن السورة مكية فإنها تعالج قضايا العقيدة وأعظمها التوحيد والنبوة والبعث. قوله تعالى: ﴿آلر﴾ : الله أعلم بمراده به، ومن فوائد هذه الحروف المقطعة تنبيه السامع وشده بما يسمع من التلاوة، إذ كانوا يمنعون سماعه خشية التأثر به، فكانت هذه الفواتح التي لم يألفوا مثلها في كلامهم تشدهم إلى سماع ما بعدها من القرآن. وقوله: ﴿تلك آيات

стр. 1390

الكتاب﴾ ١ من الجائز القول. الآيات المؤلفة من مثل هذه الحروف الر، آلم، طس، حمَ عَسَقَ. (تلك آيات الكتاب وقرآنٍ مبين﴾ المبين: المبين للحق والباطل والهدى والضلال وقوله تعالى: ﴿ربما٢ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ : يخبر تعالى أن يوماً سيأتي هو يوم القيامة عندما يرى الكافر المسلمين يدخلون الجنة ويدخل هو النار يود يومئذ متمنياً أن لو كان من٣ المسلمين. وقد يُحدث الله تعالى ظروفاً في الدنيا وأموراً يتمنى الكافر فيها لو كان من المسلمين. وقوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون﴾ أي اتركهم يا رسولنا، أي اترك الكافرين يأكلوا ما شاءوا من الأطعمة، ويتمتعوا بما حصل لهم من الشهوات والملذات، ويلههم الأمل عن التفكير في عاقبة أمرهم. إذ همهم طولُ أعمارهم، وتحقيق أوطارهم، فسوف يعلمون إذا رُدّوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون أنهم كانوا في الدنيا مخطئين بإعراضهم عن الحق ودعوة الحق والدين الحق وقوله: ﴿وما أهلكنا من٤ قرية﴾ أي من أهل قرية بعذاب الإبادة والاستئصال ﴿إلا ولها كتاب﴾ ، أي لها أجل مكتوب في كتابٍ محدد اليوم والساعة. وقوله: ﴿.. ما تسبق من أمةٍ أجلها وما يستأخرون﴾ أي بناءً على كتاب المقادير فإن أمة كتب الله هلاكها لا يمكن أن يتقدم هلاكها قبل ميقاته المحدد، ولا أن يستأخر عنه ولو ساعة. وفي هذا تهديدٌ وتخويف لأهل مكة وهم يحاربون دعوة الحق ورسول الحق لعل قريتهم قد كتب لها كتابٌ وحدد لها أجل وهم لا يشعرون. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- القرآن الكريم مبينٌ لكل ما يحتاج إليه في إسعاد الإنسان وإكماله.

стр. 1391

٢- إنذار الكافرين وتحذيرهم من مواصلة كفرهم وحربهم للإسلام فإن يوماً سيأتي يتمنون فيه أن لو كانوا مسلمين. ٣- تقرير عقيدة القضاء والقدر فما من شيء إلا وسبق به علم الله وكتبه عنده في كتاب المقادير الحياة كالموت، والربح كالخسارة، والسعادة كالشقاء، جميع ما كان وما هو كائنٌ وما سكون سبق به علم الله وكتب في اللوح المحفوظ. وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (١١) شرح الكلمات: نزل عليه الذكر.: أي القرآن الكريم. لو ما تأتينا بالملائكة: أي هلا تأتينا بالملائكة تشهد لك أنك نبي الله. وما كانوا إذاً منظرين: أي ممهلين، بل يأخذهم العذاب فور نزول الملائكة. إنا نحن نزلنا الذكر: أي القرآن. في شيع الأولين: أي في فرق وطوائف الأولين. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر﴾ أي قال الكافرون المنكرون للوحي والنبوة ﴿إنك لمجنون﴾ أي غير عاقل وإلا لما ادعيت النبوة. وفي قولهم هذا استهزاء

стр. 1392

ظاهر بالرسول ﷺ وهو ثمرة ظلمة الكفر التي في قلوبهم وقوله: ﴿لوما تأتينا١ بالملائكة﴾ لو ما هنا بمعنى هلا التحضيضيه أي هلا تأتينا بالملائكة نراهم عياناً يشهدون لك بأنك رسول الله ﴿إن كنت من الصادقين﴾ في دعواك النبوة والرسالة فأت بالملائكة تشهد لك. قال تعالى ﴿ما ننزل٢ الملائكة إلا بالحق﴾ أي نزولاً ملتبساً بالحق. أي لا تنزل الملائكة إلا لإحقاق الحق وإبطال الباطل لا لمجرد تشهي الناس ورغبتهم ولو نزلت الملائكة ولم يؤمنوا لنزل بهم العذاب فوراً ﴿وما كانوا إذاً منظرين٣﴾ أي ممهلين بل يهلكون في الحال. وقوله تعالى في الآية (٩) ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ أي القرآن ﴿وإنا له لحافظون﴾ أي من الضياع ومن الزيادة والنقصان لأنه حجتنا على٤ خلقنا إلى يوم القيامة. أنزلنا الذكر هدى ورحمه وشفاء ونوراً. هم يريدون العذاب والله يريد الرحمة. مع أن القرآن نزلت به الملائكة، والملائكة إن نزلت ستعود إلى السماء ولم يبق ما يدل على الرسالة إلا القرآن ولكن القوم لا يريدون أن يؤمنوا وليسوا في ذلك الكفر والعناد وحدهم بل سبقتهم طوائف وأمم أرسل فيهم فكذبوا وجاحدوا وهو قوله تعالى: ﴿ولقد٥ أرسلنا من قبلك في شيع٦ الأولين﴾ أي في فرقهم وأممهم ﴿وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به٧ يستهزئون﴾ لأن علة المرض واحدة إذاً فلا تيأس يا رسول الله ولا تحزن بل اصبر وانتظر وعد الله لك بالنصر فإن وعده حق: ﴿كتب ألله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز﴾ .

стр. 1393

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان ما كان يلقاه رسول الله ﷺ من استهزاء وسخرية من المشركين. ٢- مظهر من مظاهر رحمة الله بالإنسان، يطلب نزول العذاب والله ينزل الرحمة. ٣- بيان حفظ الله تعالى للقرآن الكريم من الزيادة والنقصان ومن الضياع. ٤- بيان سنة الله تعالى في الأمم والشعوب وهي أنهم ما يأتيهم من رسول ينكر عليهم مألوفهم ويدعوهم إلى جديد من الخير والهدى إلا وينكرون ويستهزئون. كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ (١٥) وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ (١٧) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ (١٨) شرح الكلمات: كذلك نسلكه: أي التكذيب بالقرآن أو النبي ﷺ . وقد خلت سنة الأولين: أي مضت سنة الأمم السابقة. فظلوا فيه يعرجون: أي يصعدون. إنما سُكِّرت: أي سدت كما يُسَكَّرُ النهر أو الباب. في السماء بروجا: أي كواكب ينزلها الشمس والقمر. شيطان رجيم: أي مرجومٌ بالشهب. شهاب مبين: كوكب يُرجم به الشيطان يحرقه أو يمزقه أو يُخْبلُهُ أي يفسده.

стр. 1394

معنى الآيات: ما زال السياق في المكذبين للنبي المطالبين بنزول الملائكة لتشهد للرسول بنبوته حتى يؤمنوا بها. قال تعالى: ﴿كذلك نسلكه١﴾ أي التكذيب في قلوب المجرمين من قومك، كما سلكناه حسب سنتنا في قلوب من كذبوا الرسل من قبلك فسلكه ﴿في قلوب المجرمين﴾ من قومك فلا يؤمنون بك ولا بالذكر الذي أنزل عليك. وقوله تعالى: ﴿وقد خلت سنة الأولين٢﴾ أي مضت وهى تعذيب المكذبين للرسل المستهزئين بهم لأنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم. وقوله تعالى: ﴿ولو فتحنا عليهم٣ باباً من السماء فظلوا﴾ أي الملائكة أو المكذبون ﴿فيه﴾ أي في ذلك الباب ﴿يعرجون﴾ أي يصعدون طوال النهار طالعين هابطين ولقالوا في المساء ﴿إنما سكرت أبصارنا﴾ أي منعت من النظر الحقيقي فلم نر الملائكة ولم نرى السماء ﴿بل نحن٤ قوم مسحورون﴾ فأصبحنا نرى أشياء لا حقيقية لها، وقوله تعالى: ﴿ولقد جعلنا٥ في السماء بروجا﴾ أي كواكب٦ هي منازل للشمس والقمر ينزلان بها وعلى مقتضاها يعرف عدد السنين والحساب. وقوله: ﴿زيناها﴾ أي السماء بالنجوم ﴿للناظرين﴾ فيها من الناس. وقوله: ﴿وحفظناها﴾ أي السماء الدنيا ﴿من كل شيطان رجيم﴾ أي مرجوم ملعون. وقوله: ﴿إلا من أسترق السمع﴾ إلا مارد من الشياطين طلع إلى السماء لاستراق السمع من الملائكة لينزل بالخبر إلى وليه من الكهان من الناس ﴿فاتبعه شهاب﴾ من نار ﴿مبين﴾ أي يبين أثره في الشيطان إما بإخباله وإفساده وإما بإحراقه. هذه الآيات وهي قوله تعالى: ﴿ولقد جعلنا

стр. 1395

في السماء بروجاً﴾ إلى آخر ما جاء في هذا السياق الطويل، القصد منه إظهار قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ورحمته وكلها مقتضية لإرسال الرسول وإنزال الكتاب لهداية الناس إلى عبادة ربهم وحده عبادة يكملون عليها ويسعدون في الدنيا والآخرة، ولكن المكذبين لا يعلمون. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان سنة الله تعالى في المكذبين المعاندين وهي أنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم. ٢- مطالبة المكذبين المجرمين بالآيات كرؤية الملائكة لا معنى لها إذ القرآن أكبر آية ولم يؤمنوا به فلذا لو فتح باب من السماء فظلوا فيه يعرجون لما آمنوا. ٣- بيان مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ورحمته فيما حملت الآيات من مظاهر لذلك، بدءاً من قوله: ﴿ولقد جعلنا في السماء بروجاً١﴾ إلى الآية السابعة والعشرين من هذا السياق الكريم. وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ

стр. 1396

بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) شرح الكلمات: والأرض مددناها: أي بسطناها. وألقينا فيها رواسي: أي جبالا ثوابت لئلا تتحرك الأرض. موزون: أي مقدر معلوم المقدار لله تعالى. معايش: جمع معيشة أي ما يعيش عليه الإنسان من الأغذية. ومن لستم له برازقين: كالعبيد والإماء والبهائم. وما ننزله إلا بقدر معلوم: أي المطر. وأرسلنا الرياح لواقح: أي تلقح السحاب فيمتلىء ماءً كما تنقل مادة اللقاح من ذكر الشجر إلى أنثاه. وما أنتم له بخارنين: أي لا تملكون خزائنه. فتمنعونه أو تعطونه من تشاءون. المستقدمين منكم والمستأخرين: أي من هلكوا من بني آدم إلى يومكم هذا والمستأخرين ممن هم أحياء وممن لم يوجدوا بعد إلى يوم القيامة. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته وهي موجبات الإيمان به وعبادته وتوحيده والتقرب إليه بفعل محابه وترك مساخطه١. قوله تعالى: ﴿والأرض٢ مددناها﴾ أي بسطناها ﴿وألقينا فيها رواسي﴾ أي جبالاً ثوابت تثبت الأرض حتى لا

стр. 1397

تتحرك أو تميد بأهلها فيهلكوا، ﴿وأنبتنا فيها في كل شيء موزون١﴾ أي مقدر معلوم المقدار لله تعالى. وقوله: ﴿وجعلنا لكم فيها معايش٢﴾ عليها تعيشون وهي أنواع الحبوب والثمار وغيرها، وقوله: ﴿ومن لستم له برازقين٣﴾ بل الله تعالى هو الذي يرزقه وإياكم من العبيد والإماء والبهائم. وقوله: ﴿وإن من شيء٤ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدرٍ معلوم﴾ أي ما من شيء نافع للبشرية هي في حاجة إليه لقوام حياتها عليه إلا عند الله خزائنه، ومن ذلك الأمطار، لكن ينزله بقدرٍ معلوم حسب حاجة المخلوقات وما تتوقف عليه مصالحها، وهو كقوله: ﴿بيده الخير وهو على كل شيء قدير﴾ وكقوله: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما شاء الله إنه بعباده خبير بصير﴾ وقوله: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح٥﴾ أي تلقح السحاب فتمتلىء ماء، ﴿فأنزلنا من السماء ماءاً﴾ بقدرتنا وتدبيرنا ﴿فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين﴾ أي لا تملكون خزائنه فتمنعونه من تشاءون وتعطونه من تشاءون بل الله تعالى هو المالك لذلك، فينزله على أرض قوم ويمنعه آخرين وقوله: ﴿إنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون، ولقد علمنا المستقدمين٦ منكم﴾ أي الذين ماتوا من لدن آدم ﴿ولقد علمنا المستأخرين﴾ ممن هم أحياء ومن لم يوجدوا وسيوجدون ويموتون إلى يوم القيامة، الجميع عَلِمَهُم الله، وغيره لا يعلم فلذا استحق العبادة وغيره لا يستحقها. وقوله ﴿وإن ربك﴾ أيها الرسول ﴿هو يحشرهم﴾ أي إليه يوم القيامة ليحاسبهم ويجازيهم، وهذا متوقفٌ على القدرة والحكمة والعلم، والذي أحياهم ثم أماتهم قادرٌ على إحيائهم مرةً أخرى والذي عَلِمهُمْ قبل خلقهم وعلمهم بعد خلقهم

стр. 1398

قادرٌ على حشرهم والحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه لا يخلقهم عبثاً بل خلقهم ليبلوهم ثم ليحاسبهم ويجزيهم إنه هو الحكيم العليم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته المتجلية فيما يلي: أ- خلق الأرض ومدّها وإلقاء الجبال فيها. إرسال الرياح لواقح للسحب. ب- إنبات النباتات بموازين دقيقة. إحياء المخلوقات ثم إماتتها. ج- إنزال المطر بمقادير معينة. علمه تعالى بمن مات ومن سيموت. ٢- تقرير التوحيد أن من هذه آثار قدرته هو الواجب أن يعبد وحده دون سواه. ٣- تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٤- تقرير نبوة الرسول ﷺ إذ هذا الكلام كلام الله أوحاه إليه ﷺ . وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (٣٣) شرح الكلمات: ولقد خلقنا الإنسان: أي آدم ﵇.

стр. 1399

من صلصال من حمإ مسنون: أي طين يابس له صلصلة من حمإ أي طين أسود متغير. من نار السموم:. نار لا دخان لها تنفذ في المسام وهي ثقب الجلد البشري. فإذا سويته: أي أتممت خلقه. فقعوا له ساجدين: أي خِرّوا له ساجدين. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته. قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان﴾ أي آدم ﴿من صلصال﴾ أي طين يابس يسمع له صوت صلصلة. ﴿من حمإ مسنون١﴾ أي طين أسود متغير الريح، هذا مظهر من مظاهر القدرة والعلم. وقوله: ﴿والجان خلقناه من قبل﴾ من قبل خلق آدم والجان هو٢ أبو الجن خلقناه ﴿من نار السموم﴾ ونار السموم نار لا دخان لها تنفذ في مسام الجسم.. وقوله: ﴿وإذ قال ربك﴾ أي اذكر يا رسولنا إذ قال ربك للملائكة اسجدوا لآدم أي سجود تحية وتعظيم لا سجود عبادةٍ لآدم، إذ المعبود هو الآمر المطاع وهو الله تعالى. فسجدوا ﴿إلا إبليس٣ أبى﴾ أي امتنع أن يكون مع الساجدين. وقوله: ﴿قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين﴾ أي أيُ شيء حصل لك حتى امتنعت أن تكون من جملة الساجدين من الملائكة؟ فأظهر اللعين سبب امتناعه وهو حسده لآدم واستكباره، فقال ﴿لم أكن لأسجد لبشرٍ خلقته من صلصالٍ من حماءٍ مسنون﴾ وفي الآيات التالية جواب الله تعالى ورده عليه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أصل خلق الإنسان وهو الطين، والجان وهو لهب النار. ٢- فضل السجود، إذ أمر تعالى به الملائكة فسجدوا أجمعون إلا إبليس.

стр. 1400

٣- ذم الحسد وأنه شر الذنوب وأكثرها ضرراً. ٤- ذم الكبر وأنه عائق لصاحبه عن الكمال في الدنيا والسعادة في الآخرة. ٥- فصل الطين على النار لأن من الطين خلق آدم ومن النار خلق إبليس. قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ (٤٤) شرح الكلمات: قال فاخرج منها: أي من الجنة. فإنك رجيم: أي مرجومٌ مطرودٌ ملعون. إلى يوم الوقت المعلوم: أي وقت النفخة الأولى التي تموت فيها الخلائق كلها. بما أغويتني: آي بسبب إغوائك لي أي إضلالك وإفسادك لي. المخلصين: أي الذين استخلصتهم لطاعتك فإن كيدي لا يعمل فيهم. هذا صراطٌ علي مستقيم: أي هذا طريقٌ مستقيم موصل اليَّ وعليَّ مراعاته وحفظه. لها سبعة أبواب.: أي أبواب طبقاتها السبع التي هي جهنم، ثم لظى، ثم الحُطمة، ثم السعير، ثم سَقَر، ثم الجحيم، ثم الهاوية.

стр. 1401

معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿فاخرج منها﴾ هذا جوابٌ عن قول إبليس، ﴿لم أكن لأسجد لبشر﴾ . الآية إذاً فاخرج منها أي من الجنة ﴿فإنك رجيم﴾ أي مرجوم مطرود مبعد، ﴿وإن عليك﴾ لعنتي أي غضبي وإبعادي لك من السموات ﴿إلى يوم الدين﴾ أي إلى يوم القيامة وهو يوم الجزاء. فقال اللعين ما أخبر تعالى به عنه: ﴿قال رب فانظرني﴾ أي أمهلني لا تمتني ﴿إلى يوم يبعثون١﴾ فأجاب الرب تعالى بقوله: ﴿فإنك من المنظرين﴾ أي الممهلين ﴿إلى يوم الوقت المعلوم٢﴾ وهو فناء بني آدم حيث لم يبق منهم أحد وذلك عند النفخة الأولى. فلما سمع اللعين ما حكم به الرب تعالى عليه قال ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿قال رب بما أغويتني﴾ أي بسبب إغوائك ﴿لأزينن لهم في الأرض٣﴾ أي الكفر والشرك وكبائر الذنوب، و ﴿لأغوينهم﴾ أي لأضلنّهم ﴿أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾ فاستثنى اللعين من استخلصهم الله تعالى لطاعته وأكرمهم بولايته وهم الذين لا يَسْتَبِدُّ بهم غضبٌ ولا تتحكم فيهم شهوة ولا هوى. وقوله تعالى: ﴿قال هذا صراط علي مستقيم﴾ أي هذا طريق مستقيم إليَّ أرعاه وأحفظه وهو ﴿إن عبادي٤ ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين٥﴾ ﴿وإن جهنم﴾ لموعدك وموعد أتباعك الغاوين أجمعين ﴿لها سبعة أبواب﴾ إذ هي سبع طبقات لكل طبقة باب فوقها يدخل معه أهل تلك الطبقة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ أي نصيبٌ معين وطبقاتها هي: جهنم، لظى، الحطمة، السعير، سقر، الجحيم، الهاوية. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمان إبليس من التوبة لاستمرار غضب الله عليه إلى يوم القيامة. ٢- استجاب الله لشر خلقه وهو إبليس فمن الجائز أن يستجيب الله دعاء الكافر لحكمة يريدها الله تعالى.

стр. 1402

٣- أي سلاح يغوي به إبليس بني آدم هو التزين للأشياء حتى ولو كانت دميمة قبيحة يصيرها بوسواسه زينة حسنة حتى يأتيها الآدمي. ٤- عصمة الرسل وحفظ الله للأولياء حتى لا يتلوثوا بأوضار الذنوب. ٥- طريق الله مستقيم إلى الله تعالى يسلكه الناس حتى ينتهوا إلى الله سبحانه فيحاسبهم ويجزيهم بكسبهم الخير بالخير والشر بالشر. ٦- بيان أن لجهنم طبقات واحدة فوق أخرى ولكل طبقةٍ بابها فوقها يدخل معه أهل تلك الطبقة لا غير. إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (٤٧) لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ (٥٦) شرح الكلمات: إن المتقين: أي الذين خافوا ربهم فعبدوه وحده بما شرع لهم من العبادات.

стр. 1403

ونزعنا ما في صدورهم من غل: أي حقد وحسد وعداوة وبغضاء. على سرر متقابلين: أي ينظر بعضهم إلى بعض ما داموا جالسين وإذا انصرفوا دارت بهم الأسرة فلا ينظر بعضهم إلى قفا بعض. لا يمسهم فيها نصب: أي تعب. العذاب الأليم: أي الموجع شديد الإيجاع. ضيف إبراهيم: هم ملائكة نزلوا عليه وهم في طريقهم إلى قوم لوط لإهلاكهم كان من بينهم جبريل وكانوا في صورة شباب من الناس. إنا منكم وجلون: أي خائفون وذلك لمَّا رفضوا أن يأكلوا. بغلام عليم.: أي بولد ذي علم كثير هو إسحق ﵇. فبم تبشرون: أي تَعَجَّبَ من بشارتهم مع كبره بولد. من القانطين: أي الآيسين. معنى الآيات: لما ذكر تعالى جزاء اتباع إبليس الغاوين، ناسب ذكر جزاء عباد الرحمن أهل التقوى والإيمان فقال تعالى مخبراً عما أعد لهم من نعيم مقيم: ﴿إن المتقين١﴾ أي الله بترك الشرك والمعاصي ﴿في جنات وعيون٢﴾ يقال لهم ﴿ادخلوها٣ بسلامٍ آمنين﴾ أي حال كونكم مصحوبين بالسلام آمنين من الخوف والفزع. وقوله: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل٤﴾ أي لم يُبقِ الله تعالى في صدور أهل الجنة ما يبغصُ نعيمها، أو يكدر صفوها كحقدٍ أو حسدٍ أو عداوةٍ أو شحناء. وقوله: ﴿إخواناً على سررٍ متقابلين﴾ لما طهر صدورهم مما

стр. 1404

من شأنه أن ينغص أو يكدر،. أصبحوا في المحبة لبعضهم بعضاً إخوانا يضمهم مجلس واحد يجلسون فيه على سررٍ متقابلين وجهاً لوجه، وإذا أرادوا الانصراف إلى قصورهم تدور بهم الأسرة فلا ينظر أحدهم إلى قفا أخيه. وقوله تعالى: ﴿لا يمسهم فيها نصبٌ وما هم منها بمخرجين﴾ فيه الإخبار بنعيمين: نعيم الراحة الأبدية إذ لا نصب ولا تعب في الجنة ونعيم البقاء والخلد فيها إذ هم لا يخرجون منها أبداً. وفي هذا تقرير لمُعْتَقَدِ البعث والجزاء بأبلغ عبارة وأوضحها. وقوله تعالى: ﴿نبىء عبادي١ أني أنا الغفور الرحيم﴾ أي خبر يا رسولنا عبادنا المؤمنين الموحدين أن ربهم غفور لهم إن عصوه وتابوا من معصيتهم. رحيم بهم فلا يعذبهم. ﴿وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ ونبئهم أيضاً أن عذابي هو العذاب الأليم فليحذروا معصيتي بالشرك بي، أو مخالفة أوامري وغشيان محارمي. وقوله تعالى: ﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم٢. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما﴾ أي سلموا عليه فرد ﵈ وقدم لهم قِرَى الضيف وكان عجلاً حنيذاً، كما تقدم في هود وعرض عليهم الأكل فامتنعوا وهنا قال: ﴿إنا منكم وجلون٣﴾ أي خائفون، وكانوا جبريل وميكائيل وإسرافيل في صورةِ لشباب حسان. فلما أخبرهم بخوفه منهم، لأن العادة أن النازل على الإنسان إذا لم يأكل طعامه دل ذلك على أنه يريد به سوءً. ﴿قالوا لا توجل﴾ أي لا تخف، ﴿إنا نبشرك بغلامٍ عليم﴾ أي بولدٍ ذي علم كثير. فرد إبراهيم قائلاً بما أخبر تعالى عنه بقوله: ﴿قال أبشرتموني على أن مسني٤ الكبر فبم٥ تبشرون﴾ أي هذه البشارة بالولد على كبر سني أمر عجيب، فلما تعجب من البشارة وظهرت عليه علامات الشك والتردد في صحة الخبر قالوا له: ﴿بشرناك٦ بالحق فلا تكن من القانطين٧﴾ أي

стр. 1405

الآيسين. وهنا رد عليهم م قائلاً نافياً القنوط عنه لأن القنوط حرام. ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾ أي الكافرون بقدرة الله ورحمته لجهلهم بربهم وصفاته المتجلية في رحمته لهم وإنعامه عليهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير نعيم الجنة، وأن نعيمها جسماني روحاني معاً دائم أبداً. ٢- صفاء نعيم الجنة من كل ما ينغصه أو يكدره. ٣- وعد الله بالمغفرة لمن تاب من أهل الإيمان والتقوى من موحديّه. ٤- وعيده لأهل معاصيه إذا لم يتوبوا إليه قبل موتهم. ٥- مشروعية الضيافة وأنها من خلال البر والكرم. ٦- حرمة القنوط واليأس من رحمة الله تعالى. قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (٦٢) قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ (٦٦)
следующие страницы →