معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿فاخرج منها﴾ هذا جوابٌ عن قول إبليس، ﴿لم أكن لأسجد لبشر﴾ . الآية إذاً فاخرج منها أي من الجنة ﴿فإنك رجيم﴾ أي مرجوم مطرود مبعد، ﴿وإن عليك﴾ لعنتي أي غضبي وإبعادي لك من السموات ﴿إلى يوم الدين﴾ أي إلى يوم القيامة وهو يوم الجزاء. فقال اللعين ما أخبر تعالى به عنه: ﴿قال رب فانظرني﴾ أي أمهلني لا تمتني ﴿إلى يوم يبعثون١﴾ فأجاب الرب تعالى بقوله: ﴿فإنك من المنظرين﴾ أي الممهلين ﴿إلى يوم الوقت المعلوم٢﴾ وهو فناء بني آدم حيث لم يبق منهم أحد وذلك عند النفخة الأولى. فلما سمع اللعين ما حكم به الرب تعالى عليه قال ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿قال رب بما أغويتني﴾ أي بسبب إغوائك ﴿لأزينن لهم في الأرض٣﴾ أي الكفر والشرك وكبائر الذنوب، و ﴿لأغوينهم﴾ أي لأضلنّهم ﴿أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾ فاستثنى اللعين من استخلصهم الله تعالى لطاعته وأكرمهم بولايته وهم الذين لا يَسْتَبِدُّ بهم غضبٌ ولا تتحكم فيهم شهوة ولا هوى. وقوله تعالى: ﴿قال هذا صراط علي مستقيم﴾ أي هذا طريق مستقيم إليَّ أرعاه وأحفظه وهو ﴿إن عبادي٤ ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين٥﴾ ﴿وإن جهنم﴾ لموعدك وموعد أتباعك الغاوين أجمعين ﴿لها سبعة أبواب﴾ إذ هي سبع طبقات لكل طبقة باب فوقها يدخل معه أهل تلك الطبقة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ أي نصيبٌ معين وطبقاتها هي: جهنم، لظى، الحطمة، السعير، سقر، الجحيم، الهاوية.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- حرمان إبليس من التوبة لاستمرار غضب الله عليه إلى يوم القيامة.
٢- استجاب الله لشر خلقه وهو إبليس فمن الجائز أن يستجيب الله دعاء الكافر لحكمة يريدها الله تعالى.
стр. 1402
٣- أي سلاح يغوي به إبليس بني آدم هو التزين للأشياء حتى ولو كانت دميمة قبيحة يصيرها بوسواسه زينة حسنة حتى يأتيها الآدمي.
٤- عصمة الرسل وحفظ الله للأولياء حتى لا يتلوثوا بأوضار الذنوب.
٥- طريق الله مستقيم إلى الله تعالى يسلكه الناس حتى ينتهوا إلى الله سبحانه فيحاسبهم ويجزيهم بكسبهم الخير بالخير والشر بالشر.
٦- بيان أن لجهنم طبقات واحدة فوق أخرى ولكل طبقةٍ بابها فوقها يدخل معه أهل تلك الطبقة لا غير.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (٤٧) لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ (٥٦)
شرح الكلمات:
إن المتقين: أي الذين خافوا ربهم فعبدوه وحده بما شرع لهم من العبادات.
стр. 1403
ونزعنا ما في صدورهم من غل: أي حقد وحسد وعداوة وبغضاء.
على سرر متقابلين: أي ينظر بعضهم إلى بعض ما داموا جالسين وإذا انصرفوا دارت بهم الأسرة فلا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.
لا يمسهم فيها نصب: أي تعب.
العذاب الأليم: أي الموجع شديد الإيجاع.
ضيف إبراهيم: هم ملائكة نزلوا عليه وهم في طريقهم إلى قوم لوط لإهلاكهم كان من بينهم جبريل وكانوا في صورة شباب من الناس.
إنا منكم وجلون: أي خائفون وذلك لمَّا رفضوا أن يأكلوا.
بغلام عليم.: أي بولد ذي علم كثير هو إسحق ﵇.
فبم تبشرون: أي تَعَجَّبَ من بشارتهم مع كبره بولد.
من القانطين: أي الآيسين.
معنى الآيات:
لما ذكر تعالى جزاء اتباع إبليس الغاوين، ناسب ذكر جزاء عباد الرحمن أهل التقوى والإيمان فقال تعالى مخبراً عما أعد لهم من نعيم مقيم: ﴿إن المتقين١﴾ أي الله بترك الشرك والمعاصي ﴿في جنات وعيون٢﴾ يقال لهم ﴿ادخلوها٣ بسلامٍ آمنين﴾ أي حال كونكم مصحوبين بالسلام آمنين من الخوف والفزع. وقوله: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل٤﴾ أي لم يُبقِ الله تعالى في صدور أهل الجنة ما يبغصُ نعيمها، أو يكدر صفوها كحقدٍ أو حسدٍ أو عداوةٍ أو شحناء. وقوله: ﴿إخواناً على سررٍ متقابلين﴾ لما طهر صدورهم مما
стр. 1404
من شأنه أن ينغص أو يكدر،. أصبحوا في المحبة لبعضهم بعضاً إخوانا يضمهم مجلس واحد يجلسون فيه على سررٍ متقابلين وجهاً لوجه، وإذا أرادوا الانصراف إلى قصورهم تدور بهم الأسرة فلا ينظر أحدهم إلى قفا أخيه. وقوله تعالى: ﴿لا يمسهم فيها نصبٌ وما هم منها بمخرجين﴾ فيه الإخبار بنعيمين: نعيم الراحة الأبدية إذ لا نصب ولا تعب في الجنة ونعيم البقاء والخلد فيها إذ هم لا يخرجون منها أبداً. وفي هذا تقرير لمُعْتَقَدِ البعث والجزاء بأبلغ عبارة وأوضحها. وقوله تعالى: ﴿نبىء عبادي١ أني أنا الغفور الرحيم﴾ أي خبر يا رسولنا عبادنا المؤمنين الموحدين أن ربهم غفور لهم إن عصوه وتابوا من معصيتهم. رحيم بهم فلا يعذبهم. ﴿وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ ونبئهم أيضاً أن عذابي هو العذاب الأليم فليحذروا معصيتي بالشرك بي، أو مخالفة أوامري وغشيان محارمي. وقوله تعالى: ﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم٢. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما﴾ أي سلموا عليه فرد ﵈ وقدم لهم قِرَى الضيف وكان عجلاً حنيذاً، كما تقدم في هود وعرض عليهم الأكل فامتنعوا وهنا قال: ﴿إنا منكم وجلون٣﴾ أي خائفون، وكانوا جبريل وميكائيل وإسرافيل في صورةِ لشباب حسان. فلما أخبرهم بخوفه منهم، لأن العادة أن النازل على الإنسان إذا لم يأكل طعامه دل ذلك على أنه يريد به سوءً. ﴿قالوا لا توجل﴾ أي لا تخف، ﴿إنا نبشرك بغلامٍ عليم﴾ أي بولدٍ ذي علم كثير. فرد إبراهيم قائلاً بما أخبر تعالى عنه بقوله: ﴿قال أبشرتموني على أن مسني٤ الكبر فبم٥ تبشرون﴾ أي هذه البشارة بالولد على كبر سني أمر عجيب، فلما تعجب من البشارة وظهرت عليه علامات الشك والتردد في صحة الخبر قالوا له: ﴿بشرناك٦ بالحق فلا تكن من القانطين٧﴾ أي
стр. 1405
الآيسين. وهنا رد عليهم م قائلاً نافياً القنوط عنه لأن القنوط حرام. ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾ أي الكافرون بقدرة الله ورحمته لجهلهم بربهم وصفاته المتجلية في رحمته لهم وإنعامه عليهم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير نعيم الجنة، وأن نعيمها جسماني روحاني معاً دائم أبداً.
٢- صفاء نعيم الجنة من كل ما ينغصه أو يكدره.
٣- وعد الله بالمغفرة لمن تاب من أهل الإيمان والتقوى من موحديّه.
٤- وعيده لأهل معاصيه إذا لم يتوبوا إليه قبل موتهم.
٥- مشروعية الضيافة وأنها من خلال البر والكرم.
٦- حرمة القنوط واليأس من رحمة الله تعالى.
قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (٦٢) قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ (٦٦)
стр. 1406
شرح الكلمات:
قال فما خطبكم: أي ما شأنكم؟
إلى قوم مجرمين: هم قوم لوط علية السلام.
إنا لمنجوهم أجمعين: أي لإيمانهم وصالح أعمالهم.
الغابرين: أي الباقين في العذاب.
قوم منكرون: أي لا أعرفكم.
بما كانوا فيه يمترون: أي بالعذاب الذي كانوا يشكون في وقوعه بهم.
حيث تؤمرون: أي إلى الشام حيث أمروا بالخروج إليه.
وقضينا إليه ذلك الأمر: أي فرغنا إلى لوط من ذلك الأمر، وأوحينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث عن ضيف إبراهيم، وها هو ذا قد سألهم بما أخبر به تعالى عنه بقوله: ﴿قال فما خطبكم١ أيها المرسلون﴾ أي ما شأنكم أيها المرسلون من قبل الله تعالى إذ هم ملائكته ﴿قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين٢﴾ أي على أنفسهم، وعلى غيرهم وهم اللوطيون لعنهم الله. قوله تعالى: ﴿إلا آل لوط﴾ آل بيته والمؤمنين معه، ﴿إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته قدرنا﴾ أي قضينا٣ ﴿إنها لمن الغابرين﴾ أي الباقين في العذاب، أي قضى الله وحكم بإهلاكها في جملة من يهلك لأنها كافرة مثلهم. إلى هنا انتهى الحديث مع إبراهيم وانتقلوا إلى مدينة لوط ﵇ قال تعالى ﴿فلما جآء آل لوط المرسلون﴾ أي انتهوا إليهم ودخلوا عليهم الدار قال لوط ﵇ لهم ﴿إنكم قوم منكرون﴾ أي لا أعرفكم وأجابوه قائلين: نحن رسل ربك جئناك بما كان قومك فيه يمترون أي يشكون وهو عذابهم العاجل جزاء كفرهم وإجرامهم، ﴿وأتيناك بالحق﴾ الثابت الذي لا شك فيه ﴿وإنا لصادقون﴾ فيما أخبرناك به وهو عذاب قومه المجرمين.
стр. 1407
وعليه ﴿فاسر بأهلك بقطع من الليل﴾ أي أسر بهم في جزء من الليل، و ﴿اتبع أدبارهم﴾ أي امش وراءهم١ وهم أمامك ﴿ولا يلتفت منكم أحد﴾ بأن ينظر وراءه، أي حتى٢ لا يرى ما يسوءه عند نزول العذاب بالمجرمين، وقوله ﴿وامضوا حيث تؤمرون﴾ أي يأمركم ربكم وقد أمروا بالذهاب إلى الشام. وقوله تعالى: ﴿وقضينا٣ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين﴾ ٤ أي وفرغنا إلى لوط من ذلك الأمر، وأوحينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين، أي أنهم مهلكون عن آخرهم في الصباح الباكر ما أن يطلع الصباح حتى تُقلب بهم الأرض ويهلكوا عن آخرهم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- التنديد بالإجرام وبيان عقوبة المجرمين.
٢- لا قيمة للنسب ولا للمصاهرة ولا عبرة بالقرابة إذا فصل الكفر والإجرام بين الأنساب والأقرباء فامرأة لوط هلكت مع الهالكين ولم يشفع لها أنها زوجة نبي ورسول ﵇.
٣- مشروعية المشي بالليل لقطع المسافات البعيدة.
٤- مشروعية مشي المسئول وكبير القوم وراء الجيش والقافلة لتفقد أحوالهم، والإطلاع على من يتخلف منهم لأمر، وكذا كان رسول الله ﷺ يفعل.
٥- كراهية الإشفاق على الظلمة الهالكين، لقوله: ولا يلتفت منكم أحد أي: بقلبه.
وَجَاء أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا
стр. 1408
اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلاء بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ (٧٧) وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ (٧٩)
شرح الكلمات:
وجاء أهل المدينة يستبثسرون: أي مدينة سدُوم، أي فرحين بإتيانهم الفاحشة.
واتقوا الله ولا تخزون: أي لا تذلوني في انتهاك حرمة ضيفي.
أولم ننهك عن العالمين: أي عن إجارتك لهم واستضافتك.
لفي سكرتهم يعمهون: أي غوايتهم، وشدة غُلّمتهم١ التي أزالت عقولهم، يترددون.
مشركين: أي وقت شروق الشمس.
من سجيل: أي طين طُبِخَ بالنار.
لآيات للمتوسمين: أي الناظرين المعتبرين.
لبسبيل مقيم: أي طريق قريش إلى الشام مقيم دائم ثابت.
أصحاب الأيكة: أي قوم شعيب ﵇، والأيكة غيضة شجر بقرب مدين.
وإنهما لبإمام مبين: أي قوم لوط، وأصحاب الأيكة لبطريق مبين واضح.
معنى الآيات:
مازال السياق مع لوط ﵇ وضيفه من الملائكة من جهة، وقوم لوط من جهة
стр. 1409
قال تعالى: ﴿وجاء أهل المدينة﴾ أي مدينة سدُوم وأهلها سكانها من اللوطيين، وقوله ﴿يستبشرون﴾ أي فرحين مسرورين لطمعهم في إتيان الفاحشة. فقال لهم لوط ما أخبر الله تعالى به: ﴿قال إن هؤلاء﴾ يشير إلى الملائكة ﴿ضيفي فلا تفضحون﴾ أي فيه أي بطلبكم إلى فاحشة، ﴿واتقوا الله﴾ أي خافوه ﴿ولا تخزون﴾ أي تهينوني وتذلوني. فأجابوا بما أخبر تعالى به عنهم: ﴿قالوا أولم ننهك عن العالمين﴾ أي أتقول ما تقول ولم تذكر أنا نهيناك عن استضافة أحد من الناس أو تجيره، فأجابهم لوط ﵇ بما أخبر تعالى به عنه: ﴿قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين﴾ أي هؤلاء بناتي فتزوجوهن إن كنتم فاعلين ما أمركم به أو أرشدكم إليه. وقوله تعالى: ﴿لعمرك إنهم١ لفي سكرتهم يعمهون﴾ أي وحياتك يا رسولنا، إنهم أي قوم لوط ﴿لفي سكرتهم﴾ غوايتهم التي أذهبت عقولهم فهبطوا إلى درك أسفل من درك الحيوان، ﴿يعمهون﴾ أي حيارى يترددون. ﴿فأخذتهم الصيحة مشرقين﴾ أي صيحة جبريل ﵇ مشرقين مع إشراق الشمس. وقوله تعالى ﴿فجعلنا عاليها سالفها﴾ أي جعلنا عالي المدن سافلها وهو قلبها ظهراً على بطن، ﴿وأمطرنا عليهم﴾ فوق ذلك ﴿حجارة من سجيل﴾ أي من طين مطبوخ بالنار. وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين٢﴾ أي إن في ذلك المذكور من تدمير مدن كاملة بما فيها لآيات وعبر وعظات للمتوسمين أي الناظرين نظر تفكر وتأمل لمعرفة الأشياء بسماتها وعلاماتها. وقوله تعالى: ﴿وإنها لسبيل مقيم﴾ أي وإن تلك القرى الهالكة لبطريق ثابت باق يمر به أهل مكة في أسفارهم إلى الشام. وقوله ﴿إن في ذلك لآية للمؤمنين﴾ أي لعبرة للمؤمنين فلا يقدمون على محارم الله، ولا يرتكبون معاصيه. وقوله تعالى: ﴿وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين﴾ . هذه إشارة خاطفة إلى قصة شعيب ﵇ مع قومه أصحاب الأيكة، والأيكة الفيضة من الشجر الملتف.. وكانت منازلهم
стр. 1410
بها وكانوا مشركين وهو الظلم في قوله ﴿وإن كان أصحاب الأيكة١ لظالمين﴾ لأنفسهم بعبادة غير الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿فانتقمنا منهم﴾ أي أهلكناهم بحر شديد يوم الظلة وسيأتي الحديث عنهم في سورة الشعراء قال تعالى هناك فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم. وقوله: ﴿وإنهما لبإمام مبين﴾ الإمام الطريق لأن الناس يمشون فيه وهو أمامهم، ومبين واضح. والضمير في قوله وإنهما عائد على قوم لوط، وقوم شعيب وهم أصحاب الأيكة لا أصحاب مدين لأنه أرسل إلى أصحاب الأيكة وإلى أهل مدين، والطريق طريق قريش إلى الشام، والقصد من ذكر هذا وعظ قريش وتذكرهم، فهل يتعظون ويتذكرون؟
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان إهلاك قوم لوط.
٢- إنكار الفاحشة وأنها أقبح فاحشة تعرفها الإنسانية هي إتيان الذكور.
٣- بيان دفاع لوط ﵇ عن ضيفه حتى فداهم ببناته.
٤- شرف النبي ﷺ حيث أقسم الله تعالى بحياته في قوله ﴿لعمرك﴾ .
٥- الحث على نظر التفكر والاعتبار والتفرس فإنه أنفع للعقل البشري.
٦- بيان نقمة الله تعالى من الظالمين للاعتبار والاتعاظ.
٧- تقرير نبوة الرسول ﷺ إذ مثل هذه الأخبار لن تكون إلا عن وحي إلهي.
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (٨٤)
стр. 1411
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)
شرح الكلمات:
أصحاب الحجر: هم قوم صالح ومنازلهم بين المدينة النبوية والشام.
وآتيناهم آياتنا: أي في الناقة وهي أعظم آية.
ما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون: من بناء الحصون وجمع الأموال.
الصفح الجميل: أي أعرض عنهم إعراضاً لا جزع فيه وهذا قبل الأمر بقتالهم.
سبعاً من المثاني: هي آيات سورة الفاتحة السبع.
أزاوجاً منهم: أي أصنافاً من الكفار.
واخفض جناحك: أي ألِن جانبك للمؤمنين.
معنى الآيات:
هذا شروع في موجز قصة أخرى هي قصة أصحاب الحجر وهم ثمود قوم صالح، قال تعالى: ﴿ولقد كذب أصحاب الحجر١ المرسلين﴾ وفي هذا موعظة لرسول الله ﷺ إذ كذبه قومه من أهل مكة فليصبر على تكذيبهم فقد كذبت قبلهم أقوام. وقال تعالى ﴿المرسلين﴾ ولم يكذبوا إلا صالحاً باعتبار أن من كذب رسولا فقد كذب عامة الرسل، لأن دعوة الرسل واحدة وهي أن يعبد الله وحده بما شرع لإكمال الإنسان وإسعاده في
стр. 1412
الحالتين. وقوله ﴿وآتيناهم١ آياتنا فكانوا عنها معرضين﴾ إن المراد من الآيات القائمة بالناقة منها أنها خرجت من صخرة، وأنها تشرب ماء البلد يوما، وأنها تقف أمام كل بيت ليحلب أهله منها ما شاءوا، وإعراضهم عنها، عدم إيمانهم وتوبتهم إلى الله تعالى بعد أن آتاهم ما طلبوا من الآيات. وقوله ﴿وكانوا ينحتون٢ من الجبال بيوتا﴾ أي كانوا يتخذون بالنحت بيوتاً داخل الجبال يسكنوها شتاء آمنين من أن تسقط عليهم لقوتها وست أن ينالهم برد أو حر لوقايتها لهم، وقوله تعالى ﴿فأخذتهم الصيحة مصبحين٣﴾ وذلك صيحة اليوم الرابع وهو يوم السبت فهلكوا أجمعين، ﴿فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون﴾ من المال والعتاد وبناء الحصون بل٤ هلكوا ولم ينج منهم أحد إلا من آمن وعمل صالحاً فقد نجاه الله تعالى مع نبيه صالح ﵇. وقوله تعالى: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ أي إلا من أجل أن أُذكر وأُشكر، فلذا من كفر بي فلم يذكرني وعصاني فلم يشكرني أهلكته. لأني لم أخلق عدا الخلق العظيم لهواً وباطلاً وعبثاً. وقوله: ﴿وإن الساعة لآتية٥﴾ أي حتماً لا محالة وثم يُجزي كلٌ بما كسب فلا تحزن على قومك ولا تجزع منهم فإن جزاءهم لازم وآت لابد، فاصبر واصفح عنهم وهو معنى قوله تعالى ﴿فاصفح الصفح الجميل٦﴾ أي الذي لا جزع معه. وقوله ﴿إن ربك هو الخلاق العليم﴾ خلق كل شيء وعلم بما خلق فعلى كثرة المخلوقات يعلم نياتها، وأعمالها، وأحوالها، ولا يخفى عليه شيء من أمرها وسيعيدها كما بدأها ويحاسبها ويجزيها بما كسبت. وهذا من شأنه أن يساعد الرسول ﷺ على الصبر والثبات على دعوته حتى ينصرها الله تعالى
стр. 1413
في الوقت الذي حدده لها. وقوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾ أي أعطيناك سورة الفاتحة١ أم القرآن وأعطيناك القرآن العظيم وهو خير عظيم لا يقادر قدره. إذاً ﴿لا تمدن عينيك٢﴾ متطلعاً ﴿إلى ما متعنا به أزواجاً منهم﴾ أي أصنافاً من رجالات قريش، فما آتيناك خير مما هم عليه من المال والحال التي يتمتعون فيها بلذيذ الطعام والشراب. وقوله: ﴿ولا تخزن عليهم﴾ إن هم لم يؤمنوا بك ولم يتابعوك على ما جئت به، فإن أمرهم إلى الله تعالى، وأمره تعالى أن يلين جانبه لأصحابه المؤمنين فقال: ﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾ فحسبك ولاية الله لك فذر المكذبين أولي النعمة، وتعايش مع المؤمنين، ولين جانبك لهم، واعطف عليهم فإن الخير فيهم وليس في أولئك الأغنياء الأثرياء الكفرة الفجرة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- إذا أراد الله هلاك أمة فإن قوتها المادية لا تغني عنها شيئاً.
٢- لم يخلق الله الخلق عبثاً بل خلقه ليعبد بالذكر والشكر، فمن عبده نجا، ومن أعرض عن ذكره وترك عبادته أذاقه عذاب الخزي في الدنيا والآخرة أو في الآخرة وهو أشد وأخزى.
٣- بيان أن الصفح الجميل هو الذي لا جزع معه.
٤- بيان أن ممن أتي القرآن لم يؤت أحد مثلها من الخير قط.
٥- فضل الفاتحة إذ هي السبع المثاني.
٦- على الدعاة إلى الله أدت لا يلتفتوا إلى ما في أيدي الناس من مالٍ ومتاع، فإن ما آتاهم الله من الإيمان والعلم والتقوى خير مما آتى أولئك من المال والمتاع.
٧- استحباب لين الجانب للمؤمنين والعطف عليهم والرحمة لهم.
стр. 1414
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)
شرح الكلمات:
النذير المبين: البين النذارة
على المقتسمين: أي الذين قسموا كتاب الله فقالوا فيه شعر، وقالوا سحر، وقالوا كهانة.
جعلوا القرآن عضين: هم المقسمون للقرآن وجعلوا عضين جمع عضة وهي القطعة والجزء من الشيء.
فاصدع بما تؤمر: أي اجهر به وأعرضه كما أمرك ربك.
يضيق صدرك بما يقولون: أي من الاستهزاء بك والتكذيب لك.
حتى يأتيك اليقين: أي الموت، أي إلى أن تتوفى وأنت تعبد ربك.
معنى الآيات:.
ما زال السياق في إرشاد الرسول ﷺ وتعليمه ما ينبغي أن يكون عليه فأمره تعالى
стр. 1415
بقوله: ﴿وقل إني أنا النذير المبين١﴾ أي أعلن لقومك بأنك النذير البين النذارة لكم يا قوم أن ينزل بكم عذاب الله إن أصررتم على الشرك والعناد والكفر، وقوله: ﴿كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين٢﴾ انذركم عذاباً كالذي أنزله الله وينزله على المقتسمين الذين قسموا التوراة والإنجيل فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وهم اليهود والنصارى، والمقتسمين الذين تقاسموا أن يبيتوا صالحاً فأنزل الله بهم عقوبته والمقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين أي أجزاء فقالوا فيه شعر وسحر وكهانة، المقتسمين الذين قسموا طرق مكة وجعلوها نقاط تفتيش يصدون عن سبيل الله كل من جاء يريد الإسلام وهؤلاء كلهم مقتسمون وحل بهم عذاب الله ونقمته. وقوله تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ ٣ يقسم الجبار ﵎ لرسوله أنه ليسألنهم يوم القيامة عما كانوا يعملون ويجزيهم به فلذا لا يهولنَّك أمرهم واصبر على أذاهم. وقوله ﴿فاصدع٤ بما تؤمر﴾ أي أجهر بدعوة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وما تؤمر ببيانه والدعوة إليه أو التنفير منه، ﴿وأعرض عن المشركين﴾ ولا تبال بهم، وقوله: ﴿إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون﴾ والمراد بهؤلاء المستهزئين الذين واعد تعالى بكفاية رسوله شرَّهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد يغوث كلهم ماتوا بآفات مختلفة في أمدٍ يسير، عليهم لعائن الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون﴾ أي من الاستهزاء بك والسخرية، ومن المبالغة في الكفر والعناد فنرشدك إلى ما يخفف عنك الألم النفسي ﴿فسبح بحمد ربك﴾ أي قل سبحان الله وبحمده أي أكثر من هذا الذكر ﴿وكن من الساجدين﴾ أي المصلين إذ لا سجود إلا في الصلاة أو تلاوة القرآن٥ إذاً فافزع عند الضيق إلى الصلاة
стр. 1416
فلذا كان ﷺ أحزنه أمر فزع إلى الصلاة. وقوله: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ أي واصل العبادة وهي الطاعة في غاية الذل والخضوع لله تعالى حتى يأتيك اليقين الذي هو الموت فإن القبر أول عتبة الآخرة وبموت الإنسان ودخوله في الدار الآخرة أصبح إيمانه يقيناً محضاً.
هداية الآيات.
من هداية الآيات:
١- حرمة الاختلاف في كتاب الله تعالى على نحو ما اختلف فيه أهل الكتاب.
٢- مشروعية الجهر بالحق وبيانه لاسيما إذا لم يكن هناك اضطهاد.
٣- فضل التسبيح بجملة: سبحان الله وبحمده ومن قالها مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وهذا مروي في الصحيح١.
٤- مشروعية صلاة الحاجة فمن حزبه أمر أو ضاق به فليصل صلاة يفرج الله تعالى بها ما به أو يقضي حاجته إن شاء وهو العليم الحكيم.
خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (٧)
شرح الكلمات:
أتى أمر الله: أي دنا وقرب أمر لله بعذابكم أيها المشركون فلا تستعجلون.
ينزل الملائكة بالروح: أي بالوحي الذي به حياة الأرواح والمراد من الملائكة جبريل.
خلق الإنسان من نطفة: أي قطرة من المني.
دفء ومنافع: أي ما تستدفئون به، ومنافع من العسل واللبن واللحم والركوب.
حين تريحون: أي حين تردونها من مراحها.
وحين تسرحون.: أي وحين إخراجها من مراحها إلى مسارحها أي الأماكن التي تسرح فيها.
إلا بشق الأنفس: أي بجهد الأنفس ومشقة عظيمة.
معنى الآيات:
لقد استعجل المشركون بمكة العذاب وطالبوا به غير مرة فأنزل الله تعالى قوله: ﴿أتى أمر ١ الله﴾ أي بعذابكم أيها المستعجلون له. لقد دنا منكم وقرب فالنضر بن الحارث القائل: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء أو أئتنا بعذاب أليم﴾ ، جاءه بعد سُنيات قلائل فهلك ببدر صَبْراً، إلى جهنم، وعَذَابُ يوم القيامة لمن استعجله قد قرب وقته ولذا عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه وقرب مجيئه فلا معنى لاستعجاله فلذا قال الله تعالى: ﴿فلا تستعجلوه﴾ وقوله ﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ .
стр. 1419
أي تنزه وتقدس عما يشركون به من الآلهة الباطلة إذ لا إله حق إلا هو. وقوله ﴿ينزل الملائكة بالروح١ من أمره﴾ أي بإرادته وإذنه ﴿على من يشاء من عباده﴾ . أي ينزل جبريل ﵇ بالوحي على من يشاء من عباده٢ وهو محمد ﷺ وقوله ﴿أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون﴾ أي بأن انذروا٣ أي خوفوا المشركين عاقبة شركهم فإن شركهم باطل سيجر عليهم عذاباً لا طاقة لهم به، لأنه لا إله إلا الله، وكل الآلهة دونه باطلة. إذاً فاتقوا الله بترك الشرك والمعاصي وإلا تعرضتم للعذاب الأليم. في هاتين الآيتين تقرير للوحي والنبوة للنبي ﷺ وتقرير التوحيد أيضاً وقوله تعالى في الآيات التالية: ﴿خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون﴾ استدلال على وجوب التوحيد وبطلان الشر ك فالذي خلق السموات والأرض بقدرته وعلمه وحده دون ما مُعِين له ولا مساعد حُقَّ أن يعبد، لا تلك الآلهة الميتة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق ﴿تعالى عما يشركون﴾ أي تنزه وتقدس تعالى عما يشركون به من أصنام وأوثان. وقوله: ﴿خلق الإنسان من نطفة﴾ أي من أضعف شيء وأحقره قطرة المني خلقه في ظلمات ثلاث وأخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئاً حتى إذا رباه وأصبح رجلاً إذا هو خصم لله يجادل ويعاند٤، ويقول من يحيي العظام وهي رميم. وقوله تعالى ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء٥ ومنافع ومنها تأكلون﴾ فهذه مظاهر القدرة الإلهية والعلم والحكمة والرحمة وهي الموجبة لعبادته تعالى وترك عبادة ما سواه. فالأنعام وهي الإبل والبقر والغنم خلقها الله تعالى لبني آدم ولم يخلقها لغيرهم، لهم فيها دفء إذ يصنعون الملابس والفرش والأغطية من صوف الغنم ووبر الإبل ولهم فيها منافع كاللبن والزبدة والسمن والجبن والنسل حيث تلد كل سنة فينتفعون بأولادها. ومنها يأكلون اللحوم المختلفة فالمنعم بهذه النعم هو الواجب العبادة دون غيره من سائر
стр. 1420
مخلوقاته وقوله: ﴿ولكم فيها جمال﴾ ١ أي منظر حسن جميل حين تريحونها عشية من المرعى إلى المراح ﴿وحين تسرحون﴾ أي تخرجونها صباحاً من مراحها إلى مراعيها، فهذه لذة روحية ببهجة المنظر. وقوله ﴿وتحمل أثقالكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بشق٢ الأنفس﴾ أي إلا بجهد النفس والمشقة العظيمة. فالإبل في الصحراء كالسفن في البحر تحمل الأثقال من بلدٍ إلى بلد وقد تكون المسافة بعيدة لا يصلها الإنسان إلا بشق الأنفس وبذل الجهد والطاقة، لولا الإبل سفن الصحراء ومثل الإبل الخيل والبغال والحمير في حمل٣ الأثقال. فالخالق لهذه الأنعام هو ربكم لا إله إلا هو فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وقوله تعالى: ﴿إن ربكم﴾ أي خالقكم ورازقكم ومربيكم وإلهكم الحق الذي لا إله لكم غيره لرؤوف رحيم، ومظاهر رحمته ورأفته ظاهره في كل حياة الإنسان فلولا لطف الله بالإنسان ورحمته له لما عاش ساعة في الحياة الدنيا فلله الحمد وله المنة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- قرب يوم القيامة فلا معنى لاستعجاله فإنه آتٍ لا محالة، وكل آتٍ قريب.
٢- تسمية الوحي بالروح من أجل أنه يحيى القلوب، كما تحيي الأجسام الأرواح.
٣- تقرير التوحيد والنبوة والبعث الآخر بذكر مظاهر القدرة الإلهية والعلم والحكمة والرأفة والرحمة.
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَآء لَّكُم مِّنْهُ
стр. 1421
شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)
شرح الكلمات:
ويخلق ما لا تعلمون: من سائر الحيوانات ومن ذلك السيارات والطائرات والقطر.
وعلى الله قصد السبيل: أي تفضلاً منه وامتناناً ببيان السبيل القاصدة وهي الإسلام.
ومنها جائر: أي عادل عن القصد وهو سائر الملل كاليهودية والنصرانية.
ومنه شجر: أي وبسببه يكون الشجر وهو هنا عام في سائر النباتات.
فيه تسيمون: ترعون مواشيكم.
مسخراتٍ بأمره: أي بإذنه وقدرته.
وما ذرأ لكم في الأرض: أي خلق لكم في الأرض من الحيوان والنباتات المختلفة.
معنى الآيات:
مازال السياق الكريم في تقرير التوحيد بذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته إذ قال تعالى: ﴿والخيل١ والبغال والحمير﴾ أي خلقها وهو خالق كل شيء لعلة ركوبهم
стр. 1422
إياها إذ قال: ﴿لتركبوها وزينة١﴾ أي ولأجل أن تكون زينةً لكم في حياتكم وقوله ﴿ويخلق مالا تعلمون﴾ أي مما هو مركوب وغير مركوب من مخلوقات عجيبة ومن المركوب هذه السيارات على اختلافها والطائرات والقطر السريعة والبطيئة هذا كله إفضاله وإنعامه على عباده فهل يليق بهم أن يكفروه ولا يشكروه؟ وهل يليق بهم أن يشركوا في عبادته سواه. وقوله ﴿وعلى الله قصد السبيل٢﴾ ومن إفضاله وإنعامه الموجب لشكره ولعبادته دون غيره أن بين السبيل القاصد الموصل إلى رضاه وهو الإسلام، في حين إن ما عدا الإسلام من سائر الملل كاليهودية والنصرانية والمجوسية وغيرها سبل جائره عن العدل والقصد سالكوها ضالون غير مهتدين إلى كمال ولا إلى إسعاد هذا معنى قوله تعالى ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ وقوله ﴿ولو شاء لهداكم أجمعين﴾ أي لو تعلقت بإرادته هداية الناس أجمعين لهداهم أجمعين وذلك لكمال قدرته وعلمه، إلا أن حكمته لم تقتض هداية لكل الناس فهدى من رغب في الهداية وأضل من رغب في الضلال. ومن مظاهر ربوبيته الموجبة لألوهيته أي عبادته ما جاء في الآيات التالية (١٠، ١١، ١٢، ١٣، ١٤، ١٥) إذ قال تعالى: ﴿هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب٣﴾ تشربون منه وتتطهرون، ﴿ومنه﴾ أي من الماء الذي أنزل من السماء شجر٤ لأن الشجرة والمراد به هنا سائر النباتات يتوقف وجوده على الماء وقوله ﴿فيه تسيمون٥﴾ أي في ذلك النبات ترعون مواشيكم. يقال سام الماشية أي ساقها إلى المرعى ترعى وسامت الماشية أي رعت بنفسها. وقوله تعالى: ﴿ينبت لكم به﴾ أي بما أنزل من السماء من ماء ﴿الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات﴾ كالفواكه والخضر على اختلافها إذ كلها متوقفة على الماء. وقوله ﴿إن في ذلك﴾ أي المذكور من نزول الماء وحصول المنافع الكثيرة به
стр. 1423
﴿لآية﴾ أي علامةً واضحةً على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته وهي مقتضية لعبادته وترك عبادة غيره. ولكن ﴿لقوم يتفكرون﴾ فيتعظون. أما اشباه البهائم الذين لا يفكرون في شيء فلا يجدون آية ولا شبة آية في الكون كله وهم يعيشون فيه. وقوله تعالى: ﴿وسخر لكم الليل والنهار﴾ الليل للسكون الراحة، والنهار للعمل ابتغاء الرزق وتسخيرهما كونهما موجودين باستمرار لا يفترقان أبداً إلى أن يأذن الله بانتهائهما وقوله: ﴿والشمس والقمر﴾ أي سخرهما كذلك للانتفاع بضوء الشمس وحرارتها، وضوء القمر لمعرفة عدد السنين والحساب، وقوله: ﴿والنجوم مسخرات١ بأمره﴾ كذلك ومن فوائد النجوم الاهتداء بها في ظلمات البر والبحر وكونها زينة وجمالاً للسماء التي هي سقف دارنا هذه.. وقوله ﴿إن في ذلك﴾ المذكور من تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ﴿لآيات﴾ عدة يستدل بها على الخالق وعلى وجوب عبادته وعلى توحيده فيها، ولكن ﴿لقومٍ يعقلون﴾ أي الذين يستخدمون طاقة عقولهم في فهم الأشياء وإدراك أسرارها وحقائقها أما أشباه البهائم والمجانين الذين لا يفكرون ولا يتعقلون ولا يعقلون، فليس لهم في الكون كله آية واحدة يستدلون بها على ربهم ورحمته بهم وواجب شكره عليهم وقوله تعالى: ﴿وما٢ ذرأ لكم في الأرض﴾ أي وما خلق لكم في الأرض من إنسان وحيوان ونبات ﴿مختلفاً ألوانه﴾ ٣ وخصائصه وشيانه ومنافعه وآثاره ﴿إن في ذلك﴾ الخلق العجيب ﴿لآية﴾ أي في دلالة واضحة على وجود الخالق ووجوب عبادته وترك عبادة غيره ولكن ﴿لقوم يذكرون﴾ فيتعظون فينتبهون إلى ربهم فيعبدونه وحده بامتثال أمره واجتناب نهيه فيكملون على ذلك ويسعدون في الحياتين.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- كون الخيل٤ والبغال والحمير خلقت للركوب والزينة لا ينفي منفعة أخرى فيها وهي أكل
стр. 1424
لحوم الخيل لثبوت السنة بإباحة لحوم الخيل، ومنع لحوم البغال والحمير كما في الصحيحين.
٢- الإسلام هو السبيل التي بينها الله تعالى فضلاً منه ورحمة وما عداه فهي سبل جائرة عن العدل والحق.
٣- فضيلة التفكر والتذكر والتعقل وذم أضدادها لأن الآيات الكونية كالآيات القرآنية إذا لم يتفكر فيها العبد لا يهتدي إلى معرفة الحق المنشود وهو معرفة الله تعالى ليعبده بالذكر والشكر وحده دون سواه.
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ١ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٨) وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)
شرح الكلمات.
حلية تلبسونها: هي اللؤلؤ والمرجان.
مواخر فيه: أي تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة وبالبخار اليوم.
стр. 1425
من فضله: أي من فضل الله تعالى بالتجارة.
أن تميد بكم: أي تميل وتتحرك فيخرب ما عليها ويسقط.
لا تحصوها: أي عداً فتضبطوها فضلاً عن شكرها للمنعم بها .
ما تسرون وما تعلنون: من المكر بالنبي ﷺ ومن أذاه علانية هذا بالنسبة إلى أهل مكة، إذ الخطاب يتناولهم أولاً ثم اللفظ عام فالله يعلم كل سرٍ وعلانية في أي أحد.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في ذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته تلك المظاهر الموجبة لتوحيده وعبادته وشكره وذكره قال تعالى: ﴿وهو الذي سخر لكم البحر﴾ وهو كل ماء غمر كثير عذباً كان أو ملحاً وتسخيره تيسير الغوص فيه وجرى السفن عليه. وقوله ﴿لتأكلوا منه لحماً١ طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها﴾ بيان لعلة تسخير البحر وهي ليصيد الناس منه السمك يأكلونه، ويستخرجون اللؤلؤ والمرجان حلية لنسائهم٢. وقوله: ﴿وترى الفلك مواخر فيه﴾ أي وترى أيها الناظر إلى البحر ترى السفن تمخر الماء أي تشقه ذاهبة وجائية. وقوله: ﴿ولتبتغوا﴾ أي سخَّر البحر والفلك لتطلبوا الرزق بالتجارة بنقل البضائع والسلع من إقليم إلى إقليم وذلك كله من فضل الله وقوله ﴿لعلكم تشكرون﴾ أي كي تشكروا الله تعالى. أي سخر لكم ذلك لتحصلوا على الرزق من فضل الله فتأكلوا وتشكروا الله على ذلك والشكر يكون بحمد الله والاعتراف بنعمته وصرفها في مرضاته وقوله: ﴿وألقى في الأرض رواسي٣﴾ أي ألقى في الأرض جبالاً ثوابت ﴿أن تميد بكم﴾ كي لا تميد بكم، وميدانها ميلها وحركتها إذ لو كانت تتحرك لما استقام العيش عليها والحياة فيها. وقوله: ﴿وأنهاراً﴾ أي وأجرى لكم أنهاراً في الأرض كالنيل والفرات
стр. 1426
وغيرهما ﴿وسبلا﴾ أي وشَّق لكم طرقاً ﴿لعلكم تهتدون﴾ إلى منازلكم في بلادكم وقوله ﴿وعلامات﴾ أي وجعل لكم علامات للطرق وأمارات كالهضاب والأودية والأشجار وكل ما يستدل به على الطريق والناحية، وقوله ﴿وبالنجم﴾ أي وبالنجوم١ ﴿هم يهتدون﴾ فركاب البحر لا يعرفون وجهة سيرهم في الليل إلا بالنجوم وكذا المسافرون في الصحارى والوهاد لا يعرفون وجهة سفرهم إلا بالنجوم وذلك قبل وجود آلة البوصلة البحرية ولم توجد إلا على ضوء النجم وهدايته وقوله في الآية (١٧) ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ هذا تأنيب عظيم لأولئك الذين يصرون على عبادة الأصنام ويجادلون عليها ويجالدون فهل عبادة من يخلق ويرزق ويدبر حياة الإنسان وهو الله رب العالمين كعبادة من لا يخلق ولا يرزق ولا يدير؟ فمن يسوي من العقلاء بين الحي المحيي الفعال لما يريد واهب الحياة كلها وبين الأحجار والأوثان؟ فلذا وبخهم بقوله ﴿أفلا تذكرون﴾ فتذكرون فتعرفون أن عبادة الأصنام باطلة وأن عبادة الله حق فتتوبوا إلى ربكم وتسلموا له قبل أن يأتيكم العذاب. وقوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ بعدما عدد في هذه الآيات من النعم الكثيرة أخبر أن الناس لو أرادوا أن يعدوا نعم الله ما استطاعوا عدها فضلا عن شكرها، ولذا قال: ﴿إن الله لغفور رحيم﴾ ولولا أنه كذلك ليؤاخذهم على تقصيرهم في شكر نعمه عليهم ولسلبها منهم عند كفرها وعدم الاعتراف بالمنعم بها وقوله تعالى: ﴿والله يعلم ما تسرون وما تعلنون﴾ هذه آخر مظاهر القدرة والعلم والحكمة والنعمة في هذا السياق الكريم فالله وحده يعلم سر الناس وجهرهم فهو يعلم إذاً حاجاتهم وما تتطلبه حياتهم، فإذا عادوه وكفروا به فكيف يأمنون على حياتهم ولما كان الخطاب في سياق دعوة مشركي مكة إلى الإيمان والتوحيد فالآية إخطار لهم بأن الله عليم بمكرهم برسوله وتبييت الشر له وأذاهم له بالنهار. فهي تحمل التهديد والوعيد لكفار مكة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان العلة في الرزق وأنها الشكر فالله يرزق لِيُشكر.
стр. 1427
٢- إباحة أكل الحوت وكل دواب البحر.
٣- لا زكاة في اللؤلؤ والمرجان لأنه من حلية النساء.
٤- المقارنة بين الحي الخلاق العليم، وبين الأصنام الميتة المخلوقة لتقرير بطلان عبادة غير الله تعالى لأن من يَخلُق ليس كمن لا يَخلَق.
٥- عجز الإنسان عن شكر نعم الله تعالى يتطلب منه أن يشكر ما يمكنه منها وكلمة (الحمد لله) تعد رأس الشكر والاعتراف بالعجز عن الشكر من الشكر، والشكر صرف النعم فيما من أجله أنعم الله تعالى بها.
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لاَ جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ (٢٥)
شرح الكلمات:
وهم يخلقون: أي يصورون من الحجارة وغيرها.
وما يشعرون أيان يبعثون: أي وما تشعر الأصنام ولا تعلم الوقت الذي تبعث فيه وهو يوم القيامة. ولا يبعث فيه عابدوها من دون الله.
стр. 1428
قلوبهم منكرة: أي جاحدة للوحدانية والنبوة والبعث والجزاء.
وهم مستكبرون: لظلمة قلوبهم بالكفر يتكبرون.
لا جرم: أي حقاً.
أساطير الأولين: أي أكاذيب الأولين.
ليحملوا أوزارهم: أي ذنوبهم يوم القيامة.
ألا ساء ما يزرون: أي بئس ما يحملون من الأوزار.
معنى الآيات:
في هذا السياق مواجهة صريحة للمشركين بعد تقدم الأدلة على اشراكهم وضلالهم فقوله تعالى: ﴿والذين يدعون من١ دون الله﴾ أي تعبدونهم أيها المشركون ﴿أموات غير أحياء﴾ أي هم أموات إذ لا حياة لهم ودليل ذلك أنهم لا يسمعون ولا يبصرون ولا ينطقون، وقوله ﴿وما يشعرون أيان يبعثون٢﴾ أي لا يعلمون٣ متى يبعثون كما أنكم أنتم أيها العابدون لهم لا تشعرون متى تبعثون. فكيف تصح عبادتهم وهم أموات ولا يعلمون متى يبعثون للاستنطاق والاستجواب والجزاء على الكسب في هذه الحياة، وقوله ﴿إلهكم إله واحد﴾ هذه النتيجة العقلية التي لا ينكرها العقلاء وهي أن المعبود واحد لا شريك له، وهو الله ﷻ ، إذ هو الخالق الرازق المدبر المحي المميت ذو الصفات العلا والأسماء الحسنى، وما عداه فلا يخلق ولا يرزق ولا يُدبِّر ولا يحيى ولا يميت فتأليهه سفه وضلال، وبعد تقرير ألوهية الله تعالى وإثباتها بالمنطق السليم قال تعالى: ﴿فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون﴾ ذكر علة الكفر لدى الكافرين والفساد عند المفسدين وهي تكذيبهم بالبعث الآخر إذ لا يستقيم عبد على منهج الحق والخير وهو لا يؤمن باليوم الآخر يوم الجزاء على العمل في الحياة الدنيا، فأخبر تعالى أن الذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة لكل ما يسمعون من الحق الذي يدعو إليه رسول الله ﷺ وتنبيه آيات القرآن الكريم، وهم مع إنكار قلوبهم لما يسمعون من الحق مستكبرون عن
стр. 1429
قبول الحق والإذعان له. وقوله تعالى: ﴿لا جرم١ أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين٢﴾ أي حقاً ان الله يعلم ما يسر أولئك المكذبون بالآخرة وما يعلنون وسيحصى ذلك عليهم ويجزيهم به لا محالة في يوم كانوا به يكذبون.. ويا للحسرة ويا للندامة!! وهذا الجزاء كان بعذاب النار متسبب عن بغض الله للمستكبرين وعدم حبه لهم، وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين٣﴾ يخبر تعالى عن أولئك المنكرة قلوبهم للوحي الإلهي وما جاء به رسول الله هؤلاء المستكبرون كانوا إذا سئلوا عن القرآن من قبل من يريد أن يعرف ممن سمع بالدعوة المحمدية فجاء من بلاد يتعرف عليها قالوا: ﴿أساطير الأولين٤﴾ أخبار كاذبة عن الأولين مسطره عند الناس فهو يحكيها ويقول بها، وبذلك يصرفون عن الإسلام ويصدون عن سبيل الله، قال تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم﴾ أي تبعة آثامهم وتبعة آثام من صدوهم عن سبيل الله كاملة غير منقوصة يوم القيامة، وهم لا يعلمون ذلك ولكن الحقيقة هي: ان من دعا إلى ضلالة كان عليه وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزار من عملها شيء، وكذا من دعا إلى٥ هدى فله أجر من عمل به من غير أن ينقص من أجر العامل به شيء. وقوله تعالى: ﴿ألا ساء ما يزرون﴾ أي قُبح الوزر الذي يزرونه فإنه قائدهم إلى النار موبقهم في نار جهنم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بطلان الشرك وتقرير التوحيد.
٢- التكذيب باليوم الآخر والبعث والجزاء هو سبب كل شر وفساد يأتيه العبد.
أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (٣٤)
شرح الكلمات:
من قبلهم: أي من قبل كفار قريش بمكة كالنمرود وغيره.
فأتى الله بنيانهم: أي قصد إليه ليدمره فسلط عليه الريح والزلزلة فسقط من أسسه.
وخر عليهم السقف: أي سقط لتداعي القواعد وسقوطها.
كنتم تشاقون فيهم: أي تخالفون المؤمنين فيهم بعبادتكم إياهم وجدالكم عنه، وتشاقون الله بمخالفتكم إياه بترك عبادته وعبادتكم إياها.
وقال الذين أوتوا العلم: أي الأنبياء والمؤمنون.
ظالمي أنفسهم: بالشرك والمعاصي.
فألقوا السلم: أي استسلموا وانقادوا.
فلبئس مثوى المتكبرين: مثوى المتكبرين: أي قبح منزل المتكبرين في جهنم مثلاً.
وقيل للذين اتقوا: أي اتقوا الشرك والمعاصي.
للذين أحسنوا: أي أعمالهم وأقوالهم ونياتهم فأتوْا بها وفق مراد الله تعالى.
حسنة: أي الحياة الطيبة حياة العز والكرامة.
ولنعم دار المتقين: أي الجنة دار السلام.
طيبيين: أي الأرواح بما زكوها به من الإيمان والعمل الصالح. وبما أبعدوها عنه من الشرك والمعاصي.
يقولون سلام عليكم: أي يقول لهم ملك الموت "عزرائيل " وأعوانه.
هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة: أي لقبض أرواحهم وعند ذلك يؤمنون.
أو يأتي أمر ربك: أي بالعذاب أو بقيام الساعة وحشرهم إلى الله .
وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون: أي نزل بهم العذاب وأحاط بهم وقد كانوا به يستهزئون.
стр. 1432
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم مع كفار قريش في تذكيرهم وتبصرهم بما هم فيه من الجهالة والضلالة. فيقول تعالى: ﴿قد مكر الذين من قبلهم﴾ أي من قبل مكر كفار قريش وذلك كالنمرود وفرعون وغيرهم من الجبابرة الذين تطاولوا على الله ومكروا برسلهم، فالنمرود ألقى بإبراهيم في النار، وفرعون قال ذروني اقتل موسى وليدع ربه.. وقوله: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ أي أتاه أمر الله بهدمه وإسقاطه على الظلمة الطغاة ﴿فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون١﴾ . وذهب باطلهم وزال مكرهم. ألم يتعظ بهذا كفرة قريش وهم يمكرون بنبيهم ويبيَّتون له السوء بالقتل أو النفي أو الحبس؟ وقوله تعالى: ﴿ثم يوم القيامة يخزيهم﴾ أي يهينهم ويذلهم ويوبخهم بقوله: ﴿أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم٢﴾ أي أصنامكم وأوثانكم الذين كنتم تخالفوني بعبادتكم إياهم دوني كما تشاقون أوليائي المؤمنين أي تخالفونهم بذلك وتحاربونهم فيه. وهنا يقول الأشهاد والذين أوتوا العلم من الأنبياء والعلماء الربانيين: ﴿إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين﴾ أي إن الذل والهون والدون على الكافرين. وقوله تعالى: ﴿الذين تتوفاهم٣ الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ بالشرك والمعاصي ومن جملة المعاصي ترك الهجرة والبقاء بين ظهراني الكافرين والفساق المجرمين حيث لا يتمكن المؤمن من عبادة الله تعالى بترك المعاصي والقيام بالعبادات. وقوله ﴿فألقوا السلم﴾ أي عند معاينتهم ملك الموت وأعوانه أي استسلموا وانقادوا وحاولوا الاعتذار بالكذب وقالوا ﴿ما كنا نعمل من سوء﴾ فترد عليهم الملائكة قائيلين: ﴿بلى﴾ أي كنتم تعملون السوء ﴿إن الله عليم بما كنتم تعملون﴾ ويقال لهم أيضاً ﴿فادخلوا أبواب جهنم﴾ أي أبواب طبقاتها ﴿خالدين فيها فلبئس﴾ جهنم ﴿مثوى﴾ أي مقاماً ومنزلاً ﴿للمتكبرين﴾ عن عبادة الله وحده. وقوله تعالى: ﴿وقيل للذين اتقوا﴾ أي ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه في أمره ولا نهيه وأطاعوا رسوله كذلك: ﴿ماذا أنزل ربكم﴾ أي إذا سألهم من أتى مكة يتعرف على ما بلغه من
стр. 1433
دعوة الإسلام فيقولون له: ﴿خيراً﴾ أي أنزل خيراً لأن القرآن خير وبالخير نزل بخلاف تلاميذ المشركين يقولون أساطير الأولين كما تقدم في هذا السياق.
كما ذكر تعالى جزاء الكافرين وما يلقونه من العذاب في نار جهنم وهم الذين أساءوا في هذه الحياة الدنيا إلى أنفسهم بشركهم بالله ومكرهم وظلمهم للمؤمنين، ذكر جزاء المحسنين. فقال: ﴿للذين أحسنوا﴾ أي آمنوا وعملوا الصالحات متبعين شرع الله في ذلك فأخلصوا عبادتهم لله تعالى ودعوا الناس إلى عبادة الله وحثوهم على ذلك فكانوا بذلك محسنين لأنفسهم ولغيرهم لهؤلاء الذين أحسنوا في الدنيا ﴿حسنة﴾ وهي الحياة الطيبة حياة الطهر والعزة والكرامة١، ولدار الآخرة خيرٌ لهم من دار الدنيا مع ما فيها من حسنة وقوله تعالى: ﴿ولنعم دار المتقين﴾ ثناء ومدح لتلك الدار الآخرة لما فيها من النعيم المقيم وإضافتها إلى المتقين باعتبار أنهم أهلها الجديرون بها إذ هي خاصة بهم ورثوها بإيمانهم وصالح أعمالهم بتركهم الشرك والمعاصي.
وقوله تعالى: ﴿جنات٢ عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون﴾ هو وصف وبيان لدار المتقين فأخبر أنها جنات جمع جنة وهي البستان المشتمل على الأشجار والأنهار والقصور وما لذ وطاب من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمراكب وقوله تعالى: ﴿لهم فيها ما يشاءون﴾ هذا نهاية لإكرام والإنعام إذ كون العبد يجد كل ما يشتهي ويطلب هو نعيم لا مزيد عليه وقوله تعالى: ﴿كذلك يجزي الله المتقين﴾ أي كهذا الجزاء الحسن العظيم يجزي الله المتقين في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين٣﴾ أي طاهري الأرواح لأرواحهم ريح طيبة ثمرة إيمانهم وصالح أعمالهم ونتيجة بعدهم عما يدنس أنفسهم من أوضار الشرك وعفن المعاصي. وقوله: ﴿يقولون﴾ أي تقول لهم الملائكة وهم ملك الموت وأعوانه ﴿سلام عليكم﴾ ٤ تحييهم وفي ذلك بشارة لهم برضا ربهم وجواره الكريم. ﴿ادخلوا الجنة﴾ بأرواحهم اليوم
стр. 1434
وبأجسامهم غداً يوم القيامة. وقوله ﴿بما كنتم تعملون﴾ أي بسبب ما كنتم تعملونه من الطاعات والمسابقة في الخيرات بعد عمل قلوبكم بالإيمان واليقين والحب في الله والبغض فيه والرغبة والتوكل عليه. هذا ما تضمنته الآيات (٣١، ٣٢) وأما الآيات بعد ذلك فيقول الله مستبطئاً إيمان قريش وتوبتهم بعد تلك الحجج والبراهين والدلائل والبينات على صدق نبوة محمد ﷺ وعلى وجوب التوحيد وبطلان الشرك وعلى الإيمان باليوم الآخر. ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة﴾ أي ما ينظرون بعد هذا إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم ﴿أو يأتي أمر ربك﴾ بإبادتهم واستئصالهم، إذ لم يبق ما ينتظرونه إلا أحد هذين الأمرين وكلاهما مر وشر لهم. وقوله تعالى: ﴿كذلك فعل الذين من قبلهم﴾ من كفار الأمم السابقة فحلت بهم نقمة الله ونزل بهم عذابه فأهلكهم. ﴿وما ظلمهم الله﴾ تعالى في ذلك أبداً ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ بإصرارهم على الشرك والعناد والمجاحدة والمكابرة ﴿فأصابهم سيئات﴾ أي جزاء سيئات ﴿ما عملوا﴾ من الكفر والظلم ﴿وحاق بهم﴾ أي نزل بهم وأحاط بهم ﴿ما كانوا به يستهزئون﴾ إذ كانت رسلهم إذا خوفتهم من عذاب الله سخروا منهم واستهزأوا بالعذاب واستخفوا به حتى نزل بهم والعياذ بالله تعالى.
من هداية الآيات:
١- سوء عاقبه المكر وأنه يحيق بأهله لا محالة والمراد به المكر السيء.
٢- بيان خزي الله تعالى يوم القيامة لأهل الشرك به والمعاصي له ولرسوله.
٣- فضل أهل العلم إذ يتخذ منهم شهداء يوم القيامة ويشمتون بأهل النار.
٤- بان استسلام الظلمة عند الموت وانهزامهم وكذبهم.
٥- تقرير معتقد البعث والحياة الآخرة بأروع أسلوب وأحكمه وأمتنه.
آ- إطلاق لفظ خير على القرآن وهو حق خير فالذي أوتي القرآن أوتي الخير كله، فلا ينبغي أن يرى أحداً من أهل الدنيا خيراً منه وإلا سخط نعمة الله تعالى عليه.
٧- سعادة الدارين لأهل الإحسان وهم أهل الإيمان والإسلام والإحسان في إيمانهم بالإخلاص وفي إسلامهم بموافقه الشرع ومراقبة الله تعالى في ذلك.
стр. 1435
٨- بشرى أهل الإيمان والتقوى عند الموت، وعند القيام من القبور بالنعيم المقيم في جوار رب العالمين.
٩- إعمال القلوب والجوارح سبب في دخول الجنة وليست ثمناً لها لغلائها، وإنما الأعمال تزكي النفس وتطهر الروح وبذلك يتأهل العبد لدخول الجنة.
١٠- ما ينتظر المحرمون بإصرارهم على الظلم والشر والفساد إلا العذاب، عاجلاً أو آجلاً فهو نازل بهم حتما مقضياً إن لم يبادروا إلى التوبة الصادقة.
وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ (٣٩) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٤٠)
стр. 1436
شرح الكلمات:
وقال الذين أشركوا: هم كفار قريش ومشركوها.
ولا حرمنا من دونه من شيء: كالسوائب والبحائر والوصائل والحامات.
فهل على الرُّسل إلا البلاغ: أي ما على الرُّسل إلا البلاغ فالاستفهام للنفي.
واجتنبوا الطاغوت: أي عبادة الأصنام والأوثان.
حقت عليه الضلالة: أي وجبت في علم الله أزلا.
جهد أيمانهم: أي غايتها حيث بذلوا جهدهم فيها مبالغة منهم.
بلى وعداً عليه حقاً: أي بلى يبعث من يموت وقد وعد به وعداً وأحقه حقاً. فهو كائن لا محالة.
يختلفون فيه: أي بين المؤمنين من التوحيد والشرك.
انهم كانوا كاذبين: أي في قولهم "لا نبعث بعد الموت".
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحجاج مع مشركي قريش فيقول تعالى مُخْبراً عنهم ﴿وقال الذين أشركوا﴾ أي مع الله آلهةً أخرى وهي أصنامهم كهبل واللات والعُزَّى وقالوا لو شاء الله عدم إشراكنا به ما أشركنا نحن ولا آباؤنا، ولا حرمنا من دون تحريمه شيئاً فهل قالوا هذا إيمانا بمشيئة الله تعالى، أو قالوه استهزاء وسخرية دفاعاً عن شركهم وشرعهم الباطل في التحريم والتحليل بالهوى، والأمران محتملان. والرد عليهم بأمرين أولهما ما دام الله قد نهاهم عن الشرك والتشريع فإن ذلك أكبر دليل على تحريمه تعالى لشركهم ومحرماتهم من السوائب والبحائر وغيرها وثانيهما كونه لم يعذبهم عليها بعد ليس دليلاً على رضاه بها بدليل أن من سبقهم من الأمم والشعوب الكافرة قالوا قولتهم هذه محتجين به على باطلهم فلم يلبثوا حتى أخذهم الله، فدل ذلك قطعاً على عدم رضاه بشركهم وشرعهم إذ قال تعالى في سورة الأنعام رداً على هذه الشبهة كذلك قال الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا أي عذاب انتقامنا منهم لما كذبوا رسلنا وافتروا علينا. وقوله تعالى: ﴿كذلك فعل الذين١
стр. 1437
من قبلهم﴾ من الأمم السابقة قالوا قول هؤلاء لرسلهم وفعلوا فعلهم حتى أخذهم الله بالعذاب. وقوله ﴿فهل١ على الرسل٢ إلا البلاغ المبين﴾ أي ليس على الرسول إكراه المشركين على ترك الشرك ولا إلزامهم بالشرع وإنما عليه أن يبلغهم أمر الله تعالى ونهيه لا غير.. فلذا كان في الجملة تسلية رسول الله ﷺ وحمله على الصبر حتى يبلغ دعوة ربه وينصره على أعدائه. هذا ما دلت عليه الآية الأولى في هذا السياق (٣٥) وقوله في الآية الثانية (٣٦) ﴿ولقد بعثنا٣ في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ فأخبر تعالى بأنه ما أخلى أمة من الأمم من إرسال رسول إليها لهدايتها وبيان سبيل نجاتها وتحذيرها من طرق غوايتها وهلاكها. كما أخبر عن وحدة الدعوة بين الرسل وهي لا إله إلا الله المفسره بعبادة الله تعالى وحده، واجتناب الطاغوت وهو كل ما عبد من دون الله مما دعا الشيطان إلى عبادته بالتزيين والتحسين عن طريق الوسواس من جهة ومن طريق أوليائه من٤ الناس من جهة أخرى.
وقوله تعالى: ﴿فمنهم﴾ أي من الأمم المرسل إليهم ﴿من هدى الله﴾ فعرف الحق واعتقده وعمل به فنجا وسعد، ﴿ومنهم من حقت عليه الضلالة٥﴾ أزلاً في كتاب المقادير لأنه أصر على الضلال وجادل عنه وحارب من أجله باختياره وحريته فحرمه الله لذلك التوفيق فضلَّ ضلالاً لا أمل في هدايته. وقوله تعالى: ﴿فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ أمرٌ لكفار قريش المجادلين بالباطل المحتجين على شركهم وشرعهم الباطل أمرٌ لهم أن يسيروا في الأرض جنوباً أو شمالاً فينظروا كيف كانت عاقبة المكذبين أمثالهم من أمة عاد في الجنوب وثمود في الشمال، ومدين ولوط وفرعون في الغرب. وقوله تعالى في تسلية رسوله والتخفيف من الهمَّ عنه: ﴿إن تحرص﴾ يا رسولنا
стр. 1438
﴿على هداهم﴾ أي هدايتهم إلى الحق ﴿فإن الله لا يهدي من يضل١﴾ فخفف على نفسك وهون عليها فلا تأسف ولا تحزن وادع إلى ربك في غير حرص يضر بك وقوله ﴿لا يهدي من يضل﴾ أي لا يقدر أحد أن يهدي من أضله الله، لأن اضلال الله تعالى يكون على سنن خاصة لا تقبل التبديل ولا التغيير لقوة سلطانه وسعة عمله. وقوله ﴿وما لهم من ناصرين﴾ أي وليس لأولئك الضلال الذين أضلهم الله حسب سنته من ناصرين ينصرونهم على ما سينزل بهم من العذاب وما سيحل بهم من خسرانٍ وحرمان. وقوله تعالى في الآية (٣٨) ﴿وأقسموا بالله جهد٢ أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ اخبار عن قول المشركين والمكذبين باليوم الآخر أصحاب القلوب المنكرة، ومعنى ﴿أقسموا بالله جهد أيمانهم٣﴾ أي حلفوا أشد الإيمان إذ كانوا في الأمور التافهة يحلفون بآلهتهم وآبائهم. وإذا كان الأمر ذا خطر وشأن أقسموا بالله وبالغوا في الإقسام حتى يبلغوا جهد أيمانهم والمحلوف عليه هو أنهم إذا ماتوا لا يبعثون أحياء فيحاسبون ويجزون فرد الله تعالى عليهم بقوله ﴿بلى﴾ أي تبعثون وعد الله حقاً فلا بد ناجز ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون٤﴾ فلذا ينفون البعث وينكرونه لجهلهم بأسرار الكون والحياة وعلل الوجود والعمل فيه فلذا أشار الله تعالى إلى بعض تلك العلل في قوله: ﴿ليبين لهم الذي يختلفون فيه﴾ فلولا البعث الآخر ما عرف المُحق من المبطل في هذه الحياة والخلاف سائد ودائم بين الناس. هذا أولاً. وثانياً: ﴿وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين٥﴾ في اعتقاداتهم وأعمالهم ونفيهم الحياة الثانية للجزاء على العمل في دار العمل هذه أما استبعادهم البعث بعد الموت نظرا إلى وسائلهم ووسائطهم الخاصة بهم فقد أخبرهم تعالى بأن الأمر ليس كما تقدرون أنتم وتفكرون: إنه مجرد ما تتعلق إرادتنا بشيء نريد أن يكون، نقول له كن
стр. 1439
فيكون فوراً، والبعث الآخر من ذلك. هذا ما دل عليه قوله في الآية (٤٠) ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون١﴾ ولا يقولن قائل كيف يخاطب غير الموجود فيأمره ليوجد فإن الله تعالى إذا أراد شيئاً علمه أولاً ثم قال له كن فهو يكون.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الرد على شبهة المشركين في احتجاجهم بالمشيئة الإلهية.
٢- تفسير لا إله إلا الله.
٣- التحذير من تعمد الضلال وطلبه والحرص عليه فإن من طلب ذلك وأضله الله لا ترجى هدايته.
٤- بيان بعض الحكم في البعث الآخر.
٥- لا يستعظم على الله خلق شيء وإيجاده، لأنه يوجد بكلمة التكوين فقط.
وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)
شرح الكلمات:
والذين هاجروا في الله: أي خرجوا من مكة في سبيل الله نصرةً لدينه وإقامته بين الناس.
стр. 1440
لنبوئنهم في الدنيا حسنة: أي لننزلنهم داراً حسنة هي المدينة النبوية هذا بالنسبة لمن نزلت فيهم الآية.
الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون: أي على أذى المشركين وهاجروا متوكلين على ربهم في دار هجرتهم.
فاسألوا أهل الذكر: أي أيها الشاكوّن فيما جاء به محمد ﷺ فاسألوا أهل التوراة والإنجيل لإزالة شككم ووقوفكم على الحقيقة وأن ما جاء به محمد حق وأن الرسل قبله كلهم كانوا بشراً مثله.
بالبينات والزبر: أي أرسلناهم بشراً بالبينات والزبر١ لهداية الناس.
وأنزلنا إليك الذكر: أي القرآن.
لتبين للناس ما نزل إليهم: علة لإنزال الذكر إذ وظيفة الرسل، البيان.
معنى الآيات:
إنه بعد اشتداد الأذى على المؤمنين لعناد المشركين وطغيانهم، أذن الله تعالى على لسان رسوله للمؤمنين بالهجرة من مكة إلى الحبشة ثم إلى المدينة فهاجر رجال ونساء فذكر تعالى ثناء عليهم وتشجيعاً على الهجرة من دار الكفر فقال ﴿والذين هاجروا٢ في الله﴾ أي في ذات الله ومن أجل عبادة الله ونصرة دينه ﴿من بعد ما ظلموا﴾ أي من قبل المشركين ﴿لنبوئنهم﴾ أي لننزلهم ولنسكننهم ﴿في الدنيا حسنة﴾ وهي المدينة النبوية ولنرزقنهم فيها رزقاً حسناً هذا بالنسبة لمن نزلت٣ فيهم الآية، وإلا فكل من هاجر في الله ينجز له الرب هذا الوعد كما قال تعالى: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيرا وسعة﴾ أي في العيش والرزق ﴿ولأجر الآخرة﴾ المعد لمن هاجر في سيبل