خلالهما نهراً: أي خلال الأشجار والنخيل نهراً جارياً.
وهو يحاوره: أي يحادثه ويتكلم معه.
وأعز نفراً: أي عشيرة ورهطاً.
تبيد: أي تفنى وتذهب.
خيراً منها منقلباً: أي مرجعاً في الآخرة.
أكفرت بالذي خلقك من تراب؟ ! : الاستفهام للتوبيخ والخلق من تراب باعتبار الأصل هو آدم.
من نطفة: أي مني.
ثم سواك: أي عدلك وصيرك رجلاً.
لكنا: أي لكن أنا، حذفت الألف وأدغمت النون في النون فصارت لكنا.
هو الله ربي: أي أنا أقول الله ربي.
معنى الآيات:
يقول تعالى لرسوله ﷺ : واضرب لأولئك المشركين المتكبرين الذين اقترحوا عليك أن تطرد الفقراء المؤمنين من حولك حتى يجلسوا إليك ويسمعوا منك ﴿اضرب١ لهم﴾ أي اجعل لهم مثلاً: ﴿رجلين﴾ مؤمناً وكافراً ﴿جعلنا لأحدهما﴾ وهو الكافر ﴿جنتين من أعناب وحففناهما بنخل﴾ أي أحطناهما بنخل، ﴿وجعلنا بينهما﴾ أي بين الكروم والنخيل ﴿زرعاً﴾ ﴿كلتا الجنتين٢ آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً﴾ أي لم تنقص منه شيئاً ﴿وفجرنا خلالهما نهراً﴾ ليسقيهما. ﴿وكان٣ له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره﴾ أي في الكلام يراجعه، ويُفاخره: ﴿أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً٤﴾ أي عشيرة ورهطاً، قال هذا فخراً وتعاظماً. ﴿ودخل جنته﴾ والحال أنه ﴿ظالم لنفسه﴾ بالكفر والكبر وقال: ﴿ما أظن٥ أن تبيد هذه﴾ يشير إلى جنته ﴿أبداً﴾ أي لا تفنى ﴿وما أظن الساعة
стр. 1577
قائمة ولئن رددت إلى ربي﴾ كما تقول أنت ﴿لأجدن خيراً منها١﴾ أي من جنتي ﴿منقلباً﴾ أي مرجعاً إن قامت الساعة وبعث الناس وبعثت معهم. هذا القول من هذا الرجل هو ما يسمى بالغرور النفسي الذي يصاب به أهل الشرك والكبر. وهنا قال له صاحبه المسلم ﴿وهو يحاوره﴾ أكفرت بالذي خلقك من تراب﴾ ؟ وهو الله حيث خلق أباك آدم من ﴿تراب ثم من نطفة٢﴾ أي ثم خلقك أنت من نطفة أي من مني ﴿ثم سواك رجلاً﴾ وهذا توبيخ من المؤمن للكافر المغرور ثم قال له: ﴿لكنا هو الله ربي﴾ أي لكن أنا أقول: هو الله ربي، ﴿ولا أشرك بربي أحداً﴾ من خلقه في عبادته.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- استحسان ضرب الأمثال للوصول بالمعاني االخفية إلى الأذهان.
٢- بيان صورة مثالية لغرس بساتين النخل والكروم.
٣- تقرير عقيدة التوحيد والبعث والجزاء.
٤- التنديد بالكبر والغرور حيث يفضيان بصاحبهما إلى الشرك والكفر.
وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُن لَّهُ
стр. 1578
فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)
شرح الكلمات:
ما شاء الله: أي يكون وما لم يشأ لم يكن.
حسباناً من السماء: أي عذاباً ترمى به فتؤول إلى أرض ملساء دحضاً لا يثبت عليها قدم.
أو يصبح ماؤها غوراً: أي غائراً في أعماق الأرض فلا يَقْدِرُ على استنباطِه وإخراجه.
وأحيط بثمره: أي هلكت ثماره، فلم يبق منها شيء.
يقلب فكفيه: ندماً وحسرة على ما أنفق فيها من جهد كبير ومال طائل.
وهي خاوية على عروشها: أي ساقطة على أعمدتها التي كان يُعرش بها للكرم، وعلى جدران مبانيها.
فئة: جماعة من الناس قوية كعشيرته من قومه.
هنالك: أي حين حل العذاب بصاحب الجنتين أي يوم القيامة.
الولاية: أي الملك والسلطان الحق لله تعالى.
خير ثواباً وخير عقباً: أي الله تعالى خير من يثيب وخير من يُعقب أي يحزي بخير.
معنى الآيات:.
ما زال السياق الكريم في المثل المضروب للمؤمن الفقير والكافر الغني فقد قال المؤمن للكافر ما أخبر تعالى به في قوله: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك﴾ أي هلا إذ دخلت بستانك قلت عند تعجبك من حسنه وكماله ﴿ما شاء الله﴾ أي١ كان ﴿لا قوة إلا٢ بالله﴾ أي لا قوة لأحد على فعل شيء
стр. 1579
أو تركه إلاّ بإقدار الله تعالى له وإعانته عليه قال هذا المؤمن نصحاً للكافر وتوبيخاً له. ثم قال له١ ﴿إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً﴾ اليوم ﴿فعسى٢ ربي﴾ أي فرجائي في الله ﴿أن يؤتيني خيراً من جنتك ويرسل عليها﴾ أي على جنة الكافر ﴿حسبانا٣ من السماء﴾ أي عذاباً ترمى به. ﴿فتصبح صعيداً زلقاً﴾ ؟ أي تراباً أملس لا ينبت زرعاً ولا يثبت عليه قدم. ﴿أو يصبح ماؤها غوراً﴾ الذي تسقى به غائراً في أعماق الأرض فلن تقدر على إستخراجه مرة أخرى، وهو معنى ﴿فلن تستطيع له طلباً﴾ .
وقوله تعالى: في الآيات (٤٠) ، (٤١) ، (٤٢) يخبر تعالى أن رجاء المؤمن قد تحقق إذ قد أحيط فعلاً ببستان الكافر فهلك بكل ما فيه من ثمر ﴿فأصبح يقلب كفيه﴾ ندماً وتحسراً ﴿على ما أنفق فيها﴾ من جهد ومال في جنته ﴿وهي خاوية على عروشها﴾ أي ساقطة على أعمدة الكرم التي كان يعرشها للكرم أي يحمله عليها كما سقطت جدران مبانيها على سقوفها وهو يتحسر ويتندم ويقول: ﴿يا ليتني لم أشرك بربي أحداً، ولم تكن له﴾ جماعة قوية تنصره ﴿من دون الله وما كان﴾ المنهزم ﴿منتصراً﴾ لأن من خذله الله لا ناصر له. قال تعالى: في نهاية المثل الذي هو أشبه بقصة ﴿هنالك﴾ أي يوم القيامة ﴿الولاية﴾ أي القوة والملك والسلطان ﴿لله﴾ أي المعبود ﴿الحق﴾ لا لغيره من الأصنام والأحجار ﴿هو﴾ تعالى ﴿خير ثواباً﴾ أي خير من يثيب على الإيمان والعمل الصالح. ﴿وخير عقباً٤﴾ أي خير من يعقب أي يجزي بحسن العواقب
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١ بيان مآل المؤمنين كصهيب وسلمان وبلال، وهو الجنّة ومآل الكافرين كأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وهو النار.
٢- استحباب قول من أعجبه شيء: ﴿ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله﴾ فإنه لا يرى فيه مكروهاً إن شاء الله.
стр. 1580
٣- استجابة الله تعالى لعباده المؤمنين وتحقيق رجائهم فيه .
٤- المخذول من خذلة الله تعالى فإنه لا ينصر أبداً.
٥- الولاية بمعنى١ الموالاة النافعة للعبد هي موالاة الله تعالى لا موالاة غيره.
٦- الولاية بمعنى الملك والسلطان لله يوم القيامة ليست لغيره إذ الملك والأمر كلاهما لله تعالى.
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)
شرح الكلمات:
المثل: الصفة المعجبة.
هشيماً: يابساً متفتتاً.
تذروه الرياح: أي تنثره الرياح وتفرقه لخفته ويبوسته.
مقتدراً: أي كامل القدرة لا يعجزه شيء.
زينة الحياة الدنيا: أي يتجمل بما فيها.
والباقيات الصالحات: هي الأعمال الصالحة من سائر العبادات والقربات.
وخير أملاً: أي ما يأمله الإنسان وينتظره من الخير.
معنى الآيات:
هذا مثل آخر مضروب أي مجعول للحياة الدنيا حيث اغتر بها الناس وخدعتهم فصرفتهم عن الله تعالى ربهم فلم يذكروه ولم يشكروه فاستوجبوا غضبه وعقابه.
стр. 1581
قال تعالى: في خطاب رسوله محمد ﷺ : ﴿واضرب لهم﴾ أي لأولئك المغرورين بالمال والسلطان ﴿مثل الحياة الدنيا﴾ أي صفتها الحقيقية التي لا تختلف عنها بحال ﴿كماء أنزلناه من١ السماء، فاختلط به نبات الأرض﴾ فَزَهَا وازدهر واخضرّ وأنظر، فأعجب أصحابه، وأفرحهم وسرهم ما يأملون منه. وفجأة أتاه أمر الله برياح لاحِفَة، محرقة، ﴿فأصبح٢ هشيماً﴾ أي يابساً متهشماً متكسراً ﴿تذروه الرياح﴾ هنا وهناك ﴿وكان الله على كل شيء مقتدراً﴾ أي قادراً كامل القدرة، فأصبح أهل الدنيا مبلسين آيسين من كل خير.
وقوله تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً﴾ إنه بعد أن ضرب المثل للحياة الدنيا التي غرت أبناءها فأوردتهم موارد الهلاك أخبر بحقيقة أخرى، يعلم فيها عباده لينتفعوا بها، وهي أن ﴿المال والبنون﴾ أو الأولاد ﴿زينة الحياة٣ الدنيا﴾ لا غير أي يتجمل بهما ساعة ثم يبيدان ويذهبان، فلا يجوز الاغترار بهما، بحيث يصبحان همَّ الإنسان في هذه الحياة فيصرفانه عن طلب سعادة الآخرة بالإيمان وصالح الأعمال، هذا جزء الحقيقة في هذه الآية، والجزء الثاني هو أن ﴿الباقيات الصالحات﴾ والمراد بها أفعال البر وضروب العبادات ومنها سبحان الله٤، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، أي هذه ﴿خير ثواباً﴾ أي جزاءً وثماراً، يجنيه العبد من الكدح المتواصل في طلب الدنيا مع الإعراض عن طلب الآخرة، ﴿وخير أملاً﴾ يأمله الإنسان من الخير ويرجوه ويرغب في تحصيله.
стр. 1582
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان حقارة الدنيا وسوء عاقبتها.
٢- تقرير أن المال والبنين لا يعدوان كونهما زينة، والزينة سريعة الزوال وهما كذلك فلا يجوز الاغترار بهما، وعلى العبد أن يطلب ما يبقى على ما يفنى وهو الباقيات الصالحات من أنواع البر والعبادات من صلاة وذكر وتسبيح وجهاد، ورباط، وصيام وزكاة.
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)
شرح الكلمات:
نُسير الجبال: أي تقتلع من أصولها وتصير هباءً منبثاً.
بارزة: ظاهرة إذ فنى كل ما كان عليها من عمران.
فلم نغادر: لم نترك منهم أحداً.
موعداً: أي ميعاداً لبعثكم أحياء للحساب والجزاء.
ووضع الكتاب: كتاب الحسنات وكتاب السيئات فيؤتاه المؤمن بيمينه والكافر بشماله.
مشفقين: خائفين.
يا ويلتنا: أي يا هلكتنا احضري هذا أوَان حُضُورك.
لا يغادر صغيرة: أي لا يترك صغيرة من ذنوبنا ولا كبيرة إلاّ جمعها عَدَّاً.
стр. 1583
ما عملوا حاضراً: مثبتاً في كتابهم، مسجلاً فيها.
معنى الآيات:
لما ذكر تعالى مآل الحياة الدنيا وأنه الْفَناء والزوال ورغِّب في الصالحات وثوابها المرجوا يوم القيامة، ناسب ذكر نبذة عن يوم القيامة، وهو يوم الجزاء على الكسب في الحياة الدنيا قال تعالى: ﴿ويوم نسير الجبال﴾ أي اذكر ﴿يوم نسير﴾ أي تقتلع١ من أصولها وتصير هباءً منبثاً، ﴿وترى الأرض بارزة﴾ ظاهرة ليس عليها شيء فهي قاع صفصف ﴿وحشرناهم﴾ أي جمعناهم من قبورهم للموقف ﴿فلم نغادر٢ منهم أحداً﴾ أي لم نترك منهم أحداً كائناً من كان، ﴿وعرضوا على ربك﴾ أيها الرسول صفاً وقوفاً أذلاء، وقيل لهم توبيخاً وتقريعاً: ﴿لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة٣﴾ لا مال معكم ولا سلطان لكم بل حفاة عراة غُرلاً٤، جمع أغرل، وهو الذي لم يختتن.
وقوله تعالى: ﴿بل زعمتم٥﴾ أي ادعيتم كذباً أنا لا نجمعكم ليوم القيامة، ولن نجعل لكم موعداً فها أنتم مجموعون لدينا تنتظرون الحساب والجزاء، وفي هذا من التوبيخ والتقريع ما فيه، وقوله تعالى في الآية ﴿ووضع الكتاب﴾ يخبر تعالى عن حال العرض عليه فقال: ﴿ووضع الكتاب٦﴾ أي كتاب الحسنات والسيئات وأعطى كل واحد كتابه فالمؤمن يأخذه بيمينه والكافر بشماله، ﴿فترى المجرمين﴾ في تلك الساعة ﴿مشفقين﴾ أي خائفين ﴿مما فيه﴾ أي في الكتاب من السيئات ﴿ويقولون: يا وليتنا﴾ ٧ ندماً وتحسراً ينادون يا ويلتهم وهي هلاكهم قائلين:
стр. 1584
﴿ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة١ ولا كبيرة﴾ من ذنوبنا ﴿إلاّ أحصاها﴾ أي أثبتها عَدّاً.
وقوله تعالى في آخر العرض ﴿ووجدوا ما عملوا حاضراً﴾ أي من خير وشر مثبتاً في كتابهم، وحوسبوا به، وجوزوا عليه ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾ بزيادة سيئة على سيئاته أو بنقص حسنة من حسناته، ودخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرضها على مسامع المنكرين لها.
٢- يبعث الإنسان كما خلقه الله ليس معه شيء، حافياً عارياً لم يقطع منه غفلة الذكر.
٣- تقرير عقيدة كتب الأعمال في الدنيا وإعطائها أصحابها في الآخرة تحقيقاً للعدالة الإلهية.
٤- نفي الظلم عن الله تعالى وهو غير جائز عليه لغناه المطلق وعدم حاجته إلى شيء.
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)
شرح الكلمات:
اسجدوا لآدم: أي حيّوه بالسجود له كما أمرتكم طاعة لي.
إلا إبليس: أي الشيطان أبى السجود ورفضه وهو معنى ﴿فسق عن أمر ربه﴾ أي
стр. 1585
خرج عن طاعته، ولم يكن من الملائكة، بل كان من الجن، لذا أمكنه أن يعصي ربه!
أفتتخذونه وذريته أولياء؟ : الاستفهام للاستنكار، ينكر تعالى على بني آدم اتخاذ الشيطان وأولاده أولياء يطاعون ويوالون بالمحبة والمناصرة، وهم لهم عدو، عجباً لحال بني آدم كيف يفعلون ذلك!؟.
بئس للظالمين بدلاً: قبح بدلاً طاعة إبليس وذريته عن طاعة الله ورسوله.
المضلين عضداً: أي ما كنت متخذ الشياطين من الإنس والجن أعواناً في الخلق والتدبير، فكيف تطيعونهم وتعصونني.
موبقاً: أي وادياً من أودية جهنم يهلكون فيه جميعاً هذا إذا دخلوا النار، أما ما قبلها فالموبق، حاجز بين المشركين، وما كانوا يعبدون بدليل قوله: ﴿ورأي المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها﴾ .
مواقعوها: أي واقعون فيها ولا يخرجون منها أبداً.
ولم يجدوا عنها مصرفاً: أي مكاناً غيرها ينصرفون إليه لينجوا من عذابها.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في إرشاد بني آدم وتوجيههم إلى ما ينجيهم من العذاب ويحقق لهم السعادة في الدارين، قال تعالى في خطاب رسوله واذكر لَهُم ﴿إذ قلنا للملائكة﴾ وهم عبادنا المكرمون ﴿اسجدوا لآدم﴾ فامتثلوا أمرنا وسجدوا إلاّ إبليس. لكن إبليس الذي يطيعه الناس اليوم كان من الجن وليس من الملائكة لم يسجد، ففسق١ بذلك عن أمرنا وخرج عن طاعتنا. ﴿أفتتخدونه٢﴾ أي أيصح منكم يا بني آدم أن تتخذوا عدو أبيكم وعدو ربكم وعدوكم أيضاً ولياً توالونه وذريته٣ بالطاعة لهم والاستجابة لما يطلبون منكم من أنواع الكفر والفسق ﴿بئس للظالمين﴾ أنفسهم ﴿بدلاً﴾ طاعة الشيطان وذريته٤ وولايتهم عن
стр. 1586
طاعة الله ورسوله وولايتهما.
وقوله تعالى: ﴿ما أشهدتهم١ خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً﴾ يخبر تعالى بأنه المنفرد بالخلق والتدبير ليس له وزير معين فكيف يُعْبَدُ الشيطان وذريته، وأنا الذي خلقتهم وخلقت السموات والأرض٢ وخلقت هؤلاء الذين يعبدون الشيطان، ولم أكن ﴿متخذ المضلين﴾ وهم الشياطين من الجن والإنس الذين يضلون عبادنا عن طريقنا الموصل إلى رضانا وجنتنا، أي لم أكن لأجعل منهم معيناً لي يعضدنى ويقوي أمري وخلاصة ما في الآية أن الله تعالى ينكر على الناس عبادة الشياطين وهي طاعتهم وهم مخلوقون وهو خالقهم وخالق كل شيء.
وقوله تعالى: ﴿ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم﴾ أي أذكر يا رسولنا لهؤلاء المشركين المعرضين عن عبادة الله إلى عبادة عدوه الشيطان، أذكر لهم يوم يقال لهم في عرصات القيامة ﴿نادوا شركائي الذين﴾ أشركتموهم في عبادتي زاعمين أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم فيخلصونكم من عذابنا.
قال تعالى ﴿فدعوهم٣﴾ يا فلان!! يا فلان.. ﴿فلم يستجيبوا لهم﴾ إذ لا يجرؤ أحد ممن عبد من دون الله أن يقول رب هؤلاء كانوا يعبدونني. قال تعالى: ﴿وجعلنا بينيهم موبقاً٤﴾ أي حاجزاً وفاصلاً من عداوتهم لبعضهم. وحتى لا يتصل بعضهم ببعض في عرصات القيامة. وقوله تعالى: ﴿ورأى المجرمون النار﴾ أي يؤتى بها تُجَرُّ بالسلاسل حتى تبرز لأهل الموقف فيشاهدونها وعندئذ يظن٥ المجرمون أي يوقنوا ﴿أنهم مواقعوها﴾ أي داخلون فيها. ﴿ولم يجدوا عنها مصرفاً٦﴾ أي مكاناً ينصرفون إليه لأنهم محاطون بالزبانية، والعياذ بالله من النار وعذابها.
стр. 1587
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير عداوة إبليس وذريته لبني آدم.
٢- العجب من بني آدم كيف يطيعون عدوهم ويعصون ربهم!!
٣- لا يستحق العبادة أحد سوى الله لأنه الخالق لكل معبود مما عُبِدَ من سائر المخلوقات.
٤- بيان خزي المشركين يوم القيامة حيث يطلب إليهم أن يدعوا شركاءهم لإغاثتهم فيدعونهم فلا يستجيبون لهم.
٥- جمع الله تعالى المشركين وما كانوا يعبدون من الشياطين في موبق واحد في جهنم وهو وادي من شر أودية جهنم وأسوأها.
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)
стр. 1588
وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا (٥٩)
شرح الكلمات:
صرفنا: أي بيّنا وكررنا البيان
من كل مثل: المثل الصفة المستغربة العجيبة.
جدلاً: أي مخاصمة بالقول.
سنة الأولين: أي العذاب بالإبادة الشاملة والاستئصال التام.
قبلا: عياناً ومشاهدة.
ليدحضوا به الحق: أي يبطلوا به الحق.
هزواً: أي مهزوءاً به.
أكنة: أغطية.
وفي آذانهم وقراً: أي ثقلاً فهم لا يسمعون.
موئلاً: أي مكاناً يلجأون إليه.
لمهلكهم موعداً: أي وقتاً معيناً لإهلاكهم.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في بيان حجج الله تعالى على عباده ليؤمنوا به ويعبدوه وحده فينجوا من عذابه ويدخلوا دار كرامته فقال تعالى: ﴿ولقد صرفنا١ في هذا القرآن من كل مثل﴾ أي ضربنا فيه الأمثال الكثيرة وبيّنا فيه الحجج العديدة، ﴿وصرفنا فيه﴾ من الوعد والوعيد ترغيباً وترهيباً، وقابلوا كل ذلك بالجحود والمكابرة، ﴿وكان الإنسان٢ أكثر شيء جدلاً﴾ فأكثرهم الإنسان يصرفه في الجدل والخصومات حتى لا يذعن للحق ويسلم به ويؤديه إن كان عليه. هذا ما دلت عليه الآية الأولى: (٥٤) أما الآية الثانية فقد أخبر تعالى فيها أن الناس ما منعهم ﴿أن يؤمنوا إذ جاءهم
стр. 1589
الهدى﴾ وهو بيان١ طريق السعادة والنجاة بالإيمان وصالح الأعمال بعد التخلي عن الكفر والشرك وسوء الأعمال ﴿ويستغفروا ربهم إلاّ أن تأتيهم سنة الأولين﴾ بعذاب الاستئصال والإبادة الشاملة، ﴿أو يأتيهم﴾ عذاب يوم القيامة معاينة٢ وهو معنى قوله تعالى: ﴿أو يأتيهم العذاب قبلاً٣﴾ وحينئذ لا ينفع الإيمان. وقوله تعالى: ﴿وما نرسل المرسلين إلاّ مبشرين ومنذرين﴾ أي دعاة هداة يبشرون من آمن وعمل صالحاً بالجنة وينذرون من كفر، وعمل سوءاً بالنار. فلم نرسلهم جبارين ولم نكلفهم بهداية الناس أجمعين، لكن الذين كفروا يتعامون عن هذه الحقيقة ويجادلون ﴿بالباطل ليدحضوا به الحق﴾ . ﴿واتخذوا﴾ آيات الله وحججه ﴿وما أنذروا﴾ به من العذاب اللازم لكفرهم وعنادهم اتخذوه سخرية وهزءاً يهزءون به ويسخرون منه وبذلك أصبحوا من أظلم الناس. وهو ما قررته الآية (٥٧) إذ قال تعالى فيها: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه﴾ أي من الإجرام والشر والشرك. اللهم إنه لا أحد أظلم من هذا الإنسان الكافر العنيد. ثم ذكر تعالى سبب ظلم وإعراض ونسيان هؤلاء الظلمة المعرضين الناسين وهو أنه تعالى حسب سنته فيمن توغل في الشر والظلم والفساد يجعل على قلبه كناناً يحيطه به فيصبح لا يفقه شيئاً. ويجعل في أذنيه ثقلاً فلا يسمع الهدى. ولذا قال لرسوله ﷺ : ﴿وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً﴾ أي بعد ما جعل على قلوبهم من الأكنة وفي آذانهم من الوقر ﴿أبداً﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا﴾ أي لو يؤاخذ هؤلاء الظلمة المعرضين ﴿لعجل لهم العذاب﴾ ، ولكن مغفرته ورحمته تأبيان ذلك وإلاّ لعجل لهم العذاب فأهلكهم أمامكم وأنتم تنظرون. ولكن ﴿لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلاً٤﴾ يئلون إليه ولا ملجأ يلجأون إليه. ويرجح أن يكون ذلك يوم بدر لأن السياق في الظلمة المعاندين المحرومين من هداية الله كأبي جهل وعقبة ابن أبي معيط والأخنس بن شريق، هذا أولاً. وثانياً قوله تعالى: ﴿وتلك٥ القرى أهلكناهم لما ظلموا﴾ يريد أهل القرى من قوم هود وقوم صالح وقوم لوط.
стр. 1590
﴿وجعلنا لمهلكهم موعداً﴾ أي لهلاكهم موعداً محدداً فكذلك هؤلاء المجرمون من قريش، وقد أهلكهم ببدر ولعنهم إلى الأبد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- لقد أعذر الله تعالى إلى الناس بما يبين في كتابه من الحجج وما ضرب فيه من الأمثال.
٢- بيان غريزة الجدل في الإنسان والمخاصمة.
٣- بيان مهمة الرسل وهي البشارة والنذارة وليست إكراه الناس على الإيمان.
٤- بيان عظم ظلم من يُذَكَّرُ بالقرآن فيعرض ويواصل جرائمه ناسياً ما قدمت يداه.
٥- بيان سنة الله في أن العبد إذا اواصل الشر والفساد يحجب عن الإيمان والخير ويحرم الهداية أبداً حتى يهلك كافراً ظالماً فيخلد في العذاب المهين.
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ
стр. 1591
مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)
شرح الكلمات:
وإذ قال موسى لفتاه: أي أذكر إذ قال موسى بن عمران نبي بني إسرائيل لفتاه يوشع بن نون بن افرايم بن يوسف ﵇.
مجمع البحرين: أي حيث التقى البحران بحر فارس وبحر الروم.
حقباً: الحقب الزمن وهو ثمانون سنة والجمع أحقاب.
سبيله في البحر سرباً: أي طريقه في البحر سرباً أي طريقاً كالنفق.
فلما جاوزا: أي المكان الذي فيه الصخرة ومنه اتخذ الحوت طريقه في البحرسرباً.
في البحر عجباً: أي عجباً لموسى حيث تعجب من إحياء الحوت واتخاذه في البحر طريقاً كالنفق في الجبل.
قصصاً: أي يتتبعان آثار أقدامهما.
عبداً من عبادنا: هو الخضر ﵇.
مما علمت رشداً: أي ما هو رشاد إلى الحق ودليل على الهدى.
ما لم تحط به خبراً: أي علماً.
ولا أعصي لك أمراً: أي انتهى إلى ما تأمرني به وإن لم يكن موافقاً هواي.
معنى الآيات:
هذه قصة موسى١ مع الخضر ﵉ وهي تقرر نبوة محمد ﷺ وتؤكدها. إذ مثل هذا القصص الحق لا يتأتى لأحد أن يقصه ما لم يتلقه وحياً من الله . قال تعالى: ﴿وإذ قال موسى﴾ أي أذكر يا رسولنا تدليلاً على توحيدنا ولقائنا ونبوتك. إذ قال موسى بن عمران نبينا إلى بني إسرائيل لفتاه٢ يوشع بن نون ﴿لا أبرح﴾ أي سائراً ﴿حتى أبلغ مجمع٣ البحرين﴾ حيث أرشدني ربي إلى لقاء عبدٍ هناك من عباده هو أكثر مني علماً حتى
стр. 1592
اتعلم منه علماً أزيده على علمي، ﴿أو أمضي حقباً١﴾ أي أواصل سيري زمناً طويلاً حتى أظفر بهذا العبد الصالح لأتعلم عنه. قوله تعالى: ﴿فلما بلغا مجمع بينهما﴾ أي بين البحرين وهما بحر الروم وبحر فارس عند باب المندب حيث التقى البحر الأحمر والبحر الأبيض. أو البحر الأبيض والأطلنطي عند طنجة والله أعلم بأيهما أراد. وقوله ﴿نسيا حوتهما﴾ أي نسي الفتى الحوت، إذ هو الذي كان يحمله، ولكن نسب النسيان إليهما جرياً على المتعارف من لغة العرب٢، وهذا الحوت قد جعله الله تعالى علامة لموسى على وجود الخضر حيث يفقد الحوت، إذ القصة كما في البخاري تبتدىء بأن موسى خطب يوماً في بنى إسرائيل فأجاد وأفاد فأعجب به شاب من بني إسرائيل فقال له: هل يوجد من هو أعلم منك يا موسى؟ فقال: لا. فأوحى إليه ربه فوراً بلى عبدنا خضر، فتاقت نفسه للقياه للتعلم عنه، فسأل ربه ذلك، فأرشده إلى مكان لقياه وهو مجمع البحرين، وجعل له الحوت علامة فأمره أن يأخذ طعامه حوتاً وأعلمه أنه إذا فقد الحوت فثم يوجد عبد الله خضر ومن هنا لما بلغا مجمع البحرين واستراحا فنام موسى٣ والفتى شبه نائم وإذا بالحوت يخرج من المكتل "وعاء" ويشق طريقه إلى البحر فينجاب عنه البحر فيكون كالطاق أو النفق آية لموسى. ويغلب النوم على يوشع فينام فلما استراحا قاما مواصلين سيرهما ونسي الفتى وذهب من نفسه خروج الحوت من المكتل ودخوله في البحر لغلبة النوم فلما مشيا مسافة بعيدة وشعرا بالجوع وقد جاوزا المنطقة التي هي مجمع البحرين٤ قال موسى للفتى ﴿آتنا٥ غداءنا﴾ وعلل ذلك بقوله: ﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً﴾ أي تعباً. هنا قال الفتى لموسى ما قصَّ الله تعالى: قال مجيباً لموسي ﴿أرأيت﴾ أي أتذكر ﴿إذ أوينا إلى الصخرة﴾ التي استراحا عندها ﴿فإني نسيت الحوت﴾ وقال كالمعتذر، ﴿وما أنسانيه إلاّ الشيطان أن أذكره٦، واتخذ سبيله﴾ أي طريقه ﴿في البحر عجباً﴾ أي حيي بعد موت
стр. 1593
ومشى حتى انتهى إلى البحر وانجاب له البحر فكان كالسرب فيه أي النفق فأجابه مرسى بما قص تعالى: ﴿قال ذلك ما كنا نبغ﴾ وذلك لأن الله تعالى جعل لموسى فقدان الحوت علامة على مكان الخضر الذي يوجد فيه ﴿فارتدا﴾ أي رجعا ﴿على آثارهما قصصا﴾ أي يتتبعان آثار أقدامهما ﴿فوجدا﴾ خضراً كما قال تعالى: ﴿فوجدا عبداً١ من عبادنا﴾ وهو خضر ﴿آتيناه رحمة من عندنا﴾ أي نبوة ﴿وعلمناه من لدنا علماً﴾ وهو علم غيب خاص به ﴿قال له موسي﴾ مستعطفاً له ﴿هل أتبعك على أن تعلمني هما علمت رشداً﴾ أي مما علمك الله رشداً أي رشاداً يدُلني على الحق وتحصل لي به هداية فأجابه خضر بما قال تعالى: ﴿قال إنك لن تستطيع معي صبراً﴾ يريد أنه يرى منه أموراً لا يقره عليها وخضر لابد يفعلها فيتضايق موسى لذلك ولا يطيق الصبر، وعلل له عدم استطاعته الصبر بقوله ﴿وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً﴾ أي علماً كاملاً. فأجابه موسى وقد صمم على الرحلة لطلب العلم مهما كلفه الثمن فقال ﴿ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً﴾ أي سأنتهي إلى ما تأمرني وإن لم يكن موافقاً لما أحب وأهوى.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- عتب الله تعالى على رسوله موسى ﵇ عندما سئل هل هناك من هو أعلم منك فقال لا وكان المفروض أن يقول على الأقل الله أعلم. فعوقب لذلك فكلف هذه الرحلة الشاقة.
٢- استحباب الرفقة في السفر، وخدمة التلميذ للشيخ، إذ كان يوشع يخدم موسى بحمل الزاد.
٣- طروء النسيان على الإنسان مهما كان صالحاً.
٤- مراجعة الصواب بعد الخطأ خير من التمادي على الخطأ ﴿فارتدا على آثارهما قصصا﴾ .
٥- تجلى قدرة الله تعالى في إحياء الحوت بعد الموت، وانجياب الماء عليه حتى كان كالطاق فكان للحوت سرباً ولموسى وفتاه عجباً. وبه استدل موسى أي بهذا العجب على مكان خضر فوجده هناك.
٦- استحباب طلب المزيد من العلم مهما كان المرء عالماً وهنا أورد الحديث التالي وهو خير من قنطار ذهباً لمن حفظه وعمل به وهو قول ابن عباس ﵁ قال سأل موسى ربه: قال رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: فأي عبيدك أقضى؟ قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال: أي رب أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى
стр. 1594
علم نفسه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى. وللأثر بقية ذكره ابن جرير عند تفسير هذه الآيات.
قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا (٧٤)
شرح الكلمات:
ذكراً: أي بياناً وتفصيلاً لما خفي عليك.
لقد جئت شيئاً إمراً: أي فعلت شيئاً منكراً.
لا ترهقني: أي لا تغشني بما يعسر علي ولا أطيق حمله فتضيق علي صحبتي إياك.
نفساً زكية: أي طاهرة لم تتلوث روحها بالذنوب.
بغير نفس. أي بغير قصاص.
نكراً: الأمر الذي تنكره الشرائع والعقول من سائر المناكر! وهو المنكر الشديد النكارة.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في الحوار الذي دار بين موسى ﵇ والعالم الذي أراد أن يصحبه لطلب العلم منه وهو خضر. قوله تعالى: ﴿قال﴾ أي خضر ﴿فإن اتبعتني﴾ مصاحباً لي لطلب العلم ﴿فلا تسألني١ عن شيء﴾ أفعله مما لا تعرف له وجهاً شرعياً ﴿حتى أحدث لك منه ذكراً﴾ أي حتى أكون أنا الذي يبين لك حقيقته وما جهلت منه. وقوله تعالى: ﴿فانطلقا﴾ أي
стр. 1595
بعد رضا موسى بمطلب خضر انطلقا يسيران في الأرض١ فوصلا ميناء من المواني البحرية، فركبا سفينة كان خضر يعرف أصحابها فلم يأخذوا منهما أجر الإركاب فلما أقلعت السفينة، وتوغلت في البحر أخذ خضر فأساً فخرق السفينة، فجعل موسى يحشو بثوب له الخرق ويقول: ﴿أخرقتها لتغرق أهلها﴾ على أنهما حملانا بدون نَوْل ﴿لقد جئت شيئاً إمراً﴾ أي أتيت يا عالم منكراً فظيعاً فأجابه خضر بما قص تعالى: ﴿قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً﴾ فأجاب موسى بما ذكر تعالى عنه: ﴿قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً﴾ أي لا تعاقبني بالنسيان فإن الناسي لا حرج عليه. وكانت هذه من موسى٢ نسياناً حقاً ولا تغشني بما يعسر علي ولا أطيقه فأتضايق من صحبتي إياك.
قال تعالى: ﴿فانطلقا﴾ بعد نزولهما من البحر إلى البر فوجدا غلاماً جميلاً وسيماً يلعب مع الغلمان فأخذه خضر جانباً وأضجعه٣ وذبحه فقال له موسى بما أخبر تعالى عنه: ﴿أقتلت نفساً زكية بغير نفس﴾ زاكية طاهرة لم يذنب صاحبها ذنباً تتلوث به ش روحه ولم يقتل نفساً يستوجب بها القصاص ﴿لقد جئت شيئاً نكراً﴾ أي أتيت منكراً عظيماً بقتلك نفساً طاهرة لم تذنب ولم تكن هذه نسياناً من موسى بل كان عمداً إذ لم يطق فعل منكر كهذا لم يعرف له وجهاً٤ ولا سبباً.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- جواز الاشتراط في الصحبة وطلب العلم وغيرهما للمصلحة الراجحة.
٢- جواز ركوب السفن في البحر.
٣- مشروعية إنكار المنكر على من علم أنه منكر.
٤- رفع الحرج عن الناس.
٥- مشروعية القصاص وهو النفس بالنفس.
стр. 1596
الجزء السادس عشر
قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)
شرح الكلمات:
قال ألم أقل لك: أي قال خضر لموسى ﵉.
بعدها: أي بعد هذه المرة.
فلا تصاحبني: أي لا تتركني أتبعك.
من لدني عذراً: أي من قبلي (جهتي) عذراً في عدم مصاحبتي لك.
أهل قرية: مدينة أنطاكية.
استطعما أهلها: أي طلبا منهم الطعام الواجب للضيف.
يريد أن ينقض: أي قارب السقوط لميلانه.
فأقامه: أي الخضر بمعنى أصلحه حتى لا يسقط.
أجرًا: أي جعلا على إقامته لإصلاحه.
هذا فراق بيني وبينك: أي قولك هذا ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجراً﴾ هو نهاية الصحبة وبداية المفارقة.
بتأويل: أي تفسير ما كنت تنكره على حسب علمك.
معنى الآيات:
ما زال السياق في محاورة الخضر مع موسى ﵉، فقد تقدم إنكار موسى على
стр. 1597
الخضر قتله الغلام بغير نفس، ولا جرم إرتكبه، وبالغ موسى في إنكاره إلى أن قال: ﴿لقد جثت شيئاً نكراً١﴾ فأجابه خضر بما أخبر تعالى به في قوله: ﴿ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا﴾ لما سألتني الصحبة للتعليم، فأجاب موسى بما أخبر تعالى به في قوله: ﴿قال إن سألتك عني شيء بعدها﴾ أي بعد هذه المرة ﴿فلا تصاحبني﴾ أي اترك صحبتي فإنك ﴿قد بلغت من٢ لدني﴾ أي من جهتي وقبلي عذراً في تركك إياي.
قال تعالى: ﴿فانطلقا﴾ في سفرهما ﴿حتى إذا أتيا أهل قرية﴾ (أي مدينة) قيل إنها انطاكية ووصلاها في الليل والجو بارد فاستطعما أهلها أي طلبا منهم طعام الضيف الواجب له ﴿فأبوا أن يضيفوهما٣، فوجدا فيها﴾ أي في القرية ﴿جداراً يريد أن ينقض﴾ أي يسقط فأقامه الخضر وأصلحه فقال موسى له: ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجراً﴾ أي جعل مقابل إصلاحه، لاسيما أن أهل هذه القرية لم يعطونا حقنا من الضيافة. وهنا قال الخضر لموسى: ﴿هذا فراق بيني وبينك﴾ لأنك تعهدت إنك إذا سألتني بعد حادثة قتل الغلام عن شيء أن لا تطلب صحبتي وها أنت قد سألتني، فهذا وقت٤ فراقك إذاً ﴿سأنبئك﴾ أي أخبرك ﴿بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً﴾ من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب الوفاء بما التزم به الإنسان لآخر.
٢- وجوب الضيافة لمن استحقها.
٣- جواز التبرع بأي خير أو عمل ابتغاء وجه الله تعالى.
стр. 1598
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)
شرح الكلمات:
لمساكين: جمع مسكين وهو الضعيف العاجز عن الكسب.
يعملون في البحر: أي يؤجرون سفينتهم للركاب.
أعيبها: أي أجعلها معيبة حتى لا يرغب فيها.
غصباً: أي قهراً.
أن يرهقهما طغياناً وكفراً: أي يغشاهما: ظلماً وجحوداً
وأقرب رحما: أي رحمة إذ الرحم والرحمة بمعنى واحد.
وما فعلته عن أمري: أي عن اختيار مني بل بأمر ربي ﷻ وعظم سلطانه.
معنى الآيات:
هذا آخر حديث موسى والخضر ﵉، فقد واعد الخضر موسى عندما أعلن له عن فراقه أن يبين له تأويل ما لم يستطع عليه صبراً، وهذا بيانه، قال تعالى (حكاية عن
стр. 1599
الخضر) ﴿أما السفينة﴾ التي خرقتُها وأنكرتَ عليَّ ذلك ﴿فكانت١ لمساكين يعملون في البحر﴾ يؤجرون سفينتهم بما يحصل لهم بعض القوت ﴿فأردت أن أعيبها٢﴾ لا لأغرق أهلها، ﴿وكان وراءهم٣ ملك٤﴾ ظالم ﴿يأخذ كل سفينة﴾ صالحة ﴿غصباً﴾ أي قهراً وإنما أردت أن أبقيها لهم إذ الملك المذكور لا يأخذ إلاّ السفن الصالحة ﴿وأمّا الغلام﴾ الذي قتلته وأنكرتَ عليَّ قتله ﴿فكان أبواه مؤمنين فخشينا﴾ إن كبر ﴿أن يرهقهما٥﴾ أي يُغشيهما ﴿طغياً وكفراً فأردنا أن يبدلهما٦ ربهما خيراً منه زكاة﴾ أي طهراً وصلاحاً ﴿وأقرب٧ رحماً﴾ أي رحمة وبراً بهما فلذا قتلته، ﴿وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما﴾ أي سن الرشد ﴿ويستخرجا كنزهما رحمة من٨ ربك﴾ أي كان ذلك رحمة ﴿وما فعلته عن أمري﴾ أي عن إرادتي واختياري بل كان بأمر الله وتعليمه. ﴿ذلك﴾ أي هذا ﴿تأويل ما لم تسطع عليه صبراً﴾ .
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان ضروب من خفي ألطاف الله تعالى فعلى المؤمن أن يرضى بقضاء الله تعالى وإن كان ظاهره ضاراً.
٢- بيان حسن تدبير الله تعالى لأوليائه بما ظاهره عذاب ولكن في باطنه رحمة.
٣- مراعاة صلاح الأباء في إصلاح حال الأبناء.
стр. 1600
٤- كل ما أتاه الخضر كان بوحي إلهي وليس هو مما يدعيه جُهال الناس ويسمون بالعلم اللَّدنيِّ وأضافوه إلى من يسمونهم الأولياء، وقد يسمونه كشفاً، ويؤكد بطلان هذا أن النبي ﷺ قال: إن الخضر قال لموسى: أنا على علم مما علمني ربي وأنت على علم مما علمك الله وإن علمي وعلمك إلى علم الله إلاّ كما يأخذ الطائر بمنقاره من البحر.
وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣)
شرح الكلمات:
ويسألونك: أي كفار قريش بتعليم يهود لهم.
ذي القرنين: الإسكندر باني الاسكندرية المصرية الحميري أحد الملوك التبابعة وكان عبداً صالحاً.
стр. 1601
سأتلوا عليكم منه ذكراً: سأقص عليكم من حاله خيراً يحمل موعظة وعلماً.
مكنا له في الأرض: بالحكم والتصرف في ممالكها.
من كل شيء سبباً: أي يحتاج إليه سبباً موصلاً إلى مراده.
فأتبع سبباً: أي فأتبع السبب سبباً آخر حتى انتهى إلى مراده.
تغرب في عين حمئة: ذات حماة وهي الطين الأسود وغروبها إنما هو في نظر العين وإلاّ فالشمس في السماء والبحر في الأرض.
قوماً: أي كافرين.
عذاباً نكراً: أي عظيماً فظيعاً.
يسرا: أي ليناً من القول سهْلا من العمل.
مطلع الشمس: أي مكاناً تطلع منه.
قوم لم نجعل لهم من دونها سترا: القوم هم الزِّنْج ولم يكن لهم يومئذ ثياب يلبسونها ولا منازل يسكنونها وإنما لهم أسراب في الأرض يدخلون فيها.
كذلك: أي الأمر كما قلنا لك ووصفنا.
بين السدين: السدان جبلان شمال شرق بلاد الترك سد ذو القرنين ما بينهما فقيل فيهما سدان.
قوماً لا يكادون يفقهون قولاً: لا يفهمون كلام من يخاطبهم إلاّ بشدة وبطء وهم يأجوج ومأجوج.
معنى الآيات:
هذه قصة العبد الصالح ذي القرنين الحمْيَري التُّبعي على الراجح من أقوال العلماء، وهو الأسكندر باني الأسكندرية المصرية، ولأمر ما لقَّب بذي القرنين١، وكان قد تضمن سؤال قريش النبي ﷺ بإيعاذ من يهود المدينة ذا القرنين إذ قالوا لقريش سلوه عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين فإن أجابكم عنها فإنه نبي، وإلاّ فهو غير نبي فَرَوْا رأيكم فيه فكان الجواب عن الروح في سورة الإسراء وعن الفتية وذي القرنين في سورة الكهف هذه وقد تقدم.
стр. 1602
الحديث التفصيلي عن أصحاب الكهف في أول السورة وهذا بدء الحديث المتضمن للإجابة عن الملك ذي القرنين ﵇ قال تعالى: ﴿ويسألونك﴾ يا نبينا ﴿عن ذي القرنين قل﴾ للسائلين من مشركي قريش ﴿سأتلوا عليكم منه١ ذكراً﴾ أي سأقرأ عليكم من أمره وشأنه العظيم ذكراً خبراً يحمل الموعظة والعلم والمعرفة: وقوله تعالى: ﴿إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً﴾ هذه بداية الحديث عنه فأخبر تعالى أنه مكن له في الأرض بالملك والسلطان، وأعطاه من كل شيء يحتاج إليه في فتحه الأرض ونشر العدل والخير فيها سبباً يوصله إلى ذلك، وقوله ﴿فأتبع سبباً﴾ ٢ حسب سنة الله في تكامل الأشياء فمن صنع إبرة وتابع الأسباب التي توصل بها إلى صنع الإبرة فإنه يصنع المسلة، وهكذا تابعه بين أسباب الغزو والفتح والسير في الأرض ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة﴾ وهي على ساحل المحيط الأطلنطي، وكونها تغرب فيها هو بحسب رأي العين، وإلاّ فالشمس في السماء والعين الحمئة٣ والمحيط إلى جنبها في الأرض وقوله تعالى: ﴿ووجد عندها﴾ أي عند تلك العين في ذلك الإقليم المغربي ﴿قوماً﴾ أي كافرين غير مسلمين فأذن الله تعالى له في التحكم والتصرف فيهم إذ يسر له أسباب الغلبة عليهم وهو معنى قوله تعالى: ﴿قلنا يا ذا القرنين﴾ وقد يكون نبياً ويكون قوله الله تعالى هذا له وحياً وهو ﴿إما أن تعذب﴾ بالأسر والقتل، ﴿وإما أن تتخذ فيهم حسنا﴾ وهذا بعد حربهم والتغلب عليهم فأجاب ذو القرنين ربه بما أخبر تعالى به: ﴿أما من ظلم٤﴾ أي بالشرك والكفر ﴿فسوف نعذبه﴾ بالقتل والأسر، ﴿ثم يرد إلى ربه﴾ بعد موته ﴿فيعذبه عذاباً نكراً﴾ أي فظيعاً أليمًا. ﴿وأما من آمن وعمل صالحاً﴾ أي أسلم وحسن إسلامه ﴿فله جزاء٥﴾ على إيمانه وصالح أعماله ﴿الحسنى﴾ أي الجنة في الآخرة ﴿وسنقول له من أمرنا يسراً﴾ فلا نغلظ له في
стр. 1603
القول ولا نكلفه ما يشق عليه ويرهقه.
وقوله تعالى: ﴿ثم أتبع سبباً﴾ أي ما تحصل عليه من القوة في فتح المغرب استخدمه في مواصلة الغزو والفتح في المشرق ﴿حتى إذا بلغ مطلع الشمس١ وجدها تطلع على٢ قوم﴾ بدائيين لم تساعدهم الأرض التي يعيشون عليها على التحضر فلذا هم لا يبنون الدور ولا يلبسون الثياب، ولكن يسكنون الكهوف والمغارات والسراديب وهو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿لم نجعل لهم من دونها﴾ أي الشمس ﴿سترا﴾ . وقوله تعالى: ﴿كذلك٣﴾ أي القول الذي قلنا والوصف الذي وصفنا لك من حال ذي القرنين ﴿وقد أحطنا بما لديه﴾ من قوة وأسباب مادية وروحية ﴿خبراً﴾ أي علماً كاملاً. وقوله تعالى: ﴿ثم أتبع﴾ أي ذو القرنين ﴿سبباً﴾ أي واصل طريقه في الغزو والفتح ﴿حتى إذا بلغ بين السدّين٤﴾ وهما جبلان بأقصى الشمال الشرقي للأرض بنى ذو القرنين بينهما سداً عظيماً حال به دون غزو يأجوج ومأجوج للإقليم المجاور لهم، وهم القوم الذين قال تعالى عنهم ﴿وجد من دونهما٥ قوماً لا يكادون يفقهون قولاً﴾ فلا يفهمون ما يقال لهم ويخاطبون به إلاّ بشدة وبطء كبير.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير نبوة النبي محمد ﷺ إذ هذا جواب آخر أسئلة قريش الثلاثة. قرأه عليهم قرآناً موحى به إليه.
٢- إتباع السبب السبب يصل به ذو الرأي والإرادة إلى تحقيق ما هو كالمعجزات.
٣- قول: ذو القرنين: ﴿أما من ظلم....﴾ الخ يجب أن يكون مادة دستورية يحكم به الأفراد والجماعات لصدقها وإجابتها وموافقتها لحكم الله تعالى ورضاه، ومن الأسف أن
стр. 1604
يعكس هذا القول السديد والحكم الرشيد فيصبح أهل الظلم مكرمين لدى الحكومات، وأهل الإيمان والاستقامة مهانين!!
٤- بيان وجود أمم بدائية إلاّ عهد ما بعد ذي القرنين لا يلبسون ثيابا ولا يسكنون سوى الكهوف والمغارات ويوجد في البلاد الكينية إلى الآن قبائل لا يرتدون الثياب، وإنما يضعون على فروجهم خيوط وسيور لا غير.
٥- تقرير أن هذا الملك الصالح قد ملك الأرض فهو أحد أربعة١ حكموا الناس شرقاً وغرباً.
قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)
стр. 1605
شرح الكلمات:
يأجوج ومأجوج: قبيلتان من أولاد يافث بن نوح ﵇ والله أعلم.
نجعل لك خرجاً: أي جعلاً مقابل العمل.
سداً: السد بالفتح والضم الحاجز المانع بين شيئين.
ردماً: حاجزاً حصيناً وهو السد.
زبر الحديد: جمع زبرة قطعة من حديد على قدر الحجرة التي يبنى بها.
بين الصدفين: أي صدف الجبلين أي جانبهما.
قطراً: القطر النحاس المذاب.
فما استطاعوا أن يظهروه: أي عجزوا عن الظهور فوقه لعلوه وملاسته.
نقبا: أي فتح ثغرة تحت تحته ليخرجوا معها.
جعله دكا: أي تراباً مساوياً للأرض.
وتركنا بعضهم: أي يأجوج ومأجوج أي يذهبون ويجيئون في اضطراب كموج البحر.
أعينهم في غطاء عن ذكري: أي عن القرآن لا يفتحون أعينهم فيما تقرأه عليهم بغضا له أو أعين قلوبهم وهي البصائر فهي في أكنة لا تبصر الحق ولا تعرفه.
لا يستطيعون سمعاً: لبغضهم للحق والداعي إليه.
معنى الآيات:
ما زال السياق في حديث ذي القرنين إذ شكا إليه سكان المنطقة الشمالية الشرقية من الأرض بما أخبر تعالى به عنهم إذ قال: ﴿قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج١ ومأجوج مفسدون في الأرض﴾ أي بالقتل والأكل والتدمير والتخريب، ﴿فهل نجعل لك خرجاً﴾ أي أجراً٢ ﴿على
стр. 1606
أن تجعل بيننا وبينهم سداً﴾ أي حاجزاً قوياً لا يصلون معه إلينا. فأجابهم ذو القرنين بما أخبر الله تعالى به في قوله: ﴿قال ما مكني فيه ربي﴾ من المال القوة والسلطان ﴿خير﴾ أي من جعلكم وخرجكم ﴿فأعينوني١ بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً٢﴾ أي أي سداً قوياً وحاجزاً مانعاً ﴿آتوني زبر الحديد﴾ أي قطع الحديد كل قطعة كالَّلِبنة المضروبة، فجاءوا به إليه فأخذ يضع الحجارة وزبر الحديد ويبْني حتى ارتفع البناء فساوى بين الصدفين جانبي الجبلين، وقال لهم ﴿انفحوا﴾ أي النار على الحديد ﴿حتى إذا جعله نارا﴾ قال آتوني بالنحاس المذاب أفرغ عليه٣ قطراً فأتوه به فأفرغ عليه من القطر ما جعله كأنه صفيحة واحدة من نحاس ﴿فما استطاعوا﴾ أي يأجوج ومأجوج ﴿أن يظهروه﴾ أي يعلوا فوقه، ﴿وما استطاعوا له نقباً﴾ أي خرقاً فلما نظر إليه وهو جبل شامخ وحصن حصين قال هذا من رحمة ربي أي من أثر رحمة ربي عليَّ وعلى الناس وأردف قائلاً ﴿فإذا جاء وعد ربي﴾ وهو خروج يأجوج ومأجوج عند قرب الساعة ﴿جعله دكاً﴾ أي تراباً مساوياً للأرض، ﴿وكان وعد ربي حقاً﴾ وهذا مما وعد به وأنه كائن لا محالة قال تعالى: ﴿وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض﴾ أي مختلطين مضطربين إنسهم٤ وجنهم ﴿ونفخ في الصور﴾ نفخة البعث ﴿فجمعناهم﴾ للحساب والجزاء ﴿جمعاً وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً﴾ حقيقياً يشاهدونها فيه من قرب، ثم ذكر ذنب الكافرين وعلة عرضهم على النار فقال: وقوله الحق: ﴿الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري﴾ أي أعين قلوبهم وهي البصائر فلذا هم لا ينظرون في آيات الله الكونية فيستدلون بها على وجود الله ووجوب عبادته وتوحيده فيها، ولا في آيات الله القرآنية فيهتدون بها إلى أنه لا إله إلاّ الله ويعبدونه بما تضمنته الآيات القرآنية، ﴿وكانوا لا يستطيعون سمعاً﴾ للحق ولما يدعوا إليه رسل الله من الهدى والمعروف
стр. 1607
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- مشروعية الجعالة للقيام بالمهام من الأعمال.
٢- فضيلة التبرع بالجهد الذاتي والعقلي.
٣- مشروعية التعاون على ما هو خير، أو دفع للشر.
٤- تقرير وجود أمة يأجوج ومأجوج، وأن خروجهم من أشراط الساعة.
٥- تقرير البعث والجزاء.
أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)
شرح الكلمات:
أفحسب الذين كفروا: الاستفهام للتقريع والتوبيخ.
أن يتخذوا عبادي: كالملائكة وعيسى بن مريم والعزير وغيرهم.
أولياء: أرباباً يعبدوهم بأنواع من العبادات.
نزلا: النزل: ما يعد للضيف من قرى وهو طعامه وشرابه ومنامه.
ضل سعيهم: أي بطل عملهم وفسد عليهم فلم ينتفعوا به.
يحسنون صنعا: أي بعمل يعمل يجازون عليه بالخير وحسن الجزاء.
وآيات ربهم: أي بالقرآن وما فيه من دلائل التوحيد والأحكام الشرعية.
ولقائه: أي كفروا بالبعث والجزاء.
وزناً: أي لا نجعل لهم قدراً ولا قيمة بل نزدريهم ونذلهم.
стр. 1608
ذلك: أي أولئك جزاؤهم جهنم وأطلق لفظ ذلك بدل أولئك، لأنهم بكفرهم وهبوط أعمالهم أصبحوا غثاء كغثاء السيل لا خير فيه ولا وزن له يستحسن أن يشار إليه بذلك.
معنى الآيات:
ينكر تعالى على المشركين شركهم ويوبخهم مقرعاً لهم على ظنهم أن اتخاذهم١ عِبادَهُ من دونه أولياء يعبدونهم كالملائكة حيث عبدهم بعض العرب والمسيح حيث عبده النصارى، والعزير حيث عبده بعض اليهود، لا يغضبه تعالى ولا يعاقبهم عليه. وكيف لا يغضبه ولا يعاقبهم عليه وقد أعد جهنم للكافرين نزلاً أي دار ضيافة لهم فيها طعامهم وفيها شرابهم وفيها فراشهم كما قال تعالى ﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش﴾ هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٠٢) وهي قوله تعالى ﴿أفحسب٢ الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ٣ إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا﴾ . وقوله تعالى في الآية الثانية (١٠٣) يخبر تعالى بأسلوب الاستفهام للتشويق للخبر فيقول ﴿قل هل ننبئكم﴾ أيها المؤمنون ﴿بالأخسرين أعمالاً﴾ إنهم ﴿الذين ضل سعيهم٤ في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً﴾ أي عملاً، ويعرفهم فيقول ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربهم﴾ فلم يؤمنوا بها، وبلقاء ربهم فلم يعملوا العمل الذي يرضيه عنهم ويسعدهم في وهو الدين الصحيح والعمل الصالح الذي شرعه الله لعباده المؤمنين به يتقربون به إليه. فلذلك حبطت أعمالهم لأنها شرك وكفر وشر وفساد، ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً٥﴾ إذ لا قيمة لهم ولا لأعمالهم الشركية الفاسدة الباطلة فإن أحدهم لا يزن جناح بعوضة لخفته.
стр. 1609
وأخيراً أعلن تعالى عن حكمه فيهم وعليهم فقال ﴿ذلك١﴾ أي المذكور من غثاء الخلق ﴿جزاؤهم جهنم﴾ وعلل للحكم فقال: ﴿بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزواً﴾ أي بسبب كفرهم واستهزائهم بآيات ربهم وبرسله فكان الحكم عادلاً، والجزاء موافقاً والحمد لله رب العالمين.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير شرك من يتخذ الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء آلهة يعبدوهم تحت شعار التقرب إلى الله تعالى والاستشفاع بهم والتوسل إلى الله تعالى بحبهم والتقرب إليهم.
٢- تقرير هلاك أصحاب الأهواء الذين يعبدون الله تعالى بغير ما شرع ويتوسلون إليه بغير ما جعله وسيلة لرضاه وجنته. كالخوارج والرهبان من النصارى والمبتدعة الروافض والإسماعيلية، والنصيرية والدروز ومن إليهم من غلاة المبتدعة في العقائد والعبادات والأحكام الشرعية.
٣- لا قيمة ولا ثقل ولا وزن لعمل لا يوافق رضا الله تعالى وقبوله له، كما لا وزن عند الله تعالى لصاحبه، وإن مات خوفا من الله أو شوقاً إليه.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨) قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ
стр. 1610
إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)
شرح الكلمات:
كانت لهم: أي جزاء إيمانهم وعملهم الصالح.
الفردوس نزلاً: هو وسط الجنة وأعلاها ونزلاً منزل إكرام وإنعام.
لا يبغون عنها حولا: أي لا يطلبون تحولاً منها لأنها لا خير منها أبداً.
لو كان البحر: أي ماؤه مداداً.
قبل أن تنفد كلمات ربي: أي قبل أن تفرغ.
لنفد البحر: أي ولم تنفد هي أي لم تفرغ.
يرجو لقاء ربه: يأمل وينتظر البعث والجزاء يوم القيامة حيث يلقى ربه تعالى.
ولا يشرك بعبادة ربه أحدا: أي لا يرائي بعمله أحداً ولا يشرك في عبادة الله تعالى غيره تعالى.
معنى الآيات:
بعدما ذكر تعالى جزاء أهل الشرك والأهواء وأنه جهنم ناسب ذكر جزاء أهل الإيمان والتقوى التي هي عمل الصالحات واجتناب المحرمات فقال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ أي صدقوا الله ورسوله وآمنوا بلقاء الله، ووعده لأوليائه، ووعيده لأعدائه من أهل الشرك والمعاصي، وعملوا الصالحات فأدوا الفرائض والواجبات وسارعوا في النوافل والخيرات هؤلاء ﴿كانت لهم﴾ في علم الله وحكمه ﴿جنات الفردوس١﴾ أي بساتين الفردوس منزلا ينزلونه ودار كرامة يكرمون فيها وينعمون، والفردوس أعلى الجنة وأوسطها قال رسول الله ﷺ واصفاً لها ومرغباً فيها وقد ارتادها وانتهى إلى مستوى فوقها ليلة الإسراء والمعراج قال: "إن سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنها أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقها عرش الرحمن ﵎، ومنه تفجر أنهار الجنة"، كما في الصحيح٢، وقوله تعالى ﴿خالدين فيها لا يبغون
стр. 1611
عنها حولا﴾ أي ماكثين فيها أبداً لا يطلبون متحولاً عنها إذ نعيمهما لا يمل وسعادتها لا تنقص، وصفْوها لا يكدر وسرورها لا ينغض بموت ولا بمرض ولا نصب ولا تعب جعلني الله ومن قال آمين من أهلها. آمين. وقوله تعالى: ﴿قل لو كان البحر مدادا١ لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾ تضمنت هذه الآية رداً على اليهود الذين لما نزل قول الله تعالى ﴿وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً﴾ في الرد عليهم لما سألوا عن الروح بواسطة وفد قريش إليهم. فقالوا: أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فأنزل الله تعالى قل لو كان البحر مداداً الآية رداً عليهم وإبطالاً لمزاعمهم فأعلمهم وأعلم كل من يدعي العلم الذي ما فوقه علم بأنه لو كان ماء البحر مداداً وكان كل غصن وعود في أشجار الدنيا كلها قلماً، وكتب بهما لنفد ماء البحر وأغصان الشجر ولم تنفد كلمات ربي التي تحمل العلوم والمعارف الإلهية وتدل عليها وتهدي إليها فسبحان الله وبحمده، سبحانه الله العظيم سبحان الله الذي انتهى إليه علم كل شيء وهو على كل شيء قدير. وقوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر٢ مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ . يأمر تعالى رسوله بأن يقول للمشركين الذين يطلبون منه المعجزات كالتي أوتى موسى وعيسى: إنما أنا بشر مثلكم لا أقدر على ما لا تقدرون عليه أنتم، والفرق بيننا هو أنه يوحى إلي الأمر من ربي وأنتم لا يوحى إليكم يوحى إليّ أنما إلهكم أي معبودكم الحق وربكم الصدق هو إله واحد الله ربكم ورب آبائكم الأولين. وقوله ﴿فمن٣ كان يرجو٤﴾ أي يأمل وينتظر ﴿لقاء ربه﴾ خوفاً منه وطمعاً فيه ﴿فليعمل عملاً صالحاً﴾ وهو مؤمن موقن، ﴿ولا يشرك بعبادة٥ ربه أحداً﴾ فإن الشرك محبط للعمل مبطل له، وبهذا يكون رجاءه صادقاً وانتظاره صالحاً صائباً.
стр. 1612
-هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
٢- بيان أفضل الجنان وهو الفردوس الأعلى.
٣- علم الله غير متناهي لأن كلماته غير متناهية.
٤- تقرير صفة الكلام لله تعالى.
٥- تقرير بشرية النبي ﷺ وأنه ليس روحاً ولا نوراً فحسب كما يقول الغلاة الباطنية.
٦- تقرير التوحيد والتنديد بالشرك.
٧- تقرير أن الرياء شرك لما ورد أن الآية نزلت في بيان حكم المرء يجاهد١ يريد وجه الله ويرغب أن يرى مكانه بين الناس، يصلى ويصوم ويحب أن يثنى عليه بذلك.
شرح الكلمات:
كَهَيَعَص ١: هذه من الحروف المقطعة تكتب كهيعص وتُقرأ كاف، هاء يا عين صاد. ومذهب السلف أن يقال فيها: الله أعلم بمراده بذلك.
ذكر رحمة ربك: أي هذا ذكر رحمة ربك.
نادى ربه: أي قال: يا رب ليسأله الولد.
نداءً خفيا: أي سر بعداً عن الرياء.
وهن العظم مني: أي رق وضعف لكبر سني.
واشتعل الرأس شيبا: أي انتشر الشيب ثما شعر رأسي انتشار النار في الحطب.
ولم أكن بدعائك رب شقيا: أي إنك لم تخيبني فيما دعوتك فيه قبل، فلا تخيبني اليوم فيما أدعوك فيه.
وإني خفت الموالي: أي خشيت بني عمي أن يضيعوا الدين بعد موتي.
إمرأتي عاقراً: لا تلد واسمها أشاع فهي أخت حنة أم مريم .
فهب لي من لدنك وليا: أي ارزقي من عندك ولداً.
ويرث من آل يعقوب: أي جدي يعقوب العلم والنبوة.
واجعله رب رضيا: أي مرضياً عندك.
سميا: أي مسمى يحيى.
معنى الآيات:
أما قوله تعالى: ﴿كَهَيَعص٢﴾ فإن هذا من الحروف المقطعة والراجح أنها من المتشابه الذي نؤمن به ونفوض فهم معناه لمنزله فنقول: ﴿كهيعص﴾ ألله أعلم بمراده به.
وأما قوله تعالى: ﴿ذكر٣ رحمة ربك عبده زكريا﴾ فإن معناه: مما تتلو٤ عليك في هذا القرآن يا نبينا
стр. 1615
فيكون دليلاً على نبوتك ذكر رحمة ربك التي رحم بها عبده زكريا حيث كبرت سنه، وامرأته عاقر لا يولد لها ورغب في الولد لمصلحة الدعوة الإسلامية إذ لا يوجد من يخلفه فيها إذا مات نظراً إلى أن الموجود من بني عمه ومواليه ليس بينهم كفؤ لذلك بل هم دعاة إلى السوء فنادى١ ربه نداء خفياً قائلاً: ﴿رب إني وهن العظم مني﴾ أي رق وضعف، ﴿واشتعل الرأس شيباً﴾ أي شاب شعر رأسي لكبر سني، ﴿ولم أكن بدعائك رب شقياً﴾ أي في يوم من الأيام بمعنى أنك عودتني الاستجابة لما أدعوك له ولم تحرمني استجابة دعائي فأشقى به دون الحصول على رغبتي. ﴿وإني﴾ يا ربي قد ﴿خفت٢ الموالي﴾ أن يضيعوا هذه الدعوة دعوة الحق التي هي عبادتك بما شرعت وحدك لا شريك لك، وذلك بعد موتي ﴿فهب لي من لدنك﴾ أي من عندك تفضلاً به علي إذ الأسباب غير متوفرة للولد: المرأة عاقر وأنا شيخ كبير هرم، ﴿ولياً﴾ أي ولداً يلي أمر هذه الدعوة بعد وفاتي فيرثني فيها ﴿ويرث٣ من آل يعقوب﴾ جدي ما تركوه بعدهم من دعوة أبيهم إبراهيم وهي الحنيفية عبادة الله وحده لا شريك له ﴿واجعله رب رضيا﴾ أي واجعل الولد الذي تهبني يا ربي ﴿رضيا﴾ أي عبداً صالحاً ترضاه لحمل رسالة الدعوة إليك، فأجابه الرب ﵎ بما في قوله: ﴿يا زكريا٤ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى٥، لم نجعل له من قبل سميا﴾ أي من سمي باسمه يحيى قط.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير نبوة محمد ﷺ بإخباره بهذا الذي أخبر به عن زكريا ﵇.
٢- استحباب السرية في الدعاء لأنه أقرب إلى الاستجابة.