← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

مفاصلة قاطعة، للنزاع الناجم عن كون كل يدعى أنه على الحق وأن دينه أصوب، وطريقته أمثل وسبيله أجدى وأنفع. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وجوب إقامة الصلاة وبيان أوقاتها المحددة لها. ٢- الترغيب في النوافل، وخاصة التهجد أي "نافلة الليل". ٣- تقرير الشفاعة العظمى للنبي ﷺ . ٤- ضعف الباطل وسرعة تلاشيه إذا صاوله الحق ووقف في وجهه. ٥- القرآن شفاء لأمراض القلوب عامة ورحمة بالمؤمنين خاصة. ٦- بيان طبع المرء الكافر وبيان حال الضعف الملازم له. ٧- تعليم الرسول ﷺ والمؤمنين كيف يتخلصون من الجدال الفارغ والحوار غير المثمر. وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٥) وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً (٨٦) إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (٨٩) شرح الكلمات: يسألونك: أي يسألك المشركون بواسطة أهل الكتاب عن الروح الذي يحيا به البدن.

стр. 1542

من أمر ربي: أي من شأنه وعلمه الذي استأثر به ولم يعلمه غيره. لنذهبن بالذي أوحينا إليك: أي القرآن بأن نمحوه من الصدور والمصاحف لفعلنا. لك به علينا وكيلا: يمنع ذلك منا ويحول دون ما أردناه منك. إلا رحمة من ربك: أي لكن أبقيناه عليك رحمة من ربك فلم نذهب به. بمثل هذا القرآن: من الفصاحة والبلاغة والمحتوى من الغيوب والشرائع والأحكام. ظهيراً: أي معيناً ونصيراً. صرفنا: بينا للناس مثلاً من جنس كل مثل ليتعظوا به فيؤمنوا ويوحدوا. فأبى أكثر الناس: أي أهل مكة إلا كفوراً أي جحوداً للحق وعناداً فيه. معنى الآيات: يقول تعالى: ﴿ويسألونك١ عن الروح﴾ إذ قد سأله المشركون عن الروح وعن أصحاب الكهف، وذي القرنين بإيعاز من يهود المدينة فأخبره تعالى: بذلك وعلمه الرد عليهم فقال: ﴿قل الروح من أمر ربي٢﴾ وعلمه الذي لا يعلمه إلا هو، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً لأن سؤالهم هذا ونظائره دال على إدعائهم العلم فأعلمهم أن ما أوتوه من العلم إلا قليل بجانب علم الله تعالى٣ وقوله تعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبن٤ بالذي أوحينا إليك﴾ هذا امتنان من الله على رسوله الذي أنزل عليه القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين بأنه تعالى قادر على محوه من صدره. وسطره، فلا تبقى منه آية ثم لا يجد الرسول وكيلاً له يمنعه من فِعْلِ الله به ذلك ولكن رحمة منه تعالى لم يشأ ذلك بل يبقيه إلى قرب قيام الساعة حجة الله على عباده وآية على نبوة محمد ﷺ ، وصدق رسالته، وليس هذا بأول إفضال من الله تعالى على رسوله، بل فضل الله عليه كبير، ولنذكر من ذلك طرفاً وهو

стр. 1543

عموم رسالته، كونه خاتم الأنبياء، العروج به إلى الملكوت الأعلى، إمامته للأنبياء الشفاعة العظمى، والمقام المحمود. وقوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت١ الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً﴾ لاشك أن هذا الذي علم الله رسوله أن يقوله له سبب وهو ادعاء بعضهم أنه في إمكانه أن يأتي بمثل هذا القرآن الذي هو آية صدق نبوة محمد ﷺ ، وبذلك تبطل الدعوى، وينتصر باطلهم على الحق. فأمر تعالى رسوله أن يرد على هذا الزعم الباطل بقوله: قل يا رسولنا لهؤلاء الزاعمين الإتيان بمثل هذا القرآن لئن اجتمعت الإنس والجن متعاونين متظاهرين على الإتيان بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ذلك لأنه وحي الله وكتابه، وحجته على خلقه، وكفى. فكيف إذا يمكن للإنس والجن أن يأتوا بمثله؟! وقوله: ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن﴾ أي بينا مثلاً من جنس كل مثل من أجل هداية الناس وإصلاحهم علهم يتذكرون فيتعظون، فيؤمنون ويوحدون فأبى أكثر الناس إلا كفوراً أي جحوداً بالحق، وإنكارا للقرآن وتكذيباً به وبما جاء فيه من الحق والهدى والنور، لما سبق القضاء الالهي من امتلاء جهنم بالغاوين وجنود إبليس أجمعين. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- علم الروح مما استأئر الله تعالى به. ٢- ما علم أهل العلم إلى علم الله تعالى إلا كما يأخذ الطائر بمنقاره من ماء المحيط. ٣- حفظ القرآن في الصدور والسطور إلى قرب الساعة. ٤- عجز الإنس والجن عن الإتيان بقرآن كالقرآن الكريم. ٥- لما سبق في علم الله من شقاوة الناس تجد أكثرهم لا يؤمنون. وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا

стр. 1544

زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَّسُولاً (٩٤) قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً (٩٥) شرح الكلمات: ينبوعاً: عيناً لا ينضب ماؤها فهي دائمة الجريان. جنة: بستان كثير الأشجار. كسفاً: قطعاً جمع كسفة كقطعة. قبيلاً: مقابلة لنراهم عياناً. من زخرف: من ذهب. ترقى: تصعد في السماء مطمئنين: ساكنين في الأرض لا يبرحون منها. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والبعث وتقرير ذلك. فقال تعالى مخبراً عن قيلهم لرسول الله وهم يجادلون في نبوته: فقالوا: ﴿لن١ نؤمن لك﴾ أي لن نتابعك على ما تدعو إليه من التوحيد والنبوة لك والبعث والجزاء لنا ﴿حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا﴾ أي

стр. 1545

عيناً يجري ماؤها على وجه الأرض لا ينقطع ﴿أو تكون لك جنة﴾ أي بستان من نخيل وعنب، ﴿فتفجر الأنهار خلالها﴾ أي خلال الأشجار تفجيراً، ﴿أو تسقط السماء كما زعمت علينا١ كسفاً﴾ أي قطعاً، ﴿أو تأتي بالله والملائكة قبيلا٢﴾ أي مقابلة نراهم معاينة، ﴿أو يكون لك بيت من زخرف﴾ أي من ذهب تسكنه بيننا ﴿أو ترقى في السماء﴾ أي تصعد بسلم ذي درج في السماء، ﴿ولن نؤمن لرقيك٣﴾ إن أنت رقيت ﴿حتى تنزل علينا كتاباً﴾ من عند الله ﴿نقرأه﴾ يأمرنا فيه بالإيمان بك واتباعك! هذه ست طلبات كل واحدة اعتبروها آية متى شاهدوها زعموا أنهم يؤمنون، والله يعلم أنهم لا يؤمنون، فلذا لم يستجب لهم وقال لرسوله: قل يا محمد لهم. ﴿سبحان الله﴾ متعجباً من طلباتهم ﴿هل كنت إلا بشراً رسولاً﴾ ! ؟! أي هل كنت غير بشر رسول؟ وإلا كيف يطلب مني هذا الذي طلبوا، إن ما تطلبونه لا يقدر عليه عبد مأمور مثلي، وإنما يقدر عليه رب عظيم قادر، يقول للشيء كن.... فيكون! وأنا ما ادعيت ربوبية، وإنما أصرح دائماً بأني عبد الله ورسوله إليكم لأبلغكم رسالته بأن تعبدوه وحده ولا تشركوا به سواه وتؤمنوا بالبعث الآخر وتعملوا له بالطاعات وترك المعاصي. وقوله تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى﴾ أي وما منع أهل مكة أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى٤ على يد رسولهم ﴿إلا أن قالوا﴾ أي إلا قولهم ﴿أبعث الله بشراً رسولاً﴾ منكرين على الله أن يبعث رسولاً من البشر! وقوله تعالى: ﴿قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً﴾ أي قل يا رسولنا لهؤلاء المنكرين أن يكون الرسول ﷺ بشراً، المتعجبين من ذلك، قل لهم: لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ساكنين في الأرض لا يغادرونها لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً يهديهم بأمرنا ويعلمهم ما يطلب منهم فعله بإذننا لأنهم يفهمون عنه لرابطة الجنس بينهم والتفاهم الذي يتم لهم. ولذا بعثنا إليكم رسولاً من جنسكم تفهمون ما يقول لكم يقدر على إفهامكم والبيان لكم فكيف إذا تنكرون الرسالة للبشر وهي أمر لا بد منه؟!

стр. 1546

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير نبوة الرسول ﷺ . ٢- بيان شدة عناد مشركي قريش، وتصلبهم وتحزبهم إزإء دعوة التوحيد. ٣- بيان سخف عقول المشركين برضاهم للألوهية بحجر وإنكارهم الرسالة للبشر! ٤- تقرير أن التفاهم حسب سنة الله لا يتم إلا بين المتجانسين فإذا اختلفت الأجناس فلا تفاهم إلا أن يشاء الله فلا يتفاهم إنسان مع حيوان أو جان. قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا (٩٩) شرح الكلمات: شهيداً: على أني رسول الله إليكم وقد بلغتكم وعلى أنكم كفرتم وعاندتم. فلن تجد لهم أولياء: أي يهدونهم. على وجوههم: أي يمشون على وجوههم. عمياً وبكماً وصماً: لا يبصرون ولا ينطقون ولا يسمعون.

стр. 1547

كلما خبت: أي سكن لهبها زدناهم سعيراً أي تلهباً واستعاراً. وقالوا: أي منكرين للبعث. مثلهم: أي أناساً مثلهم. أجلا: وقتاً محدداً. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير النبوة المحمدية إذ يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ : قل لأولئك المنكرين أن يكون الرسول بشرًا، ﴿كفى١ بالله شهيداً بيني وبينكم﴾ على أني رسوله وأنتم منكرون عليَّ ذلك. إنه تعالى كان وما زال ﴿بعباده خبيراً﴾ أي ذا خبرة تامة بهم ﴿بصيراً﴾ بأحوالهم يعلم المحق منهم من المبطل، والصادق من الكاذب وسيجزي كلاً بعدله ورحمته. وقوله تعالى: ﴿ومن يهد الله فهو المهتد٢﴾ يخبر تعالى أن الهداية بيده تعالى فمن يهده الله فهو المهتدي بحق، ﴿ومن يضلل فلن تجد لهم٣ أولياء من دونه﴾ أي يهدونهم بحال من الأحوال، وفي هذا الكلام تسلية للرسول وعزاء له في قومه المصرين على الجحود والإنكار لرسالته. وقوله: ﴿ونحشرهم يوم القيامة﴾ أي أولئك المكذبين الضالين الذين ماتوا على ضلالهم وتكذيبهم فلم يتوبوا نحشرهم يوم القيامة، يمشون على وجوههم٤ حال كونهم عمياً لا يبصرون، بكماً لا ينطقون، صماً٥ لا يسمعون وقوله تعالى: ﴿مأواهم جهنم﴾ أي محل استقرارهم في ذلك اليوم جهنم الموصوفة بأنها ﴿كلما خبت﴾ أي سكن لهبها عنهم زادهم الله سعيراً أي تلهباً

стр. 1548

واستعاراً. وقوله تعالى: ﴿ذلك جزاؤهم﴾ أي ذلك العذاب المذكور جزاؤهم بأنهم كفروا بآيات الله أي بسبب كفرهم بآيات الله. وقولهم إنكارا للبعث الآخر واستبعاداً له: ﴿أإذا كنا عظاماً ورُفاتاً﴾ أي تراباً ﴿أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً﴾ ورد الله تعالى على هذا الاستبعاد منهم للحياة الثانية فقال: ﴿أو لم يروا﴾ أي أينكرون البعث الآخر؟ ولم يروا بعيون قلوبهم ﴿أن الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم﴾ ؟؟! بلى إنه لقادر لو كانوا يعلمون! وقوله تعالى: ﴿وجعل١ لهم أجلاً﴾ أي وقتاً محدوداً معينا لهلاكهم وعذابهم ﴿لا ريب فيه﴾ وهم صائرون إليه لا محالة، وقوله: ﴿فأبى الظالمون إلا كفوراً﴾ أي مع هذا البيان والاستدلال العقلي أبى الظالمون إلا الجحود والكفران ليحق عليهم كلمة العذاب فيذوقوه والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- عظم شهادة الله تعالى ووجوب الاكتفاء بها. ٢- الهداية والإضلال بيد الله فيجب طلب الهداية منه والاستعاذة به من الضلال. ٣- فظاعة عذاب يوم القيامة إذ يحشر الظالمون يمشون على وجوههم كالحيات وهم صم بكم عمي والعياذ بالله تعالى من حال أهل النار. ٤- جهنم جزاء الكفر بآيات الله والإنكار للبعث والجزاء يوم القيامة. ٥- دليل البعث عقلي كما هو نقلي فالقادر على البدء، قادر عقلاً على الإعادة بل الإعادة - عقلاً- أهون من البدء للخلق من لاشيء. قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا (١٠٠) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ

стр. 1549

هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤) شرح الكلمات: خزائن رحت ربي: أي من المطر والأرزاق. لأمسكتم: أي منعتم الإنفاق. خشية الإنفاق: خوف النفاد. قتوراً: أي كثير الإقتار أي البخل والمنع للمال. تسع آيات بينات: أي معجزات بينات أي واضحات وهو اليد والعصا والطمس الخ. مسحوراً: أي مغلوباً على عقلك، مخدوعاً. ما أنزل هؤلاء: أي الآيات التسع. مثبوراً: هالكاً بانصرافك عن الحق والخير. فأراد أن يستفزهم: أي يستخفهم ويخرجهم من ديار مصر. اسكنوا الأرض: أي أرض القدس والشام. الآخرة: أي الساعة. لفيفاً: أي مختلطين من أحياء وقبائل شتى. معنى الآيات: يقول تعالى لرسوله ﷺ ، قل يا محمد لأولئك الذين يطالبون بتحويل جبل الصفا إلى ذهب، وتحويل المنطقة حول مكة إلى بساتين من نخيل وأعناب تجري الأنهار من خلالها، قل لهم، لو كنتم أنتم تملكون خزائن رحمة ربي من الأموال والأرزاق لأمسكتم بخلا بها ولم تنفقوها خوفاً من نفادها إذ هذا طبعكم، وهو البخل، ﴿وكان الإنسان﴾ قبل هدايته وإيمانه ﴿قتوراً﴾ أي كثير التقتير بخلاً وشحاً نفسياً ملازماً له حتى يعالج هذا الشح بما وضع الله تعالى من دواء نافع جاء بيانه في سورة المعارج١ من هذا

стр. 1550

الكتاب الكريم. وقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات١﴾ أي، ولقد أعطينا موسى بن عمران نبي بني إسرائيل تسع آيات وهي: اليد، والعصا والدّم٢، وانفلاق البحر، والطمس على أموال آل فرعون، والطوفان والجراد والقمل والضفادع، فهل آمن عليها آل فرعون؟! لا، إذاً، فلو أعطيناك ما طالب به قومك المشركون من الآيات الست التي اقترحوها وتقدمت في هذه السياق الكريم مبينة، ما كانوا ليؤمنوا بها، ومن هنا فلا فائدة من إعطائك إياها. وقوله تعالى: ﴿فاسأل بني إسرائيل﴾ أي سل يا نبينا علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره، إذ جاءهم موسى بطالب فرعون بإرسالهم معه ليخرج بهم إلى بلاد القدس، وأرى فرعون الآيات الدالة على صدق نبوته ورسالته وأحقية ما يطالب به فقال له فرعون: ﴿إني لأظنك يا موسى مسحوراً﴾ أي ساحراً لإظهارك ما أظهرت من هذه الخوارق، ومسحوراً بمعنى مخدوعاً مغلوباً على عقلك فتقول الذي تقول مما لا يقوله العقلاء فرد عليه موسى بقوله بما أخبر تعالى به في قوله ﴿لقد علمت﴾ أي فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات البينات إلا رب السماوات أي خالقها ومالكها والمدبر لها ﴿بصائر﴾ أي آيات واضحات مضيئات هاديات لمن طلب الهداية، فعميت عنها وأنت تعلم صدقها ﴿وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً٣﴾ ! أي من أجل هذا أظنك يا فرعون ملعوناً، من رحمة الله مبعداً مثبوراً هالكاً. فلما أعيته أي فرعون الحجج والبينات لجأ إلى القوة، ﴿فأراد أن يستفزهم من الأرض﴾ أي يستخفهم من أرض مصر بالقتل الجماعي استئصالاً لهم، أو بالنفي والطرد والتشريد، فعامله الرب تعالى بنقيض، قصده فأغرقه الله تعالى هو وجنوده أجمعين، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فأغرقناه ومن معه﴾ أي من الجنود ﴿أجمعين﴾ وقوله تعالى:

стр. 1551

﴿وقلنا من بعده﴾ أي من بعد هلاك فرعون وجنوده لبني إسرائيل على لسان موسى ﵇ ﴿اسكنوا الأرض﴾ أي أرض القدس والشام إلى نهاية آجالكم بالموت. ﴿فإذا جاء وعد الآخرة﴾ أي يوم القيامة بعثناكم أحياء كغيركم، ﴿وجئنا بكم لفيفاً﴾ أي مختلطين من أحياء وقبائل أجناس شتى لا ميزة لأحد على آخر، حفاة عراة لفصل القضاء ثم الحساب والجزاء. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- الشح من طبع الإنسان إلا أن يعالجه بالإيمان والتقوى فيقيه الله منه١. ٢- الآيات وحدها لا تكفي لهداية الإنسان بل لا بد من توفيق إلهي. ٩- مظاهر قدرة الله تعالى وانتصاره لأوليائه وكبت أعدائه. ٤- بيان كيفية حشر الناس يوم القيامة لفيفاً أخلاطاً من قبائل وأجناس شتى. وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً (١٠٦) قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) شرح الكلمات: وبالحق أنزلناه: أي القرآن. وبالحق نزل: أي نزل ببيان الحق في العبادات والعقائد والأخبار والمواعظ والحكم والأحكام. وقرآناً فرقناه: أن نزلناه مفرقاً في ظرف ثلاث وعشرين سنة لحكمة اقتضت ذلك. على مكث: أي على مهل وتؤده ليفهمه المستمع إليه.

стр. 1552

ونزلناه تنزيلا: أي شيئاً فشيئاً حسب مصالح الأمة لتكمل به ولتسعد عليه. أوتوا العلم من قبله: أي مؤمنوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي. للأذقان سجداً: أي سجداً على وجوههم، ومن سجد على وجهه فقد خرَّ على ذقنه ساجداً. إن كان وعد ربنا لمفعولاً: منجزاً، واقعاً، فقد أرسل النبي الأمي الذي بشرت به كتبه وأنزل عليه كتابه. معنى الآيات: يقول تعالى: ﴿وبالحق أنزلناه﴾ أي ذلك الكتاب الذي جحد به الجاحدون، وكذب به المشركون أنزلناه بالحق الثابت حيث لا شك أنه كتاب الله ووحيه إلى رسوله، و ﴿بالحق نزل﴾ فكل ما جاء فيه ودعا إليه وأمر به. وأخبر عنه من عقائد وتشريع وأخبار ووعد ووعيد كله حق ثابت لا خلاف فيه ولا ريبة منه. وقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً﴾ أي لم نرسلك لخلق الهداية في قلوب عبادنا ولا لإجبارهم بقوة السلطان على الإيمان بنا وتوحيدنا، وإنما أرسلناك للدعوة والتبليغ ﴿مبشراً﴾ من أطاعنا بالجنة ومنذراً من عصانا مخوفاً من النار. وفي هذا تقرير لرسالته ﷺ ونبوته وقوله تعالى: ﴿وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ أي أنزلنا القرآن وفرقناه في خلال ثلاث وعشرين سنة لحكمة منا اقتضت ذلك وقوله ﴿لتقرأه على الناس على مكث﴾ آيات بعد آيات ليكون ذلك أدْعَى إلى فهم من يسمعه ويستمع إليه، وقوله تعالى: ﴿ونزلناه١ تنزيلاً﴾ أي شيئاً فشيئاً حسب٢ مصالح العباد وما تتطلبه تربيتهم الروحية والإنسانية ليكملوا به، عقولاً وأخلاقاً وأرواحاً ويسعدوا به في الدارين وقوله تعالى: ﴿قل آمنوا به أو لا تؤمنوا﴾ أي قل يا رسولنا للمنكرين للوحي القرآني من قومك، آمنوا به أو لا تؤمنوا فإن إيمانكم به كعدمه لا يغير من واقعه شيئاً فسوف يؤمن به ويسعد عليه غيركم إن لم تؤمنوا أنتم به وهاهم أولاء الذين أوتوا العلم من قبله من علماء أهل الكتابين اليهود والنصارى قد آمنوا به، يريد أمثال عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي والنجاشي أصحم الحبشي وإنهم ﴿إذا يتلى عليهم﴾ أي يُقرأ عليهم ﴿يخرون للأذقان سجداً﴾ أي يخرون ساجدين على أذقانهم ووجوههم ويقولون حال سجودهم ﴿سبحان ربنا﴾ ٣

стр. 1553

أي تنزيهاً له أن يخلف وعده إذ وعد أنه يبعث نبي آخر الزمان وينزل عليه قرآناً، ﴿إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾ إقراراً منهم بالنبوة المحمدية والقرآن العظيم، أي ناجزاً إذ وعد بإرسال النبي الخاتم وإنزال الكتاب عليه فأنجز ما وعد، وهكذا وعد ربنا دائماً ناجز لا يتخلف. وقوله ﴿ويخرون١ للأذقان يبكون٢﴾ أي عندما يسمعون القرآن لا يسجدون فحسب بل يخرون يبكون ويزيدهم سماع القرآن وتلاوته خشوعاً في قلوبهم واطمئناناً في جوارحهم لأنه الحق سمعوه من ربهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- القرآن حق من الله وما نزل به كله حق. ٢- الندب إلى ترتيل القرآن لاسيما عند قراءته على الناس لدعوتهم إلى الله تعالى. ٣- تقرير نزول القرآن مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة. ٤- تقرير النبوة المحمدية بنزول القرآن وإيمان من آمن به من أهل الكتاب. ٥- بيان حقيقة السجود وأنه وضع الوجه على الأرض. ٦- مشروعية السجود للقارىء أو المستمع وسنية ذلك عند قراءة هذه الآية وهي ﴿يخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً﴾ فيخر ساجداً مكبراً في الخفض وفي الرفع قائلاً: الله أكبر ويسبح ويدعو في سجوده بما يشاء. قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)

стр. 1554

شرح الكلمات: ادعوا الله أو ادعوا الرحمن: أي سموه بأيهما ونادوه بكل واحد منهما الله أو الرحمن. أياما تدعوا: أي إن تدعوه بأيهما فهو حسن لأن له الأسماء الحسنى وهذان منها. ولا تجهر بصلاتك: أي بقراءتك في الصلاة كراهة أن يسمعها المشركون فيسبوك ويسبوا القرآن ومن أنزله. ولا تخافت بها: أي ولا تسر به إسراراً حتى ينتفع بقراءتك أصحابك الذين يصلون وراءك بصلاتك. وابتغ بين ذلك سبيلا: أي اطلب بين السر والجهر طريقاً وسطاً. لم يتخذ ولداً: كما يقول الكافرون. ولم يكن له شريك: كما يقول المشركون. ولم يكن له ولي من الذل: أي لم يكن له ولي ينصره من أجل الذل إذ هو العزيز الجبار مالك الملك ذو الجلال والإكرام. وكبره تكبيرا: أي عظمه تعظيماً كاملاً عن اتخاذ الولد والشريك والولي من الذل. معنى الآيات: كان ﷺ يقول في دعائه يا الله. يا رحمن، يا رحمن يا رحيم فسمعه المشركون وهم يتصيدون له أية شبهة ليثيروها ضده فلما سمعوه يقول: يا الله، يا رحمن قالوا: أنظروا إليه كيف يدعو إلهين وينهانا عن ذلك فأنزل الله تعالى١: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ أي قل لهم يا نبينا أدعوا الله أو أدعوا الرحمن فالله هو الرحمن الرحيم فـ ﴿أياما تدعوا﴾ منهما الله أو الرحمن فهو الله ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى وقوله تعالى: ﴿ولا تجهر٢ بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾ أي وسطاً بين السر والجهر، وذلك أن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبُّوا قارئه ومن أنزله، فأمر الله تعالى رسوله والمؤمنون تابعون له إذا قرأوا في صلاتهم أن لا يجهروا حتى لا

стр. 1555

يسمع المشركون قراءتهم ولا يسروا حتى لا يحرم سماع القرآن من يصلي وراءهم فأمر رسول الله بالتوسط بين الجهر والسر. وقوله تعالى: ﴿وقل الحمد لله١ الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً﴾ أي أمر الله تعالى الرسول أن يحمد الله الذي لم يتخذ ولداً كما زعم ذلك بعض العرب، إذ قالوا الملائكة بنات الله! وكما زعم ذلك اليهود إذ قالوا عزير بن الله والنصارى إذ قالوا عيسى بن الله! ﴿ولم يكن له شريك في الملك﴾ كما قال المشركون من العرب: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكاً هولك، تملكه وما ملك! ﴿ولم يكن له ولي من الذل﴾ كما قال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذل الله! ﴿وكبره﴾ أنت أو عظمه يا رسولنا تعظيماً من أن يكون له وصف النقص والافتقار والعجز. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- إن لله الأسماء الحسنى وهي مائة اسم إلا اسماً واحداً٢ فيدعى الله تعالى وينادى بأيّها،: وكلها حسنى كما قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ . ٢- بيان ما كان عليه المشركون في مكة من بغض للرسول والقرآن والمؤمنين. ٣- مشروعية الأخذ بالاحتياط للدين كما هو للدنيا. ٤- وجوب حمد الله تعالى والثناء عليه وتنزيهه عن كل عجز ونقص. ٥- هذه الآية ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل﴾ تسمى آية العز هكذا سماها رسول الله ﷺ .

стр. 1556

سورة الكهف ١ مكية وآياتها عشر ومائة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (١) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا (٤) مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) شرح الكلمات: الحمد لله: الحمد الوصف بالجميل، والله عَلَم على ذات الرب تعالى. الكتاب: القرآن الكريم. ولم يجعل له عوجاً: أي ميلاً عن الحق والاعتدال في ألفاظه ومعانيه. قيماً: أي ذا اعتدال لا إفراط فيه ولا تفريط في كل ما حواه ودعا إليه من التوحيد والعبادة والآداب والشرائع والأحكام. بأساً شديداً: عذاباً ذا شدة وقسوة وسوء عذاب في الآخرة.

стр. 1557

من لدنه: من عنده . أجراً حسناًَ: أي الجنة إذ هي أجر المؤمنين العاملين بالصالحات. كبرت كلمة: أي عظمت فريه وهي قولهم الملائكة بنات الله. إن يقولون إلاّ كذباً: أي ما يقولون إلاّ كذباً بحتاً لا واقع له من الخارج. باخع نفسك: قاتل نفسك كالمنتحر. بهذا الحديث أسفاً: أي بالقرآن من أجل الأسف الذي هو الحزن الشديد. معنى الآيات: أخبر تعالى في فاتحة سورة الكهف١ بأنه المستحق للحمد، وأن الحمد لله وذكر موجب ذلك، وهو إنزاله على عبده ورسوله محمد ﷺ الكتاب الفخم العظيم وهو القرآن العظيم الكريم فقال: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ وقوله تعالى: ﴿ولم يجعل له عوجاً٢﴾ أي ولم يجعل لذلك الكتاب العظيم عوجاً أي ميلاً عن الحق والاعتدال في ألفاظه ومعانيه فهو كلام مستقيم محقق للأخذ به كل سعادة وكمال في الحياتين. وقوله ﴿قيماً﴾ أي معتدلاً خالياً من الإفراط والتفريط قيماً على الكتب السابقة مهيمناً عليها الحق فيها ما أحقه والباطل ما أبطله. وقوله: ﴿لينذر بأساً شديداً من لدنه﴾ أي أنزل الكتاب الخالي من العوج القيم من أجل أن ينذر الظالمين من أهل الشرك والمعاصي عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة ينزل بهم من عند ربهم الذين كفروا به وأشركوا وعصوه وكذبوا رسوله وعصوه. ومن أجل أن يبشر بواسطته أيضاً ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ أي يخبرهم بما يسرهم ويفرح قلوبهم وهو أن لهم عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً وقوله تعالى: ﴿وينذر﴾ بصورة خاصة أولئك المتقولين على الله المفترين عليه بنسبتهم الولد إليه فقالوا: ﴿اتخذ الله ولداً﴾ وهم اليهود والنصارى وبعض مشركي العرب الذين قالوا إن الملائكة بنات الله! هذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً﴾ وهو قول تَوَارَثُوهُ لا علم لأحد منهم به، وإنما هو مجرد كذب يتناقلونه

стр. 1558

بينهم لذا قبح الله قولهم هذا وعجّب منه العقلاء، فقال: ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾ أي عظم قولهم ﴿اتخذ الله ولداً﴾ كلمة قالوها تخرج من أفواههم لا غير إذ لا واقع لها أبداً، وقرر الإنكار عليهم فقال: ﴿إن يقولون إلاّ كذباً﴾ أي ما يقولون إلاّ الكذب البحت الذي لا يعتمد على شيء من الصحة البتة. وقوله: ﴿فلعلك باخع١ نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً﴾ يعاتب الله تعالى رسوله ويخفف عنه ما يجده في نفسه من الحزن على عدم إيمان قومه واشتدادهم في الكفر والتكذيب وما يقترحونه عليه من الآيات أي فلعلك يا رسولنا قاتل نفسك على إثر رفض قومك للإيمان بك وبكتابك وما جئت به من الهدى، حزناً عليهم، وجزعاً منهم، فلا تفعل واصبر لحكم ربك فإنه منجز وعده لك بالنصر على قومك المكذبين لك. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب حمد الله تعالى على آلائه وعظيم نعمه. ٢- لا يحمد إلاّ من له ما يقتضي حمده، وإلاّ كان المدح كذباً وزوراً. ٣- عظم شأن القرآن الكريم وسلامته من الإفراط والتفريط والانحراف في كل ما جاء به. ٤- بيان مهمة القرآن وهي البشارة لأهل الإيمان والإنذار لأهل الشرك والكفران. ٥- التنديد بالكذب على الله ونسبة ما لا يليق بجلاله وكماله إليه كالولد ونحوه. ٦- تحريم الانتحار وقتل النفس من الحزن أو الخوف ونحوه من الغضب والحرمان. إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي

стр. 1559

الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) شرح الكلمات: صعيداً جرزاً: أي تراباً لا نبات فيه، فالصعيد هو التراب والجرز١ الذي لا نبات فيه. الكهف: النقب الواسع في الجبل والضيق منه يقال له "غار". والرقيم: لوح حجري رقمت فيه أسماء أصحاب الكهف. أوى الفتية إلى الكهف: اتخذوه مأوى لهم ومنزلاً نزلوا فيه. الفتية: جمع فتى وهم شبان مؤمنون. هيئ لنا من أمرنا رشداً: أي ييسر لنا طريق رشد وهداية. فضربنا على آذانهم: أي ضربنا على آذانهم حجاباً يمنعهم من سماع الأصوات والحركات. سنين عددا: أي أعواماً عدة. ثم بعثناهم: أي من نومهم بمعنى أيقظناهم. أحصى لما لبثوا: أي أضبط لأوقات بعثهم في الكهف. أمداً: أي مدة محدودة معلومة. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها﴾ من حيوان وأشجار ونبات وأنهار وبحار، وقوله ﴿لنبلوهم﴾ أي لنختبرهم ﴿أيهم أحسن عملا﴾ أي أيهم أترك لها وأتبع لأمرنا ونهينا وأعمل فيها بطاعتنا وقوله: ﴿وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً﴾ أي وإنا لمخربوها في يوم، من الأيام بعد عمارتها ونضارتها وزينتها نجعلها ﴿صعيداً٢ جرزاً﴾ أي تراباً لا نبات فيه، إذاً فلا تحزن يا رسولنا ولا تغتم مما تلاقيه من قومك فإن مآل الحياة التي من أجلها عادوك وعصوننا إلى أن

стр. 1560

تصبح صعيداً جرزاً. وقوله تعالى: ﴿أم حسبت١ أن أصحاب الكهف والرقيم٢ كانوا من آياتنا عجباً﴾ أي أظننت أيها النبي أن أصحاب الكهف أي الغار في الكهف والرقيم وهو اللوح الذي كتبت عليه ورقم أسماء أصحاب الكهف وأنسابهم وقصتهم ﴿كانوا من آياتنا عجباً٣﴾ أي كان أعجب من آياتنا في خلق ومخلوفات، السموات والأرض بل من مخلوقات الله ما هو أعجب بكثير. وقوله: ﴿إذْ أوى الفتية إلى الكهف﴾ هذا شروع في ذكر قصتهم العجيبة، أي اذكر للسائلين لك عن قصة هؤلاء الفتية، إذ أووا إلى الغار في الكهف فنزلوا فيه، واتخذوه مأوى لهم ومنزلاً هروباً من قومهم الكفار أن يفتنوهم في دينهم وهم سبعة شبان ومعهم كلب لهم فقالوا سائلين ربهم: ﴿ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشداً﴾ أي أعطنا من عندك رحمة تصحبنا في هجرتنا هذه للشرك والمشركين ﴿وهيء لنا من أمرنا رشداً﴾ أي ويسر لنا من أمرنا في فرارنا من ديار المشركين خوفاً على ديننا ﴿رشداً٤﴾ أي سداداً وصلاحاً ونجاة من أهل الكفر والباطل، قال ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآيات وقد اختلف أهل العلم في سبب مصير هؤلاء الفتية إلى الكهف الذي ذكره الله في كتابه فقال بعضهم: كان سبب ذلك أنهم كانوا مسلمين على دين عيسى وكان لهم ملك عابد وثن دعاهم إلى عبادة الأصنام فهربوا بدينهم منه خشية أن يفتنهم عن دينهم أو يقتلهم فاستخفوا منه في الكهف وقوله تعالى: ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً﴾ أي فضربنا على آذانهم حجاباً٥ يمنعهم من سماع الأصوات والحركات فناموا في كهفهم سنين معدودة أي ثلاثمائة وتسع سنين، وكانوا يتقلبون بلطف الله وتدبيره لهم من جنب إلى جنب حتى بعثهم من نومهم وهذا استجابة الله تعالى لهم إذ دعوه قائلين: ﴿ربنا آتنا من لدنك رحمة﴾ وقوله تعالى: ﴿ثم بعثناهم﴾ أي من نومهم ورقادهم ﴿لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا﴾ أي في الكهف ﴿أمداً﴾ أي لنعلم عِلّمَ مشاهدة ولينظر عبادي فيعلموا أي الطائفتين٦ اللتين اختلفتا في قدر لبثهم في الكهف كانت أحصى لمدة لبثهم في الكهف حيث اختلف الناس إلى حزبين حزب يقول لبثوا في كهفهم كذا سنة وآخر يقول لبثوا إلى مدى أي غاية كذا من السنين.

стр. 1561

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان العلة في وجود الزينة على هذه الأرض، وهي الابتلاء والاختبار للناس ليظهر الزاهد فيها، العارف بتفاهتها وسرعة زوالها، وليظهر الراغب فيها المتكالب عليها الذي عصى الله من أجلها. ٢- تقرير فناء كل ما على الأرض حتى تبقى صعيداً جرزاً وقاعاً صفصفاً لا يرى فيها عوج ولا أمت. ٣- تقرير نبوة الرسول ﷺ بإجابة السائلين عن أصحاب الكهف بالإيجاز والتفصيل. ٤- تقرير التواحيد ضِمْنَ قصة أصحاب الكهف إذ فروا بدينهم خوفاً من الشرك والكفر. ٥- استجابة الله دعاء عباده المؤمنين الموحدين حيث استجاب للفتية فآواهم الدار ورعاهم حتى بعثهم بعد تغير الأحوال وتبدل العباد والبلاد. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا (١٦) شرح الكلمات: نبأهم بالحق: أي خبرهم العجيب بالصدق واليقين. وزدناهم هدى: أي إيماناً وبصيرة في دينهم ومعرفة ربهم حتى صبروا على الهجرة.

стр. 1562

وربطنا على قلوبهم: أي شددنا عليها فقويت عزائم حتى قالوا كلمة الحق عند سلطان جائر. لن ندعوا من دونه إلها: لن نعبد من دونه إلهاً آخر. لولا يأتون عليهم بسلطان: أي هلا يأتون بحجة قوية تثبت صحة عبادتهم. على الله كذباً: أي باتخاذ آلهة من دونه تعالى يدعوها ويعبدها. فأووا إلى الكهف: أي انزلوا في الكهف تستترون به على أعين أعدائكم المشركين. ينشر لكم ربكم من رحمته: أي يبسط من رحمته عليكم بنجاتكم مما فررتم منه. ويهيء لكم من أمركم: وييسر لكم من أمركم الذي أنتم فيه من الغم والكرب. مرفقا: أي ما ترتفقون به وتنتفعون من طعام وشراب وإواء. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى موجز قصة أصحاب الكهف أخذ في تفصيلها فقال ﴿نحن نقص عليكم نبأهم بالحق١﴾ أي نحن رب العزة والجلال نقص عليك أيها الرسول خبر أصحاب الكهف بالحق الثابت الذي لا شك فيه ﴿إنهم فتية٢﴾ ، جمع فتى ﴿آمنوا بربهم﴾ أي صدقوا بوجوده ووجوب عبادته وتوحيده فيها وقوله ﴿وزدناهم هدى﴾ أي هداية إلى معرفة الحق من محاب الله تعالى ومكارهه. وقوله تعالى: ﴿وربطنا على قلوبهم﴾ أي قوّينا عزائمهم بما شددنا على قلوبهم حتى قاموا وقالوا على رؤوس الملأ وأمام ملك كافر ﴿ربنا رب السموات والأرض﴾ أي ليس لنا رب سواه، لن ندعوا من دونه إلهاً مهما كان شأنه، إذ لو اعترفنا بعبادة غيره لكنا قد قلنا إذاً شططاً من القول وهو الكذب والغلو فيه وقوله تعالى: ﴿هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة﴾ يخبر تعالى عن قيل الفتية لما ربط الله على قلوبهم إذ قاموا في وجه المشركين الظلمة وقالوا: ﴿هؤلاء قومنا اتخذوا٣ من دون الله آلهة، لولا يأتون عليهم بسلطان بين﴾ أي هلا يأتون عليهم بسلطان بيّن أي بحجة واضحة تثبت عبادة هؤلاء الأصنام من دون الله؟ ومن أين ذلك والحال أنه لا إله إلاّ الله؟! وقوله تعالى: ﴿فمن أظلم٤ ممن افترى﴾ ينفي الله أن يكون هناك أظلم ممن افترى

стр. 1563

على الله كذباً باتخاذ آلهة يعبدها معه باسم التوسل بها وشعار التشفع والتقرب إلى الله زلفى بواسطتها!! وقوله تعالى عن قيل أصحاب الكهف لبعضهم١: ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلاّ الله﴾ من الأصنام والأوثان ﴿فأووا إلى الكهف﴾ أي فصيروا إلى غار الكهف المسمى "بنجلوس" ﴿ينشر لكم ربكم من رحمته﴾ أي يبسط لكم من رحمته بتيسيره لكم المخرج من الأمر الذي رميتم به من الكافر "دقينوس " ﴿ويهيىء لكم من أمركم مرفقاً﴾ أي ما ترتفقون به من طعام وشراب وأمن في مأواكم الجديد الذي أويتم إليه فراراً بدينكم واستخفائكم من طالبكم المتعقب لكم ليفتنكم في دينكم أو يقتلكم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير النبوة المحمدية بذكر قصة أصحاب الكهف. ٢- تقرير زيادة الإيمان ونقصانه. ٣- فضيلة الجرأة في الحق والتصريح به ولو أدى إلى القتل أو الضرب أو السجن. ٤- تقرير التوحيد وأنه لا إله إلاّ الله على لسان أصحاب الكهف. ٥- بطلان عبادة غير الله لعدم وجود دليل عقلي أو نقلي عليها. ٦- الشرك ظلم وكذب والمشرك ظالم مفتر كاذب. ٧- تقرير فرض الهجرة في سبيل الله. ٨- فضيلة الالتجاء إلى الله تعالى وطلب حمايته لعبده وكفاية الله من لجأ إليه في صدق. وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم

стр. 1564

بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨) شرح الكلمات: تزاور: أي تميل. تقرضهم: تتركهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم. في فجوة منه: متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها. من آيات الله: أي دلائل قدرته. أيقاظاً: جمع يقظ أي منتبهين لأن أعينهم منفتحة. بالوصيد: فناء الكهف. رُعباً: منعهم الله بسببه من الدخول عليهم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في عرض قصة أصحاب الكهف يقول تعالى في خطاب رسوله ﷺ ﴿وترى الشمس إذا طلعت تزاور١ عن كهفهم﴾ أي تميل عنه ذات اليمين ﴿وإذا غربت تقرضهم﴾ أي تتركهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم ذات الشمال. وقوله تعالى: ﴿وهم في فجوة٢ منه﴾ أي متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها، وقوله ﴿ذلك من آيات الله﴾ أي وذلك المذكور من ميلان الشمس عنهم إذا طلعت وقرضها لهم إذا غربت من دلائل قدرة الله تعالى ورحمته بأوليائه ولطفه بهم٣، وقوله تعالى: ﴿من يهد الله فهو المُهْتَدِ ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً﴾ يخبر تعالى أن الهداية بيده وكذلك الإضلال فليطلب العبد من ربه الهداية إلى صراطه المستقيم، وليستعذ به من الضلال المبين إذ من يضله الله لن يوجد له ولي يرشده بحال من الأحوال، وقوله تعالى: ﴿وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود٤﴾ أي انك إذا نظرت إليهم تظنهم أيقاظاً

стр. 1565

أي منتبهين لأن أعينهم متفتحة وهم رقود نائمون لا يحسّون بأحد ولا يشعرون، وقوله تعالى: ﴿ونقلبهم ذات اليمين﴾ أي جهة اليمين ﴿وذات الشمال﴾ أي جهة الشمال حتى لا تَعْدو التربة على أجسادهم فتبليها. وقوله: ﴿وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد﴾ أي: وكلبهم الذي خرج معهم، وهو كلب صيد ﴿باسط ذراعية بالوصيد١﴾ أي: بِفناء الكهف. وقوله تعالى: ﴿لو اطلعت عليهم﴾ أي لو شاهدتهم وهم رقود وأعينهم مفتحة ﴿لوليت منهم فراراً﴾ لرجعت فاراً منهم ﴿ولملئت منهم رعباً﴾ أي خوفاً وفزعاً، ذلك أن الله تعالى ألقى عليهم من الهيبة والوقار حتى لا يدنو منهم أحد ويمسهم بسوء إلى أن يوقظهم عند نهاية الأجل الذي ضرب لهم، ليكون أمرهم آية من آيات الله الدالة على قدرته وعظيم سلطانه وعجيب تدبيره في خلقه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان لطف الله تعالى بأوليائه بإكرامهم في هجرتهم إليه. ٢- تقرير أن الهداية بيد الله فالمهتدي من هداه الله والضال من أضله الله ولازم ذلك طلب الهداية من الله، والتعوذ به من الضلال لأنه مالك ذلك. ٣- بيان عجيب تدبير الله تعالى وتصرفه في مخلوقاته فسبحانه من إله عظيم عليم حكيم. وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠) وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ

стр. 1566

السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا (٢١) شرح الكلمات: كذلك بعثناهم: أي كما أنمناهم تلك النومة الطويلة الخارقة للعادة بعثناهم١ من رقادهم بعثاً خارقاً للعادة أيضاً فكان في منامهم آية وفي إفاقتهم آية. كم لبثتم: أي في الكهف نائمين. يوماً أو بعض يوم: لأنهم دخلوا الكهف صباحاً واستيقظوا عشية. بورقكم: بدراهم الفضة التي عندكم. إلى المدينة: أي المدينة التي كانت تسمى أفسوس وهي طرسوس اليوم. أزكى طعاماً: أي أيُّ أطعمة المدينة أحلُّ أي أكثر حِلِّيَّةً. وليتلطف: أي يذهب يشتري الطعام ويعود في لطف وخفاء. يرجموكم: أي يقتلوكم رمياً بالحجارة. أعثرنا عليهم: أطلعنا عليهم أهل بلدهم. ليعلموا: أي قومهم أن البعث حق للأجساد والأرواح معاً. إذ يتنازعون: أي الكفار قالوا ابنوا عليهم أي حولهم بناء يسترهم. فقالوا: أي المؤمنون والكافرون في شأن البناء عليهم. وقال الذين غلبوا على أمرهم: وهم المؤمنون لنتخذن حولهم مسجداً يصلى فيه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن أصحاب الكهف فقوله تعالى: ﴿وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم﴾ أي كما أنمناهم ثلاثمائة سنة وتسعا وحفظنا أجسادهم وثيابهم من البلى

стр. 1567

ومنعناهم من وصول أحد إليهم، وهذا من مظاهر قدرتنا وعظيم سلطاننا بعثناهم من نومهم الطويل ليتساءلوا بينهم فقال قائل منهم مستفهماً كم لبثتم يا إخواننا فأجاب بعضهم قائلاً ﴿لبثنا يوماً أو بعض يوم﴾ لأنهم آووا إلى الكهف في الصباح وبعثوا من رقادهم في المساء وأجاب بعض آخر بقول مُرْضٍ للجميع وهو قوله: ﴿ربكم أعلم بما لبثتم﴾ فسلموا الأمر إليه، وكانوا جياعاً فقالوا لبعضهم ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم١ هذه﴾ يشيرون إلى عملة من فضة كانت معهم ﴿إلى المدينة﴾ وهي أفسوس التي خرجوا منها هاربين بدينهم. وقوله: ﴿فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه﴾ أي فلينظر الذي تبعثرنه لشراء الطعام أي أنواع الأطعمة أزكى أي أطهر من الحرام والاستقذار ﴿فليأتكم٢ برزق منه﴾ لتأكلوه سداً لجوعكم وليتلطف٣ في شرائه وذهابه وإيابه حتى لا يشعر بكم أحداً وعلل لقوله هذا بقوله ﴿إنهم إن يظهروا عليكم﴾ أي يطلعوا ﴿يرجموكم﴾ أو يقتلوكم رجماً بالحجارة٤ ﴿أو يعيدوكم في ملتهم﴾ ملة الشرك بالقسر والقوة. ﴿ولن تفلحوا إذاً أبداً﴾ أي ولن تفلحوا بالنجاة من النار ودخول الجنة إذا أنتم عدتم للكفر والشرك.. فكفرتم وأشركتم بربكم. وقوله تعالى: ﴿وكذلك أعثرنا عليهم﴾ أي وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة وبعثناهم ليتساءلوا بينهم فيزدادوا إيماناً ومعرفة بولاية الله تعالى وحمايته لأوليائه ﴿أعثرنا عليهم٥﴾ أهل مدينتهم الذين انقسموا إلى فريقين فريق يعتقد أن البعث حق وأنه بالأجسام، والأرواح، وفريق يقول البعث الآخر للأرواح دون الأجسام كما هي عقيدة النصارى إلى اليوم، فأنام الله الفتية وبعثهم وأعثر عليهم هؤلاء القوم المختلفين فأتضح لهم أن الله قادر على بعث الناس أحياء أجساماً وأرواحاً كما بعث أصحاب الكهف وهو معنى قوله تعالى ﴿وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا﴾ أي أولئك المختلفون في شأن البعث أن وعد الله حق وهو ما وعد به الناس من أنه سيبعثهم بعد موتهم يوم القيامة ليحاسبهم ويجزيهم بعملهم. ﴿وأن الساعة لا ريب فيها﴾ وقوله تعالى: ﴿إذ

стр. 1568

يتنازعون بينهم أمرهم﴾ أي أعثرناهم عليهم في وقت كان أهل البلد يتنازعون في شأن البعث والحياة الآخرة هل هي بالأجسام والأرواح أو بالأرواح دون الأجسام. فتبين لهم بهذه الحادثة أن البعث حق وأنه بالأجسام والأرواح معاً. وقوله تعالى: ﴿فقالوا ابنوا عليهم بنياناً﴾ واتركوهم في الكهف أي سدوا عليهم باب الكهف واتركوهم فيه لأنهم بعد أن عثروا عليهم ماتوا ﴿ربهم أعلم بهم﴾ وبحالهم. وقوله تعالى: ﴿قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً﴾ أي قال الذين غلبوا على أمر الفتية لكون الملك كان مسلماً معهم ﴿لنتخذن عليهم مسجداً١﴾ أي للصلاة فيه وفعلاً بنو على مقربة من فم الغار بالكهف. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته. ٢- وجوب طلب الحلال في الطعام والشراب وغيرهما. ٣- الموت على الشرك والكفر مانع من الفلاح يوم القيامة أبداً. ٤- تقرير معتقد البعث والجزاء الذي ينكره أهل مكة. ٥- مصداق قول الرسول ﷺ "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وقوله "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق يوم القيامة" (في الصحيحين) . ٦- مصداق قول الرسول ﷺ "لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع". إذ قد بنى٢ المسلمون على قبور الأولياء والصالحين المساجد. بعد القرون المفضلة حتى أصبح يندر وجود مسجد عتيق خال من قبر أو قبور. ٣.

стр. 1569

سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا (٢٢) وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦) شرح الكلمات: رجماً بالغيب: أي قذفاً بالظن غير يقين علم. ما يعلمهم إلاّ قليل: أي من الناس. فلا تمار فيهم: لا تجادل في عدتهم. ولا تستفت فيهم منهم أحداً: أي من أهل الكتاب، الاستفتاء: الاستفهام والسؤال. إلاّ أن يشاء الله: أي إلاّ أن تقول إن شاء الله. لأقرب من هذا رشداً: هداية وأظهر دلالة على نبوتي من قصة أصحاب الكهف. له غيب السموات والأرض: أي علم غيب السموات والأرض وهو ما غاب فيهما. أبصر به وأسمع: أي أبصر بالله واسمع به صيغة تعجب! والأصل ما أبصره وما أسمعه. ما لم من دونه من ولي: أي ليس لأهل السموات والأرض من دون الله أي من ناصر.

стр. 1570

ولا يشرك في حكمه أحداً: لأنه غني عما سواه ولا شريك له. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن أصحاب الكهف يخبر تعالى بأن الخائضين في شان أصحاب الكهف سيقول بعضهم بأنهم ثلاثة رابعهم كلبهم ويقول بعض آخرهم خمسة سادسهم كلبهم١ ﴿رجماً بالغيب﴾ أي قذفاً بالغيب من غير علم يقيني، ويقول بعضهم هم سبعة وثامنهم كلبهم، ثم أمر الله تعالى رسوله أن يقول لأصحابه تلك الأقوال: ﴿ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلاّ قليل﴾ أي ما يعلم عددهم إلاّ قليل من الناس قال ابن عباس أنا من ذلك القليل فعدتهم سبعة وثامنهم كلبهم ولعله فهم ذلك من سياق الآية إذ ذكر تعالى أن الفريقين الأول والثاني قالوا ما قالوه من باب الرجم بالغيب لا من باب العلم والمعرفة، وسكت عن الفريق الثالث، فدل ذلك على أنهم سبعة وثامنهم كلبهم والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿فلا تمار فيهم إلاّ مراءً ظاهراً٢﴾ أي ولا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلاّ جدالاً بيناً ليناً بذكرك ما قصصنا عليك دون تكذيب لهم، ولا موافقة لهم. وقوله تعالى: ﴿ولا تستفت فيهم٣﴾ أي في أصحاب الكهف ﴿منهم﴾ أي من أهل الكتاب ﴿أحداً﴾ وذلك لأنهم لا يعلمون عدتهم وإنما يقولون بالخرص والتخمين لا بالعلم واليقين. وقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء٤ إني فاعل ذلك غداً إلاّ أن يشاء الله﴾ أي لا تقل يا محمد في شأن تريد فعله مستقبلاً أي سأفعل كذا إلاّ أن تقول إن شاء الله٥ وذلك أنه ﷺ لما سأله وفد قريش بإيعاز من اليهود عن المسائل الثلاث: الروح، وأصحاب الكهف وذي القرنين، قال لسائليه: أجيبكم غداً انتظاراً للوحي ولم يقل إن شاء الله، فأدبه ربه تعالى بانقطاع الوحي عنه نصف شهر، وأنزل هذه السورة وفيها هذا التأديب له ﷺ وقوله: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ أي إذا نسيت الاستثناء الذي علمناك فاذكره ولو بعد حين لتخرج من الحرج. أما الكفارة فلازمة إلاّ أن يكون الاستثناء متصلاً بالكلام وقوله تعالى: ﴿وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً﴾ أي وقل بعد النسيان والاستثناء المطلوب منك ﴿عسى أن يهديني

стр. 1571

ربي لأقرب من هذا رشداً﴾ أي لعل الله تعالى أن يهديني فيسددني لأَسَدَّ ما وعدتكم أن أخبركم به مما هو أظهر دلالة على نبوتي مما سألتموني عنه اختباراً لي. وقوله تعالى: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة١ سنين وازدادوا تسعا﴾ يخبر تعالى أن الفتية لبثوا في كهفهم رقوداً من ساعة دخلوه إلى أن أعثر الله عليهم قومهم ثلاثمائة سنين بالحساب الشمسي وزيادة تسع سنين بالحساب القمري. وقوله: ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾ رد به على من قال من أهل الكتاب إن الثلاثمائة والتسع سنين هي من ساعة دخولهم الكهف إلى عهد النبي ﷺ فأبطل الله هذا بتقرير الثلثمائة والتسع أولاً وبقوله ﴿الله أعلم بما لبثوا﴾ ثانياً وبقوله: ﴿له غيب السموات والأرض﴾ أي ما غاب فيهما، ثالثاً، وبقوله: ﴿أبصر به وأسمع﴾ أي ما أبصره بخلفه وما أسمعه لأقوالهم حيث لا يخفى عليه شيء من أمورهم وأحوالهم خامساً، وقوله (ليس لهم﴾ أي لأهل السموات والأرض من دونه تعالى ﴿من ولي﴾ أيْ ولا ناصر ﴿ولا يشرك في حكمه أحداً﴾ لغناه عما سواه ولعدم وجود شريك له بحال من الأحوال. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان اختلاف أهل الكتاب وعدم ضبطهم للأحداث التاريخية. ٢- بيان عدد فتية أصحاب الكهف وأنهم سبعة وثامنهم كلبهم. ٣- من الأدب مع الله تعالى أن لا يقول العبد سأفعل كذا مستقبلاً إلاّ قال بعدها إن شاء الله. ٤- من الأدب من نسي الاستثناء أن يستثني ولو بعد حين فإن حلف لا ينفعه الاستثناء إلاّ إذا كان متصلاً بكلامه. ٥- تقرير المدة التي لبثها الفتية في كهفهم وهي ثلاث مائة وتسع سنين بالحساب القمري. وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ

стр. 1572

يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١) شرح الكلمات: واتل ما أوحي إليك من الكتاب: أي اقرأ القرآن تعبداً ودعوة وتعليماً. لا مبدل لكلماته: أي لا مغير لكلمات الله في ألفاظها ولا معانيها وأحكامها. ملتحداً: أي ملجأ تميل إليه إحتماءاً به. واصبر نفسك: أي إحبسها. يريدون وجهه: أي طاعته ورضاه، لا عرضاً من عرض الدنيا. ولا تعد عيناك عنهم: أي لا تتجاوزهم بنظرك إلى غيرهم من أبناء الدنيا. تريد زينة الحياة الدنيا: أي بمجالستك الأغنياء تريد الشرف والفخر. من أغفلنا قلبه: أي جعلناه غافلاً عما يجب عليه من ذكرنا وعبادتنا. وكان أمره فرطاً: أي ضياعاً وهلاكاً. أحاط بهم سرادقها: حائط من نار أحيط بهؤلاء المعذبين في النار.

стр. 1573

بماء كالمهل: أي كعكر الزيت أي الدردي وهو ما يبقى في أسفل الإناء ثخناً رديئاً. من سندس واستبرق: أي مَارَقَّ من الديباج، والاستبرق ما غلظ منه أي من الديباج. معنى الآيات: بعد نهاية الحديث عن أصحاب الكهف أمر تعالى رسوله بتلاوة كتابه فقال: ﴿واتل١﴾ أي واقرأ ﴿ما أوحي إليك من كتاب ربك﴾ تعبداً به ودعوة للناس إلى ربهم به وتعليماً للمؤمنين بما جاء فيه من الهدى. وقوله: ﴿لا مبدل لكلماته﴾ أي لا تتركن تلاوته والعمل به والدعوة إليه فتكون من الهالكين فإن ما وعد ربك به المعرضين عنه المكذبين به كائن حقاً وواقع صدقاً فإن ربك ﴿لاّ مبدل لكلماته﴾ المشتملة على وعده لأوليائه ووعيده لأعدائه ممن كفروا به وكذبوا بكتابه فلم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه. وقوله تعالى: ﴿ولن تجد من دون ملتحداً﴾ أي انك إن لم تتل كتابه الذي أوحاه إليك وتعمل بما فيه فَنَالَكَ ما أوعد به الكافرين المعرضين عن ذكره. ﴿لن تجد من دون الله ملتحداً﴾ أي موئلاً تميل إليه وملجأ تحتمي به وإذا كان مثل هذا الوعيد الشديد يوجه إلى رسول الله ﷺ وهو المعصوم فغيره ممن تركوا تلاوة القرآن والعمل به فلا أقاموا حدوده ولا أحلوا حلاله ولا حرموا حرامه أولى بهذا الوعيد وهو حائق بهم لا محالة إن لم يتوبوا قبل موتهم وقوله تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ نزل هذا التوجيه للرسول ﷺ عندما عرض عليه المشركون إبعاد أصحابه الفقراء كبلال وصهيب وغيرهما ليجلسوا إليه ويسمعوا منه فنهاه ربه عن ذلك وأمره أن يحبس نفسه مع أولئك الفقراء المؤمنين ﴿الذين يدعون﴾ ربهم في صلاتهم في الصباح والمساء لا يريدون بصلاتهم وتسبيحهم ودعائهم عرضاً من أعراض الدنيا وإنما يريدون رضا الله ومحبته بطاعته في ليلهم ونهارهم. وقوله تعالى: ﴿ولا تعد عيناك٢ عنهم﴾ أي لا تتجاوز ببصرك هؤلاء المؤمنين الفقراء إلى أولئك الأغنياء تريد مجالستهم للشرف والفخر وقوله ﴿ولا تطع٣ من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾ فجعلناه غافلاً

стр. 1574

عن ذكرنا وذكر وعدنا ووعيدنا ليكون من الهالكين لعناده وكبريائه وظلمه. ﴿وكان أمره فرطاً١﴾ أي ضياعاً وهلاكاً، وقوله تعالى في الآية الثالثة من هذا السياق ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن٢ ومن شاء فليكفر﴾ أي هذا الذي جئت به وأدعو إليه من الإيمان والتوحيد والطاعة لله بالعمل الصالح هو ﴿الحق من ربكم﴾ أيها الناس. ﴿فمن شاء﴾ الله هدايته فآمن وعمل صالحاً فقد نجاه ومن لم يشأ الله هدايته فبقي على كفره فلم يؤمن فقد خاب وخسر. وقوله: ﴿إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها﴾ أي جدرانها النارية. ﴿وإن يستغيثوا﴾ من شدة العطش ﴿يغاثوا بماء كالمهل﴾ رديئاً ثخناً ﴿يشوي الوجوه﴾ إذا أدناه الشارب من وجهه ليشرب شوى جلده ووجهه ولذا قيل فيه ذم له. ﴿بئس الشراب وساءت﴾ أي جهنم ﴿مرتفقاً﴾ في منزلها وطعامها وشرابها إذ كله سوء وعذاب هذا وعيد من اختار الكفر على الإيمان وأما وعد من آمن وعمل صالحاً وقد تضمنته الآيتان (٣١-٣٢) إذ قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾ هذا حكمنا الذي لا تبديل له وبين تعالى أجرهم على إيمانهم وإحسان أعمالهم فقال: ﴿أولئك لهم جنات عدن﴾ أي إقامة دائمة ﴿تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثياباً خضراً من سندس واستبرق، متكئين فيها على الآرائك﴾ وهي الأسرة بالحجلة () . ثم أثنى الله تعالى على نعيمهم الذي أعده لهم بقوله: ﴿نعم الثواب﴾ الذي٣ أثيبوا به ﴿وحسنت﴾ الجنة في حليها وثيابها وفرشها وأسرتها وطعامها وشرابها وحورها ورضوان الله فيها ﴿حسنت٤ مرتفقاً﴾ يرتفقون فيه وبه، جعلنا الله من أهلها. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان خيبة وخسران المعرضين عن كتاب الله فلم يتلوه ولم يعملوا بما جاء فيه من شرائع وأحكام.

стр. 1575

٢- الترغيب في مجالسة أبناء الآخرة وهم الفقراء الصابرون وترك أبناء الدنيا والإعراض عما هم فيه. ٣- على الداعي إلى الله تعالى أن يبين الحق، والناس بعد بحسب ما كتب لهم أو عليهم. ٤- الترغيب والترهيب بذكر جزاء الفريقين المؤمنين والكافرين. ٥- عذاب النار شر عذاب، ونعيم الجنة، نعم النعيم ولا يهلك على الله إلاّ هالك. وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَّكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) شرح الكلمات: واضرب لهم مثلاً: أي اجعل لهم مثلاً هو رجلين.. الخ. جنتين: أي بستانين. وحففناهما بنخل: أي أحطناهما بنخل. آتت أكلها: أي أعطت ثمارها وهو ما يؤكل. ولم تظلم منهم شيئاً: أي وَلَمْ تنقص منه شيئاً بل أتت به كاملاً ووافياً.

стр. 1576

خلالهما نهراً: أي خلال الأشجار والنخيل نهراً جارياً. وهو يحاوره: أي يحادثه ويتكلم معه. وأعز نفراً: أي عشيرة ورهطاً. تبيد: أي تفنى وتذهب. خيراً منها منقلباً: أي مرجعاً في الآخرة. أكفرت بالذي خلقك من تراب؟ ! : الاستفهام للتوبيخ والخلق من تراب باعتبار الأصل هو آدم. من نطفة: أي مني. ثم سواك: أي عدلك وصيرك رجلاً. لكنا: أي لكن أنا، حذفت الألف وأدغمت النون في النون فصارت لكنا. هو الله ربي: أي أنا أقول الله ربي. معنى الآيات: يقول تعالى لرسوله ﷺ : واضرب لأولئك المشركين المتكبرين الذين اقترحوا عليك أن تطرد الفقراء المؤمنين من حولك حتى يجلسوا إليك ويسمعوا منك ﴿اضرب١ لهم﴾ أي اجعل لهم مثلاً: ﴿رجلين﴾ مؤمناً وكافراً ﴿جعلنا لأحدهما﴾ وهو الكافر ﴿جنتين من أعناب وحففناهما بنخل﴾ أي أحطناهما بنخل، ﴿وجعلنا بينهما﴾ أي بين الكروم والنخيل ﴿زرعاً﴾ ﴿كلتا الجنتين٢ آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً﴾ أي لم تنقص منه شيئاً ﴿وفجرنا خلالهما نهراً﴾ ليسقيهما. ﴿وكان٣ له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره﴾ أي في الكلام يراجعه، ويُفاخره: ﴿أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً٤﴾ أي عشيرة ورهطاً، قال هذا فخراً وتعاظماً. ﴿ودخل جنته﴾ والحال أنه ﴿ظالم لنفسه﴾ بالكفر والكبر وقال: ﴿ما أظن٥ أن تبيد هذه﴾ يشير إلى جنته ﴿أبداً﴾ أي لا تفنى ﴿وما أظن الساعة

стр. 1577

قائمة ولئن رددت إلى ربي﴾ كما تقول أنت ﴿لأجدن خيراً منها١﴾ أي من جنتي ﴿منقلباً﴾ أي مرجعاً إن قامت الساعة وبعث الناس وبعثت معهم. هذا القول من هذا الرجل هو ما يسمى بالغرور النفسي الذي يصاب به أهل الشرك والكبر. وهنا قال له صاحبه المسلم ﴿وهو يحاوره﴾ أكفرت بالذي خلقك من تراب﴾ ؟ وهو الله حيث خلق أباك آدم من ﴿تراب ثم من نطفة٢﴾ أي ثم خلقك أنت من نطفة أي من مني ﴿ثم سواك رجلاً﴾ وهذا توبيخ من المؤمن للكافر المغرور ثم قال له: ﴿لكنا هو الله ربي﴾ أي لكن أنا أقول: هو الله ربي، ﴿ولا أشرك بربي أحداً﴾ من خلقه في عبادته. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- استحسان ضرب الأمثال للوصول بالمعاني االخفية إلى الأذهان. ٢- بيان صورة مثالية لغرس بساتين النخل والكروم. ٣- تقرير عقيدة التوحيد والبعث والجزاء. ٤- التنديد بالكبر والغرور حيث يفضيان بصاحبهما إلى الشرك والكفر. وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُن لَّهُ

стр. 1578

فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤) شرح الكلمات: ما شاء الله: أي يكون وما لم يشأ لم يكن. حسباناً من السماء: أي عذاباً ترمى به فتؤول إلى أرض ملساء دحضاً لا يثبت عليها قدم. أو يصبح ماؤها غوراً: أي غائراً في أعماق الأرض فلا يَقْدِرُ على استنباطِه وإخراجه. وأحيط بثمره: أي هلكت ثماره، فلم يبق منها شيء. يقلب فكفيه: ندماً وحسرة على ما أنفق فيها من جهد كبير ومال طائل. وهي خاوية على عروشها: أي ساقطة على أعمدتها التي كان يُعرش بها للكرم، وعلى جدران مبانيها. فئة: جماعة من الناس قوية كعشيرته من قومه. هنالك: أي حين حل العذاب بصاحب الجنتين أي يوم القيامة. الولاية: أي الملك والسلطان الحق لله تعالى. خير ثواباً وخير عقباً: أي الله تعالى خير من يثيب وخير من يُعقب أي يحزي بخير. معنى الآيات:. ما زال السياق الكريم في المثل المضروب للمؤمن الفقير والكافر الغني فقد قال المؤمن للكافر ما أخبر تعالى به في قوله: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك﴾ أي هلا إذ دخلت بستانك قلت عند تعجبك من حسنه وكماله ﴿ما شاء الله﴾ أي١ كان ﴿لا قوة إلا٢ بالله﴾ أي لا قوة لأحد على فعل شيء

стр. 1579

أو تركه إلاّ بإقدار الله تعالى له وإعانته عليه قال هذا المؤمن نصحاً للكافر وتوبيخاً له. ثم قال له١ ﴿إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً﴾ اليوم ﴿فعسى٢ ربي﴾ أي فرجائي في الله ﴿أن يؤتيني خيراً من جنتك ويرسل عليها﴾ أي على جنة الكافر ﴿حسبانا٣ من السماء﴾ أي عذاباً ترمى به. ﴿فتصبح صعيداً زلقاً﴾ ؟ أي تراباً أملس لا ينبت زرعاً ولا يثبت عليه قدم. ﴿أو يصبح ماؤها غوراً﴾ الذي تسقى به غائراً في أعماق الأرض فلن تقدر على إستخراجه مرة أخرى، وهو معنى ﴿فلن تستطيع له طلباً﴾ . وقوله تعالى: في الآيات (٤٠) ، (٤١) ، (٤٢) يخبر تعالى أن رجاء المؤمن قد تحقق إذ قد أحيط فعلاً ببستان الكافر فهلك بكل ما فيه من ثمر ﴿فأصبح يقلب كفيه﴾ ندماً وتحسراً ﴿على ما أنفق فيها﴾ من جهد ومال في جنته ﴿وهي خاوية على عروشها﴾ أي ساقطة على أعمدة الكرم التي كان يعرشها للكرم أي يحمله عليها كما سقطت جدران مبانيها على سقوفها وهو يتحسر ويتندم ويقول: ﴿يا ليتني لم أشرك بربي أحداً، ولم تكن له﴾ جماعة قوية تنصره ﴿من دون الله وما كان﴾ المنهزم ﴿منتصراً﴾ لأن من خذله الله لا ناصر له. قال تعالى: في نهاية المثل الذي هو أشبه بقصة ﴿هنالك﴾ أي يوم القيامة ﴿الولاية﴾ أي القوة والملك والسلطان ﴿لله﴾ أي المعبود ﴿الحق﴾ لا لغيره من الأصنام والأحجار ﴿هو﴾ تعالى ﴿خير ثواباً﴾ أي خير من يثيب على الإيمان والعمل الصالح. ﴿وخير عقباً٤﴾ أي خير من يعقب أي يجزي بحسن العواقب هداية الآيات من هداية الآيات: ١ بيان مآل المؤمنين كصهيب وسلمان وبلال، وهو الجنّة ومآل الكافرين كأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وهو النار. ٢- استحباب قول من أعجبه شيء: ﴿ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله﴾ فإنه لا يرى فيه مكروهاً إن شاء الله.

стр. 1580

٣- استجابة الله تعالى لعباده المؤمنين وتحقيق رجائهم فيه . ٤- المخذول من خذلة الله تعالى فإنه لا ينصر أبداً. ٥- الولاية بمعنى١ الموالاة النافعة للعبد هي موالاة الله تعالى لا موالاة غيره. ٦- الولاية بمعنى الملك والسلطان لله يوم القيامة ليست لغيره إذ الملك والأمر كلاهما لله تعالى. وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦) شرح الكلمات: المثل: الصفة المعجبة. هشيماً: يابساً متفتتاً. تذروه الرياح: أي تنثره الرياح وتفرقه لخفته ويبوسته. مقتدراً: أي كامل القدرة لا يعجزه شيء. زينة الحياة الدنيا: أي يتجمل بما فيها. والباقيات الصالحات: هي الأعمال الصالحة من سائر العبادات والقربات. وخير أملاً: أي ما يأمله الإنسان وينتظره من الخير. معنى الآيات: هذا مثل آخر مضروب أي مجعول للحياة الدنيا حيث اغتر بها الناس وخدعتهم فصرفتهم عن الله تعالى ربهم فلم يذكروه ولم يشكروه فاستوجبوا غضبه وعقابه.
следующие страницы →