٤- تقرير عقيدة القضاء والقدر بتقرير الكتاب الحاوي لذلك وهو اللوح المحفوظ.
٥- بيان شدة بغض المشركين للموحدين إذا دعوهم إلى التوحيد وذكروهم بالآيات.
٦- مشروعية إغاظة الظالم بما يغيظه من القول الحق.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (٧٦)
شرح الكلمات:
ضرب مثل: أي جعل مثل هو ما تضمنه قوله تعالى: ﴿إن الذين تدعون ... الخ.
لن يخلقوا ذباباً: أي لن يستطيعوا خلق ذبابة وهي أحقر الحيوانات تتخلق من العفونات.
ولو اجتمعوا: أي على خلقه فإنهم لا يقدرون، فكيف إذا لم يجتمعوا فهم أعجز.
لا يستنقذوه منه: أي لا يستردوه منه وذلك لعجزهم.
ضعف الطالب والمطلوب: أي العابد والمعبود.
ما قدروا الله حق قدره: أي ما عظم المشركون الله تعالى حق قدره أي عظمته.
يصطفي من الملائكة رسلاً: أي يجتبي ويختار كجبريل.
ومن الناس: كمحمد ﷺ .
стр. 1822
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في الدعوة إلى التوحيد والتنديد بالشرك والمشركين يقول تعالى: ﴿يا أيها الناس ضرب١ مثل فاستمعوا له﴾ أي يا أيها المشركون بالله آلهة أصناماً ضرب لآلهتكم في حقارتها وضعفها وقلة نفعها مثل رائع فاستمعوا له. وبينه بقوله: ﴿إن الذين تدعون من دون الله﴾ من أوثان وأصنام ﴿لن يخلقوا ذباباً٢﴾ وهو أحقر حيوان وأخبثه أي اجتمعوا واتحدوا متعاونين على خلقه، أو لم يجتمعوا له فإنهم لا يقدرون على خلقه وشيء آخر وهو إن يسلب الذباب الحقير شيئاً من طيب آلهتكم التي تضمّخونها به، لا تستطيع آلهتكم أن تسترده منه فما أضعفها إذاً وما أحقرها إذا كان الذباب أقدر منها وأعز وأمنع.
وقوله تعالى: ﴿ضعف الطالب والمطلوب٣﴾ أي ضعف الصنم والذباب معاً كما ضعف العابد المشرك والمعبود الصنم ﴿إن الله لقويٌ عزيز﴾ أي قوي قادر على كل شيء عزيز غالب لا يمانع في أمر يريده فكيف ساغ للمشركين أن يؤلهوا غيره ويعبدونه معه ويجعلونه له مثلاً. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى (٧٣) والثانية (٧٤) وقوله تعالى: ﴿الله يصطفي٤ من الملائكة رسلاً ومن الناس﴾ هذا رد على المشركين عندما قالوا: ﴿أأنزل عليه الذكر من بيننا﴾ وقالوا: ﴿أبعث الله بشراً رسولاً﴾ فأخبر تعالى أنه يصطفي أي يختار من الملائكة رسلاً كما اختار جبرائيل وميكائيل، ومن الناس كما أختار نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا ﷺ ، ﴿إن الله سميع٥﴾ لأقوال عباده طيبها وخبيثها ﴿بصير﴾ بأعمالهم صالحها وفاسدها وعلمه بخلقه وبصره بأحوالهم وحاجاتهم اقتضى أن
стр. 1823
يصطفي منهم رسلاً وقوله: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ أي ما بين أيدي رسله من الملائكة ومن الناس وما خلفهم ماضياً ومستقبلاً إذ علمه أحاط بكل شيء فلذا حق له أن يختار لرسالاته من يشاء فكيف يصح الاعتراض عليه لولا سفه المشركين وجهالاتهم وقوله تعالى: ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ هذا تقرير لما تضمنته الجملة السابقة من أن لله الحق المطلق في إرسال الرسل من الملائكة أو من الناس ولا اعتراض عليه في ذلك إذ مرد الأمور كلها إليه بدءاً ونهاية إذ هو ربّ كل شيء ومليكه لا إله غيره ولا رب سواه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان.
٢- التنديد بالشرك وبطلانه وبيان سفه المشركين.
٣- ما قدر الله حق قدره من سوى به أحقر مخلوقاته وجعل له من عباده جزءاً وشبهاً ومثلاً.
٤- إثبات الرسالات١ للملائكة وللناس معاً.
٥- ذكر صفات الجلال والكمال لله تعالى المقتضية لربوبيته والموجبة لألوهيته وهى القوة والعزة، والسمع والبصر لكل شيء وبكل شيء والعلم بكل شيء.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ
стр. 1824
وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)
شرح الكلمات:
واعبدوا ربكم: أي أطيعوه في أمره ونهيه في تعظيم هو غاية التعظيم وذل له هو غاية الذل.
وافعلوا الخير: أي من كل ما انتدبكم الله لفعله ورغبكم فيه من صالح الأقوال والأعمال.
لعلكم تفلحون: أي كي تفوزوا بالنجاة من النار ودخول الجنة.
حق جهاده: أي الجهاد الحق الذي شرعه الله تعالى وأمر به وهو جهاد الكفار والشيطان والنفس والهوى.
اجتباكم: أي اختاركم لحمل دعوة الله إلى الناس كافة.
من حرج: أي من ضيق وتكليف لا يطاق.
ملة أبيكم: أي الزموا ملة أبيكم إبراهيم وهي عبادة الله وحده لا شريك له.
وفي هذا: أي القرآن.
اعتصموا بالله: أي تمسكوا بدينه وثقوا في نصرته وحسن مثوبته.
ونعم النصير: أي هو تعالى نعم النصير أي الناصر لكم.
معنى الآيات:
بعد تقرير العقيدة بأقسامها الثلاثة: التوحيد والنبوة والبعث والجزاء، نادى الربّ ﵎ المسلمين بعنوان الإيمان فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي يا من آمنتم بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام في ديناً، ﴿اركعوا واسجدوا١﴾ أمرهم بإقام الصلاة ﴿واعبدوا ربكم﴾ أي أطيعوه فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه معظمين له غاية التعظيم خاشعين له غاية الخشوع ﴿وافعلوا الخير﴾ من كل ما انتدبكم الله إليه ورغبكم فيه من أنواع البر وضروب العبادات ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي لتتأهلوا بذلك للفلاح الذي هو الفوز بالجنة بعد النجاة من النار.
стр. 1825
وقوله: ﴿وجاهدوا١ في الله حق جهاده٢﴾ أي أمرهم أيضاً بأمر هام وهو جهاد الكفار حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ومعنى حق جهاده أي كما ينبغي الجهاد من استفراغ الجهد والطاقة كلها نفساً ومالاً ودعوة وقوله: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ هذه مِنَّة ذكّر بها تعالى المؤمنين حتى يشكروا الله بفعل ما أمرهم به أي لم يضيق عليكم فيما أمركم به بل وسع فجعل التوبة لكل ذنب، وجعل الكفارة لبعض الذنوب، ورخص للمسافر والمريض في قصر الصلاة والصيام، ولمن لم يجد الماء أو عجز عن استعماله في التيمُم.
وقوله: ﴿ملة أبيكم إبراهيم٣﴾ أي الزموا ملة أبيكم وقوله: ﴿هو سماكم المسلمين﴾ أي الله ﷻ هو الذي سماهم المسلمين في الكتب السابقة وفي القرآن وهو معنى قوله: ﴿هو سماكم٤ المسلمين من قبل وفي هذا﴾ أي القرآن وقوله: ﴿ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس﴾ أي اجتباكم أيها المؤمنون لدينه الإسلامي وسماكم المسلمين ليكون الرسول شهيداً عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم وتكونوا أنتم شهداء حينئذ على الرسل أجمعين أنهم قد بلغوا أممهم ما أرسلوا به إليهم وعليه فاشكروا هذا الإنعام والإكرام لله تعالى ﴿فأقيموا٥ الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله﴾ أي تمسكوا بشرعه عقيدة وعبادة وخلقاً وأدباً وقضاءاً وحكماً، وقوله تعالى: ﴿هو مولاكم﴾ أي سيدكم ومالك أمركم ﴿فنعم المولى﴾ هو ﴿ونعم النصير﴾ أي الناصر لكم ما دمتم أولياءه تعيشون على الإيمان والتقوى.
стр. 1826
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- فضيلة الصلاة وشرف العبادة وفعل الخير.
٢- مشروعية السجود عند تلاوة هذه الآية ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ . ِِِِِ
٣- فضل الجهاد في سبيل الله وهو جهاد الكفار، وان لا تأخذ المؤمن في الله لومة لائم.
٤- فضيلة١ هذه الأمة المسلمة حيث أعطيت ثلاثاً لم يعطها إلا نبي كان يقال للنبي ﵇ اذهب فليس عليك حرج فقال الله لهذه الأمة: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ ، وكان يقال للنبي ﵇ أنت شهيد على قومك وقال الله: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ وكان يقال للنبي سل تعطه وقال الله لهذه الأمة: ﴿ادعوني استجب لكم﴾ دل على هذا قوله تعالى: ﴿هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ .
٥- فرضية الصلاة، والزكاة، والتمسك بالشريعة.
стр. 1827
الجزء الثامن عشر
سورة المؤمنون
مكية
وآياتها مائة وثماني عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)
شرح الكلمات:
قد أفلح المؤمنون: أي فاز قطعاً بالنجاة من النار ودخول الجنة المؤمنون.
في صلاتهم خاشعون: أي ساكنون متطامنون لا يلتفتون بعين ولا قلب وهم بين يدي ربهم.
عن اللغو معرضون: اللغو كل ما لا رِضىً فيه لله من قول وعمل وتفكير، معرضون أي منصرفون عنه.
للزكاة فاعلون: أي مؤدون.
لفروجهم حافظون: أي صائنون لها عن النظر إليها لا يكشفونها وعن إتيان الفاحشة.
أو ملكت إيمانهم: من الجواري والسَّراري إن وجدن.
стр. 1828
فمن ابتغى وراء ذلك: أي طلب ما دون زوجته وجاريته المملوكة شرعياً.
فأولئك هم العادون: أي الظالمون المعتدون على حدود الشرع.
راعون: أي حافظون لأماناتهم وعهودهم.
الفردوس١: أعلى درجة في الجنة في أعلى جنة.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ ٢ يخبر تعالى وهو الصادق الوعد بفلاح المؤمنين وقد بين تعالى في آية آل عمران معنى الفلاح وهو الفوز بالنجاة من النار ودخول الجنة ووصف هؤلاء المؤمنين المفلحين بصفات من جمعها متصفاً بها فقد ثبت له الفلاح وأصبح من الوارثين الذين يرثون الفردوس يخلدون فيها وتلك الصفات هي:
(١) الخشوع في الصلاة بأن يسكن فيها المصلي فلا يلتفت فيها برأسه ولا بطرفه ولا بقلبه مع رقة قلب ودموع عين وهذه أكمل حالات الخشوع في الصلاة، ودونها أن يطمئن ولا يلتفت برأسه ولا بعينه ولا بقلبه في أكثرها. هذه الصفة تضمنها قوله تعالى: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ ٣.
(٢) إعراضهم عن اللغو وهو كل قول وعمل وفكر لم يكن فيه الله تعالى إذن به ولا رضى فيه ومعنى إعراضهم عنه: انصرافهم عنه وعدم التفاتهم إليه، وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾ .
(٣) فعلهم الزكاة أي أداؤهم لفريضة الزكاة الواجبة من أموالهم الناطقة كالمواشي والصامتة كالنقدين والحبوب والثمار، وفعلهم لكل ما يزكي النفس من الصالحات وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾ .
(٤) حفظ فروجهم من كشفها ومن وطء غير الزوج أو الجارية المملوكة بوجه شرعي وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غاير ملومين﴾ في إتيان أزواجهم وما ملكت أيمانهم، ولكن اللوم
стр. 1829
والعقوبة على من طلب هذا المطلب من غير زوجه وجاريته ﴿فأولئك هم العادون﴾ أي الظالمون المعتدون حيث تجاوزوا ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم.
(٥) مراعاة الأمانات والعهود بمعنى محافظتهم على ما ائتمنوا عليه من قول أو عمل ومن ذلك سائر التكاليف الشرعية حتى الغسل من الجنابة فإنه من الأمانة وعلى عهودهم وسائر عقودهم الخاصة والعامة فلا خيانة ولا نكث ولا خُلْف وقد تضمن هذا قوله تعالى: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾ أي حافظون.
(٦) المحافظة على الصلوات الخمس بأدائها في أوقاتها المحددة لها فلا يقدمونها ولا يؤخرونها مع المحافظة على شروطها من طهارة الخبث وطهارة الحدث وإتمام ركوعها وسجودها واستكمال أكثر سننها وآدابها وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: ﴿والذين هم على صلاتهم يحافظون﴾ .
فهذه ست صفات إجمالاً وسبع صفات تفصيلاً فمن اتصف بها كمل إيمانه وصدق عليه اسم المؤمن وكان من المفلحين الوارثين للفردوس الأعلى جعلنا الله تعالى منهم.
هداية الآيات.
من هداية الآيات:
١- وجوب الخشوع في الصلاة.
٢- تحريم نكاح المتعة لأن المتمتع منها ليست زوجة لأنها لا ترث ولا تورث بخلاف الزوجة فإنها لها الربع والثمن، ولزوجها النصف والربع، لأن نكاح المتعة هو النكاح إلى أجل معين قد يكون شهراً أو أكثر أو أقل.
٣- تحريم العادة السرية وهي نكاح اليد وسحاق المرأة لأن ذلك ليس بنكاح زوجة ولا جارية مملوكة.
٤- وجوب أداء الزكاة ووجوب حفظ الأمانات ووجوب الوفاء بالعهود ووجوب المحافظة على الصلوات.
٥- تقرير حكم التوارث بين أهل الجنة وأهل النار فأهل الجنة يرثون منازل أهل النار وأهل النار يرثون منازل أهل الجنة اللهم اجعلنا من الوارثين الذين يرثون الفردوس.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (١٣) ثُمَّ
стр. 1830
خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)
شرح الكلمات:
من سلالة: السلالة ما يستل من الشيء والمراد بها هنا ما استل من الطين لخلق آدم.
نطفة في قرار مكين: النطفة قطرة الماء أي المني الذي يفرزه الفحل، والقرار المكين الرحم المصون.
العلقة: الدم المتجمد الذي يعلق بالإصبع لو حاول أحد أن يرفعه بإصبعه كمح البيض١.
والمضغة: قطعة لحم قدر ما يمضغ الآكل.
خلقاً آخر: أي غير تلك المضغة إذ بعد نفخ الروح فيها صارت إنساناً.
أحسن الخالقين: أي الصانعين فالله يصنع والناس يصنعون والله أحسن الصانعين.
معنى الآيات:.
يخبر تعالى عن خلقه الإنسان آدم وذريته وفي ذلك تتجلى مظاهر قدرته وعلمه وحكمته والتي أوجبت عبادته وطاعته ومحبته وتعظيمه وتقديره فقال: ﴿ولقد خلقنا الإنسان﴾ ٢ يعني آدم ﵇ ﴿من سلالة من طين﴾ أي من خلاصة طين جمعه فأصبح كالحمإ المسنون فاستل منه خلاصته ومنها خلق آدم ونفخ فيه من روحه فكان بشراً سويا ولله الحمد والمنة
стр. 1831
قوله: ﴿ثم جعلناه نطفة في قرار مكين﴾ أي ثم جعلنا الإنسان الذي هو ولد آدم نطفة من صُلْبِ آدم ﴿في قرار مكين﴾ هو رحم حواء ﴿ثم خلقنا النطفة﴾ المنحدرة من صلب آدم ﴿علقة﴾ أي قطعة دم جامدة تعلق بالإصبع لو حاول الإنسان أن يرفعها بإصبعه، ﴿خلقنا العلقة مضغة﴾ وهي قطعة لحم قدر ما يمضغ الآكل، ﴿فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام١ لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر٢﴾ أي إنساناً آخر غير آدم الأب، وهكذا خلق الله آدم وذريته، ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ . وقد يصدق هذا على كون الإنسان هو خلاصة عناصر شتى استحالت إلى نطفة الفحل ثم استحالت إلى علقة فمضغة فنفخ فيها الروح فصارت إنساناً آخر بعد أن كانت جماداً لا روح فيها وقوله تعالى: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ فأثنى الله تعالى على نفسه بما هو أهله أي تعاظم أحسن الصانعين، إذ لا خالق إلاّ هو ويطلق لفظ الخلق على الصناعة فحسن التعبير بلفظ أحسن الخالقين.
وقوله تعالى: ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون﴾ أي بعد خلقنا لكم تعيشون المدة التي حددناها لكم ثم تموتون، ﴿ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾ أحياء للحساب والجزاء لتحيوا حياة أبدية لا يعقبها موت ولا فناء ولا بلاء.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته.
٢- بيان خلق الإنسان والأطوار التي يمر بها.
٣- بيان مآل الإنسان بعد خلقه.
٤- تقرير عقيدة البعث والجزاء التي أنكرها الملاحدة والمشركون.
стр. 1832
وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)
شرح الكلمات:
سبع طرائق: أي سبع سموات كل سماء يقال لها طريقة لأن بعضها مطروق فوق بعض.
ماء بقدر: أي بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص.
من طور سيناء: جبل يقال له جبل طور سيناء.
تنبت بالدهن: أي تنبت بثمر فيه الدهن وهو الزيت.
وصبغ للآكلين: أي يغمس الآكل فيه اللقمة ويأكلها.
في الأنعام لعبرة: الأنعام الإبل والبقر والغنم والعبرة فيها تحصل لمن تأمل خلقها ومنافعها.
مما في بطونها: أي من اللبن.
منافع كثيرة: كالوبر والصوف واللبن والركوب.
ومنها تأكلون: أي من لحومها.
تحملون: أي تركبون الإبل في البر وتركبون السفن في البحر.
стр. 1833
معنى الآيات:
ما زال السياق في ذكر نعمه١ تعالى على الإنسان لعل هذا الإنسان يذكر فيشكر فقال تعالى: ﴿ولقد خلقنا فوقكم سبع٢ طرائق﴾ أي سموات سماء فوق سماء أي طريقة فوق طريقة وطبقاً فوق طبق وقوله تعالى: ﴿وما كنا عن الخلق غافلين﴾ أي ولم نكن غافلين عن خلقنا وبذلك انتظم الكون والحياة، وإلاّ لخرب كل شيء وفسد وقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً بقدر﴾ هو ماء المطر أي بكميات على قدر الحاجة وقوله ﴿فأسكناه في الأرض٣ وإنا على ذهاب به لقادرون، فأنشأنا لكم به جنات﴾ أي أوجدنا لكم به بساتين من نخيل وأعناب ﴿لكم فيها﴾ أي في تلك البساتين ﴿فواكه٤ كثيرة ومنها تأكلون﴾ أي ومن تلك الفواكه تأكلون وذكر النخيل والعنب دون غيرهما لوجودهما بين العرب فهم يعرفونهما أكثر من غيرهما فالنخيل بالمدينة والعنب بالطائف.
وقوله: ﴿وشجرة٥ تخرج من طور سيناء﴾ أي وأنبت لكم به شجرة الزيتون وهي ﴿تنبت بالدهن٦ وصبغ للآكلين﴾ فبزيتها يدهن ويؤتدم فتصبغ اللقمة به وتؤكل. وقوله: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة﴾ فتأملوها في خلقها وحياتها ومنافعها تعبرون بها إلى الإيمان والتوحيد والطاعة. وقوله: ﴿نسقيكم٧ مما في بطونها﴾ من ألبان تخرج من بين فرث ودم، وقوله: ﴿ولكم فيها منافع كثيرة﴾ كصوفها ووبرها ولبنها وأكل لحومها. وقوله: ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ وعلى بعضها كالإبل تحملون في البر وعلى السفن في البحر. أفلا تشكرون لله هذه النعم فتذكروه وتشكروه أليست هذه النعم موجبة لشكر المنعم بها فيُعبد ويوحد في عبادته؟.
стр. 1834
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان قدرة الله تعالى وعظمته في خلق السموات طرائق وعدم غفلته عن سائر خلقه فسار كل شيء لما خلق له فثبت الكون وانتظمت الحياة.
٢- بيان افضال الله تعالى في إنزال الماء بقدر وإسكانه في الأرض وعدم إذهابه مما يوجب الشكر لله تعالى على عباده.
٣- بيان منافع الزيت حيث١ هو للدهن والائتدام والاستصباح.
٤- فضل الله على العباد في خلق الأنعام والسفن للانتفاع بالأنعام في جوانب كثيرة منها، وفي السفن للركوب عليها وحمل السلع والبضائع من إقليم إلى إقليم.
٥- وجوب شكر الله تعالى على إنعامه وذلك بالإيمان به وعبادته وتوحيده فيها.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَالَ الْمَلا الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللهُ لأنزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦)
شرح الكلمات:
اعبدوا الله: أي وحدوه بالعبادة إذ ليس لكم من إله غيره.
أفلا تتقون: أي أتعبدون معه غيره فلا تخافون غضبه وعقابه.
الملأ: أي أعيان البلاد وكبراء القوم.
стр. 1835
ما هذا إلاّ بشر مثلكم: أي ما نوح إلاّ بشر مثلكم فكيف تطيعونه بقبول ما يدعوكم إليه.
أن يتفضل عليكم: أي يسودكم ويصبح آمراً ناهياً بينكم.
ولو شاء الله لأنزل ملائكة: أي لو شاء الله إرسال رسول لأنزل ملائكة رسلا.
رجل به جنة: أي مصاب بمس من جنون.
فتربصوا به حتى حين: أي فلا تسمعوا له ولا تطيعوه وانتظروا به هلاكه أو شفاءه.
معنى الآيات:
هذا السياق بداية عدة قصص ذكرت على إثر قصة بدأ خلق الإنسان الأول آدم ﵇ فقال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً﴾ ١ أي قبلك يا رسولنا فكذبوه كما كذبك قومك وإليك قصته إذ قال يا قوم اعبدوا الله أي وحدوه في العبادة، ولا تعبدوا معه عيره ﴿مالكم من إله غيره٢﴾ أي إذ ليس لكم من إله غيره يستحق عبادتكم. وقوله: ﴿أفلا تتقون﴾ أي أتعبدون معه غيره أفلا تخافون غضبه عليكم ثم عقابه لكم؟.
فأجابه قومه المشركون بما أخبر تعالى به عنهم في قوله: ﴿فقال الملأ الذين كفروا من قومه﴾ أي فرد عليه قوله أشرافهم وأهل الحل والعقد فيهم من أغنياء وأعيان ممن كفروا من قومه ﴿ما هذا﴾ أي نوح ﴿إلاّ بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم﴾ أي يسود٣ ويشرف فادعى أنه رسول الله إليكم. ﴿ولو شاء الله﴾ أي أن لا نعبد معه سواه ﴿لأنزل ملائكة﴾ تخبرنا بذلك ﴿ما سمعنا بهذا﴾ أي بالذي جاء به نوح ودعا إليه من ترك عبادة آلهتنا ﴿قي آبائنا الأولين﴾ أي لم يقل به أحد من أجدادنا السابقين ﴿إن هو إلاّ رجل به جنة﴾ أي ما نوح إلاّ رجل به مس من جنون، وإلاّ لما قال هذا الذي يقول من تسفيهنا وتسفيه آبائنا ﴿فتربصوا٤ به حتى حين﴾ أي انتظروا به أجله حتى يموت، ولا تتركوا دينكم لأجله وهنا وبعد قرون طويلة بلغت ألف سنة إلاّ خمسين شكا نوح إلى ربه وطلب النصر منه فقال ما أخبر تعالى به عنه ﴿قال ربّ انصرني٥ بما كذبون﴾ أي أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي وانصرني عليهم.
стр. 1836
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- إثبات النبوة المحمدية بذكر أخبار الغيب التي لا تعلم إلاّ من طريق الوحي.
٢- تقرير التوحيد بذكر دعوة الرسل أقوامهم إليه.
٣- بيان سنة من سنن البشر وهي أن دعوة الحق أول من يردها الكبراء من أهل الكفر.
٤- بيان كيف يرد الظالمون دعوة الحق بإتهام الدعاة بما هم براء منه كالجنون وغيره من الاتهامات كالعمالة لفلان والتملق لفلان.
فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)
شرح الكلمات:
فأوحينا إليه أن أصنع: أي أعلمناه بطريق سريع خفي أي اصنع الفلك.
بأعيننا ووحيينا: أي بمرأى منا ومنظر، وبتعليمنا إياك صنعها.
وفار التنور: تنور الخباز فار منه الماء آية بداية الطوفان.
فاسلك فيها: أي أدخل في السفينة.
وأهلك: أولادك ونساءك.
ولا تخاطبني في الذين ظلموا: أي لا تكلمني في شأن الظالمين فإني حكمت بإغراقهم.
وقل رب: أي وادعني قائلاً يا رب أنزلني منزلاً مباركاً من الأرض.
إن في ذلك لآيات: أي لدلائل وعبر.
стр. 1837
وإن كنا لمبتلين: أي لمختبرين.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في ذكر قصة نوح ﵇ مع قومه فقد جاء في الآيات السابقة أن نوحاً ﵇ دعا ربه مستنصراً إياه لينصره على قومه الذين كذبوه قائلاً: ﴿رب انصرني١ بما كذبون﴾ فاستجاب الله تعالى دعاءه فأوحى إليه أي أعلمه بطريق الوحي الخاص ﴿أن اصنع الفلك﴾ أي السفينة ﴿بأعيننا ووحينا﴾ أي بمرأى منا ومنظر وبتعليمنا إياك وجعل له علامة على بداية هلاك القوم أن يفور التنور تنور طبخ الخبز بالماء وأمره إذا راى تلك العلامة أن يدخل في السفينة من كل زوج أي ذكر وأنثى اثنين من سائر الحيوانات التي أمكنه ذلك منه وأن يركب فيها أيضاً أهله من زوجة وولد إلاّ من قضى الله بهلاكه ونهاه أن يكلمه في شأن الظالمين لأنهم مغرقون قطعاً. هذا ما تضمنته الآية الأولى (٢٧) ﴿فأوحينا إليه أن أصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا﴾ أي بإهلاك الظالمين المشركين ﴿وفار التنور، فاسلك فيها﴾ أي في السفينة ﴿من كل زوجين٢ اثنين٣، وأهلك﴾ أي أزواجك وأولادك ﴿إلاّ من سبق عليه القول منهم﴾ أي بإهلاكهم كامرأته، ﴿ولا تخاطبني في الذين٤ ظلموا﴾ أي لا تسألني عنهم فإني مهلكهم.
وقوله تعالى: ﴿فإذا استويت٥ أنت ومن معك على الفلك﴾ أي إذا ركبت واستقررْت على متن السفينة أنت ومن معك من المؤمنين فاحمدنا فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين٦ وادعنا ضارعاً إلينا قائلاً ﴿رب أنزلني منزلاً مباركاً٧﴾ أي من الأرض، وَأَثْن علينا
стр. 1838
خيراً فقل ﴿وأنت خير المنزلين﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات﴾ أي المذكور من قصة نوح لدلائل على قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته ووجوب الإيمان به وتوحيده في عبادته. وقوله: ﴿وإن كنا لمبتلين﴾ أي مختبرين عبادنا بالخير والشر ليرى الكافر من المؤمن، والمطيع من العاصي ويتم الجزاء حسب ذلك إظهاراً للعدالة الإلهية والرحمة الربانية.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- إثبات الوحي الإلهي وتقرير النبوة المحمدية.
٢- تقرير حادثة الطوفان المعروفة لدى المؤرخين.
٣- بيان عاقبة الظلم وأنه هلاك الظالمين.
٤- سنية قول بسم الله والحمد لله سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون عند ركوب الدابة أو السفينة ونحوها كالسيارة والطيارة.
٥- استحباب الدعاء وسؤال الله تعالى ما العبد في حاجة إليه من خير الدنيا.
٦- بيان سر ذكر قصة نوح وهو ما فيها من العظات والعبر.
ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلا مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ
стр. 1839
(٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)
شرح الكلمات:
ثم أنشأنا من بعدهم قَرْناً آخرين: أي خلقنا من بعد قوم نوح الهالكين قوماً آخرين هم عاد قوم هود.
رسولاً منهم: هو هود ﵇.
أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره: أي قولوا لا إله إلاّ الله فاعبدوا الله وحده.
وأترفناهم: أي أنعمنا عليهم بالمال وسعة العيش.
أنكم مخرجون: أي أحياء من قبوركم بعد موتكم.
هيهات هيهات: أي بَعُدَ بُعْداً كبيراً وقوعُ ما يعدكم.
إن هي إلاّ حياتنا الدنيا: أي ما هي إلاّ حياتنا الدنيا وليس وراءها حياة أخرى.
إن هو إلاّ رجل: أي ما هو إلاّ رجلٌ افترى على الله كذباً أي كذب على الله تعالى.
معنى الآيات:
هذه بداية قصة هود ﵇ بعد قصة نوح ﵇ أيضاً فقال تعالى: ﴿ثم أنشأنا من بعدهم﴾ أي خلقنا وأوجدنا من بعد قوم نوح الهالكين قوماً آخرين هم١ عاد قوم هود ﴿فأرسلنا فيهم٢ رسولاً منهم﴾ هو هود ﵇ بأن قال لهم: ﴿أن اعبدوا الله ما
стр. 1840
لكم من إله غيره﴾ أي اعبدوا الله بطاعته وإفراده بالعبادة إذ لا يوجد لكم إله غير الله تصح عبادته إذ الخالق لكم الرازق الله وحده فغيره لا يستحق العبادة بحال من الأحوال وقوله: ﴿أفلا تتقون﴾ يحثهم على الخوف من الله ويأمرهم به قبل أن تنزل بهم عقوبته.
وقوله تعالى: ﴿وقال الملأ من قومه الذين كفروا﴾ أي وقال أعيان البلاد وأشرافها من قوم هود ممن كفروا بالله ورسوله وكذبوا بالبعث والجزاء في الدار الآخرة وقد أترفهم١ الله تعالى: بالمال وسعة الرزق فأسرفوا في الملاذ والشهوات: قالوا: وماذا قالوا؟: قالوا ما أخبرنا تعالى به عنهم بقوله: ﴿ما هذا إلاّ بشر مثلكم﴾ أي ما هذا الرسول إلاّ بشر مثلكم ﴿يأكل مما تأكلون منه﴾ من أنواع الطعام ﴿ويشرب مما تشربون﴾ من ألوان الشراب٢ أي فلا فرق بينكم وبينه فكيف ترضون بسيادته عليكم يأمركم وينهاكم. وقالو: ﴿ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون﴾ أي خاسرون حياتكم ومكانتكم، وقالوا ﴿أيعدكم٣ أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً﴾ أي فنيتم وصرتم تراباً ﴿أنكم مُخْرجِون﴾ أي أحياء من قبوركم. وقالوا: ﴿هيهات٤ هيهات﴾ أي بَعُد بُعْداً كبيراً ما يعدكم به هود إنهاما ﴿هي إلاّ حياتنا الدنيا﴾ أي ﴿نموت ونحيا﴾ جيل٥ يموت وجيل يحيا ﴿وما نحن بمبعوثين﴾ وقالوا: ﴿إن هو إلاّ رجل أفترى٦ على الله كذباً﴾ أي اختلق الكذب على الله وقال عنه أنه يبعثكم ويحاسبكم ويجزيكم بكسبكم. ﴿وقالوا ما نحن بمبعوثين﴾ هذه مقالتهم ذكرها تعالى عنهم وهي مصرحة بكفرهم وتكذيبهم وإلحادهم وما سيقوله هود ﵇ سيأتي في الآيات بعد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان سنة الله تعالى في إرسال الرسل، وما تبتدىء به دعوتهم وهولا إله إلاّ الله.
стр. 1841
٢- أهل الكفر لا يصدر عنهم إلا ما هو شر وباطل لفساد قلوبهم.
٣- الترب سِبب كثيراً من المفاسد والشرور، ولهذا يجب أن يُحْذَرْ بالاقتصاد.
٤- تقرير عقيدة البعث والجزاء وإثباتها وهي ما ينكره الملاحدة هروباً من الاستقامة.
٥- تُكأة عامة المشركين وهي كيف يكون الرسول رجلاً من البشر، دفعاً للحق وعدم قبوله.
قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)
شرح الكلمات:
عما قليل: أي عن قليل من الزمن.
ليصبحن نادمين: ليصيرن نادمين على كفرهم وتكذيبهم.
فأخذتهم الصيحة: أي صيحة العذاب والهلاك.
فجعلناهم غثاء: كغثاء السيل وهو ما يجمعه الوادي من العيدان والنبات اليابس.
فبعداً: أي هلاكاً لهم. ا
ثم أنشأنا: أي أوجدنا من بعدهم أهل قرون آخرين كقوم صالح وإبراهيم ولوط وشعيب.
تترا: أي يتبع بعضها بعضاً الواحدة عقب الأخرى.
وجعلناهم أحاديث: أي أهلكناهم وتركناهم قصصاً تقص وأخباراً تتناقل.
стр. 1842
معنى الآيات:
هذا ما قال هود١ ﵇ بعد الذي ذكر تعالى من أقوال قومه الكافرين ﴿قال رب﴾ أي يا رب ﴿انصرني بما كذبون٢﴾ أي بسبب تكذبيهم لي وردهم دعوتي وإصرارهم على الكفر بك وعبادة غيرك فأجابه الرب ﵎ بقوله: ﴿عما قليل ليصبحن نادمين﴾ أي بعد قليل من الوقت وعزتنا وجلالنا ليصبحن نادمين أي ليصيرن نادمين على كفرهم بي وإشراكهم في عبادتي وتكذيبهم إياك ولم يمض إلاّ قليل زمن حتى أخذتهم الصيحة صيحة الهلاك ضمن ريح صرصر في أيام نحسات فإذا هم غثاء كغثاء السيل لا حياة فيهم ولا فائدة ترجى منهم ﴿فبعداً للقوم الظالمين﴾ أي هلاكاً للظالمين بالشرك والتكذيب والمعاصي وقوله تعالى: ﴿ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين٣﴾ أي ثم أوجدنا بعد إهلاكنا عاداً أهل قرون آخرين كقوم صالح وقوم إبراهيم وقوم لوط وقوم شعيب. وقوله تعالى: ﴿ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون﴾ أي إن كل أمة حكمنا بهلاكها لا يمكنها أن تسبق أجلها أي وقتها المحدود لها فتتقدمه كما لا يمكنها أن تتأخر عنه بحال.
وقوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا٤﴾ أي يتبع بعضها بعضاً ﴿كلما جاء أمة رسولها كذبوه فاتبعنا بعضهم بعضاً﴾ أي في الهلاك فكلما كذبت أمة رسولها ورفضت التوبة إلى الله والإنابة إليه أهلكها، وقوله تعالى ﴿وجعلناهم أحاديث٥﴾ أي لمن بعدهم يذكرون أحوالهم ويروون أخبارهم ﴿فبعداً﴾ أي هلاكاً منا ﴿لقوم لا يؤمنون﴾ في هذا تهديد قوي لقريش المصرة على الشرك والتكذيب والعناد. وقد مضت فيهم سنة الله فأهلك المجرمين منها.
стр. 1843
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- استجابة الله دعوة المظلومين من عباده لاسيما إن كانوا عباداً صالحين.
٢- الآجال للأفراد أو الأمم لا تتقدم ولا تتأخر سنة من سنن الله تعالى في خلقه.
٣- تقرير حقيقة تاريخية علمية وهي أن الأمم السابقة كلها هلكت بتكذيبها وكفرها ولم ينج منها عند نزول العذاب بها إلاّ المؤمنون مع رسولهم.
٤- كرامة هذه الأمة المحمدية أن الله تعالى لا يهلكها هلاكاً عاماً بل تبقى بقاء الحياة تقوم بها الحجة لله تعالى على الأمم والشعوب المعاصرة لها طيلة الحياة.
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)
شرح الكلمات:
بآياتنا وسلطان مبين: الآيات هي التسع الآيات وهي الحجة والسلطان المبين.
وكانوا قوماً عالين: أي علوا أهل تلك البلاد قهراً واستبداداً وتحكماً.
وقومهما لنا عابدون: أي مطيعون ذليلون نستخدمهم فيما نشاء وكيف نشاء.
ولقد آتينا موسى الكتاب: أي التوراة.
وجعلنا ابن مريم: أي عيسى حجة وبرهاناً على وجود الله وقدرته وعلمه ووجوب توحيده.
إلى ربوة ذات قرار ومعين: إلى مكان مرتفع ذي استقرار وفيه ماء جار عذب وفواكه وخضر.
стр. 1844
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في ذكر نبذ من قصص الأولين للعظة والاعتبار، ولإقامة الحجة على مشركي قريش فقال تعالى: ﴿ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين﴾ أي بعد تلك الأمم الخالية أرسلنا موسى بن عمران وأخاه هارون بسلطان مبين أي بحجج وبراهين بينة دالة على صدق موسى وما يدعو إليه من عبادة الله وتوحيده فيها والخروج ببني إسرائيل إلى الأرض المباركة أرض الشام إلى فرعون ملك مصر يومئذ وملئه من أشراف قومه وعليتهم فاستكبروا عن قبول دعوة الحق وكانوا عالين على أهل تلك البلاد فاهرين لها مستبدين بها وقالوا رداً على دعوة موسى وهارون ما أخبر تعالى به في قوله: ﴿فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون﴾ أي خاضعون مطيعون. هكذا أعلنوا متعجبين من دعوة موسى وهارون إلى الإيمان برسالتهما فقالوا: أنؤمن لبشر من مثلنا أي كيف يكون هذا أنتبع رجلين مثلنا فنصبح نأتمر بأمرهما وننتهي بنهيهما وكيف يتم ذلك وقومهما يعنون بني إسرائيل لنا عابدون. أي خاضعون لنا ومطيعون لأمرنا ونهينا. قال تعالى: ﴿فكذبوهما﴾ ، فيما دعواهما إليه من الإيمان والتوحيد وإرسال بني إسرائيل معهما إلى أرض الميعاد فترتب على تكذيبهم لرسولي الله موسى وهارون هلاكهم فكانوا من المهلكين حيث أغرقهم الله أجمعين، وقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى١ الكتاب لعلهم يهتدون﴾ ، ويخبر تعالى أنه بعد إهلاك فرعون ونجاة بني إسرائيل آتى موسى التوراة من أجل هداية بني إسرائيل عليها لأنها تحمل النور والهدى. هذه أيادي الله على خلقه وآياته فيهم فسبحانه من إله عزيز رحيم.
وقوله تعالى: ﴿وجعلنا ابن مريم٢ وأمه﴾ أي جعل عيسى ووالدته مريم ﴿آية﴾ حيث ونجاة بني إسرائيل آتى موسى التوراة من أجل هداية بني إسرائيل عليها لأنها تحمل النور والهدى. هذه أيادي الله علىخلقه وآياته فيهم فسبحانه من إله عزيز رحيم. وقوله تعالى: ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه﴾ أي جعل عيسى ووالدته مريم ﴿آية﴾ حيث خلق عيسى من غير أب فهي آية دالة على قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته وهذه موجبة الإيمان به عبادته وتوحيده والتوكل عليه والإنابة والتوبة إليه. قوله تعالى: ﴿وآويناهما إلى ربوة ذات قرار وَمعين﴾ أي أنزلنا مريم وولدها بعد اضطهاد اليهود لهما ربوة عالية صالحة للإستقرار عليها بها فاكهة وماء عذب جار إكرام الله تعالى له ولوالدته فسبحان المنعم على عباده المكرم لأوليائه.
стр. 1845
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير نبوة كل من موسى وأخيه هارون ﵉.
٢- التنديد بالاستكبار، وأنه علة مانعة من قبول الحق.
٣- مظاهر قدرة الله وعلمه ورحمته في إرسال الرسل بالآيات وفي إهلاك المكذبين.
٤- آية ولادة عيسى من غير أب مقررة قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، وبعث الناس من قبورهم للحساب والجزاء.
يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ (٥٦)
شرح الكلمات:
كلوا من الطيبات: أي من الحلال.
واعلموا صالحاً: أي بأداء الفرائض وكثير من النوافل.
وإن هذا أمتكم: أي ملتكم الإسلامية.
فاتقون: أي بامتثال أمري واجتناب نهيي.
فتقطعوا أمرهم: أي اختلفوا في دينهم فأصبحوا طوائف هذه يهودية وتلك نصرانية.
في غمرتهم: أي في ضلالتهم.
نسارع لهم: أي نعجل.
بل لا يشعرون: أن ذلك استدراج منا لهم.
معنى الآيات:
بعد أن أكرم الله تعالى عيسى وَوالدته بما أكرمهما به من إيوائهما إلى ربوة ذات قرار ومعين
стр. 1846
خاطب١ عيسى عبده ورسوله قائلاً: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات﴾ أي الحلال فكان عيسى ﵇ يأكل من غزل أمه إذ كانت تغزل الصوف بأجرة فكانا يأكلان من ذلك أكلا من الطيب كما أمرهما الله تعالى وقوله: ﴿واعملوا صالحاً﴾ كلوا من الحلال واعملوا صالحاً بأداء الفرائض والإكثار من النوافل، وقوله: ﴿إني بما تعملون عليم﴾ فيه وعد بأن الله تعالى سيثيبهم على ما يعلمون من الصالحات. وقوله: ﴿وأن٢ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾ أعلمهم أن ملتهم وهي الدين الإسلامي دين واحد فلا ينبغي الاختلاف فيه وأعلمهم أيضاً أنه ربهم أي مالك أمرهم والحاكم عليهم فليبتغوه بفعل ما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه، لينجوا من عذابه ويظفروا برحمته ودخول جنته.
وقوله تعالى: ﴿فتقطعوا أمرهم بينهم٣﴾ أي دينهم ﴿زبراً كل حزب بما لديهم فرحون﴾ أي فرقوا دينهم فرقاً فذهبت كل فرقة بقطعة منه وقسموا الكتاب إلى كتب فهذه يهودية وهذه نصرانية واليهودية فرق والنصرانية فرق والإنجيل أصبح أناجيل متعددة وصارت كل جماعة فرحة بما عندها مسرورة به لا ترى الحق إلاّ فيه.. ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ وهنا أمر الله رسوله أن يتركهم في غمرة ضلالتهم إلى حين أن ينزل بهم ما قضى به الرب تعالى على أهل الاختلاف في دينه ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين﴾ إذ قال له في سورة الأنعام ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، لست منهم في شيء﴾ وفيه من التهديد ما فيه. وهذا الذي نعاه تعالى على تلك الأمم قد وقعت فيه أمة الإسلام فاختلفوا في دينهم مذاهب وطرقاً عديدة، وياللأسف وقد حلت بهم المحن ونزل بهم البلاء نتيجة ذلك الخلاف. وقوله: ﴿أيحسبون أنما نمدهم٤ به من مال
стр. 1847
وبنين﴾ مع اختلافهم وانحرافهم مسارعة لهم منا في الخيرات١ لا بل ذلك استدراج لهم ليهلكوا ولكنهم لا يشعرون بذلك. لشدة غفلتهم واستيلاء غمرة الضلالة عليهم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب الأكل من الحلال، ووجوب الشكر بالطاعة لله ورسوله.
٢- الإسلام دين البشرية جمعاء ولا يحل الاختلاف فيه بل يجب التمسك به وترك ما سواه.
٣- حرمة الاختلاف في الدين وأنه سبب الكوارث والفتن والمحن.
٤- إذا انحرفت الأمة عن دين الله، ثم رزقت المال وسعة العيش كان ذلك استدراجاً لها، ولم يكن إكراماً من الله لها دالاً على رضى ربها عنها بل ما هو إلاّ فتنة ليس غير.
إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢)
شرح الكلمات:
مشفقون: أي خائفون.
لا يشركون: أي بعبادته أحداً.
يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة: أي خائفون أن لا يقبل منهم ذلك.
أنهم إلى ربهم راجعون: أي لأنهم إلى ربهم راجعون فيحاسبهم ويسألهم ويجزيهم.
وهم لها سابقون: أي بإذن الله وفي علمه.
ولا نكلف نفساً إلاَّ وسعها: إلا طاقتها وما تقدر عليه.
ولدينا كتاب ينطق بالحق: وهو ما كتبه الكرام الكاتبون فإنه ناطق بالحق.
وهم لا يظلمون: أي ينقض حسنة من حسناتهم ولا بزيادة سيئة على سيآتهم.
стр. 1848
معنى الآيات:
لما ذكر تعالى حال الذين فرقوا دينهم فذهبت كل فرقة منهم بكتاب ومذهب ولقب ونعى عليهم ذلك التفرق وأمر رسوله أن يتركهم في غمرة خلافاتهم ويدعهم إلى حين يلقون جزاءهم عاجلاً أو آجلاً: أثنى ﵎ على عباده المؤمنين من أهل الخشية، فقال وقوله الحق: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون﴾ أي من عذابه خائفون من الوقوف بين يديه فهذه صفة لهم وآخرى ﴿والذين هم بآيات ربهم يؤمنون﴾ أي بحجج الله تعالى التي تضمنتها آياته يؤمنون أي يوقنون وثالثة: ﴿والذين هم بريهم لا يشركون﴾ أي في ذاته ولا صفاته ولا عباداته فيعبدونه بما شرع لهم موحدينه في ذلك ورابعة: ﴿والذين١ يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم٢ راجعون﴾ . أي يؤتون٣ الزكاة وسائر الحقوق والواجبات وقلوبهم خائفة من ربهم أن يكونوا قد قصروا فيما أوجب عليهم وخائفة أن لا يقبل منهم عملهم، وذلك ناجم لهم من قوة إيمانهم برجوعهم إلى ربهم ووقوفهم بين يديه ومساءلته لهم: لم قدمت؟ لم أخرت؟ وقوله تعالى: ﴿أولئك يسارعون٤ في الخيرات وهم لها سابقون﴾ في هذا بشرى لهم إذ أخبر تعالى أنهم يسارعون في الخيرات، وأنهم سبق ذلك لهم في الأزل فهنيئاً لهم. وقوله تعالى: ﴿ولا نكلف نفساً إلاّ وسعها﴾ فيه قبول عذر من بذل جهده في المسارعة في الخيرات ولم يلحق بغيره أعذره ربه فإنه لا خوف عليه ما دام قد بذل جهده إذ هو تعالى ﴿لا يكلف نفساً إلاّ وسعها﴾ أي طاقتها وما يتسع له جهده.
وقوله: ﴿ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون﴾ فيه وعدّ لأولئك المسارعين بالخيرات بأنّ أعمالهم مكتوبة لهم في كتاب ينطق بالحق لا يخفى حسنة من حسناتهم ويستوفونها كاملة وفيه وعيد لأهل الشرك والمعاصي بأن أعمالهم محصاة عليهم قد ضمها كتاب صادق وسوف يجزون بها وهم لا يظلمون فلا تكتب عليهم سيئة لم يعملوها قط ولا يجزون إلاّ بما كانوا يكسبون.
стр. 1849
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- فضيلة الخشية والإيمان والتوحيد والتواضع والمراقبة لله تعالى.
٢- بشرى الله تعالى لأهل الإيمان والتقوى.
٣- تقرير قاعدة رفع الحرج في الدين.
٤- تقرير كتابة أعمال العباد وإحصاء أعمالهم ومجازاتهم العادلة.
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لا تُنصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الأوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)
شرح الكلمات:
في غمرة من هذا: أي جهالة من القرآن وعمى.
ولهم أعمال من دون ذلك: أي من دون أعمال المؤمنين التي هي الخشية والإيمان بالآيات والتوحيد والمراقبة.
هم لها عاملون: أي سيعملونها لتكون سبب نهايتهم حيث يأخذهم الله تعالى بها.
إ ذا هم يجأرون: أي يصرخون بأعلى أصواتهم ضاجيّن مستغيثين ممَّا حلَّ بهم من العذاب.
تنكصون: أي ترجعون على أعقابكم كراهة سماع القرآن.
стр. 1850
مستكبرين به: أي بالحرم أي كانوا يقولون: لا يظهر علينا فيه أحد لأنّا أهل الحرم.
سامراً تهجرون: أي تسمرون بالحرم ليلا هاجرين الحق وسماعه على قراءة فتح التاء وعلى قراءة ضمها تهجرون أي تقولوا الهجر من القول كالفحش والقبح.
رسولهم: أي محمداً ﷺ .
به جنّة: أي مجنون.
معنى الآيات:
﴿بل قلوبهم في غمرة من هذا﴾ أي ليس الأمر كما يحب فهؤلاء المشركون أنّا نمدهم بالمال مسارعة منا لهم في الخيرات لرضانا عنهم لا بل إن قلوبهم في غمرة وعمى من القرآن، ﴿ولهم أعمال من دون ذلك١﴾ أي دون عمل المؤمنين. ﴿هم لها عاملون﴾ حتى تنتهي بمترفيهم إلى هلاكهم ودمارهم وقوله تعالى: ﴿حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون﴾ أي استمرت الأعمال الشركية الإجرامية حتى أخذ الله تعالى مترفيهم في بدر بعذاب القتل والأسر ﴿إذا هم يجأرون٢﴾ يضجون بالصراخ مستغيثين، والله تعالى يقول لهم: ﴿لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون﴾ وذكر تعالى لهم ما كانوا عليه من التكذيب والاستكبار وقول الهجر موبخاً إياهم ﴿قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون٣﴾ هروباً من سماعها حال كونكم ﴿مستكبرين به﴾ أي بالحرم زاعمين أنكم أهل الحرم، وأن أحداً لا يظهر عليكم فيه لأنكم أهله وقوله: ﴿سامراً٤ تهجرون﴾ أي تسمرون بالليل تهجرون بذلك سماع الحق ودعوة الحق التي تُتلى بها عليكم آيات الله. وقد قرىء
стр. 1851
تُهجرون بضم التاء وكسر الجيم أي تقولون أثناء سمركم في الليل الهجر من القول كالكفر وقول الفحش وما لا خير فيه من الكلام، وكانوا كذلك.
وقوله تعالى: ﴿أفلم يدبروا١ القول﴾ الذي يسمعونه من نبينا محمد ﷺ فيعرفوا أنه حق وخير وأنه فيه صلاحهم ﴿أم جاءهم٢﴾ من الدين والشرع ﴿ما لم يأت أباءهم الأولين﴾ فقد جاءت رسل ونزلت كتب وهم يعرفون ذلك. أم لم يعرفوا رسولهم محمداً ﷺ فهم له منكرون إنهم يعرفونه بصدقه وطهارته وكماله منذ نشأته وصباه إلى يوم أن دعاهم إلى الله ﴿أم يقولون به جنَّة﴾ أي جنون وأين الجنون من رجل ينطق بالحكمة ويعمل بها ويدعو إليها ﴿بل جاءهم بالحق وأكثرهم٣ للحق كارهون﴾ ، وهذا هو سرُّ إعراضهم واستكبارهم إنه كراهيتهم للحق لطول ما ألفوا الباطل وعاشوا عليه، وهذه سنة البشر في كل زمان ومكان.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- غمرة الجهل والتعصب وعمى التقليد هي سبب إعراض الناس عن الحق ومعارضتهم له.
٢- لا تنفع التوبة عند معاينة العذاب أو نزوله.
٣- بيان الذنوب التي أخذ بها مترفو مكة ببدر وهي هروبهم من سماع القرآن ونكوصهم عند سماعه على أعقابهم حتى لا يسمعوه واستكبارهم بالحرم واعتزارهم به جهلاً وضلالاً واجتماعهم في الليالي الطوال يسمرون على اللهو وقول الباطل هاجرين سماع القرآن وما يدعو إليه من هدى وخير.
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٧٣)
стр. 1852
وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)
شرح الكلمات:
لو اتبع الحق أهواءهم: أي ما يهوونه ويشتهونه.
أتيناهم بذكرهم: أي بالقرآن العظيم الذي بذكرهم فيه يذكرون ويُذكرون.
أم تسألهم خرجاً: أي مالاً مقابل إبلاغك لهم دعوة ربهم.
فخراج ربك خير: أي ما يرزقكه الله خير وهو خير الرازقين.
إلى صراط مستقيم: أي إلى الإسلام.
عن الصراط لناكبون: أي عن الإسلام أي متنكبونه جاعلوه على منكب أي جانب عادلون عنه.
للجوَّا في طغيانهم يعمهون: لتمادوا في طغيانهم مصرين عليه.
فما استكانوا: أي ما ذلوا ولا خضعوا.
إذا هم فيه مبلسون: أي آيسون قنطون.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في دعوة المشركين إلى التوحيد والإيمان بالبعث والجزاء فقوله تعالى: ﴿ولو اتبع١ الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن﴾ هذا كلام مستأنف لبيان حقائق أخرى منها أن هؤلاء المشركين لو اتبع الحقُّ النازل من عند الله والذي يمثله القرآن أهواءهم أي ما يهوونه ويشتهونه فكان يوافقهم عليه لأدى ذلك إلى
стр. 1853
فساد الكون كله علويه١ وسفليه، وذلك لأنهم أهل باطل لا يرون إلاّ الباطل ويصبح سيرهم معاكساً للحق فيؤدي حتما إلى خراب الكون وقوله تعالى: ﴿بل أتيناهم بذكرهم﴾ أي جئناهم بذكرهم الذي هو القرآن الكريم إذ به يذكرون وبه يُذكرون لأنه سبب شرفهم، وقوله: ﴿فهم عن ذكرهم معرضون﴾ ، فهم لسوء حالهم وفساد قلوبهم معرضون عما به يذكرون ويذكرون٢، وقوله تعالى: ﴿أم تسألهم خرْجاً﴾ أي٣ أجراً ومالاً ﴿فخراج ربّك خير﴾ أي ثواب ربّك الذي يثيبك به خير وهو تعالى خير الرازقين وحاشا رسول الله ﷺ أن يسألهم عن التبليغ أجراً وقوله تعالى: ﴿وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم﴾ أي إلى الإسلام طريق السعادة والكمال في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: ﴿وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط٤ لناكبون﴾ أي علة تنكبّهم أي ابتعادهم عن الإسلام هو عدم إيمانهم بالآخرة، وهو كذلك فالقلب الذي لا يعمره الإيمان بلقاء الله والجزاء يوم القيامة صاحبه ضد كل خير ومعروف ولا يؤمل منه ذلك لعلة كفره بالآخرة.
وقوله تعالى: ﴿ولو٥ رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون﴾ يخبر تعالى أنه لو رحم أولئك المشركين المكذبين بالآخرة، وكشف ما بهم من ضر أصابهم من قحط وجدب وجوع ومرض لا يشكرون الله، بل يتمادون في عتوهم وضلالهم وظلمهم يعمهون حيارى يترددون، وقوله تعالى: ﴿ولقد أخذناهم٦ بالعذاب﴾ وهي سنوات الجدب والقحط بدعوة الرسول ﷺ وما أصابهم من قتل وجراحات وهزائم في بدر. وقوله: ﴿فما استكانوا٧ لربهم وما يتضرعون﴾ فما ذلوا لربهم وما دعوه ولا تضرعوا إليه بل بقوا على طغيانهم في ضلالهم ومرد هذا ظلمة النفوس الناتجة عن الشرك والمعاصي.
وقوله تعالى: ﴿حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد﴾ وهو معركة بدر وما أصاب
стр. 1854
المشركين من القتل ﴿إذا هم فيه مبلسون١﴾ أي آيسون من كل خير حزنون قنطون وذلك لظلمة نفوسهم بالشرك والمعاصي.
هداية الآيات
هن هداية الآيات:
١- خطر إتباع الهوى وما يفضي إليه من الهلاك والخسران.
٢- الصراط المستقيم الموصل إلى السعادة والكمال هو الإسلام لا غير.
٣- التكذيب بيوم القيامة وما يتم فيه من حساب وجزاء هو الباعث على كل شر والمانع من كل خير.
٤- من آثار ظلمة النفس نتيجة الكفر اليأس والقنوط والتمادي في الشر والفساد.
وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٨٣)
شرح الكلمات:
أنشأ لكم السمع: أي خلق وأوجد لكم الأسماع والأبصار.
والأفئدة: جمع فؤاد وهو القلب.
قليلا ما تشكرون: أي ما تشكرون إلاّ قليلاً.
ذرأكم: أي خلقكم.
стр. 1855
وإليه تحشرون: أي تجمعون إليه بعد إحيائكم وخروجكم من قبوركم.
وله اختلاف الليل والنهار: أي إليه تعالى إيجاد الليل والنهار وظلمة الليل وضياء النهار.
أفلا تعقلون: فتعرفوا أن الله هو المعبود الحق إذ هو الرب الحق.
إلاّ أساطير الأولين: أي ما تقولون من البعث والحياة الثانية ما هو إلاّ حكايات وأساطير وأخبار الأولين، والأساطير جمع أسطورة أي حكاية مسطرة مكتوبة.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في دعوة المنكرين للبعث الآخر إلى الإيمان به بعرض الأدلة العقلية عليهم لعلهم يؤمنون فقال تعالى لهم: ﴿وهو الذي أنشأ لكم١ السمع٢ والأبصار والأفئدة﴾ أي الله الذي خلق لكم أسماعكم وأبصاركم وقلوبكم قادر على إحيائكم بعد موتكم وحشركم إليه تعالى ليحاسبكم ويجزيكم، وقوله: ﴿قليلاً ما تشكرون٣﴾ يوبخهم تعالى على كفرانهم نعمه عليهم، إذ أوجد لهم أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ولم يحمدوه على ذلك ولم يشكروه بالإيمان به وبطاعته. وقوله تعالى: ﴿وهو الذي ذرأكم في الأرض﴾ أي خلقكم في الأرض، ﴿وإليه تحشرون﴾ إذ الذي قدر على خلقكم في الأرض قادر على خلقكم في أرض أخرى بعد أن يميتكم ويحشركم أي يجمعكم إليه ليحاسبكم ويجزيكم. وقوله: ﴿وهو الذي يحيى٤ ويميت﴾ أي يحيي النطفة بجعلها مضغة لحم ثم ينفخ فيها الروح فتكون بشراً، ويميتكم بعد انقضاء آجالكم أليس هذا قادراً على إحيائكم بعد موتكم.
وقوله تعالى: ﴿وله اختلاف٥ الليل والنهار أفلا تعقلون﴾ أي ولله تعالى اختلاف الليل والنهار بإيجادهما وتعاقبهما وإدخال أحدهما في الآخر أفلا تعقلون٦ أن من هذه قدرته وتصاريفه في خلقه قادر على بعثكم بعد إماتتكم وقوله تعالى: ﴿بل قالوا مثل٧ ما قال الأولون﴾ أي بدل
стр. 1856
أن يؤمنوا باليوم الآخر لِما دَلَّ عليه من هذه الأدلة التي لا يردها عاقل ولا ينكرها عقل عادوا فقالوا قولة المنكرين من الأمم قبلهم: ﴿قالوا١ إذا متنا وكنا تراباً أءنا لمبعثون﴾ وهو إنكار صريح منهم للعبث الآخر. وقالوا أيضاً ما أخبر تعالى عنهم، وهم يعلنون تكذيبهم لله تعالى ورسوله: ﴿لقد وعدنا نحن وأباؤنا هذا من٢ قبل إن هذا إلاّ أساطير الأولين﴾ أي لقد وعد هذا آباؤنا من قبل ولم يحصل ما هذا الذي يقال إلاّ أساطير أي حكايات سطرها الأولون في كتبهم فهي تروى ويتناقلها الناس ولا حقيقة لها ولا وجود.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب الشكر لله تعالى بطاعته على نعمه ومن بينها نعمة السمع والبصر والقلب.
٢- تقرير عقيدة البعث والجزاء بما تضمنت الآيات من الأدلة العديدة على ذلك.
٣- سوء التقليد وآثاره في السلوك الإنساني بحيث ينكر المقلد عقله.
قُل لِّمَنِ الأرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ
стр. 1857
الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)
شرح الكلمات:
قل أفلا تذكرون: فتعلمون أن من له الأرض ومن فيها خلقاً وملكاً قادر على البعث وأنه لا إله إلاّ هو.
قل أفلا تتقون: أي كيف لا تتقونه بالإيمان به وتوحيده وتصديقه في البعث والجزاء.
من بيده ملكوت كل شيء: أي ملك كل شيء يتصرف فيه كيف يشاء.
وهو يجير ولا يجار عليه: يحفظ ويحمي من يشاء ولا يُحمى عليه ويحفظ من أراده بسوء.
فأنى تسحرون: أي كيف تخدعون وتصرفون عن الحق.
بل أتيناهم بالحق: أي بما هو الحق والصدق في التوحيد والنبوة والبعث والجزاء.
ولعلا بعضهم على بعض: أي قهراً وسلطاناً.
عما يصفون: أي من الكذب كزعمهم أن لله ولداً وأن له شريكاً وأنه غير قادر على البعث.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في دعوة المشركين إلى التوحيد والإيمان بالبعث والجزاء فقال تعالى لرسوله قل١ لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث والجزاء ﴿لمن الأرض ومن فيها﴾ من المخلوقات ﴿إن كنتم تعلمون﴾ من هي له فسموه. ولما لم يكن لهم من بُدًّ أن يقولوا ﴿لله﴾ أخبر تعالى أنهم سيقولون لله. إذاً قل لهم: ﴿أفلا تذكرون٢﴾ فتعلموا أن من له الأرض ومن فيها خلقاً وملكاً وتصرفاً لا يصلح أن يكون له شريك من عباده، وهو رب كل شيء ومليكه. وقوله: ﴿قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم﴾ أي سَلْهُمْ من هو رب السموات السبع وربّ العرش العظيم. الذي أحاط بالملكوت كله، أي من هو خالق السموات السبع، ومن فيهن ومن خالق العرش العظيم ومالك ذلك كله والمتصرف فيه، ولما لم يكن من جواب سوى الله أخبر تعالى أنهم سيقولون لله أي خالقها وهي لله ملكاً وتدبيراً وتصريفاً إذا قل لهم يا رسولنا ﴿أفلا تتقون﴾ أي الله وأنتم تنكرون عليه قدرته في إحياء الناس بعد موتهم وتجعلون له أنداداً تعبدونها معه٣، أما تخافون عقابه أما
стр. 1858
تخشون عذابه وقوله تعالى: ﴿قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه١﴾ أي سلهم يا رسولنا فقل لهم من بيده ملكوت كل شيء أي ملك كل شيء وخزائنه؟ وهو يجير من يشاء أي يحمي ويحفظ من يشاء فلا يستطيع أحد أن يمسه بسوء ولا يجار عليه، أي ولا يستطيع أحد أن يجير أي يحمي ويحفظ عليه أحداً أراده بسوء وقوله: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي إن كنتم تعلمون أحداً غي الله بيده ملكوت. كل شيء ويجير ولا يجار عليه فاذكروه، ولما لم يكن لهم أن يقولوا غير الله، أخبر تعالى أنهم سيقولون الله أي٢ هو الذي بيده ملكوت كل شيء وهي لله خلقاً وملكاً وتصرفاً إذاً قل لهم ﴿فأنى تسحرون؟﴾ أي كيف تخدعون فتصرفون عن الحق فتعبدون غير الخالق الرازق، وتنكرون على الخالق إحياء الأموات وبعثهم وهو الذي أحياهم أولاً ثم أماتهم ثانياً فكيف ينكر عليه إحياءهم مرة أخرى وقوله تعالى: ﴿بل أتيناهم بالحق﴾ ٣ أي ليس الأمر كما يتوهمون ويخيل إليهم بل أتيناهم بذكرهم الذي هو القرآن به يذكرون لأنه ذكرى وذكر، وبه يذكرون لأنه شرف لهم وإنهم لكاذبون في كل ما يدعون ويقولون. ﴿ما٤ اتخذ الله من ولد﴾ ولا بنت، ﴿وما كان معه من إله﴾ ولا ينبغي ذلك، والدليل المنطقي العقلي الذي لا يرد هو أنه لو كان مع الله إله آخر لقاسمه الملك وذهب كل إله بما خلق، ولحارب بعضهم بعضاً وعلا بعضهم على بعض غلبة وقهراً وقوله تعالى: ﴿سبحان الله﴾ تنزيهاً لله تعالى عما يصفه به الواصفون من صفات العجز كاتخاذ الولد والشريك، والعجز عن البعث. وقوله تعالى: ﴿عالم الغيب٥ والشهادة﴾ أي ما ظهر وما بطن، وما غاب وما حضر فلو كان معه آلهة أخرى لعرفهم وأخبر عنهم ولكن هيهات هيهات أن يكون مع الله إله آخر وهو الخالق لكل شيء والمالك لكل شيء ﴿فتعالى عما يشركون﴾ ٦
стр. 1859
علواً كبيراً وتنزه تنزهاً عظيماً.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- مشروعية توبيخ المتغافل المتجاهل وتأنيب المتعامي عن الحق وهو قادر على رؤيته.
٢- تقرير ربوبية الله تعالى وألوهيته.
٣- تنزيه الله تعالى عن الصاحبة والولد وإبطال ترهات المفترين.
٤- الاستدلال العقلي ومشروعيته والعمل به لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)
شرح الكلمات:
إما تريني ما يوعدون: أي إن تُريني من العذاب.
ادفع بالتي هي أحسن: أي ادفع بالخصلة التي هي أحسن وذلك كالصفح والإعراض عنهم.
من همزات الشياطين: أي من وساوسهم التي تخطر بالقلب فتكاد تفسده.
أن يحضرون: أي في أموري حتى لا يفسدوها علي.
стр. 1860
جاء أحدهم الموت: أي رأى علاماته ورآه.
برزخ: أي حاجز يمنع وهو مدة الحياة الدنيا، وإن عاد بالبعث فلا عمل يقبل.
معنى الآيات:
في هذا السياق تهديد للمشركين الذين لم ينتفعوا بتلك التوجيهات التي تقدمت في الآيات قبل هذه، فأمر الله تعالى رسوله أن يدعوه ويضرع إليه إن هو أبقاه حتى يحين هلاك قومه، أن لا يهلكه معهم فقال: ﴿قل رب إما تريني١﴾ أي أن تريني ﴿ما يوعدون﴾ أي من العذاب، ﴿رب فلا تجعلني في القوم الظالمين﴾ أي أخرجني منهم وأبعدني عنهم حتى لا أهلك معهم. وقوله تعالى: ﴿وإنا على أن نريك٢ ما نعدهم لقادرون﴾ يخبر تعالى رسوله بأنه قادر على إنزال العذاب الذي وعد به المشركين إذا لم يتوبوا قبل حلوله بهم.
وقوله: ﴿ادفع بالتي٣ في أحسن﴾ هذا قبل أمره بقتالهم: أمره بأن يدفع ما يقولونه له في الكفر والتكذيب بالخُلَّة والخصلة التي هي أحسن وذلك كالصفح والإعراض عنهم وعدم الإلتفات إليهم. وقوله: ﴿نحن أعلم بما يصفون﴾ أي من قولهم لله شريك وله ولد، وأنه ما أرسل محمداً رسولاً، وأنه لا بعث ولا حياة ولا نشور يوم القيامة وقوله: ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات٤ الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾ لما علمه الاحتراز والتحصُّن من المشركين بالصفح والإعراض أمره أن يتحصن من الشياطين بالاستعاذة بالله تعالى فأمره أن يقول ﴿رب﴾ أي يا رب ﴿أعوذ٥ بك﴾ أي استجير بك من همزات الشياطين أي وساوسهم حتى لا يفتنوني عن ديني وأعوذ بك أن يحضروا أمري فيفسدوه على.
وقوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت﴾ أي إذا حضر أحد أولئك المشركين الموت.