← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

أن يؤمنوا باليوم الآخر لِما دَلَّ عليه من هذه الأدلة التي لا يردها عاقل ولا ينكرها عقل عادوا فقالوا قولة المنكرين من الأمم قبلهم: ﴿قالوا١ إذا متنا وكنا تراباً أءنا لمبعثون﴾ وهو إنكار صريح منهم للعبث الآخر. وقالوا أيضاً ما أخبر تعالى عنهم، وهم يعلنون تكذيبهم لله تعالى ورسوله: ﴿لقد وعدنا نحن وأباؤنا هذا من٢ قبل إن هذا إلاّ أساطير الأولين﴾ أي لقد وعد هذا آباؤنا من قبل ولم يحصل ما هذا الذي يقال إلاّ أساطير أي حكايات سطرها الأولون في كتبهم فهي تروى ويتناقلها الناس ولا حقيقة لها ولا وجود. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب الشكر لله تعالى بطاعته على نعمه ومن بينها نعمة السمع والبصر والقلب. ٢- تقرير عقيدة البعث والجزاء بما تضمنت الآيات من الأدلة العديدة على ذلك. ٣- سوء التقليد وآثاره في السلوك الإنساني بحيث ينكر المقلد عقله. قُل لِّمَنِ الأرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ

стр. 1857

الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) شرح الكلمات: قل أفلا تذكرون: فتعلمون أن من له الأرض ومن فيها خلقاً وملكاً قادر على البعث وأنه لا إله إلاّ هو. قل أفلا تتقون: أي كيف لا تتقونه بالإيمان به وتوحيده وتصديقه في البعث والجزاء. من بيده ملكوت كل شيء: أي ملك كل شيء يتصرف فيه كيف يشاء. وهو يجير ولا يجار عليه: يحفظ ويحمي من يشاء ولا يُحمى عليه ويحفظ من أراده بسوء. فأنى تسحرون: أي كيف تخدعون وتصرفون عن الحق. بل أتيناهم بالحق: أي بما هو الحق والصدق في التوحيد والنبوة والبعث والجزاء. ولعلا بعضهم على بعض: أي قهراً وسلطاناً. عما يصفون: أي من الكذب كزعمهم أن لله ولداً وأن له شريكاً وأنه غير قادر على البعث. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة المشركين إلى التوحيد والإيمان بالبعث والجزاء فقال تعالى لرسوله قل١ لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث والجزاء ﴿لمن الأرض ومن فيها﴾ من المخلوقات ﴿إن كنتم تعلمون﴾ من هي له فسموه. ولما لم يكن لهم من بُدًّ أن يقولوا ﴿لله﴾ أخبر تعالى أنهم سيقولون لله. إذاً قل لهم: ﴿أفلا تذكرون٢﴾ فتعلموا أن من له الأرض ومن فيها خلقاً وملكاً وتصرفاً لا يصلح أن يكون له شريك من عباده، وهو رب كل شيء ومليكه. وقوله: ﴿قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم﴾ أي سَلْهُمْ من هو رب السموات السبع وربّ العرش العظيم. الذي أحاط بالملكوت كله، أي من هو خالق السموات السبع، ومن فيهن ومن خالق العرش العظيم ومالك ذلك كله والمتصرف فيه، ولما لم يكن من جواب سوى الله أخبر تعالى أنهم سيقولون لله أي خالقها وهي لله ملكاً وتدبيراً وتصريفاً إذا قل لهم يا رسولنا ﴿أفلا تتقون﴾ أي الله وأنتم تنكرون عليه قدرته في إحياء الناس بعد موتهم وتجعلون له أنداداً تعبدونها معه٣، أما تخافون عقابه أما

стр. 1858

تخشون عذابه وقوله تعالى: ﴿قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه١﴾ أي سلهم يا رسولنا فقل لهم من بيده ملكوت كل شيء أي ملك كل شيء وخزائنه؟ وهو يجير من يشاء أي يحمي ويحفظ من يشاء فلا يستطيع أحد أن يمسه بسوء ولا يجار عليه، أي ولا يستطيع أحد أن يجير أي يحمي ويحفظ عليه أحداً أراده بسوء وقوله: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي إن كنتم تعلمون أحداً غي الله بيده ملكوت. كل شيء ويجير ولا يجار عليه فاذكروه، ولما لم يكن لهم أن يقولوا غير الله، أخبر تعالى أنهم سيقولون الله أي٢ هو الذي بيده ملكوت كل شيء وهي لله خلقاً وملكاً وتصرفاً إذاً قل لهم ﴿فأنى تسحرون؟﴾ أي كيف تخدعون فتصرفون عن الحق فتعبدون غير الخالق الرازق، وتنكرون على الخالق إحياء الأموات وبعثهم وهو الذي أحياهم أولاً ثم أماتهم ثانياً فكيف ينكر عليه إحياءهم مرة أخرى وقوله تعالى: ﴿بل أتيناهم بالحق﴾ ٣ أي ليس الأمر كما يتوهمون ويخيل إليهم بل أتيناهم بذكرهم الذي هو القرآن به يذكرون لأنه ذكرى وذكر، وبه يذكرون لأنه شرف لهم وإنهم لكاذبون في كل ما يدعون ويقولون. ﴿ما٤ اتخذ الله من ولد﴾ ولا بنت، ﴿وما كان معه من إله﴾ ولا ينبغي ذلك، والدليل المنطقي العقلي الذي لا يرد هو أنه لو كان مع الله إله آخر لقاسمه الملك وذهب كل إله بما خلق، ولحارب بعضهم بعضاً وعلا بعضهم على بعض غلبة وقهراً وقوله تعالى: ﴿سبحان الله﴾ تنزيهاً لله تعالى عما يصفه به الواصفون من صفات العجز كاتخاذ الولد والشريك، والعجز عن البعث. وقوله تعالى: ﴿عالم الغيب٥ والشهادة﴾ أي ما ظهر وما بطن، وما غاب وما حضر فلو كان معه آلهة أخرى لعرفهم وأخبر عنهم ولكن هيهات هيهات أن يكون مع الله إله آخر وهو الخالق لكل شيء والمالك لكل شيء ﴿فتعالى عما يشركون﴾ ٦

стр. 1859

علواً كبيراً وتنزه تنزهاً عظيماً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مشروعية توبيخ المتغافل المتجاهل وتأنيب المتعامي عن الحق وهو قادر على رؤيته. ٢- تقرير ربوبية الله تعالى وألوهيته. ٣- تنزيه الله تعالى عن الصاحبة والولد وإبطال ترهات المفترين. ٤- الاستدلال العقلي ومشروعيته والعمل به لإحقاق الحق وإبطال الباطل. قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) شرح الكلمات: إما تريني ما يوعدون: أي إن تُريني من العذاب. ادفع بالتي هي أحسن: أي ادفع بالخصلة التي هي أحسن وذلك كالصفح والإعراض عنهم. من همزات الشياطين: أي من وساوسهم التي تخطر بالقلب فتكاد تفسده. أن يحضرون: أي في أموري حتى لا يفسدوها علي.

стр. 1860

جاء أحدهم الموت: أي رأى علاماته ورآه. برزخ: أي حاجز يمنع وهو مدة الحياة الدنيا، وإن عاد بالبعث فلا عمل يقبل. معنى الآيات: في هذا السياق تهديد للمشركين الذين لم ينتفعوا بتلك التوجيهات التي تقدمت في الآيات قبل هذه، فأمر الله تعالى رسوله أن يدعوه ويضرع إليه إن هو أبقاه حتى يحين هلاك قومه، أن لا يهلكه معهم فقال: ﴿قل رب إما تريني١﴾ أي أن تريني ﴿ما يوعدون﴾ أي من العذاب، ﴿رب فلا تجعلني في القوم الظالمين﴾ أي أخرجني منهم وأبعدني عنهم حتى لا أهلك معهم. وقوله تعالى: ﴿وإنا على أن نريك٢ ما نعدهم لقادرون﴾ يخبر تعالى رسوله بأنه قادر على إنزال العذاب الذي وعد به المشركين إذا لم يتوبوا قبل حلوله بهم. وقوله: ﴿ادفع بالتي٣ في أحسن﴾ هذا قبل أمره بقتالهم: أمره بأن يدفع ما يقولونه له في الكفر والتكذيب بالخُلَّة والخصلة التي هي أحسن وذلك كالصفح والإعراض عنهم وعدم الإلتفات إليهم. وقوله: ﴿نحن أعلم بما يصفون﴾ أي من قولهم لله شريك وله ولد، وأنه ما أرسل محمداً رسولاً، وأنه لا بعث ولا حياة ولا نشور يوم القيامة وقوله: ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات٤ الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾ لما علمه الاحتراز والتحصُّن من المشركين بالصفح والإعراض أمره أن يتحصن من الشياطين بالاستعاذة بالله تعالى فأمره أن يقول ﴿رب﴾ أي يا رب ﴿أعوذ٥ بك﴾ أي استجير بك من همزات الشياطين أي وساوسهم حتى لا يفتنوني عن ديني وأعوذ بك أن يحضروا أمري فيفسدوه على. وقوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت﴾ أي إذا حضر أحد أولئك المشركين الموت.

стр. 1861

أي رأى ملك الموت وأعوانه وقد حضروا لقبض روحه ﴿قال رب ارجعون١﴾ أي أخروا موتي كي أعمل صالحاً فيما تركت العمل فيه بالصلاح، وفيما ضيعت من واجبات قال تعالى رداً عليه ﴿كلا﴾ ٢ أي لا رجوع أبداً، ﴿إنها كلمة هو قائلها﴾ لا فائدة منها ولا نفع فيها، ﴿ومن ورائهم برزخ﴾ أي حاجز مانع من العودة إلى الحياة وهو أيام الدنيا كلها حتى إذا انقضت عادوا إلى الحياة، ولكن ليست حياة عمل وإصلاح ولكنها حياة حساب وجزاء هذا معنى قوله: ﴿ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾ ٣. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مشروعية الدعاء والترغيب فيه وإنه لذو جدوى للمؤمن. ٢- استحباب دفع السيء من القول أو الفعل بالصفح والإعراض عن صاحبه. ٣- مشروعية الاستعاذة بالله تعالى من وساوس الشياطين ومن حضورهم أمر العبد الهام حتى لا يفسدوه عليه بالخواطر السيئة. ٤- موعظة المؤمن بحال من يتمنى العمل الصالح عند الموت فلا يُمكن منه فيموت بندمه وحسرته ويلقى جزاء تفريطه حرماناً وخسراناً في الدار الآخرة. فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ (١٠١) فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)

стр. 1862

أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) شرح الكلمات: في الصور: أي في القرن المعبر عنه بالبوق نفخة القيام من القبور للحساب والجزاء. المفلحون: أي الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة. تلفح وجوههم النار: أي تحرقها. وهم فيها كالحون: الكالح من أحرقت النار جلدة وجهه وشفتيه فظهرت أسنانه. ألم تكن آياتي تتلى عليكم: أي يوبخون ويذكرون بالماضي ليحصل لهم الندم والمراد بالآيات آيات القرآن. غلبت علينا شقوتنا: أي الشقاوة الأزلية أي تكتب على العبد في كتاب المقادير قبل وجوده. أخرجنا منها فإن عدنا: أي من النار فإن عدنا إلى الشرك والمعاصي. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير التوحيد والنبوة والبعث والجزاء والدعوة إلى ذلك وعرض الأدلة وتبيينها وتنويعها، إذ لا يمكن استقامة إنسان قي تفكيره وخلقه وسلوكه على مناهج الحق والخبر إلاّ إذا آمن إيماناً راسخاً بوجود الله تعالى ووجوب طاعته وتوحيده في عباداته، وبالواسطة في ذلك وهو الوحي والنبي الموحي إليه، وبالبعث الآخر الذي هو دور الحصاد لما زرع الإنسان في هذه الحياة من خير وشر فقوله تعالى: ﴿فإذا نفخ١ في الصور فلا أنساب٢ بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ هذا عرض لما يجرى في الآخرة فيخبر تعالى أنه إذا نفخ إسرافيل بإذن الله في الصور الذي هو القرن أي كقرن الشاة لقوله تعالى: ﴿فإذا نقر في الناقور فذلك

стр. 1863

يومئذ يوم عسير﴾ فلشدة الهول وعظيم الفزع لم يبق نسب١ يراعى أو يلتفت إليه بل كل واحد همه نفسه فقط، ولا يسأل حميم حميماً وسألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ قالت: هل تذكرون أهليكم يا رسول الله يوم القيامة فقال أما عند ثلاثة فلا: إذا تطايرت الصحف، وإذا وضع الميزان وإذا نصب الصراط ومعنى هذا الحديث واضح والشاهد منه ظاهر وهو أنهم لا يتساءلون. وقوله تعالى: ﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون﴾ أي من رجحت كفة حسناته على كفة سيئآته أفلح أي نجا من النار وأدخل الجنة ومَن خفت موازينه بأن حصل العكس فقد خسر وَأبعد عن الجنة وأدخل النار وهذا معنى قوله تعالى ﴿ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، تلفح٢ وجوههم النار وهم فيها كالحون٣﴾ أي تحرق وجوههم النار فيكلحون باحتراق شفاههم وتظهر أسنانهم وهو أبشع منظر وأسوأه وقوله تعالى: ﴿ألم تكن٤ آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون؟﴾ هذا يقال لهم تأنيباً وتوبيخاً وهم في جهنم وهو عذاب نفساني مع العذاب الجثماني ﴿ألم تكن آياتي تتلى عليكم﴾ أما كان رسلنا يتلون عليكم آياتنا ﴿فكنتم بها تكذبون﴾ بأقوالكم وأعمالكم أو بأعمالكم دون أقوالكم فلم تحرموا ما حرم الله ولم تؤدوا ما أوجب الله، ولم تنتهوا عما نهاكم عنه. وقوله تعالى: ﴿قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا٥﴾ هذا جوابهم كالمعتذرين بأن شقاءهم كان بقضاء وقدر فلذا حيل بينهم وبين الإيمان والعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وكنا قوماً ضالين﴾ هذا قولهم أيضاً وهو اعتراف صريح بأنهم كانوا ضالين. ثم قالوا ما أخبر تعالى به عنهم بقوله: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ هذا دعاؤهم وهم في جهنم يسْألون رجهم أن يردهم إلى الدنيا ليؤمنوا ويستقيموا٦ على صراط الله المستقيم الذي هو الإسلام وسوف ينتظرون جواب الله تعالى ألف سنة وهو ما تضمنته الآيات التالية

стр. 1864

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء من خلال عرض أحداثها في هذه الآيات. ٢- تقرير أن وزن الأعمال يوم القيامة حق وإنكاره بدعة مكفرة. ٣- تقرير أن إسرافيل ينفخ في الصور وإنكار ذلك وتأويله بلفظ الصور كما فعل المراغي عند تفسيره هذه الآية مع الأسف بدعة من البدع المنكرة ولذا نبهت عليها هنا حتى لا يغتر بها المؤمنون. ٤- الاعتذار بالقدر لا ينفع صاحبه، إذ القدر مستور فلا ينظر إليه والعبد مأمور فليؤتمر بأمر الله ورسوله ولينته بنهيهما ما دام العبد قادراً على ذلك فإن عجز فهو معذور. قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) شرح الكلمات: إخسأوا: أي أبعدوا في النار أذلاء مخزيين. فريق من عبادي: هم المؤمنون المتقون. فاتخذتموهم سخرياً: أي جعلتموهم محط سخريتكم واستهزائكم. بما صبروا: أي على الإيمان والتقوى. هم الفائزون: أي الناجون من النار المنعمون في الجنة.

стр. 1865

معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿قال اخسأوا فيها ولا تكلمون١﴾ هذا جواب سؤالهم المتقدم حيث قالوا: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون٢﴾ وعلل تعالى لحكمه فيهم بالإبعاد في جهنم أذلاء مخزيين يقوله: ﴿إنه كان فريق من عبادي﴾ وهو فريق المؤمنين المتقين٣ يقولون ﴿ربنا آمنا فاغفر لنا﴾ ذنوبنا ﴿وارحمنا وأنت خير الراحمين﴾ أي يعبدوننا ويتقربون إلينا ويتوسلون بإيمانهم وصالح إعمالهم ويسألوننا المغفرة والرحمة وكنتم أنتم تضحكون من عبادتهم ودعائهم وضراعتهم إلينا وتسخرون منهم٤ إني جزيتهم اليوم بصبرهم على طاعتنا مع ما يلاقون منكم من اضطهاد وسخرية. ﴿أنهم٥ هم الفائزون﴾ برضواني في جناتي لا غيرهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان مدى حسرة أهل النار لما يجابون بكلمة: ﴿اخسأوا فيها ولا تكلمون﴾ . ٣- فضيلة التضرع إلى الله تعالى ودعائه والتوسل إليه بالإيمان وصالح الأعمال. ٣- حرمة السخرية بالمسلم والاستهزاء به والضحك منه. ٤- فضيلة الصبر ولذا ورد أن منزلة الصبر هن الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد.

стр. 1866

قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨) شرح الكلمات: كم لبثتم في الأرض: أي كم سنة لبثتموها في الأرض أحياءً وأمواتاً في قبوركم؟. فاسأل العادين: يريدون الملائكة التي كانت تعد، وهم الكرام الكاتبون أو من يعد أما نحن فلم نعرف. خلقتم عبثاً: أي لا لحكمة بل لمجرد العيش واللعب كلا. فتعالى الله الملك الحق: أي تنزه الله عن العبث. لا برهان له: الجملة صفة لـ "إلهاً آخر" لا مفهوم لها إذ لا يوجد برهان ولا حجة على صحة عبادة غير الله تعالى إذ الخلق كله مربوب لله مملوك له. حسابه عند ربه: أي مجازاته عند ربه هو الذي يجازيه بشركه به ودعاء غيره. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم ومع أهل النار المنكرين للبعث والتوحيد بقوله تعالى: ﴿قال كم

стр. 1867

لبثتم في الأرض عدد سنين؟﴾ هذا سؤال طرح عليهم أي سألهم ربهم وهو أعلم بلبثهم كم لبثتم من سنة في الدنيا مدة حياتكم فيها ومدة لبثكم أمواتاً في قبوركم؟ فأجابوا قائلين ﴿لبثنا يوماً أو بعض١ يوم فاسأل٢ العادين﴾ أي من كان يعد من الملائكة أو من غيرهم، وهذا الاضطراب منهم عائد إلى نكرانهم للبعث وكفرهم في الدنيا به أولاً وثانياً أهوال الموقف وصعوبة الحال وآلام العذاب جعلتهم لا يعرفون أما أهل الإيمان فقد جاء في سورة الروم أنهم يجيبون إجابة صحيحة إذ قال تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون﴾ . وقوله تعالى: ﴿إن لبثتم إلاّ قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون٣﴾ هذا بالنظر إلى ما تقدم من عمر الدنيا، فمدة حياتهم وموتهم إلى بعثهم ما هي إلاّ قليل وقوله تعالى: ﴿أفحسبتم٤ أنما خلقناكم٥ عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ ، هذا منه تعالى توبيخ لهم وتأنيب على إنكارهم للبعث أنكر تعالى عليهم حسبانهم وظنهم أنهم لم يحلقوا للعبادة وإنما خلقوا للأكل والشرب والنكاح كما هم ظن كل الكافرين وأنهم لا يبعثون ولا يحاسبون ولا يجزون بأعمالهم. وقوله تعالى: ﴿فتعالى٦ الله الملك الحق﴾ أي عن العبث وعن كل ما لا يليق بجلاله وكماله وقوله: ﴿لا إله إلاّ هو رب العرش الكريم﴾ أي لا معبود بحق إلاّ هو ﴿رب العرش الكريم﴾ أي مالك العرش الكريم ووصف العرش بالكرم سائغ كوصفه بالعظيم والعرش سرير الملك وهو كريم لما فيه من الخير وعظيم إذ هو أعظم من الكرسي والكرسي وسع السموات والأرض، ولم لا يكون العرش كريماً وعظيماً ومالكه ﷻ هو مصدر كل كرم وخير وعظمة.

стр. 1868

وقوله تعالى: ﴿ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له﴾ أي ومن يعبد مع الله إلهاً آخر بالدعاء أو الخوف أو الرجاء أو النذر والذبح، وقوله: لا برهان له أي لا حجة له ولا سلطان على جواز عبادة ما عبده، ومن أين يكون له الحجة والبرهان على عبادة غير الله والله رب كل شيء ومليكه وقوله تعالى: ﴿فإنما حسابه عند ربه﴾ أي الله تعالى ربه يتولى حسابه ويجزيه بحسب عمله وسيخسر خسراناً مبيناً لأنه كافر والكافرون لا يفلحون أبداً فلا نجاة من النار ولا دخول للجنة بل حسبهم جهنم وبئس المهاد. وقوله تعالى: ﴿وقل رب اغفر وارحم١﴾ أي أمر الله تعالى رسوله أن يدعو بهذا الدعاء: رب اغفر لي وارحمني واغفر لسائر المؤمنين وارحمهم أجمعين أنت خير الغافرين والراحمين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- عظم هول يوم القيامة وشدة الفزع فيه فليتق ذلك بالإيمان وصالح الأعمال. ٢- تنزه الله تعالى عن العبث واللهو واللعب. ٣- تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٤- كفر وشرك من يدعو مع الله إلهاً آخر. ٥- الحكم بخسران الكافرين وعدم فلاحهم. ٦- استحباب الدعاء بالمغفرة والرحمة للمؤمنين والمؤمنات.

стр. 1869

سورة النور ١ مدنية وآياتها أربع وستون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لا يَنكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) شرح الكلمات: سورة أنزلناها: أي هذه سورة أنزلناها. وفرضناها: أي فرضنا ما فيها من أحكام. وأنزلنا فيها آيات بينات: أي وأنزلنا ضمنها آيات أي حججاً واضحات تهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم. لعلكم تذكرون: أي تتعظون فتعملون بما في السورة من أحكام. الزانية: من أفضت إلى رجل بغير نكاح شرعي وهي غير محصنة. مائة جلدة: أي ضربة على جلد ظهره. رأفة: شفقة ورحمة. وليشهد عذابهما: أي اقامة الحد عليهما.

стр. 1870

طائفة: أي عدد لا يقل عن ثلاثة أنفار من المسلمين والأربعة أولى من الثلاثة. الزاني لا ينكح إلا زانية: أي إلا زانية مثله أو مشركة أي لا يقع وطء إلاَّ على مثله١. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿سورة أنزلناها﴾ أي هذه سورة من كتاب الله أنزلناها أي على عبدنا ورسولنا محمد ﷺ ﴿وفرضناها﴾ أي وفرضنا ما اشتملت عليه من أحكام على أمة الإسلام، وقوله: ﴿لعلكم تذكرون﴾ أي تتعظون فتعملون بما حوته هذه السورة من أوامر ونواه وآداب وأخلاق وقوله تعالى: ﴿الزانية٢ والزاني فاجلدوا كل٣ واحد منهما مائة جلدة﴾ أي من زنت برجل منكم أيها المسلمون وهما بكران حُرَّان غير محصنين ولا مملوكين فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة بعصا لا تشين جارحة ولا تكسر عضواً أي جلداً غير مبرح، وزادت السنة تغريب سنة، وقوله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ ، أي لا تشفقوا عليهما فتعطلوا حَدَّ الله تعالى وتحرموهما من التطهير بهذا الحد لأن الحدود كفارة لأصحابها، وقوله: ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ أي فأقيموا عليهما الحد وقوله: ﴿وليشهد عذابهما﴾ أي إقامة الحد ﴿طائفة من المؤمنين﴾ أي ثلاثة أنفار فأكثر وأربعة أولى لأن شهادة الزنا تثبت بأربعة شهداء وكلما كثر العدد كان أولى وأفضل. وقوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ أي لا يطأ إلا مثله من الزواني أو مشركة لا دين لها، والزانية أيضاً لا يطأها إلا زانٍ مثلها أو مشرك ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ أي حرم الله الزنا على المؤمنين والمؤمنات ولازم هذا أن لا نزوج زانياً من عفيفة إلا بعد توبته٤، ولا نزوج زانية من عفيف إلا بعد توبتها٥.

стр. 1871

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان حكم الزانية والزاني البكرين الحرين وهو جلد مائة وتغريب عام وأما الثيبان فالرحم إن كانا حرين أو جلد خمسين١ جلدة لكل واحد منهما إن كانا غير حرين. ٢- وجوب إقامة هذا الحد أمام طائفة من المؤمنين. ٣- لا يحل تزويج الزاني إلا بعد توبته، ولا الزانية إلا بعد توبتها. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٥) شرح الكلمات: يرمون: أي يقذفون. المحصنات: أي العفيفات والرجال هنا كالنساء. فاجلدوهم: أي حداً عليهم واجباً. ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً: لسقوط عدالتهم بالقذف للمؤمنين والمؤمنات. إلا الذين تابوا: فإنهم بعد توبتهم يعود إليهم اعتبارهم وتصح شهادتهم. معنى الآيتين: بعد بيان حكم الزناة بين تعالى حكم القذف فقال: ﴿والذين يرمون المحصنات٢﴾ أي والذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بالفاحشة وهي الزنا واللواط بأن يقول فلان زان أو لائط

стр. 1872

فيقذفه بهذه الكلمة١ الخبيثة فإن عليه أن يحضر شهوداً أربعة يشهدون أمام الحاكم على صحة ما رمى به أخاه المؤمن فإن لم يأت بالأربعة شهود أقيم عليه الحد المذكور في الآية: وهو جلد ثمانين جلدة على ظهره وتسقط عدالته حتى يتوب وهو معنى قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون﴾ أي عن طاعة الله ورسوله ﴿إلا الذين تابوا هن بعد ذلك وأصلحوا﴾ بأن كذبوا أنفسهم بأنهم ما رأوا الفاحشة وقوله: ﴿فإن الله غفور﴾ فيغفر لهم بعد التوبة ﴿رحيم﴾ بهم يرحمهم ولا يعذبهم بهذا الذنب العظيم بعدما تابوا منه. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- بيان حد القذف وهو جلد ثمانين جلدة لمن قذف مؤمناً أو مؤمنة بالفاحشة وكان المقذوف بالغاً عاقلاً مسلماً٢ عفيفاً أي لم يعرف بالفاحشة قبل رميه بها٣. ٢- سقوط عدالة القاذف إلا أن يتوب فإنه تعود إليه عدالته. ٣- قبول توبة٤ التائب إن كانت توبته صادقة نصوحا. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)

стр. 1873

وَالْخَامِسَةُ أَنَّ١ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ (٧) عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) شرح الكلمات: يرمون أزواجهم: أي يقذفونهن بالزنا كأن يقول زنت أو الحمل الذي في بطنها ليس منه. إنه لمن الصادقين: أي فيما رماها به من الزنى. والخامسة: أي والشهادة الخامسة. ويدرأ عنها العذاب: أي يدفع عنها حد القذف وهو هنا الرجم حتى الموت. أن تشهد أربع شهادات: أي شهادتها أربع شهادات. والخامسة: هي قولها غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ولولا فضل الله عليكم: أي لفضح القاذف أو المقذوف ببيان كذب أحدهما. معنى الآيات: بعد بيان حكم حد القذف٢ العام ذكر تعالى حكم القذف الخاص وهو قذف الرجل زوجته فقال تعالى: ﴿والذين يرمون٣ أزواجهم﴾ أي بالفاحشة ﴿ولم يكن لهم شهداء٤﴾ أي من يشهد معهم إلا أنفسهم أي إلا القاذف وحده فالذي يقوم مقام الأربعة شهود هو أن يشهد أربع٥ شهادات قائلاً: أشهد ٦ بالله لقد رأيتها تزني أو زنت أو هذا الولد أو الحمل ليس لي ويلتعن فيقول في الخامسة ﴿لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾ أي فيما رمى به زوجته. وهنا يعرض على الزوجة أن تقر بما رماها به زوجها ويقام عليها حد القذف وهو هنا الرجم، أو تشهد أربع شهادات بالله أنها ما زنت، والخامسة تدعو على نفسها بغضب الله

стр. 1874

فتقول ﴿أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ فيما رماها به، وبذلك درأت عنها العذاب الذي هو الحد ويفرق بينهما فلا يجتمعان أبداً. وقوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله١ عليكم ورحمته﴾ جواب لولا محذوف تقديره لعاجلكم بالعقوبة ولفضح أحد الكاذبين: ولكن الله تواب رحيم فستر عليكم ليتوب من يتوب منكم ورحمكم بهذا التشريع العادل الرحيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان حكم قذف الرجل امرأته ولم يكن له أربعة شهود يشهدون معه على ما رمى به زوجته وهو اللعان. ٢- بيان كيفية اللعان، وأنه موجب لإقامة الحد، إن لم ترد الزوجة الدعوى بأربع شهادات والدعاء عليها في الخامسة وقولها ﴿أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ . ٣- في مشروعية اللعان مظهر من مظاهر حسن التشريع الإسلامي وكماله وأن مثله لن يكون إلا بوحي إلهي وفيه إشارة إلى تقرير النبوة المحمدية. إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ (١٢) لَوْلا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)

стр. 1875

إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) شرح الكلمات: بالإفك عصبة: الإفك الكذب المقلوب وهو أسوأ الكذب، والعصبة الجماعة. شراً لكم بل هو خير: الشر ما غلب ضرره على نفعه، والخير ما غلب نفعه على ضرره،. لكم: والشر المحض النار يوم القيامة والخير المحض الجنة دار الأبرار. والذي تولى كبره: أي معظمه وهو ابن أبي كبير المنافقين. لولا: أداة تحضيض وحث بمعنى هلاّ. فيما أفضتم فيه: أي فيما تحدثتم بتوسع وعدم تحفظ. إذ تلقونه: أي تتلقونه أي يتلقاه بعضكم من بعض. وتحسبونه هيناً: أي من صغائر الذنوب وهو عند الله من كبائرها لأنه عرض مؤمنة هي زوج رسول الله ﷺ . سبحانك: كلمة تقال عند التعجب والمراد بها تنزيه الله تعالى عما لا يليق به. بهتان عظيم: البهتان الكذب الذي يحيّر من قيل فيه. يعظكم الله: أي ينهاكم نهياً مقروناً بالوعيد حتى لا تعودوا لمثله أبداً. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى حكم القذف العام والخاص ذكر حادثة الإفك التي هلك فيها خلق لا يحصون عداً إذ طائفة الشيعة الروافض ما زالوا يهلكون فيها جيلاً بعد جيل إلى اليوم إذ وَرَّثَ فيهم رؤوساء الفتنة الذين اقتطعوا من الإسلام وأمته جزءاً كبيراً أسمو شيعة آل البيت تضليلاً وتغريراً فأخرجوهم من الإسلام باسم الإسلام وأوردهم النار باسم

стр. 1876

الخوف من النار فكذبوا الله ورسوله وسبوا زوج رسول الله واتهموها بالفاحشة وأهانوا أباها ولوثوا شرف زوجها ﷺ بنسبة زوجه إلى الفاحشة. وخلاصة الحادثة أن رسول الله ﷺ بعد أن فرض الحجاب على النساء المؤمنات خرج إلى غزوة تدعى غزوة بني المصطلق أو المريسيع، ولما كان عائداً منها وقارب المدينة النبوية نزل ليلاً وارتحل، ولما كان الرجال يرحلون النساء على الهوادج وجدوا هودج عائشة ﵂ فظنوها فيه فوضعوه على البعير وساقوه ضمن الجيش ظانين أن عائشة فيه، وما هي فيه، لأنها ذكرت عقداً لها قد سقط منها في مكان تبرزت فيه فعادت تلتمس عقدها فوجدت الجيش قد رحل فجلست في مكانها لعلهم إذا افتقدوها رجعوا إليها ومازالت جالسة تنظر حتى جاء صفوان بن معطل السلمي ﵁ وكان الرسول ﷺ قد عينه في الساقة وهم جماعة يمشون وراء الجيش بعيداً عنه حتى إذا تأخر شخص أو ترك متاع أوضاع شيء يأخذونه ويصلون به إلى المعسكر فنظر فرآها من بعيد فأخذ يسترجع أي يقول إنا لله وإنا إليه راجعون آسفاً لتخلف عائشة عن الركب قالت ﵂ فتجلببت بثيابي وغطيت وجهي وجاء فأناخ راحلته فركبتها وقادها بي حتى انتهينا إلى رسول الله ﷺ في المعسكر، وما إن رآني ابن أبي لعنة الله عليه حتى قال والله ما نجت منه ولا نجا منها، وروج للفتنة فاستجاب له ثلاثة أنفار فرددوا ما قال وهم حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ﴿والذي تولى كبره﴾ هو ابن أبي المنافق وتورط آخرون ولكن هؤلاء الأربعة هم الذين أشاعوا وراجت الفتنة في المدينة واضطربت لها نفس رسول الله ﷺ ونفوس أصحابه وآل بيته فأنزل الله هذه الآيات في براءة أم المؤمنين عائشة ﵂ وبراءة صفوان ﵁، ومن خلال شرح الآيات تتضح جوانب القصة. قال تعالى: ﴿إن الذين١ جاءوا بالإفك عصبة منكم٢﴾ أي إن الذين جاءوا بهذا الكذب المقلوب إذ المفروض أن يكون الطهر والعفاف لكل من أم المؤمنين وصفوان بدل الرمي بالفاحشة القبيحة فقلبوا القضية فلذا كان كذبهم إفكاً وقوله: ﴿عصبة﴾ أي جماعة لا يقل عادة عددهم على عشرة أنفار إلا أن الذين روجوا الفتنة وتورطوا فيها حقيقة وأقيم عليهم الحد أربعة ابن أبي وهو الذي تولى كبره منهم وتوعده الله بالعذاب العظيم لأنه منافق كافر

стр. 1877

مات على كفره ونفاقه، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب ﵂ وحسان بن ثابت ﵁، وقوله تعالى: ﴿لا تحسبوه شراً لكم﴾ لما نالكم من هم وغم وكرب من جرائه ﴿بل هو خير لكم﴾ لما كان له من العاقبة الحسنة وما نالكم من الأجر العظيم من أجل عظم المصاب وشدة الفتنة وقوله تعالى: ﴿لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم﴾ على قدر ما قال وروج وسيجزي به إن لم يتب الله تعالى عليه ويعفو عنه. وقوله: ﴿والذي تولى كبره١ منهم له عذاب عظيم﴾ وهو عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين عليه لعنة الله. وقوله تعالى: ﴿لولا إذ سمعتموه٢ ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين﴾ هذا شروع في عتاب القوم وتأديبهم وتعليم المسلمين وتربيتهم فقال : ﴿لولا﴾ أي هلا وهي للحض والحث على فعل الشيء إذ سمعتم قول الإفك ظننتم بأنفسكم خيراً إذ المؤمنون والمؤمنات كنفس واحدة، وقلتم لن يكون هذا وإنما هو إفك مبين أي ظاهر لا يقبل ولا يقر عليه هكذا كان الواجب عليكم ولكنكم ما فعلتم. وقوله تعالى: ﴿لولا جاءوا٣ عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ أي كان المفروض فيكم أيها المؤمنون أنكم تقولون هذا لمن جاء بالإفك فإنهم لا يأتون بشاهد فضلاً عن أربعة وبذلك تسجلون عليهم لعنة الكذب في حكم الله. وقوله تعالى: ﴿ولولا فضل٤ الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم٥ فيه عذاب عظيم﴾ هذه منة من الله تحمل أيضاً عتاباً واضحاً إذ بولوغكم في عرض أم المؤمنين، وما كان لكم أن تفعلوا ذلك قد استوجبتم العذاب لولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم العذاب العظيم. وقوله: ﴿إذ تلقونه بألسنتكم﴾ أي يتلقاه بعضكم من بعض، ﴿وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم﴾ وهذا عتاب وتأديب. وقوله: ﴿وتحسبونه هينا﴾ أي ليس بذنب كبير ولا تبعة فيه ﴿وهو عند الله عظيم﴾ ، وكيف وهو يمس عرض رسول الله وعائشة والصديق وآل البيت أجمعين.

стр. 1878

وقوله تعالى: ﴿ولولا إذ سمعتموه١ قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا﴾ إذ هذه مما لا يصح لمؤمن أن يقول فيه لخطره وعظم شأنه. وقلتم متعجبين من مثله كيف يقع ﴿سبحانك﴾ أي يا رب ﴿هذا﴾ أي الإفك ﴿بهتان عظيم﴾ بهتوا به أم المؤمنين وصفوان. وقولي: ﴿يعظكم٢ الله﴾ أي ينهاكم الله مخوفاً لكم بذكر العقوبة الشديدة ﴿أن تعودوا لمثله أبداً﴾ أي طول الحياة فإياكم إياكم إن كنتم مؤمنين حقاً وصدقاً فلا تعودوا لمثله أبداً. وقوله: ﴿ويبين الله لكم الآيات﴾ التي تحمل الهدى والنور لترشدوا وتكملوا والله عليم بخلقه وأعمالهم وأحوالهم حكيم فيما يشرع لهم من أمر ونهي. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- قضاء الله تعالى للمؤمن كله خير له. ٢- بشاعة الإفك وعظيم جرمه. ٣- العقوبة على قدر الجرم كبراً وصغراً قلة وكثرة. ٤- واجب المؤمن أن لا يصدق من يرمي مؤمناً بفاحشة، وأن يقول له هل تستطيع أن تأتي بأربعة شهداء على قولك فإن قال لا قال له إذاً أنت عند الله من الكاذبين. ٥- حرمة القول بدون علم والخوض في ذلك. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ

стр. 1879

اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٢) شرح الكلمات: أن تشيع الفاحشة: أي تعم المجتمع وتنتشر فيه والفاحشة هي الزنا. ولولا فضل الله عليكم ورحمته: جواب لولا محذوف تقديره: لعاجلكم بالعقوبة أيها العصبة. خطوات الشيطان: نزغاته ووساوسه. ما زكى منكم من أحد أبداً: أي ما طهر ظاهره وباطنه وهي خلو النفس من دنس الإثم. ولا يأتل أولوا الفضل منكم: أي ولا يحلف صاحب الفضل منكم وهو أبو بكر الصديق ﵁. والسعة: أي سعة الرزق والفضل والإحسان إلى الغير. معنى الآيات: ما زال السياق في عتاب المؤمنين الذين خاضوا في الإفك فقوله تعالى: ﴿إن الذين يحبون١ أن تشيع الفاحشة﴾ أي تنتشر وتشتهر ﴿في الذين آمنوا﴾ أي في المؤمنين ﴿لهم عذاب أليم في الدنيا﴾ بإقامة حد القذف عليهم وإسقاط عدالتهم وفي الآخرة إن لم يتوبوا بإدخالهم نار جهنم، وكفى بهذا الوعد زاجراً ورادعاً وقوله تعالى: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ أي ما يترتب على حب إشاعة الفاحشة بين المؤمنين من الآثار السيئة فلذا توعد من يحبها بالعذاب الأليم في الدارين، وأوجب رد الأمور إليه تعالى وعدم الاعتراض على ما يشرع وذلك

стр. 1880

لعلمه المحيط بكل شيء وجهلنا لكل شيء إلا ما علمناه فأزال به جهلنا وقوله: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم﴾ لهلكتم١ بجهلكم وسوء عملكم. ولكن لما أحاطكم الله به من فضل لم تستوجبوه إلا برأفته بكم ورحمته لكم عفا عنكم ولم يعاقبكم. وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا٢ خطوات الشيطان﴾ أي يا من صدقتم الله ورسوله لا تتبعوا خطوات الشيطان فإنه عدوكم فكيف تمشون وراءه وتتبعونه فيما يزين لكم من قبيح المعاصي وسيء الأقوال والأعمال فإن من يتبع خطوات الشيطان لا يلبث أن يصبح شيطاناً يأمر بالفحشاء والمنكر، ففاصلوا هذا العدو، واتركوا الجري وراءه فإنه لا يأمر بخير قط فاحذروا وسواسه وقاوموا نزغاته بالاستعاذة بالله السميع العليم فإنه لا ينجكم منه إلا هو وقوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً﴾ وهذه منة أخرى وهي أنه لولا فضل٣ الله على المؤمنين ورحمته بحفظهم ودفع الشيطان عنهم ما كان ليطهر منهم أحد، وذلك لضعفهم واستعدادهم الفطري للاستجابة لعدوهم، فعلى الذين شعروا بكمالهم؛ لأنهم نجوا مما وقع فيه عصبة الإفك من الإثم أن يستغفروا لإخوانهم وأن يقللوا من لومهم وعتابهم، فإنه لولا فضله عليهم ورحمته بهم لوقعوا فيما وقع فيه اخوانهم، فليحمدوا الله الذي نجاهم وليتطامنوا تواضعاً الله وشكراً له. وقوله: ﴿ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم﴾ أي فمن شاء الله تزكيته زكاه وعليه فليلجأ إليه وليطلب التزكية منه، وهو تعالى يزكي من كان أهلاً للتزكية، ومن لا فلا، لأنه السميع لأقوال عباده والعليم بأعمالهم ونياتهم وأحوالهم وهي حال تقتضي التضرع إليه والتذلل وقوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولو الفضل٤ منكم والسعة٥ أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، وليعفوا وليصفحوا﴾ هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق لما منع مسطح بن أثاثة

стр. 1881

وهو ابن خالته، وكان رجلاً فقيراً من المهاجرين ووقع في الإفك فغضب عليه أبو بكر وحلف أن يمنعه ما كان يرفده به من طعام وشراب، فأنزل الذي تعالى هذه الآية ولا يأتل أي ولا يحلف أصحاب الفضل والإحسان والسعة في الرزق والمعاش أن يؤتوا أولى القربى أي أن يعطوا أصحاب القرابة، والمساكين والمهاجرين في سبيل الله كمسطح، وليعفوا أي وعليهم أن يعفوا عما صدر من أولئك الأقرباء من الفقراء والمهاجرين، وليصفحوا أي يعرضوا عما قالوه فلا يذكروه لهم ولا يذكرونهم به فإنه يحزنهم ويسوءهم ولاسيما وقد تابوا وأقيم الحد عليهم وقوله تعالى: ﴿ألا تحبون أن يغفر١ الله لكم؟﴾ فقال أبو بكر بلى والله أحب أن يغفر الله لي فعندها صفح وعفا وسأل رسول الله ﷺ عن يمينه فقال كفر عن يمينك ورد الذي كنت تعطيه لمسطح. وتقرر بذلك أن من حلف يميناً على شيء فرأى غيره خيراً منه كفر عن يمينه وأتى الذي هو خير. وقوله تعالى: ﴿والله غفور رحيم﴾ فهذا إخبار منه تعالى أنه ذو المغفرة والرحمة وهما من صفاته الثابتة له وفي هذا الخبر تطميع للعباد لأن يرجوا مغفرة الله ورحمته وذلك بالتوبة الصادقة والطلب الحثيث المتواصل لأن الله تعالى لا يغفر لمن لا يستغفره، ولا يرحم من لا يرجو ويطلب رحمته. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- لقبح فاحشة الزنى وضع الله تعالى لمقاومتها أموراً منها وضع حد شرعي لها، ومنع تزويج الزاني من عفيفة أو عفيفة من زانٍ إلا بعد التوبة، ومنها شهود عدد من المسلمين إقامة الحد ومنها حد القذف ومنها اللعان بين الزوجين، ومنها حرمة ظن السوء بالمؤمنين، ومنها حرمة حب ظهور الفاحشة وإشاعتها في المؤمنين. ومنها وجوب الاستئذان عند دخول البيوت المسكونة، ومنها وجوب غض البصر وحرمة النظر إلى الأجنبية، ومنها احتجاب المؤمنة عن الرجال الأجانب ومنها حرمة حركة ما كضرب الأرض بالأرجل لإظهار الزينة. ومنها وجوب تزويج العزاب والمساعدة على ذلك حتى في العبيد بشروطها. ومنها وجوب استئذان الأطفال إذا بلغوا الحلم، وهذه وغيرها كلها أسباب واقية من أخطر فاحشة وهي الزنى.

стр. 1882

٢- حرمة إتباع الشيطان فيما يزينه من الباطل والسوء والفحشاء والمنكر. ٣- متابعة الشيطان والجري وراءه في كل ما يدعو إليه يؤدي بالعبد أن يصبح شيطاناً يأمر بالفحشاء والمنكر. ٤- على من حفظهم الله من الوقوع في السوء أن يتطامنوا ولا يشعروا بالكبر فإن عصمتهم من الله تعالى لا من أنفسهم. ٥- من حلف على شيء لا يفعله أو يفعله ورأى أن غيره خيرٌ منه كفر عن يمينه وفعل الذي هو خير. ٦- وجوب العفو والصفح على ذوي المروءات وإقالة عثرتهم إن هم تابوا وأصلحوا. إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) شرح الكلمات: يرمون المحصنات: أي العفيفات بالزنى. الغافلات: أي عن الفواحش بحيث لم يقع في قلوبهن فعلها. المؤمنات: أي بالله ورسوله ووعد الله ووعيده. يعملون: أي من قول أو عمل. يوفيهم الله دينهم الحق: أي يجازيهم جزاءهم الواجب عليهم. الخبيثات: الخبيثات من النساء والكلمات.

стр. 1883

للخبيثين: للخبيثين من الرجال. والطيبات: من النساء والكلمات. للطيبين: أي من الرجال. أولئك مبرءون مما يقولون: أي صفوان بن المعطل وعائشة ﵄ أي مبرءون مما قاله عصبة الإفك. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون١ المحصنات٢ الغافلات٣ المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة﴾ هذه الآية وإن تناولت ابتداءً عبد الله بن أبي فإنها عامة في كل من يقذف مؤمنة محصنة أي عفيفة غافلة لسلامة صدرها من الفواحش لا تخطر ببالها ﴿لعنوا﴾ أي أبعدوا من الرحمة الإلهية ﴿في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم﴾ في الدنيا بإقامة الحد عليهم وفي الآخرة بعذاب النار، وذلك ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ من سوء الأفعال وقوله تعالى: ﴿يومئذ٤ يوفيهم الله دينهم الحق﴾ أي يتم ذلك يوم يوفيهم الله دينهم الحق أي جزاءهم الواجب عليهم ويعلمون حينئذ أن الله هو الحق٥ المبين أي الإله الحق الواجب الإيمان به والطاعة له والعبودية الكاملة له لا لغيره. وقوله تعالى: ﴿الخبيثات للخبيثين٦﴾ أي الخبيثات من النساء٧ والكلمات للخبيثين من الرجال كابن أبي، ﴿والخبيثون للخبيثات﴾ أي والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء والكلمات وقوله: ﴿والطيبات للطيبين﴾ أي والطيبات من النساء والكلمات للطيبين من الرجال كالنبي ﷺ وعائشة ﵂ وقوله: ﴿والطيبون للطيبات﴾ أي والطيبون من الرجال للطيبات من النساء والكلمات تأكيد للخبر السابق وقوله تعالى: ﴿أولئك مبرءون مما

стр. 1884

يقولون﴾ أولئك إشارة إلى صفوان بن المعطل وعائشة ﵂، ومبرءون أي من قالة السوء التي قالها أبي ومن أذاعها معه. وقوله: ﴿لهم مغفرة ورزق كريم﴾ هذه بشرى لهم بالجنة مقابل ما نالهم من ألم الإفك الذي جاءت به العصبة المتقدم ذكرها إذ أخبر تعالى أن لهم مغفرة لذنوبهم التي لا يخلو منها مؤمن وهو الستر عنها ومحوها ورزقاً كريماً في الجنة. وبهذه تمت براءة أم المؤمنين عائشة ﵂ والحمد لله أولاً وآخراً. هداية الآيات: هن هداية الآيات: ١- عظم ذنب قذف المحصنات الغافلات المؤمنات وقد عده رسول الله ﷺ في السبع الموبقات، والعياذ بالله تعالى. ٢- تقرير الحساب وما يتم فيه من استنطاق واستجواب. ٣- تقرير التوحيد بأنه لا إله إلا الله. ٤- استحقاق الخبث أهله. فالخبيث هو الذي يناسبه القول الخبيث والفعل الخبيث. ٥- استحقاق الطيب أهله. فالطيب هو الذي يناسبه القول الطيب والفعل الطيب. ٦- براءة أم المؤمنين وصفوان مما رماهما به أهل الإفك. ٧- بشارة أم المؤمنين وصفوان بالجنة بعد مغفرة ذنوبهما. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)

стр. 1885

شرح الكلمات: آمنوا: أي صدقوا الله ورسوله فيما أخبرا به من الغيب والشرع. تستأنسوا: أي تستأذنوا إذ الاستئذان من عمل الإنسان والدخول بدونه من عمل الحيوان الوحشي. وتسلموا على أهلها: أي تقولوا السلام عليكم أأدخل ثلاثاً. تذكرون: أي تذكرون أنكم مؤمنون، وأن الله أمركم بالاستئذان. أزكى لكم: أي أطهر وأبعد عن الريبة والإثم. ليس عليكم جناح: أي إثم ولا حرج. فيها متاع لكم: أي ما تتمتعون به كالنزول بها أو شراء حاجة منها. ما تبدون: أي ما تظهرونه. وما تكتمون: أي ما تخفونه إذاً فراقبه تعالى ولا تضمروا ما لا يرضي فإنه يعلمه. معنى الآيات: نظراً إلى خطر الرمي بالفاحشة وفعلها وحرمة ذلك كان المناسب هنا ذكر وسيلة من وسائل الوقاية من الوقوع في مثل ذلك ففرض الله تعالى على المؤمنين الاستئذان فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً١ غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ أي يا من آمنتم بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً لا تدخلوا بيوتاً على أهلها حتى تسلموا عليهم قائلين السلام٢ عليكم وتستأذنوا قائلين أندخل ثلاث مرات فإن أذن لكم بالدخول دخلتم وإن قيل لكم ارجعوا أي لم يأذنوا لكم لحاجة عندهم فارجعوا وعبر عن الاستئذان بالاستئناس لأمرين أولها أن لفظ الاستئناس٣ وارد في لغة العرب بمعنى الاستئذان وثانيهما: أن الاستئذان من خصائص الإنسان الناطق وعدمه من خصائص الحيوان المتوحش إذ يدخل على المنزل بدون إذن إذ ذاك ليس من خصائصه.

стр. 1886

وقوله ﴿ذلك خير لكم﴾ أي الاستئذان خير لكم أي من عدمه لما فيه من الوقاية من الوقوع في الإثم وقوله: ﴿لعلكم تذكرون﴾ أي تذكرون أنكم مؤمنون وأن الله تعالى أمركم بالاستئذان حتى لا يحصل لكم ما يضركم وبذلك يزداد إيمانكم وتسموا أرواحكم. وقوله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا فيها أحداً﴾ أي في البيوت يأذن لكم أي بالدخول فلا تدخلوها وقوله تعالى: ﴿وإن قيل لكم ارجعوا﴾ لأمرٍ اقتضى ذلك ﴿فارجعوا﴾ وأنتم راضون غير ساخطين. وقوله تعالى: ﴿هو أزكى لكم﴾ أي أطهر لنفوسكم وأكثر عائدة خير عليكم. وقوله تعالى: ﴿والله بما تعملون١ عليم﴾ أي مطلع على أحوالكم فتشريعه لكم الاستئذان واقع موقعه إذاً فأطيعوه فيه وفي غيره تكملوا وتسعدوا. وقوله: ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم﴾ هذه رخصة منه تعالى لعباده المؤمنين بأن لا يستأذنوا عند دخولهم بيوتاً غير مسكونة أي ليس فيها نساء من زوجات وسريات يحرم النظر إليهن وذلك كالدكاكين والفنادق وما إلى ذلك فللعبد أن يدخل لقضاء حاجاته المعبر عنها بالمتاع بدون استئذان لأنها مفتوحة للعموم من أصحاب الأغراض والحاجات أما السلام فسنة على من دخل على دكان أو فندق فليقل السلام عليكم والذي يسقط هو الاستئذان أي طلب الإذن لا غير. وقوله تعالى: ﴿والله يعلم ما تبدون وما تكتمون﴾ أي يعلم ما تظهرون من أقوالكم وأعمالكم وما تخفون إذاً فراقبوه تعالى في أوامره ونواهيه وافعلوا المأمور واتركوا المنهي تكملوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١ مشروعية الاستئذان٢ ووجوبه على كل من أراد أن يدخل بيتاً مسكوناً غير بيته. ٢- الرخصة في عدم الاستئذان من دخول البيوت والمحلات غير المسكونة للعبد فيها غرض.

стр. 1887

٣- من آداب الاستئذان أن يقف بجانب الباب فلا يعترضه, وأن يرفع صوته بقدر الحاجة وأن يقرع الباب قرعاً خفيفاً وأن يقول السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات. ٤-في كل طاعة خير وبركة وإن كانت كلمة طيبة. قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) شرح الكلمات: يغضوا من أبصارهم١: أي يغضوا من أبصارهم حتى لا ينظروا إلى نساء لا يحل لهم أن ينظروا إليهن. ويحفظوا فروجهم: أي يصونونها من النظر إليها ومن إتيان الفاحشة الزنى واللواط.

стр. 1888

أزكى لهم: أي أكثر تزكية لنفوسهم من فعل المندوبات والمستحبات. ولا يبدين زينتهن: أي مواضع الزينة الساقين حيث يوضع الخلخال، وكالكفين والذراعين حيث الأساور والخواتم والحناء والرأس حيث الشعر والأقراط في الأذنين والتزجيج في الحاجبين والكحل في العينين والعنق والصدر حيث السخاب والقلائد. إلا ما ظهر منها: أي بالضرورة دون اختيار وذلك كالكفين لتناول شيئاً والعين الواحدة أو الاثنتين للنظر بهما، والثياب الظاهرة كالخمار والعجار والعباءة. بخمرهن على جيوبهن: أي ولتضرب المرأة المسلمة الحرة بخمارها على جيوب أي فتحات الثياب في الصدر وغيره حتى لا يبدو شيء من جسمها. إلا لبعولتهن: البعل الزوج والجمع بعول. أو نسائهن: أي المسلمات فيخرج الذميات فلا تتكشف المسلمة أمامهن. أو ما ملكت أيمانهن: أي العبيد والجواري فللمسلمة أن تكشف وجهها لخادمها المملوك. أو التابعين غير أولي الإربة: أي التابعين لأهل البيت يطعمونهم ويسكنونهم ممن لا حاجة لهم إلى النساء. أو الطفل: أي الأطفال الصغار قبل التمييز والبلوغ. لم يظهروا على عورات النساء: أي لم يبلغوا سناً تدعوهم إلى الإطلاع على عورات النساء للتلذذ بهن. ليعلم ما يخفين من زينتهن: أي الخلاخل في الرجلين. تفلحون: أي تفوزون بالنجاة من العار والنار، وبالظفر بالطهر والشرف وعالي الغرف في دار النعيم.

стр. 1889

معنى الآيات: سبق أن ذكرنا أنه لقبح وفساد الزنى وسوء أثره على النفس والحياة البشرية وضع الشارع عدة أسباب واقية من الوقوع فيه ومنها الأمر بغض البصر للرجال والنساء فقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا١ فن أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ أي مُرْ يا رسولنا المؤمنين بأن يغضوا من٢ أبصارهم أي بأن يخفضوا أجفانهم على أعينهم حتى لا ينظروا إلى الأجنبيات عنهم من النساء ويحفظوا فروجهم عن النظر إليها فلا يكشفوها لأحد إلا ما كان من الزوج لزوجه فلا حرج وعدم النظر أولى وأطيب، وقوله: ﴿ذلك أزكى لهم﴾ أي أطهر لنفوسهم من نوافل العبادات، وقوله: ﴿إن الله خبير بما يصنعون﴾ فليراقبوه تعالى في ذلك المأمور به من غض البصر وحفظ الفرج إنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وقوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن٣﴾ إذ شأنهن شأن الرجال في كل ما أمر به الرجال من غض البصر وحفظ الفرج وقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ أي مُرْهُن بغض البصر وحفظ الفرج وعدم إظهار الزينة ﴿إلا ما ظهر منها﴾ مما لا يمكنها ستره وإخفاؤه كالكفين عند تناول شيء أو إعطائه أو العينين تنظر بهما وإن كان في اليد خاتم وحناء وفي العينين كحل وكالثياب الظاهرة من خمار على الرأس وعباءة تستر الجسم فهذا معفو عنه إذ لا يمكنها ستره. وقوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ كانت المرأة تضع خمارها على رأسها مسبلاً على كتفيها فأمرت أن تضرب به على فتحات درعها حتى تستر العنق والصدر ستراً كاملاً وقوله: ﴿ولا يبدين زينتهن٤﴾ أعاد اللفظ ليرتب عليه ما بعده من المحارم الذي يباح للمؤمنة أن تبدي زينتها إليهم وهم الزوج، والأب والجد وان علا وأب الزوج وإن علا وابنها لان سفل وأبناء الزوج وإن نزلوا، والأخ لأب أو الشقيق أو لأم وأبناؤه وأن نزلوا، وابن الأخ

стр. 1890

وان نزل وسواء كان لأب أو لأم أو شقيق، وابن الأخت شقيقة أو لأب أو لأم. والمرأة المسلمة من نساء المؤمنات، وعبدها المملوك لها دون شريك لها فيه والتابع لأهل بيتها من شيخ هرم أصابه الخرف، وعنين ومعتوه وطفل صغير لم يميز دون البلوغ ممن لا حاجة لهم في النساء لعدم الشهوة عندهم لكبر ومرض وصغر. وقوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ نهى تعالى المؤمنات أن يضربن الأرض بأرجلهن التي فيها الخلاخل لكي يعلم أنها ذات زينة في رجلها، فلا يحل لها ذلك ولو لم تقصد إظهار زينتها. وقوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ أمر تعالى المؤمنين والمؤمنات بالتوبة وهي ترك ما من شأنه أن يغضب الله تعالى، وفعل ما وجب فعله ومن ذلك غض البصر وحفظ الفرج والالتزام بالعفة والستر والتنزه عن الإثم صغيره وكبيره وبذلك يتأهل المؤمنون للفلاح الذي هو الفوز بالنجاة من المرهوب والظفر بالمحبوب المرغوب. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب غض البصر وحفظ الفرج١. ٢- وجوب ستر المرأة زينتها ومواضع ذلك ما عدا ما يتعذر ستره للضرورة. ٣- بيان المحارم الذين للمرأة المؤمنة أن تبدي زينتها عندهم بلا حرج. ٤-الرخصة في إظهار الزينة للهرم المخرف من الرجال والمعتوه والطفل الصغير الذي لم يعرف عن عورات النساء شيئاً. ٥- حرمة ضرب ذات الخلاخل الأرض برجلها حتى لا يعلم ما تخفي من زينتها. ٦- وجوب التوبة من كل ذنب وعلى الفور للحصول على الفلاح العاجل والآجل. وَأَنكِحُوا الأيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)

стр. 1891

وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (٣٤) شرح الكلمات: وأنكحوا الآيامى منكم: أي زوجوا من لا زوجة له من رجالكم ومن لا زوج لها من نسائكم. والصالحين من عبادكم وإمائكم: أي وزوجوا أيضاً القادرين والقادرات على أعباء الزواج من عبيدكم وإمائكم. إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله: أي إن يكن الأيامى فقراء فلا يمنعكم ذلك من تزويجهم فإن الله يغنهم. إن الله واسع عليم: أي واسع الفضل عليم بحاجة العبد وخلته فيسدها تكرماً. وليستعفف: أي وليطلب عفة نفسه بالصبر والصيام. يبتغون الكتاب: أي يطلبون المكاتبة من المماليك. إن علمتم فيهم خيراً: أي قدرة على السداد والإستقلال عنكم. وآتوهم من مال الله: أي أعينوهم بثمن نجم من نجوم المكاتبة من الزكاة وغيرها. على البغاء إن أردن تحصناً: أي الزنى تحصناً أي تعففاً وتحفظاً من فاحشة الزنا.

стр. 1892

عرض الحياة الدنيا: أي المال. ومن يكرههن: أي على البغاء "الزنى". مبينات: للأحكام موضحة لما يطلب منكم فعله وتركه. ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم: أي قبلكم: أي قصصاً من أخبار الأولين كقصة يوسف وقصة مريم وهما شبيهتان بحادثة الإفك. وموعظة: الموعظة ما يتعظ به العبد فيسلك سبيل النجاة. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر الأسباب الواقية من وقوع الفاحشة فأمر تعالى في الآية الأولى من هذا السياق (٣٢) أمر جماعة المسلمين أن يزوجوا الأيامى من رجالهم ونسائهم بالمساعدة على ذلك والإعانة عليه حتى لا يبقى في البلد أو القرية عزبّ إلا نادراً ولا فرق بين البكر والثيب في ذلك فقال تعالى: ﴿وأنكحوا١﴾ والأمر للإرشاد ﴿الأيامى﴾ جمع أيّم وهو من لا زوج له من رجل أو امرأة بكراً كان أو ثيباً، ﴿منكم﴾ أي من جماعات المسلمين لا من غيرهم كأهل الذمة من الكافرين. وقوله: ﴿والصالحين من عبادكم٢ وإمائكم﴾ أي وزوجوا القادرين على مؤونة الزواج وتبعاته، وتكاليفه من مماليككم وقوله: ﴿إن يكونوا فقراء﴾ غير موسرين لا يمنعكم ذلك من تزويجهم فقد تكفل الله بغناهم بعد تزويجهم بقوله: ﴿يغنهم٣ الله من فضله والله واسع عليم﴾ أي واسع الفضل عليم بحاجة المحتاجين وأمر تعالى في هذه الآية من لا يجد نكاحاً لانعدام الزوج أو الزوجة مؤقتاً أو انعدام مؤونة الزواج من مهر ووليمة أن يستعفف أي يعف نفسه بالصبر والصيام والصلاة حتى لا يتطلع إلى الحرام فيهلك فقال تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً٤ حتى يغنيهم الله من فضله والله واسع عليم﴾ أي واسع الفضل مطلق الغنى عليم بحال عباده وحاجة المحتاجين منهم وقوله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب﴾ هذه مسألة ثالثة تضمنتها هذه

стр. 1893

الآية وهي إذا كان للمسلم عبد وطلب منه أن يكاتبه وكان أهلا للتحرر بأن يقدر على تسديد مال المكاتبة. ويستطيع أن يستقل بنفسه فعلى مالكه أن يكاتبه، وأن يعينه على ذلك بإسقاط نجم من نجوم الكتابة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم١ إن علمتم فيهم خيراً٢ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾ أي على الزنا وهي مسألة رابعة تضمنتها هذه الآية وهي أن جاريتين كانتا لعبد الله بن أبي بن سلول المنافق يقال لهما معاذة ومسيكة قد أسلمتا فأمرهما بالزنا لتكسبا له بفرجيهما كما هي عادة أهل الجاهلية قبل الإسلام فشكتا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا﴾ أي لأجل مال قليل يعرض لكم ويزول عنكم بسرعة. وقوله: ﴿ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم﴾ أي لهن رحيم بهن لأن المكره لا إثم عليه فيما يقول ولا فيما يفعل فامتنع المنافق من ذلك. وقوله تعالى في الآية الثانية (٣٤) ﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات﴾ أي ولقد أنزلنا إليكم أيها المسلمون آيات أي قرآنيّة مبينات أي موضحات للشرائع والأحكام والآداب فاعملوا بها تكملوا في حياتكم وتسعدوا في دنياكم وآخرتكم. وقوله: ﴿ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم﴾ أي قصصاً من أخبار الأولين كقصة يوسف ومريم ﵉ وهما شبيهتان بحادثة الإفك وقوله: ﴿وموعظة للمتقين﴾ وهي ما تضمنته الآيات من الوعيد والوعد والترغيب والترهيب وكونها للمتقين بحسب الواقع وهو أن المتقين هم الذين ينتفعون بالمواعظ دون الكافرين والفاجرين. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- انتداب المسلمين حاكمين ومحكومين للمساعدة على تزويج الأيامى من المسلمين أحراراً وعبيداً. ٢- وجوب الاستعفاف على من لم يجد نكاحاً والصبر حتى ييسر الله أمره. ٣- عدة الله للفقير إذا تزوج بالغنى.

стр. 1894

٤- تعين مكاتبة العبد إذا توفّرت فيه شروط المكاتبة. ٥- حرمة الزنا بالإكراه أو بالاختيار ومنع ذلك بإقامة الحدود. ٦- صيغة المكاتبة أن يقول السيد للعبد لقد كاتبتك على ثلاثة آلاف دينار منجمة أي مقسطة على ستة نجوم تدفع في كل شهر نجماً أي قسطاً. على أنك إذا وفيتها في آجالها فأنت حر، وعليه أشهدنا وحرر بتاريخ كذا وكذا. ٧- بيان فضل سورة النور لما احتوته من أحكام في غاية الأهمية. اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالأصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) شرح الكلمات الله نور السموات: أي منورهما فلولاه لما كان نور في السموات ولا في

стр. 1895

الأرض، والله تعالى نورٌ١ وحجابه النور. مثل نوره: أي في قلب عبده المؤمن. كمشكاة: أي كوة. كوكب دري: أي مضىء اضاءة الدر الوهاج. نور على نور: أي نور النار على نور الزيت. يهدى الله لنوره: أي للإيمان به والعمل بطاعته من يشاء له ذلك لعلمه برغبته وصدق نيته. ويضرب الله الأمثال: أي ويجعل الله الأمثال للناس من أجل أن يفهموا عنه ويعقلوا ما يدعوهم إليه. في بيوت أذن الله أن ترفع: هي المساجد ورفعها إعلاء شأنها من بناء وطهارة وصيانة. يوماً تتقلب٢ فيه القلوب والأبصار: يوم القيامة. يرزق من يشاء بغير حساب: أي بلا عَدّ ولا كيل ولا وزن وهذا شأن العطاء إن كان كثيراً. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿الله نور٣ السموات والأرض﴾ يخبر تعالى أنه لولاه لما كان في الكون نور ولا هداية في السموات ولا في الأرض فهو تعالى منورهما فكتابه نور ورسوله نور أي يهتدي بهما في ظلمات الحياة كما يهتدي بالنور الحسي والله ذاته نور وحجابه نور فكل نور حسي أو معنوي الله خالقه وموهبه وهادٍ إليه. وقوله تعالى: ﴿مثل نوره كمشكاة﴾ أي كوة في جدار ﴿فيها مصباح المصباح في زجاجة﴾ من بلور، ﴿الزجاجة﴾ في صفائها وصقالتها مشرقة ﴿كأنها كوكب دري﴾ والكوكب الدري هو المضيء المشرق كأنه درة بيضاء صافية، وقوله: ﴿يوقد من شجرة مباركة﴾ أي وزيت
следующие страницы →