← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

الروح في البدن فإن وجد في القلب حيي الجسم وإن فارقه فالجسم ميت فلا العين تبصر الأحداث ولا الأذن تسمع الآيات. وقوله: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ (١) بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (٢) ﴾ هذا من جملة قول إبراهيم لقومه وهو يعظهم ويرشدهم فأخبرهم بحقيقة يتجاهلونها وهي أنهم ما اتخذوا تلك الأوثان آلهة يعبدونها إلا لأجل التعارف عليها والتوادد والتحاب من أجلها، فيقيمون الأعياد لها ويجتمعون حولها فيأكلون ويشربون لا أنهم حقيقة يعتقدون أنها آلهة وهي أحجار نحتوها بأيديهم ونصبوها تماثيل في سوح دورهم وأمام منازلهم و ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي في الآخرة فالعكس هو الذي سيحدث لهم حيث ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ (٣) بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ أي يكفر المتبوعون وهم الرؤساء بمن اتبعوهم وهم الأتباع من الدهماء وعوام الناس، ﴿ويلعن بعضكم بعضا﴾ كل من الأتباع والمتبوعين يطلب بعد الآخر عنه، وعدم الاعتراف به وذلك عند معاينة العذاب ولم تبق تلك الروابط والصلات التي كانت لهم في هذه الحياة!! وقوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ (٤) ﴾ أي ومقركم الذي يؤويكم جميعاً فتستقرون فيه هو النار ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ بعد أن أذلكم الله الذي أشركتم به أوثاناً، فجعلتموها مودة بينكم في الحياة الدنيا. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير أن الظلمة سنتهم أنهم إذا أعيتهم الحجج يلجأون إلى استعمال القوة. ٢- في عدم إحراق النار دليل على أن الله تعالى قادر على إبطال السنن إذا شاء ذلك، ومن هنا تكون الكرامات والمعجزات إذ هي خوارق للعادات. ٣- بيان أن الخرافيين في اجتماعهم على البدع لم يكن ذلك عن علم بنفع البدعة وإنما لعنصر التوادد والتعارف والتلاقي على الأكل والشرب كما قال إبراهيم لقومه ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ .

стр. 2137

فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) شرح الكلمات: فآمن له لوط: أي آمن بإبراهيم لوط وهو ابن أخيه هاران ولم يؤمن من قومه سواه. مهاجر إلى ربي: أي إلى حيث أعبد ربي فلا أفتن في ديني. ووهبنا له إسحاق ويعقوب: أي هاجر لأجلنا فأكرمناه في دار هجرته فوهبنا له ذرية هم إسحاق الابن ويعقوب الحفيد. في ذريته النبوة والكتاب: فكل الأنبياء بعده من ذريته وكل الكتب التي أنزلت بعده فهي في ذريته. وآتيناه أجره في الدنيا: وذلك بالرزق الحسن والثناء الحسن على ألسنة كافة الناس من أهل الأديان الإلهية. وإنه في الآخرة من الصالحين: أي هو أحدهم، فيكرم كما يكرمون بالدرجات العلا، والصالحون هم أنبياء الله ورسله وأولياؤه وصالحو عباده. معنى الآيات: هذا آخر قصص إبراهيم الخليل في هذا السياق الكريم فأخبر تعالى أن إبراهيم بعد الجهاد الطويل في الدعوة إلى عبادة الرحمن الرحيم لم يؤمن له ولم يتابعه على الحق الذي دعا إليه إلا لوط بن هاران أخيه فقال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ﴾ أي إبراهيم ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى (١) رَبِّي﴾ فترك بلاد قومه من (٢) سواد العراق وارتحل إلى أرض الشام فأكرمه الله تعالى جزاء

стр. 2138

هجرته إلى ربه بما أخبر به في هذا السياق حيث قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ (١) وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ وهبه أي أعطاه ولده إسحاق بن سارة وولد إسحاق وهو يعقوب، وجعل كافة الأنبياء من ذريته وجعل الكتاب فيهم أيضاً فالتوراة أنزلت على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى وهم من ذرية إبراهيم، والقرآن الكريم أنزل على محمد ﷺ وهو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم وقول إبراهيم هو كما قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ وصف ربه بالعزة والحكمة. فقال: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ (٢) الْحَكِيمُ﴾ أي الغالب القاهر ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي وضع كل شيء في موضعه، ودلائل العزة أن أنجى إبراهيم من أيدي الظلمة الطغاة ومن مظاهر الحكمة أن نقله من أرض لا خير فيها إلى أرض كلها خير وأكرمه فيها بما ذكره في قوله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ حيث رزقه أطيب الأرزاق في دار هجرته ورزقه الثناء الحسن من كل أهل الأديان الإلهية كاليهودية والنصرانية، والإسلام وهو خاتم الأديان هذا في الدنيا وأما في الآخرة فإنه من الصالحين ذوي الدرجات العلا والمنازل العالية في مواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان حصيلة دعوة إبراهيم كذا سنة وأنها كانت إيمان واحد بها وهو لوط ﵇ وفي هذا تسلية للرسول الكريم ﷺ . ٢- بيان إكرام الله تعالى لمن يهاجر إليه ويترك أهله وداره. ٣- بيان ما أكرم الله تعالى به إبراهيم من خير الدنيا والآخرة جزاء صبره على دعوة الله تعالى. وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ

стр. 2139

فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) شرح الكلمات: ولوطاً إذ قال لقومه: أي اذكر إذ قال لوط بن هاران لقومه أهل سدوم. أئنكم لتأتون الفاحشة: أي الخصلة القبيحة وهي إتيان الذكران في أدبارهم. ما سبقكم بها من أحد: أي لم تعرف البشرية قبل قوم لوط إتيان الذكران في أدبارهم. وتقطعون السبيل: أي باعتدائكم على المارة في السبيل فامتنع الناس من المرور خوفاًَ منكم. وتأتون في ناديكم المنكر: أي مجالس أحاديثكم تأتون المنكر كالضراط وحل الإزار والفاحشة أي اللواط. فما كان جواب قومه: أي إلا قولهم ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين. معنى الآيات: هذا بداية قصص لوط ﵇ مع قومه أهل سدوم وعمورية والغرض من سياقه تقرير النبوة المحمدية إذ مثل هذه القصص لا يتم لأحد إلا من طريق الوحي، وتسلية الرسول من أجل ما يلاقي من عناد المشركين ومطالبتهم بالآيات والعذاب قال تعالى: واذكر يا رسولنا لقومك (١) لوطاً ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ وهي الفعلة القبيحة ويزيدها قبحاً أن الناس قبل قوم لوط لم تحدث فيهم هذه الخصلة ولم يعرفها أحد من العالمين، ثم يواصل لوط إنكاره وتشنيعه عليهم فيقول: ﴿أَإِنَّكُمْ (٢) لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ أي في أدبارهم ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ وذلك أنهم كانوا يعتدون على المارة بعمل الفاحشة معهم قسراً وبسلب أموالهم وبذلك امتنع الناس من المرور فانقطعت السبيل، كما أنهم بإتيانهم الذكران عطلوا النسل

стр. 2140

بقطع سبيل الولادة، وزاد لوط في تأنيبهم والإنكار عليهم والتوبيخ لهم فقال ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ والنادي محل اجتماعهم وتحدثهم وإتيان المنكر فيه كان بارتكاب الفاحشة مع بعضهم بعضا، وبالتضارط فيه، وحل الإزار، والقذف بالحصى وما إلى ذلك (١) مما يؤثر عنهم من سوء وقبح. قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ بعد أن أنّبهم ووبخهم ناهيا لهم عن مثل هذه الفواحش ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا (٢) بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي ما كان جوابهم إلا المطالبة بعذاب الله، وهذه طريقة الغلاة المفسدين والظلمة المتكبرين، إذا أعيتهم الحجج لجأوا إلى القوة يستعملونها أو يطالبون بها. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣) ﴾ أي لما طالبوه بالعذاب، وقد أعياه أمرهم لجأ إلى ربه يطلب نصره على قومه الذين كانوا شر قوم وجدوا على وجه الأرض واستجاب الله تعالى له ونصره وسيأتي بيان ذلك في الآيات بعد. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير النبوة المحمدية بذكر قصص لا يتم إلا عن طريق الوحي. ٢- تسلية الرسول ﷺ من أجل ما يعاني من المشركين من كفر وعناد ومطالبة بالعذاب. ٣- قبح الفاحشة وحرمتها وأسوأها فاحشة اللواط. ٤- وجوب إقامة الحد على اللوطيّ الفاعل والمفعول لأن الله تعالى سماها فاحشة وسمى الزنا فاحشة ووضع حداً للزنى فاللوطية تقاس عليه، وقد صرحت السنة بذلك فلا حاجة إلى القياس. ٥- التحذير من العبث والباطل قولا أو عملاً وخاصة في الأندية والمجتمعات.

стр. 2141

وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) شرح الكلمات: بالبشرى: أي إسحاق ويعقوب بعده. هذه القرية: أي قرية لوط وهي سدوم. قالوا نحن أعلم بمن فيها: أي قالت الرسل نحن أعلم بمن فيها. كانت من الغابرين: أي كانت في علم الله وحكمه من الباقين في العذاب. سيء بهم: أي حصلت لهم مساءة وغم بسبب مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. وضاق بهم ذرعاً: أي عجز عن احتمال الأمر لخوفه من قومه أن ينالوا ضيفه بسوء. رجزاً: أي عذابا من السماء. بما كانوا يفسقون: أي بسبب فسقهم وهو إتيان الفاحشة.

стр. 2142

ولقد تركنا منها آية: أي تركنا من قرية سدوم التي دمرناها آية بينة وهي خرابها ودمارها وتحولها إلى بحر ميت لا حياة فيه. لقوم يعقلون: أي يعلمون الأسباب والنتائج إذا تدبروا. معنى الآيات: ما زال السياق في قصص لوط ﵇، إنه بعد أن ذكرهم وخوفهم عذاب الله قالوا كعادة المكذبين الهالكين فائتتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين وأنه ﵇ استنصر ربه تعالى عليهم، واستجاب الله تعالى له وفي هذه الآية بيان ذلك بكيفيته، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا (١) جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ الخليل عم لوط ﴿بِالْبُشْرَى (٢) ﴾ التي هي ولادة ولدٍ له هو إسحاق ومن بعده يعقوب ولد إسحاق ﵇ كما قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ . ﴿قَالُوا﴾ أي قالت الملائكة لإبراهيم ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يريدون قرية قوم لوط وهي سدوم وعللوا لذلك بقولهم ﴿إِنَّ أَهْلَهَا (٣) كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ أي لأنفسهم بغشيان الذنوب وإتيان الفواحش، ولغيرهم إذ كانوا يقطعون السبيل وهنا قال لهم إبراهيم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ ليس من الظالمين بل هو من عباد الله الصالحين فأجابته الملائكة فقالوا: ﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ منك يا إبراهيم. ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ (٤) وَأَهْلَهُ﴾ من الهلاك ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ وذلك لطول عمرها فسوف تهلك معهم لكفرها وممالأتها للظالمين. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً﴾ أي ولما وصلت الملائكة لوطاً قادمين من عند إبراهيم من فلسطين ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ أي استاء بهم وأصابه غم وهم خوفاً من قومه أن يسيئوا إليهم، وهم ضيوفه نازلون عليه ولما رأت ذلك الملائكة منه طمأنوه بما أخبر به تعالى في قوله: ﴿وَقَالُوا لا تَخَفْ﴾ أي علينا ﴿وَلا تَحْزَنْ﴾ على من سيهلك من أهلك مع قومك الظالمين. ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ من العذاب أنت وأهلك أي زوجتك المؤمنة وبنتيك، ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ أي العجوز الظالمة فإنها ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الذين طالت أعمارهم وستهلك مع الهالكين. وقوله تعالى في الآية (٣٤) : ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ

стр. 2143

بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي أخبرت الملائكة لوطاً بما هم فاعلون لقومه وهو قولهم ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ أي مدينة سدوم ﴿رِجْزاً﴾ أي عذاباًَ من السماء وهي الحجارة بسبب فسقهم بإتيان الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا﴾ أي من تلك القرية ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ (١) ، أي عظة وعبرة، وعلامة واضحة على قدرتنا على إهلاك الظالمين والفاسقين. وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ إذ هم الذين يتدبرون في الأمور ويستخلصون أسبابها وعواملها ونتائجها وآثارها أما غير العقلاء فلا حظ لهم في ذلك ولا نصيب فهم كالبهائم التي تنساق إلى المجزرة وهي لا تدري وفي هذا تعريض بمشركي مكة وما هم عليه من الحماقة والغفلة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حلم إبراهيم ورحمته تجليا في دفاعه عن لوط وأهله. ٢- تقرير مبدأ: من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه، حيث العلاقة الزوجية بين لوط وامرأته العجوز لم تنفعها وهلكت لأنها كانت مع الظالمين بقلبها وسلوكها. ٣- مشروعية الضيافة وتأكدها في الإسلام لحديث الصحيح "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". ٤- التنديد بالفسق عن طاعة الله وهو سبب هلاك الأمم والشعوب. ٥- فضيلة العقل إذا استعمله صاحبه في التعرف إلى الحق والباطل والخير والشر. وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧)

стр. 2144

شرح الكلمات: وإلى مدين: أي وأرسلنا إلى قبيلة مَدْيَن، ومدين أبو القبيلة فسميت باسمه. أخاهم شعيباً: أي أخاهم في النسب. اعبدوا الله: أي اعبدوه ووحدوه ولا تشركوا به شيئاً. وارجوا اليوم الآخر: أي آمنوا به وتوقعوا مجيئه وما يحدث فيه. ولا تعثوا في الأرض مفسدين: أي ولا تعيثوا في الأرض فساداً بأن تنشروا فيها الفساد وهو العمل بالمعاصي فيها. فأخذتهم الرجفة: الهزة العنيفة والزلزلة الشديدة. في دارهم جاثمين: لاصقين بالأرض أمواتا لا يتحركون. معنى الآيتين: هذا موجز لقصة (١) شعيب ﵇ مع قومه أهل مدين، والعبرة منه إهلاك تلك الأمة لما كذبت رسولها واستمرت على الشرك والمعاصي لعل قريشاً تعتبر بما أصاب هذه الأمة من هلاك ودمار من أجل تكذيبها لرسولها وعصيانها لربها قال تعالى ﴿وَإِلَى (٢) مَدْيَنَ﴾ أي وأرسلنا إلى مدين ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ وهو نبيّ عربي فلما انتهى إليهم برسالته قال ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ أي وحدوه في عبادته وأطيعوه فيما يأمركم به وينهاكم عنه من التطفيف في الكيل والوزن، ﴿وَارْجُوا (٣) الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ، أي آمنوا بيوم القيامة وتوقعوا دائماً مجيئه وخافوا ما فيه من أهوال وأحوال فإن ذلك يساعدكم على التقوى وقوله: ﴿وَلا تَعْثَوْا (٤) فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ وذلك أنهم ينقصون الكيل والوزن ويبخسون الناس أشياءهم ويفسدون في الأرض بالمعاصي. وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي كذب أصحاب مدين نبيهم شعيباً فيما أخبرهم به ودعاهم إليه ﴿فَأَخَذَتْهُمُ (٥) الرَّجْفَةُ﴾ أي رجفة الهلاك من تحتهم فأصبحوا في دارهم جاثمين على الركب

стр. 2145

هلكى وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- تقرير التوحيد والنبوة والبعث الآخر. ٢- حرمة الفساد في الأرض وذلك بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب. ٣- بيان نقمة الله تعالى على المكذبين والظالمين والفاسقين. وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) شرح الكلمات: وعاداً وثمود: أي وأهلكنا عاداً القبيلة وثمود القبيلة كذلك. وقد تبين لكم من مساكنهم: أي تبين لكم إهلاكهم من مساكنهم الخالية منهم بالحجر شمال الحجاز والشجر جنوب اليمن. عن السبيل: أي سبيل الهدى والحق التي بينها لهم رسلهم. كانوا مستبصرين: أي ذوي بصائر لما علمتهم رسلهم. وقارون وفرعون وهامان: أي وأهلكنا قارون بالخسف وفرعون وهامان بالغرق.

стр. 2146

فاستكبروا: أي عن عبادة الله تعالى وطاعة رسله. وما كانوا سابقين: أي فائتين عذاب الله أي فارين منه، بل أدركهم. فكلاً أخذنا بذنبه: أي فكل واحد من المذكورين أخذناه بذنبه ولم يفلت منا. فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا: أي ريحاً شديدة، كعاد. ومنهم من أخذته الصيحة: أي ثمود. ومنهم من خسفنا به الأرض: أي كقارون. ومنهم من أغرقنا: أي كقوم نوح وفرعون. معنى الآيات: لما ذكر تعالى في الآيات قبل ذي (١) إهلاكه لقوم لوط وقوم شعيب وقوم نوح من قبل لما ردوا دعوته وكذبوا رسله ذكر بقية الأقوام الذين كذبوا بآيات الله ورسله فأهلكهم، فقال : ﴿وَعَاداً وَثَمُودَ (٢) ﴾ أي وأهلكنا كذلك عاداً قوم هود، وثمود قوم صالح! وقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ (٣) لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي وقد تبين لكم يا معشر كفار مكة ومشركي قريش من مساكنهم بالحجر (٤) والشجر (٥) من حضرموت ما يؤكد لكم إهلاكنا لهم، إذ مساكنهم الخاوية دالة على ذلك دلالة عين. وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي وقد زين لهم الشيطان أعمالهم من الشرك والشر والظلم والفساد وصدهم بذلك التزيين عن السبيل، سبيل الإيمان والتقوى المورثة للسعادة في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٦) ﴾ أي ذوي بصائر أي معرفة بالحق والباطل والخير والشر لما علمتهم الرسل ولكن آثروا أهواءهم على عقولهم فهلكوا. وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين. وقوله تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ أي أهلكنا قارون الإسرائيلي ابن عم موسى ﵇، أهلكناه ببغيه وكفره، فخسفنا به الأرض وبداره أيضا، وفرعون وهامان أغرقناهما في اليم بكفرهما وطغيانهما

стр. 2147

وظلمهما واستعلائهما وذلك بعدما جاءهم موسى بالبينات من الآيات والحجج الواضحات التي لم تبق لهم عذراً في التخلف عن الإيمان التقوى ولكن ﴿فَاسْتَكْبَرُوا (١) فِي الْأَرْضِ﴾ ، أرض مصر وديارها فرفضوا الإيمان والتقوى ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ ولا فائتين فأحلّ الله تعالى بهم نقمته وأنزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين. ثم في الآية الأربعين من هذا السياق بين تعالى أنواع العذاب الذي أهلك به هؤلاء الأقوام، فقال: ﴿فَكُلّاً (٢) ﴾ أي فكل واحد من هؤلاء المكذبين ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ (٣) مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ أي ريحاً شديدة كعاد. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كثمود ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ كقارون ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ كفرعون، وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي لم يكن من شأن الله تعالى الظلم فيظلمهم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا﴾ أي أولئك الأقوام ﴿أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالشرك والكفر والتكذيب والمعاصي فأهلكوها بذلك، فكانوا هم الظالمين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أن الشيطان هو سبب هلاك الأقوام وذلك بتزيينه لهم الشر والقبيح كالشرك والباطل والشر والفساد. ٢- بيان أن الاستكبار كالظلم عاقبتهما الهلاك والخسران. ٣- بيان أن الله تعالى ما أهلك أمة حتى يبين لها ما يجب أن تتقيه (٤) من أسباب الهلاك والدمار فإذا أبت إلا ذاك أوردها الله موارده. مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ

стр. 2148

اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥) شرح الكلمات: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء: أي صفة وحال الذين اتخذوا أصناماً يرجون نفعها. كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً: أي لنفسها تأوي إليه. أوهن البيوت: أي أضعف البيوت وأقلها جدوى. يعلم ما يدعون من دونه من شيء: أي من الأوثان والأصنام وغيرها. وهو العزيز الحكيم: أي الغالب على أمره الحكيم في تدبير أمور خلقه. وما يعقلها إلا العالمون: أي العالمون بالله وآياته وأحكام شرعه وأسراره. خلق الله السموات والأرض بالحق: أي من أجل أن يعبد لا للهو ولا لباطل. أتل ما أوحي إليك من الكتاب: اقرأ يا رسولنا ما أنزل إليك من القرآن. وأقم الصلاة: بأدائها مقامة مراعى فيها شروطها وأركانها وواجباتها وسننها. تنهى عن الفحشاء والمنكر: أي الصلاة بما توجد من نور في قلب العبد يصبح به لا يقدر على فعل فاحشة ولا إتيان منكر. ولذكر الله أكبر: أي ذكر الله عبده أكبر من ذكر العبد ربه كما أن ذكر

стр. 2149

الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة وغيرها. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى نقمته على أعدائه الذين كفروا به وأشركوا غيره في عبادته وكذبوا رسله وكان ذلك تنبيها وتعليما للمشركين والكافرين المعاصرين لنزول القرآن لعلهم يستجيبون للدعوة المحمدية فيؤمنوا ويوحدوا ويسلموا فيسلموا من العذاب والخسران. ذكر هنا في هذه الآيات مثلاً لعبادة الأوثان في عدم نفعها لعابديها والقصد هو تقرير التوحيد، وإبطال الشرك العائق عن كمال الإنسان وسعادته وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي شركاء وهي الأصنام والأوثان يعبدونها راجين نفعها وشفاعتها لهم عند الله تعالى ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ (١) اتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ لتأوي إليه قصد وقايتها مما تخاف من جراء برد أو اعتداء حشرة عليها، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ (٢) الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ والحال أن أوهن البيوت أي أضعفها وأحقرها شأناً وأقلها مناعة هو بيت العنكبوت فهذه حال المشركين الذين اتخذوا من دون الله ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ أي أصناماً يرجون النفع، ودفع الضر بها فهم واهمون في ذلك غالطون، مخطئون، إنه لا ينفع ولا يضر إلا الله فليعبدوه وحده وليتركوا ما سواه. وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي لو كان المشركون يعلمون أن حالهم في عبادتهم غير الله في عدم الانتفاع بها كحال العنكبوت في عدم الانتفاع ببيتها الواهي لما رضوا بعبادة غير الله وتركوا عبادة الله الذي بيده كل شيء وإليه مصير كل شيء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فيه تهديد للمشركين المصرين على الشرك بأنه لا يخفى عليه ما هم عليه من دعاء غيره، ولو شاء لأهلكهم كما أهلك من قبلهم ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبير خلقه ولذا يعجل العقوبة لمن يعجل لحكمة ويؤخرها عنه لحكمة فلا يغتر المشركون بتأخير العذاب، ولا يستدلون به على رضا الله تعالى بعبادتهم، وكيف يرضاها وقد أهلك أمماً بها وأنزل كتابه وبعث رسوله لإبطالها والقضاء عليها وقوله

стр. 2150

تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ (١) نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي وهذه الأمثال نضربها للناس لأجل إيقاظهم وتبصيرهم وهدايتهم، ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ أي وما يدرك مغزاها وما تهدف إليه من التنفير من الشرك العائق عن كل كمال وإسعاد في الدارين ﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ (٢) ﴾ أي بالله وشرائعه وأسرار كلامه وما تهدي إليه آياته. وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ إخبار بأنه تعالى هو الذي خلق السموات والأرض وهي مظاهر قدرته وعلمه وحكمته موجبة لعبادته بتعظيمه وطاعته ومحبته والإنابة إليه والخوف منه. وخلقهما بالحق لا بالباطل وذلك من أجل أن يذكر فيهما ويشكر فمن كفر به فترك ذكره وشكره كان كمن عبث بالسموات والأرض وأفسدها، لذا يعذب نظراً إلى عظم جرمه عذاباً دائماً أبداً. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إن في خلق السموات (٣) والأرض بالحق ﴿لَآيَةً﴾ أي علامة بارزة على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته، وهذه موجبات ألوهيته على سائر عباده فهو الإله الحق الذي لا رب غيره ولا إله سواه. وبعد هذا البيان والبرهان لم يبق عذر لمعتذر، وعليه فـ ﴿اتْلُ (٤) ﴾ أيها الرسول ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ تعليماً وتذكيراً وتعبداً وتقرباً ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ طرفي النهار وزلفاً من الليل فإن في ذلك عوناً كبيراً لك على الصبر والثبات وزاداً عظيماً لرحلتك إلى الملكوت الأعلى. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى (٥) عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ تعليل للأمر بإقام الصلاة فإن الصلاة بما توجده من إشراقات النفس والقلب والعقل حال تحول بين العبد وبين التلوث بقاذورات الفواحش ومفاسد المنكر وذلك يفيد إقامتها لا مجرد أدائها والإتيان بها. وإقامة الصلاة تتمثل في الإخلاص فيها لله تعالى أولاً ثم بطهارة القلب من الالتفات إلى غير الرب تعالى أثناء أدائها ثانياً، ثم بأدائها في أوقاتها المحددة لها وفي المساجد بيوت الله، ومع جماعة المسلمين عباد الله وأوليائه، ثم بمراعاة أركانها من قراءة الفاتحة والركوع والطمأنينة فيه والاعتدال والطمأنينة فيه، والسجود على الجبهة والأنف والطمأنينة فيه، وآخر أركانها الخشوع وهو السكون ولين القلب وذرف الدمع. هذه هي الصلاة التي

стр. 2151

توجد طاقة النور التي تحول دون الانغماس في الشهوات والذنوب وإتيان الفاحشة وارتكاب المنكر. وقوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أي أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من إقامة الصلاة لأن الصلاة أثناء أدائها مانعة عاصمة لكن إذا خرج منها، قد يضعف تأثيرها، أما ذكر الله بالقلب واللسان في كل الأحيان فهو عاصم مانع من الوقوع في الفحشاء والمنكر وفي اللفظ معنى آخر وهو أن ذكر الله للعبد في الملكوت الأعلى أكبر من ذكر العبد للرب في ملكوت الأرض ويدل عليه قوله "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ، ذكرته في ملأ خير منه" كما في الحديث الصحيح. وقطعاً والله لذكر الرب العبد الضعيف أكبر من ذكر العبد الضعيف الرب العظيم. اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين لآلائك. وقوله: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (١) ﴾ فيه وعد ووعيد، فإن علمه يترتب عليه الجزاء فمن كان يصنع المعروف جزاه به، ومن كان يصنع السوء جزاه به. اللهم ارزقنا صنائع المعروف وأبعد عنا صنائع السوء آمين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني للأفهام. ٢- تقرير التوحيد وإبطال التنديد. ٣- فضل العلماء على غيرهم، العلماء بالله، بصفاته وأسمائه وآياته، وشرائعه، وأسرارها. ٤- وجوب تلاوة القرآن، وإقامة الصلاة، وذكر الله، إذ هي غذاء الروح وزاد العروج إلى الملكوت الأعلى. ٥- بيان فائدة إقام الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى بالقلب واللسان.

стр. 2152

الجزء الحادي والعشرون وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) شرح الكلمات: ولا تجادلوا أهل الكتاب: أي لا تحاجوا ولا تناظروا اليهود ولا النصارى. إلا بالتي هي أحسن: أي إلا بالمجادلة التي هي أحسن وهي الدعوة إلى الله بآياته والتنبيه على حججه. إلا الذين ظلموا منهم: أي الذين لم يدخلوا في ذمة المسلمين بدفع الجزية وبقوا حرباً على المسلمين. وكذلك أنزلنا إليك الكتاب: أي وكإنزالنا الكتاب على من قبلك من الرسل أنزلنا إليك الكتاب. فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به: أي كعبد الله بن سلام وإخوانه الذين آمنوا بالرسول وكتابه. ومن هؤلاء من يؤمن به: أي من هؤلاء المشركين من يؤمن به وفعلا آمن به كثيرون.

стр. 2153

ولا تخطه بيمينك: أي تكتب بيدك لأنك أميّ لا تقرأ ولا تكتب. لارتاب المبطلون: أي لشك اليهود في نبوتك ونزول القرآن إليك. بل هو آيات بينات: أي محمد ﷺ نعوته وصفاته آيات بينات في التوراة والإنجيل محفوظة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. وما يحجد بآياتنا إلا الظالمون: أي وما يجحد بآيات الله الحاملة لنعوت الرسول الأمي وصفاته إلا الذين ظلموا أنفسهم بكتمان الحق والاستمرار على الباطل. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿وَلا (١) تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ هذا تعليم للرسول ﷺ والمؤمنين يأخذون به مستقبلا عندما يتصلون بأهل الكتاب ويحتكون بهم فقال مخاطبا الرسول ﷺ والمؤمنين من أمته ﴿وَلا تُجَادِلُوا (٢) أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الذين هم اليهود والنصارى فنهاهم عن مجادلتهم وهي خصامهم ومحاجتهم ومناظرتهم ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي إلا بالمجادلة التي هي أحسن (٣) وذلك بدعوتهم إلى الله تعالى ليؤمنوا برسوله ويدخلوا في دينه الإسلام والتنبيه على حجج الله وأدلة وحيه وكتابه. وقوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِْنهُمْ﴾ وهم الذين لم يدخلوا في ذمة المسلمين ولم يؤدوا الجزية وناصبوا للمسلمين الحرب والعداء فهؤلاء لا يجادلون ولكن يحكّم فيهم السيف فيقاتلون حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . هذا تعليم آخر للمؤمنين وهو: إن أخبرهم أهل الكتاب بشيء لا يوجد في الإسلام ما يثبته ولا ما ينفيه وادّعوا أنه في كتابهم في هذه الحال فقولوا ما أرشدنا الله تعالى إلى قوله وهو: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾

стр. 2154

إلى آخر الآية حتى لا نكون قد كذّبنا بحق ولا آمنا بباطل، وفي البخاري أن النبي ﷺ قال: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم (١) ، وقولوا ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . وقوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي وكإنزال الكتب السابقة على رسل سبقوا كموسى وداود وعيسى ﵈ أنزلنا إليك أنت يا محمد الكتاب أي القرآن وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ . فهذا إخبار بغيب فكما علّم الله تعالى المؤمنين كيف يكونون مع أهل الكتاب عندما يتصلون بهم ويعيشون معهم في المدينة وغيرها أخبر أن الذين آتاهم الكتاب أي التوراة والإنجيل وهم الراسخون في العلم يؤمنون أي بالقرآن وقد آمن عبد الله بن سلام وكثير من أحبار أهل الكتاب، وآمن من المشركين كثيرون فكان الأمر كما أخبر. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ فهو كما أخبر لا يجحد بالآيات القرآنية ويكذب بها إلا كافر مظلم النفس خبيثها وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ هو كما قال لم يكن رسول الله ﷺ يقرأ قبل القرآن أي كتاب، ولا كان يخط بيمينه أيّ كتاب لأنه أميّ لا يقرأ ولا يكتب أيْ فلو كان قبل نزول القرآن عليه يقرأ ويكتب لكان للمبطلين (٢) مجال للشك في صحة دعوى النبوة المحمدية ونزول القرآن عليه، ولكن لم يكن قبل القرآن يقرأ أي كتاب، ولم يكن يخط بيمينه أي خط ولا كتاب فلم يبق إذاً للمشركين ما يحتجون به أبداً. وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ (٣) الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي بل الرسول ونعوته وصفاته ومنها وصف الأمية آيات في التوراة والإنجيل محفوظة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب.. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا﴾ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴿إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ أنفسهم (٤) من الماديين اليهود والنصارى الذين يأكلون ويَترأسُون على حساب الحق والعياذ بالله تعالى.

стр. 2155

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مشروعية مجادلة أهل الكتاب من أهل الذِّمّة بالتي هي أحسن. ٢- حرمة سؤال أهل الكتاب لقوله ﷺ : "لا تسألوا أهل الكتاب (١) عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل". منع تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم إذا أخبروا بشيء ووجوب قول: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . ٣- إخبار القرآن بالغيب قبل وقوعه فيقع كما أخبر فيكون ذلك آية على أنه من وحي الله تعالى. ٤- تقرير صفة الأمية في النبي ﷺ كما هي في الكتب السابقة. وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢) شرح الكلمات: لولا أنزل عليه آيات: أي قال كفار قريش هلاّ أنزل على محمد آيات من ربّه كناقة صالح، وعصا موسى.

стр. 2156

قل إنما الآيات عند الله: أي قل يا رسولنا الآيات عند الله ينزلها متى شاء. أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب: أي أو لم يكفهم فيما طلبوا من الآيات إنزالنا الكتاب عليك. إن في ذلك لرحمة وذكرى: أي في القرآن رحمة وموعظة للمؤمنين فهو خير من ناقة صالح. والذين آمنوا بالباطل: وهو ما يعبد من دون الله. وكفروا بالله: وهو الإله الحق. أولئك هم الخاسرون: أي حيث استبدلوا الكفر بالإيمان. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير النبوة المحمدية فقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ أي أهل مكة ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ (١) مِنْ رَبِّهِ﴾ أي هلاّ أنزل على محمد آيات من ربّه كناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى إذ هذا الذي يعنون بالآيات أي معجزات خارقة للعادة. قال تعالى لرسوله ﷺ قل يا رسولنا لقومك المطالبين بالآيات دليلا على صدق نبوتك قل لهم: أولاً: الآيات التي تطالبون بها هي عند الله وليست عندي فهو تعالى ينزلها متى شاء وعلى من شاء. وثانياً: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي وظيفتي التي أقوم بها هي إنذار أهل الظلم من عاقبة ظلمهم وهي عذاب النار فلذا لا معنى بمطالبتي بالآيات. وثالثاً: أو لم يكفهم (٢) آية أن الله تعالى أنزل عليّ كتابه فأنا أتلوه عليكم صباح مساء فأي آية أعظم من كتاب من أميّ لا يقرأ ولا يكتب تُتلى آياته تحمل الهدى والنور وهو في الوقت نفسه رحمة وذكرى أي موعظة لقوم يؤمنون فهي معجزة ثابتة قائمة باقية يجد فيها المؤمنون الرحمة فيتراحمون بها ويجدون فيها الموعظة فهم يتعظون بها، فأين هذا من معجزة تبقى ساعة ثم تذهب وتروح كمائدة عيسى أو عصا موسى. ورابعاً: شهادة الله برسالتي كافية لا يطلب معها دليل آخر على نبوتي ورسالتي، فقد قال لي ربي: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ

стр. 2157

شَهِيداً (١) ﴾ ربي الذي يعلم ما في السموات والأرض من كل غيب ومن ذلك علمه بأني رسوله فشهد لي بذلك بإنزاله عليّ هذا الكتاب وأخيراً وبعد هذا البيان يقول تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا (٢) بِالْبَاطِلِ﴾ وهو تأليه المخلوقات من دون الله ﴿وَكَفَرُوا﴾ بألوهية الله الحق ﴿أُولَئِكَ﴾ البعداء في الفساد العقلي وسوء الفهم ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ في صفتهم حين اشتروا الكفر بالإيمان واستبدلوا الضلالة بالهدى. هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث فلتعد تلاوتها بالتأنّي والتدبر. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير النبوة المحمدية بالأدلة القاطعة التي لا تُرد، وهي أربع كما ذكر آنفا. ٢- بيان أكبر معجزة لإثبات النبوة لرسول الله ﷺ وهي نزول القرآن الكريم عليه وفي ذلك قال ﵊ كما في البخاري (٣) : "ما من نبي إلا أوتي ما على مثله آمن البشر، وكان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ فأنا أرجوا أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة". ٣- القرآن الكريم رحمة وذكرى أي عبرة للمؤمنين به وبمن نزل عليه. ٤- تقرير خسران المشركين في الدارين لاستبدالهم الباطل بالحق والعياذ بالله تعالى. وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)

стр. 2158

شرح الكلمات: ويستعجلونك بالعذاب: أي يطلبون منك تعجيل العذاب لهم. ولولا أجل مسمى: أي وقت محدد للعذاب لا يتقدمه ولا يتأخر عنه لجاءهم. وليأتينهم بغتة: فجأة من حيث لا يخطر لهم على بال. وإن جهنم لمحيطة بالكافرين: أي من كل جانب وهم فيها وذلك يوم يغشاهم. يوم يغشاهم العذاب: أي من فوقهم ومن تحت أرجلهم. ذوقوا ما كنتم تعملون: أي ويقول لهم الجبار ذوقوا ما كنتم تعملون أي من الشرك والمعاصي. معنى الآيات: لقد تقدم في الآيات القريبة أن المكذبين بالرسالة المحمدية طالبوا بالعذاب تحدياً منهم للرسول ﷺ فقالوا: ائتنا بالعذاب إن كنت من الصادقين في أنك نبي ورسول إلينا وفي هذه الآية يعجِّب تعالى رسوله أي يحملُه على التعجب من حمق المشركين وطيشهم وضلالهم إذ يطالبون بالعذاب فيقول له ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ (١) بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً (٢) ﴾ للعذاب أي وقت محدد له لا يتقدمه ولا يتأخره ﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ ثم أخبر تعالى رسوله مؤكداً خبره فقال: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ أي العذاب ﴿بَغْتَةً﴾ لا محالة ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بوقت مجيئه، ثم كرر تعالى حمل رسوله على التعجب من سخف المشركين الذي لا يطيقون لسعة عقرب ولا نهشة أفعى يطالبون بالعذاب فقال ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ (٣) بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ لا محالة كقوله ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ﴾ ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي يغطيهم ويغمرهم فيكون ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ (٤) وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ وجهنم محيطة بهم

стр. 2159

ويقول (١) الجبار ﵎ موبخا لهم ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الشرك والمعاصي. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مشروعية التعجب إذا وجدت أسبابه الحاملة عليه. ٢- بيان مدى حمق وجهل وسفه الكافرين والمشركين بخاصة. ٣- بيان أن تأخير العذاب لم تكن عن عجز وإنما هو لنظام (٢) دقيق إذ كل له أجل محدد لا يتقدم ولا يتأخر. يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) شرح الكلمات: إن أرضي واسعة: أي هاجروا من بلاد لم تتمكنوا من العبادة فيها فإن أرض الله واسعة. فإياي فاعبدون: فاعبدوني وحدي ولا تعبدوا معي غيري كما يريد منكم المشركون. كل نفس ذائقة الموت: أي لا يمنعنكم الخوف من الموت ألا تهاجروا في سبيل الله فإن الموت لا بد منه للمهاجر ولمن ترك الهجرة.

стр. 2160

ثم إلينا ترجعون: أي بعد موتكم ترجعون إلى الله فمن مات في سبيل مرضاته أكرمه وأسعده، ومن مات في معصيته أذاقه عذابه. لنبوئنهم: أي لننزلنهم من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار. الذين صبروا: أي صبروا على الإيمان والهجرة متوكلين على الله تعالى. وكأين من دابة لا تحمل رزقها: أي لا تطيق جمعه ولا حمله لضعفها، والله يرزقها فلا عذر لمن ترك الهجرة خوفا من الجوع والخصاصة. وهو السميع العليم: أي السميع لأقوال عباده العليم بنياتهم وأحوالهم وأعمالهم. معنى الآيات: لا شك أنه بعد ذلك التأنيب الإلهي للمشركين وتهديدهم بالعذاب وتوعدهم بعذاب جهنم وتوبيخهم فيها على شركهم وباطلهم لا شك أن رد الفعل من المشركين هو الضغط على المؤمنين المستضعفين في مكة فأرشدهم الله تعالى إلى الهجرة من مكة إلى المدينة ليتمكنوا من عبادة الله تعالى، فناداهم بقوله : ﴿يَا عِبَادِيَ (١) الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي بي وبرسولي ولقائي ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ فهاجروا فيها، ولا ترضوا بالبقاء مع الكفر تهانون وتلزمون بعبادة غيري من آلهة المشركين، ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ لا تعبدوا معي غيري. وعليه فهاجروا في سبيل مرضاتي ولا تخشوا موتاً ولا فقراً فإن كل نفس ذائقة الموت هاجر صاحبها أو لم يهاجر ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٢) ﴾ ، لا محالة فمن رجع إلينا وهو مؤمن مطيع منفذ لأوامرنا مجتنب نواهينا أسعدناه، من رجع إلينا وهو كافر بنا عاص لنا مهمل أوامرنا مرتكب نواهينا أشقيناه. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً (٣) ﴾ أي لننزلنهم من الجنة دار الإسعاد ﴿غُرَفاً

стр. 2161

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي لا يخرجون منها ولا يموتون فيها. هذا بيان لمن مات وهو مؤمن عامل بالصالحات ومنها الهجرة في سبيل الله. وقوله ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ أي ذلك الإنزال في الغرف في الجنان هو الإسعاد المترتب على الإيمان والهجرة والعمل الصالح فالإيمان والهجرة والعمل الصالح عملٌ والجنة وما فيها من النعيم أجرة ذلك العمل. وأثنى الله تعالى على الجنة فقال: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ووصفهم بقوله ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي على الإيمان والهجرة والطاعة ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فخرجوا من ديارهم تاركين أموالهم لا يحملون معهم زاداً كل ذلك توكلا على ربهم وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ (١) مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ لضعفها وعجزها أي وكثير من الدواب من الإنسان والحيوان مَن يعجز حتى عن حمل طعامه أو شرابه لضعفه والله يرزقه بما يسخر له من أسباب وما يهيئ له من فرص فيطعم ويشرب كالأقوياء والقادرين، وعليه فلا يمنعنكم عن الهجرة مخافة الفاقة والفقر فالله تعالى تكفل برزقكم ورزق سائر مخلوقاته. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم ﴿الْعَلِيمُ (٢) ﴾ ببواطنكم وظواهركم وأعمالكم وأحوالكم فارهبوه ولا ترهبوا سواه فإن في طاعته السعادة والكمال وفي معصيته الشقاء والخسران. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- لا عذر لأحد في ترك عبادة الله وتوحيده فيها لأنه إن منع منها في بلد وجب عليه أن يهاجر إلى بلد آخر. ٢- لا معنى للخوف من الموت إذا وجب العمل كالهجرة والجهاد لأن الموت حق ولا بد منه. ٣- بيان جزاء أهل الصبر والتوكل من أهل الإيمان والهجرة والتقوى. ٤- لا يمنعن المؤمن من الهجرة خوفه من الجوع في دار هجرته إذ تكفل الله برزقه.

стр. 2162

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) شرح الكلمات: ولئن سألتهم: أي المشركين. وسخر الشمس والقمر: أي ذللهما يسيران الدهر كله لا يملان ولا يفتران. فأنى يؤفكون: أي كيف يصرفون عن الحق بعد ظهور أدلته لهم. وهو أن الخالق المدبر هو الإله الحق الذي يجب توحيده في عبادته. الله يبسط الرزق لمن يشاء: أي يوسّع الرزق على من يشاء من عباده امتحاناً للعبد هل يشكر لله أو يكفر نعمه. ويقدر له: أي ويضيق عليه ابتلاء ليرى هل يصبر أو يسخط. ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ليقولن الله: إذاً كيف يشركون به أصناما لا تنفع ولا تضر؟ قل الحمد لله: أي قل لهم الحمد لله على ثبوت الحجة عليكم. بل أكثرهم لا يعقلون: أي إنهم متناقضون في فهمهم وجوابهم.

стр. 2163

وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب: أي بالنظر إلى العمل لها والعيش فيها فهي لهو يتلهى بها الإنسان ولعب يخرج منه بلا طائل ولا فائدة. وإن الدار الآخرة لهي الحيوان: أي الحياة الكاملة الخالدة، ولذا العمل لها أفضل من العمل للدنيا. لو كانوا يعلمون: أي لو علم المشركون هذا لما آثروا الدنيا الفانية على الآخرة الباقية. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير التوحيد والتنديد بالشرك وتذكير المشركين لعلّهم يوحدون. يقول تعالى لرسوله ﷺ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي لئن سألت هؤلاء المشركين الذين يؤذون المؤمنين ويضطهدونهم من أجل توحيدهم لله تعالى لو سألتهم ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي من أوجدهما من العدم، ومن سخر الشمس والقمر في فلكيهما يسيران الحياة كلها ليجيبُنَّك قائلين الله. ﴿فَأَنَّى (١) يُؤْفَكُونَ﴾ أي كيف يصرفون عن الحق بعد ظهور أدلته إنها حال تستدعي التعجب وقوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ هذا مظهر من مظاهر الحكمة الإلهية والتدبير الحكيم وهو موجب له الألوهية نافٍ لها عما سواه. فهذا يبسط الرزق له فيوسّع عليه في طعامه وشرابه وكسائه ومركوبه ومسكنه، وهذا يضيق عليه في ذلك لماذا؟! والجواب: إنه يوسع امتحانا للعبد هل يشكر أو يكفر، ويضيق ابتلاءًا للعبد هل يصبر أو يسخط. ولذا فلا حجة للمشركين في (٢) غناهم وفقر المؤمنين فالغنى لا يدل على رضا الله على العبد ولا على سخطه. والفقر كذلك لا يدل على سخط ولا على رضا. وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ (٣) شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تقرير لحكمته ورحمته وعدله وتدبيره فهو يوسع لحكمة ويضيق لحكمة لعلمه بعباده وما يصلحهم وما يفسدهم إذ من الناس من يصلحه الغنى، ومنهم من يصلحه الفقر، والإفساد كذلك وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ أي ولئن سألت يا رسولنا هؤلاء المشركين فقلت من نزل من السماء

стр. 2164

ماء المطر فأحيا به الأرض بعد موتها بالقحط والجدب لأجابوك قائلين: الله إذاً قل لهم: الحمد (١) لله على اعترافكم بالحق لو أنكم تعملون بمقتضاه فما دام الله هو الذي ينزل الماء ويحيي الأرض بعد موتها فالعبادة إذاً لا تنبغي إلا له فلم إذاً تعبدون معه آلهة أخرى لا تنزل ماء ولا تحيي أرضا ولا غيرها، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ إذ لو عقلوا ما أشركوا بربهم أحجاراً وأصناماً ولا ما تناقضوا هذا التناقض في أقوالهم وأفعالهم يعترفون بالله ربا خالقاً رازقاً مدبراً ويعكفون على الأصنام يستغيثون بها ويدعونها ويعادون بل ويحاربون من ينهاهم عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي التي أعمت الناس عن الآخرة وصرفتهم عن التزود لها ما هي ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ (٢) ﴾ إذ يتشاغل بها الكافر ويعمل لها الليل والنهار ثم يموت ويخرج منها صفر اليدين كالأطفال يلعبون طوال النهار ثم يعودون بلا شيء سوى ما نالهم من التعب فالواجب أن تحول إلى عمل صالح مثمر يتزود به العبد إلى آخرته إذ الآخرة هي الحيوان أي الحياة الكاملة الخالدة فلها يعمل العاملون، وفي عملها يتنافس المتنافسون. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي الدار الآخرة ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (٣) أي الحياة التي يجب أن نعمل لها لبقائها وخيريّتها، وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي نعم إذ لو علموا أن الآخرة خير لما أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن الآخرة، ولكن جهلهم هو سبب إعراضهم، فدواؤهم العلم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- التعجب من تناقض المشركين الذين يؤمنون بربوبية الله ويجحدون ألوهيته. ٢- بيان حقيقة وهي أن الغنى والفقر لا يدلان على رضا الرب ولا على سخطه، وإنما يدلان على علم الله وحكمته وحسن تدبيره. ٣- بيان حقارة الدنيا وتفاهتها وعظمة الآخرة وعلو قيمتها. فلذا أحمق الناس وأشدهم سفاهة من يعمى عن الآخرة ويكفر بها ويبصر الدنيا ويؤمن بها.

стр. 2165

فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) شرح الكلمات: في الفلك: أي في السفينة. مخلصين له الدين: أي دعوا الله وحده فلم يذكروا معه غيره من الآلهة. إذا هم يشركون: أي يفاجئونك بالشرك وهو دعاء غير الله تعالى. ليكفروا بما آتيناهم: أي بنعمة الإنجاء من الغرق وغيرها من النعم. فسوف يعلمون: أي سوف يعلمون عاقبة كفرهم إذا ألقوا في جهنم. ويتخطف الناس من حولهم: أي يسبون ويقتلون في ديار جزيرتهم. أفبالباطل يؤمنون: أي بالأصنام وهي الباطل، ينكر تعالى عليهم ذلك. والذين جاهدوا فينا: أي بذلوا جهدهم في تصحيح عقائدهم وتزكية نفوسهم وتهذيب أخلاقهم ثم بقتال أعداء الله من أهل الكفر المحاربين للإسلام والمسلمين. لنهدينهم سبلنا: أي لنوفقنّهم إلى معرفة ما يوصل إلى محبتنا ورضانا ونعينهم على تحصيله.

стр. 2166

معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في التنديد بالمشركين وشركهم فقد تقدم في السياق أنهم يعترفون بربوبية الله تعالى إذ لو سئلوا عمن خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر لقالوا الله ولو سئلوا عمن نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها لقالوا الله. ومع هذا هم يشركون بالله آلهة أوثانا، وكما يعترفون بربوبية الله ثم يشركون به الأصنام، فإنهم إذا ركبوا في الفلك أي في سفينة من السفن وجاءهم موج واضطربت بهم وخافوا الغرق دعوا الله تعالى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي الدعاء فسألوه وحده دون آلهتهم أن ينجيهم من الغرق. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ ونزلوا سالمين من الغرق إذا هم يشركون يفاجئونك بالشرك فهذا التناقض منهم كالتناقض في اعترافهم بربوبية الله تعالى ثم بالإشراك به. ومردّ هذا إلى الجهل والتقليد والعناد والمجاحدة والمكابرة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى من هذا السياق وهي قوله ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (١) . وقوله تعالى في الآية (٦٦) : ﴿لِيَكْفُرُوا (٢) بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي عودتهم إلى الشرك بعد نجاتهم من الغرق ونزولهم في البر كان كأنه من أجل أن يكفروا بنعمة الله تعالى بإنجائهم من الغرق، إذ لو لم يكفروها لاستمروا على الإخلاص لله بدعائه وعبادته وحده دون الآلهة التي تركوها عند حلول الشدة ومعاينة البلاء. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ قرئ بسكون اللام ورجّح ابن جرير هذه القراءة فيكون المعنى: وليتمتعوا في دنياهم بما آتاهم الله من متاع الحياة الدنيا ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة ذلك بعد موتهم وهي عذاب الآخرة، والأمر حينئذٍ في قوله وليتمتعوا للتهديد والوعيد. أما على قراءة جر اللام ولِيتمتعوا فالجملة معطوفة على قوله ليكفروا أي أخلصوا في الشدة وأشركوا في الرخاء ليكفروا وليتمتعوا بما أوتوا في الحياة، ولم يكن ذلك بنافعهم ولا بمغن عنهم من الله شيئا فسوف يعلمون ما يحل بهم من عذاب وما ينزل بهم من بلاء وشقاء.

стр. 2167

وقوله تعالى في الآية الثالثة (٦٧) ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً (١) آمِناً وَيُتَخَطَّفُ (٢) النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي ألم ير أولئك المشركون الكافرون بنعمة الله في الإنجاء من الغرق نعمة أخرى وهي أن جعل الله تعالى لهم حرماً آمنا يسكنونه آمنين من غارات الأعداء وحروب الظالمين المعتدين، لا يعتدى عليهم في حرمهم ولا يظلمون في حين أن الناس من حولهم في أطراف جزيرتهم وأوساطها يتخطفون فتشّن عليهم الغارات ويقتلون ويؤسرون في كل وقت وحين، أليست هذه نعمة من أعظم النعم تستوجب شكرهم لله تعالى بعبادته وترك عبادة من سواه. ولذا قال تعالى عاتباً عليهم منددا بسلوكهم ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ (٣) ﴾ أي بالشرك وعبادة الأصنام يصدقون ويعترفون ﴿وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي يجحدون إنعام ربهم عليهم فلا يشكرونه بعبادته وتوحيده فيها. وقوله تعالى في الآية الرابعة (٦٨) ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ وصفهم بالظلم الفظيع في حالتين الأولى في كذبهم على الله بتحريم ما أحل وتحليل ما حرم واتخاذ شركاء لله زاعمين أنها تشفع لهم عند الله والثانية في تكذيبهم للحق الذي جاءهم به رسول الله وهو الدين الإسلامي بعقائده وشرائعه حيث كذبوا بالقرآن والرسول ﷺ . وبعد هذا التسجيل لأكبر ظلم عليهم قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً (٤) لِلْكَافِرِينَ﴾ ؟ والاستفهام للتقرير أي إن في جهنم مثوى أي مسكنا للكافرين من أمثالهم وهم كافرون ظالمون وذلك جزاؤهم ولبئس الجزاء جهنم. وقوله تعالى في الآية الخامسة (٦٩) ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا (٥) لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ (٦) الْمُحْسِنِينَ﴾ في هذه الآية بشرى سارة ووعد صدق كريم، وذلك أن من جاهد في سبيل الله أي طلباً لمرضاة الله بالعمل على إعلاء كلمته بأن يعبد ولا يعبد معه سواه فقاتل

стр. 2168

المشركين يوم يؤذن له في قتالهم يهديه الله تعالى أي يوفقه إلى سبيل النجاة من المرهوب والفوز بالمحبوب، وكل من جاهد في ذات الله نفسه وهواه والشيطان وأولياءه فإن هذه البشرى تناله وهذا الوعد ينجز له وذلك أن الله مع المحسنين بعونه ونصره وتأييده على من جاهدهم في سبيل الله، والمراد من المحسنين الذين يحسنون نياتهم وأعمالهم وأقوالهم فتكون صالحة مثمرة لزكاة نفوسهم وطهارة أرواحهم. اللهم اجعلنا منهم وآتنا ما وعدتهم إنك جواد كريم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أن مشركي العرب لم يكونوا ملاحدة لا يؤمنون بالله تعالى وتقرير أنهم كانوا موحدين توحيد الربوبية مشركين في توحيد الألوهية أي العبادة. ٢- إيقاظ ضمائر المشركين بتنبيههم بنعم الله تعالى عليهم لعلهم يشكرون. ٣- لا ظلم أعظم من ظلم من افترى على الله الكذب، وكذّب بالحق لما جاءه وانتهى إليه وعرفه فانصرف عنه مؤثرا دنياه متبعا لهواه. ٤- بشرى الله لمن جاهد المشركين وجاهد نفسه والهوى والشياطين بالهداية إلى سبيل الفوز والنجاة في الحياة الدنيا والآخرة. ٥- فضل الإحسان وهو إخلاص العبادة لله تعالى وأداؤها متقنة مجوّدة كما شرعها الله تعالى، وبيان هذا الفضل للإحسان بكون الله تعالى مع المحسنين بنصرهم وتأييدهم والإنعام عليهم وإكرامهم في جواره الكريم.

стр. 2169

سورة الروم مكية وآياتها ستون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) شرح الكلمات: الم: هذه أحد الحروف المقطعة تكتب الم، وتقرأ ألف، لام، ميم. غلبت الروم: أي غلبت فارس الروم. الروم: اسم رجل هو روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم سميّت به قبيلة لأنه جدها. في أدنى الأرض: أي أقرب أرض الروم إلى فارس وهي أرضٌ يقال لها الجزيرة "بين دجلة والفرات". وهم من بعد غلبهم سيغلبون: أي وهم أي الروم من بعد غلب فارس لهم سيغلبونها. في بضع سنين: أي في فترة ما بين الثلاث سنوات إلى تسع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد: أي الأمر في ذلك أي في غلب فارس أولا ثم في غلب الروم أخيراً لله وحده إذ ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن.

стр. 2170

ويومئذ يفرح المؤمنون: أي ويوم تغلب الروم فارساً يفرح المؤمنون بنصر أهل الكتاب على المشركين عبدة النار، وبنصرهم هم على المشركين في بدر. وعد الله: أي وعدهم الله تعالى وعدا وأنجزه لهم. لا يخلف الله وعده: أي ليس من شأن الله خلف الوعد وذلك لكمال قدرته وعلمه. ولكن أكثر الناس لا يعلمون: كمال الله في قدرته وعلمه المستلزم لإنجاز وعده. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا: أي لا يعلمون حقائق الإيمان وأسرار الشرع وإنما يعلمون ما ظهر من الحياة الدنيا كطلب المعاش من تجارة وزراعة وصناعة. وهم عن الآخرة هم غافلون: أي عن الحياة الآخرة، وما فيها من نعيم وجحيم وما يؤدي إلى ذلك من عقائد وأفعال وتروك. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿الم﴾ : أحسن أوجه التفسير لمثل هذه الحروف القول بأن الله أعلم بمراده به، مع الإشارة إلى أنه أفاد فائدتين الأولى أن هذا القرآن المؤلف من مثل هذه الحروف المقطعة قد أعجز العرب على تأليف مثله فدل على أنه وحي من الله وتنزيله، وأن من نزل عليه نبي الله ورسوله وأن ما يحمل من تشريع هو حاجة البشرية ولا تصلح ولا تكمل ولا تسعد إلا به وعليه، والثانية أنها لما كان المشركون يمنعون من سماع القرآن مخافة تأثيره على المستمع له جاء تعالى بمثل هذه الفواتح للعديد من سور كتابه فكانت تضطرهم إلى الاستماع إليه لأن هذه الحروف لم تكن معهودة في مخاطبتهم. وقوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (١) : أي غَلَبت فارس الروم في ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ أي (٢) أرض الشام الأقرب إلى بلاد فارس وذلك في أرض الجزيرة الواقعة بين نهري دجلة والفرات

стр. 2171

وقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ أي وهم من بعد غلب فارس الروم ستغلب الروم فارسا وقوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ أي في فترة زمانية ما بين الثلاث سنوات إلى تسع سنوات وقوله ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ (١) بَعْدُ﴾ أي الأمر في ذلك لله تعالى من قبل الغلب ومن بعده إذ هو المتصرف في خلقه. وقوله ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ﴾ أي (٢) يوم يغلب الروم فارساً يفرح المؤمنون بانتصار الروم على فارس لأن الروم أهل كتاب وفارساً مشركون يعبدون النار، كما يفرح المؤمنون أيضاً بانتصارهم على المشركين في بدر إذ كان الوقت الذي انتصرت فيه الروم هو وقت انتصر فيه المؤمنون على المشركين في بدر. وهذا من الغيب الذي أخبر به القرآن قبل وقوعه فكان كما أخبر فأكد بذلك أن الإسلام وكتابه ورسوله حق. وقوله تعالى: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي ينصر تعالى من يشاء نصره من عباده وقد شاء نصر المؤمنين والروم فنصرهم في وقت واحد منجزاً بذلك وعده الذي واعد به منذ بضع سنين (٣) ، وهو العزيز أي الغالب على أمره القادر على إنجاز وعده الرحيم بأوليائه وصالحي عباده. وقوله ولكن ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (٤) ﴾ كتدبير الله وقدرته وعزته وفوائد شرعه وأسرار دينه. ولكن يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا كتدبير معايشهم من زراعة وصناعة وتجارة، وفي نفس الوقت هم عن الحياة الآخرة غافلون عما يجب عليهم فعله وتركه ليسعدوا فيها بالنجاة من النار وسكنان الجنان في جوار الرحمن .

стр. 2172

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير صحة الإسلام وأنه الدين الحق بصدق ما يخبر به كتابه من الغيوب. ٢- بيان أن أهل الكتاب من يهود ونصارى أقرب إلى المسلمين من المشركين والملاحدة من بلاشفة شيوعيين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. ٣- بيان أن أكثر الناس لا يعلمون ما يسعدهم في الآخرة ويكملهم من العقائد الصحيحة والشرائع الحكيمة الرحيمة التي لا يكمل الإنسان ولا يسعد إلا عليها، ويعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا كتدبير المعاش من زراعة وصناعة وتجارة، أما عن سر الحياة الدنيا ولماذا كانت فهم لا يعلمون شيئا كما هم عن الحياة الآخرة غافلون بالمرة فلا يبحثون عما يسعد فيها ولا عما يشقي. والعياذ بالله تعالى من الغفلة عن دار البقاء في السعادة أو الشقاء. أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)

стр. 2173

شرح الكلمات: في أنفسهم: أي كيف خُلقوا ولم يكونوا شيئا، ثم كيف أصبحوا رجالا. إلا بالحق: أي لم يخلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق الذي هو العدل. وأجل مسمى: وهو نهاية هذه الحياة لتكون الحياة الثانية حياة الجزاء العادل. بلقاء ربهم لكافرون: أي بالبعث والوقوف بين يدي الله ليسألهم ويحاسبهم ويجزيهم. وأثاروا الأرض: قلبوها للحرث والغرس والإنشاء والتعمير. وعمروها: أي عمروا الأرض عمارة أكثر مما عمرها هؤلاء المشركون. وجاءت رسلهم بالبينات: أي بالدلائل والحجج والبراهين من المعجزات وغيرها. ولكن كانوا أنفسهم يظلمون: أي بتكذيبهم وشركهم ومعاصيهم فعرضوا أنفسهم للهلاك. أساءوا السوأى: أي بالتكذيب والشرك والمعاصي والسوءى هي الحالة الأسوأ. أن كذبوا بآيات الله: أي بتكذيبهم آيات الله القرآنية واستهزائهم بها. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة المنكرين للبعث الآخر إلى الإيمان به من طريق ذكر الأدلة العقلية التي تحملها الآيات القرآنية فقوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ (١) ﴾ أي أينكرون البعث ولم يتفكروا في أنفسهم كيف كانوا عدماً ثم وجدوا أطفالاً ثم شبابا ثم رجالاً كهولاً وشيوخاً ثم يموتون أليس القادر على خلقهم وتربيتهم ثم إماتتهم قادر على بعثهم وحسابهم ومجازاتهم على كسبهم في هذه الحياة الدنيا وقوله تعالى ﴿مَا خَلَقَ اللهُ

стр. 2174

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ (١) وَأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ أي لم يخلقهما عبثا بل خلقهما ليذكر ويُشكر، ثم إذا تم الأجل المحدد لهما أفناهما ثم بعث عباده ليحاسبهم هل ذكروا وشكروا أو تركوا ونسوا وكفروا ثم يجزيهم بحسب إيمانهم وطاعتهم أو كفرهم وعصيانهم. وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ يخبر تعالى أنه مع ظهور الأدلة وقوة الحجج على صحة عقيدة البعث والجزاء فإن كثيرا من الناس كافرون بالبعث والجزاء وقوله تعالى في الآية (٩) ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي أيكذّب أولئك المشركون بالبعث والجزاء ولم يسيروا في الأرض شمالاً وجنوباً (٢) فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم هلاكا ودماراً، ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ بالإنشاء والتعمير والزراعة والفلاحة ﴿وَعَمَرُوهَا﴾ عمارة أكثر مما عَمَرَها هؤلاء، ﴿وَجَاءَتْهُمْ (٣) رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ، ولما أهلكهم لم يكن ظالما لهم بل كانوا هم الظالمين لأنفسهم. أليس في هذا دليلا على حكمة الله وعلمه وقدرته فكيف ينكر عليه بعثه لعباده يوم القيامة لحسابهم ومجازاتهم؟ وقوله تعالى ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ أي الأعمال فلم يصلحوها حيث كذّبوا برسل الله وشرائعه. وقوله: ﴿السُّوأَى (٤) ﴾ أي عاقبة الذين أساءوا السوأى أي العاقبة السوأى وهو خسرانهم وهلاكهم، وقوله ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي من أجل أنهم كذبوا بآيات الله ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وأصروا على ذلك ولم يتوبوا. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الأدلة العقلية المثبتة لها. ٢- كفر أكثر الناس (٥) بالبعث مع كثرة الأدلة وقوتها.

стр. 2175

١- مشروعية السير في الأرض للاعتبار مع اشتراط عدم حصول إثم في ذلك بترك واجب أو بفعل محرم. ٢- بيان جزاء الله العادل في أن عاقبة الإساءة السوأى (١) . ٣- كفر الاستهزاء بالشرع وأحكامه والقرآن وآياته. اللهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) شرح الكلمات: ثم إليه ترجعون: أي بعد إعادة الخلق وبعث الناس. يبلس المجرمون: أي ييأسون من النجاة وتنقطع حجتهم فلا يتكلمون. وكانوا بشركائهم كافرين: أي يتبرءون منهم ولا يعترفون بهم. يتفرقون: أي ينقسمون إلى سعداء أصحاب الجنة وأشقياء أصحاب النار. في روضة يحبرون: أي في روضة من رياض الجنة يسرون ويفرحون. في العذاب محضرون: أي مدخلون فيه لا يخرجون منه.
следующие страницы →