← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

من نعيم الجنة ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ خير في نوعه وأبقى في مدته، فالأول رديء وتصحبه المنغصات ويعقبه الكدر، والثاني جيد صالح خال من المنغصات والكدورات وباق لا يبلى ولا يفنى ولا يزول ولا يموت صاحبه ويخلفه وراءه. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يا من تؤثرون الفاني على الباقي والرديء على الجيد والخبيث على الطيب. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ (١) وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً﴾ وهو المؤمن الصادق في إيمانه المؤكد له بصالح عمله، ﴿وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً﴾ وهو الجنة دار السلام ﴿فَهُوَ (٢) لاقِيهِ﴾ أي لاق موعده بإذن الله بمجرد أن يلفظ أنفاسه وتعرج إلى السماء روحه. ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فهو يأكل ويشرب وينكح كالبهائم ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ في جهنم في دار العذاب والهوان، والجواب: لا يستويان أبداً وشتان ما بينهما، فالأول وهو المؤمن الصالح الموعود بدار السلام لا يقارن بالكافر المتهالك على الدنيا ثم يتركها فجأة ويجد نفسه مع أهل الكفر والإجرام في عذاب وهون لا يفارقه ولا يخرج منه أبداً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- فائدة العقل أن يعقل صاحبه دون ما يضره، ويبعثه على ما ينفعه فإن لم يعقله دون ما يضره ولم يبعثه على ما ينفعه فلا وجود له، ووجوده كعدمه. ٢- بيان فضل الآخرة على الدنيا. ٣- وعد الله للمؤمن بالجنة خير مما يؤتاه من مال ومتاع وزينة في الحياة الدنيا. وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا

стр. 2102

لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُون (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) شرح الكلمات: ويوم يناديهم: أي الرب . كنتم تزعمون: أي أنهم شركاء لي فعبدتموهم معي. حق عليهم القول: أي بالعذاب في النار وهم أئمة الضلال. أغويناهم: أي فغووا ولم نكرههم على الغي. تبرأنا إليك: أي منهم ما كانوا يعبدوننا بل كانوا يعبدون أهواءهم. وقيل ادعوا شركاءكم: نادوهم ليخلصوكم مما أنتم فيه. لو أنهم كانوا يهتدون: أي لما رأوا العذاب ودّوا لو أنهم كانوا في الدنيا من المهتدين. ويوم يناديهم: أي الله ﵎. فعميت عليهم الأنباء: أي فخفيت عليهم الأنباء التي يمكنهم أن يحتجوا بها. فهم لا يتساءلون: أي انقطعوا عن الكلام. فأما من تاب وآمن: أي آمن بالله ورسوله وتاب من الشرك. وعمل صالحا: أدى الفرائض والواجبات. فعسى أن يكون من المفلحين: أي الفائزين بالنجاة من النار ودخول الجنة، وعسى من الله تعالى لا تفيد مجرد الرجاء بل هي لتحقق الموعود به. معنى الآيات: يقول تعالى لرسوله واذكر يوم ينادي (١) ربك هؤلاء المشركين وقد ماتوا على شركهم فيقول لهم

стр. 2103

﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي أنهم شركائي هذا سؤال تقريع وتأنيب والتقريع والتأنيب ضرب من العذاب الروحي الذي هو أشد من العذاب الجثماني. وقوله تعالى ﴿قَالَ الَّذِينَ (١) حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي نطق الرؤساء من أئمة الضلال وهم الذين حق عليهم العذاب في نار جهنم ﴿رَبَّنَا (٢) هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ فغووا ﴿كَمَا غَوَيْنَا (٣) ﴾ أي ما أكرهناهم على الغواية، ﴿تَبَرَّأْنَا (٤) إِلَيْكَ﴾ أي منهم. ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ بل كانوا يعبدون أهواءهم لا غير. وقوله: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ يقال للمشركين تهكّما بهم واستهزاء، ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ أي لينصروكم ويخلصوكم مما أنتم فيه من الذل والهوان. قال تعالى: ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ بالفعل نادوا ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ إذ لا يقدر واحد من الإنس أو الجن أن يقول هذا كان يعبدني، بل كل معبود يتبرأ ممن عبده كما قالوا في الآية قبل ذي تبرأنا إليك أي منهم ما كانوا يعبدوننا بل كانوا يعبدون أهواءهم وقوله تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ بأعينهم فاشتدت حسرتهم وودوا لو أنهم كانوا في الدنيا من المهتدين. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ أي ربهم قائلا: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ؟ أخبرونا كيف كان موقفكم مع من أرسلنا إليكم؟ هل آمنتم بهم واتبعتموهم أم كذبتموهم وحاربتموهم قال تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ (٥) عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ أي فخفيت عليهم الأخبار التي يمكنهم أن يحتجوا بها فلم يجدوا حجة واحدة ولذا ﴿فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُون﴾ أي لا يسأل بعضهم بعضاً لأنه سقط في أيديهم وعلموا أنهم صالوا الجحيم لا محالة. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ (٦) ﴾ من هؤلاء المشركين اليوم من الشرك وآمن بالله ولقائه ورسوله وعمل صالحا فأدى الفرائض والواجبات ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ أي الفائزين بالنجاة من النار ودخول الجنة، فهذه دعوة سخية لكل مشرك وكافر وفاسق أن يتخلى عن الباطل المتلبس به ويؤمن الإيمان الصحيح ويعمل صالحا بأداء الفرائص فإنه ينجو من النار ويدخل الجنة دار الأبرار فهل من تائب؟!.

стр. 2104

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- التنديد بالشرك والمشركين. ٢- براءة الرؤساء في الضلال من المرؤوسين. ٣- التحذير من الغواية وهي الضلال، والانغماس في الذنوب والآثام. ٤- خذلان المعبودين عابديهم يوم القيامة وتبرؤهم منهم. ٥- باب التوبة مفتوح لكل عبد مهما كانت ذنوبه ولا يهلك على الله إلا هالك. وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) شرح الكلمات: يخلق ما يشاء: أي من خلقه. ويختار: أي من يشاء لنبوته وطاعته. ما كان لهم: أي للمشركين. الخيرة: أي الاختيار في شيء. سبحان الله: أي تنزيها لله عن الشرك. يعلم ما تكن صدورهم: أي ما تسر وتخفي من الكفر وغيره. له الحمد في الأولى: أي في الدنيا لأنه مولى كل نعمة. وفي الآخرة: أي في الجنة. وله الحكم: أي القضاء النافذ. وإليه ترجعون: بعد النشور وذلك يوم القيامة.

стр. 2105

معنى الآيات: لقد تقدم في الآيات قبل هذه التنديد بالشرك وتوبيخ المشركين وتحديهم بدعاء شركائهم ليخلصوهم مما هم فيه من العذاب، وكان شركهم باختيارهم الخاص وإرادتهم الحرة إذ تبرأ منهم من اختاروهم آلهة مع الله فعبدوهم معه. وفي هذه الآية يكشف تعالى عن خطئهم في الاختيار، وذلك من وجهين: الأول أنه لا حق لهم في الاختيار. إذ الاختيار لخالق المخلوقات فيختار منها ما يشاء لنبوته أو طاعته أما الذي يُخْلَقُ ولا يَخْلُقُ فكيف يصح منه اختيار. والثاني بحكم أنهم مخلوقون مربوبون لله تعالى وهم يعلمون هذا إذ لو سألهم أحد: من خلقكم؟ لقالوا: الله؛ كان المفروض فيهم والمطلوب منهم أن يطلبوا من الله تعالى خالقهم أن يختار لهم ما يعبدون ويبين لهم كيف يعبدون، إذ هو مولاهم الحق ولا مولى لهم سواه أما أن يركبوا رؤوسهم ويختاروا بأنفسهم ما يعبدون فهذا ظلم منهم كبير استوجبوا به اللوم في الدنيا والعذاب في الآخرة. قال تعالى: (٦٨) ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ .. أي وربك يا محمد يخلق ما يشاء ممن يريد خلقهم ويختار (١) من يشاء لما يشاء ممن يشاء من عباده لما يشاء من كمال أو نقصان. أما عبيده فليس لهم حق الاختيار وإنما عليهم السمع والطاعة قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (٢) ﴾ أي حق الاختيار بل الذي يختاره الله هو الذي يجب أن يختاره العبد. وقد كان النبي ﷺ يدعو ويقول: "اللهم خرْ لي واختر لي" وكان يعلم أصحابه دعاء الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن، ويحضهم على أن يختاروا في الأمر الواحد سبع مرات. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ نزه تعالى نفسه عن شرك المشركين وباطل المبطلين وقوله ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وهذا برهان أن الخيرة له (٣) وليس لغيره إذ الذي يعلم الظواهر والبواطن والبدايات والنهايات قبل البدء والمنتهى صاحب هذا العلم هو الذي يختار. أما الذي لا يعلم ما يكنه أخوه في صدره بل ولا ما يظهره آخر إلى جنبه أي لا يعلم عاقبته فكيف يصح منه الاختيار أو تكون له خيرة في شيء. وفوق ذلك أنه ﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي المعبود الذي لا معبود بحق سواه الذي له الحمد

стр. 2106

في الدنيا إذ كل ما في الدنيا هو خلقه وفضله وإنعامه، وله الحمد في الآخرة، يحمده أهل الجنة إذ قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن بل الحياة الدنيا كالآخرة. تختم بالحمد لله. قال تعالى ﴿وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾ ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي وله الحكم والقضاء في الدنيا والآخرة ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فكما أن الحكم خاص به فكذلك الرجوع إليه، ويوم يرجعون إليه يحكم بينهم بحكمه وهو العزيز العليم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير مبدأ "ليس من حق العبد أن يختار إلا ما اختاره الله له". ٢- تعين طلب الاختيار في الأمر كله من الله تعالى بقول العبد "اللهم خر لي واختر لي". ٣- تأكيد سنة الاستخارة وهي إذا همّ العبد بالأمر يصلي ركعتين في وقت لا تكره فيه صلاة النافلة، ثم يدعو بدعاء الاستخارة كما ورد في الصحيح وهو "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وفي عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وفي عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به". ويسمي حاجته التي هم بها من سفر أو زواج أو بناء أو تجارة أو غراسة. ٤- تقرير التوحيد وإبطال التنديد. ٥- وجوب حمد الله وشكره على كل حال وذلك لتجدد النعمة في كل آن. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

стр. 2107

(٧٣) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥) شرح الكلمات: أرأيتم: أي أخبروني سرمداً: أي دائما، ليلاً واحداً متصلاً لا يعقبه نهار. بضياء: أي ضوء كضوء النهار. بليل تسكنون فيه: أي تنامون فتسكن جوارحكم فتستريح من تعب الحياة. لتسكنوا فيه: أي في الليل. ولتبتغوا من فضله: أي تطلبوا الرزق من فضل الله في النهار. ولعلكم تشكرون: أي كي تشكروا ربكم بطاعته كالصلاة والصيام والصدقة. ونزعنا من كل أمة شهيداًَ: أي أحضرنا من كل أمة من يشهد عليها وهو نبيها ﵇. فقلنا هاتوا برهانكم: أي حججكم على صحة الشرك الذي أنذرتكم رسلنا عواقبه فما قبلتم النذارة ولا البشارة. فعلموا أن الحق لله: أي تبين أن العبادة والدين الحق لله لا لسواه. وضل عنهم ما كانوا يفترون: أي وغاب عنهم ما كانوا يكذبونه من الأقوال الباطلة التي كانوا يردون بها على الرسل ﵈. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد وإبطال التنديد وهو حول أنداد لله تعالى من مخلوقاته فقال تعالى لرسوله محمد ﷺ ، قل لهؤلاء المشركين الذين جعلوا لله أنداداً وهو

стр. 2108

خالقهم ورازقهم ومدبر أمر حياتهم ﴿أَرَأَيْتُمْ (١) ﴾ أي أخبروني ﴿إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً﴾ أي (٢) دائما ليلاً واحداً متصلا لا يعقبه نهارٌ ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أخبروني هل هناك ﴿إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ (٣) ﴾ كضياء النهار، والجواب: لا أحد وإذاً فكيف تشركون به أصناما. ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ما يقال لكم. وقل لهم أيضاً ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداًً﴾ أي دائماً متصلاً لا يخلفه ليل أبداً ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ إلى انقراض هذا الكون وانتهاء هذه الحياة وقيام الناس لربهم من قبورهم يوم القيامة ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ﴾ أي أيُّ إله غير الله ﴿يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ فتخلدون إلى الراحة بالنوم والسكون وعدم الحركة فيه، وإذا قلتم لا أحد يأتينا بليل نسكن فيه إذاً فما لكم لا تبصرون هذه الآيات ولا تسمعون ما تحمله من الأدلة والحجج القواطع القاضية بأنه لا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ (٤) جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ إذ ليس واجبا عليه ذلك وإنما هو فضل منه ورحمة فالليل تسكنون فيه والنهار تتحركون فتبتغون رزقكم من فضل الله، وبذلك تهيّؤون للشكر إذا أكلتم أو شربتم أو ركبتم أو نزلتم قلتم الحمد لله، والحمد لله رأس الشكر، كما أن الليل والنهار ظرف للعبادة التي هي الشكر، فالعبادات لا تقع إلا في الليل والنهار، فالصيام في النهار والقيام بالليل والصلاة والصدقات فيهما. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ أي اذكر يا رسولنا لهم تنبيها وتعليماً يوم يناديهم الرب ﵎ فيقول لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم شركاء لي فعبدتموهم، وهل يرجى أن يجيبوا لا، لا، وإنما هذا السؤال ونظائره هو سؤال تبكيت وتأنيب وتوبيخ وهو نوع من العذاب النفسي الذي هو أشد من العذاب الجسمي. وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا (٥) مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ أي واذكر لهم هذا الموقف من مواقف القيامة الصعبة ﴿وَنَزَعْنَا﴾ أي أحضرنا ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ يشهد عليها وهو

стр. 2109

نبيها، ويشهد الرسول أنه بلغ ونصح وأنذر، ويقال لهم: ﴿هَاتُوا (١) بُرْهَانَكُمْ﴾ على صحة ما كنتم تعبدون وتدعون. قال تعالى: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أي تبين لهم أن الحق لله أي أن الدين الحق لله فهو المستحق لتأليه المؤلهين وطاعة المطيعين وقربات المتقربين لا إله غيره ولا رب سواه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- إشارة علمية إلى أن السماع يكون مع السكون وقلة الضجيج، وأن الإبصار يكون مع الضوء، ولا يتم مع الظلام بحال من الأحوال. ٢- البرهنة القوية على وجوب توحيد الله إذ لا رب يدبر الكون سواه. ٣- كون النهار والليل ظرفان للسكون وطلب العيش هما من رحمة الله تعالى أمر يقتضي شكر الله تعالى بحمده والاعتراف بنعمته وطاعته بصرف النعمة فيما يرضيه ولا يسخطه. ٤- بيان أهوال القيامة، بذكر بعض المواقف الصعبة فيها. ٥- إذا كان يوم القيامة بطل كل كذب وقول ولم يبق إلا قول الحق والصدق. إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً

стр. 2110

وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) شرح الكلمات: إن قارون كان من قوم موسى: أي ابن عم موسى ﵇. فبغى عليهم: أي ظلمهم واستطال عليهم. ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة: أي أعطاه الله من المال ما يثقل عن الجماعة حمل مفاتح خزائنه. لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين: أي لا تفرح فرح البطر والأشر. وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة: أي اطلب في المال الذي أوتيته الدار الآخرة بفعل الخيرات. على علم عندي: أي لعلم الله تعالى بأني أهل لذلك. وأكثر جمعا: أي للمال. ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون: أي لعلم الله تعالى بهم فيدخلون النار بدون حساب. معنى الآيات: هذا بداية (١) قصص قارون الباغي، وهو قارون ابن يصهر بن قاهَثْ بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇. فهو ابن عم موسى بن عمران وابن خالته أيضاً وكان يلقب المنور لحسن صورته، ونافق كما نافق السامري المطرود. قال تعالى في ذكر خبره ﴿إِنَّ قَارُونَ (٢) كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ أي إسرائيلي ابن عم موسى بن عمران الرسول. ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ أي على بني إسرائيل أي ظلمهم وطغى عليهم، ولعل فرعون كان قد أسند إليه إمارة على بني إسرائيل فأطغته وملك أموالاً كثيرة ففرته وألهته. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ (٣) بِالْعُصْبَةِ (٤) أُولِي الْقُوَّةِ﴾ . وهذا الخبر الإلهي دليل على ما كان للطاغية

стр. 2111

قارون من أموال بحيث أن المفاتح تثقل كاهل العصبة أي الجماعة من الرجال لو حملوها كلها وذلك لثقلها. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ أي من بني إسرائيل واعظين له مذكرين ﴿لا تَفْرَحْ﴾ أي بأموالك فرح الأشر البطر. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي الأشرين البطرين الذين يختالون ويتفاخرون ويتكبرون. ﴿وَابْتَغِ﴾ اطلب ﴿فِيمَا آتَاكَ اللهُ﴾ من أموال ﴿الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ بأن تصدَّقْ منها وأنفقْ في سبيل الله كبناء مسجد أو مدرسة أو ميتم أو ملجأ إلى غير ذلك من أوجه البر والإحسان. ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ (١) مِنَ الدُّنْيَا﴾ فكل واشرب والبس واركب واسكن ولكن في غير إسراف ولا مخيلة، ﴿وَأَحْسِنْ﴾ عبادة الله تعالى وطاعته وأحسن إلى عباده بالقول والعمل ﴿كَمَا أَحْسَنَ﴾ أي الله تعالى إليك ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي (٢) الْأَرْضِ﴾ بترك الفرائض وارتكاب المحرمات. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ومن لم يحبه الله أبغضه ومن أبغضه عذبه في الدنيا والآخرة فبعد هذه الموعظة من قومه الصالحين أهل العلم والبصيرة ردّ هذا الطاغية قارون بما أخبر به تعالى عنه في قوله في الآية (٧٨) ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي لا تهددوني ولا تخوفوني بسلب مالي عني إن أنا لم أحْسن فإن هذا المال قد ﴿أُوتِيتُهُ﴾ أي آتانيه الله على علم منه (٣) بأني أهل له ولذا أعطاني وزاد عطائي وأكثره قال تعالى في الردّ عليه في زعمه هذا ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ أي أيقول ما يقول من الزعم الكاذب ولم ﴿يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾ ، كعاد وثمود وقوم إبراهيم فلو كان كثرة المال دليلا على حب الله ورضاه عن أهله، ما أهلك عاداً وثمود وقوم نوح من قبل وكانوا أشد قوة وأكثر مالا ورجالاً وقوله تعالى: ﴿وَلا يُسْأَلُ (٤) عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي إذا أكثر العبد من الإجرام بالشرك والمعاصي حق عليه كلمة العذاب وآن أوان عذابه لا يسأل عن ذنوبه بل يؤخذ فجأة كما أن هؤلاء المجرمين سيدخلون النار بغير حساب فلا يسألون ولا يحاسبون. قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ (٥) فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ أي ويرمون في جهنم ويقال لهم: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (٦) .

стр. 2112

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- المال والمنصب العالي عرضة لإفساد المرء إلا من رحم الله وقليل ما هم. ٢- حرمة الفرح بالمال والإمارة إذا كان الفرح فرح بطر وفخر واعتزاز وكبر وخيلاء. ٣- من فضل الله على الأمة أن يوجد فيها عالمون ينصحون ويرشدون ويوجهون. ٤- من الحزم للمرء أن يطلب من المال والجاه والمنصب أعلى الدرجات في الجنة. ٥- حلّية الأكل من الطيب والشرب من الطيب واللبس والركوب والسكن من غير إسراف ولا خيلاء ولا كبر. ٦- العافية والمال وعز السلطان يصاب صاحبها بالاغترار إلا من رحم الله. فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)

стр. 2113

شرح الكلمات: في زينته: أي لباس الأعياد والحفلات الرسمية. يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون: أي تمنوا لو أعطوا من المال والزينة ما أعطي قارون. إنه لذو حظ عظيم: أي إنه لذو بخت ونصيب وهبه الله إياه في كتاب المقادير. وقال الذين أوتوا العلم: أي أعطوا العلم الديني بمعرفة الله والدار الآخرة وموجبات السعادة والشقاء. ويلكم: أي حضر ويلكم وهلاككم بتمنيكم المال وزخرف الدنيا. ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا: أي ما عند الله من جزاء للمؤمنين العاملين الصالحات وهو الجنة خير من حطام الدنيا الفاني. ولا يلقاها إلا الصابرون: أي ولا يوفق لقول هذه الكلمة وهي ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً إلا الصابرون على الإيمان والتقوى. فخسفنا به وبداره الأرض: أي أسخنا الأرض من تحته فساخت به وبداره وكل من كان معه فيها من أهل البغي والإجرام. تمنوا مكانه بالأمس: أي الذين قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون فالمراد من المكان المكانة وما عليه قارون من الإمارة والزينة والمال والجاه. ويكأن الله يبسط: أي أعجبُ عالما أن الله يبسط الرزق لمن يشاء. ويقدر: أي يضيّق. ويكأنه لا يفلح الكافرون: أي أعجب عالماً أنه لا يفلح الكافرون أي أنهم لا يفوزون بالنجاة من النار ودخول الجنان كما يفوز المؤمنون.

стр. 2114

معنى الآيات: ما زال السياق في قصص قارون الباغي قال تعالى ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ (١) ﴾ أي قارون في يوم عيد أو مناسبة خرج على قومه وهم يشاهدون موكبه ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ الخاصة من الثياب والمراكب. قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي من قوم موسى وهم المفتونون بالدنيا وزخرفها من أهل الغفلة عن الآخرة وما أكثرهم اليوم وقبل وبعد اليوم قالوا ما أخبر الله به عنهم: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ تمنوا أن يكون لهم مثل الذي أوتي قارون من المال والزينة ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ (٢) عَظِيمٍ﴾ أي بخت ونصيب ورزق ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي الشرعي (٣) الديني العالمون بالدنيا والآخرة، وأسباب السعادة والشقاء في كل منهما قالوا ما أخبر الله تعالى به عنهم في قوله: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ ويحكم هلكتم إن كنتم تؤثرن هذا الفاني على الباقي ﴿ثَوَابُ اللهِ﴾ وهو الجنة خير من هذا الزخرف الفاني ﴿لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ ولازم ذلك أنه ترك الشرك والمعاصي، وقوله تعالى: ﴿وَلا يُلَقَّاهَا﴾ أي (٤) هذه الجملة من الكلام: ﴿ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ﴾ بربه ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ في حياته بأداء الفرائض والنوافل وترك المحرمات والرذائل أي لا يلقى هذه الكلمة ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ من أهل الإيمان والتقوى هم الذين يلقنهم الله إياها فيقولونها الصفاء أرواحهم وزكاة أنفسهم وقوله تعالى في الآية (٨١) ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ (٥) وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ يخبر تعالى أنه خسف بقارون وبداره الأرض انتقاما منه لكفره ونفاقه وبغيه وكبريائه. وقوله تعالى ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ﴾ أي جماعة ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ لما أراد الله خذلانه بخسف الأرض به وبداره ومن فيها من أعوانه الظلمة والمجرمين. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ أي لنفسه فنجاها مما حل بها من الخسف في باطن الأرض التي ما زال يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ (٦) يخبر تعالى

стр. 2115

عن الذين قالوا يوم خرج عليهم قارون في زينته يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون يخبر تعالى عنهم أنهم لما شاهدوا الخسف الذي حل بقارون وبدره قالوا ويكأن الله (١) يبسط الرزق لمن يشاء أي نعجب عالمين، أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر (٢) أي على من يشاء فالبسط والقبض كله لله وبيد الله فما لنا لا نفزع إلى الله نطلب رضاه ولا نتمنى ما تمنيناه وقد أصبح ذاهباً لا يرى بعين ولا يلمس بيدين، ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٣) ﴾ أي نعجب أيضاً عالمين بأنه لا يفلح الكافرون كقارون وهامان أي لا يفوز الكافرون لا بالنجاة من العذاب ولا بدخول الجنان. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أن الفتنة أسرع إلى قلوب الماديين أبناء الدنيا والعياذ بالله تعالى. ٢- بيان موقف أهل العلم الديني وأنهم رشَّد أي حكماء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ٣- بيان أن البغي يؤخذ به البغاة في الدنيا ويعذبون به في الآخرة. ٤- بيان أن وجود الإيمان خير من عدمه وإن قل وأن ذا الإيمان أقر على التوبة ممن لا إيمان له. تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)

стр. 2116

شرح الكلمات: تلك الدار الآخرة: أي الجنة، دار الأبرار. لا يريدون علواً في الأرض: أي بغيا ولا استطالة على الناس. ولا فساداً: أي ولا يريدون فساداً بعمل المعاصي. والعاقبة: أي المحمودة في الدنيا والآخرة. للمتقين: الذين يتقون مساخط الله فلا يعتقدون ولا يقولون ولا يعملون ما لا يرضى به الله تعالى. من جاء بالحسنة: أي يوم القيامة والحسنة: أثر طاعة الله تعالى يجزى به المؤمن. فله خير منها: أي تضاعف له عشرة أضعاف. ومن جاء بالسيئة: السيئة أثر معصية الله تعالى يعاقب به العبد إذا لم يعف الله تعالى عنه. معنى الآيات: لقد تقدم في السياق أن ثواب الله وهو الجنة خير لمن آمن وعمل صالحاً فأشار إليه تعالى بقوله ﴿تِلْكَ (١) الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ التي هي الجنة آخر دار يسكنها المتقون فلا يخرجون منها. نجعلها، هذا هو الخبر عن قوله تلك الدار الآخرة فأخبر تعالى أنه يجعلها مأوى ومسكناً للذين لا يريدون علوّاً (٢) في الأرض ولا فساداً، لا يريدون استطالة على الناس وتعاليا وتكبراً عليهم وبغيا، ولا فساداً بارتكاب المعاصي كالقتل والزنا والسرقة وشرب الخمر، وقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ (٣) لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي والعاقبة المحمودة في الدارين لأهل الإيمان والتقوى وهم المؤمنون الذين يتقون مساخط الله ، وذلك بفعل المأمورات واجتناب المنهيات. وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ﴾ أي يوم القيامة ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ وهي الطاعات لله ورسوله ﴿فَلَهُ﴾ جزاء مضاعفا الحسنة بعشر أمثالها وقد تُضاعف إلى أكثر بشرط أن لا تكون حسنة أعطيت له من حسنات ظالم في الدنيا فهذه لا تتضاعف. إذ تضاعف الحسنة التي باشرها، كما

стр. 2117

لا تضاعف حسنة من همّ بحسنة ولم يعملها فإنها تكتب له حسنة ولا تضاعف لعدم مباشرته إياها وقوله ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي يوم القيامة. والسيئة أثر معصية الله تعالى ورسوله في نفسه ﴿فَلا يُجْزَى﴾ إلا مثلها أي لا تضاعف عليه وذلك لعدالة الله تعالى ورأفته بعباده، وهو معنى قوله تعالى ﴿فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ من الشرك والمعاصي ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي في الدنيا إذ هي دار العمل والآخرة دار الجزاء. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة التكبر والاستطالة على الناس، والعمل بالمعاصي، وأنه الفساد في الأرض. ٢- بيان فضل الله ورحمته وعدله بين عباده بمضاعفة الحسنات وعدم مضاعفة السيئات. ٣- العاقبة الحسنى وهي الجنة لأهل الإيمان والتقوى. إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) شرح الكلمات: إن الذي فرض عليك القرآن: أي الله الذي أنزل عليك القرآن وفرض عليك قراءته والعمل بما فيه وتبليغه. لرادك إلى معاد: أي لمرجعك إلى مكة فاتحاً إذ معاد الرجل بلده الذي يعود إليه.

стр. 2118

وما كنت ترجو: أي تأمل أن ينزل عليك القرآن ويوحى به إليك. إلا رحمة من ربك: لكن رحمة من الله وفضل أنزله عليك. فلا تكونن ظهيراً: أي فمن شُكر هذه النعمة ألا تكون معينا للكافرين. ولا يصدنك: أي لا يصرفنك عن العمل بآيات الله بعد أن شرفك الله بإنزالها عليك. وادع إلى ربك: أي ادع الناس إلى الإيمان بالله وعبادته وترك الشرك به. ولا تدع مع الله إلهاً آخر: أي لا تعبد مع الله إلهاً آخر بدعائه والذبح والنذر له. كل شيء هالك: أي فان. إلا وجهه: أي إلا الله فلا يهلك كما يهلك ما عداه. معنى الآيات: تقدم في السياق الكريم الدعوة إلى أصول الدين الثلاثة: التوحيد، والنبوة، والبعث والجزاء وهذه خاتمة ذلك في هذه السورة الكريمة فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي (١) فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أي أنزله عليك وفرض عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه، ﴿لَرَادُّكَ﴾ أي لمرجعك (٢) ﴿إِلَى مَعَادٍ (٣) ﴾ وهو العودة إلى مكة بعد خروجك منها واشتياقك إلى العودة إليها وإلى الجنة بعد وفاتك لأنك دخلتها ليلة عُرج بك إلى السماء وفي هذا تقرير لنبوته ﷺ بالوحي إليه، وقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فإنه تعليم له ﷺ بما يرد به على المشركين الذين اتهموه بأنه ضال في دعوته وخروجه عن دين آبائه وأجداده علَّمه أن يقول لهم ربي أعلم بمن جاء بالهدى وهو أنا، رسول الله، ومن هو في ضلال مبين وهو أنتم أيها المشركون. وقوله ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ أي وما كنت يا محمد تأمل أن ينزل عليك القرآن، وذلك قبل بعثته ﷺ ، وقوله ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ (٤) رَبِّكَ﴾ أي لكن رحمة ربك عليك اقتضت إنزاله عليك لتكون رسول الله للعالمين، وهي نعمة كبيرة وإفضال عظيم فاشكره بما يلي: (١) ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ﴾ أي عوناً لهم بحال من الأحوال.

стр. 2119

(٢) ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ فتترك تلاوتها وإبلاغها والعمل بها. وفي هذا تقرير للنبوة المحمدية. (٣) ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ ادع الناس إلى توحيد ربك والعمل بشرعه. (٤) ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي فتتبرّأ منهم ولا ترضى بشركهم وادعهم إلى خلافه وهو التوحيد. (٥) ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ أي لا تعبد مع الله إلهاً آخر لا بالدعاء ولا بالنذر والذبح ولا بتقديم أي قربان أو طاعة لغير الله ، وفي هذا تقرير للتوحيد وقوله ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تقرير للتوحيد بإبطال أن يكون هناك إله مع الله. وقوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (١) ﴾ يخبر تعالى أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل ذاهب بلا مثوبة عليه. كما أن كل شيء سوى الله فانٍ ولم يبق إلا الله كقوله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ و ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي القضاء العادل بين عباده وقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي بعد الموت للحساب والجزاء يوم بعثكم وحشركم إليه ، وفي هذا تقرير للبعث والجزاء. والحمد لله أولاً وآخراً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- معجزة القرآن في وقوع الغيب بعد الإخبار به وذلك حيث عاد الرسول ﷺ إلى مكة بعد الخروج منها. ٢- مشروعية الملاينة في الجدال والمناظرة أثناء الدعوة باستعمال أسلوب التشكيك. ٣- حرمة معاونة الكفار ومناصرتهم لا سيما ضد المؤمنين. ٤- وجوب الثبات والصبر على الدعوة حتى نجاحها ببلوغها الناس واستجابتهم لها. ٥- تقرير التوحيد والبعث والنبوة المحمدية. ٦- فناء كل شيء إلا الله تعالى إلا ما ورد الدليل بعدم فنائه وعُدَّ منه ثمانية نظّمها بعضهم بقوله: هي العرش والكرسي نار وجنة وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم

стр. 2120

سورة العنكبوت مكية (١) وآياتها تسع وستون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) شرح الكلمات: الم: هذه أحد الحروف المقطعة تكتب الم وتقرأ ألف لام ميم. وهم لا يفتنون: أي لا يختبرون بما يتبين به حقيقة إيمانهم من التكاليف ومنها الصبر على الأذى. ولقد فتنا الذين من قبلهم: أي اختبرنا من قبلهم إذ هي سنة جارية في الناس. فليعلمن الذين صدقوا: أي في إيمانهم، وليعلمن الذين كذبوا فيه بما يظهر من أعمالهم. أن يسبقونا: أي يفوتونا فلا ننتقم منهم.

стр. 2121

ساء ما يحكمون: أي بئس الحكم هذا الذي يحكمون به، وهو حسبانهم أنهم يفوتون الله تعالى ولم يقدر على الانتقام منهم. من كان يرجوا لقاء الله: أي من كان يؤمن بلقاء الله وينتظر وقوعه فليعلم أن أجله لآت فليستعد له بالإيمان وصالح الأعمال. ومن جاهد: أي بذل الجهد في حرب الكفار أو النفس. فإنما يجاهد لنفسه: أي منفعة الجهاد من الأجر عائدة على نفسه. ولنجزينهم: أي ولنجزينهم على أعمالهم بأحسن عمل كانوا عملوه. معنى الآيات: الم: الله أعلم بمراده به وهذا هو مذهب السلف في هذه الحروف وهو تفويض علمها إلى منزلها وقوله ﴿أَحَسِبَ (١) النَّاسُ﴾ أي أظن الناس ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ فيكتفى منهم بذلك ﴿وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ أي لا يختبرون بل لا بد من اختبار بالتكاليف الشاقة كالهجرة والجهاد والصلاة والصيام والزكاة وترك الشهوات والصبر على الأذى. والآية نزلت في مثل عمار بن ياسر وبلال وعياش فإنها عامة إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، واللفظ عام هنا، لأن اسم الجنس إذا دخلت عليه "أل" أفادت استغراق جميع أفراده. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ (٢) مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم السابقة فهي إذاً سنة ماضية في الناس لا تتخلف. وقوله تعالى ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في إيمانهم أي يظهر ذلك (٣) ويعلمه مشاهدة بعد أن علمه قبل إخراجه إلى الوجود حيث قدر ذلك وكتبه في كتاب المقادير وذلك بتكليفهم وقيامهم بما كلفوا به من

стр. 2122

شاق الأفعال وشاق التروك، إذ الهجرة والجهاد والزكاة أفعال، وترك الربا والزنا والخمر تروك ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ حيث ادعوا الإيمان ولما ابتلوا بالتكاليف لم يقوموا بها، فبان بذلك عدم صدقهم وإنهم كاذبون في دعواهم أنهم مؤمنون. وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا (١) ﴾ أي أظن ﴿يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ من الشرك والمعاصي ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ أي يفوتونا فلم نأخذهم بالعذاب. ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ به لأنفسهم أي قبح حكمهم هذا من حكم لفساده، إذ أقاموه على ظن منهم أن الله تعالى لا يقدر عليهم وهو على كل شيء قدير وأنه لا يعلمهم وهو بكل شيء عليم. وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ (٢) اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ أي ﴿مَنْ كَانَ﴾ يؤمن ويؤمل لقاء الله وذلك يوم القيامة فليعلم أن أجل الله المضروب لذلك لآت قطعا وعليه فليستعد للقائه بما يناسبه وهو الإيمان والعمل الصالح بعد التخلي عن الشرك والعمل الفاسد، ومن هنا دعوى المرء أنه يرجو لقاء ربه ولم يعمل صالحاً يثاب عليه، دعوى لا تصح قال تعالى في سورة الكهف ﴿.. فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (١١٠) وقوله ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي هو تعالى السميع لأقوال عباده العليم بنياتهم وأعمالهم، فدعوى الإيمان ظاهرة من العبد أو باطنة لا قيمة لها ما لم يقم صاحبها الدليل عليها وذلك بالإيمان الجهاد للعدو (٣) الظاهر والباطن. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي منفعة هذه العبادة عائدة على العبد نفسه أما الله فهو في غنى عن عمل عباده غنىً مطلقاً وهذا ما دل عليه قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ الملائكة والإنس والجن وسائر المخلوقات إذ كل ما سوى الله تعالى عالم ويجمع على عوالم وعالمين (٤) . وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ هذا وعد من الله تعالى لمن آمن من عباده وذلك على إيمانه وصالح عمله فعلاً وتركاً بأنه يكفر عنه سيئاته التي عملها قبل الإسلام وبعده. ومعنى يكفّرها عنهم يغطيها ويسترها ولم يطالبهم بها كأنهم لم يفعلوها. وقوله ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ أي على أعمالهم الصالحة ﴿أَحْسَنَ﴾ أي بأحسن عمل عملوه فتكون أعظم ما تكون مضاعفة. وهذا من تكرمه على عباده الصالحين ليجزي بالحسنة أضعافها مئات المرات.

стр. 2123

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان سنة أن الإيمان يصدق بالأعمال أو يكذب. ٢- بيان إمكان التكليف بما يشق على النفس فعله أو تركه ولكن ليس بما لا يطاق. ٣- تحذير المغترين من العقوبة وإن تأخرت زمنا ما فإنها واقعة لا محالة. ٤- ثمرة الجهاد عائدة على المجاهد نفسه. فلذا لا ينبغي أن يمنها على الله تعالى بأن يقول فعلت وفعلت. ٥- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الوعد للذين آمنوا وعملوا الصالحات بتكفير السيئات والجزاء الأحسن وهذا يتم يوم البعث. وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)

стр. 2124

شرح الكلمات: ووصينا الإنسان: أي عهدنا إليه بطريق الوحي. بوالديه حسنا: أي إيصاءً ذا حسن، وذلك ببرهما وعدم عقوقهما. وإن جاهداك: أي بذلا الجهد في حملك على أن تشرك. لندخلنهم في الصالحين: أي لندخلنهم مدخلهم في الجنة. فتنة الناس: أي أذاهم له. كعذاب الله: أي في الخوف منه فيطيعهم فينافق. إنا كنا معكم: أي في الإيمان وإنما أكرهنا على ما قلنا بألسنتنا. اتبعوا سبيلنا: أي ديننا وما نحن عليه. ولنحمل خطاياكم: أي ليكن منكم اتباع لسبيلنا وليكن منا حمل لخطاياكم، فالكلام خبر وليس إنشاء. وليحملن أثقالهم: أي أوزارهم، والأوزار الذنوب. وأثقالاً مع أثقالهم: أي من أجل قولهم للمؤمنين اتبعوا سبيلنا. عما كانوا يفترون: أي يكذبون. معنى الآيات: هذه الآيات نزلت فى شأن (١) سعد بن أبي وقاص لما أسلم قالت له أمه حمنة بنت أبي سفيان ما هذا الدين الذي أحدثت والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت فتُعيّر بذلك أبد الدهر يقال يا قاتل أمه، ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم

стр. 2125

تستظل فأصبحت وقد جهدت ثم مكثت يوما آخر وليلة لم تأكل ولم تشرب فجاء سعد إليها وقال: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفساً ما تركت ديني فكلي إن شئت وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أسلمت وأكلت وشربت فأنزل الله هذه الآية ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ أي عهدنا إليه بواسطة الرسل إيصاءً ذا حسن وهو برهما بطاعتهما في المعروف وترك أذاهما ولو قل، وإيصال الخير بهما من كل ما هو خير قولاً كان أو فعلاً. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ أي بذلا جهدهما في حملك على أن تشرك بي شيئاً من الشرك أو الشركاء فلا تطعهما كما فعل سعد بن أبي وقاص مع والدته في عدم إطاعتها. وقوله ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أولاداً ووالدين ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وأجزيكم به فلذا قدموا طاعتي على طاعة الوالدين، فإني أنا الذي أحاسبكم وأجزيكم بعملكم أنتم وإياهم على حد سواء. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي بالله ورسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ التي هي العبادات التي تعبّد الله تعالى بها عباده المؤمنين، فشرعها لهم وبينها رسوله ﷺ كالذكر وقراءة القرآن والصلاة والصيام والصدقات والجهاد والحج وما إلى ذلك. هؤلاء الذين جمعوا بين الإيمان الحق والعمل الصالح الخالي من الشرك والرياء. يقسم الله تعالى أنه يدخلهم في مدخل الصالحين وهم الأنبياء والأولياء في الجنة دار السلام. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ (١) مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ﴾ الآية هذه نزلت في أناس كانوا بمكة وآمنوا وأعلنوا عن إيمانهم فاضطهدهم المشركون فكانوا ينافقون فأخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ﴾ أي آذاه المشركون نافق وارتد ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ أي أذاهم له وتعذيبهم إياه ﴿كَعَذَابِ اللهِ﴾ يوم القيامة فوافق المشركين على الكفر. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي على الإيمان وإنما كنا مكرهين وهذه نزلت فيمن خرجوا من مكة إلى بدر مع المشركين لما انهزم المشركون وانتصر المسلمون وأسروا قالوا ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي على الإيمان فرد الله تعالى دعواهم بقوله ﴿أَوَلَيْسَ (٢) اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ أي الناس. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ تقرير لما سبق في الآية قبل وليترتب عليه الجزاء على الإيمان وعلى النفاق. فعلمه تعالى يستلزم الجزاء العادل فأهل الإيمان يجزيهم بالنعيم المقيم وأهل النفاق يجزيهم بالعذاب المهين. أولئك في دار السلام وهؤلاء في دار البوار. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ أي ديننا

стр. 2126

وما نحن عليه ﴿وَلْنَحْمِلْ (١) خَطَايَاكُمْ﴾ قال رؤساء قريش لبعض المؤمنين اتركوا سبيل محمد ودينه واتبعوا سبيلنا وديننا، وإن كان هناك بعث وجزاء كما يقول محمد ﷺ نحن مستعدون أن نتحمل خطاياكم ونجازى بها دونكم فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ و ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم ولنحمل خطاياكم. وقال تعالى مقسما بعزته وجلاله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ أي أوزارهم ﴿وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أي أوزاراً أي ذنوبا مع أوزارهم التي هي ذنوبهم وذلك من أجل ما قالوا لهم. ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي يكذبون من أنهم يحملون خطايا المؤمنين يوم القيامة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب بر الوالدين في المعروف وعدم طاعتهما فيما هو منكر كالشرك والمعاصي. ٢- بشرى المؤمنين العاملين للصالحات بإدخالهم الجنة مع النبيين والصديقين. ٣- ذم النفاق وكفر المنافقين وإن ادعوا الإيمان فما هم بمؤمنين. ٤- بيان ما كان عليه غلاة الكفر في مكة من العتو والطغيان. ٥- تقرير مبدأ من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها كما في الحديث الصحيح (٢) . وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)

стр. 2127

شرح الكلمات: ولقد أرسلنا نوحاً: أي نوحا بن لَمْك بن مُتَوَشْلخْ بن إدريس من ولد شيث بن آدم، بينه وبين آدم ألف سنة. فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما: أي فمكث فيهم يدعوهم إلى الله تعالى تسعمائة وخمسين سنة. فأخذهم الطوفان: أي الماء الكثير الذي طاف بهم وعلاهم فأغرقهم. وهم ظالمون: أي مشركون. وجعلناها آية للعالمين: أي عبرة للناس يعتبرون بها فلا يشركون ولا يعصون. معنى الآيتين: لما ذكر تعالى ما كان يلاقيه رسوله والمؤمنون من مشركي قريش ذكر تعالى نوحاً وإبراهيم وكلاهما قد عانى ولاقى ما لم يلاقه محمد ﷺ وأصحابه ليكون ذلك تسلية لهم وتخفيفاً عنهم فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ (١) ﴾ وقوم نوح يومئذ هم البشرية جمعاء. إذ لم يكن غيرهم ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾ أي مكث يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وتوحيده فيها وترك الأصنام الخمسة التي كانت لهم وهي ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكان هؤلاء الخمسة رجالا صالحين فلما ماتوا بنوا على قبورهم ووضعوا لهم تماثيل بحجة أنها تذكرهم بالله فيرغبوا في الطاعة والعمل الصالح ثم زين لهم الشيطان عبادتهم فعبدوهم فبعث الله تعالى إليهم نوحاً رسولا فدعاهم إلى عبادة الله وترك عبادة هؤلاء ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ (٢) سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾ يدعوهم فلم يستجيبوا له ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ فاستجاب الله له فأنجاه وأصحاب السفينة وهم المؤمنون وهلك في الطوفان زوجته وولده كنعان وسائر البشر إلا نوحا

стр. 2128

ومن معه في السفينة، وكانوا قرابة الثمانين نسمة، وخلف نوحاً ثلاثة أولا هم سام وهو أبو العرب وفارس والروم وهم الجنس السامي وحام وهو أبو القبط والسودان والبربر ويافث وهو أبو الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، هذا معنى قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ (١) ظَالِمُونَ﴾ أي لأنفسهم بالشرك. ﴿َأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ (٢) ﴾ ومن بين ما فيها أبناؤه الثلاثة سام وحام ويافث ومنهم عمر الكون بالبشر شرقا وغربا وشمالا وجنوباً وقوله ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً (٣) لِلْعَالَمِينَ﴾ أي حادثة الطوفان ومنها السفينة ومكث تلك المدة الطويلة مع قلة المستجيبين ﴿آيَةً﴾ أي عبرة ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ أي للناس ليعتبروا بها فلا يعصوا رسلهم ولا يشركون بربهم هذا إذا اعتبروا وقليل من يعتبر. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان سنة الله تعالى في إرسال الرسل لهداية الخلق. ٢- بيان قلة من استجاب لنوح مع المدة الطويلة فيكون هذا تسلية لرسول الله ﷺ والدعاة من بعد. ٣- بيان إهلاك الله تعالى للظالمين وإنجائه المؤمنين وهي عبرة للمعتبرين. وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا

стр. 2129

فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨) شرح الكلمات: وإبراهيم: أي واذكر إبراهيم على قراءة النصب لإبراهيم، وعلى قراءة الرفع: ومن المرسلين إبراهيم. اعبدوا الله واتقوه: أي آمنوا به ووحدوه في عبادته واتقوا أن تشركوا به وتعصوه. أوثاناً: أي أصناماً وأحجاراً وصوراً وتماثيل. وتخلقون إفكاً: أي تختلقون الكذب فتقولون في الأصنام والأوثان آلهة وتعبدونها. فابتغوا عند الرزق: أي اطلبوا الرزق من الله الخلاق العليم لا من الأصنام والتماثيل المصنوعة المنحوتة بأيدي الرجال بالمعاول والفؤوس. واعبدوه: أي بالإيمان به وتوحيده واشكروه بطاعته. وإن تكذبوا: أي يا أهل مكة بعد هذا الذي عرضنا عليكم من الآيات والعبر فقد كذب أمم من قبلكم. وما على الرسول: أي محمد ﷺ . إلا البلاغ المبين: وقد بلغ وبين فبرئت ذمته وأنتم المكذبون ستحل بكم نقمة الله. معنى الآيات: هذا القصص معطوف على قصص نوح لتسلية الرسول ﷺ والمؤمنين ولتذكير قريش بأنها في إصرارها على الشرك والتكذيب للرسول ﷺ صائرة إلى ما صار إليه المكذبون من قبل إن لم تتب إلى الله وترجع إليه بالإيمان والطاعة وترك الشرك والمعاصي قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ أي (١) واذكر يا رسولنا إبراهيم خليلنا ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ البابليين ومن بينهم والده آزرْ يا قوم ﴿اعْبُدُوا اللهَ﴾ أي بتوحيده في عبادته ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ بترك الشرك والعصيان وإلا حلت بكم عقوبته ونزل بكم عذابه وقوله ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي الإيمان والتوحيد والطاعة خير لكم من الكفر والشرك والعصيان. إذ الأول يجلب الخير والثاني يجلب الشر ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الخير

стр. 2130

والشر وتفرقون بينهما وقوله ﵇ ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ يخبرهم معرفا لهم بخطئهم فيقول ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ (١) مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً﴾ أي أصناماً (٢) وتماثيل وعبادة الأصنام والأوثان عبادة باطلة لا تجلب لكم نفعا ولا تدفع عنكم ضراً. إن الذي يجب أن يعبد الخالق الرازق الضار النافع المحيي المميت السميع البصير. أما الأوثان فلا شيء في عبادتها إلا الضلال واتباع الهوى. وقوله لهم ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ أي وتصنعون كذبا تختلقونه اختلاقاً عندما تقولون في التماثيل والأصنام إنها آلهة. وقوله ﵇ لقومه ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ يخبرهم ﵇ معرفا لهم بحقيقة هم عنها غافلون وهي أن الذين يعبدونهم من دون الله لا يملكون لهم رزقاً لأنهم لا يقدرون على ذلك فما الفائدة إذاً من عبادتهم وما الحاجة الداعية إليها لولا الغفلة والجهل، ولما أبطل لهم عبادة الأصنام أرشدهم إلى عبادة الله الواحد القهار فقال ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ إن كنتم عبدتم الأصنام لذلك فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فاطلبوا عنده الرزق فإنه مالكه والقادر على إعطائه ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾ بالإيمان به وبرسوله وبتوحيده ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ (٣) ﴾ يرزقكم ويحفظ عليكم الرزق وقوله ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ذكّرهم بعلة غفلتهم ومصدر جهلهم وهي كفرهم بالبعث فأعلمهم أنهم إليه تعالى لا إلى غيره يرجعون. إذاً فليتعرفوا إليه ويعبدوه طلبا لرضاه وإكرامهم يوم يلقونه. وقوله تعالى ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ أي يا أهل مكة رسولنا وتنكروا وحينا وتكفروا بلقائنا فلستم وحدكم في ذلك ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قوم نوح وعاد وفرعون وقوم إبراهيم وأصحاب مدين وغيرهم ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ (٤) ﴾ أي رسولنا محمد ﷺ ﴿إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وقد بلغكم وأنتم الآن بين خيارين لا ثالث لهما: الأول أن تتعظوا بما أسمعناكم وأريناكم من آياتنا فتؤمنوا وتوحدوا وتطيعوا فتكملوا وتسعدوا وإما أن (٥) تبقوا على إصراركم على الشرك والكفر العصيان فسوف يحل بكم ما حل بأمثالكم، إذ كفاركم ليسو بخير من كفار أولئكم الذين انتقم الله منهم وأذاقهم سوء العذاب. هذا ما دلت عليه الآية (١٨) وهي معترضة بين الآيات التي اشتملت على قصص

стр. 2131

إبراهيم ﵇. وسر الاعتراض هو وجود فرصة في سياق الكلام قد تلفت أنظار القوم وتأخذهم بقلوبهم إذ الآيات كلها مسوقة لهدايتهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب عبادة الله وتقواه طلباً للنجاة من الخسران في الدارين. ٢- بطلان عبادة غير الله عن طريق الأدلة العقلية. ٣- ما عبد الناس الأوثان إلا من جهلهم وفقرهم فلذا يجب أن يعلموا أن الله هو ربهم المستحق لعبادتهم وأن الله تعالى هو الذي يسد فقرهم ويرزقهم ومن عداه لا يملك ذلك لهم ٤- وجوب شكر الله تعالى بحمده والثناء عليه وبطاعته وصرف النعم فيما من أجله أنعم بها على عبده. ٥- تسلية الرسول ﷺ وتأنيب المشركين من أهل مكة. أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) شرح الكلمات: أو لم يروا: أي ينظروا بأبصارهم فيعلموا بقلوبهم.

стр. 2132

يبدئ الله الخلق: أي كيف يخلق المخلوق ابتداء. ثم يعيده: أي ثم هو تعالى يعيده بعد بدئه وإفنائه يعيده لأن الإعادة أهون من البدء وقد بدأ وأفنى فهو بالضرورة قادر على الإعادة. إن ذلك: أي أن الخلق الأول والثاني هو الإعادة. على الله يسير: أي سهل لا صعوبة فيه، فكيف إذًا ينكر المشركون البعث. قل سيروا في الأرض: أي قل يا رسولنا لقومك المكذبين بالبعث سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الله الخلق وأنشأه، تستدلون بذلك على قدرته على البعث الآخر. ثم الله ينشئ النشأة الآخرة: أي يحيي الناس بعد موتهم وهو البعث الآخر الذي أنكره الجاهلون. وإليه تقلبون: أي ترجعون إليه لا إلى غيره أحياء كما كنتم فيحاسبكم ويجزيكم بأعمالكم، الحسنة بخير منها والسيئة بمثلها جزاء عادلا. وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء: أي بغالبين ولا فائتين بالهروب فإن الله غالبكم. وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير: ليس لكم من ولي يتولاكم ولا نصير ينصركم من الله تعالى. يئسوا من رحمتي: أي من دخول الجنة لأنهم كافرون أعظم كفر وهو التكذيب بالقرآن والبعث الآخر. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير أصول الدين التوحيد والنبوة البعث وقد قررت الآيات السابقة أصلي التوحيد والنبوة المحمدية وفي هذه الآيات تقرير الأصل الثالث وهو البعث والجزاء في

стр. 2133

الدار الآخرة. قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا (١) ﴾ أي أولئك المنكرون للبعث، أيكذبون؟ ولم ينظروا كيف يبدئ الله الخلق أي خلق الإنسان، فإن ذلك دال على إعادته متى أراد الله الخالق ذلك، ثم هو تعالى يعيده متى شاء، ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي الخلق والإعادة بعد الفناء والبلى ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ سهل لا يتعذر عليه أبدا. وقوله تعالى: ﴿قُلْ (٢) سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي قل يا رسولنا للمكذبين بالبعث الآخر ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ شرقاً وغرباً ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ تعالى خلق تلك المخلوقات التي تشاهدونها من أرض، وسماء، وأنهار، وأشجار، وحيوان، وإنسان، إنها كلها كانت عدما فأنشأها الله تعالى ثم هو سيفنيها ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ (٣) ﴾ وذلك بأن يعيد حياة الإنسان ليحاسبه على كسبه في الدنيا ويجزيه به خيراً أو شراً، ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ (٤) قَدِيرٌ﴾ إذاً فلا يستنكر عليه إعادة الناس أحياء بعد نهاية هذه الحياة الدنيا ليحاسبهم ويجزيهم بما كانوا يعملون. وقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ هذه فائدة وحكمة البعث الآخرة وهي المجازاة على العمل في هذه الحياة فيعذب أهل الكفر به وبرسوله والذين لم يزكوا أنفسهم بالإيمان وصالح الأعمال فيدخلهم في جهنم دار الشقاء والعذاب ويرحم أهل الإيمان والتقوى الذين زكوا أنفسهم بالإيمان والصالحات. وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أي إلى الله ربكم ترجعون بعد الموت والفناء وإنشاء النشأة الآخرة وقوله ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥) ﴾ أي الله تعالى ﴿فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ بل أنتم مقهورون له خاضعون لسلطانه لا يمكنكم من الهروب منه ولا الخلاص بحال من الأحوال. وليس لكم من دونه تعالى ولي يتولاكم فيدفع عنكم العذاب ولا نصير ينصركم فلا تُغلبون ولا تعذبون وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ التي جاءت بها

стр. 2134

رسله ﴿وَلِقَائِهِ﴾ وهو البعث الآخر الموجب للوقوف بين يدي الله للسؤال والحساب والجزاء هذا إن كان للعبد ما يحاسب عليه من الخير، أما إن لم يكن له حسنات فإنه يلقى في جهنم بلا حساب ولا وزن إذ ليس له من الصالحات ما يوزن له ويحاسب به، ولذا قال تعالى: ﴿أولئك﴾ أي المكذبون بآيات (١) الله ولقائه ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ (٢) رَحْمَتِي﴾ إذ تكذيبهم بالقرآن مانع من الإيمان والعمل الصالح وتكذيبهم بيوم القيامة مانع لهم أن يتخلوا عن الشرك والمعاصي، أو يعملوا صالحاً من الصالحات لتكذيبهم بالجزاء، فهم يائسون من الجنة. ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي موجع وهو عذاب النار في جهنم والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب استعمال العقل للاستدلال على الغائب بالحاضر وعلى المعدوم بالموجود. ٢- تقرير عقيدة البعث والجزاء وذكر أدلتها التفصيلية. ٣- تقرير عجز الإنسان التام وأنه لا مهرب له من الله تعالى ربه ومالكه وهي حال تستدعي الفرار إلى الله اليوم بالإيمان والتقوى. ٤- إنذار المكذبين بأنهم إن ماتوا على التكذيب بالبعث لا يدخلون الجنة بحال، وسيعذبون في نار جهنم أشد العذاب. فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)

стр. 2135

شرح الكلمات: فما كان جواب قومه: أي قوم إبراهيم ﵇. إلا أن قالوا اقتلوه: أي إلا قولهم اقتلوه أو حرقوه. إن في ذلك لآيات: أي في كون النار لم تحرق الخليل ويخرج منها سالما. لقوم يؤمنون: لأن المؤمنين هم الذين ينتفعون بالآيات لحياة قلوبهم. أوثاناً مودة بينكم: أي اتخذتم أوثانكم آلهة تتوادون من أجل عبادتها وتتحابون لذلك. في الحياة الدنيا: أي هذا التوادد والتحاب على الآلهة في الحياة الدنيا فقط أما الآخرة فلا. يكفر بعضكم ببعض: أي يكفر المتبوعون بأتباعهم ويتبرأون منهم. ويلعن بعضكم بعضاً: يلعن الأتباع القادة الذين اتبعوهم في الباطل. معنى الآيات: ما زال السياق في قصص (١) إبراهيم الخليل ﵇ فإنه لما أفحمهم بالحجة وبين لهم باطلهم وكشف لهم عن جهلهم وضلالهم لجأوا كعادة الطغاة من أهل الكفر والباطل إلى التهديد بالقوة فقالوا ما أخبر به تعالى عنهم: أي ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ فما كان جوابهم أي عما سمعوا من الحجج والبراهين على بطلان الشرك وصحة التوحيد ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ (٢) ﴾ أي إلا قولهم اقتلوا إبراهيم بالسيف ونحوه أو حرقوه بالنار، ونفذوا جريمتهم بالفعل وأوقدوا النار وألقوه فيها، وقال الله ﷻ للنار ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ فكانت كما أمرت وخرج إبراهيم سالماً لم تحرق النار سوى كتافه الذي شدّ به يداه ورجلاه. وهو ما دل عليه قوله تعالى ﴿فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ﴾ وقوله تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي في كون النار لم تحرق إبراهيم فيتخلف طبعها وتصبح برداً وسلاماً على إبراهيم فلم تحرقه، (آيات) أي دلائل قدرة الله تعالى ورحمته وحكمته ولكن تلك الآيات لا ينتفع بها غير المؤمنين، لأنهم أموات لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون. أما المؤمنون فهم أحياء فينتفعون بما يسمعون ويبصرون لأن الإيمان بمثابة

стр. 2136

الروح في البدن فإن وجد في القلب حيي الجسم وإن فارقه فالجسم ميت فلا العين تبصر الأحداث ولا الأذن تسمع الآيات. وقوله: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ (١) بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (٢) ﴾ هذا من جملة قول إبراهيم لقومه وهو يعظهم ويرشدهم فأخبرهم بحقيقة يتجاهلونها وهي أنهم ما اتخذوا تلك الأوثان آلهة يعبدونها إلا لأجل التعارف عليها والتوادد والتحاب من أجلها، فيقيمون الأعياد لها ويجتمعون حولها فيأكلون ويشربون لا أنهم حقيقة يعتقدون أنها آلهة وهي أحجار نحتوها بأيديهم ونصبوها تماثيل في سوح دورهم وأمام منازلهم و ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي في الآخرة فالعكس هو الذي سيحدث لهم حيث ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ (٣) بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ أي يكفر المتبوعون وهم الرؤساء بمن اتبعوهم وهم الأتباع من الدهماء وعوام الناس، ﴿ويلعن بعضكم بعضا﴾ كل من الأتباع والمتبوعين يطلب بعد الآخر عنه، وعدم الاعتراف به وذلك عند معاينة العذاب ولم تبق تلك الروابط والصلات التي كانت لهم في هذه الحياة!! وقوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ (٤) ﴾ أي ومقركم الذي يؤويكم جميعاً فتستقرون فيه هو النار ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ بعد أن أذلكم الله الذي أشركتم به أوثاناً، فجعلتموها مودة بينكم في الحياة الدنيا. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير أن الظلمة سنتهم أنهم إذا أعيتهم الحجج يلجأون إلى استعمال القوة. ٢- في عدم إحراق النار دليل على أن الله تعالى قادر على إبطال السنن إذا شاء ذلك، ومن هنا تكون الكرامات والمعجزات إذ هي خوارق للعادات. ٣- بيان أن الخرافيين في اجتماعهم على البدع لم يكن ذلك عن علم بنفع البدعة وإنما لعنصر التوادد والتعارف والتلاقي على الأكل والشرب كما قال إبراهيم لقومه ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ .

стр. 2137

فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) شرح الكلمات: فآمن له لوط: أي آمن بإبراهيم لوط وهو ابن أخيه هاران ولم يؤمن من قومه سواه. مهاجر إلى ربي: أي إلى حيث أعبد ربي فلا أفتن في ديني. ووهبنا له إسحاق ويعقوب: أي هاجر لأجلنا فأكرمناه في دار هجرته فوهبنا له ذرية هم إسحاق الابن ويعقوب الحفيد. في ذريته النبوة والكتاب: فكل الأنبياء بعده من ذريته وكل الكتب التي أنزلت بعده فهي في ذريته. وآتيناه أجره في الدنيا: وذلك بالرزق الحسن والثناء الحسن على ألسنة كافة الناس من أهل الأديان الإلهية. وإنه في الآخرة من الصالحين: أي هو أحدهم، فيكرم كما يكرمون بالدرجات العلا، والصالحون هم أنبياء الله ورسله وأولياؤه وصالحو عباده. معنى الآيات: هذا آخر قصص إبراهيم الخليل في هذا السياق الكريم فأخبر تعالى أن إبراهيم بعد الجهاد الطويل في الدعوة إلى عبادة الرحمن الرحيم لم يؤمن له ولم يتابعه على الحق الذي دعا إليه إلا لوط بن هاران أخيه فقال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ﴾ أي إبراهيم ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى (١) رَبِّي﴾ فترك بلاد قومه من (٢) سواد العراق وارتحل إلى أرض الشام فأكرمه الله تعالى جزاء

стр. 2138

هجرته إلى ربه بما أخبر به في هذا السياق حيث قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ (١) وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ وهبه أي أعطاه ولده إسحاق بن سارة وولد إسحاق وهو يعقوب، وجعل كافة الأنبياء من ذريته وجعل الكتاب فيهم أيضاً فالتوراة أنزلت على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى وهم من ذرية إبراهيم، والقرآن الكريم أنزل على محمد ﷺ وهو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم وقول إبراهيم هو كما قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ وصف ربه بالعزة والحكمة. فقال: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ (٢) الْحَكِيمُ﴾ أي الغالب القاهر ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي وضع كل شيء في موضعه، ودلائل العزة أن أنجى إبراهيم من أيدي الظلمة الطغاة ومن مظاهر الحكمة أن نقله من أرض لا خير فيها إلى أرض كلها خير وأكرمه فيها بما ذكره في قوله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ حيث رزقه أطيب الأرزاق في دار هجرته ورزقه الثناء الحسن من كل أهل الأديان الإلهية كاليهودية والنصرانية، والإسلام وهو خاتم الأديان هذا في الدنيا وأما في الآخرة فإنه من الصالحين ذوي الدرجات العلا والمنازل العالية في مواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان حصيلة دعوة إبراهيم كذا سنة وأنها كانت إيمان واحد بها وهو لوط ﵇ وفي هذا تسلية للرسول الكريم ﷺ . ٢- بيان إكرام الله تعالى لمن يهاجر إليه ويترك أهله وداره. ٣- بيان ما أكرم الله تعالى به إبراهيم من خير الدنيا والآخرة جزاء صبره على دعوة الله تعالى. وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ

стр. 2139

فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) شرح الكلمات: ولوطاً إذ قال لقومه: أي اذكر إذ قال لوط بن هاران لقومه أهل سدوم. أئنكم لتأتون الفاحشة: أي الخصلة القبيحة وهي إتيان الذكران في أدبارهم. ما سبقكم بها من أحد: أي لم تعرف البشرية قبل قوم لوط إتيان الذكران في أدبارهم. وتقطعون السبيل: أي باعتدائكم على المارة في السبيل فامتنع الناس من المرور خوفاًَ منكم. وتأتون في ناديكم المنكر: أي مجالس أحاديثكم تأتون المنكر كالضراط وحل الإزار والفاحشة أي اللواط. فما كان جواب قومه: أي إلا قولهم ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين. معنى الآيات: هذا بداية قصص لوط ﵇ مع قومه أهل سدوم وعمورية والغرض من سياقه تقرير النبوة المحمدية إذ مثل هذه القصص لا يتم لأحد إلا من طريق الوحي، وتسلية الرسول من أجل ما يلاقي من عناد المشركين ومطالبتهم بالآيات والعذاب قال تعالى: واذكر يا رسولنا لقومك (١) لوطاً ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ وهي الفعلة القبيحة ويزيدها قبحاً أن الناس قبل قوم لوط لم تحدث فيهم هذه الخصلة ولم يعرفها أحد من العالمين، ثم يواصل لوط إنكاره وتشنيعه عليهم فيقول: ﴿أَإِنَّكُمْ (٢) لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ أي في أدبارهم ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ وذلك أنهم كانوا يعتدون على المارة بعمل الفاحشة معهم قسراً وبسلب أموالهم وبذلك امتنع الناس من المرور فانقطعت السبيل، كما أنهم بإتيانهم الذكران عطلوا النسل

стр. 2140

بقطع سبيل الولادة، وزاد لوط في تأنيبهم والإنكار عليهم والتوبيخ لهم فقال ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ والنادي محل اجتماعهم وتحدثهم وإتيان المنكر فيه كان بارتكاب الفاحشة مع بعضهم بعضا، وبالتضارط فيه، وحل الإزار، والقذف بالحصى وما إلى ذلك (١) مما يؤثر عنهم من سوء وقبح. قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ بعد أن أنّبهم ووبخهم ناهيا لهم عن مثل هذه الفواحش ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا (٢) بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي ما كان جوابهم إلا المطالبة بعذاب الله، وهذه طريقة الغلاة المفسدين والظلمة المتكبرين، إذا أعيتهم الحجج لجأوا إلى القوة يستعملونها أو يطالبون بها. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣) ﴾ أي لما طالبوه بالعذاب، وقد أعياه أمرهم لجأ إلى ربه يطلب نصره على قومه الذين كانوا شر قوم وجدوا على وجه الأرض واستجاب الله تعالى له ونصره وسيأتي بيان ذلك في الآيات بعد. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير النبوة المحمدية بذكر قصص لا يتم إلا عن طريق الوحي. ٢- تسلية الرسول ﷺ من أجل ما يعاني من المشركين من كفر وعناد ومطالبة بالعذاب. ٣- قبح الفاحشة وحرمتها وأسوأها فاحشة اللواط. ٤- وجوب إقامة الحد على اللوطيّ الفاعل والمفعول لأن الله تعالى سماها فاحشة وسمى الزنا فاحشة ووضع حداً للزنى فاللوطية تقاس عليه، وقد صرحت السنة بذلك فلا حاجة إلى القياس. ٥- التحذير من العبث والباطل قولا أو عملاً وخاصة في الأندية والمجتمعات.
следующие страницы →