شرح الكلمات:
قالوا ربنا الله: قالوا ذلك معلنين عن إيمانهم بأن الله هو ربهم الذي لا رب لهم غيره وألههم الذي لا إله لهم سواه.
ثم استقاموا: أي ثبتوا على ذلك فلم يبدلوا ولم يغيروا ولم يتركوا عبادة الله بفعل الأوامر وترك النواهي.
تتنزل عليهم الملائكة: أي عند الموت وعند الخروج من القبر بحيث تتلقاهم هناك.
أن لا تخافوا ولا تحزنوا: أي بأن لا تخافوا مما أنتم مقبلون عليه فإنه رضوان الله وحمته ولا تحزنوا عما خلفتم رواءكم.
نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة: أي فبحكم ولايتنا لكم في الدنيا والآخرة فلا تخافوا ولا تحزنوا.
ولكم فيها ما تدعون: أي ولكم فيها ما تطلبون من سائر المشتهيات لكم.
نزلا من غفور رحيم: أي رزقاً مهيأً لكم من فضل رب غفور رحيم.
معنى الآيات:
لما بين تعالى حال الكافرين في الدار الآخرة وهي أسوأ حال بين حال المؤمنين في الآخرة وهي أحسن حال وأطيب مآل فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا (١) اللهُ﴾ أي لا ربّ لنا غيره ولا إله لنا سواه، ثم استقاموا (٢) فلم يشركوا به في عبادته أحداً فأدوا الفرائض واجتنبوا النواهي وماتوا على ذلك هؤلاء تتنزل عليهم الملائكة أي تهبط عليهم وذلك عند الموت بأن تقول لهم لا تخافوا على ما أنتم مقدمون عليه من البرزخ والدار الآخرة ولا تحزنوا على ما خلفتم وراءكم وأبشروا (٣) بالجنة دار السلام التي كنتم توعدونها في الكتاب وعلى لسان الرسول. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا إذ
стр. 2592
كنا نسددكم ونحفظكم من الوقوع في المعاصي، وفي الآخرة نستقبلكم عند الخروج من قبوركم حتى تدخلوا جنة ربكم. ولكم فيها أي في الجنة ما تشتهي أنفسكم من الملاذ ولكم فيها ما تدعون أي تطلبون مما ترغبون فيه وتشتهون. نزلا أي قرىً وضيافة من لدن ربّ غفور لكم رحيم بكم لا إله إلا هو ولا رب سواه.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- فضل الإيمان والاستقامة عليه بأداء الفرائض واجتناب النواهي.
٢- بشرى أهل الإيمان والاستقامة عند الموت بالجنة وهؤلاء هم أولياء الله المؤمنون المتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وهي هذه وفي الآخرة عند خروجهم من قبورهم.
٣- في الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ولأحدهم كل ما يطلبه ويدعيه وفوق ذلك النظر إلى وجه الله الكريم وتلقي التحية منه والتسليم.
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)
شرح الكلمات:
ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله: أي لا أحد أحسن قولا منه أي ممن دعا إلى توحيد الله وطاعته.
وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين: وعمل صالحاً وهي شرط أيضاً وقال إنني من المسلمين شرط ثالث.
стр. 2593
ولا تستوي الحسنة ولا السيئة: أي لا تكون الحسنة كالسيئة ولا السيئة كالحسنة.
ادفع بالتي هي أحسن: أي ادفع أيها المؤمن السيئة بالخصلة التي هي أحسن كالغضب بالرضى، والقطيعة بالصلة.
كأنه ولي حميم: أي كأنه صديق قريب في محبته لك إذا فعلت ذلك.
وما يلقاها إلا الذين صبروا: أي وما يعطى هذه الخصلة التي هي أحسن.
إلا ذو حظ عظيم: أي ثواب عظيم وأجر جزيل هذا في الآخرة وأما في الدنيا فالخلق الحسن والكمال.
وإما ينزغنك من الشيطان نزغ: أي وإن يوسوس لك الشيطان بترك خير أو فعل شر.
فاستعذ بالله: أي فاستجر بالله قائلاً أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
إنه هو السميع العليم: أي هو تعالى السميع لأقوال عباده العليم بما يصيبهم وينزل بهم.
معنى الآيات:
لما ذكر تعالى بشرى أهل الإيمان وصالح الأعمال ذكر هنا بشرى ثانية لهم أيضاً فقال: ﴿وَمَنْ (١) أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ هذه ثلاثة شروط الأول دعوته إلى الله تعالى بأن يعبد فيطاع ولا يعص ويذكر ولا ينسى، ويشكر ولا يكفر والثاني وعمل صالحاً فأدى الفرائض واجتنب المحارم، والثالث وفاخر بالإسلام معتزا به وقال إنني من المسلمين، فلا أحد أحسن قولاً من هذا الذي ذكرت شروط كماله، ويدخل في هذا أولا الرسل، وثانياً العلماء، وثالثاً المجاهدون ورابعاً المؤذنون وخامساً الدعاة الهداة المهديون هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٢٣) . وقوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ هذا تقرير إلهي يجب أن يعلم وهو أن الحسنة لا تستوي (٢) مع السيئة وأن السيئة لا تستوي مع الحسنة فالإيمان لا يساوى بالكفر، والتقوى لا يساوى بالفجور، والعدل لا يساوى بالظلم.
كما أن جنس الحسنات لا يتساوى، وجنس السيئات لا يتساوى بل يتفاضل فصيام رمضان لا يساوى بصيام رجب أو محرم تطوعاً، وسيئة قتل المؤمن لا تستوي مع شتمه أو ضربه وقوله
стр. 2594
تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (١) ﴾ أي بعد أن عرفت يا رسولنا عدم تساوي الحسنة مع السيئة إذاً فادفع السيئة بالخصلة التي هي أحسن من غيرها فإذا الذي (٢) بينك وبينه عداوة قد انقلب في بره بك واحترامه لك واحتفائه بك كأنه ابن عم لك يحبك ويحترمك ولما كانت هذه الخصلة وهي الدفع بالتي هي أحسن لا تتأتى إلا لذوي الأخلاق الفاضلة والنفوس الكاملة الشريفة قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي وما يعطى هذه الخصلة ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ فكان الصبر خلقاً من أخلاقهم ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ في الأخلاق والكمال النفسي، في الدنيا، والآخرة والأجر العظيم وهو الجنة في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ (٣) بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يرشد الرب تعالى عبده ورسوله وكل فرد من أفراد أمته إن نزغه من الشيطان نزغ بأن وسوس له بفعل شر أو ترك خير، أو خطر له خاطر سوء أن يفزع إلى الله تعالى يستجير به فإن الله تعالى هو السميع العليم فالاستجارة به من الشيطان تحمي العبد وتقيه من وسواس الشيطان وما يلقيه في النفس من خواطر سيئة، ولله الحمد والمنة على هذا الإرشاد الرباني الذي لا يستغني عنه أحد من عباده.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان فضل الدعوة إلى الله تعالى وشرف الدعاة العاملين.
٢- فضل الإسلام والاعتزاز به والتفاخر الصادق به.
٣- تقرير أن الحسنة لا تتساوى مع السيئة. كما أن الحسنات تتفاوت والسيئات تتفاوت.
٤- وجوب دفع السيئة من الأخ المسلم بالحسنة من القول والفعل.
٥- فضل العبد الذي يكمل في نفسه وخلقه فيصبح يدفع السيئة بالحسنة.
стр. 2595
١- وجوب الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم إذا وسوس أو ألقى بخاطر سوء إذ لا يقي منه ولا يحفظ إلا الله السميع العليم.
وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)
شرح الكلمات:
ومن آياته: أي من جملة آياته الدالة على ألوهية الرب تعالى وحده.
الليل والنهار: أي وجود الليل والنهار والشمس والقمر.
لا تسجدوا للشمس ولا للقمر: أي لا تعبدوا الشمس ولا القمر فإنهما من جملة مخلوقاته الدالة عليه.
إن كنتم إياه تعبدون: أي إن كنتم حقاً تريدون عبادته فاعبدوه وحده فإن العبادة لا تصلح لغيره.
فالذين عند ربك: أي الملائكة.
وهم لا يسأمون: أي لا يملون من عبادته ولا يكلون.
ترى الأرض خاشعة: يابسة جامدة لا نبات فيها ولا حياة.
اهتزت وربت: أي تحركت، وانتفخت وظهر النبات فيها.
إن الذي أحياها لمحيي الموتى: أي إن الذي أحيا الأرض قادر على إحياء الموتى يوم القيامة.
стр. 2596
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي ومن جملة آياته العديدة الدالة على وجوده وقدرته وعلمه وحكمته والموجبة للإيمان به وعبادته وتوحيده، الليل والنهار وتعاقبهما وانتظام ذلك بينهما فليس الليل سابق النهار، وكذا الشمس والقمر خلقهما وسيرهما في فلكيهما بانتظام ودقة فائقة وحساب دقيق وعليه فلا تسجدوا (١) للشمس ولا القمر أيها الناس فإنهما مخلوقان من جملة المخلوقات، ولكن اسجدوا لخالقهما إن كنتم إياه تعبدون (٢) كما تزعمون. ثم قال تعالى لرسوله: فإن أبوا أن يستجيبوا لك ويسمعوا منك ما قلت لهم مستكبرين فاعلم أن الذين عند ربك وهم الملائكة يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون من ذلك ولا يملون.
وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي علامات قدرته على إحياء الموتى (٣) للبعث والجزاء إنك أيها الإنسان ترى الأرض أيام المحل والجدب هامدة جامدة لا حركة لها فإذا أنزل الله تعالى عليها ماء المطر اهتزت وربت أي تحركت تربتها وانتفخت وعلاها النبات وظهرت فيها الحياة كذلك إذا أراد الله إحياء الموتى أنزل عليهم ماء من السماء وذلك بين النفختين نفخة الفناء ونفخة البعث فينبتون كما ينبت البقل وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ﴾ تعالى على فعل كل شيء وأراده قدير لا يمتنع عنه ولا يعجزه، وكيف لا، وهو إذا أراد شيئاً إنما يقول له كن فيكون.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير التوحيد بالأدلة القطعية الموجبة لله العبادة دون غيره من خلقه.
٢- بيان أن هناك من الناس من يعبدون الشمس ويسجدون لها من العرب والعجم وأن ذلك شرك باطل فالعبادة لا تكون للمخلوقات الخاضعة في حياتها للخالق وإنما تكون لخالقهما ومسخرها لمنافع خلقه.
٣- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر دليل من أظهر الأدلة وهو موت الأرض بالجدب ثم حياتها
стр. 2597
بالغيث، إذ لا فرق بين حياة النبات والأشجار في الأرض بالماء وبين حياة الإنسان بالماء كذلك في الأرض بعد تهيئة الفرصة لذلك بعد نفخة الفناء ومضي أربعين عاماً عليها ينزل من السماء ماء فيحيا الناس وينبتون من عجب الذنب كما ينبت النبات، بالبذرة الكامنة في التربة.
١- تقرير قدرة الله على كل شيء أراده، وهذه الصفة خاصة به تعالى موجبة لعبادته وطاعته. بعد الإيمان به وتأليهه.
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)
شرح الكلمات:
يلحدون في آيات الله: أي يجادلون فيها ويميلون بها فيؤولونها على غير تأويلها لإبطال حق أو إحقاق باطل.
لا يخفون علينا: أي إنهم مكشوفون أمامنا وسوف نبطش بهم جزاء إلحادهم.
أم من يأتي آمنا يوم القيامة: أي نعم الذي يأتي آمنا يوم القيامة خير ممن يلقى في النار.
اعملوا ما شئتم: هذا تهديد لهم على إلحادهم وليس إذناً لهم في العمل كما شاءوا.
إن الذين كفروا بالذكر: أي جحدوا بالقرآن أو ألحدوا فيه فكفروا بذلك.
وإنه لكتاب عزيز: أي القرآن لكتاب عزيز أي منيع لا يقدَر على الزيادة فيه ولا النقص منه.
لا يأتيه الباطل من بين يديه: أي لا يقدر شيطان من الجن والإنس أن يزيد فيه شيئاً وهذا معنى من بين يديه.
ولا من خلفه: أي ولا يقدر شيطان من الجن والإنس أن ينقص منه شيئا
стр. 2598
وهذا معنى من خلفه، كما أنه ليس قبله كتاب ينتقصه، ولا بعده كتاب ينسخه، فهو كله حق وصدق ليس فيه ما لا يطابق الواقع.
معنى الآيات:
يتوعد الجبار الذين يلحدون في آيات كتابه بالتحريف والتبديل والتغيير بأنهم لا يخفون عليه، وأنه سينزل بهم نقمته إن لم يكفوا عن إلحادهم.
وقوله: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إذا كان لا يوجد عاقل يقول الذي يلقى النار خير ممن يأتي آمناً يوم القيامة فالإلقاء في النار سببه الكفر والإلحاد والباطل فليترك هذه من أراد النجاة من النار، والأمن يوم القيامة من كل خوف من النار وغيرها سببه الإيمان والتوحيد فليؤمن ويوحد الله تعالى في عبادته ولا يلحد في آياته من أراد الأمن يوم القيامة بعلمه أنه خير من الإلقاء في النار. هذا أسلوب في الدعوة عجيب انفرد به القرآن الكريم.
وقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ (١) إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٢) بَصِيرٌ﴾ هذا الكلام يقال للمستهزئين بالأحكام الشرعية المستخفين بها فهو تهديد لهم وليس إذناً وإباحةً لهم أن يفعلوا ما شاءوا من الباطل والشرك والشر، ويدل على التهديد قوله بعد إنه بما تعملون بصير.
ومثله قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ (٣) كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ أي القرآن، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ (٤) أي منيع بعيد المنال لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه بالزيادة والنقصان أو التبديل والتغيير.
ولما كان المراد من هذا الكلام التهديد سكت عن الخبر إذ هو أظهر من أن يذكر والعبارة قد تقصر عن أدائه بالصورة الواقعة له. وقد يقدر لنفعلن بهم كذا كذا ...
وقوله ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أي القرآن المنيع كماله وشرفه ومناعته أتته أنه تنزيل من حكيم في أفعاله وسائر تصرفاته حميد بذلك وبغيره من فواضله وآلائه ونعمه.
стр. 2599
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- حرمة الإلحاد في آيات الله بالميل بها عن القصد والخروج بها إلى الباطل.
٢- التهديد الشديد لكل من يحرف آيات الله أو يؤولها على غير مراد الله منها.
٣- تقرير مناعة القرآن وحفظ الله تعالى له، وأنه لا يدخله النقص (١) ولا الزيادة إلى أن يرفعه الله إليه إذ منه بدأ وإليه يعود.
مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)
стр. 2600
شرح الكلمات:
ما يقال لك: أي من التكذيب أيها الرسول محمد ﷺ .
إلا ما قد قيل للرسل من قبلك: أي من التكذيب لهم والكذب عليهم.
إن ربك لذو مغفرة: أي ذو مغفرة واسعة تشمل كل تائب إليه صادق في توبته.
وذو عقاب أليم: أي معاقبة شديدة ذات ألم موجع للمصرين على الكفر والباطل.
ولو جعلناه قرآنا أعجمياً: أي القرآن كما اقترحوا إذ قالوا: هلا أنزل القرآن بلغة العجم.
لقالوا: لولا فصلت آياته: أي بينت حتى نفهمها.
أأعجمي وعربي: أي أقرآن أعجمي والمنزل عليه وهو النبي عربي يستنكرون ذلك تعنتاً منهم وعناداً ومجاحدة.
هدى وشفاء: أي هدى من الضلالة، وشفاء من داء الجهل وما يسببه من أمراض.
والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر: أي ثقل فهم لا يسمعونه وهو عليهم عمى فلا يفهمونه.
أولئك ينادون من مكان بعيد: والمنادى من مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم ما ينادى له.
ولقد آتينا موسى الكتاب: أي التوراة.
فاختلف فيه: أي بالتصديق والتكذيب في العمل ببعض ما فيه وترك البعض الآخر كما هي الحال في القرآن الكريم.
ولولا كلمة سبقت من ربك: أي ولولا الوعد بجمع الناس ليوم القيامة وحسابهم ومجازاتهم هناك.
لقضي بينهم: أي لحكم بين المختلفين اليوم وأكرم الصادقون وأهين الكاذبون.
وما ربك بظلام للعبيد: أي وليس ربك يا رسولنا بذي ظلم للعبيد.
معنى الآيات:
بعد توالي الآيات الهادية من الضلالة الموجبة للإيمان كفار قريش لا يزيدهم ذلك إلا عناداً وإصراراً على تكذيب الرسول والكفر به وبما جاء به من عند ربه، ولما كان الرسول بشراً يحتاج إلى عون حتى يصبر أنزل تعالى هذه الآيات في تسليته ﷺ وحمله على الثبات والصبر فقال
стр. 2601
تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ﴾ (١) يا رسولنا من الكذب عليك والتكذيب لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك. وقوله تعالى: إن ربك لذو مغفرة أي لمن تاب فلذا لا يتعجل بإهلاك المكذبين رجاء أن يتوبوا ويؤمنوا ويوحدوا، وذو عقاب أليم أي موجع شديد لمن مات على كفره.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً﴾ أي كما اقترح بعض المشركين، لقالوا: ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ أي هلاّ بينت آياته لنا حتى نفهمها، ثم قالوا: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ (٢) وَعَرَبِيٌّ﴾ أي أقرآن أعجمي (٣) ونبي عربي مستنكرين ذلك متعجبين منه وكل هذا من أجل الإصرار على عدم الإيمان بالقرآن الكريم والنبي الكريم وتوحيد الرب الكريم.
ولما علم تعالى ذلك منهم أمر رسوله أن يقول لهم قل هو أي القرآن الكريم هدى وشفاء (٤) هدى يهتدى به إلى سبيل السعادة الكمال والنجاح، وشفاء من أمراض الشك والشرك والنفاق والعجب والرياء والحسد والكبر، والذين لا يؤمنون بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً هو أي القرآن في آذانهم وقر أي حمل ثقيل أولئك ينادون من مكان بعيد ولذا فهم لا يسمعون ولا يفهمون.
هذه تسلية وأخرى في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أي التوراة فاختلفوا فيه فمنهم المصدق ومنهم المكذب، ومنهم العامل بما فيه المطبق ومنهم المعرض عنه المتبع لهواه وشيطانه الذي أغواه وقوله تعالى ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ (٥) مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ فيما اختلفوا فيه لحكم لأهل الصدق بالنجاة وأهل الكذب بالهلاك والخسران وقوله: إنهم لفي شك منه أي من القرآن مريب أي موقع في الريبة وذلك من جراء محادته والمعاندة والمجاحدة، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ وهذه تسلية أعظم فإن من عمل صالحاً في حياته بعد الإيمان فإن جزاءه قاصر عليه ينتفع به دون سواه، ومن أساء أي عمل السوء وهو ما يسوء النفس من الذنوب والآثام فعلى نفسه عائد سوءه الذي عمله ولا يعود على غيره، وأخرى في قوله تعالى وما ربك بظلام للعبيد (٦) أي ليس هو تعالى بذي ظلم لعباده. فقوله تعالى من عمل صالحاً فلنفسه عائد ذلك ومن أساء فعليها أي عائد الإساءة إن فيه لتسلية لكل من أراد أن يتسلى ويصبر.
стр. 2602
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تسلية الرسول أي حمله على الصبر والسلوان ليواصل دعوته إلى نهايتها.
٢- بيان مدى ما كان عليه المشركون من التكذيب للرسول والمعاندة والمجاحدة.
٣- القرآن دواء وشفاء لأهل الإيمان، وأهل الكفر فهم على العكس من أهل الإيمان.
٤- بيان سنة الله في الأمم السابقة في اختلافها على أنبيائها وما جاءتها به من الهدى والنور.
٥- قوله تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ﴾ أجري مجرى المثل عند العالمين.
٦- نفي الظلم عن الله مطلقاً (١) .
стр. 2603
الجزء الخامس والعشرون
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)
إليه يرد علم الساعة (١) : أي إلى الله يرد علم الساعة أي متى تقوم إذ لا يعلمها إلا هو.
شرح الكلمات
وما تخرج من ثمرات من أكمامها: أي من أوعيتها واحد الأكمام كِمّ وكم الثوب مخرج اليد.
وما تحمل من أنثى: أي من أي جنس كان إنساناً أو حيواناً.
ولا تضع إلا بعلمه: أي ولا تضع حملهما إلا ملابسا بعلم الله تعالى المحيط بكل شيء.
قالوا آذناك: أي أعلمناك الآن.
ما منا من شهيد: أي ليس منا من يشهد بأن لك شريكاً أبداً.
وظنوا ما لهم من محيص: أي أيقنوا أنه مالهم من مهرب من العذاب.
معنى الآيات:
يخبر تعالى أن علم الغيب انحصر فيه فليس لأحد من خلقه علم الغيب وخاصة علم الساعة أي علم قيامها متى تقوم؟ كما أخبر عن واسع علمه وأنه محيط بكل الكائنات فما تخرج من ثمرة من كمها (٢) وعائها وتظهر منه إلا يعلمها على كثرة الثمار والأشجار ذات الأكمام، وما تحمل (٣) من أنثى بجنين ولا تضعه يوم ولادته أو إسقاطه إلا يعلمه أي يتم ذلك بحسب علمه تعالى وإذنه، وهذه مظاهر الربوبية المستلزمة للألوهية فلا إله غيره ولا رب سواه، ومع هذا فالجاهلون يتخذون له شركاء أنداداً من أحجار وأوثان يعبدونها معه ظلماً وسفها. ﴿وَيَوْمَ (٤) يُنَادِيهِمْ﴾ وذلك يوم القيامة ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ ؟ أي الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء لي، فيتبرءون منهم ويقولون: آذناك
стр. 2604
أعلمناك الآن أنه ما منا من شهيد يشهد بأن لك شريكاً إنه لا شريك لك وضل عنهم أي غاب عنهم ما كانوا يدعون من قبل في الدنيا، وظنوا أيقنوا ما لهم من محيص أي مهرب من عذاب الله.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- استئثار الله تعالى بعلم الغيب وخاصة علم متى تقوم الساعة.
٢- إحاطة علم الله تعالى بكل شيء فما تخرج من ثمرة من أوعيتها ولا تحمل من أنثى ولا تضع حملها إلا بعلم الله تعالى وإذنه.
٣- براءة المشركين يوم القيامة من شركهم، وغياب شركائهم عنهم.
لا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)
شرح الكلمات:
لا يسأم الإنسان من دعاء الخير: أي لا يمل ولا يكل من سؤال طلب المال والصحة والعافية.
وإن مسه الشر فيئوس قنوط: أي المرض والفقر وغيرهما فيؤوس من رحمة الله قنوط ظاهر عليه اليأس.
من بعد ضراء مسته: أي من بعد شدة أصابته وبلاء نزل به.
ليقولن هذا لي: أي استحققته بعملي ومما لي من مكانة.
وما أظن الساعة قائمة: أي ينكر البعث ويقول: ما أظن الساعة قائمة.
إن لي عنده للحسنى: أي وعلى فرض صحة ما قالت الرسل من البعث إن لي عند الله الجنة.
стр. 2605
أعرض ونأى بجانبه: أي أعرض عن الشكر ونأى بجانبه متبختراً مختالاً في مشيته.
فذو دعاء عريض: أي فهو ذو دعاء لربه طويل عريض يا رباه يا رباه.
معنى الآيات:
يخبر تعالى عن الإنسان (١) الكافر الذي لم تزك نفسه ولم تطهر روحه بالإيمان وصالح الأعمال إنه لا يسأم ولا يمل من دعاء الخير (٢) أي المال والولد والصحة والعافية فلا يشبع من ذلك بحال. ولئن مسه الشر من ضر وفقر ونحوهما فهو يئوس (٣) قنوط يؤوس من الفرج وتبدل الحال من عسر إلى يسر قنوط ظاهر عليه آثار اليأس في منطقه وفي حاله كله هذا ما تضمنته الآية الأولى (٤٩) ﴿لا يَسْأَمُ (٤) الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ﴾ وأما الآية (٥٠) فإن الله تعالى يخبر أيضا عن الإنسان الكافر إذا أذاقه الله رحمة منه من مال وصحة واجتماع شمل مثلا، وذلك من بعد ضراء مسته من مرض وفقر ونحوهما ليقولن لجهله وسفهه: هذا لي أي استحققته بمالي من جهد ومكانة وعلم وإذا ذكر بالساعة من أجل أن يرفق أو يتصدق يقول ما أظن الساعة قائمة كما تقولون وإن قامت على فرض صحة قولكم إن لي عنده أي عند الله للحسنى أي للحالة الحسنى من غنى وغيره (٥) وجنة إن كانت كما تقولون.
وقوله تعالى ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ أي يوم القيامة عند عرضهم علينا، ولنذيقنهم من عذاب غليظ يخلدون فيه لا يخرجون منه أبداً.
وقوله تعالى في الآية الأخيرة (٥١) ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ﴾ بنعمة المال والولد والصحة أعرض عن ذكرنا وشكرنا وتخلى عن طاعتنا ونأى (٦) بجانبه متباعداً متبختراً مختالاً يكاد يضاهي الطاووس في مشيته. وإذا سلبناه ذلك ومسه الشر من مرض وفقر وجهد وبلاء فهو ذو دعاء عريض لنا يا رب يا رب يا رب. هذا ليس الرجل الأول الذي ييأس ويقنط، ذاك كافر، وهذا مؤمن ضعيف الإيمان جاهل لا أدب عنده ولا خلق. وما أكثر هذا النوع من الرجال في المسلمين اليوم والعياذ
стр. 2606
بالله تعالى فالأول عائد إلى ظلمة نفسه بالكفر، وهذا عائد إلى سوء تربيته وسوء خلقه وظلمة جهله.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان حال الإنسان قبل الإيمان فإنه يكون أحط المخلوقات قدراً وأضعفها شأناً.
٢- تقرير عقيد البعث والجزاء بذكر بعض الأحداث فيها.
٣- ذم اليأس والقنوط والكبر والاختيال، والكفر للنعم ونسيان المنعم وعدم شكره.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)
شرح الكلمات:
قل أرأيتم إن كان من عند الله: أي أخبروني إن كان القرآن من عند الله كما قال النبي ﷺ .
ثم كفرتم به: أي ثم كفرتم به بعد العلم أنه من عند الله.
من أضل ممن هو في شقاق بعيد: أي من يكون أضل منكم وأنتم في شقاق بعيد؟ لا أحد.
في الآفاق وفي أنفسهم: أي في أقطار السموات والأرض من المخلوقات وأسرار خلقها وفي أنفسهم من لطائف الصنعة وعجائب وبدائع الحكمة.
حتى يتبين لهم أنه الحق: أي أن القرآن كلام الله ووحيه إلى رسوله حقاً، وأن الإسلام حق.
ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم: أي في شك من البعث الآخر حيث يعرضون على الله تعالى.
ألا إنه بكل شيء محيط: أي علما وقدرة وعزة وسلطاناً.
معنى الآيات:
يأمر تعالى رسوله ﷺ أن يقول للمكذبين بالوحي الإلهي الذي يمثله القرآن الكريم حيث قالوا فيه شعر وسحر وأساطير الأولين يأمره أن يقول لهم مستفهماً لهم أرأيتم أي أخبروني إن كان أي القرآن الذي كذبتم به من عند الله وكفرتم به أي كذبتم؟ من يكون أضل منكم وأنتم تعيشون في
стр. 2607
شقاق بعيد (١) اللهم لا أحد يكون أضل منكم عن طريق الهدى إذاً فلم لا تثوبون إلى رشدكم وتؤمنون بآيات ربكم فتكملوا عليها وتسعدوا.
ثم قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ (٢) آيَاتِنَا﴾ على صدقنا وصدق رسولنا فيما أخبرناهم به ودعوناهم إليه من الإيمان والتوحيد والبعث والجزاء وذلك في (٣) الآفاق أي من أقطار السموات والأرض مما ستكشف عنه الأيام من عجائب تدبير الله ولطائف صنعه. وفي أنفسهم (٤) أيضاً أي في ذواتهم حتى يتبين لهم أنه الحق، من ذلك فتح القرى والأمصار وانتصار الإسلام كما أخبر به القرآن، ووقعة بدر وفتح مكة من ذلك وما ظهر لِحَدِّ الآن من كشوفات في الآفاق وفي الأنفس مما أشار إليه القرآن ما هو أعجب من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فنظام الزوجية الساري في كل جزئيات الكون شاهد قوي على صدق القرآن وأنه الحق من عند الله، وأن الله حق وأن الساعة حق وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ (٥) بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ؟﴾ هذا توبيخ لهؤلاء المكذبين بإعلامهم أن شهادة الله كافية في صدق محمد وما جاء به إن الله هو المخبر بذلك والآمر بالإيمان به فكيف يطالبون بالآيات على صدق القرآن ومن نزل عليه والله المرسل للرسول والمنزل للكتاب وقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ إعلام منه تعالى بما عليه القوم من الشك في البعث والجزاء وهو الذي سبب لهم كثيراً من أنواع الشر والفساد. وقوله: ﴿أَلا إِنَّهُ (٦) بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ علماً وقدرة وعزة وسلطاناً فما أخبر به عنهم من علمه وما سيجزيهم به من عذاب إن أصروا على كفرهم من قدرته وعزته. ألا فليتق الله امرؤ مصاب بالشك في البعث وكل الظواهر دالة على حتميته ووقوعه في وقته المحدد له.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- التنديد بالكفر بالقرآن والتكذيب بما جاء فيه من الهدى والنور.
٢- لا أضل ممن يكذب بالقرآن لأنه يعيش في خلاف وشقاق لا أبعد منه.
٣- صدق وعد الله تعالى حيث أرى المشركين وغيرهم آياته في الدالة على وحدانيته وصحة دينه وصدق أخباره ما آمن عليه البشر الذين لا يعدون كثرة.
стр. 2608
١- ما من اكتشاف ظهر ويظهر إلا والقرآن أدخله في هذه الآية سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم.
٢- الإشارة إلى أن الإسلام سيعلم صحته وسيدين به البشر أجمعون في يوم ما من الأيام.
٣- تقرير البعث والجزاء ومظاهر قدرة الله تعالى المقررة له.
стр. 2609
سورة الشورى
مكية
وآياتها ثلاث وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)
شرح الكلمات:
حم عسق (١) : هذه أحد الحروف المقطعة تكتب هكذا: حم عسق وتقرأ هكذا: حا ميمْ عَيْنْ سِيْنْ قَافْ.
كذلك يوحي (٢) إليك وإلى الذين من قبلك: أي مثل ذلك الإيحاء يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الذي يوحى إليك.
له ما في السموات وما في الأرض: أي خلقاً وملكاً وتصرفاً.
وهو العزيز الحكيم: أي العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره لأوليائه.
يتفطرن من فوقهن: أي يتشققن من عظمة الرحمن وجلاله.
والذين اتخذوا من دونه أولياء: أي آلهة يعبدونها.
стр. 2610
الله حفيظ عليهم: أي يحصي لهم أعمالهم ويجزيهم بها.
وما أنت عليهم بوكيل: أي ولست موكلا بحفظ أعمالهم وإنما عليك البلاغ.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿حم عسق﴾ الله أعلم بمراده به وقد تقدم التنبيه إلى أن هذا من المتشابه الذي يجب الإيمان به وتفويض أمر فهم معناه إلى منزله وهو الله وقد ذكرنا أن له فائدتين جليلتين تقدمتا في كثير من فواتح السور المبدوءة بمثل هذه الحروف المقطعة فليرجع إليها.
وقوله ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ (١) ﴾ أي مثل ذلك الإيحاء بأصول الدين الثلاثة وهي التوحيد والنبوة والبعث يوحي إليك بمعنى أوحى إليك وإلى الذين من قبلك من الرسل الله العزيز (٢) في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره لأوليائه وقوله ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ (٣) وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي خلقاً وملكاً وهو العلي أي ذو العلو المطلق على خلقه العظيم في ذاته وشأنه وحكمه وتدبيره سبحانه لا إله إلا هو ولا رب سواه.
وقوله تعالى ﴿تَكَادُ (٤) السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ أي يتصدعن ويتشققن من فوقهن من عظمة الرب ﵎ والملائكة يسبحون بحمد (٥) ربهم أي يصلون له ويستغفرون لمن في الأرض أي يطلبون المغفرة للمؤمنين فهذا من العام الخاص بما في سورة المؤمن إذ فيها ويستغفرون للذين آمنوا وقوله تعالى ﴿أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إخبار بعظيم صفاته وهما المغفرة والرحمة يغفر لمن تاب من عباده ويرحم بالرحمة العامة سائر مخلوقاته في هذه الحياة ويرحم بالرحمة الخاصة عباده الرحماء وسائر عباده المؤمنين في دار السلام وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا (٦) مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي شركاء آلهة يعبدونهم هؤلاء الله حفيظ عليهم فيحصي عليهم أعمالهم ويجزيهم بها يوم القيامة، وليس على الرسول من ذلك شيء إن عليه إلا البلاغ وقد بلغ وهو معنى قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ تحفظ عليهم أعمالهم وتجزيهم بها وفي الآية تسلية للرسول وتخفيف عليه لأنه كان يشق عليه إعراض المشركين وإصرارهم على الشرك بالله تعالى.
стр. 2611
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وحدة الوحي بين سائر الأنبياء إذ هي تدور على التوحيد والنبوة والبعث والجزاء والترغيب في العمل الصالح، والترهيب من العمل الفاسد.
٢- بيان عظمة الله تعالى وجلاله وكماله حتى إن السموات تكاد يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمده تعالى ويستغفرون للمؤمنين (١) .
٣- تسلية الرسول ﷺ والتخفيف عنه بأنه غير موكل بحفظ أعمال المشركين ومجازاتهم عليها إنما هو الله تعالى، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)
شرح الكلمات:
وكذلك أوحينا إليك: أي ومثل ذلك الإيحاء إليك وإلى من قبلك أوحينا إليك.
قرآنا عربياً: أي بلسان عربي.
لتنذر أم القرى ومن حولها: أي علة الإيحاء هي إنذارك أهل أم القرى مكة ومن حولها من القرى أي تخوفهم عذاب الله إن بقوا على الشرك.
وتنذر يوم الجمع: أي وتنذر الناس من يوم القيامة إذ هو يوم يجمع الله فيه الخلائق.
لا ريب فيه: أي لا شك في مجيئه وجمع الناس فيه.
стр. 2612
فريق في الجنة: أي المؤمنون المتقون.
وفريق في السعير: أي الكافرون.
ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة: أي على دين الإسلام وبذلك يكون الجميع في الجنة.
ولكن يدخل من يشاء في رحمته: أي في الإسلام أولاً ثم في الجنة ثانياً.
والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير: أي المشركون ليس لهم من ولي يتولاهم ولا نصير ينصرهم فهم في النار.
أم اتخذوا من دون الله أولياء: أي بل اتخذوا من دونه تعالى شركاء ألّهُوهم من دون الله.
فالله هو الولي: أي الولي الحق ومن عداه فلا تنفع ولايته ولا تضر.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً (١) ﴾ أي ومثل ذلك الإيحاء الذي أوحينا إليك وإلى الذين من قبلك أوحينا إليك قرآناً عربياً بلسان عربي يفهمه قومك لأنه بلسانهم لتنذر به أي تخوف أم القرى (٢) ومن حولها من الناس عاقبة الشرك والكفر والظلم والفساد وتنذر أيضا الناس يوم الجمع وهو يوم القيامة فإنه يوم هول عظيم وشر مستطير ليتوقوه بالإيمان والتقوى. إنه يوم يكون فيه الناس والجن فريقين لا ثالث لهما: فريق في الجنة (٣) بإيمانه وتقواه لله بفعل أوامره وترك نواهيه، وفريق في السعير بشركه وكفره بالله وعدم تقواه فلا امتثل أمراً ولا اجتنب نهياً.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ (٤) أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي في الدنيا على دين الإسلام الذي هو دين آدم فنوح وإبراهيم فسائر الأنبياء موسى وعيسى ومحمد ﷺ . إذ هو عبارة عن الإيمان بالله وبما أمر الله بالإيمان به، والانقياد لله ظاهراً وباطناً بفعل محابه تعالى وترك مكارهه ولو كانوا في الدنيا على ملة الإسلام لكانوا في الآخرة فريقاً واحداً وهو فريق الجنة ولكن لم يشأ ذلك لحكم عالية فهو تعالى يدخل من يشاء في رحمته في الدنيا وهي الإسلام وفي الآخرة هي الجنة، والظالمون أي المشركون الذين رفضوا التوحيد والإسلام لله ما لهم من ولي ولا نصير فهم إذا في عذاب السعير. وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا (٥) ﴾ أي الظالمون من دون الله أولياء من دون الله ليشفعوا
стр. 2613
لهم جهلاً منهم بأنه لا يشفع أحد إلا بإذن الله ورضاه فعلوا ذلك وما كان لهم ذلك لأن الولي الحق هو الله فلم لا يتخذونه وليا، وهو الولي الحميد وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير فمن أحق بأن يُتَوَلَّى من يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير أم من لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، والجواب معلوم، ولا يهلك على الله إلا هالك.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير النبوة المحمدية بإثبات الوحي الإلهي.
٢- شرف مكة بتسميتها أم القرى أي أم المدن والحواضر.
٣- مشروعية التعليل للأفعال والأحكام.
٤- انقسام الناس يوم القيامة إلى سعيد وشقي لا غير.
٥- لم يشأ الله أن يجعل الناس أمة واحدة لحكم عالية علمها إليه .
٦- من طلب ولاية غير الله هلك؟ ومن والى الله دون من سواه كفاه الله ما أهمّه في دنياه وأخراه.
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)
شرح الكلمات:
وما اختلفتم فيه من شيء: أي من أمور الدين والدنيا مع الكفار أو مع المؤمنين.
فحكمه إلى الله: هو الذي يقضي فيه في الدنيا بما ينزل من وحي على رسوله وفي الآخرة إذ الحكم له دون غيره.
ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه: أي قل لهم يا رسولنا ذلكم الحاكم العدل العظيم الله ربي عليه
стр. 2614
أنيب توكلت أي فوضت أمري إليه، وإليه لا إلى غيره أرجع في أموري كلها.
فاطر السموات والأرض: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق.
جعل لكم من أنفسكم أزواجاً: أي بأن جعلكم ذكراً وأنثى، ومن الأنعام كذلك.
يذرأكم فيه: أي يخلقكم في هذا التدبير وهو من الذكر والأنثى يخرجكم.
ليس كمثله شيء: أي ليس مثل الله شيء إذ هو الخالق لكل شيء فلا يكون مخلوق مثله بحال من الأحوال.
وهو السميع البصير: أي السميع لأقوال عباده العليم بأعمالهم وأحوالهم.
معنى الآيات:
يقول تعالى ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ (١) فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ من أمور الدين والدنيا أيها الناس فحكمه إلى الله تعالى هو الذي يحكم فيه بالعدل فردوه إليه فإنه يقضي بينكم بالحق. وهنا أمر رسوله أن يقول للمشركين ذلكم المذكور بصفات الجلال والكمال الحَكم العدل الذي يقضي ولا يقضى عليه الله ربي الذي ليس لي رب سواه عليه توكلت ففوضت أمري إليه واثقاً في كفايته وإليه وحده أنيب أي أرجع في أموري كلها، ثم واصل ذكر صفاته الفعلية فقال ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خالق السموات السبع والأرض مبدعهما من غير مثال سابق ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (٢) أَزْوَاجاً﴾ إذ خلق حواء من ضلع آدم ثم جعلكم تتناسلون من ذكر وأنثى ومن الأنعام أزواجاً أيضاً وهما الذكر والأنثى وقوله ﴿يَذْرَأُكُمْ فِيهِ﴾ أي (٣) يخلقكم فيه أي في هذا النظام نظام الذكر والأنثى كأن الذكورة والأنوثة معمل من المعامل يتم فيه خلق الإنسان والحيوان فسبحان الخلاق العليم.
وقوله: ﴿لَيْسَ (٤) كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥) ﴾ هذا تعريف عرف تعالى به نفسه ليعرف بين عباده وهو أنه ليس كمثله شيء أي فلا شيء مثله فعرف بالتفرد بالوحدانية فالذي ليس له
стр. 2615
مثل ولا مثله شيء هو الله ذو الأسماء الحسنى والصفات العليا وهو السميع لكل الأصوات العليم بكل الكائنات.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (١) ﴾ أي له مفاتيح خزائن السموات والأرض، وله مغاليقها فهو تعالى يبسط الرزق لمن يشاء امتحاناً ويضيق ابتلاء، لأنه بكل شيء عليم فلا يطلب الرزق إلا منه، ولا يلجأ فيه إلا إليه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب ردّ ما اختلف فيه إلى الله تعالى ليحكم (٢) فيه وهو الرد إلى الكتاب والسنة.
٢- وجوب التوكل عليه والإنابة إليه في كل الأمور.
٣- تنزيه الرب تعالى عن مشابهته لخلقه مع وجوب الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.
٤- وجوب الإيمان بأن الله هو الرزاق بيده مفاتيح خزائن الأرزاق فمن شاء وسع عليه، ومن شاء ضيق، وأنه يوسع لحكمة ويضيق لأخرى.
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)
стр. 2616
شرح الكلمات:
ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك: أي شرع لكم من الدين الذي وصى به نوحاً والذي أوحينا به إليك.
وما وصينا به إبراهيم وموسى: أي والذي وصينا باقي أولى العزم وهم إبراهيم وموسى وعيسى وهو أن يعبدوا الله وحده بما شرع من العبادات.
أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه: أي بأن أقيموا الدين الذي شرع لكم ولا تضيعوه ولا تختلفوا فيه.
كبر على المشركين ما تدعوهم إليه: أي عظم على كفار قريش ما تدعوهم إليه وهو لا إله إلا الله محمد رسول الله.
الله يجتبي إليه من يشاء: أي يختار إلى الإيمان به والعمل بطاعته من يريده لذلك.
ويهدي إليه من ينيب: أي ويوفق لطاعته من ينيب إليه في أموره ويرجع إليه في جميع شأنه، بخلاف المعرضين المستكبرين.
بغياً بينهم: أي حملهم البغي على التفرق في دين الله.
ولولا كلمة سبقت من ربك: أي ولولا ما قضى الله به من تأخير العذاب على هذه الأمة إلى يوم القيامة.
لقضي بينهم: أي لحكم الله بينهم فأهلك الكافرين وأنجى المؤمنين.
وإن الذين أورثوا الكتاب من: أي وإن الذين أورثوا الكتاب من بعد الأولين وهم اليهود والنصارى ومشركو العرب.
لفي شك منه مريب: أي لفي شك مما جئتهم به من الدين الحق وهو الإسلام.
معنى الآيات:
يخاطب تعالى رسوله المؤمنين فيقول وقوله الحق: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً (١) ﴾ إذ هو أول حامل شريعة من الرسل والذي أوحينا إليك يا محمد ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ من أولي العزم من الرسل ﴿أَنْ أَقِيمُوا (٢) الدِّينَ﴾ وهو دين واحد قائم على الإيمان والتوحيد والطاعة لله في أمره ونهيه وإقامة ذلك بعدم التفريط فيه أو في شيء منه، وعدم التفرق فيه، لأن التفرق فيه يسبب تضيعه كلاً أو بعضا.
стр. 2617
وقوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى (١) الْمُشْرِكِينَ﴾ من كفار قريش ﴿مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي عظم عليهم ولم يطيقوا حمله ما تدعوهم إليه من عبادة الله تعالى وحده وترك عبادة الأصنام، إذاً فادعهم واصبر على أذاهم والله يجتبي إليه أي يختار للإيمان به وعبادته من يشاء ممن لا يصرون على الباطل، ولا يستكبرون عن الحق إذ عرفوه، ويهدى إليه أي ويوفق لطاعته مَنْ مِنْ شأنه الإنابة والرجوع إلى ربه في أموره كلها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا (٢) ﴾ أي وما تفرق العرب واليهود والنصارى في دين الله فآمن بعض وكفر بعض إلا من بعد ما جاءهم العلم الصحيح يحمله القرآن الكريم ونبيه محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. والحامل لهم على ذلك هو البغي والحسد. وقوله ولولا كلمة سبقت من ربك وهو عدم معاجلة هذه الأمة المحمدية بعذاب الإبادة والاستئصال، وترك عذابهم إلى يوم القيامة لولا هذا لعجل لهم العذاب من أجل اختلافهم فأهلك الكافرين وأنجى المؤمنين. وهو معنى قوله تعالى ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ (٣) مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي فرغ منهم بالفصل بينهم بإهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ (٤) ﴾ أي من بعد اليهود والنصارى وهم العرب إذ أنزل الله فيهم كتابه القرآن الكريم لفي شك منه أي من القرآن والنبي والدين الإسلامي مريب أي بالغ الغاية في الريبة والاضطراب النفسي، كما أن اللفظ يشمل اليهود والنصارى إذ هم أيضاً ورثوا الكتابين عمن سبقهم وأنهم فعلاً في شك من القرآن ونبيه والإسلام وشرائعه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- دين الله واحد وهو الإيمان والاستقامة على طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ .
٢- حرمة الاختلاف في دين الله المسبب تضييع الدين كلا أو بعضاً.
٣- مرد التفرق في الدين إلى الحسد والبغي بين الناس، فلو لم يحسد بعضهم بعضاً ولم يبغ بعضهم على بعض لما تفرقوا في دين الله ولأقاموه مجتمعين فيه.
стр. 2618
فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦)
شرح الكلمات:
فلذلك فادع: أي فإلى ذلك الدين الذي شرع الله لكم ووصى به نوحاً وأوحاه إليك يا محمد فادع عباد الله.
واستقم كما أمرت: أي استقم على العمل به ولا تزغ عنه واثبت عليه كما أمرك الله.
ولا تتبع أهواءهم: أي ولا تتبع أهواء المشركين وأهل الكتاب فتترك الحنيفية التي بعثت بها فإنها الحق.
وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب: أي ولست كالذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.
وأمرت لأعدل بينكم: أي أمرني ربي أن أحكم بينكم بالعدل الذي هو خلاف الجور.
الله ربنا وربكم: أي خالقنا وخالقكم ورازقنا ورازقكم وإلهنا وإلهكم.
لنا أعمالنا ولكم أعمالكم: وسيجزى كل منا بعمله خيراً كان أو شراً.
لا حجة بيننا وبينكم: أي ما هناك حاجة إلى المحاجة الآن بعد ظهور الحق.
الله يجمع بيننا: أي يوم القيامة.
والذين يحاجون في الله: أي يجادلون في دين الله نبيه محمداً ﷺ .
من بعد ما استجيب له: أي بالإيمان لظهور معجزته وهم اليهود.
стр. 2619
حجتهم داحضة: أي باطلة عند ربهم.
وعليهم غضب: أي من الله ولهم عذاب شديد يوم القيامة.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ (١) ﴾ أي فإلى ذلك الدين الحق الذي هو الإسلام الذي شرعه الله لكم ووصى به نوحاً وأوحاه إليك فادع جميع الناس عربهم وعجمهم فإنه دين الله الذي لا يقبل ديناً سواه، ولا يكمل الإنسان في أخلاقه ومعارفه وآدابه ولا يسعد في الدارين إلا عليه واستقم (٢) عليه (٣) كما أمرك ربك، فلا تزغ عنه ولا تعدل به غيره فإنه الصراط المستقيم الذي لا يزيغ عنه إلا هالك ولا تتبع أهواء المشركين ولا أهواء أهل الكتاب. وقل في صراحة ووضوح آمنت بما أنزل من كتاب فلا أومن ببعض وأكفر ببعض كما أنتم عليه معشر اليهود والنصارى، وقل لهم أمرني ربي أن أعدل (٤) بينكم في الحكم إذا تحاكمتم إليّ، كما أني لا أفرق بينكم إذ أعتبركم على الكفر سواء فكل من لم يكن على الإسلام الذي كان عليه نوح وإبراهيم وموسى وعيسى والذي عليه أنا وأصحابي اليوم فهو كافر من أهل النار.
وقوله تعالى ﴿اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أي أمرني أن أقول لكم هذا الله ربنا وربكم إذ لا رب سواه فهو رب كل شيء ومليكه، ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ (٥) وسَيُجزى كل منا بعلمه السيئة بمثلها والحسنة بعشر أمثالها، إلا أن الكافر لا تكون له حسنة ما دام قد كفر بأصل الدين فلم يؤمن بالله ولقائه، ولا بوحيه ولا برسوله وقوله ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ أي اليوم إذ ظهر الحق ولاح الصبح لذي عينين فلا داعي إلى الجدال والخصومة معكم يا أهل الكتابين من يهود ونصارى الله يجمع بيننا يوم القيامة إذ المصير في النهاية إليه لا إلى غيره وسوف يحكم بيننا فيما اختلفنا فيه فيقضي لأهل الحق بالنجاة من النار ودخول الجنة ويقضي لأهل الباطل بالنار والخلود فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ (٦) فِي اللهِ﴾ أي في دين الله النبي والمؤمنين يريدون أن يردوهم
стр. 2620
إلى باطلهم من بعد ما استجيب للرسول ودخل الناس في دين الله أفواجاً، هؤلاء حجتهم داحضة عند ربهم أي باطلة، وعليهم غضب أي من ربهم ولهم عذاب شديد في الدنيا والآخرة هذه الآية نزلت في يهود بالمدينة نصبوا أنفسهم خصوماً لأصحاب رسول الله يجادلونهم يريدون تشكيكهم في الإسلام والعودة بهم إلى وثنية الجاهلية وكان هذا قبل هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة فرد تعالى عليهم وأسكتهم بهذه الآية متوعداً إياهم بالغضب والعذاب الشديد.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب الدعوة إلى الإسلام بين أمم العالم إذ لا نجاة للبشرية إلا بالإسلام.
٢- حرمة اتباع أهواء أهل الأهواء والسير معهم (١) وموافقتهم في باطلهم.
٣- وجوب الاستقامة على الإسلام عقائد وعبادات وأحكام قضائية وآداب وأخلاق.
٤- تعين ترك الحجاج والمخاصمة مع أهل الكتاب وكذا أهل الأهواء والبدع لأنا على الحق وهم على الباطل، فكيف نحاجهم إذ الواجب أن يسلموا وكفى.
اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ
стр. 2621
مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)
شرح الكلمات:
الله الذي أنزل الكتاب بالحق: أي أنزل القرآن متلبساً بالحق والصدق لا يفارقه أبداً.
والميزان:: أي وأنزل الميزان وهو العدل ليحق الحق.
وما يدريك لعل الساعة قريب: أي أيّ شيء يجعلك تدري قرب الساعة إلا أن يكون الوحي الإلهي.
يستعجل بها الذين لا يؤمنون: أي يطالب المكذبون بها لأنهم لا يخافون ما فيها لعدم إيمانهم به.
والذين آمنوا مشفقون منها: أي خائفون وذلك لإيمانهم فهم لا يدرون ما يكون لهم فيها من سعادة أو شقاء ولذا هم مشفقون.
ويعلمون أنها الحق: أي أن الساعة حق واجبة الإتيان لا محالة.
إن الذين يمارون في الساعة: أي إن الذين يجادلون في الساعة شاكين في وقوعها.
الله لطيف بعباده: أي برهم وفاجرهم بدليل أنهم يعصونه وهو يرزقهم ولا يعاقبهم.
من كان يريد حرث الآخرة: أي من كان يريد بعمله ثواب الآخرة.
نزد له في حرثه: أي نضاعف له ثوابه الحسنة بعشر أمثالها وأكثر.
ومن كان يريد حرث الدنيا: أي من كان يريد بعمله متاع لحياة الدنيا من طيباتها.
نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب: أي نعطه منها ما قدر له وليس له في الآخرة من حظ ولا نصيب.
أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين: أي بل لهم شركاء من الشياطين شرعوا لهم من الدين.
ما لم يأذن به الله: أي ما لم يشرعه الله تعالى وهو الشرك.
ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم: أي ولولا كلمة الفصل التي حكم الله بها بتأخير العذاب إلى يوم القيامة لأهلكهم اليوم على شركهم وأنجى المؤمنين.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ (١) ﴾ يخبر تعالى رسوله والمؤمنين بأنه هو
стр. 2622
الذي أنزل الكتاب أي القرآن بالحق والصدق وأنزل الميزان (١) وذلك من أجل إحقاق الحق في الأرض وإبطال الباطل فيها، فلا يعبد إلا الله ولا يحكم إلا شرع الله وفي ذلك كمال الإنسانية وسعادتها، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ (٢) لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ أي أيّ شيء جعلك تدري قرب الساعة إنه الوحي الإلهي لا غير وقوله ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ أي الذين لا يؤمنون بالبعث الآخر والجزاء فيه هم الذين يطالبون بإتيانها في غير وقتها ويستعجلون الرسول بها بقولهم متى الساعة؟ أما المؤمنون بالبعث والجزاء فإنهم مشفقون أي خائفون من وقوعها لأنهم لا يدرون مصيرهم فيها ولا يعلمون ما هم صائرون إليه من سعاة أو شقاء وقوله ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ أي والمؤمنون يعلمون أن الساعة حق واجبة الوقوع ليحكم الله فيها بين عباده ويجزي كل واحد بعمله، ويقتص فيها من الظالم للمظلوم فلذا هي واقعة حتماً لا تتخلف أبداً.
وقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ يخبر تعالى مؤكداً الخبر بأن الذين يشككون في الساعة ويجادلون في صحة وقوعها في ضلال عن الهدى والصواب والرشد، بعيد لا يرجى لهم معه العودة إلى الصواب والهدى في هذه المسألة من مسائل العقيدة. وقوله تعالى ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ يخبر تعالى بأنه ذو لطف بعباده مؤمنهم وكافرهم برهم وفاجرهم يكفر به الكافرون ويعصيه العاصون وهو يطعمهم ويسقيهم ويعفو عنهم ولا يهلكهم بذنوبهم فهذا من دلائل لطفه بهم. يرزق من يشاء أي يوسع الرزق على من يشاء ويقدر على من يشاء حسب ما تقتضيه تربيتهم فلا يدل على الغنى على الرضاء ولا الفقر على السخط. وهو تعالى القوي القادر الذي لا يعجزه شيء العزيز في انتقامه ممن أراد الانتقام منه وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ (٣) الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ ، وهذا من مظاهر لطفه بعباده وهو أن من أراد منهم بعمله ثواب الآخرة وما أعد الله فيها للمؤمنين المتقين نزد له في حرثه أي يضاعف له أجر عمله الحسنة بعشر إلى سبعمائة ويضاعف لمن يشاء ومن كان يريد بعمله حرث الدنيا أي متاع الحياة الدنيا يؤته على قدر عمله للدنيا وهو ما قدره له أزلاً وجعله مقدوراً له لا بد نائله، وماله في الآخرة من نصيب لأنه لم يعمل لها فلا حظ له ولا نصيب له فيها إلا النار وبئس القرار.
وقوله تعالى في الآية (٢١) ﴿أَمْ (٤) لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ يقول
стр. 2623
أللمشركين من كفار قريش شركاء من الشياطين شرعوا لهم ديناً وهو الشرك لم يأذن به الله، وهذا إنكار عليهم، وإعلان غضب شديد أجل شركهم الذي زينته لهم الشياطين فصرفتهم عن الدين الحق إلى الدين الباطل، ولذا قال: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي ولولا أنه تعالى قضى بأن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة لعذبهم في الدنيا وأهلكهم فيها قبل الآخرة، وذلك لاتخاذهم دينا لم يشرعه الله لهم. وقوله تعالى وإن الظالمين أي المشركين لهم عذاب أليم أي موجع وذلك يوم القيامة وهذا وعيد للمشركين الذين اتخذوا الجاهلية والشرك وعبادة الأوثان ديناً وأعرضوا عن دين الله الذي أوصى به نوحاً وأوحاه إلى محمد خاتم رسله، كما أوصى به إبراهيم وموسى وعيسى ﵈.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان بعض الحكمة في إنزال الكتاب أي القرآن والميزان وهو أن يحكم الناس بالقسط.
٢- بيان قرب الساعة وأن معرفة قربها كان بالوحي الإلهي مثل اقترب للناس حسابهم.
٣- المستعجلون بالساعة هم الكافرون الجاحدون لها.
٤- بيان لطف الله بعباده فله الحمد وله المنة والشكر.
٥- بيان وجوب إصلاح النيات فإن مدار العمل قبولاً ورفضاً بحسبها.
٦- حظر التشريع بجميع أنواعه عن غير الله ورسوله.
تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللهِ
стр. 2624
كَذِباً فَإِنْ يَشَأِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)
شرح الكلمات:
ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا: أي ترى أيها المرء الظالمين يوم القيامة خائفين من جزاء ما عملوا.
وهو واقع بهم: أي وهو أي جزاء ما كسبوا من الباطل والشرك نازل بهم معذبون به لا محالة.
والذين آمنوا وعملوا الصالحات: آمنوا بالله ولقائه وآياته ورسوله وأدوا الفرائض واجتنبوا المحارم.
في روضات الجنات: أي هم في روضات الجنات، والروضة في الجنة أنزه مكان فيها.
لهم ما يشاءون عند ربهم: أي لهم ما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم في جوار ربهم.
قل لا أسألكم عليه أجراً: أي قل يا رسولنا لقومك لا أسألكم على التبليغ أجراً أي ثواباً.
إلا المودة في القربى: أي لكن أسألكم أن تودوا قرابتي فتمنعوني حتى أبلغ رسالتي.
ومن يقترف حسنة: أي ومن يكسب حسنة بقول أو عمل صالح.
نزد له فيها حسنا: أي نضاعفها له أضعافاً.
أم يقولون افترى على الله كذبا: أي أيقول هؤلاء المشركون إن محمداً افترى على الله كذباً فنسب إليه القرآن وهو ليس بكلامه ولا بوحيه.
فإن يشأ الله يختم على قلبك: أي إن يشإ الله تعالى يطبع على قلبك وينسيك القرآن أي أن الله قادر على أن يمنعك من الافتراء عليه كما زعم المشركون.
ويمحوا الله الباطل ويحق الحق: أي إن من شأن الله تعالى أنه يمحوا الباطل.
стр. 2625
بكلماته: أي بالآيات القرآنية وقد محا الباطل وأحق الحق بالقرآن.
وهو الذي يقبل التوبة عن عباده: أي هو تعالى الذي يقبل توبة التائبين من عباده.
ويعفوا عن السيئات: أي لا يؤاخذ بها من تاب منها فهذا هو الإله الحق لا الأصنام التي ليس لها شيء مما هو لله ألبتة.
ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات: أي ويجيب تعالى عباده الذين آمنوا به وعملوا الصالحات إلى ما دعوه فيه فيعطيهم سؤلهم.
ويزيدهم من فضله: أي يعطيهم ما سألوا ويعطيهم ما لم يسألوه من الخير.
والكافرون لهم عذاب شديد: أي والكافرون بالله ورسوله ولقاء الله وآياته لهم عذاب شديد.
معنى الآيات:
يقول تعالى لرسوله ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ (١) يوم القيامة مشفقين أي خائفين مما كسبوا أي من جزاء ما كسبوا من الشرك والمعاصي، وهو أي العذاب واقع بهم نازل عليهم لا محالة وقوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي في الوقت الذي يكون فيه الظالمون مشفقين مما كسبوا يكون الذين آمنوا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولا وعملوا الصالحات من الفرائض والنوافل بعد اجتناب الشرك والكبائر في روضات الجنات وهي أنزهها وأحسنها لهم ما يشاءون من النعيم مما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين كل ذلك في جوار رب كريم وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢) ﴾ أي ذاك الذي أخبر تعالى به أنهم فيه من روضات الجنات وغيره هو الفضل الكبير الذي تفضل الله تعالى عليهم به.
وقوله في الآية الثانية (٢٣) ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي ذلك المذكور من روضات الجنات وغيره هو الذي يبشر الله تعالى به عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات في كتابه وعلى لسان رسوله.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ (٣) عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ يأمر تعالى رسوله أن يقول لقومه من المشركين لا أسألكم على إبلاغي إياكم دعوة ربي إلى الإيمان به وتوحيده لتكملوا وتسعدوا أجراً أي مالاً لكن أسألكم أن تودوا قرابتي منكم فلا تؤذوني وتمنعوني من الناس حتى
стр. 2626
أبلغ دعوة ربي.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي من يعمل حسنة نزد له فيها حسنا بأن نضاعفها له إذ الله غفور للتائبين من عباده شكور للعاملين منهم فلا يضيع أجر من أحسن عملا.
وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ (١) افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي بل يقولون أفترى على الله كذبا أي يقول المشركون إن محمداً افترى على الله كذباً فادعى أن القرآن كلام الله ووحيه وما هو إلا افتراء افتراه على الله. فأبطل الله تعالى هذه الدعوة وقال: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي يطبع على قلبك فتنسى القرآن ولا تقدر على قوله والنطق به، فكيف إذًا يقال إنه يفتري على الله كذباً والله قادرٌ على منعه والإحالة بينه وبين ما يقوله. وقوله: ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ هذا شأنه تعالى يمحوا الباطل ويحق الحق بالقرآن وقد فعل فمحاَ الباطل وأحق الحق فما مات رسول الله ﷺ وفي الجزيرة من يعبد غير الله تعالى. وقوله ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فلواسع علمه وعظيم قدرته محا الباطل وأحق الحق بالقرآن ولو كان القرآن مفترى ما محا باطلاً ولا أحق حقاً وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ أي إن تابوا إليه وأنابوا، ويعفوا عن سيئاتهم فلا يؤاخذهم بها، ويعلم ما يفعلون في السر والعلن ويجزي كلاً بما عمل وهو على كل شيء قدير.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ (٢) آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي يجيب دعاءهم فيما طلبوه ويزيدهم من فضله فيعطيهم ما لم يطلبوه فما أعظم كرمه وما أوسع رحمته!! هذا للذين آمنوا وعملوا الصالحات. وأما الكافرون فلهم عذاب شديد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير حق القرابة ووجوب المودة فيها. واحترام قرابة الرسول ﷺ وتقديرها.
٢- تبرئة رسول الله ﷺ من الافتراء على الله .
٣- مضاعفة الحسنات، وشكر الله للصالحات من أعمال عباده المؤمنين.
٤- وجوب التوبة وقبول الله تعالى لها، وقد كان رسول الله ﷺ يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة. وللتوبة ثلاثة شروط: الإقلاع الفوري عن المعصية، والاستغفار، والندم على ما فعل من
стр. 2627
المعصية بترك الواجب أو بفعل المحرم. وإن كان الذنب يتعلق بحق آدمي زاد شرط رابع وهو التحلل من الآدمي بأداء الحق أو بطلب العفو منه.
٥- وعد الله تعالى باستجابة دعاء المؤمنين العاملين للصالحات وهم أولياء الله تعالى الذين إن سألوا أعطاهم وإن استعاذوه أعاذهم وإن استنصروه نصرهم. اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم.
وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١)
شرح الكلمات:
ولو بسط الله الرزق لعباده: أي لو وسع الرزق لجميع عباده.
لبغوا في الأرض: أي لطغوا في الأرض جميعا.
ولكن ينزل بقدر ما يشاء: أي ينزل من الأرزاق بقدر ما يشاء فيبسط ويضيق.
إنه بعباده خبير بصير: أي إنه بأحوال عباده خبير إذ منهم من يفسده الغنى ومنهم من يصلحه ومنهم من يصلحه الفقر ومنهم من يفسده.
وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا: أي المطر من بعد يأسهم من نزوله.
وينشر رحمته: أي بركات المطر ومنافعه في كل سهل وجبل ونبات وحيوان.
وهو الولي الحميد: أي المتولي لعباده المؤمنين المحسنن إليهم المحمود عندهم.
стр. 2628
وما بث فيهما من دابة: أي فرق ونشر من كل ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم.
وهو على جمعهم إذا يشاء قدير: أي للحشر والحساب والجزاء يوم القيامة قدير.
وما أصابكم من مصيبة: أي بلية وشدة من الشدائد كالمرض والفقر.
فبما كسبت أيديكم: أي من الذنوب والآثام.
ويعفو عن كثير: أي منها فلا يؤاخذ به، وما عفا عنه في الدنيا لا يؤاخذ به في الآخرة.
وما أنتم بمعجزين في الأرض: أي ولستم بفائتي الله ولا سابقيه هربا منه إذا أراد مؤاخذتكم بذنبكم.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ (١) اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا شروع في عرض مظاهر القدرة والعلم والحكمة الموجبة لربوبية الله تعالى المستلزمة لألوهيته على عبادته فقال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ﴾ أي رب العباد الرزق فوسعه عليه لبغوا في الأرض فطغا بعضهم على بعضهم وظلم بعضهم بعضاً ولزم ذلك فساد كبير (٢) في الأرض قد تتعطل معه الحياة بكاملها.
ولكن ينزل بقدر ما يشاء أي ينزل من الأرزاق بمقادير محددة حسب تدبيره لحياة عباده ويدل على هذا قوله إنه بعباده خبير (٣) بصير أي إنه بما تتطلبه حياة عباده ذات الآجال المحدودة، والأعمال المقدرة الموزونة، والنتائج المعلومة أزلا. هذا مظهر من مظاهر العلم والقدرة والحكمة ومظهر آخر في قوله، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ ، فإنزال المطر بكميات ومقادير محدودة وفي أماكن محددة، وفي ظروف محددة هذا التصرف ما قام إلا على مبدأ القدرة القاهرة والخبرة التامة، إنه يمنع عن عباده المطر فيمحلوا ويجدبوا حتى ييأسوا ويظهر عجزهم وعجز آلهتهم التي يعبدونها ظلما فاضحاً إذ لا تستحق العبادة بحال من الأحوال ثم ينزل الغيث (٤) وينشر الرحمة فتعم الأرزاق والخيرات والبركات، وهو الولي الذي لا تصلح والولاية لغيره الحميد أي المحمود بصنائع بره وعوائد خيره ومظاهر رحمته. هو الولي بحق والمحمود
стр. 2629
بحق، ومظهر آخر في قوله تعالى ومن آياته الدالة على وجوده وقدرته وعلمه وحكمته الموجبة لربوبيته لسائر خلقه المستلزمة لألوهيته على سائر عباده: ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إيجادهما بما هما عليه من عجائب الصفة، وما بث أي فرق ونشر فيهما من دابة تدب على الأرض، أو ملك يسبح في السماء. فهذا الخلق والإبداع ناطق بربوبيته تعالى صارخ بألوهيته لعباده فلم إذاً يعبد غيره من مخلوقاته وتترك عبادته وفوق هذا المظهر للخلق والرزق التدبير مظهر آخر وهو قدرته تعالى على جمع سائر خلقه في صعيد واحد ومتى؟ وإنه بعد إفنائهم وتصييرهم عظاما ورفاتا، وهو معنى قوله: وهو على جمعهم إذا يشاء قدير (١) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ (٢) أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣) ، وهذا مظهر آخر للقدرة والعلم يتجلى فيما يصيب الإنسان من مصيبة في نفسه وولده وماله إن كل مصاب ينزل بالإنسان في هذه الحياة ناتج عن مخالفة لله تعالى فيما وضع من القوانين والشرائع والسنن. وأعظم دلالة أن يعطل القانون الماضي ويوقف مفعوله فيكسب العبد الذنب ولا يؤاخذ به عفواً من الله تعالى عليه، وهو معنى قوله تعالى ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ فله الحمد وله المنة. ومظهر آخر من مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته هو أن الناس مهما أوتوا من قوة وتدبير وعلم ومعرفة لم ولن يعجزوا الله تعالى ﴿أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ فالسماء فوقهم والأرض تحتهم إن يشأ يخسف الأرض من تحتهم أو يسقط عليهم السماء كسفاً من فوقهم. فإلى أين المهرب والجواب إلى الله فقط بالاستسلام له والانقياد بالطاعة وفي ذلك نجاتهم وعزهم وكرامتهم زيادة على سعادتهم وكمالهم في الحياتين وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ أي وليس لكم أيها الناس مع عجزكم من ولي يتولاكم ولا ناصر ينصركم. إذاً ففروا إلى الله بالإيمان والإسلام له تنجوا وتسعدوا.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان الحكمة في تقدير الأرزاق وإعطائها بمقادير محددة.
٢- من مظاهر ربوبية الله تعالى الموجبة لألوهيته على عباده إنزال الغيث بعد اليأس والقنوط وخلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة.
٣- بيان حقيقة علمية ثابتة وهي أن المخالفة للقوانين يترتب عليه ضرر يصيب المخالف.
٤- بيان أنه ما من مصيبة تصيب المرء في نفسه أو ولده أو ماله إلا بذنب ارتكبه.
стр. 2630
١- بيان أن من الذنوب ما يعفو (١) الله تعالى عنه ولا يؤاخذ به تكرماً وإحسانا.
وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)
شرح الكلمات:
ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام: أي ومن علامات ربوبيته للخلق إيجاد السفن كالجبال في البحار وتسخير البحار للسير فيها لمنافع العباد.
إن يشأ يسكن الريح: أي يوقف هبوب الريح فلا نسيم ولا عواصف.
فيظللن رواكد على ظهره: أي تقف السفن وتظل راكد حابسة على ظهر البحر.
إن في ذلك لآيات: أي في هذه المظاهر من خلق السفن والبحار وتسخير البحار وسير السفن وركودها عند سكون الرياح لدلالات واضحة على وجود الله وقدرته وعمله وحكمته.
لكل صبار شكور: أي إن هذه الآيات لا يراها ولا ينتفع بها إلا من كان صباراً عند الشدائد والمحن شكوراً عند الآلاء والنعم.
أو يوبقهن بما كسبوا: أي وإن يشأ يجعل الرياح عواصف فيهلك تلك السفن ويغرقها بمن فيها بسبب ذنوب أصحابها، وهو على ذلك قدير.
ويعفو عن كثير: أي إنه تعالى ليعفو عن كثير من الذنوب والخطايا فلا يؤاخذ بها إذ لو آخذ بكل ذنب ما بقي أحد على وجه الأرض لقلة من لا يذنب فيها.
ويعلم الذين يجادلون في آياتنا: أي ويعلم المكذبون بآيات الله من المشركين عندما تعصف العواصف وتضطرب السفن ويخاف الغرق.
ما لهم من محيص: أي ليس لهم من مهرب إلا إلى الله فيجأرون بدعائه وحده ناسين آلهتهم الباطلة.