← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

أبلغ دعوة ربي. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي من يعمل حسنة نزد له فيها حسنا بأن نضاعفها له إذ الله غفور للتائبين من عباده شكور للعاملين منهم فلا يضيع أجر من أحسن عملا. وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ (١) افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي بل يقولون أفترى على الله كذبا أي يقول المشركون إن محمداً افترى على الله كذباً فادعى أن القرآن كلام الله ووحيه وما هو إلا افتراء افتراه على الله. فأبطل الله تعالى هذه الدعوة وقال: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي يطبع على قلبك فتنسى القرآن ولا تقدر على قوله والنطق به، فكيف إذًا يقال إنه يفتري على الله كذباً والله قادرٌ على منعه والإحالة بينه وبين ما يقوله. وقوله: ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ هذا شأنه تعالى يمحوا الباطل ويحق الحق بالقرآن وقد فعل فمحاَ الباطل وأحق الحق فما مات رسول الله ﷺ وفي الجزيرة من يعبد غير الله تعالى. وقوله ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فلواسع علمه وعظيم قدرته محا الباطل وأحق الحق بالقرآن ولو كان القرآن مفترى ما محا باطلاً ولا أحق حقاً وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ أي إن تابوا إليه وأنابوا، ويعفوا عن سيئاتهم فلا يؤاخذهم بها، ويعلم ما يفعلون في السر والعلن ويجزي كلاً بما عمل وهو على كل شيء قدير. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ (٢) آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي يجيب دعاءهم فيما طلبوه ويزيدهم من فضله فيعطيهم ما لم يطلبوه فما أعظم كرمه وما أوسع رحمته!! هذا للذين آمنوا وعملوا الصالحات. وأما الكافرون فلهم عذاب شديد. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير حق القرابة ووجوب المودة فيها. واحترام قرابة الرسول ﷺ وتقديرها. ٢- تبرئة رسول الله ﷺ من الافتراء على الله . ٣- مضاعفة الحسنات، وشكر الله للصالحات من أعمال عباده المؤمنين. ٤- وجوب التوبة وقبول الله تعالى لها، وقد كان رسول الله ﷺ يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة. وللتوبة ثلاثة شروط: الإقلاع الفوري عن المعصية، والاستغفار، والندم على ما فعل من

стр. 2627

المعصية بترك الواجب أو بفعل المحرم. وإن كان الذنب يتعلق بحق آدمي زاد شرط رابع وهو التحلل من الآدمي بأداء الحق أو بطلب العفو منه. ٥- وعد الله تعالى باستجابة دعاء المؤمنين العاملين للصالحات وهم أولياء الله تعالى الذين إن سألوا أعطاهم وإن استعاذوه أعاذهم وإن استنصروه نصرهم. اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم. وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١) شرح الكلمات: ولو بسط الله الرزق لعباده: أي لو وسع الرزق لجميع عباده. لبغوا في الأرض: أي لطغوا في الأرض جميعا. ولكن ينزل بقدر ما يشاء: أي ينزل من الأرزاق بقدر ما يشاء فيبسط ويضيق. إنه بعباده خبير بصير: أي إنه بأحوال عباده خبير إذ منهم من يفسده الغنى ومنهم من يصلحه ومنهم من يصلحه الفقر ومنهم من يفسده. وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا: أي المطر من بعد يأسهم من نزوله. وينشر رحمته: أي بركات المطر ومنافعه في كل سهل وجبل ونبات وحيوان. وهو الولي الحميد: أي المتولي لعباده المؤمنين المحسنن إليهم المحمود عندهم.

стр. 2628

وما بث فيهما من دابة: أي فرق ونشر من كل ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم. وهو على جمعهم إذا يشاء قدير: أي للحشر والحساب والجزاء يوم القيامة قدير. وما أصابكم من مصيبة: أي بلية وشدة من الشدائد كالمرض والفقر. فبما كسبت أيديكم: أي من الذنوب والآثام. ويعفو عن كثير: أي منها فلا يؤاخذ به، وما عفا عنه في الدنيا لا يؤاخذ به في الآخرة. وما أنتم بمعجزين في الأرض: أي ولستم بفائتي الله ولا سابقيه هربا منه إذا أراد مؤاخذتكم بذنبكم. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ (١) اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا شروع في عرض مظاهر القدرة والعلم والحكمة الموجبة لربوبية الله تعالى المستلزمة لألوهيته على عبادته فقال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ﴾ أي رب العباد الرزق فوسعه عليه لبغوا في الأرض فطغا بعضهم على بعضهم وظلم بعضهم بعضاً ولزم ذلك فساد كبير (٢) في الأرض قد تتعطل معه الحياة بكاملها. ولكن ينزل بقدر ما يشاء أي ينزل من الأرزاق بمقادير محددة حسب تدبيره لحياة عباده ويدل على هذا قوله إنه بعباده خبير (٣) بصير أي إنه بما تتطلبه حياة عباده ذات الآجال المحدودة، والأعمال المقدرة الموزونة، والنتائج المعلومة أزلا. هذا مظهر من مظاهر العلم والقدرة والحكمة ومظهر آخر في قوله، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ ، فإنزال المطر بكميات ومقادير محدودة وفي أماكن محددة، وفي ظروف محددة هذا التصرف ما قام إلا على مبدأ القدرة القاهرة والخبرة التامة، إنه يمنع عن عباده المطر فيمحلوا ويجدبوا حتى ييأسوا ويظهر عجزهم وعجز آلهتهم التي يعبدونها ظلما فاضحاً إذ لا تستحق العبادة بحال من الأحوال ثم ينزل الغيث (٤) وينشر الرحمة فتعم الأرزاق والخيرات والبركات، وهو الولي الذي لا تصلح والولاية لغيره الحميد أي المحمود بصنائع بره وعوائد خيره ومظاهر رحمته. هو الولي بحق والمحمود

стр. 2629

بحق، ومظهر آخر في قوله تعالى ومن آياته الدالة على وجوده وقدرته وعلمه وحكمته الموجبة لربوبيته لسائر خلقه المستلزمة لألوهيته على سائر عباده: ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إيجادهما بما هما عليه من عجائب الصفة، وما بث أي فرق ونشر فيهما من دابة تدب على الأرض، أو ملك يسبح في السماء. فهذا الخلق والإبداع ناطق بربوبيته تعالى صارخ بألوهيته لعباده فلم إذاً يعبد غيره من مخلوقاته وتترك عبادته وفوق هذا المظهر للخلق والرزق التدبير مظهر آخر وهو قدرته تعالى على جمع سائر خلقه في صعيد واحد ومتى؟ وإنه بعد إفنائهم وتصييرهم عظاما ورفاتا، وهو معنى قوله: وهو على جمعهم إذا يشاء قدير (١) . وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ (٢) أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣) ، وهذا مظهر آخر للقدرة والعلم يتجلى فيما يصيب الإنسان من مصيبة في نفسه وولده وماله إن كل مصاب ينزل بالإنسان في هذه الحياة ناتج عن مخالفة لله تعالى فيما وضع من القوانين والشرائع والسنن. وأعظم دلالة أن يعطل القانون الماضي ويوقف مفعوله فيكسب العبد الذنب ولا يؤاخذ به عفواً من الله تعالى عليه، وهو معنى قوله تعالى ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ فله الحمد وله المنة. ومظهر آخر من مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته هو أن الناس مهما أوتوا من قوة وتدبير وعلم ومعرفة لم ولن يعجزوا الله تعالى ﴿أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ فالسماء فوقهم والأرض تحتهم إن يشأ يخسف الأرض من تحتهم أو يسقط عليهم السماء كسفاً من فوقهم. فإلى أين المهرب والجواب إلى الله فقط بالاستسلام له والانقياد بالطاعة وفي ذلك نجاتهم وعزهم وكرامتهم زيادة على سعادتهم وكمالهم في الحياتين وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ أي وليس لكم أيها الناس مع عجزكم من ولي يتولاكم ولا ناصر ينصركم. إذاً ففروا إلى الله بالإيمان والإسلام له تنجوا وتسعدوا. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان الحكمة في تقدير الأرزاق وإعطائها بمقادير محددة. ٢- من مظاهر ربوبية الله تعالى الموجبة لألوهيته على عباده إنزال الغيث بعد اليأس والقنوط وخلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة. ٣- بيان حقيقة علمية ثابتة وهي أن المخالفة للقوانين يترتب عليه ضرر يصيب المخالف. ٤- بيان أنه ما من مصيبة تصيب المرء في نفسه أو ولده أو ماله إلا بذنب ارتكبه.

стр. 2630

١- بيان أن من الذنوب ما يعفو (١) الله تعالى عنه ولا يؤاخذ به تكرماً وإحسانا. وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) شرح الكلمات: ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام: أي ومن علامات ربوبيته للخلق إيجاد السفن كالجبال في البحار وتسخير البحار للسير فيها لمنافع العباد. إن يشأ يسكن الريح: أي يوقف هبوب الريح فلا نسيم ولا عواصف. فيظللن رواكد على ظهره: أي تقف السفن وتظل راكد حابسة على ظهر البحر. إن في ذلك لآيات: أي في هذه المظاهر من خلق السفن والبحار وتسخير البحار وسير السفن وركودها عند سكون الرياح لدلالات واضحة على وجود الله وقدرته وعمله وحكمته. لكل صبار شكور: أي إن هذه الآيات لا يراها ولا ينتفع بها إلا من كان صباراً عند الشدائد والمحن شكوراً عند الآلاء والنعم. أو يوبقهن بما كسبوا: أي وإن يشأ يجعل الرياح عواصف فيهلك تلك السفن ويغرقها بمن فيها بسبب ذنوب أصحابها، وهو على ذلك قدير. ويعفو عن كثير: أي إنه تعالى ليعفو عن كثير من الذنوب والخطايا فلا يؤاخذ بها إذ لو آخذ بكل ذنب ما بقي أحد على وجه الأرض لقلة من لا يذنب فيها. ويعلم الذين يجادلون في آياتنا: أي ويعلم المكذبون بآيات الله من المشركين عندما تعصف العواصف وتضطرب السفن ويخاف الغرق. ما لهم من محيص: أي ليس لهم من مهرب إلا إلى الله فيجأرون بدعائه وحده ناسين آلهتهم الباطلة.

стр. 2631

معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر مظاهر الربوبية المستلزمة لألوهية الله تعالى ووجوب عبادته وحده دون سواه فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ (١) فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ أي ومن حججه عليكم يا عباد الله الدالة على قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته أيضاً هذه السفن الجوار في البحر كأنها جبال عالية تسير من إقليم إلى إقليم بتسخير الله تعالى البحار وإرسال الرياح وهي تجري بمنافعكم حيث تنقل الركاب والبضائع من إقليم إلى آخر. فهذا مظهر قدرة الله ورحمته، وإن يشأ تعالى إسكان الريح فإنها تسكن فلا تهب ولا تنسم بنسيم ألبتة فتقف السفن وتركد على سطح (٢) الماء فلا تتحرك، وإن يشأ أيضاً يرسل عليها عواصف من الريح فتضطرب وتغرق بما فيها ومن فيها وذلك بذنوب أصحابها إن القاعدة الثابتة المقررة أنه ما من مصيبة إلا بذنب. وهذا معنى قوله ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ . وقوله تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي إن في هذه المظاهر من خلق السفن والبحار وتسخير البحار وسير السفن عليها وركودها عند سكون الريح لحجج واضحة قوية على وجود الله وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته ولكن لا يراها ولا ينتفع بها أمثال البهائم، ولكن هي من نصيب كل عبد صبار على طاعة الله وبلائه شكور لآلائه ونعمه عليه. وقوله ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا (٣) ﴾ . وقوله ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٤) ﴾ أي ولا يؤاخذ بكل ذنب فقد يعفو عن كثير من الذنوب. إذ لو عاقب على كل ذنب وآخذ بكل خطيئة لما بقي على وجه الأرض أحد إذ ما من أحد إلا ويذنب اللهم إلا ما كان من المعصومين من الأنبياء والمرسلين فإنهم لا يذنبون، ولكن قد يذنب أصولهم وفروعهم فيهلكون ومن أين يوجدون!!

стр. 2632

وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ (١) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٢) ﴾ أي وعندما تكون الريح عاصفة وتضطرب السفن وتشرف على الغرق هنا يعلم المشركون الذين يخاصمون رسول الله ويجادلونه في الوحي الإلهي ويكذبون به يعلمون أنهم في هذه الحال ما لهم من محيص أي من ملجأ ولا مهرب من الله إلا إليه فيجأرون بدعاء الله وحده كما قال تعالى فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مظاهر ربوبية الله وألوهيته على خلقه. ٢- فضل الصبر والشكر وفضيلة الصابرين الشاكرين. ٣- تقرير قاعدة ما من مصيبة إلا بذنب مع عفو الله عن كثير. ٤- عند معاينة العذاب يعرف الإنسان ربه ولا يعرف غيره. فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)

стр. 2633

شرح الكلمات: فما أوتيتم من شيء: أي فما أعطيتم من شيء من متاع الدنيا كالمال والولد والمطعم والمشرب والملبس والمسكن والمنكح والمركب. فمتاع الحياة الدنيا: أي يتمتع به زمناً ثم يزول ولا يبقى. وما عند الله خير وأبقى: أي وما عند الله من ثواب الآخرة فهو خير في نوعه وأبقى في مدته. للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون: أي ما عند الله خير وأبقى لأصحاب الصفات التالية: الإيمان، والتوكل على الله، واجتناب كبائر الإثم والفواحش، والتجاوز عمن أساء إليهم، والاستجابة لربهم في كل ما دعاهم إليه فعلاً أو تركاً، وإقام الصلاة والمشورة (١) بينهم والإنفاق مما رزقهم الله، والانتصار عند البغي عليهم هذه عشرة صفات أصحابها ما أعده الله تعالى لهم يوم يلقونه خير من متاع الدنيا بكامله. وجزاء سيئة سيئة مثلها: أي جزاء سيئة المسيء عقوبته بما أوجبه الله عليه. فمن عفا وأصلح فأجره على الله: أي فمن عفا عمن أساء إليه وأصلح ما بينه وبينه فأجره على الله ثابت له. إنه لا يحب الظالمين: أي لا يحب البادئين بالظلم، ومن لم يحبه الله أذن في عقوبته. ولمن انتصر بعد ظلمه: أي ومن ظلمه ظالم فأخذ منه بحقه. فأولئك ما عليهم من سبيل: أي لمؤاخذتهم، لأنهم ما بدأوا بالظلم. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ (٢) مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هذا شروع في بيان صفات الكمال في المسلم التي يستوجب بها نعيم الآخرة ضمن التعريض بزينة الحياة الدنيا الفانية فقال تعالى ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ﴾ أيها الناس من مؤمن وكافر من شيء في هذه الحياة الدنيا من لذيذ الطعام والشراب وجميل اللباس، وفاخر المساكن وأجمل المناكح وأفره المراكب كل ذلك متاع الحياة الدنيا يزول ويفنى. أما ما عند الله أي ما أعده الله لأوليائه في الدار الآخرة فهو خير وأبقى لكن لمن أعده؟

стр. 2634

والجواب للذين آمنوا أي بالله وآياته ولقائه ورسوله وبكل ما جاء به والذين على ربهم لا على سواه يتوكلون ثقة في كفايته واعتماداً عليه، والذين يجتنبون أي يتركون كبائر (١) الإثم كالشرك والقتل والظلم وشرب الخمر وأكل الحرام والفواحش كالزنى واللواط. والذين إذا غضبوا يتجاوزون (٢) عمن أغضبهم ويغفرون له زلته أو إساءته إليهم والذين استجابوا لربهم (٣) عندما ناداهم ودعاهم لكل ما طلبه منهم، والذين أقاموا الصلاة فأدوها على وجهها المطلوب لها من خشوع مراعين شرائطها وأركانها وواجباتها وسننها وآدابها، والذين أمرهم شورى بينهم أي أمرهم الذي يهمهم في حياتهم أفراداً وجماعات وأمماً وشعوباً يجتمعون عليه ويتشاورون (٤) فيه ويأخذون بما يلهمهم ربهم بوجه الصواب فيه. والذين مما رزقهم الله من مال وعلم وجاه وصحة بدن ينفقون شكرا لله على ما رزقهم واستزادة للثواب يوم الحساب. والذين إذا أصابهم البغي أي إذا بغى عليهم البغاة الظلمة من الكافرين ينتصرون لأنفسهم إعذارا لها وإكراما لأنها أنفس الله وليها فالعزة واجبة لها. هذه عشر صفات متى اتصف بها العبد لا يضره شيء لو عاش الدهر كله فقيراً نقياًّ محروماً من لذيذ الطعام والشراب ومن جميل اللباس، والسكن والمركب إذ ما عند الله تعالى له خير أبقى مع العلم أن أهل تلك الصفات سوف لا يحرمون من طيبات الحياة الدنيا بل هم أولى بها من غيرهم إلا أنها ليست شيئاً يذكر إلى جانب ما عند الله يوم يلقونه ويعيشون في جواره. وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ هذا هو الحكم الشرعي جزاء المسيء العقوبة بما أوجب الله تعالى له في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . وقوله تعال فمن عفا عمن أساء إليه، أصلح ما بينه وبينه فعادت المودة وعاد الإخاء فأجره على الله وهو خير له وأبقى من شفاء صدره بعقوبة أخيه الذي أساء إليه. وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ تعليل لعظم الأجر لمن عفا أي كونه تعالى لا يحب الظالمين ضاعف الأجر وأجزل المثوبة للمظلوم إذا عفا وأصلح. وقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٥) ﴾ أي وللذي ظلم فانتصر لنفسه وردّ الظلم عنها فهؤلاء لا سبيل لكم إلى أذيتهم وعقوبتهم. هذا حكم الله وشرعه.

стр. 2635

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- متاع الحياة الدنيا إذا قوبل بما أعد الله للمؤمنين المتقين لا يعد شيئاً يذكر أبدا. ٢- بيان أكمل الشخصيات الإسلامية وهي الشخصية التي تتصف بالصفات العشر التي تضمنتها الآيات الأربع ذات الرقم (٣٦- ٣٧- ٣٨- ٣٩) . ٣- مشروعية القصاص وعقوبة الظالم. ٤- عدم مؤاخذة من ظلم فأخذ بحقه بلا زيادة عنه ما لم يكن حداً فإن الحدود يقيمها الإمام. ٥- فضيلة العفو على الإخوة المسلمين والإصلاح بينهم. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) شرح الكلمات: إنما السبيل: أي بالعقوبة والأذية. على الذين يظلمون الناس: أي يعتدون عليهم في أعراضهم وأبدانهم وأموالهم.

стр. 2636

ويبغون في الأرض بغير الحق: أي ويطلبون في الأرض الفساد فيها بالشرك والظلم والإجرام. ولمن صبر وغفر: أي ولمن صبر فلم ينتصر لنفسه وغفر وتجاوز عمن أساء إليه. إن ذلك: أي ذلك الصبر والتجاوز عن المسيء. لمن عزم الأمور: أي لمن معزومات الأمور المطلوبة شرعا. ومن يضلل الله: أي حسب سنته في الإضلال. فما له من ولي من بعده: أي فليس له من أحد يتولى هدايته ويقدر عليها. هل إلى مرد من سبيل: أي هل إلى مرد إلى الحياة الدنيا من سبيل نسلكها لنعود إلى الدنيا. وتراهم يعرضون عليها: أي على النار خاشعين خائفين متواضعين. ينظرون من طرف خفي: أي من عين ضعيفة النظر كما ينظر المقتول إلى السيف لا يملأ عينه منه. يوم القيامة: أي لخلودهم في النار، وعدم وصولهم إلى الحور العين في دار السلام. ألا إن الظالمين: أي المشركين. في عذاب مقيم: أي دائم لا يخرجون منه وهو عذاب الجحيم. ومن يضلل الله فما له من سبيل: أي طريق الهداية في الدنيا، وإلى الجنة يوم القيامة. معنى الآيات: لقد تقدم في قوله تعالى في الآية قبل هذه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ فلما نفى عن المنتصرين السبيل إلى عقوبتهم أثبت هنا أن السبيل إلى العقوبة والمؤاخذة هو على الذين (١) يظلمون الناس بالاعتداء عليهم في أبدانهم أو أعراضهم أو أموالهم يبغون في الأرض بغير الحق أي ويطلبون الفساد فيها بالشرك والظلم والمعاصي، وليس في الشرك والظلم والمعاصي من حق يبيحها، وقوله ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي للذين يبغون في الأرض بغير الحق لهم عذاب أليم أي موجع وهو عذاب الدنيا بعقوبتهم الصارمة ويوم القيامة إن لم يتوبوا من الظلم والفساد في الأرض. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٢) ﴾ يخبر تعالى مؤكداً الخبر بلام الابتداء أن من صبر فلم ينتصر لنفسه من أخيه المسلم وغفر لأخيه زلته فتجاوز له عنها فإن ذلك المذكور من الصبر والتجاوز من معزومات الأمور المطلوبة شرعا.

стр. 2637

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ (١) مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي ومن يضلله الله تعالى حسب سنته في الإضلال فليس له من أحد من بعد الله يهديه. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ﴾ أي المشركين لما رأوا العذاب أي عذاب النار يقولون: متمنيين الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا ويوحدوا حتى ينجوا من عذاب النار ويدخلوا الجنة مع الأبرار: هل إلى مرد من سبيل؟ أي هل إلى مرد إلى الدنيا من طريق؟ قال تعالى ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أي على النار خاشعين خاضعين متواضعين من الذل ينظرون من طرف خفي (٢) يسترقون النظر لا يملأون أعينهم من النظر إلى النار لشدة خوفهم منها. وهنا يقول الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة وذلك لخلودهم في النار وحرمانهم من الوصول إلى الحور العين في الجنة دار الأبرار، ويعلن معلن فيقول: ألا إن الظالمين لأنفسهم بالشرك والمعاصي في عذاب مقيم لا يبرح ولا يزول وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يخبر تعالى بأنه لم يكن لأولئك الظالمين من أهل النار من أولياء من دون الله ينصرونهم بتخليصهم من العذاب. وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي فما له طريق إلى هدايته في الدنيا وإلى الجنة يوم القيامة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- لا سبيل إلى معاقبة من انتصر لنفسه بعد ظلمه. ٢- وجوب معاقبة الظالم والضرب على يديه. ٣- فضيلة الصبر والتجاوز عن المسلم إذا أساء بقول أو عمل. ٤- لا أعظم خسرانا ممن يخلد في النار ويحرم الجنة وما فيها من نعيم مقيم. اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا

стр. 2638

أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْأِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠) شرح الكلمات: استجيبوا لربكم: أي أجيبوه لما دعاكم إليه من التوحيد والعبادة. من قبل أن يأتي يوم: أي يوم القيامة. لا مرد له من الله: أي إذا أتى لا يرد بحال. ما لكم من ملجأ يومئذ: أي تلجأون إليه وتتحصنون فيه. وما لكم من نكير: أي وليس لكم ما تنكرون به ذنوبكم لأنها في كتاب الله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. فإن أعرضوا: أي لم يجيبوا ربهم لما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة. إن عليك إلا البلاغ: وقد بلغت فلا مسئولية تخشاها بعد البلاغ. وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة: أي نعمة كالغنى والصحة والعافية. وإن تصبهم سيئة: أي بلاء كالمرض والفقر وغير ذلك. بما قدمت أيديهم: أي من الذنوب الخطايا. فإن الإنسان كفور: أي للنعمة والمنعم والإنسان هو غير المؤمن التقي. لله ملك السموات والأرض: أي خلقاً وملكاً وتصرفاً. يهب لمن يشاء إناثاً: أي يرزق من يشاء من الناس بنات. ويهب لمن يشاء الذكور: أي ويعطي من يشاء الأولاد الذكور. أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً: أي يجعلهم ذكوراً وإناثاً. ويجعل من يشاء عقيماً: أي لا يلد ولا يولد له.

стр. 2639

معنى الآيات: بعد ذلك العرض الهائل لأهوال وأحوال الظالمين في عرصات القيامة طلب الرب تعالى من عباده أن يجيبوه لما طلبه منهم إنقاذاً لأنفسهم من النار فقال: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ (١) ﴾ بمعنى أجيبوه لما دعاكم إليه من التوحيد والطاعات قبل فوات الفرصة وذلك قبل الموت وقبل يوم القيامة اليوم الذي إذا جاء لا مرد له من الله، إذ لا يقدر على رده إلا الله والله أخبر أنه لا يرده فمن يرده إذاً؟ فبادروا بالتوبة إلى ربكم قبل مجيئه حيث لا يكون لكم يومئذ ملجأ تلجأون إليه هاربين من العذاب ولا يكون لكم نكير يمكنكم أن تنكروا به ذنوبكم إذ قد جمعت لكم في كتاب واحد لم يترك صغيرة من الذنوب ولا كبيرة إلا أحصاها عدا. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٤٧) وهي قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٢) ﴾ . وقوله تعالى في الآية الثانية (٤٨) ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أي لم يجيبوا ربهم لما دعاهم إليه من التوحيد والطاعة ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ رقيباً تحصي أعمالهم وتحفظها لهم وتجازيهم بها. ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ أي ما عليك إلا البلاغ وقد بلغت وبرئت ذمتك فلا يهمك أمرهم ولا تحزن على إعراضهم.. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ (٣) مِنَّا رَحْمَةً﴾ أي نعمة كسعة رزق وصحة بدن وكثرة مال وولد فرح بها فرح البطر والأشر، وهذا الإنسان الكافر أو الجاهل الضعيف الإيمان. وإن تصبهم سيئة أي ضيق عيش ومرض وفقر بما قدمت أيديهم من الذنوب فإن الإنسان كفور سرعان ما ينسى النعمة والمنعم ويقع في اليأس والقنوط هذا الإنسان قبل أن يؤمن ويسلم ويحسن فإذا آمن وأسلم وأحسن تغير طبعه وطهر نبعه وأصبح يشكر عند النعمة ويصبر عند النقمة. وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ (٤) وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ إن بحكم سلطانه على الأرض والسماء فإنه يتصرف كيف يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم له ذكرانا وإناثاً، ويجعل من يشاء من الناس عقيماً لا يلد ولا يولد له، وهذا ناتج عن علم أحاط بكل شيء، وقدرة أخضعت لها كل شيء وهذا معنى قوله ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٥) فالواجب أن يسلم العبد لربه فيما وهبه وأعطاه إذ الله يعطي لحكمة ويمنع لحكمة، من السفه الاعتراض على حكم الله.

стр. 2640

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب الاستجابة لله تعالى في كل ما دعا العبد إليه، وذلك قبل أن يطلب الاستجابة ولا يمكن منها. ٢- على الدعاة إلى الله تعالى إبلاغ مطلوب الله تعالى من عباده، ولا يضرهم بعد ذلك شيء. ٣- بيان طبع الإنسان وحاله قبل أن يهذب بالإيمان واليقين والطاعات. ٤- لله مطلق التصرف في الملكوت كله فلا يصح الاعتراض عليه في شيء فهو يهب ويمنع لحكم عالية لا تدركها عقول العباد. ٥- وجود عقم في الرجال وعقم في النساء، ولا بأس بالعلاج الجائز المشروع عند الشعور بالعقم أو العقر. أما ما ظهر الآن من بنوك المني، والإنجاب بطريق صبّ ماء فحل في فرج امرأة عاقر وما إلى ذلك فهذه من أعمال الملاحدة الذين لا يدينون لله بالطاعة له والتسلم لقضائه، وإن صاموا وصلوا وادعوا أنهم مؤمنون إذ لا حياء لهم ولا إيمان لمن لا حياء له، وحسبهم قبحا في سلوكهم هذا الكشف عن السوءات بدون إنقاذ حياة ولا طلب رضا الله رب الأرض والسموات. وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)

стр. 2641

شرح الكلمات: إلا وحيا أو من وراء حجاب: أي إعلاما خفيا سريعاً في يقظة أو منام، أو يكلمه من وراء حجاب فيسمع الكلام ولا يرى الذات. أو يرسل رسولاً: أي يرسل ملكاً في صورة إنسان فيكلمه مبلغاً عن الله تعالى. إنه علي حكيم: أي الله تعالى ذو علو على سائر خلقه حكيم في تدبير خلقه. وكذلك أوحينا إليك: أي كما كنا نوحي إلى سائر رسلنا أوحينا إليك يا محمد هذا القرآن. روحاً من أمرنا: أي وحياً ورحمة من أمرنا الذي نوحيه إليك. ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان: أي لم تكن قبل تدري أي شيء هو الكتاب، ولا الإيمان الذي هو قول وعمل واعتقاد. ولكن جعلناه نوراً نهدي به: أي جعلنا القرآن نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا إلى صراطنا. وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم: أي الإسلام. ألا إلى الله تصير الأمور: أي ترجع أمور جميع العباد في يوم القيامة إلى الله تعالى. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً (١) ﴾ يخبر تعالى أنه ليس من شأن البشر كائنا من كان أن يكلمه الله تعالى إلا وحيا بأن يعلمه بطريق سريع خفي إلهاماً أو مناماً فيفهم عن الله تعالى ما ألقاه في روعه (٢) جازماً أنه كلام الله ألقاه إليه، هذه طريقة وثانية أن يكلمه الله تعالى فيسمعه كلامه بدون أن يرى ذاته كما كلم موسى ﵇ غيره مرة. وثالثة أن يرسل إليه رسولاً كجبريل ﵇ فيبلغه كلام ربه تعالى هذا معنى قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ (٣) رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ أي ذو علو على خلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره لخلقه. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ أي كما كنا نوحي إلى سائر رسلنا أوحينا إليك يا محمد روحا وهو القرآن وسمي روحاً لأن القلوب تحيا به كما تحيا الأجسام بالأرواح، وقوله

стр. 2642

﴿مِنْ أَمْرِنَا (١) ﴾ أي الذي نوحيه إليك الشامل للأمر والنهي والوعد والوعيد وقوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ أي القرآن ﴿وَلا الْأِيمَانُ (٢) ﴾ الذي هو عقيدة وقول وعمل. وقوله ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً﴾ أي جعلنا القرآن نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا إلى الإيمان بنا وتوحيدنا وطلب مرضاتنا بفعل محابّنا وترك مساخطنا. وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي وإنك يا رسولنا لتهدي إلى صراط مستقيم الذي هو الدين الإسلامي وقوله ﴿صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي خلقا وملكاً وعبيداً ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ أي وإليه تعالى مصير كل شيء، ومرد كل شيء إذ هو المالك الحق والمدبر لأمر المخلوقات كلها، ولذا وجب تفويض الأمر إليه والرضا بحكمه وقضائه ثقة فيه وفي كفايته. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان طرق الوحي وهي ثلاثة الأولى الإلقاء في الروع يقظة أو مناماً والثانية أن يكلم الله النبي بدون أن يرى ذاته كما كلم موسى في الطور وكلم محمداً ﷺ في الملكوت الأعلى والثالث أن يرسل إليه الملك إما في صورته الملائكية أو في صورة رجل من بني آدم فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه من أمره. ٢- القرآن الكريم روح تحيا به القلوب الميتة كما تحيا الأجسام بالأرواح. ٣- القرآن نور يستضاء به في الحياة فتعرف به طرق السعادة وسبل النجاة.

стр. 2643

سورة الزخرف مكية وآياتها تسع وثمانون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) شرح الكلمات: حم: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب حم ويقرأ: حا ميم. والكتاب المبين: أي والقرآن الموضح لطريق الهدى وسبيل السلام. إنا جعلناه قرآناً عربياً: أي جعلناه قرآنا بلسان العرب يقرأ بلسانهم ويفهم به. لعلكم تعقلون: أي رجاء أن تعقلوا أيها العرب، ما تؤمرون به وما تنهون عنه. وإنه في أم الكتاب لدينا: أي في اللوح المحفوظ كتاب المقادير كلِّها عندنا. لعلي حكيم: أي لذو علو وشأن على الكتب قبله لا يوصل إلى مستواه في علوه ورفعته حكيم أي ذو حكمة بالغة عالية لا يرام مثلها. أفنضرب عنكم الذكر صفحاً: أنمهلكم فنضرب عنكم الذكر صفحا أي لا ينزل القرآن بأمركم ونهيكم ووعدكم ووعيدكم. أن كنتم قوماً مسرفين: لأن كنتم قوما مسرفين متجاوزين الحد في الشرك والكفر كلا لا نفعل. وكم أرسلنا من نبي في الأولين: أي وكثيراً من الأنبياء أرسلناهم في القرون الأولى من الأمم الماضية. فأهلكنا أشد منهم بطشاً: أي فأنزلنا عذابنا بأشدهم قوة وبطشاً من قومك فأهلكناهم.

стр. 2644

ومضى مثل الأولين: أي ومضى في الآيات القرآنية صفة هلاك الأولين. معنى الآيات: حم الله أعلم بمراده به، ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (١) أي والقرآن الموضح لكل ما ينجي من عذاب الله ويكسب جنته ورضاه وهذا قسم أقسم الله به، والمقسم عليه قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ أي جعلنا الكتاب المبين الذي هو القرآن عربياً أي بلسان العرب ولغتهم. وقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ بيان للحكمة في جعل القرآن عربياً أي كي تعقلوا معانيه وتفهموا مراد الله منزله منه فيما يدعوكم إليه فيسهل عليكم العمل به فتكملوا وتسعدوا وقوله ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أي اللوح المحفوظ لدينا عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾ أي ذو علو وشأن على سائر الكتب قبله حكيم ذو حكمة بالغة عالية لا يرام مثلها. وقوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ (٢) عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ (٣) قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ أي أنمهلكم فنضرب عنكم الذكر صفحاً فلا ننزل القرآن حتى لا تؤمروا ولا تنهوا من أجل أنكم قوم مسرفون في الشرك والكفر والتكذيب كلا لا نفعل إذ الاستفهام للإنكار عليهم وقوله ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ (٤) نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ أي وكثيرا من الأنبياء أرسلنا في الأمم السابقة ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي ما أتى أمة من تلك الأمم رسول منا إلا سخروا منه واستهزأوا به، وبما جاءهم به من الإيمان والتوحيد ودعاهم إليه من فعل الصالحات وترك المحرمات إذاً فاصبر على قومك فإنهم سالكون سبيل من سبقهم في الكفر والتكذيب والسخرية والاستهزاء. وقوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً﴾ أي أهلكنا من هم أشد بطشا في تلك الأمم الماضية لما كذبوا رسلنا واستهزأوا بهم فكيف بهؤلاء الذين هم أضعف منهم وأقل قوة وقدرة فأحرى بهم أن لا يمتنعوا من عذابنا متى أردنا إنزاله بهم. وقوله ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي مضى في الآيات القرآنية صفة هلاك الأولين كقوم عاد وثمود وأصحاب مدين والمؤتفكات ألم يكن لقومك في ذلك عبرة لو كانوا يعتبرون؟

стр. 2645

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مشروعية الإقسام بالله تعالى. ٢- بيان شرف القرآن الكريم وعلو مكانته على سائر الكتب السابقة. ٣- كون الناس مسرفين في الشرك والفساد لا يمنع وعظهم ونصحهم وإرشادهم. ٤- بيان سنة بشرية وهي أنهم ما يأتيهم من رسول إلا استهزأوا به. ٥- في إهلاك الأقوى دليل على أن إهلاك من هو دونه أحرى وأولى لا سيما مع شدة الكفر. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤) شرح الكلمات: ولئن سألتهم: أي ولئن سألت هؤلاء المشركين من قومك يا رسولنا. من خلق السموات والأرض: أي من بدأ خلقهن وأوجدهن ليقولن خلقهن الله ذو العزة والعلم. الذي جعل لكم الأرض مهدا (١) : أي الله الذي جعل لكم الأرض فراشاً كالمهد للصبي.

стр. 2646

وجعل لكم فيها سبلا: أي طرقا. لعلكم تهتدون: أي إلى مقاصدكم في أسفاركم. ماء بقدر: أي على قدر الحاجة ولم يجعله طوفاناً مغرقاً ومهلكاً. فأنشرنا به بلدة ميتاً: أي فأحيينا به بلدة ميتاً أي لا نبات فيها ولا زرع. كذلك تخرجون: أي مثل هذا الإحياء للأرض الميتة بالماء تحيون أنتم وتخرجون من قبوركم. والذي خلق الأزواج كلها: أي خلق كل شيء إذ الأشياء كلها زوج ولم يعرف فرد إلا الله. وجعل لكم من الفلك والأنعام: أي السفن، والإبل. لتستووا على ظهوره: أي تستقروا على ظهور ما تركبون. وما كنا له مقرنين: أي مطيقين ولا ضابطين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون: أي لصائرون إليه راجعون. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة المشركين إلى التوحيد بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي ولئن سألت يا رسولنا هؤلاء المشركين من قومك قائلاً من خلق السموات والأرض أي من أنشأهن وأوجدهن بعد عدم لبادروك بالجواب قائلين الله ثم هم مع اعترافهم بربوبيته تعالى لكل شيء يشركون في عبادته أصناماً وأوثاناً. في آيات أخرى صرحوا باسم الجلالة الله وفي هذه الآية قالوا: العزيز العليم (١) أي الله ذو العزة التي لا ترام والعلم الذي لا يحاط به. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً﴾ أي فراشاً (٢) وبساطاً كمهد الطفل وهذا من كلام الله تعالى لا من كلام المشركين إذ انتهى كلامهم عند العزيز العليم فلما وصفوه تعالى بصفتي العزة والعلم ناسب ذلك ذكر صفات جليلة أخرى تعريفاً لهم بالله فقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً﴾ أي بساطا وفراشا، وجعل لكم فيها سبلاً أي طرقاً لعلكم تهتدون إلى مقاصدكم لنيل حاجاتكم في البلاد هنا وهناك، والذي نزل من السماء ماء بقدر هو المطر بقدر أي بكميات موزونة على قدر الحاجة منها فلم تكن ضحلة قليلة لا تنفع ولا طوفانا مغرقا مهلكا، وقوله

стр. 2647

﴿فَأَنْشَرْنَا (١) ﴾ أي أحيينا بذلك المطر بلدة ميتا أي أرضا يابسة لا نبات فيها ولا زرع. وقوله ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (٢) ﴾ أي مثل ذلك الإحياء للأرض الميتة يحييكم تعالى ويخرجكم من قبوركم أحياء. وقوله ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ هذا وصف آخر له تعالى بأنه خلق الأزواج كلها من الذكر والأنثى، والخير والشر والصحة والمرض، والعدل والجور، إذ لا فرد إلا هو وفي الحديث الصحيح الله وتر يحب الوتر، قل هو الله أحد وقوله ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ هذا وصف آخر بصفاته الفعلية الدالة على وجوده وقدرته وعلمه والموجبة لألوهيته إذ جعل للناس من الفلك أي السفن ما يركبون ومن الأنعام كالإبل ومن البهائم كالخيل والبغال والحمير كذلك وقوله ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي تستقروا على ظهوره أي ظهور ما تركبون، ثم تذكروا نعمة ربكم بقلوبكم إذا استويتم عليه وتقولوا بألسنتكم سبحان الذي سخر لنا هذا أي الله لنا وأقدرنا على التحكم فيه، وما كنا له أي لذلك الحيوان المركوب بمقرنين أي بمطيقين ولا ضابطين لعجزنا وقوته، ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أي لصائرون إليه بعد موتنا راجعون. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير التوحيد بذكر صفات الربوبية المقتضية للألوهية. ٢- تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٣- معجزة القرآن في الإخبار بالزوجية وقد قرر العلم الحديث نظام الزوجية وحتى في الذرة فهي زوج موجب وسالب. ٤- مشروعية التسمية والذكر عند ركوب ما يركب فإن كان سفينة أو سيارة قال العبد باسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم، وإن كان حيواناً قال عند الشروع باسم الله وإذا استوى قاعدا: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. (٣)

стр. 2648

وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْأِنْسَانَ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) شرح الكلمات: وجعلوا له من عباده جزاء: أي جعل أولئك المشركون المقرون بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض من عباده جزءاً إذ قالوا الملائكة بنات الله. إن الإنسان لكفور مبين: أي إن الإنسان المعترف بأن الله خلق السموات وجعل من عباده جزءاً هذا الإنسان لكفور مبين أي لكثير الكفر بينه. وأصفاكم بالبنين: أي خصكم بالبنين وأخلصهم لكم. بما ضرب للرحمن مثلاً (١) : أي بما جعل للرحمن شبهاً وهو الولد.

стр. 2649

ظل وجهه مسوداً وهو كظيم: أي أقام طوال نهاره مسود الوجه من الحزن وهو ممتلئ غيظا. أو من ينشأ في الحلية: أي أيجترئون على الله ويجعلون له جزءاً هو البنت التي تربى في الزينة. وهو في الخصام غير مبين: أي غير مظهر للحجة لضعفه بالأنوثة. عباد الرحمن إناثاً: أي لأنهم قالوا بنات الله. أشهدوا خلقهم: أي حضروا خلقهم عندما كان الرحمن يخلقهم. ستكتب شهادتهم: أي سيكتب قولهم إن الملائكة إناثاً. ويسألون: أي يوم القيامة عن شهادتهم الباطلة ويعاقبون عليها. ما لهم بذلك من علم: أي دعواهم أن الله راض عنهم بعبادة الملائكة لا دليل لهم عليه ولا علم. إن هم إلا يخرصون: أي ما هم إلا يكذبون يتوارثون الجهل عن بعضهم بعضا. أم آتيناهم كتاباً من قبله: أي أم أنزلنا عليهم كتاب قبل القرآن. فهم به مستمسكون: أي متمسكون بما جاء فيه، والجواب لم يقع ذلك أبداً. بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة: أي إنهم لا حجة لهم إلا التقليد الأعمى لآبائهم. وإنا على آثارهم مهتدون: أي على طريقتهم وملتهم ماشون وهي عبادة غير الله من الملائكة وغيرهم من الأصنام والأوثان. إلا قال مترفوها: أي متنعموها. إنا وجدنا آباءنا على أمة: أي ملّة ودين. وإنا على آثارهم مقتدون: أي على طريقتهم متبعون لهم فيها. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة المشركين إلى التوحيد، والمكذبين إلى التصديق فقال تعالى منكراً عليهم باطلهم موبخاً لهم على اعتقاده والقول به، فقال: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً﴾ أي وجعل أولئك المشركون الجاهلون لله جزءاً أي نصيباً من خلقه حيث قالوا الملائكة بنات الله، وهذا من أكذب الكذب وأكفر الكفر إذ كيف عرفوا أن الملائكة إناث، وأنهم بنات الله، وأنهم يستحقون العبادة مع الله فعبدوهم؟ حقاً إن الإنسان لكفور (١) مبين أي كثير الكفر وكبيره وبينه لا يحتاج فيه إلى دليل وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ (٢) مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ (٣) بِالْبَنِينَ﴾ أي أتقولون أيها المشركون المفترون اتخذ الله مما يخلق من

стр. 2650

المخلوقات بنات، وخصكم بالبنين، بمعنى أنه فضلكم على نفسه بالذكور الذين تحبون ورضي لنفسه الإناث اللاتي تبغضون. عجباً منكم هذا الفهم السقيم. وقوله تعالى وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا أي بما جعل لله شبها وهو الولد ظلّ وجهه مسوداً وهو كظيم، أي إن هؤلاء الذين يجعلون لله البنات كذبا وافتراء، إذا ولد لأحدهم بنت فشر بها أي أخبر بأن امرأته جاءت ببنت ظل وجهه طوال النهار مسوداً من الكآبة والغم وهو كظيم أي ممتلئ غماً وحزناً. وقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ (١) غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ينكر تعالى عليهم ويوبخهم على كذبهم وسوء فهمهم فيقول: أيجترئون ويبلغون الغاية في سوء الأدب ويجعلون لله من يربى في الزينة لنقصانه وهو البنات، وهو في الخصام غير مبين لخفة عقله حتى قيل ما أدلت امرأة بحجة إلا كانت عليها لا لها. فقوله ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أي غير مظهر للحجة لضعفه بالخِلقة وهي الأنثى والضمير عائد على من في قوله ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأ (٢) ُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ أي في الزينة. وقوله تعالى ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ (٣) الرَّحْمَنِ إِنَاثاً﴾ أي حيث قالوا الملائكة بنات الله وعبدوهم لذلك طلباً لشفاعتهم والانتفاع بعبادتهم. قال تعالى موبخاً لهم مقيما الحجة على كذبهم: أشهدوا خلقهم أي أحضروا خلقهم عندما كان الله يخلقهم، والجواب لا، ومن أين لهم ذلك وهم ما زالوا لم يخلقوا بعد ولا آباؤهم بل ولا آدم أصلهم ﵇ وقوله تعالى ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ هذه وهي قولهم إن الملائكة بنات الله ويسألون عنها ويحاسبون ويعاقبون عليها بأشد أنواع العقاب، لأنها الكذب والافتراء، وعلى؟ إنه على الله، والعياذ بالله وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ (٤) مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ . أي قال أولئك المشركون المفترون لمن أنكر عليه عبادة الملائكة وغيرها من الأصنام قالوا: لو شاء الرحمن منا عدم عبادتهم ما عبدناهم. قال تعالى في الرد عليهم ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي ليس لهم أي علم برضا الله تعالى بعبادتهم لهم، ما هم في قولهم ذلك إلا يخرصون أي يقولون بالخرص والكذب إذ العلم يأتي من طريق الكتاب أو النبي ولا كتاب عندهم ولا نبي فيهم قال بقولتهم. ولذا قال تعالى منكراً

стр. 2651

عليهم قولتهم الفاجرة ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ؟ لا لا، ما آتاهم الله من كتاب ولا جاءهم قبل محمد من نذير إذاً فلا حجة لهم إلا التقليد الأعمى للآباء والأجداد الجهال الضلال وهو ما حكاه تعالى عنهم في قوله: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي ملة (١) ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي ماشون مقتفون آثارهم وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أي رسول إلا قال مترفوها أي متنعموها بنضارة العيش وغضارته ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي ملة ودين ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ أي متبعون لهم فيها. فهذه سنة الأمم قبل أمتك يا رسولنا فلا تحزن عليهم ولا تك في ضيق بما يقولون ويعتقدون ويفعلون أيضاً. وهو معنى قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى آخر الآية. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير صفة من صفات الإنسان قبل شفائه بالإيمان والعبادة وهي الكفر والواضح المبين. ٢- وجوب إنكار المنكر ومحاولة تغييره في حدود ما يسمح به الشرع وتتسع له طاقة الإنسان. ٣- بيان حال المشركين العرب في الجاهلية من كراهيتهم البنات خوف العار وذلك لشدة غيرتهم. ٤- بيان ضعف المرأة ونقصانها ولذا تكمل بالزينة، وإن النقص فيها فطري في البدن والعقل معا. ٥- بيان أن من قال قولاً وشهد شهادة باطلة سوف يسأل عنها يوم القيامة ويعاقب عليها. ٦- حرمة القول على الله بدون علم فلا يحل أن ينسب إلى الله تعالى شيء لم ينسبه هو تعالى لنفسه. ٧- حرمة التقليد للآباء وأهل البلاد والمشايخ فلا يقبل قول إلا بدليل من الشرع. قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ

стр. 2652

مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) شرح الكلمات: قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم: قال لهم رسولهم: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بأهدى أي خير مما وجدتم عليه آباءكم هداية إلى الحق والسعادة والكمال. قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون: أي قال المشركون لرسلهم ردّا عليهم إنا بما أرسلتم به كافرون أي جاحدون منكرون غير معترفين به. فانظر كيف كان عاقبة المكذبين: أي كانت دماراً وهلاكاً إذا فلا تكترث بتكذيب قومك يا رسولنا. وإذ قال إبراهيم: أي واذكر إذ قال إبراهيم أبو الأنبياء خليل الرحمن. إنني براء مما تعبدون: أي بريء مما تعبدون من أصنام لا أعبدها إلا الذي فطرني فإنه سيهدين: أي لكن الذي خلقني فإني أعبده وأعترف به فإنه سيهديني أي يرشدني إلى ما يكملني ويسعدني في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وجعلها كلمة باقية في عقبه (١) : أي وجعل إبراهيم كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" باقية دائمة في ذريته إذ وصاهم بها كما قال تعالى ووصى بها إبراهيم بنيه. لعلهم يرجعون: أي رجاء أن يتوبوا إلى الله ويرجعوا إلى توحيده كلما ذكروها وهي لا إله إلا الله.

стр. 2653

بل متعت هؤلاء وآباءهم: أي هؤلاء المشركين وآباءهم بالحياة فلم أعاجلهم بالعقوبة. حتى جاءهم الحق ورسول مبين: أي إلى أن جاء القرآن يحمل الدين الحق، ورسول مبين لا شك في رسالته وهو محمد ﷺ يبين لهم طريق الهدى والأحكام الشرعية. وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم: أي وقال هؤلاء المشركون الذين متعناهم بالحياة فلم نعاجلهم، هلاّ نزل هذا القرآن على أحد رجلين من قريتي مكة أو الطائف أي الوليد بن المغيرة بمكة أو عروة بن مسعود الثقفي من الطائف. أهم يقسمون رحمة ربك: أي ينكر تعالى عليهم هذا التحكم والاقتراح الفاسد فقال أهم يقسمون رحمة ربك إذ النبوة رحمة من أعظم الرحمات. وليس لهم حق في تنبئة أحد إذ هذا من حق الله وحده. نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا: أي إذا كنا نحن نقسم بينهم معيشتهم فنغني هذا ونفقر هذا ونملك هذا ونعزل هذا، فكيف بالنبوة وهي أجل وأغلى من الطعام والشراب فنحن أحق بها منهم فننبئ من نشاء. ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً: أي جعلنا هذا غنيا وذاك فقيراً ليتخذ الغني الفقير خادماً يسخره في خدمته بأجرة مقابل عمله. ورحمة ربك خير مما يجمعون: أي والجنة التي أعدها الله لك ولأتباعك خير من المال الذي يجمع هؤلاء المشركون الكافرون. معنى الآيات: لما ذكر تعالى قول المشركين لرسلهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ "ملة" ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ، قال مخبراً عن قول الرسول لأمته المكذبة المقلدة للآباء الظالمين ﴿قَالَ أَوَلَوْ (١) جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ أي أتتبعون آباءكم ولا تتبعوني ولو جئتكم بأهدى إلى الخير والسعادة مما وجدتم عليه آباءكم، وهذا إنكار من الرسول عليهم في صورة استفهام وهو (٢) توبيخ أيضاً إذ العاقل يتبع الهدى جاء به من جاء قريباً كان أو بعيداً. وقوله تعالى ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ (٣) بِهِ كَافِرُونَ﴾ هذا قول الأمم المكذبة المشركة لرسلهم أي كل أمة قالت هذا لرسولها: إننا بما أرسلتم به من التوحيد وعقيدة البعث والجزاء والشرع وأحكامه كافرون أي منكرون

стр. 2654

مكذبون غير مصدقين، قال تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ (١) ﴾ أي لتكذيبهم فأهلكناهم فانظر يا رسولنا كيف كان عاقبتهم وهم المكذبون إنها دمار شامل وهلاك تام. وليذكر هذا قومك لعلهم يذكرون. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ (٢) وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ أي واذكر يا رسولنا لقومك قول إبراهيم الذي ينتسبون إليه باطلا لأبيه وقومه: إنني براء مما تعبدون أي إني بريء من آلهتكم التي تعبدونها فلا أعبدها ولا أعترف بعبادتها. وقوله ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أي لكن أعبد الله الذي خلقني فهو أحق بعبادتي مما لم يخلقني ولم يخلق شيئاً وهو مخلوق أيضا. وقوله ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ أي يرشدني دائما إلى ما فيه سعادتي وكمالي. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي وجعل براءته من الشرك والمشركين، وعبادته خاصة بالله رب العالمين جعلها كلمة باقية في ذريته حيث وصاهم بها كما جاء ذلك في سورة البقرة إذ قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ أي بأن لا يعبدوا إلا الله وهي إذاً كلمة لا إله إلا الله ورثها إبراهيم في بنيه لعلهم يرجعون إليها كلما غفلوا ونسوا وتركوا عبادة الله تعالى والإنابة إليه بعوامل الشر والفساد من شياطين الإنس والجن فيذكرون ويتوبون إلى الله تعالى فيوحدونه ويعبدونه فجزى الله إبراهيم عن المؤمنين خيرا. وقوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ (٣) هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أي بل لم يتحقق ما ترجاه إبراهيم كاملاً إذا أشرك من بنيه من أشرك ومنهم هؤلاء المشركون المعاصرون لك أيها الرسول وآباءهم، ومتعهم بالحياة حتى جاءهم الحق الذي هو هذا القرآن يتلوه هذا الرسول المبين أي الموضح لكل الأحكام والمبين لكل الشرائع. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ هكذا قالت قريش لما جاءها الحق الذي هو القرآن الحامل للشرائع والأحكام والرسول المبين لذلك الموضح له قالوا هذا سحر يسحرنا به، وإنا به أي بالقرآن والرسول كافرون أي جاحدون منكرون مكذبون وقالوا أبعد من ذلك في الشطط والغلط وهو ما حكاه تعالى عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ أي هلاّ نزل هذا القرآن على رجل شريف ذي مكانة مثل الوليد بن المغيرة (٤) في مكة أو عروة بن مسعود في الطائف

стр. 2655

وهذه نظرة مادية بحتة إذ رأوا أن الشرف بالمال، ولما كان محمد ﷺ لا مال له ولا ثراء رأوا أنه ليس أهلا للرسالة ولا للمتابعة عليها، فرد تعالى عيهم نظريتهم المادية الهابطة هذه بقوله: ﴿أَهُمْ (١) يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ؟ أما يخجلون عندما قالوا أهم يقسمون رحمة ربك فيعطون منها من شاءوا ويمنعون من شاءوا أم نحن القاسمون؟ إنا قسمنا بينهم معيشتهم: طعامهم وشرابهم وكساهم وسكنهم ومركوبهم في الحياة الدنيا فالعاجز حتى عن إطعام نفسه وسقيها وكسوتها كيف لا يستحي أن يعترض على الله في اختياره من هو أهل لنبوته ورسالته؟ وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أي في الرزق فهذا غني وذاك فقير من أجل أن يخدم الفقير الغني وهو معنى قوله تعالى: ﴿لِيَتَّخِذَ (٢) بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ ، إذ لو كانوا كلهم أغنياء لما خدم أحد أحداً وتعطلت الحياة وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ أي الجنة دار السلام خير مما يجمعون من المال الذي فضلوا أهله وإن كانوا من أحط الناس قدرا أدناهم شرفاً. ورأوا أنهم أولى بالنبوة منك لمرض نفوسهم بحب المال والشهوات. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- من الكمال العقلي أن يبتع المرء الهدى ولو خالفه قومه وأهل بلاده. ٢- وجوب البراءة من الشرك والمشركين وهذا معنى لا إله إلا الله. ٣- فضيلة من يورث أولاده هدى وصلاحاً. ٤- لا يعترض على الله أحد في شرعه وتدبيره إلا كفر والعياذ بالله تعالى. ٥- بيان الحكمة في الغنى والفقر، والصحة والمرض والذكاء والغباء. وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ

стр. 2656

كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) شرح الكلمات: أمة واحدة: أي على الكفر. ومعارج: أي كالسلم والمصعد الحديث والمعارج جمع معرج وهو المصعد. عليها يظهرون: أي يعلون عليها إلى السطح. زخرفاً: أي ذهباً أي لجعلنا لبيوتهم سقفاً من فضة وذهب وكذلك الأبواب والمصاعد والسرر بعضها من فضة وبعضها من ذهب. وإن كل ذلك: أي وما كل ذلك المذكور. لما متاع الحياة الدنيا: أي وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا يتمتع به فيها ثم يزول. والآخرة: أي الجنة ونعيمها خير لأهل الإيمان والتقوى من متاع الدنيا. معنى الآيات: لما فضل تعالى الجنة على المال والمتاع الدنيوي في الآيات السابقة قال هنا: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي على الكفر لجعلنا لمن يكفر بالرحمن (يعني نفسه لبيوتهم سقفاً من فضة، ومعارج (١) عليها يظهرون (٢) أي مراقي ومصاعد عليها يعلون إلى الغرف والسطوح من فضة ولجعلنا كذلك لبيوتهم أبواباً وسررا عليها يتكئون من فضة أيضاً، وزخرفاً أي وذهباً أي بعض المذكور من فضة وبعضه من ذهب ليكون أجمل وأبهى من الفضة وحدها، وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا أي وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا يتمتع به الناس ثم يزول ويذهب بزوالهم وذهابهم. والآخرة عند ربك أي الجنة وما فيها من نعيم مقيم للمتقين الذين آمنوا واتقوا الشرك والمعاصي وما عند الله خير مما عند الناس، وما يبقى خير مما يفنى، ولذا قال الحكماء لو كانت الدنيا من ذهب والآخرة من خزف "طين" لاختار العاقل الآخرة على الدنيا، وهو اختيار ما يبقى على ما ينفى.

стр. 2657

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- الميل إلى الدنيا وطلب متاعها فطري في الإنسان فلذا لو أعطيها الكافر بكفره لمال إليها كل الناس وطلبوها بالكفر. ٢- هوان الدنيا على الله وعدم الاكتراث بها إذ قال رسول الله ﷺ لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء رواه الترمذي وصححه وفي صحيح مسلم: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. (١) ٣- بيان أن الآخرة خير للمتقين. وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) شرح الكلمات: ومن يعش عن ذكر الرحمن: أي يعرض متعاميا متغافلا عن ذكر الرحمن الذي هو القرآن متجاهلا له. نقيض له شيطاناً: أي نجعل له شيطاناً يلازمه لإضلاله وإغوائه. فهو له قرين: أي فهو أي من عشا عن ذكر الرحمن قرين للشيطان. وإنهم ليصدونهم عن السبيل: أي وإن الشياطين المقارنين لهم ليصدون عن طريق الهدى. ويحسبون أنهم مهتدون: أي ويحسب العاشون عن القرآن وحججه وعن ذكر الرحمن

стр. 2658

وطاعته أنهم مهتدون أي أنهم على الحق والصواب وذلك بتزيين القرين لهم. بُعد المشرقين: أي كما بين المشرق والمغرب من البعد قال هذا تبرؤاً منه. ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم: أي ولن ينفعكم اليوم أيها العاشون إذ ظلمتم أنفسكم بالشرك والمعاصي. أنكم في العذاب مشتركون: اشترككم في العذاب غير نافع لكم. أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي:: أي إنك يا رسولنا لا تسمع الصم، ولا تهدي العمي والقوم قد أصمهم الله وأعمى أبصارهم لأنهم عشوا عن ذكره. ومن كان في ضلال مبين: أي كما أنك لا تقدر على هداية من كان في ضلال مبين عن الحق والهدى. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في عرض الهداية على الضالين بالكشف عن أحوالهم وإضاءة الطريق لهم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ (١) عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي يعرض متعاميا متغافلا عن ذكر الرحمن الذي هو القرآن وعبادة الرحمن متجاهلا ذلك نقيض (٢) له شيطاناً أي نسبب له نتيجة إعراضه شيطاناً ونجعله له قريناً لا يفارقه في الدنيا ولا في الآخرة. فهو له قرين دائما. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي وإن القرناء الذين جعلهم تعالى حسب سنته في الأسباب والمسببات للعاشين عن ذكره يصدونهم بالتزيين والتحسين لكل المعاصي حتى انغمسوا في كل اثم وولغوا في كل باطل وشر، وضلوا عن سبيل الهدى والرشد ومع هذا يحسبون أنهم مهتدون وغيرهم هم الظالمون. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ (٣) أي يوم القيامة قال العاشي عن ذكر الرحمن يا ليت متمنياً بيني وبينك بعد المشرقين أي يتمنى لو أن بينه وبين قرينه من الشياطين من البعد كما بين المشرق والمغرب. قال تعالى لأولئك العاشين ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنفسكم بالشرك والمعاصي في الدنيا أنكم في العذاب مشتركون أي إن اشتراككم في العذاب غير نافع لكم ولا مجدٍ أبدا. وقوله تعالى لرسوله: ﴿أَفَأَنْتَ (٤) تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ

стр. 2659

مُبِينٍ﴾ ينكر تعالى على رسوله ظنه أنه يقدر على هدايتهم وحده بدون إرادة الله تعالى ذلك لهم إذ كان النبي ﷺ يجتهد في دعائهم، وهم لا يزدادون إلا تعاميا وتجاهلا وكفرا فقال تعالى يخاطب رسوله ﴿أَفَأَنْتَ﴾ والاستفهام للإنكار تسمع الصم الذين ذهب الله بأسماعهم، أو تهدي العمي الذين ذهب الله بأبصارهم، ومن كان في ضلال مبين عن الحق وسبيل الرشد والهدى إنك لا تقدر على ذلك فهون على نفسك وترفق في دعوتك فإنك لا تكلف غير البلاغ وقد بلغت. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان سنة الله تعالى فيمن يعرض عن ذكر الله فإنه يسبب له شيطاناً يضله ويحرمه الهداية أبدا فيقيم على الذنوب والآثام ضالاً الطريق المنجي المسعد وهو يحسب أنه مهتدٍ، وهذا يتعرض له المعرضون عن الكتاب والسنة كالمبتدعة وأصحاب الأهواء والشهوات والعياذ بالله تعالى. ٢- الاشتراك في العذاب يوم القيامة لا يخففه. ٣- بيان أن من أعماه الله وأصمه حسب سنته في ذلك لا هادي له ولا مسمع له ولا مبصر. فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) شرح الكلمات: فإما نذهبن بك: أي فإن نذهبن بك أي نميتك (١) قبل تعذيبهم، وما زائدة أدغمت فيها إن الشرطية فصارت إمّا. فإنا منهم منتقمون: أي معذبوهم في الدنيا وفي الآخرة. وإما نرينك الذي وعدناهم: أي وإن نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب.

стр. 2660

فإنا عليهم مقتدرون: أي لا يعوقنا عائق لأنا عليهم قادرون. فاستمسك بالذي أوحي إليك: أي دم على استمساكك بالقرآن سواء عجلنا لك بالموعود به أو أخرناه. إنك على صراط مستقيم: أي إنك على طريق الحق والهدى فواصل سيرك. وإنه لذكر لك ولقومك: أي وإن القرآن لشرف لك وشرف لقومك. وسوف تسألون: أي عن القرآن أي عن العمل به بتطبيق شرائعه وإبلاغه لغيركم. واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا: أي اسأل مؤمني أهل الكتابين التوراة والإنجيل. أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون: أي هل جعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون والجواب لم نجعل أبداً فليفهم هذا مشركو مكة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة كفار قريش إلى الإيمان والتوحيد فقوله تعالى ﴿فَإِمَّا (١) نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ أي إن نذهب بك أي نخرجك من بين أظهرهم فإنا منهم منتقمون أي فنعذبهم كما عذبنا الأمم من قبلهم عندما يخرجون رسولهم أو نرينك الذي وعدناهم من نصرك عليهم وغلبتك لهم فإنا عليهم مقتدرون أي قادرون على أن نفعل بهم ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ (٢) بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي فتمسك يا رسولنا بما يأمرك به هذا القرآن الذي أوحاه إليك ربك إنك على صراط مستقيم وهو الإسلام الذي لا يشقى من تمسك به فعاش عليه ومات عليه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ أي وأن القرآن الذي أوحي إليك وأمرت بالتمسك به هو ذكر لك أي شرف لك وأي شرف (٣) ولقومك من قريش كذلك إذا آمنوا به وعملوا بما جاء فيه وسوف تسألون (٤) عن العمل به وتطبيق أحكامه والالتزام بشرائعه.

стр. 2661

وقوله ﴿وَاسْأَلْ (١) مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ؟ أي واسأل يا رسولنا مؤمني أهل الكتابين التوراة والإنجيل إذ سؤالهما سؤال رسلهم الذين ماتوا من قبلك هل جعل الله تعالى من دونه آلهة يعبدون؟ وسوف يجيبونك بقولهم حاشا لله أن يأذن بعبادة غيره من خلقه وهو الله لا إله إلا هو، وهذا من أجل تنبيه أذهان قريش إلى خطأها الفاحش في إصرارهم على عبادة الأصنام إن القرآن نزل لهدايتهم وهداية غيرهم من بني آدم على الإطلاق إلا أنهم هم أولاً وغيرهم ثانيا. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- من سنة الله في الأمم إذا أخرج الرسولَ قومُه مكرها انتقم الله تعالى له منهم فأهلكهم. ٢- صدق وعد الله تعالى لرسوله فإنه ما توفاه حتى أقر عينه بنصره على أعدائه. ٣- وجوب التمسك بالكتاب والسنة اعتقاداً وعملاً. ٤- شرف هذه الأمة بالقرآن فإن أضاعَتْه أضاعها الله وأذلهّا وقد فَعَلَ. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآياتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)

стр. 2662

شرح الكلمات: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا: أي أرسلناه بالمعجزات الدالة على صدق رسالته. إلى فرعون وملأه: أي وقومه من القبط. إذا هم منها يضحكون: أي سخرية واستهزاء. وما نريهم من آية: أي آيات العذاب كالطوفان. إلا هي أكبر من أختها: أي من قرينتها التي قبلها من الآيات. وقالوا يا أيها الساحر: أي أيها العالم بالسحر المتبحر فيه. بما عهد عندك: أي من كشف العذاب عنا إن آمنا. إنا لمهتدون: أي إن كشفت عنا العذاب إنا مؤمنون. إذا هم ينكثون: أي ينقضون عهدهم فلم يؤمنوا. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ إيراد هذا القصص هنا كان لمشابهة حال قريش بحال فرعون من جهة إذ قال رجال قريش لم لا يكون الرسول من ذوي المال والجاه كالوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود وقال فرعون: أم أنا خير من هذا الذي هو مهين أي حقير يعني موسى ﵇. ومن جهة أخرى كان لتسلية الرسول ﷺ وحمله على الصبر كما صبر موسى وهو أحد أولي العزم الخمسة فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا﴾ أي بحججنا الدالة على صدق موسى في رسالته إلى فرعون وقومه بأن يعبدوا الله ويتركوا عبادة غيره، وإن يرسلوا مع موسى بني إسرائيل ليذهب بهم إلى أرض المعاد "فلسطين" فلما جاءهم قال إني رسول رب العالمين جئتكم لآمركم بعبادة الله وحده وترك عبادة من سواه، إذ لا يستحق العبادة إلا الله. فطالبوه بالآيات على صدق دعواه فلما جاءهم بالآيات العظام فاجأوه بالضحك منها والسخرية والاستهزاء بها وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآياتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ (١) . وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ (٢) أي وما نري فرعون وملأه من آية إلا هي أكبر دلالة على صدق موسى من الآية التي سبقها. قال تعالى ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ

стр. 2663

يَرْجِعُونَ﴾ إلى الحق فيؤمنون ويوحدون. وقالوا لموسى يا أيها الساحر (١) أي العليم بالسحر المتبحر فيه ظناً منهم أن المعجزات كانت عمل ساحر. ادع لنا ربك (٢) بما عهد عندك إنا لمهتدون أي سل ربك يرفع عنا هذا العذاب كالطوفان والجراد والقمل والضفادع إنا مؤمنون وكانوا كلما نزل بهم العذاب سألوا موسى ووعدوه بالإيمان به إن رفع الله عنهم العذاب وفي كل مرة ينكثون عهدهم وهو قوله تعالى ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ أي ينقضون العهد ولا يؤمنون كما واعدوا. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الآيات دليل على صدق من جاء بها، ولكن لا تستلزم الإيمان ممن شاهدها. ٢- قد يؤاخذ الله الأفراد أو الجماعات بالذنب المرة بعد المرة لعلهم يتوبون إليه. ٣- حرمة خلف الوعد ونكث العهد، وأنهما من آيات النفاق وعلاماته. وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (٥٦)

стр. 2664

شرح الكلمات: ونادى فرعون في قومه: أي نادى فيهم افتخاراً وتبجحا بما عنده. وهذه الأنهار تجري من تحتي: أي من النيل تجري من تحت قصوري. أفلا تبصرن: أي عظمتي وما أنا عليه من الجلال والكمال. أم أنا خير: أي من موسى الذي هو مهين ولا يكاد يبين أي يفصح لِلثُّغة التي في لسانه. فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب: أي هلاّ ألقي عليه أسورة من ذهب من قِبَل الذي أرسله. أو جاء معه الملائكة مقترنين: أي أو جاءت الملائكة يتبع بعضها بعضاً تشهد له بالرسالة. فاستخف قومه فأطاعوه: أي استفز فرعون قومه أي قال لهم ما حركهم به فخفوا لطاعته. إنهم كانوا قوما فاسقين: أي أطاعوه لكونهم قوماً فاسقين ففسقهم هو علة طاعتهم. فلما آسفونا انتقمنا منهم: أي فلما أغضبونا انتقمنا منهم. فجعلناهم سلفا: أي فرعون وقومه سلفاً أي سابقين ليكونوا عبرة لمن بعدهم. ومثلاً للآخرين: أي يتمثلون بحالهم فلا يقدمون على مثل فعلهم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في قصة موسى مع فرعون قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ (١) فِي قَوْمِهِ﴾ لأجل الافتخار والتطاول إرهاباً للناس قال يا قوم أليس لي ملك مصر، وهذه الأنهار أي أنهار النيل (٢) تجري من تحتي (٣) أي من تحت قصوره، أفلا يبصرون فإذا أبصرتم فقولوا أنا خير (٤) من هذا الذي هو مهين أي حقير يتولى الخدمة بنفسه، ولا يكاد يبين أي يفصح بلسانه لعلة به وهي اللثغة أم هو؟. فلولا ألقي عليه أساورة (٥) من ذهب أي هلاّ ألقى عليه من أرسله أساورة من ذهب أو بعث معه الملائكة مقترنين يشهدون له بالرسالة. قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ أستفزهم بقوله هذا وحركهم فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين، والفاسق جبان خواف يستجيب بسرعة للباطل إن كان ممن يخاف عادة كالحاكم الظالم.

стр. 2665

وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ أي أغضبونا بنكثهم وكفرهم وكبريائهم وظلمهم أغرقناهم أجمعين أي فلم نبق منهم أحداً والمراد فرعون وجنوده. وقوله تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً (١) وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ﴾ أي جعلنا فرعون، ومن أغرقنا معه من ملائه وجيوشه سلفاًً أي سابقين ليكونوا عبرة لمن بعدهم، ومثلاً يتمثل به من بعدهم فلا يقدمون على ما أقدموا عليه من الكفر والظلم والعلو والفساد، وأولى من يعتبر بهذا قريش التي نزل لينبّهها ويحرك كامن نفسها لتنتبه من غفلتها فتؤمن وتوحد فتنجوا وتكمل وتسعد. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- ذم الفخر والمباهاة إذ هما من صفات المتكبرين والظالمين. ٢- الاحتقار للفقراء والازدراء بهم من صفات الجبارين الظلمة المتكبرين. ٣- الفسق يجعل صاحبه مطية لكل ظالم أداة يسخره كما يشاء. ٤- التحذير من غضب الرب ﵎ فإنه متى غضب انتقم فبطش. وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) شرح الكلمات: ولما ضرب ابن مريم مثلا: أي ولما جعل عيسى بن مريم مثلا، والضارب ابن الزبعري. إذا قومك منه يصدون: أي إذ المشركون من قومك يصدون أي يضحكون فرحاً بما سمعوا.
следующие страницы →