وقوله ﴿وَاسْأَلْ (١) مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ؟ أي واسأل يا رسولنا مؤمني أهل الكتابين التوراة والإنجيل إذ سؤالهما سؤال رسلهم الذين ماتوا من قبلك هل جعل الله تعالى من دونه آلهة يعبدون؟ وسوف يجيبونك بقولهم حاشا لله أن يأذن بعبادة غيره من خلقه وهو الله لا إله إلا هو، وهذا من أجل تنبيه أذهان قريش إلى خطأها الفاحش في إصرارهم على عبادة الأصنام إن القرآن نزل لهدايتهم وهداية غيرهم من بني آدم على الإطلاق إلا أنهم هم أولاً وغيرهم ثانيا.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- من سنة الله في الأمم إذا أخرج الرسولَ قومُه مكرها انتقم الله تعالى له منهم فأهلكهم.
٢- صدق وعد الله تعالى لرسوله فإنه ما توفاه حتى أقر عينه بنصره على أعدائه.
٣- وجوب التمسك بالكتاب والسنة اعتقاداً وعملاً.
٤- شرف هذه الأمة بالقرآن فإن أضاعَتْه أضاعها الله وأذلهّا وقد فَعَلَ.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآياتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)
стр. 2662
شرح الكلمات:
ولقد أرسلنا موسى بآياتنا: أي أرسلناه بالمعجزات الدالة على صدق رسالته.
إلى فرعون وملأه: أي وقومه من القبط.
إذا هم منها يضحكون: أي سخرية واستهزاء.
وما نريهم من آية: أي آيات العذاب كالطوفان.
إلا هي أكبر من أختها: أي من قرينتها التي قبلها من الآيات.
وقالوا يا أيها الساحر: أي أيها العالم بالسحر المتبحر فيه.
بما عهد عندك: أي من كشف العذاب عنا إن آمنا.
إنا لمهتدون: أي إن كشفت عنا العذاب إنا مؤمنون.
إذا هم ينكثون: أي ينقضون عهدهم فلم يؤمنوا.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ إيراد هذا القصص هنا كان لمشابهة حال قريش بحال فرعون من جهة إذ قال رجال قريش لم لا يكون الرسول من ذوي المال والجاه كالوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود وقال فرعون: أم أنا خير من هذا الذي هو مهين أي حقير يعني موسى ﵇.
ومن جهة أخرى كان لتسلية الرسول ﷺ وحمله على الصبر كما صبر موسى وهو أحد أولي العزم الخمسة فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا﴾ أي بحججنا الدالة على صدق موسى في رسالته إلى فرعون وقومه بأن يعبدوا الله ويتركوا عبادة غيره، وإن يرسلوا مع موسى بني إسرائيل ليذهب بهم إلى أرض المعاد "فلسطين" فلما جاءهم قال إني رسول رب العالمين جئتكم لآمركم بعبادة الله وحده وترك عبادة من سواه، إذ لا يستحق العبادة إلا الله. فطالبوه بالآيات على صدق دعواه فلما جاءهم بالآيات العظام فاجأوه بالضحك منها والسخرية والاستهزاء بها وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآياتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ (١) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ (٢) أي وما نري فرعون وملأه من آية إلا هي أكبر دلالة على صدق موسى من الآية التي سبقها. قال تعالى ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ
стр. 2663
يَرْجِعُونَ﴾ إلى الحق فيؤمنون ويوحدون. وقالوا لموسى يا أيها الساحر (١) أي العليم بالسحر المتبحر فيه ظناً منهم أن المعجزات كانت عمل ساحر. ادع لنا ربك (٢) بما عهد عندك إنا لمهتدون أي سل ربك يرفع عنا هذا العذاب كالطوفان والجراد والقمل والضفادع إنا مؤمنون وكانوا كلما نزل بهم العذاب سألوا موسى ووعدوه بالإيمان به إن رفع الله عنهم العذاب وفي كل مرة ينكثون عهدهم وهو قوله تعالى ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ أي ينقضون العهد ولا يؤمنون كما واعدوا.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الآيات دليل على صدق من جاء بها، ولكن لا تستلزم الإيمان ممن شاهدها.
٢- قد يؤاخذ الله الأفراد أو الجماعات بالذنب المرة بعد المرة لعلهم يتوبون إليه.
٣- حرمة خلف الوعد ونكث العهد، وأنهما من آيات النفاق وعلاماته.
وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (٥٦)
стр. 2664
شرح الكلمات:
ونادى فرعون في قومه: أي نادى فيهم افتخاراً وتبجحا بما عنده.
وهذه الأنهار تجري من تحتي: أي من النيل تجري من تحت قصوري.
أفلا تبصرن: أي عظمتي وما أنا عليه من الجلال والكمال.
أم أنا خير: أي من موسى الذي هو مهين ولا يكاد يبين أي يفصح لِلثُّغة التي في لسانه.
فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب: أي هلاّ ألقي عليه أسورة من ذهب من قِبَل الذي أرسله.
أو جاء معه الملائكة مقترنين: أي أو جاءت الملائكة يتبع بعضها بعضاً تشهد له بالرسالة.
فاستخف قومه فأطاعوه: أي استفز فرعون قومه أي قال لهم ما حركهم به فخفوا لطاعته.
إنهم كانوا قوما فاسقين: أي أطاعوه لكونهم قوماً فاسقين ففسقهم هو علة طاعتهم.
فلما آسفونا انتقمنا منهم: أي فلما أغضبونا انتقمنا منهم.
فجعلناهم سلفا: أي فرعون وقومه سلفاً أي سابقين ليكونوا عبرة لمن بعدهم.
ومثلاً للآخرين: أي يتمثلون بحالهم فلا يقدمون على مثل فعلهم.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في قصة موسى مع فرعون قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ (١) فِي قَوْمِهِ﴾ لأجل الافتخار والتطاول إرهاباً للناس قال يا قوم أليس لي ملك مصر، وهذه الأنهار أي أنهار النيل (٢) تجري من تحتي (٣) أي من تحت قصوره، أفلا يبصرون فإذا أبصرتم فقولوا أنا خير (٤) من هذا الذي هو مهين أي حقير يتولى الخدمة بنفسه، ولا يكاد يبين أي يفصح بلسانه لعلة به وهي اللثغة أم هو؟. فلولا ألقي عليه أساورة (٥) من ذهب أي هلاّ ألقى عليه من أرسله أساورة من ذهب أو بعث معه الملائكة مقترنين يشهدون له بالرسالة. قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ أستفزهم بقوله هذا وحركهم فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين، والفاسق جبان خواف يستجيب بسرعة للباطل إن كان ممن يخاف عادة كالحاكم الظالم.
стр. 2665
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ أي أغضبونا بنكثهم وكفرهم وكبريائهم وظلمهم أغرقناهم أجمعين أي فلم نبق منهم أحداً والمراد فرعون وجنوده. وقوله تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً (١) وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ﴾ أي جعلنا فرعون، ومن أغرقنا معه من ملائه وجيوشه سلفاًً أي سابقين ليكونوا عبرة لمن بعدهم، ومثلاً يتمثل به من بعدهم فلا يقدمون على ما أقدموا عليه من الكفر والظلم والعلو والفساد، وأولى من يعتبر بهذا قريش التي نزل لينبّهها ويحرك كامن نفسها لتنتبه من غفلتها فتؤمن وتوحد فتنجوا وتكمل وتسعد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- ذم الفخر والمباهاة إذ هما من صفات المتكبرين والظالمين.
٢- الاحتقار للفقراء والازدراء بهم من صفات الجبارين الظلمة المتكبرين.
٣- الفسق يجعل صاحبه مطية لكل ظالم أداة يسخره كما يشاء.
٤- التحذير من غضب الرب ﵎ فإنه متى غضب انتقم فبطش.
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)
شرح الكلمات:
ولما ضرب ابن مريم مثلا: أي ولما جعل عيسى بن مريم مثلا، والضارب ابن الزبعري.
إذا قومك منه يصدون: أي إذ المشركون من قومك يصدون أي يضحكون فرحاً بما سمعوا.
стр. 2666
وقالوا أآلهتنا خير أم هو؟ : أي ألهتنا التي نعبدها خير أم هو أي عيسى ابن مريم فنرضى أن تكون آلهتنا معه.
ما ضربوه لك إلا جدلا: أي ما جعلوه أي المثل لك إلا خصومة بالباطل لعلمهم أن ما لغير العاقل فلا يتناول اللفظ عيسى ﵇.
بل هم قوم خصمون: أي شديدو الخصومة.
إن هو إلا عبد أنعمنا عليه: أي ما هو أي عيسى إلا عبد أنعمنا عليه بالنبوة.
وجعلناه مثلا لبني إسرائيل: أي لوجوده من غير أب كان مثلا لبني إسرائيل لغرابته يستدل به على قدرة الله على ما يشاء.
ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة: أي ولو نشاء لأهلكناكم وجعلنا بدلكم ملائكة.
في الأرض يخلفون: أي يعمرون الأرض ويبعدون الله فيها يخلفونكم فيها بعد إهلاككم.
وإنه لعلم للساعة: أي وإن عيسى ﵇ لعلم للساعة تُعلم بنزوله إذا نزل.
فلا تمترن بها: أي لا تشكن فيها أي في إثباتها ولا في قربها.
واتبعون هذا صراط مستقيم: أي وقل لهم اتبعون على التوحيد هذا صراط مستقيم وهو الإسلام.
ولا يصدنكم الشيطان: أي ولا يصرفنكم الشيطان عن الإسلام.
إنه لكم عدو مبين: أي إن الشيطان لكم عدو بين العدواة فلا تتبعوه.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ روي أن ابنَ الزبعري قال لرسول الله ﷺ : لما نزلت آية الأنبياء إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ورادون قال: أهذا لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال رسول الله ﷺ هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم، فقال ابن الزبعري خصمتك ورب الكعبة، أليست النصارى يعبدون المسيح واليهود يعبدون العزير وبنو مليح يعبدون الملائكة فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرح بها المشركون وضحكوا وضجوا بالضحك مرتفعة أصواتهم بذلك ونزلت في هذه الحادثة الآية: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ (١) مَثَلاً﴾ أي ولما جعل ابن الزبعري عيسى بن مريم مثلاً إذ جعله مشابها للأصنام من حيث أن النصارى اتخذوه إلهاً وعبدوه من دون الله، وقال فإذا كان عيسى والعزير
стр. 2667
والملائكة في النار فقد رضينا أن نكون وآلهتنا معهم ففرح بها المشركون وصدوا (١) وضجوا بالضحك. وقالوا آلهتنا خير أم هو أي المسيح؟ قال تعالى لرسوله: ما ضربوه لك إلا جدلاً أي ما ضرب لك ابن الزبعري هذا المثل طلباً للحق وبحثاً عنه وإنما ضربه لك لأجل الجدل والخصومة بل هم قوم خصمون مجبولون على الجدل والخصام.
وقوله ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي عيسى ﴿إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة والرسالة، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائيلَ﴾ يستدلون به على قدرة الله وأنه على كل ما يشاء قدير إذ خلقه من غير أب كما خلق آدم من تراب ثم قال له كن فكان.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي ولو نشاء لأهلكناكم يا بني آدم ولم نبق منكم أحدا. وجعلنا بدَلَكم في الأرض ملائكة يخلقونكم فيها فيعمرونها ويعبدون الله تعالى فيها ويوحدونه ولا يشركون به سواه.
وقوله ﴿وَإِنَّهُ (٢) لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي إن عيسى ﵇ لعلامة للساعة أي إن نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان علامة على قرب الساعة. فلا تمترن بها أي فلا تشكّن في إتيانها فإنها آتية وقريبة. وقوله واتبعون أي وقل لهم يا رسولنا واتبعون على التوحيد وما جئتكم به من الهدى هذا صراط مستقيم أي الإسلام القائم على التوحيد الذي نزل به القرآن وجاء به رسول الله ﷺ . ولا يصدنكم الشيطان عن الإسلام بوساوسه وإغوائه فيصرفكم عن التوحيد والإسلام إنه لكم عدو مبين وليس أدل على عدوانه من أنه أخرج آدم بإغوائه من الجنة حسداً له وبغياً عليه. فمثل هذا العدو لا يصح أبداً الاستماع إليه والمشي وراءه واتباع خطواته. ومن يتبع خطواته يهلك.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان أن قريشا أوتيت الجدل والقوة في الخصومة.
٢- ذم الجدل لغير إحقاق حق أو إبطال باطل وفي الحديث ما ضل قوم بعد هُدى كانوا عليه إلا أتوا الجدل.
٣- شرف عيسى وعلو مكانته وأن نزوله إلى الأرض علامة كبرى من علامات قرب الساعة.
٤- تقرير البعث والجزاء.
٥- حرمة اتباع الشيطان لأنه يضل ولا يهدي.
стр. 2668
وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦)
شرح الكلمات:
ولما جاء عيسى بالبينات: أي ولما جاء عيسى بن مريم إلى بني إسرائيل بالمعجزات والشرائع.
قال قد جئتكم بالحكمة: أي قال لبنى إسرائيل قد جئتكم بالنبوة وشرائع الإنجيل.
ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه: أي وجئتكم لأبين لكم ما اختلفتم فيه من أحكام التوراة من أمر الدين وغيره.
فاتقوا الله وأطيعون: أي خافوا الله وأطيعون فيما أبلغكموه عن الله من الأمر والنهى.
إن الله ربي وربكم فاعبدوه: أي إن الله إلهي وإلهكم فاعبدوه بحبه وتعظيمه والذلة له.
هذا صراط مستقيم: أي تقوى الله وطاعة الرسول وعبادة الله بما شرع هو الإسلام المعبر عنه بالصراط المستقيم.
فاختلف الأحزاب من بينهم: أي في شأن عيسى أهو الله: أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة.
فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم: أي فويل للذين كفروا بما قالوا في عيسى من الكذب والباطل.
هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون: أي ما ينتظر هؤلاء الأحزاب مع إصرارهم على ما قالوه في عيسى إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فجأة وهم لا يشعرون.
معنى الآيات:
بعد أن ذكر تعالى جدل المشركين في مكة وفرحهم بالباطل الذي قاله ابن الزبعري في شأن
стр. 2669
الملائكة والعزير وعيسى ﵈ من أنهم في النار مع من عبدوهم، وبرأ تعالى الملائكة والعزير وعيسى لأنهم ما أمروا الناس بعبادتهم حتى يؤاخذوا بها، وإنما أمر بعبادتهم الشيطان فالشيطان ومن عبدوهم هم الذين في النار. وذكر تعالى شرف عيسى ومكانته وأنه عبد أنعم عليه بالنبوة وجعله مثلا لبني إسرائيل يستدلون به على قدرة الله تعالى إذ خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم وإنما خلقه من تراب ذكر رسالة عيسى ﵇ إلى بني إسرائيل ليكون ذلك موعظة لكفار مكة فقال تعالى ولما جاء عيسى بالبينات (١) أي جاء بني إسرائيل مصحوباً بالبينات هي الإنجيل والمعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وما إلى ذلك، قال لهم قد جئتكم بالحكمة أي النبوة من عند الله، ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من أحكام التوراة وأمور الدين إذاً فاتقوا الله (٢) يا بني إسرائيل أي خافوا عقابه المترتب على معاصيه وأطيعون فيما أبلغكموه من أمر ونهي عن الله تعالى، إن الله ربي وربكم أي إلهي وألهكم لا إله إلا هو فاعبدوه بفعل محابه وترك مساخطه حبا فيه وتعظيماً له ورهبة ورغبة. وقوله ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي هذا الذي دعوتكم إليه من اتقاء الله، وطاعة رسوله وعبادته وحده هو الطريق المستقيم الذي يفضي بسالكه إلى سعادة الدارين. قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ (٣) الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي من بين بني إسرائيل من يهود ونصارى فقالت طائفة من اليهود افتراء أن عيسى ابن مريم ابن زنا وأمه بغى وقالوا ساحر. وقال النصارى: هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة.
قال تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ أي مؤلم فتوعدهم الرب تعالى بالويل الذي هو واد يسيل في جهنم بما يتجمع من صديد فروج أهل النار وأبدانهم من دماء وقروح وأوساخ وهو عذاب يوم القيامة الأليم توعد هؤلاء الظالمين بما قالوا في عيسى عبد الله ورسوله ﵇ وقال تعالى: ﴿هَلْ (٤) يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ أي ما ينظرون إلا الساعة لأنهم ما تابوا إلى الله ولا راجعوا الحق فيما قالوه في عيسى بل أصروا: اليهود يصفونه بأخس الصفات والنصارى يصفونه بالألوهية التي هي حق الله رب عيسى ورب العالمين أن تأتيهم بغتة أي فجأة وهم لا يشعرون لأنهم مشغولون بالذرة والهدرجين والاستعمار والتجارة والانغماس في الشهوات كما هو واقع ومشاهد اليوم. وصدق الله العظيم.
стр. 2670
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان رسالة عيسى إلى بني إسرائيل.
٢- وجوب التقوى لله وطاعة الرسول، وتوحيد الله في عبادته.
٣- بيان شؤم الخلاف، وما يجره من التوغل في الكفر والفساد.
٤- وعيد الله لليهود والنصارى الذين لم يدخلوا في الإسلام بالويل وهو عذاب يوم أليم.
الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)
شرح الكلمات:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو: أي الأحباء يوم إذ تأتيهم الساعة بغتة.
إلا المتقين: فإن محبتهم تدوم لهم لأنها كانت في الله وطاعته.
يا عباد لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون: أي ينادون فيقال لهم لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون بل تحبرون أي تسرون وتكرمون.
يطاف عليهم بصحاف من ذهب: أي يطوف عليهم الملائكة بقصاع من ذهب وفيها الطعام وأكواب من ذهب فيها الشراب اللذيذ.
وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين: أي في الجنة ما تشتهيه الأنفس تلذذاً وتلذ الأعين نظراً إليه.
وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون: أي يقال لهم وهذه هي الجنة التي أورثكموها الله بأعمالكم
стр. 2671
الصالحة التي هي ثمرة إيمانكم الصادق وإخلاصكم الكامل.
معنى الآيات:
ما زال السياق في ذكر أحداث الساعة قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ (١) بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ أي إذا جاءت الساعة الأخلاء أي الأحباء في الدنيا يوم إذ تأتي الساعة بعضهم لبعض عدو فتنقطع تلك الخلة والمودة وتصبح عداء لأنها كانت على معصية الله تعالى وقوله إلا المتقين أي الله بفعل أوامره وترك نواهيه فإن مودتهم وخلتهم لا تنقطع لأنها كانت محبة في الله وما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل يناديهم ربهم بقوله ﴿يَا عِبَادِ (٢) لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ (٣) وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ، ويصفهم بقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا﴾ أي بالقرآن ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ أي منقادين لله ظاهراً وباطناً، ويقول لهم ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ أي أنتم وزوجاتكم المؤمنات تفرحون وتسرون وقوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ بيان لنعيم الجنة الذي ينعمون به وهو أنه يطاف عليهم بصحاف من ذهب (٤) وهي قصاع، فيها ألذ الطعام وأشهاه، وأكواب من ذهب أيضاً فيها ألذ الشراب والأكواب جمع كوب وهو إناء لا عروة له ولا خرطوم حتى يمكن الشرب منه من أي جهة من جهاته وفيها أي في الجنة ما تشتهيه الأنفس من سائر المستلذات، وتلذ الأعين من سائر المرئيات ويقال لهم لكم ما تشتهون وأنتم فيها خالدون لا تخرجون منها ولا تموتون فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ (٥) أي وهذه هي الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون من الصالحات والخيرات، وجه الوراثة أن الله تعالى خلق لكل إنسان منزلين أحدهما في الجنة والثاني في النار فكل من دخل الجنة ورث منزل أحد دخل النار فهذا أوجه التوارث والباء في بما
стр. 2672
كنتم تعملون سببية أي بسبب أعمالكم الصالحة التي زكت نفوسكم وطهرت أرواحكم فاستوجبتم دخول الجنة وإرث منازلها.
وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ (١) مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ أي يقال لهم هذا إكراما لهم وإسعاداً.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- كل خلة يوم القيامة تنقطع إلا خلة كانت في الله ولله ، ولذا ينبغي أن تكون المودة في الدنيا لله لا لغيره تعالى.
٢- بيان فضل التقوى وشرف المتقين الذين يتقون الشرك والمعاصي.
٣- بيان أن الرجل يجمع الله بينه وبين زوجته المسلمة في الجنة.
٤- بيان نعيم أهل الجنة من طعام وشراب وسائر المستلذات.
٥- الإيمان والعمل الصالح سبب في دخول الجنة كما أن الشرك والمعاصي سبب في دخول النار.
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)
شرح الكلمات:
إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون: أي إن الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي في جهنم خالدون لا يخرجون ولا يموتون.
لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون: أي لا يخفف عنهم العذاب وهم فيه ساكتون سكوت يأس.
стр. 2673
ونادوا يا ملك ليقض علينا ربك: أي نادوا مالكاً خازن النار قائلين له ليمتنا ربك.
قال إنكم ماكثون: أي أجابهم بعد ألف سنة مضت على دعوتهم بقوله إنكم ما كثون أي مقيمون في عذاب جهنم دائما.
لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون: أي علة بقائكم أنا جئناكم بالحق على لسان رسولنا والحق التوحيد وعبادة الله بما شرع فكره أكثركم الحق.
أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون: أي أحكموا في الكيد للنبي محمد ﷺ فإنا محكمون كيدنا في إهلاكهم.
ورسلنا لديهم يكتبون: أي وملائكتنا من الحفظة يكتبون ما يسرون وما يعلنون.
معنى الآيات:
لما ذكر تعالى الجنة ونعيمها ذكر في هذه الآيات النار وعذابها وهذا هو الترغيب والترهيب الذي امتاز به أسلوب القرآن في الدعوة إلى الله تعالى وهداية الخلق إلى الإصلاح قال تعالى ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ (١) ﴾ أي الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها بالشرك والمعاصي هؤلاء في عذاب جهنم خالدون، لا يفتر عنهم العذاب أي لا يخفف وهم فيه أي في العذاب مبلسون أي ساكتون آيسون قانطون. وقال تعالى ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ في تعذيبنا لهم بهذا العذاب ولكن كانوا هم الظالمين، حيث داسوا أنفسهم بالشرك والمعاصي.
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا (٢) رَبُّكَ﴾ يخبر تعالى أن أصحاب ذلك العذاب الدائم الذي لا يفتر فيخفف نادوا مالكاً خازن النار وقالوا له ليمتنا ربك فنستريح من العذاب فأجابهم مالك بعد ألف (٣) سنة قائلاً قال أي ربي إنكم ماكثون أي في عذاب جهنم، وعلل لهذا الحكم بالمكث أبداً فقال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي أرسلنا إليكم رسولنا بالحق يدعوكم إليه وهو الإيمان والعمل الصالح المزكي للنفوس فكره أكثركم (٤) ذلك فلم تؤمنوا ولم تعملوا صالحاً مؤثرين شهوات الدنيا على الآخرة فمتم على الشرك والكفر فهذا جزاء الكافرين.
стр. 2674
وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا (١) أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ أي بل أبرم هؤلاء المشركون أمراً يكيدون فيه للرسول ودعوته فإن فعلوا ذلك فإنا مبرمون أي محكمون أمراً مضاف لهم بتعذيبهم وإبطال ما أحكموه من الكيد للرسول ودعوته. وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ نسمع ذلك ورسلنا وهم الحفظة لديهم يكتبون ما يقولون سراً وجهراً. روي أن ثلاثة نفر قالوا وهم تحت أستار الكعبة فقال أحدهم أترون أن الله يسمع كلامنا؟ فقال أحدهم إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع وقال الثاني إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم فنزلت ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ (٢) وَنَجْوَاهُمْ﴾ أي نسمع سرهم ونجواهم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان عقوبة الإجرام على النفس بالشرك والمعاصي.
٢- عذاب الآخرة لا يطاق ولا يقادر قدره يدل عليه طلبهم الموت ليستريحوا منه وما هم بميتين.
٣- أكبر عامل من عوامل كراهية الحق حب الدنيا والشهوات البهيمية في الأكل والشرب والنكاح هذه التي تكرّه إلى صاحبها الدين وشرائعه التي قد تقيد من الإسراف في ذلك.
قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)
стр. 2675
شرح الكلمات:
قل إن كان للرحمن ولد: أي قل يا رسولنا لهؤلاء المشركين الزاعمين أن الملائكة بنات الله إن كان للرحمن ولد فرضاً.
فأنا أول العابدين: أي فأنا أول من يعبده تعظيما لله وإجلالاً ولكن لا ولد له فلا عبادة إذاً لغيره.
سبحان رب السموات: أي تنزّه وتقدس.
عما يصفون: أي عما يصفون به الله تعالى من أن له ولداً وشركاء.
فذرهم يخوضوا ويلعبوا: أي اتركهم يا رسولنا يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم.
وهو الذي في السماء إله: أي معبود في السماء.
وفي الأرض إله: أي ومعبود في الأرض.
وتبارك الذي له ملك السموات: أي تعاظم وجل جلال الذي له ملك السموات.
وعنده علم الساعة: أي عنده علم وقت مجيئها.
معنى الآيات:
سبق أن بكّت تعالى المشركين في دعواهم أن الملائكة بنات الله وتوعدهم بالعذاب على قولهم الباطل وهنا قال لرسوله محمد ﷺ قل لهم إن كان للرحمن (١) ولد كما تفترون فرضاً وتقديراً فأنا أول العابدين له (٢) ، ولكن لم يكن للرحمن ولد. فلم أكن لأعبد غير الله تعالى، هذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ . وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ نزه تعالى نفسه وقدسها وهو رب السموات والأرض ورب العرش أي مالك ذلك كله وسلطانه عليه جميعه عما يصفه المشركون به من أن له ولداً وشركاء. وهنا قال تعالى لرسوله إذا أصروا على باطلهم من الشرك والكذب على الله والافتراء عليه فذرهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون وهو يوم عذابهم المعد لهم وذلك يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ أي معبود في السماء ومعبود في الأرض أي معظم غاية التعظيم، ومحبوب غاية الحب ومتذلل له غاية الذل في الأرض والسماء وهو الحكيم في صنعه وتدبيره العليم بأحوال خلقه فهل مثله تعالى يفتقر إلى زوجة وولد تعالى
стр. 2676
الله عن ذلك علواً كبيراً. وقوله ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ (١) مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي تعاظم وجل جلاله وعظم سلطانه الذي له ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ والدنيا والآخرة، وعنده علم الساعة وإليه ترجعون أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة، وهو على كل شيء قدير.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- مشروعية التلطف في الخطاب والتنزل مع المخاطب لإقامة الحجة عليه كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وكما هنا قل إن كان للرحمن ولد من باب الفرض والتقدير فأنا أول العابدين له ولكن لا ولد له فلا أعبد غيره .
٢- تهديد المشركين بعذاب يوم القيامة.
٣- إقامة البراهين على بطلان نسبة الولد إلى الله تعالى.
وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)
شرح الكلمات:
ولا يملك الذين يدعون: أي يعبدونهم.
من دونه: أي من دون الله.
الشفاعة: أي لأحدٍ.
إلا من شهد بالحق: أي لكن الذي شهد بالحق فوحد الله تعالى على علم هذا الذي تناله شفاعة الملائكة والأنبياء.
فأنى يؤفكون: أي كيف يصرفون عن الحق بعد معرفته.
وقيله: أي قول النبي يا رب إن هؤلاء.
стр. 2677
فاصفح عنهم: أي أعرض عنهم.
وقل سلام فسوف: أي أمري سلام منكم، فسوف تعلمون عاقبة كفركم.
معنى الآيات:
لما أعلم تعالى في الآية السابقة أن رجوع الناس إليه يوم القيامة، وكان المشركون يزعمون أن آلهتهم من الملائكة وغيرها تشفع لهم يوم القيامة واتخذوا هذا ذريعة لعبادتهم فأعلمهم تعالى في هذه الآية (٨٦) أن من يدعونهم بمعنى يعبدونهم من الأصنام والملائكة وغيرهم (١) من دون الله لا يملكون الشفاعة لأحد، فالله وحده هو الذي يملك الشفاعة ويعطيها لمن يشاء هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ وقوله تعالى ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي استثنى الله تعالى أن من شهد بالحق أي بأنه لا إله إلا الله، وهو يعلم ذلك علماً يقيناً فهذا قد يشفع له الملائكة أو الأنبياء فقال ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم فالموحدون تنالهم الشفاعة بإذن الله تعالى. وقوله تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي ولئن سألت هؤلاء المشركين من خلقهم لأجابوك قائلين الله. فسبحان الله كيف يقرون بتوحيد الربوبية وينكرون توحيد العبادة فلذا قال تعالى: ﴿فَأَنَّى (٣) يُؤْفَكُونَ﴾ أي كيف يصرفون عن الحق بعد معرفته يعرفون أن الله هو الخالق لهم ويعبدون غيره ويتركون عبادته.
وقوله ﴿وَقِيلِهِ (٤) يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي ويعلم تعالى قيل رسوله وشكواه وهي يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون لما شاهد من عنادهم وتصلبهم شكاهم إلى ربه تعالى فأمره ربه أن يصفح (٥) عنهم أي يتجاوز عما يلقاه منهم من شدة وعنت وأن يقول لهم سلام وهو سلام متاركة لا سلام تحية وتعظيم أي قل لهم أمري سلام. فسوف تعلمون (٦) عاقبة هذا الإصرار على الكفر والتكذيب فكان هذا منه تهديداً لهم بذكر ما ينتظرهم من أليم العذاب إن ماتوا على كفرهم.
стр. 2678
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- لا يملك الشفاعة يوم القيامة أحدٌ إلا الله تعالى فمن أذن له شفع ومن لم يأذن له لا يشفع، ولا يشَّفَعُ إلا لأهل التوحيد خاصة أما أهل الشرك والكفر فلا شفاعة لهم.
٢- مشركو العرب على عهد النبوة موحدون في الربوبية مشركون في العبادة.
٣- مشروعية الصفح والتجاوز عند العجز عن إقامة الحدود وإعلاء كلمة الله تعالى.
стр. 2679
المجلد الخامس
سورة الدخان
مكية وآياتها تسع وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)
شرح الكلمات:
حم: هذا أحد الحروف المقطعة تكتب هكذا حم وتقرأ هكذا حاميم.
والكتاب المبين: أي القرآن المظهر للحلال والحرام في الأقوال والأعمال والاعتقادات.
إنا أنزلناه في ليلة مباركة: أي في ليلة القدر من رمضان.
стр. 2680
فيها يفرق كل أمر حكيم: أي يفصل كل أمر محكم من الآجال والأرزاق وسائر الأحداث.
أمراً من عندنا: أي فيها في ليلة القدر يفرق كل أمر حكيم أمراً من عندنا أي أمرنا بذلك أمراً من عندنا.
إنا كنا مرسلين رحمة من ربك: أي إنا كنا مرسلين الرسل محمداً ومن قبله رحمة من ربك بالمرسل إليهم من الأمم والشعوب.
إنه هو السميع العليم: أي السميع لأصوات مخلوقاته العليم بحاجاتهم.
إن كنتم موقنين: أي بأنه رب السماوات والأرض فآمنوا برسوله واعبدوه وحده.
بل هم في شك يلعبون: أي فليسوا بموقنين بل هم في شك من ربوبية الله تعالى لخلقه وإلا لعبدوه وأطاعوه
بل هم في شك يلعبون بالأقوال والأفعال لا يقين لهم في ربوبية الله تعالى وإنما هم مقلدون لآبائهم في ذلك.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿حم﴾ ١ هذا أحد الحروف المقطعة وهو من المتشابه الذي يفوض فهم معناه الى منزله فيقول: المؤمن: الله أعلم بمراده به، وقد ذكرنا له فائدتين جليلتين تقدمتا غير مامرة الأولى: أنه لما كان المشركون يمنعون سماع القرآن خشية التأثر به جاءت هذا الفواتح بصيغة لم تعهدها العرب في لغتها فكان إذا قرأ القارئ رافعا صوته مادّاً به هذه الحروف يستوقف السامع ويضطره إلى أن يسمع فإذا سمع تأثر واهتدى غالباً وأعظم بهذه الفائدة من فائدة والثانية: أنه لما ادعى العرب أن القرآن ليس وحيا إلهيا وإنما هو شعر أو سحر أو قول الكهان أو اساطير تحداهم الله تعالى بالإتيان بمثله فعجزوا فتحداهم بعشر سور فعجزوا فتحداهم بسورة فعجزوا فأعلمهم ان هذا المعجز انما هو مؤلف من مثل هذه الحروف حم طسم آلم فألفوا نظيره فعجزوا فقامت عليهم الحجة لعجزهم وتقرر أن القرآن الكريم كلام الله ووحيه أوحاه إلى رسوله ويؤكد هذه الفائدة أنه غالبا إذا ذكرت هذه الحروف في فواتح السور يذكر القرآن بعدها نحو طس تلك آيات القرآن، حم والكتاب المبين، آلم تلك آيات الكتاب الحكيم.
قوله تعالى ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ هذا قسم أقسم الله تعالى بالقرآن تنويها بشأنه ولله أن يقسم بما يشاء فلا حجر عليه وإنما الحجر على الإنسان أن يحلف بغير ربه ، والمراد من الكتاب المبين المقسم
стр. 2681
به القرآن العظيم, وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي القرآن ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أي كثيرة البركة والخير وهي ليلة القدر١ والتي هي خير من الف شهر. وقوله ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ ، ولذلك أرسلنا الرسول وأنزلنا القرآن لننذر الناس عذاب يوم القيامة حيث لا ينجى منه إلا الإيمان والعمل الصالح، ولا يعرفان إلا بالوحي فكان لابد من الرسول الذي يوحي إليه ولابد من الوحي الحامل لبيان الإيمان وأنواع العمل الصالح. وقوله فيها يفرق كل أمر حكيم أي في تلك الليلة المباركة يفصل كل أمر محكم مما قضى الله أن يتم في تلك السنة من أحداث في الكون يؤخذ ذلك من كتاب المقادير فيفصل عنه وينفذ خلال السنة من الموت والحياة والغنى والفقر والصحة والمرض والتولية والعزل فكل أحداث تلك السنة تفصل من اللوح المحفوظ ليتم احداثها في تلك السنة حتى إن الرجل ليتزوج ويولد له وهو في عداد من يموت فلا تنتهي السنة إلا وقد مات وقوله: ﴿أَمْراً مِنْ٢ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ أي كان ذلك أمراً من عندنا أمرنا به.
وقوله: إنا كنا مرسلين أي الرسل محمداً فمن قبله من الرسل رحمة من ربك بالناس المرسل إليهم إنه هو السميع لأقوالهم وأصواتهم العليم بحاجاتهم، فكان ارسال الرسل رحمة من ربك أيها الرسول فاحمده واشكره فإنه أهل الحمد والثناه وقوله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي خالق ومالك السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين، أي بأنه رب السموات والأرض وما بينهما فاعبدوه وحده فانه لا إله إلا هو يحي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين. قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ دال على أن إقرارهم بأن الله رب السموات ورب الخلق عندما يسألون لم يكن عن يقين إذ لو كان على يقين لما أنكروا توحيد الله وكفروا به إذاً فهم في شك يلعبون بالأقوال فقط كما يلعبون بالأفعال، لا يقين لهم في ربوبيته تعالى وانما هم مقلدون لآبائهم في ذلك.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان فضل ليلة القدر٣ وأنها في رمضان.
стр. 2682
٢- تقرير عقيدة القضاء والقدر وإثبات اللوح المحفوظ.
٣- إرسال الرسل رحمة من الله بعباده، فلم يكن زمن الفترة وأهلها أفضل من زمن الوحي.
٤- لم يكن إفراد المشركين بربوبية الله تعالى لخلقه عن علم يقيني بل هم مقلدون فيه فلذا لم يحملهم على توحيد الله في عبادته، وهذا شأن كل علم أو معتقد ضعيف.
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)
شرح الكلمات:
فارتقب: أي انتظر.
بدخان مبين: أي هو ما كان يراه الرجل من قريش لشدة الجوع بين السماء والأرض من
دخان.
يغشى الناس: أي يغشى أبصارهم من شدة الجهد الناتج عن الجوع الشديد.
ربنا اكشف عنا العذاب: أي يا ربنا إن كشفت عنا العذاب آمنا بك وبرسولك.
أنى لهم الذكرى: أي من أي وجه يكون لهم التذكر والحال أنه قد جاءهم رسول مبين فتولوا عنه وقالوا معلم مجنون.
معلم مجنون: أي أنه يعلمهم القرآن بشر مجنون أي مختلط عليه أمره غير مدرك لما يقول.
إنكم عائدون: أي إلى الكفر والجحود.
البطشة الكبرى: أي الأخذة القوية التي أخذناهم بها يوم بدر حيث قتلوا وأسروا.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ ١ الآية نزلت بعد أن دعا رسول الله ﷺ على قريش يوم كثر استهزاؤهم به
وسخريتهم منه وبما جاء به من الدين الحق فقال اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف أي
стр. 2683
أي سبع سنين من القحط والجدب فأمره ربه أن ينتظر ذلك فقال له فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى
الناس هذا عذاب أليم، واستجاب تعالى لرسوله وأصحاب قريشاً بقحط وجدب ماتت فيه مواشيهم وأصابهم جوع
أكلوا فيه العهن١ وشربوا فيه الدم، وكان الرجل يرفع رأسه إلى السماء فلا يرى إلا دخانا٢ يغشى بصره من شدة الجوع، حتى ضرعوا إلى الله وبعثوا إلى الرسول يطلبون منه أن يدعو الله تعالى أن يرفع عنهم هذا العذاب وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ أي برسولك وبما جاء به من الهدى والدين الحق.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ٣ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ أي ومن أين يأتيهم التذكر فينيبوا إلى ربهم ويسلموا له، والحال أنه قد جاء رسول مبين للحق مظهر له فعرفوه أنه رسول حق وصدق ثم تولوا عنه أي أعرضوا عنه وعما جاء به وقالوا معلم أي٤ هو رجل يعلمه غيره الذي يقوله ولم يكن رسولا وقالوا مجنون فلذا تذكرهم وتوبتهم مستبعدة جداً. وقوله تعالى: إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون وفعلاً كشف الله عنهم عذاب المخمصة ونزل الغيث بديارهم وسعدت بلادهم بعد شقاء دام سبع سنوات، وعادوا إلى الشرك وحرب الإسلام والمسلمين.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ ٥ أي وارتقب يا رسولنا يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون، وكان ذلك ببدر حيث انتقم الله منهم فقتل رجالهم بل صناديدهم وأسر من أسر منهم، وكان بطشة لم تعرفها قريش قط.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- صدق وعد الله لرسوله واستجابة دعائه ﷺ .
٢- الإيمان عند معاينة العذاب لا يجدي ولا ينفع.
стр. 2684
٣- بيان ما قابلت به قريش دعوة الإسلام من جحود وكفران.
٤- إخبار القرآن بالغيب وصدقه في ذلك آية أنه وحي الله وكلامه تعالى.
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)
شرح الكلمات:
ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون: أي ولقد اختبرنا قبلهم أي قبل كفار قريش قوم فرعون من الأقباط.
وجاءهم رسول كريم: أي موسى بن عمران صلوات الله عليه وسلامه.
أن أدوا إلي عباد الله: أي ادفعوا إلي عباد الله بني إسرائيل وأرسلوهم معي.
إني لكم رسول أمين: أي إني رسول الله إليكم أمين على وحيه ورسالته.
وأن لا تعلوا على الله: أي وبأن لا تطغوا على الله فتكفروا به وتعصوه.
إني آتيكم بسلطان مبين: أي بحجة واضحة تدل على صدقي في رسالتي وما أطالبكم به.
وإني عذت بربي وربكم أن: أي وأنى قد اعتصمت بربي وربكم واستجرت به أن ترجموني.
ترجمون
وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون: أي إن لم تصدقوني في ما جئتكم به فخلوا سبيلي واتركوني.
فدعا ربه: أي فلما كذبه فرعون وقومه وهموا بقتله نادى ربه يا رب.
إن هؤلاء قوم مجرمون: أي إن هؤلاء قوم مجرمون بالكفر والظلم.
فأسري بعبادي ليلا إنكم: أي فأجابه ربه بأن قال له فأسري بعبادي أي بني إسرائيل ليلاً إن
متبعون
стр. 2685
فرعون وجنده متبعوكم ليردوكم.
وأترك البحر رهواً: أي وإذا اجتزت أن وقومك البحر فتركه رهواً ساكناً كما هو حين دخلته مع بني إسرائيل.
إنهم جند مغرقون: أي إن فرعون وقومه جند والله مغرقهم في البحر.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾ ١ هذا شروع في قصة موسى مع فرعون لوجود تشابه بين أكابر مجرمي قريش وبين فرعون في ظلمه وعلوه، والقصد تسلية الرسول ﷺ ، وتخفيف ألمه النفسي من جراء ما يلاقي من أكابر مجرمي قريش في مكة فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ﴾ أي قبل كفار قريش قوم فرعون من القبط وجاءهم رسول كريم أي على ربه وعلى قومه من بني إسرائيل هو موسى بن عمران ﵇، أن أدوا أي بأن أدوا أي ادفعوا إلى عباد الله بني إسرائيل وأرسلوهم معي إني لكم رسول أمين على رسالتي صادق في قولي، وبأن لا تعلوا على الله أي بأن لا تطغوا على الله فتكفروا به وتعصوه فيما يأمركم به وينهاكم عنه. إني آتيكم بسلطان مبين أي بحجة بينة واضحة على صحة ما أطالبكم به. وإني عذت٢ بربي وربكم أي استجرت وتحصنت أن ترجمون بأقوالكم٣ أو أعمالكم، وإن لم تؤمنوا أي لم تصدقوا بما جئتكم به فاعتزلون ولما أبوا إلا أذاه وأرادوا قتله دعا ربه قائلا رب إن هؤلاء قوم مجرمون كفرة ظلمة يعني فرعون وملأه فأوحى إليه ربه تعالى فأسري٤ بعبادي أي بني إسرائيل إذ هم المؤمنون وغيرهم من القبط كافرون ليلا في آخر الليل وأعلمه أن فرعون وجنوده متبعون لهم ليردوهم وينكلوا بهم. وقوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ٥ رَهْواً إِنَّهُمْ٦ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ . إنه لما ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق فلقتين ودخل بنو إسرائيل البحر فاجتازوه أراد موسى أن يضرب البحر ليلتئم كما كان حتى لا يدخله فرعون وجنده فيدركوهم فقال له ربه تعالى أترك البحر رهواً أي ساكنا كما كان حين دخلتموه حتى إذا دخل فرعون وجنوده أطبقناه عليهم إنهم جند مغرقون وهذا الذي حصل فنجى٧ الله موسى وبني إسرائيل وأغرق فرعون وجنوده أجمعين.
стр. 2686
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجود تشابه كبير بين فرعون وكفار قريش في العلو والصلف والكفر والظلم.
٢- مشروعية الاعتبار بما سلف من أحداث في الكون والائتساء بالصالحين.
٣- وجوب الاستعاذة بالله تعالى والاستجارة به إذ لا مجير على الحقيقة إلا هو ولا واقي سواه.
٤- مشروعية دعاء الله تعالى على الظالمين وسؤاله النصر عليهم والنجاة منهم.
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآياتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ (٣٣)
شرح الكلمات:
كم تركوا من جنات: أي بساتين وحدائق غناء.
ومقام كريم: أي مجلس حسن ومحافل مزينة ومنازل حسنة.
ونعمة كانوا فيها فاكهين: أي نضرة عيش ولذاذته كانوا فيها ناعمين.
وأورثناها قوماً آخرين: أي بني إسرائيل.
فما بكت عليهم السماء: أي لهوانهم على الله بسبب كفرهم وظلمهم.
والأرض
وما كانوا منظرين: أي ممهلين حتى يتوبوا.
من العذاب المهين: أي قتل أبنائهم واستخدام نسائهم.
ولقد اخترناهم على علم على: أي اخترناهم على علم منا على عالمي زمانهم من الإنس والجن. وذلك لكثرة
العالمين الأنبياء منهم وفيهم.
стр. 2687
وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء: أعطيناهم من النعم ما فيه بلاء مبين أي واضح كانفلاق البحر والمن والسلوى.
مبين
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في قصة موسى ﵇ مع عدو الله فرعون عليه لعائن الرحمن قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا١ مِنْ جَنَّاتٍ﴾ أي كم ترك فرعون وجنوده اللذين هلكوا معه في البحر أي تركوا كثيراً من الجنات أي البساتين والعيون الجارية فيها سقي الزروع، ومقام كريم أي منازل حسنة ومحافل مزينة بأنواع الزينة والمحفل مكان الاحتفال، ونعمه٢ أي متعة عظيمة كانوا فيها فاكهين أي ناعمين مترفين وقوله تعالى: كذلك٣ هكذا كانت نعمتهم فسلبناهما منهم لكفرهم بنا وتعاليهم على شرائعنا وأوليائنا، ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ٤﴾ هم بنو إسرائيل إذ رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون. وقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ ، لأنهم كانوا كافرين لم يعملوا على الأرض خيراً ولم يعرج إلى السماء من عملهم خيرٌ فلم يبكون إنما يبكي المسلم تبكيه الأرض التي كان يسجد عليها ويعبد الله تعالى فوقها وتبكيه السماء التي كان كل يوم وليلة يصعد إليها عمله الصالح، وقوله وما كانوا منظرين أي ممهلين بل عاجلهم الرب بالعقوبة, ولم يمهلهم علهم يتوبون لعلم الله تعالى بطبع قلوبهم وكم واعدوا موسى إن رفع عنهم العذاب يؤمنون, وماآمنوا. وقوله تعالى ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين هذه بعض أياديه على بني إسرائيل وهي أنه نجاهم من العذاب المهين الذي كان فرعون وقومه يصبونه عليهم إذ كانوا يذبحون أبنائهم ويستحيون نسائهم للخدمة والامتهان وأي عذاب مهين أكبر من هذا؟ من فرعون أي من عذاب فرعون الذي كان ينزله بهم إنه كان عالياً من المسرفين أي كان فرعون جباراً طاغياً من المسرفين في الكفر والظلم. وقوله تعالى ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ﴾ أي بني إسرائيل على علم أي منا على العالمين أي عالمي زمانهم من الثقلين الإنس والجن, وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ﴾ أي أعطيناهم من الآيات ﴿مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ٥﴾ أي اختبار عظيم ومن تلك الآيات انفلاق البحر،
стр. 2688
وتظليل الغمام لهم والمن والسلوى في التيه إلى غير ذلك مما هو اختبار عظيم لهم أيشكرون أم يكفرون.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان سنة الله في سلب النعم وإنزال النقم بمن كفر نعم الله ولم يشكرها فعصى ربه وأطاع هواه ونفسه فترك الصلاة واتبع الشهوات وترك القرآن واشتغل بالأغاني، وأعرض عن ذكر الله واقبل على ذكر الدنيا ومفاتنها.
٢- بيان هوان أهل الكفر والفسق على الله وعلى الكون كله، وكرامة أهل الإيمان والتقوى على الله وعلى الكون كله حتى أن السماء والأرض تبكيهم إذا ماتوا.
٣- ذم العلو في الأرض وهو التكبر والإسراف في كل شيء.
٤- بيان أن الله يبتلي أي يختبر عباده بالخير والشر.
إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)
شرح الكلمات:
إن هؤلاء: أي المشركين من قريش.
إن هي إلا موتتنا الأولى: أي لا حياة بعدها ولا موت وهذا تكذيب بالبعث الآخر.
стр. 2689
وما نحن بمنشرين: أي بمبعوثين أحياء من قبورنا بعد موتنا.
فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين: أي فأت يا محمد بآبائنا الذين ماتوا إن كنت صادقاً في أننا بعد موتنا وبلانا نبعث أحياء من قبورنا.
أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم: أي هؤلاء المشركون خير في القوة والمناعة أم قوم تبع والذين من قبلهم كعاد.
أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين: أي أنزلنا بهم عقوبتنا فأهلكناهم إنهم كانوا قوما مجرمين.
لاعبين: أي عابثين بخلقهما لا لغرض صالح.
ما خلقناهما إلا بالحق: أي إلا لأمر اقتضى خلقهما وهو أن أذكر فيهما وأشكر.
إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين: أي إن يوم القيامة الذي يفصل فيه بين الخلائق ويحكم ميعادهم أجمعين حيث يجمعهم الله فيه.
يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً: أي يوم لا يكفي قريب قريبه بدفع شيء من العذاب عنه.
ولا هم ينصرون: أي لا ينصر بعضهم بعضا.
إلا من رحم الله: أي لكن من ﵀ فإنه يدفع عنه العذاب وينصر.
إنه هو العزيز الرحيم: أي الغالب المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في طلب هداية قوم النبي محمد ﷺ فما ذكر قصص موسى وفرعون إلا تنبيها وتذكيراً لعلهم يتذكرون فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ﴾ الأدنون الهابطين بعقولهم إلى أسوأ المستويات ما يستحون ولا يخجلون فيقولون إن هي١ إلا موتتنا الأولى منكرين للبعث والجزاء ليواصلوا كفرهم وفسقهم، فلذا قالوا وما نحن بمنشرين أي بمبعوثين أحياء من قبورنا كما تعدنا يا محمد، وإن أصررتم على قولكم بالحياة الثانية فأتوا بآبائنا الذين ماتوا ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ٢﴾ في ذلك وقولهم فأتوا وإن كنتم ليس من باب تعظيم الرسول ﷺ وإنما شعور منهم أنه ليس وحده في هذه الدعوة بل وراءه من هو دافع له على ذلك.٣
стр. 2690
وقوله تعالى: ﴿أَهُمْ١ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّع٢ٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ؟ انهم ليسوا بخير منهم بأي حال لا في المال ولا في الرجال فكما أهلكناهم نهلك هؤلاء، وأهلكنا الأولين لأنهم كانوا مجرمين أي على أنفسهم بالشرك والمعاصي، وهؤلاء مجرمون أيضاً فهم مستوجبون للهلاك وسوف يهلكون إن لم يتوبوا فيؤمنوا ويوحدوا ويطيعوا الله ورسوله.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ ما خلقناهما إلا بالحق ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ هذا دليل على البعث والجزاء إذ ليس من الحكمة أن يخلق الله الكون لا لشيء ثم يعدمه ولا شيء وراء ذلك هذا من اللعب والعبث الذي يننزه عنه العقلاء فكيف بواهب العقول جل وعز إنه ما خلق الكون إلا ليذكر فيه ويشكر فمن ذكره فيه وشكره أكرمه وجزاه بأحسن الجزاء، ومن تركه وكفره أهانه وجزاه بأسوء الجزاء وذلك يتم بعد نهاية هذه الحياة ووجود الحياة الثانية وهو يوم القيامة.
ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي إنً يوم القيامة لفصل القضاء والحكم بين الناس فيما اختلفوا من التوحيد والشرك، والبرور والفجور هو ميعادهم الذي يحضرون فيه أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون أي يوم لا يكفي أحد قريب كابن العم عن أحد بدفع شيء من العذاب عنه، ولا بنصر بعضهم بعضاً كما كانوا في الدنيا، وقوله تعالى إلا من رحم الله أي لكن من رحم الله في الدنيا بالإيمان والتوحيد فإنه يرحمه في الآخرة فيشفع فيه ولياً من أوليائه إنه تعالى هو العزيز أي الانتقام من أعدائه الرحيم بأوليائه. والناس بين ولي الله وعدوه فأولياؤه هم المؤمنون المتقون وأعداؤه هم الكافرون الفاجرون.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
٢- الإجرام هو سبب الهلاك والدمار كيفما كان فاعله.
٣- تبع الحميرى كان عبدا٣ صالحا ملكاً حاكماً وكان قومه كافرين فأهلكهم الله وأنجاه ومن معه
стр. 2691
من المؤمنين الصالحين ففي هذا الملك الصالح عبرة لمن يعتبر.
٤- تنزه الرب تعالى عن اللعب والعبث فيما يخلق ويهب، ويأخذ ويعطي ويمنع.
٥- يوم القيامة وهو يوم الفصل ميعاد الخليقة كلها حيث تجمع لفصل القضاء.
٦- لا تنفع قرابة ولا خلة ولا صداقة يوم القيامة، ولكن الإيمان والعمل الصالح.
إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)
شرح الكلمات:
إن شجرت الزقوم: أي الشجرة التي تثمر الزقوم وهي من اخبث الشجر ثمراً مرارة وقبحاً.
طعام الأثيم: أي ثمرها طعام الأثيم أبي جهل وأصحابه من ذوي الآثام الكبيرة.
كالمهل: أي كدردي الزيت الأسود.
يغلي في البطون كغلي الحميم: أي الماء الشديد الحرارة.
خذوه فاعتلوه: أي يقال للزبانية خذوه فاعتلوه أي جروه بغلظة وشدة.
إلى سواء الجحيم: أي إلى وسطها.
ذق إنك أنت العزيز الحكيم: أي ذق العذاب إنك كنت تقول ما بين جبلي مكة أعز وأكرم مني.
ما كنتم به تمترون: أي إن هذا العذاب الذي كنتم تمترون به أي تشكون فيه.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في ذكر النار وما فيها من ضروب العذاب قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ كأبي جهل وأضرابه من ذوي الآثام، وشجرة الزقوم تنبت في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين في القبح وثمرها الذي هو الزقوم مر أشد المرارة جعلها الله تعالى
стр. 2692
طعام الأثيم أبي جهل وذوي الآثام الكبيرة. وقوله تعالى في الإخبار عنها ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي١ الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ أي كدردي الزيت يغلي في بطون الآثمين كغلي الحميم أي الماء الحار الشديد الحرارة. وقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى٢ سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ ، ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم أي بقال للزبانية وهم الملائكة الموكلون بالنار وعذابها خذوه فاعتلوه أي ادفعوه واجذبوه بعنف إلى وسط الجحيم، ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم أي صبوا فوق رأسه الماء الحار الشديد الحرارة ويقال له: تهكما به ذق إنك أنت٣ العزيز الكريم أي كما كنت تقول في الدنيا إذ كان أبو جهل يقول: ما بين جبلي مكة أعز وأكرم مني، وكان يجمع أولاده ويضع بين أيديهم الزبدة وتمر العجوة ويقول لهم تزقموا هذا هو الزقوم الذي يهددنا به محمد اللهم صلي وسلم على نبينا محمد وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أي يقال لهم إن هذا أي العذاب الذي كنتم تشكون في أنه كائن يوم القيامة، وذلك لتكذيبهم بالبعث والجزاء يوم القيامة.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
٢- عظم عذاب النار وفظاعة ما يلاقيه ذوو الآثام الكبيرة فيها.
٣- يوجد شجرة بأريحا من الغور لها ثمر كالتمر حلو عفيص، لنواه دهن عظيم المنافع عجيب الفعل في تحليل الرياح الباردة وأمراض البلغم وأوجاع المفاصل والنقرس وعرق النسا والريح اللاحجة في حق الورك، يشرب منه زنة سبعة دراهم ثلاثة أيام، وربما أقام الزمنى، والمقعدين. ذكر هذا صاحب حاشية الجمل على الجلاليين عند تفسير هذه الآية. ولو أمكن أخذ هذا الثمر واستخراج زيته وتداوي به لكان خيرا.
٤- من أشد أنواع العذاب في النار العذاب النفسي بالتهكم والسخرية من المعذبين وهو العذاب المهين الذي يهين المعذبين ويدوس كرامتهم.
стр. 2693
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)
شرح الكلمات:
إن المتقين في مقام أمين: أي إن الذين اتقوا ربهم في الدنيا فآمنوا وعملوا الصالحات بعد اجتناب الشرك والمعاصي في مجلس آمين لا يلحقهم فيه خوف بحال.
في جنات وعيون: هذا هو المقام الأمين.
من سندس وإستبرق: أي مارق من الديباج، وما غلظ منه.
متقابلين: أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لأن الأسرة تدور بهم.
كذلك، وزوجناهم: أي الأمر كذلك وزوجناهم.
بحور عين: أي بنساء بيض واسعات الأعين.
يدعون فيها: أي يطلبون الخدم فيها أن يأتوهم بكل فاكهة.
آمنين: أي من انقطاعها ومن مضراتها ومن كل مخوفٍ.
لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة: أي لكن الموتة الأولى فقد ذاقوها.
الأولى
فإنما يسرناه بلسانك: أي سهلنا القرآن بلغتك.
لعلهم يتذكرون: أي يتعظون فيؤمنون ويوحدون لكنهم لا يؤمنون.
فارتقب إنهم مرتقبون: أي فانتظر هلاكهم فإنهم منتظرون هلاكك.
стр. 2694
معنى الآيات:
لما ذكر تعالى حال أهل النار عقب عليه بذكر حال أهل الجنة وهذا هو أسلوب الترغيب والترهيب الذي تميز به القرآن
الكريم لأنه كتاب دعوة وهداية زيادة على أنه كتاب تشريع وأحكام فقال عز قائل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي١ مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُون﴾ فأخبر تعالى أن الذين اتقوه في الدنيا فآمنوا به وأطاعوه في أمره ونهيه ولم يشركوا به هؤلاء في مقام أمين أي في مجلس آمن لا يلحقهم فيه خوف، وبين ذلك المقام الآمن بقوله ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ أي بساتين وعيون. يلبسون أي ثيابهم من٢ سندس واستبرق، والسندس مارق من الحرير والاستبرق ما غلظ منه، وقوله متقابلين أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لأن الأسرة التي هم عليها تدور. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي الأمر كذلك أي كما وصفنا وزوجناهم بحور٣ عين، الحوراء من النساء البيضاء ومن في عينيها حور وهو كبر بياض العين على سوادها والعين جمع عيناء وهو واسعة العينين. وقوله ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أي يطلبون الخدمة أن يوافوهم بكل فاكهة حال كونهم آمنين من انقطاعها ومن ضررها ومن كل مخوف يلحق بسببها أو بسبب غيرها.
وقوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ ٤ أي لا يذوقون في الجنة الموت بعد الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا فإن أهلها لا يمرضون ولا يهرمون ولا يموتون وقوله تعالى: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ، وهذا دال على أن غير المتقين من الموحدين قد يذوقون عذاب الجحيم قبل دخولهم الجنة بخلاف المتقين فإنهم لا يدخلون النار البتة وقوله تعالى: ﴿فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي كان ذلك الإنعام والتكريم فضلا من ربك إذ لم يستوجبوه لمجرد تقواهم وقد قال الرسول ﷺ في حديث مسلم "سددوا وقاربوا وأبشروا واعلموا أنه لن يدخل أحدكم الجنة عمله" قالوا ولا أنت يا سول الله قال "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل". وقوله ذلك هو الفوز العظيم. أي النجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم وهو كما في قوله من سورة آل عمران: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون٥َ﴾ أي فإنما سهلنا القرآن بلغتك العربية
стр. 2695
لعلهم يتذكرون فيتعظون فيؤمنون ويتقون. لكن أكثرهم لم يتعظ فارتقب ما يحل بهم فإنهم منتظرون ما يكون لك من نجاح أو إخفاق.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- فضل التقوى وكرامة أهلها والتقوى هي خشية من الله تحمل على طاعة الله بفعل محابه وترك مكارهه.
٢- بيان شيء من نعيم أهل الجنة ترغيباً في العمل لها.
٣- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
٤- بيان الحكمة من تسهيل فهم القرآن الكريم وهو الاتعاظ المقتضي للتقوى.
стр. 2696
سورة الجاثية
مكية وآياتها سبع وثلاثون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)
شرح الكلمات:
حم: هذا أحد الحروف الهجائية يكتب هكذا: حم ويقرأ هكذا: حاميم
تنزيل الكتاب: أي القرآن.
من الله العزيز الحكيم: أي من عند الله العزيز الانتقام من أعدائه الحكيم في تدبيره.
стр. 2697
إن في السموات والأرض: أي إن في خلق السموات والأرض.
لآيات: أي لدلالات واضحات على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته وهي موجبات الربوبية والألوهية له وحده دون سواه.
للمؤمنين: أي لأنهم بالإيمان أ؛ ياء يبصرون ويسمعون فيرون الآيات.
وفي خلقكم: أي وفي خلقكم أيها الناس وتركيب أعضائكم وسلامة بناينكم.
وما بث من دابة: أي وما خلق ونشر من أنواع الدواب من بهائم وغيرها.
آيات لقوم يوقنون: أي علامات على قدرة الله تعالى على البعث الآخر إذ الخالق لهذه العوالم قادر على إعادتها بعد موتها، ولكن هذه الآيات لا يراها إلا القوم الموقنون في إيمانهم بربوبية الله وألوهيته وصفات الجلال والكمال له.
واختلاف الليل والنهار: أي بمجيء هذا وذهاب ذاك وطول هذا وقصر ذاك على مدى الحياة.
وما أنزل الله من السماء من رزق: أي من مطر، وسمي المطر رزقاً لأنه يسببه.
فأحيا به الأرض بعد موتها: أحيا بالمطر الأرض بعد موت نباتها بالجدب.
وتصريف الرياح: أي من صبا إلى دبور، ومن شمال إلى جنوب، ومن سموم إلى باردة ومن نسيم إلى عاصفة.
آيات لقوم يعقلون: أي في اختلاف الليل والنهار وإنزال المطر وإحياء الأرض وتصريف الرياح دلالات واضحة على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته واقتضاء ذلك ربوبية الله وألوهيته، لقوم يعقلون أي يستعملون عقولهم في إدراك الأشياء واستنتاج النتائج من مقدماتها.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿حم﴾ : الله أعلم بمراده به إذ هو من المتشابه الذي أمرنا أن نؤمن به ونفوض أمر معناه إلى من أنزله . وقد ذكرنا مرات فائدتين لهذه الحروف المقطعة فلتراجع في أكثر السور المفتتحة بالحروف المقطعة كحم الدخان السورة التي قبل هذه السورة. وقوله
стр. 2698
تعالى تنزيل١ الكتاب من الله العزيز الحكيم أي تنزيل القرآن كان من عند الله العزيز أي الانتقام من أعدائه الحكيم في تدبير أموره خلقه وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي في خلقهما وإيجادهما وما فيها من عجائب الصنعة كآيات للمؤمنين٢ تدلهم على استحقاق ربهم للعبادة دون سواه من سائر خلقه، وخص المؤمنون بهذه الآيات لأنهم أحياء يسمعون ويبصرون ويعقلون فهم إذا نظروا في السموات والأرض تجلت لهم حقائق أن الخالق لهذه العوالم لن يكون إلا قادراً عليماً حكيماً عزيزاً ومن ثم وجب أن لا يعبد إلا هو، وكل عبادة لغيره باطلة.
وقوله: وفي خلقكم أيها الناس أي في أطوار خلقكم من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى بشر سوى الخلقة معتدل المزاج والتركيب له سمع وبصر ونطق وفكر.
وما يبث من دابة أي وما يخلق وما يفرق وينشر في الأرض من أنواع الدواب والبهائم والحيوانات على اختلافها من برية وبحرية آيات لقوم٣ يوقنون أي يوقنون في إيمانهم بالله تعالى وآياته، كما يوقنون بحقائق الأشياء، الثابتة لها فالواحد مع الواحد اثنان والموجود ضد المعدوم، والأبيض خلاف الأسود، والابن لابد به من أب، والعذب خلاف المر فأصحاب هذا اليقين يرون في خلق الإنسان والحيوان آيات دالة على وجود الله وعلمه وعزته وحكمته وقدرته على البعث والجزاء الذي أنكره عادموا العقول من المشركين والكافرين. وقوله: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ أي بتعاقبهما بمجيء الليل وذهاب النهار، والعكس كذلك وبطول أحدهما وقصر الآخر تارة والعكس كذلك وما أنزل الله من السماء من رزق أي من مطر هو سبب الرزق فأحيا به الأرض بعد موتها بيبس النبات وموته عليها، وتصري الرياح من صبا إلى دبور، ومن شمال إلى جنوب ومن رخاء لينة إلى عاصفة ذات برد أو سموم إن في المذكورات آيات حججاً ودلائل دالة على وجود عبادة الله وتوحيده في ذلك، ولكن لقوم٤ يعقلون أي لذوي العقول النيرة السليمة. أم الذين لا عقول لهم فلا يرون ولا في غيرها آية فضلا عن آياتٍ.
стр. 2699
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- عظم شأن القرآن الكريم لأنه تنزيل الله العزيز الحكيم.
٢- الإيمان أعم من اليقين ومقدم عليه في الترتيب واليقين أعلى في الرتبة.
٣- فضل العق١ل السليم إن استخدم في الخير وما ينفع.
٤- تقرير ألوهية الله تعالى بتقرير ربوبيته في الخلق والتدبير والعلم والحكمة.
تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)
شرح الكلمات:
تلك آيات الله: أي تلك الآيات المذكورة آيات الله أي حججه الدالة على وحدانيته.
نتلوها عليك بالحق: أي نخبرك عنها بالحق لا بالباطل كما يخبر المشركون عن آلهتهم أنها تقربهم إلى الله زلفى كذبا وباطلا.
فبأي حديث بعد الله وآياته: أي فبأي حديث أيها المشركون بعد حديث الله هذا الذي يتلوه عليكم وبعد حججه هذه.
تؤمنون: أي تصدقون والجواب أنكم لا تؤمنون.
ويل لكل أفاك أثيم: أي عذاب الويل لكل كذاب ذي آثام كبيرة وكثيرة.
стр. 2700
يسمع آيات الله تتلى عليه: أي يسمع آيات القرآن كتاب الله تقرأ عليه.
ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها: أي ثم يصر على الكفر حال كونه مستكبراً عم الإيمان والتوحيد كأن لم يسمعها.
وإذا علم من آياتنا شيئاً: أي إذا بلغه شيء من القرآن وعلم أنه من القرآن.
اتخذها هزوا: أي اتخذ تلك الآية أو الآيات مهزواً بها متهكما ساخراً منها.
له عذاب مهين: أي ذو إهانة لهم يهانون به وتكسر أنوفهم.
من ورائهم جهنم: أي أمامهم جهنم وذلك يوم القيامة، والوراء يطلق على الأمام كذلك.
ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً: أي لا يكفى عنهم ما كسبوه من المال والأفعال التي كانوا يعتزون بها شيئاً من الإغناء.
ولا ما اتخذوا من دون الله من: أي ولا يغني عنهم كذلك ما اتخذوه من أصنام آلهة عبدوها دون الله تعالى.
أولياء
هذا هدىً: أي هذا القرآن الذي أنزله الله تعالى على عبده ورسوله محمد ﷺ هدىً أي كله حجج وبراهين ودلالات هادية.
والذين كفروا بآيات ربهم: أي والذين كفروا بالقرآن فلم يهتدوا به وبقوا على ضلالهم من الشرك والمعاصي.
لهم عذاب من رجز أليم: أي لهم عذاب موجع من نوع الرجز وهو أشد أنواع العذاب.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في طلب هداية قريش فبعد أن بين تعالى آياته في الآفاق وفي الأنفس قال لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١ تلك آيات الله أي تلك الآيات المذكورة أي آيات الله أي حججه الدالة على وجوده وعلمه وقدرته وموجبة لربوبيته على خلقه وألوهيته فهو الإله الحق الذي لا إله إلا هو حق سواه.
وقوله فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون أي إن لم يؤمن هؤلاء المشركون بالله رباً وإلهاً ولا رب غيره ولا إله سواه، وبآياته القرآنية الحاملة للهدى والخير والنور فبأي شيء يؤمنون أي يصدقون لا شيء يؤمنون لأن الاستفهام إنكاري والإنكار كالنفي في معناه. وقوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ٢﴾ يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها هذا