أفٍ لكما: أي نتناً وقبحاً لكما.
أن اخرج: أي من القبر حيا بعد موتي.
وقد خلت القرون: أي مضت الأمم قبلي ولم يخرج منها أحد من قبره.
وهما يستغيثان الله: أي يطلبان الغوث برجوع ولدهما إلى الإيمان بعد الإلحاد والكفر.
ويلك آمن: أي يقولان له إن لم ترجع ويلك أي هلاكك أي هلكت آمن بالبعث.
إن وعد الله حق: وقد وعد العباد بالرجوع إليه ومحاسبتهم على أعمالهم ومجازاتهم بها.
فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين: أي ما القول بوجود بعث للناس أحياء بعد الموت إلا أكاذيب الأولين.
أولئك الذين حق عليهم القول: أي وجب عليهم القول بالعذاب يوم القيامة.
في أمم قد خلت من قبلهم: أي في جملة أمم قد مضت من قبلهم من الجن والإنس.
ولكل درجات مما عملوا: أي ولكل من المؤمنين البارين، والكافرين الفاجرين درجات مما عملوا درجات المؤمنين في الجنة ودرجات الكفار في النار.
أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا: أي يقال لهم أذهبتم طيباتكم باشتغالكم بملذاتكم في الدنيا.
واستمتعتم بها: أي تمتعتم بها في الحياة الدنيا.
فاليوم تجزون عذاب الهون: أي جزاؤكم عذاب الهوان.
بما كنتم تستكبرون في الأرض: أي تتكبرون في الأرض.
بغير الحق: أي إذ لا حق لكم في الكبر والكبرياء لله، ولم يأذن لكم فيه.
وبما كنتم تفسقون: أي تخرجون عن طاعة الله ورسوله.
معنى الآيات:
لما ذكر تعالى الرجل المؤمن وأعماله الصالحة ومواقفه المشرفة ذكر هنا الرجل الكافر وأعماله الباطلة ومواقفه السيئة وذلك من باب الدعوة إليه تعالى للترغيب والترهيب فقال تعالى ﴿وَالَّذِي١
стр. 2732
قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي١ أَنْ أُخْرَجَ٢ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ يخبر الله تعالى عن أخبث إنسان هو ذاك الملحد العاق لوالديه المنكر للبعث والجزاء إذ قال لوالديه أمه وأبيه أف لكما أي نتناً وقبحا لكما أتعدانني بأن أخرج من قبري حياً بعد ما مت، وقد مضت أمم وشعوب قبلي، وما خرج منها أحد من قبره فكيف تعدانني أنتما ذلك إن هذا لتخلف عقلي وتأخر حضاري وقوله تعالى ﴿وَهُمَا ٣يَسْتَغِيثَانِ اللهَ﴾ أي ووالداه يستغيثان الله ويستصرخانه طلبا إغاثتهما بهداية ولدهما الملحد الشيوعي، ويقولان للولد ويلك أي هلاكك حضر يا ولد هلكت آمن بالبعث والجزاء وصل وصم واترك الزنا والخمر ويلك إن وعد الله حق أي إن ما وعد الله به عباده من إحيائهم للحشر والحساب والجزاء حق فلا يتخلف أبدا فيرد عليهما الولد الملحد الدهري ابما أخبر تعالى به عنه في قوله فيقول ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ٤﴾ أي أكاذيبهم التي كانوا يعيشون عليها ويقصونها في مجالسهم، وبما أن الذي قال لوالديه لفظه مفرد ولكنه دال على جنس كان الخبر جمعا فقال تعالى في الإخبار عنهم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ٥ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي القول بالعذاب الدال عليه قوله تعالى ﴿لأمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ، وفي قوله ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾ أي في جملة أمم سبقتهم في الإلحاد والكفر من العالمين عالم الجن وعالم الإنس وقوله ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ٦﴾ وأي خسران أعظم من عبد يخسر نفسه وأهله ويعش في جهنم خالدا فيها أبدا. وقوله تعالى ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ٧ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي ولكل من المؤمنين البارين والكافرين العاقين درجات مما عملوا من خير أو شر إلا أن درجات المؤمنين في الجنة تذهب في علو متزايد ودرجات الكافرين في النار تذهب في سفل متزايد إلى أسفل سافلين. وقوله تعالى ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ٨ أَعْمَالَهُمْ﴾ كاملة غير منقوصة الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها وهم لا يظلمون بنقص حسنة ولا بزايدة سيئة. وقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ أي اذكر يا رسولنا لهؤلاء المشركين يوم يعرضون على النار ويقال لهم في توبيخ وتقريع ﴿أَذْهَبْتُمْ
стр. 2733
طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ أي بإقبالكم على الشهوات والملاذ ناسين الدار الآخرة فاستمتعتم بكل الطيبات ولم تبقوا للآخرة شيئا ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي الهوان ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ إذ لاحق لكم في الكبر لضعفكم وعجزكم إنما الكبرياء لله الملك الحق أما أنتم فقد ظلمتم باستكباركم عن الإيمان بربكم ولقائه
وعن طاعته ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ أي وبفسقكم عن طاعة ربكم وطاعة رسوله. إذاً فادخلوا جهنم داخرين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- حرمة عقوق الوالدين وأنها من الكبائر.
٢- بيان حنان الوالدين وحبهما لولدهما وبذل كل ما يقدران عليه من أجل إسعاده وهدايته.
٣- التحذير من الانغماس في الملاذ والشهوات والاستمتاع.
٤- التحذير من الكبر والفسق وأن الكبر من أعمال القلوب والفسق من أعمال الجوارح.
٥- مدى فهم السلف الصالح لهذه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ .
١) قرأ يزيد حتى بلغ ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ثم قال تعلمون والله إن أقواما يسترطون حسناتهم استبقى رجل طيباته إن استطاع ولا قوة إلا بالله.
٢) روي أن عمر بن الخطاب كان يقول لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وألينكم لباسا, ولكن استبقي طيباتي.
وذكر أنه لما قدم الشام صنع له طعام لم ير قبله مثله, قال هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ فقال له خالد بن الوليد لهم الجنة, فاغرورقت عينا عمر ﵁ وقال لئن كان حظنا الحطام وذهبوا بالجنة لقد باينونا بونا بعيدا.
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣)
стр. 2734
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)
شرح الكلمات:
واذكر أخا عاد: أي نبي الله هودا ﵇.
إذ أنذر قومه بالأحقاف: أي خوف قومه عذاب الله بوادي الأحقاف.
وقد خلت النذر: أي مضت الرسل.
من بين يديه ومن خلفه: أي من قبله ومن بعده إلى أممهم.
ألا تعبدوا إلا الله: أي أنذروهم بأن لا يعبدوا إلا الله.
إني أخاف عليكم: أي إن عبدتم غير الله.
عذاب يوم عظيم: أي هائل بسبب شرككم بالله وكفركم برسالتي.
أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا: أي لتصرفنا عن عبادتها.
فأتنا بما تعدنا: أي من العذاب على عبادتها.
إن كنتم من الصادقين: أي في أنه يأتينا قطعا كما تقول.
قل إنما العلم عند الله: أي علم مجيء العذاب ليس لي وإنما هو لله وحده.
وأبلغكم ما أرسلت به إليكم: أي وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلني به ربي إليكم.
ولكني أراكم قوما تجهلون: أي حظوظ أنفسكم وما ينبغي لها من الإسعاد والكمال وإلا كيف تستعجلون العذاب مطالبين به.
فلما رأوه عارضا: أي رأوا العذاب سحابا يعرض في الأفق.
مستقبل أوديتهم: أي متجها نحو أوديتهم التي فيها مزارعهم.
قالوا هذا عارض ممطرنا: أي قالوا مشيرين إلى السحاب هذا عارض ممطرنا.
بل هو ما استعجلتم به: أي ليس هو بالعارض الممطر بل العذاب الذي استعجلتموه.
ريح تدمر كل شيء: أي ريح عاتية تهلك كل شيء تمر به.
بأمر ربها: أي بإذن ربها تعالى.
стр. 2735
فأصبحوا لا يرى إلا مساكتهم: أي أهلكتهم عن آخرهم فلم يبق إلا مساكنهم.
كذلك نجزي القوم المجرمين: أي كذلك الجزاء الذي جازينا به عاداً قوم هود وهو الهلاك الشامل نجزي المجرمين من سائر الأمم.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في مطلب هداية قوم النبي محمد ﷺ فقال تعالى ﴿وَاذْكُرْ﴾ أي لقومك للعبرة والاتعاظ ﴿أَخَا عَادٍ﴾ وهو هود ﵇ والأخوة هنا أخوة نسب لا دين. إذ كره ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ إذ خوفهم عذاب الله إن لم يتوبوا إلى الله ويوحدوه، والأحقاف وادي القوم١ الذي به مزارعهم ومنازلهم وهو ما بين حضرموت ومهرة وعُمان جنوب الجزيرة العربية. وقوله ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ٢ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِه﴾ أي وقد مضت الرسل من قبله ومن بعده في أممهم. أي لم يكن هود أول نذير، ولا أمته أول أمة أنذرت العذاب وقوله ﴿لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ﴾ أي كل رسول أنذر أمته عاقبة الشرك فأمرهم أن لا يعبدوا إلا الله، وهو بمعنى لا إله إلا الله التي دعا إليها محمد ﷺ أمته فهي أمر بعبادة الله وترك الشرك فيها، وقوله ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يوم هائل عظيم وهو يوم القيامة، فكان رد القوم ما أخبر تعالى به في قوله ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا٣﴾ أي تصرفنا عن عبادة آلهتنا. ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ أي من العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما٤ توعدنا به وتهددنا، فأجابهم هود ﵇ بما أخبر تعالى به عنه بقوله ﴿قَالَ﴾ أي هود ﴿إِنَّمَا ٥الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي علم مجيء العذاب وتحديد وقته هذا ليس لي وإنما هو لله منزله، فمهمتي أن أنذركم العذاب قبل حلوله بكم وأبلغكم ما أرسلت به إليكم من الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك والمعاصي، ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ٦﴾ أي بما يضركم وما ينفعكم في الدنيا والآخرة وإلا كيف تستعجلون العذاب وتطالبون به إذ المفروض أن تطلبوا الرحمة والسعادة لا العذاب والشقاء قوله تعالى٧ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أي فلما رأى قوم هود العذاب متجها
стр. 2736
نحو أوديتهم التي بها مزارعهم ومنازلهم ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ١ مُمْطِرُنَا﴾ أي هذا سحاب يعرض في السماء ذاهباً صوب وادينا ليسقينا، وهو معنى قوله ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ أي ممطر أراضينا المصابة بالجفاف الشديد. قال تعالى ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ أي ليس بالسحاب الممطر بل هو العذاب الذي طالبتم به لجهلكم وخفة أحلامكم، وبينه بقوله ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي تحمل في ثناياها العذاب الموجع، تدمر كل شيء تمر به فتهلكه ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ أي بإذنه وقد أتت عليهم عن آخرهم ولم ينج إلا هود والذين آمنوا معه برحمة من الله خاصة، ﴿فَأَصْبَحُوا لا٢ يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ أي لا يرى الرائي إذا نظر إليهم إلا مساكنهم خالية ما بها أحد. قال تعالى ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ٣﴾ أي كهذا الجزاء بالدمار والهلاك نجزي المجرمين أي المفسدين أنفسهم بالشرك والمعاصي.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان سنة الله في الأمم في إرسال الرسل إليهم.
٢- وبيان مهمة الرسل وهي النذارة والبلاغ.
٣- بيان سفه وجهل الأمم التي تطالب بالعذاب وتستعجل به.
٤- بيان أن عاداً أهلكت بالريح الدبور، وأن نبينا محمد ﷺ نصر بريح الصبا كما في الحديث الصحيح.
٥- بيان سنة الله تعالى في إهلاك المجرمين وهم الذين يصرون على الشرك والمعاصي.
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ
стр. 2737
أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)
شرح الكلمات:
ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه: أي ولقد مكنا قوم عاد من القوة التي لم نمكنكم أنتم من مثلها.
وجعلنا لهم سمعا وأبصاراً: وجعلنا لهم أسماعاً وأبصاراً.
فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء: أي من الإغناء
إذ كانوا يجحدون بآيات الله: أي لعلة هي أنهم كانوا يجحدون بآيات الله وهي حججه البينة.
وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون: أي نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به.
ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى: أي من أهل القرى كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين.
وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون: أي كررنا الحجج وضربنا الأمثال ونوعنا الأساليب لعلهم يرجعون إلى الحق فيؤمنون ويوحدون.
فلولا نصر الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة: أي فهلا نصرهم بدفع العذاب عنهم الذين اتخذوهم من دون الله آلهة يتقربون بهم إلى الله في زعمهم.
بل ضلوا عنهم: أي غابوا عنهم عند نزول العذاب.
وذلك إفكهم وما كانوا يفترون: أي خذلان آلهتهم لهم وعدم نصرتهم لهم بل غيابهم عنهم هو إفكهم وافتراؤهم الذي كانوا يفترونه.
معنى الآيات:
ما زال السياق في مطلب هداية قريش أنه لما قص تعالى عليهم قصة عاد وتجلت فيها عظات كثيرة وعبرة كبيرة قال لهم ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ١﴾ أي قوم عاد مكناهم في الأرض فأعطيناهم من مظاهر
стр. 2738
القوة المادية ﴿فِيمَا إِنْ١ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ٢﴾ أنتم يا معشر كفار قريش وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة أي قلوباً فيما أغنى عنهم سمعهم أي أسماعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء من الإغناء إذ كانوا يجحدون بآيات الله أي بحججه وبيناته الدالة على وجوب توحيده وحاق أي نزل بهم العذاب الذي كانوا إذا خوفوا به وأنذروا استهزأوا وسخروا وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين وقوله ﴿وَصَرَّفْنَا الْآياتِ﴾ أي وكررنا الحجج وضربنا الأمثال ونوعنا العظات والعبر لعلهم يرجعون إلى الحق الذي انصرفوا عنه وهو التوحيد والاستقامة فأبوا إلا الإصرار على الشرك والباطل فأهلكناهم.٣ فلولا أي فهلا نصرهم الذين٤ اتخذوهم من دون الله قرباناً آلهة يتقربون بها إلى الله في زعمهم والجواب ما نصروهم بل ضلوا عنهم أي غابوا فلم يعثروا عليهم بالكلية. قال تعالى ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ٥ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي ذلك الذي تم لهم من الخذلان والعذاب هو إفكهم أي كذبهم وافتراؤهم الذي كانوا يعيشون عليه قبل هلاكهم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان أن الإعراض عن دين الله والإصرار على الفسق عن أمر الله، والاستمرار على الخروج على طاعته إذا استوجب صاحبه العذاب ونزل به لم يغن عنه ذكاؤه ولا دهاؤه ولا علمه وحضارته ولا علوه وتطاوله.
٢- بيان أن الآيات والحجج وضرب الأمثال وسوق العبر والعظات لا تنفع في هداية العبد، إذا لم يرد الله هدايته ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُ﴾ ويحيق به العذاب ويهلكه جزاء تكذيبه وكفره وإعراضه وفسقه.
стр. 2739
٣- بيان غياب الشركاء من الأنداد التي كانت تعبد عن عابديها فضلا عن نصرتها لهم وذلك الخذلان هو جزاء كذبهم وافترائهم في الحياة الدنيا.
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)
قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢)
شرح الكلمات:
وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن: أي واذكر إذ أملنا إليك نفراً من الجن جن نصيبين أو نينوي.
فلما حضروه قالوا أنصتوا: أي حضروا سماع القرآن قالوا أي بعضهم لبعض أصغوا لاستماع القرآن.
فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين: أي فرغ من قراءته رجعوا إلى قومهم مخوفين لهم من العذاب.
مصدقا لما بين يديه: أي من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها.
يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم: أي من العقائد في الشرائع والاسلام.
ويجركم من عذاب أليم: أي ويحفظكم هو عذاب يوم القيامة.
فليس بمعجز في الأرض: أي فليس بمعجز الله هرباً منه فيفوته.
أولئك في ضلال مبين: أي الذين لم يجيبوا داعي الله وهو محمد ﷺ إلى الإيمان.: أي في ضلال عن طريق الإسعاد والكمال ظاهر بين.
стр. 2740
معنى الآيات:
ما زال السياق في طلب هداية قوم النبي ﷺ إنه بعد أن ذكرهم بعاد وما أصابها من دمار وهلاك نتيجة شركها وكفرها وإصرارها على ذلك فقال تعالى ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ إلى آخر الآيات ذكرهم هنا بما هو تقريع لهم وتوبيخ إذا أراهم أن الجن خير منهم لسرعة استجابتهم للدعوة والقيام بتبليغها فقال تعالى ﴿وَإِذْ١ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ٢﴾ أي اذكر لقومك من كفار مكة وغيرها إذ صرفنا إليك نفراً من الجن وهم عدد ما بين السبعة إلى التسعة من جن نصيبين وكانوا من أشراف الجن وسادتهم صرفناهم إليك أي أملناهم إليك وأنت تقرأ في صلاة الصبح ببطن نخلة بين مكة والطائف صرفناهم إليك يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا٣ أي أصغوا واستمعوا ولا تشوشوا, قاله بعضهم لبعض, فلما قضي أي القرآن فرغ منه، ولوا إلى قومهم أي رجعوا إلى قومهم من الجن بنصيبين ونينوي منذرين إياهم أي مخوفينهم من عذاب الله إذا استمروا على الشرك والمعاصي فماذا قالوا لهم قالوا ما أخبر تعالى به عنهم قالوا يا قومنا٤ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى٥ وهو القرآن مصدقا لما بين يديه أي من الكتب الإلهية التي سبق نزولها كصحف إبراهيم والتوراة والزبور والإنجيل، ووصفوا القرآن بما يلي يهدي إلى الحق والصواب في كل شيء اختلف فيه الناس من العقائد والديانات والأحكام، ويهدي إلى صراط مستقيم أي طريق قاصد غير جور ألا وهو الإسلام دين الأنبياء عامة.
وقالوا مبلغين منذرين ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ﴾ ٦ وهو محمد رسول الله ﷺ ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ أجيبوه إلى ما يدعو إليه من توحيد الله وطاعته وآمنوا بعموم رسالته بكل ما جاء به من الهدى ودين الحق ويكون جزاؤكم على ذلك أن ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي يغفر لكم الذنوب التي بينكم وبين الله تعالى بسترها عليكم ولا يؤاخذكم بها، وأما الذنوب التي بينكم وبين بعضكم بعضاً فإنها لا تغفر إلا من قبل المظلوم نفسه باستسماحه أو رد الحق إليه، وقوله
стр. 2741
ويجركم من١ عذاب أليم ويحفظكم منقذاً لكم من عذاب أليم أي ذي ألمٍ موجع وهو عذاب النار، ثم قالوا: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ﴾ أي لم يستجب لنداء محمد فيؤمن به ويوحد الله تعالى فليس بمعجز في الأرض أي لله بل الله غالب على أمره ومهما حاول الهرب فإن الله مدركه لا محالة ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ يتولون أمره ولا أنصار ينصرونه. قال تعالى ﴿أُولَئِكَ﴾ أي المذكورون في هذا السياق ممن لم يجيبوا داعي الله محمد ﷺ ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي في عمى وغواية بين أمرهم واضح لا يستره شيء.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- إثبات عالم الجن وتقريره في هذا السياق ولذا كان إنكار الجن كإنكار الملائكة كفراً.
٢- وجوب التأدب عند تلاوة القرآن بالإصغاء التام.
٣- وجوب البلاغ عن رسول الله ﷺ وفي الحديث بلغوا عني ولو آية.
٤- الإعراض عن دين الله يوجب الخذلان والحرمان.
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)
стр. 2742
شرح الكلمات:
ولم يعي بخلقهن: أي لم يتعب ولم ينصب لخلق السموات والأرض.
بقادر على أن يحييى الموتى بلى: أي إنه قادر على إحياء الموتى وإخراجهم أحياء من قبورهم للحشر.
ويوم يعرض الذين كفروا على النار: أي ليعذبوا فيها.
أليس هذا بالحق: أي يقال لهم تقريعاً: أليس هذا أي العذاب بحق؟.
قالوا بلى وربنا: أي إنه لحق وربنا حلفوا بالله تأكيداً لخبرهم.
فاصبر: أي يا رسولنا محمد على أذى قومك.
أولوا العزم: أي أصحاب الحزم والصبر والعزم وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين وسلم وهم أصحاب الشرائع.
ولا تستعجل لهم: أي ولا تستعجل نزول العذاب لأجلهم.
كأنهم يوم يرون العذاب: أي في الآخرة.
لم يلبثوا إلا ساعة: أي لم يقيموا في الدنيا إلا ساعة من النهار وذلك لطول العذاب.
بلاغ: أي هذا القرآن بلاغ للناس أي تبليغهم لهم.
هل يهلك إلا القوم الفاسقون: أي ما يهلك إلا القوم التاركون لأمر الله المعرضون عنه الخارجون عن طاعته.
معنى الآيات:
ما زال السياق في مطلب هداية قريش الكافرة بالتوحيد المكذبة بالبعث والنبوة فقال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي أعموا ﴿أَوَلَمْ١ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إنشاءاً وإبداعا من غير مثال سابق ﴿وَلَمْ يَعْيَ٢﴾ أي ينصب ويتعب ﴿بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي السموات والأرض بقادر على أن يحييى الموتى لحشرهم إليه ومحاسبتهم ومجازاتهم بحسب أعمالهم في الدنيا الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ٣ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ لما أثبت البعث وقرره ذكر بعض ما يكون فيه فقال ويوم يعرض الذين كفروا على النار أي تعرضهم الزبانية على النار فيقولون لهم
стр. 2743
تقريعاً وتوبيخاً ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ؟ ١﴾ أي أليس هذا التعذيب بحق؟ فيقولون مقسمين على ثبوته بما أخبر تعالى عنهم في قوله: ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ فلما اعترفوا قيل لهم ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي بسبب كفركم أي جحودكم لتوحيد الله ولقائه. ثم أمر تعالى رسوله أن يتدرع بالصبر وأن يتمثل صبر أولي٢ العزم ليكون أقوى منهم صبراً كما هو أعلى منهم درجة فقال له فاصبر يا رسولنا على ما تلاقي من أذى قومك من تكذيب وأذى فأثبت لذلك كما ثبت أولوا العزم من قبلك، والظاهر أنهم المذكورون في قوله تعالى من سورة الأحزاب ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ، ومن الجائز أن يكون عدد أولي العزم أكثر مما ذكر وقوله تعالى ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ لما أمره بالصبر نهاه عن استعجال العذاب لقومه فقال فاصبر ولا تستعجل العذاب لهم. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ ٣ تعليل لعدم استعجال العذاب لأنه قريب جداً حتى إنهم يوم ينزل بهم ويرونه كأنهم لم يلبثوا في الدنيا على طول الحياة فيها إلا ساعة من نهار وقوله تعالى ﴿بَلاغٌ﴾ أي هذا القرآن وما حواه من تعليم وبيان للهدى تبليغ للناس وقوله ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٤ ينفي تعالى هلاك غير الفاسقين عن أوامره الخارجين عن طاعته وطاعة رسوله ﷺ .
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
٢- الكفر هو الموجب للنار والكفر هو تكذيب بوجود الله تعالى وهو الإلحاد أو تكذيب بلقائه تعالى أو بآياته أو رسله، أو شرائعه بعضاً أو كلاً.
٣- وجوب الصبر على الطاعات فعلا، وعن المعاصي تركا، وعلى البلاء بعدم التضجر والسخط.
٤- إطلاق الفسق على الكفر باعتباره خروجا عن طاعة الله فيما يأمر به من العقائد والعبادات وينهى عنه من الشرك والمعاصي.
стр. 2744
سورة محمد ﷺ ١
أو القتال
مدنية
وآياتها ثمان وثلاثون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣)
شرح الكلمات:
الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله: أي كفروا بتوحيد الله ولقائه وبآياته ورسوله وصدوا غيرهم عن الدخول في الإسلام.
أضل أعمالهم: أي أحبط أعمالهم الخيرية كإطعام الطعام وصلة الأرحام فلا يرى لها أثر يوم القيامة.
والذين آمنوا وعملوا الصالحات: أي آمنوا بالله وآياته ورسوله ولقائه وأدوا الفرائض واجتنبوا النواهي.
وآمنوا بما أنزل على محمد: أي بالقرآن الكريم.
كفر عن سيئاتهم: أي محا عنهم ذنوبهم وغفرها لهم.
وأصلح بالهم: أي شأنهم وحالهم فهم لا يعصون الله تعالى.
ذلك: أي إضلال أعمال الكافرين وتكفير سيئات المؤمنين.
стр. 2745
بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل: أي الشيطان في كل ما يمليه عليهم ويزينه لهم من الكفر والشرك والمعاصي.
وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم: أي التوحيد والعمل الصالح.
كذلك يضرب الله للناس أمثالهم: أي كما بين تعالى حال الكافرين، وحال المؤمنين في هذه الآية يبين للناس أمثالهم ليعتبروا.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿الَّذِينَ١ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ٢﴾ هذه جملة خبرية أخبر تعالى فيها عن حال من كفر بالله ورسوله وصد عن سبيل الله أي الإسلام غيره من الناس أضل الله عمله٣ فأحبطه فلم يحصل له ثواب في الآخرة, ولازمه أنه هالك في النار, وتكون هذه الجملة كأنها جواب لسؤال نشأ عن قوله تعالى في خاتمة سورة الأحقاف قبل هذه السورة وهي فهل يهلك إلا القوم الفاسقون أي ما يهلك إلا القوم الفاسقون فقال قائل من هم القوم الفاسقون؟ فكان الجواب الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وهو وجه ارتباط بين السورتين حسن. هذا وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي٤ بالله ورسوله وآياته ولقائه وعملوا الصالحات أي أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاموا رمضان وحجوا بيت الله الحرام ووصلوا الأرحام وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. ولو بالاستعداد للقيام بذلك إذ بعض هذه الصالحات لم يشرع بعد وآمنوا بما نزل على محمد ﷺ وهو القرآن الكريم والسنة الصحيحة لأنها وحي إلهي يتلقاه رسول الله ﷺ وفي صحيح الحديث "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه" وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ آي القرآن لأنه ناسخ للكتب قبله ولا ينسخ بكتاب بعده. فهو الحق الثابت الباقي إلى نهاية الحياة. وقوله: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي محا عنهم ذنوبهم وأصلح بالهم ٥ أي ِشأنهم وحالهم فلم يفسدوا بعد بشرك ولا كفر
стр. 2746
هذا جزاؤهم على إيمانهم وصالح أعمالهم. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا١ اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ وهو الشيطان وما يزينه من أعمال الشرك والشر والفساد، ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو القرآن وما جاء به ودعا إليه من العقائد الصحيحة والعبادات المزكية للنفس المهذبة للأرواح. أي ذلك الجزاء للذين كفروا والذين آمنوا بسبب أن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم. وقوله تعالى ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ٢ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ أي مثل هذا التبيين لحال الكافرين وحال المؤمنين في هذه الآيات يبين الله للناس أمثالهم أي أحوالهم بالخسران والنجاح ليعتبروا فيسلكوا سبيل النجاح، ويتجنبوا سبيل الخسران، فضلا منه تعالى.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١-بيان طريقي الفلاح والخسران فطريق الفلاح الإيمان والعمل الصالح وطريق الخسران الشرك والمعاصي.
٢-بيان أعمال البر مع الكفر والشرك لا تنفع صاحبها يوم القيامة ولا تشفع له وقد يثاب عليها في الدنيا فيبارك له في ماله وولده.
٣-بيان الحكمة في ضرب الأمثال وهي هداية الناس إلى ما يفلحون به، فينجون من النار ويدخلون الجنة.
فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُم (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)) وَالَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 2747
فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم (٩)
شرح الكلمات:
فإذا لقيتم الذين كفروا: أي إذا كان الأمر كما ذكر فإذا لقيتم الذين كفروا في ساحة المعركة فاضربوا
رقابهم ضرباً شديداً تفصلون فيه الرقاب عن الأبدان.
حتى إذا أثخنتموهم: أي أكثرتم فيه القتل ولم يصبح لهم أمل في الانتصار عليكم.
فشدوا الوثاق: أي فأسروهم بدل قتلهم وشدوا الوثاق أي ما يوثق به الأسير من إسار قدأ كان
أو حبلا حتى لا يتفلتوا ويهربوا.
فإما مناً بعد وإما فداء١: أي بعد أسركم لهم وشد وثاقهم فإما أن تمنوا مناً أي تفكوهم من الأسر مجاناً,
وإما تفادونهم بمال أو أسير مسلم, وهذا بعد نهاية المعركة.
حتى تضع الحرب أوزارها: أي واصلوا القتال والأخذ والأسر إلى أن تضع الحرب أوزارها وهي آلاتها وذلك
عند إسلام الكفار أو دخولهم في عهدكم فهذه غاية انتهاء الحرب حتى لا تكون
فتنة ويكون الدين كله لله.
ذلك: أي الأمر ذلك الذي علمتم من استمرار القتال إلى غاية إسلام الكفار أو دخولهم
في عهدكم وذمتكم.
ولو يشاء الله لانتصر منهم: أي بغير قتال منكم كأن يخسف بهم الأرض أو يصيبهم بوباء ونحوه.
ولكن ليبلوا بعضكم ببعض: ولكن أمركم بالقتال وشرعه لكم لحكمة هي أن يبلوا بعضكم ببعض أي يختبركم
من يقاتل منكم ومن لا يقاتل, والمؤمن يقتل فيدخل الجنة والكافر يقتل فيدخل
النار
والذين قتلوا في سبيل الله٢: أي قتلهم العدو, وقرئ قاتلوا في سبيل الله.
стр. 2748
فلن يضل أعمالهم: أي لا يحبطها ولا يبطلها.
سيهديهم ويصلح بالهم: أي سيوفقهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم ويصلح شأنهم.
ويدخلهم الجنة عرفها لهم: أي ويدخلهم يوم القيامة الجنة بينها لهم فعرفوها بما وصفها لهم في كتابه وعلى
لسان رسوله ﷺ .
إن تنصروا الله: أي في دينه ورسوله وعباده المؤمنين.
ينصركم ويثبت أقدامكم: أي على عدوكم ويثبت أقدامكم في المعارك.
والذين كفروا فتعسا لهم: أي تعسوا تعسا أي هلاكا.
وأضل أعمالهم: أي أحبطها وأبطلها فلم يحصلوا بها على طائل.
ذلك: أي الضلال والتعس.
بأنهم كرهوا ما أنزل الله: أي من القرآن المشتمل على أنواع الهدايات والإصلاحات.
فأحبط أعمالهم: أي أبطلها وأضلها فلا ينتفعون بها لا في الدنيا ولا في الآخرة.
معنى الآيات:
لقد تقدم أن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد أضل أعمالهم وذلك لكفرهم وصدهم عن سبيل الله إذا كان الأمر كذلك فليقاتلوا لإنهاء كل من المفسدتين كفرهم وصدهم غيرهم عن الإسلام وهذا ما دل عليه قوله تعالى فإذا لقيتم١ الذين كفروا فضرب الرقاب أي٢ فاضربوا رقابهم ضربا يفصل الرأس عن الجسد وواصلوا قتالهم حتى إذا أثخنتموهم أي أكثرتم فيهم القتل, فشدوا الوثاق أي٣ احكموا ربط الأسرى بوضع الوثاق وهو الحبل في أيديهم وأرجلهم حتى لا يتمكنوا من قتلكم ولا الهرب منكم وبعد ذلك أنتم وما يراه إمامكم من المصلحة العليا فإن رأى المن فمنوا عليهم مجانا بلا مقابل, وإما تفادونهم فداء بمال, أو برجال, وستظل تلك حالكم قتل وأخذ وأسر ثم من عفو مجاني, أو فداء بعوض ومقابل إلى أن تضع الحرب أوزارها أي أثقالها من عدد وعتاد حربي, وذلك لوصولكم إلى الغاية من الحرب وهي أن يسلم الكافر, أو يدخل في ذمة المسلمين, وهو معنى قوله تعالى في سورة البقرة ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
стр. 2749
وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ . وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ﴾ أي الأمر الذي علمتم من استمرار القتل والأسر إلى أن تضع الحرب أوزارها١ بالدخول في٢ الإسلام أو في ذمة المسلمين وقوله ولو شاء الله لانتصر منهم أي بدون قتال منكم ولكن بخسف أو وباء أو صواعق من السماء ولكن لم يفعل ذلك من أجل أن يبلوا بعضكم ببعض أي ليختبركم بهم. فيعلم المجاهدين منكم والصابرين, ويبلوهم بكم فيعاقب من شاء منهم بأيديكم, ويتوب على من يشاء منهم كذلك, إذ انتصارهم عليكم ووقوعهم تحت سلطانكم يساعدهم على التوبة إلى الله والرجوع إلى الحق فيسلموا فيفلحوا بالنجاة من النار ودخول الجنة, وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ قُاتلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وفي قراءة٣ والذين قتلوا في سبيل الله وهذه عامة في شهداء أحد وغيرهم وإن نزلت الآية فيهم فإن الله تعالى يخبر عن أنعامه عليهم بقوله فلن يضل أعمالهم سيهديهم في الدنيا ويوفقهم إلى كل خير ويصلح شأنهم, ويدخلهم في الآخرة الجنة عرفها لهم أي بينها لهم في كتابه ولسان رسوله وطيبها لهم أيضاً,٤ وفي الآخرة يهديهم إلى منازلهم في الجنة كما قال الرسول ﷺ " فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة من منزله الذي كان بالدنيا" (البخاري) , وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ أي يا من آمنتم بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا أن تنصروا الله بنصر دينه ونبيه وأوليائه بقتال أعدائه ينصركم الله ويجعل الغلبة لكم, ويثبت أقدامكم في كل معترك لقيتم فيه المشركين والكافرين. وهذا وعد من الله تعالى كم أنجزه لعباده المؤمنين في تاريخ الجهاد في سبيل الله، وقوله تعالى والذين كفروا فتعساً٥ لهم أي تعسوا تعسا٦ وهلكوا هلاكا وخابوا وخسروا، وأضل أعمالهم فلم يعثروا عليها ولم يروا لها أدنى فائدة ذلك الجزاء وتلك العقوبة بأنهم أي بسبب أنهم كرهوا ما أنزل الله أي من القرآن من آيات التوحيد والشرائع والأحكام فأحبط أي لذلك أعمالهم فخسروا في الحياتين.
стр. 2750
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب الجهاد على أمة الإسلام ومواصلته كما بين تعالى في هذه الآيات إلى أن لا يبقى كافر يحارب بأن يدخلوا في الإسلام أو يعاهدوا ويدخلوا في ذمة المسلمين ويقبلوا على إصلاح أنفسهم وإعدادها للخير والفلاح.
٢- إمام المسلمين مخير في الأسرى بين المن والفداء، والقتل أيضا لأدلة من السنة.
٣- بشرى المجاهدين في سبيل الله بإكرام الله لهم وإنعامه عليهم في الدنيا والآخرة.
٤- يظفر بالنصر الحقيقي من نصر الله تعالى في دينه وأوليائه.
٥- إنذار الكافرين بالتعاسة والشقاء في الدنيا والآخرة.
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)
شرح الكلمات:
أفلم يسيروا في الأرض: أي أغفل هؤلاء المشركون فلم يسيروا في البلاد.
فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم: أي كيف كانت نهاية الذين من قبلهم كعاد وثمود.
دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها: أي دمر عليهم مساكنهم فأهلكهم وأولادهم وأموالهم وللكافرين أمثال تلك العاقبة السيئة.
стр. 2751
وأن الكافرين لا مولى لهم: أي لا ناصر لهم.
والذين كفروا يتمتعون ويأكلون: أي بمتع الدنيا من مطاعم ومشارب وملابس ويأكلون.
كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم: أي كأكل الأنعام بنهم وازدراد والنار مأواهم.
وكأين من قرية: أي وكثير من أهل قرية هي أشد قوة. هي أشد قوة
من قريتك التي أخرجتك: أي مكة إذ أخرج أهلها النبي ﷺ .
أفمن كان على بينة من ربه: أي على حجة وبرهان من أمر دينه فهو يعبد الله على علم.
كمن زين له سوء عمله: أي كمن زين الشيطان له سوء عمله.
واتبعوا أهواءهم: أي واتبعوا أهواءهم في عبادة الأصنام والجواب ليسوا سواء ولا مماثلة بينهما أبدا.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ١﴾ يوبخ تعالى المشركين المصرين على الشرك والكفر على إصرارهم على الشرك والعناد فيقول أغفلوا ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ كعاد وثمود وقوم لوط إذ دمر تعالى عليهم بلادهم فأهلكهم وأولادهم وأموالهم فيعتبروا بذلك، وقوله تعالى ﴿وَلِلْكَافِرِين﴾ أمثال تلك العاقبة المدمرة، وعيد لكفار مكة بأن ينزل عليهم عقوبة كعقوبة الأولين إن لم يتوبوا من شركهم وإصرارهم عليه، وعنادهم فيه. وقوله ﴿ذَلِكَ٢﴾ أي نصر المؤمنين وقهر الكافرين بسبب أن الله مولى الذين آمنوا أي وليهم ومتولي أمرهم وناصرهم. وأن الكافرين لا مولى لهم لأن الله تعالى خاذلهم ومن يخذله الله فلا ناصر له. قوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ٣ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ هذا وعد من الله تعالى لأهل الإيمان والعمل الصالح بأن يدخلهم يوم القيامة جنات أي بساتين تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار وقوله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ في الدنيا بملاذها وشهواتها، ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ إذ ليس لهم هم إلا بطونهم وفروجهم، ولذا هم لا
стр. 2752
يلتفتون إلى الآخرة. ﴿وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ١﴾ أي مقام ومنزل ومصير، وهذا وعيد شديد للكافرين. وهذا هو الترغيب والترهيب الذي هو سمة بارزة في أسلوب القرآن في الهداية البشرية وقوله تعالى ﴿وَكَأَيِّنْ٢ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ٣ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ هذه الآية نزلت ساعة خروج الرسول ﷺ من بيته إلى غار ثور مهاجراً فقد التفت إلى مكة وقال أنت أحب البلاد إلى الله وأحب بلاد الله إلي ولو أن المشركين لم يخرجونني لم أخرج منك. ومعنى الآية الكريمة وكثير من القرى أهلها أشد قوة من أهل قريتك "مكة" التي أخرجك أهلها حيث حكموا بإعدامه ﷺ أهلكناهم أي أهل تلك القرى فلا ناصر وجد لهم عند إهلاكنا لهم. فكانت هذه الآية تحمل تسلية لرسول الله ﷺ وأي تسلية!! وقوله تعالى ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي على علم وبرهان من صحة معتقده وعبادته لله تعالى راجياً ثوابه خائفا من عقابه وهؤلاء هم المؤمنون، كمن زين له سوء أي قبيح عمله من الشرك والكفر فهو يعبد الأصنام، واتبعوا أهواءهم هم في ذلك فلم يتبعوا وحياً إلهياً ولا عقلا إنسانيا فهل حالهم كحال من ذكروا قبلهم والجواب لا يتماثلان إذا بينهما من الفوارق كما بين الحياة والموت، والجنة والنار.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير قاعدة: العاقل من اعتبر بغيره.
٢- تقرير ولاية الله لأهل الإيمان والتقوى.
٣- بيان الفرق بين الماديين وأهل الإيمان والاستقامة على منهج الإسلام.
٤- تسلية الرسول ﷺ تخفيفا من آلامه التي يعانيها من إعراض المشركين وصوفهم عن الإسلام.
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ
стр. 2753
يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)
شرح الكلمات:
مثل الجنة التي وعد المتقون: أي صفة الجنة دار السلام التي وعد الله بها عباده المتقين له.
من ماء غير آسن: أي غير متغير الريح والطعم لطول مكثه.
وأنهار من عسل مصفى: أي من الشمع وفضلات النحل.
وسقوا ماء حميما: أي حاراً شديد الحرارة.
فقطع أمعاءهم: أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي١ وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ هذه الآية الكريم تضمنت شرح وافية لأنهار الجنة، وشراب أهل النار، كما اشتملت على مقارنة بين حال أهل الإيمان والتقوى وما وعدوا به من مغفرة ذنوبهم وإدخالهم الجنة، وبين حال أهل النار وهم خالدون فيها وما وعدوا فيها من ألوان العذاب الشديد فقوله تعالى ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ أي صفتها الممثلة لها الشارحة لحالها التي وعد المتقون أي التي وعد الله تعالى بها عباده المتقين له وهم أولياؤه الذين عبدوه ووحدوه فأطاعوه في الأمر والنهي فاقوا بذلك الشرك والمعاصي. فيها أنهار من ماء غير آسن٢ أي غير متغير الطعم ولا الريح بطول المكث وأنهار من لبن لم يتغير طعمه أي بحموضة ولم يصر قارصا ولذلك لم يتغير ريحه أيضا وأنهار من خمرة لذة للشاربين٣ أي وفيها أنهار من خمر هي لذة لمن يشربها وسبب لذاذتها أنها غير كدرة ولا مسكرة ولا ريح غير طيبة لها، وأنهار من عسل مصفى أي وفيها أنهار من عسل مصفى أي من الشمع وفضلات النحل وقوله ولهم فيها من كل الثمرات أي من سائر أنواع
стр. 2754
الثمار من فواكه وغيرها. ومع ذلك مغفرة من ربهم لسائر ذنوبهم فهل يستوي من هذه حالهم بحال من هو خالد في النار لا يخرج منها وسقوا ماء حميما حارا شديد الحرارة فلما سقوه وشربوه قطع أمعاءهم١ أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم والعياذ بالله من النار وحال أهل النار اللهم أجرنا من النار اللهم أجرنا من النار اللهم أجرنا من النار.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- التقوى هي السبب المورث للجنة هكذا جعلها الله ، والتقوى هي بعد الإيمان فعل المأمورات وترك المنهيات من سائر أنواع الشرك والمعاصي.
٢- بيان بعض نعيم الجنة من الشراب والفواكه.
٣- بيان بعض عذاب النار وهو الخلود فيها وشرب الحميم.
٤- تقرير عقيدة البعث والجزاء، وأن لا مماثلة بين أهل السعادة وأهل الشقاء.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)
شرح الكلمات:
ومنهم من يستمع إليك: أي ومن الكفار المنافقين من يستمع إليك في خطبة الجمعة.
ماذا قال آنفا: أي الساعة أي استهزاء منهم وسخرية يعنون أنه شيء لا يرجع إليه ولا يعتد به لعدم فائدته.
стр. 2755
طبع الله على قلوبهم: أي بالكفر فلذا هم لا يعون.
واتبعوا أهواءهم: أي في الكفر والنفاق.
والذين اهتدوا: أي المؤمنون.
زادهم هدى: أي زادهم الله هدى.
وآتاهم تقواهم: أي ألهمهم ما يتقون به عذاب الله تعالى.
فهل ينظرون إلا الساعة: أي ما ينتظر أهل مكة إلا الساعة.
أن تأتيهم بغتة: أي فجأة.
فقد جاء أشراطها: أي علاماتها كبعثة النبي ﷺ وانشقاق القمر والدخان.
فأنى لهم إذ جاءتهم ذكراهم: أي أنى لهم إذا جاءتهم التذكر الذي ينفعهم إذ قد أغلق باب التوبة.
فاعلم أنه لا إله إلا الله: أي فبناء على ما تقدم لك يا نبينا فاعلم أنه لا يستحق العبودية إلا الله فاعبده وتوكل عليه.
واستغفر لذنبك: أي قل استغفر الله أو اللهم اغفر لي.
وللمؤمنين والمؤمنات: أي واستغفر للمؤمنين والمؤمنات.
والله يعلم متقلبكم: أي متصرفكم في النهار وأنتم تتصرفون في أمور دنياكم.
ومثواكم: أي مكان ثواكم وإقامتكم ونومك بالليل.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿ومنهم من يستمع﴾ إلي هذه الآية (١٦) والآية التي بعدها مدنيتان لا شك لأنهما نزلت في شأن النافقين قال تعالى مخبراً رسوله عن بعض المنافقين ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي ومن بعض المنافقين ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ١ إِلَيْكَ﴾ أي إلى حديثك يوم الجمعة وأنت تخطب الناس على المنبر ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي من المسجد ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ٢ من أصاحبك كعبد الله بن مسعود ﴿مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾ ٣، وقولهم هذا ظاهر عليه الخبث إذا لو كانوا مؤمنين محبين لقالوا
стр. 2756
ماذا قال رسول الله آنفا، ولكن قالوا ماذا قال آنفا، وهم يعنون أن ما قاله الرسول ﷺ ليس بشيء مفيد يرجع إليه. قال تعالى ﴿أُولَئِكَ﴾ أي البعداء في الشر والنفاق الذين طبع الله على قلوبهم أي بالكفر والنفاق وذلك لكثرة تلوثهم بأوضار الكفر والنفاق حتى ران على قلوبهم ذلك فكان ختما وطابعا على قلوبهم، واتبعوا أهواءهم فهما علتان الأولى الطبع المانع من طلب الهداية والثانية اتباع الهوى وهو يعمي ويصم، فلذا هم لا يهتدون، وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ إلى الإيمان الصحيح والعمل الصالح زادهم الله هدى حسب سنته في نماء الأشياء وزكاتها وزيادتها، وآتاهم تقواهم١ أي ألهمهم ما يتقون وأعانهم على ذلك فهم يتقون مساخط الله تعالى ومن أعظمها الشرك والمعاصي. وقوله تعالى في الآية الثالثة من هذا السياق (١٨) فهل ينظرون أي كفار قريش٢ من زعماء الكفر في مكة إلا الساعة أي ما ينظرون إلا الساعة أي القيامة أن تأتيهم بغتة أي فجأة إن كانوا ما ينظرون بإيمانهم إلا الساعة فالساعة قد جاء أشراطها وأول أشراطها بعثة محمد ﷺ وثانيها الدخان، وثالثها انشقاق القمر. وقوله تعالى ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ٣﴾ أي أنى لهم التذكر الذي ينفعهم إذا جاءت الساعة بل شروطها أي بظهور علاماتها الكبرى٤ لا تقبل التوبة من أحد لم يكن مؤمناً لقوله تعالى من سورة الأنعام ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ . على كل حال فالآية تستبطئ إيمان كفار مكة وتنكر عليهم تأخر إيمانهم الذي لا داعي له مع ظهور أدلة العقل والنقل ووضوح الحجج والبراهين الدالة على توحيد الله ووجوب عبادته وحده دون سواه ولذا قال تعالى فاعلم٥ أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين٦ والمؤمنات أي فاعلم يا محمد أنه لا معبود تنبغي له العبادة وتصلح له إلا الله الذي هو خالق كل شيء ومالكه واستغفر أي اطلب من ربك المغفرة لك وللمؤمنين والمؤمنات، وهذا الكلام وإن وجه للرسول ﷺ فالمراد منه على الحقيقة أو بالأصالة غيره ﷺ فكأنما قالب تعالى يا عباد الله أيها الناس والرسول على
стр. 2757
رأسكم اعلموا أنه لا إله إلا الله واستغفروا لذنوبكم مؤمنين ومؤمنات والله يعلم متقلبكم أي تصرفكم في النهار في مصالح معاشكم ومعادكم ويعلم مثواكم١ في فرشكم نائمين فهو يعلمكم على ما أنتم عليه في كل ساعة من ليل أو نهار فاخشوه واتقوه حتى تفوزوا برضاه في جنات النعيم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- من الجائز أن تكون السورة مكية وبها آية أو أكثر مدنية.
٢- التحذير من اتباع الهوى فإنه يعمي ويصم والعياذ بالله.
٣- بيان أن لقيام الساعة أشراطاً أي٢ علامات تظهر قبلها فتدل على قربها.
٤- وجوب العلم بأنه لا إله إلا الله، وذلك يتم على الطريقة التالية:
الاعتراف بأن الإنسان مخلوق كسائر المخلوقات حوله، وكل مخلوق لابد له من خالق فمن خالق الإنسان والكون إذاً؟ والجواب قطعا: الله. فما دام الله هو الخالق فمن عداه مخلوق مفتقر إلى الله خالقه في حفظ حياته، ومن يؤله ويعبد إذاً الخالق أم المخلوق؟ والجواب: الخالق. إذا تعين أنه لا معبود إلا الله وهو بمعنى لا إله إلا الله ولما كانت العبادة لا تعرف إلا بالوحي وجب الإيمان برسول الله فكان لابد من زيادة محمد رسول الله فنقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)
стр. 2758
شرح الكلمات:
لولا نزلت سورة: أي هلا نزلت سورة يقول هذا المؤمنون طلباً للجهاد.
سورة محكمة: أي لم ينسخ منها شيء من أوامرها ونواهيها.
وذكر فيها القتال: أي طلب القتال بالدعوة إليه والترغيب فيه.
في قلوبهم مرض: أي شك وهم المنافقون.
نظر المغشي عليه من الموت: أي خوفا من القتال وكراهية لهم فتراهم ينظرون إلى الرسول مثل نظر المغشي عليه من سكرات الموت.
فأولى لهم طاعة وقول معروف: أي فأجدر بهم طاعة لرسول الله وقول معروف حسن له.
فإذا عزم الأمر: أي فرض القتال وجد أمر الخروج إليه.
فلوا صدقوا الله: أي وفوا له ما تعهدوا به من أنهم يقاتلون.
لكان خيرا لهم: أي الوفاء بما تعهدوا به خيرا في دنياهم وآخرتهم.
فهل عسيتم أن توليتم: أي أعرضتم عن الإيمان الصوري الذي أنتم عليه وأعلنتم عن كفركم.
أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم: أي تفسدوا في الأرض بالشرك والمعاصي ولا تصلوا أرحامكم.
فأصمهم وأعمى أبصارهم: أي فعل تعالى ذلك بهم فلذا هم لا يسمعون الحق ولا يبصرون الخير والمعروف.
معنى الآيات:
قوله تعالى ويقول الذين آمنوا إلى آخر السورة ظاهرهُ أنه مدني وليس بمكي وهو كذلك فأغلب آي السورة مدني إذاً، ولا حرج: لأن القتال لم يفرض إلا بعد الهجرة النبوية والنفاق لم يظهر إلا بعد الهجرة كذلك السياق الآن في علاج النفاق وأمور الجهاد قال تعالى ويقول الذين آمنوا من أصحاب رسول الله ﷺ متمنين الجهاد لولا نزلت١ سورة أي هلا أنزل الله سورة قرآنية تأمر بالجهاد قال تعالى فإذا أنزلت سورة محكمة ليس فيها نسخ وذكر فيها القتال أي الأمر به والترغيب فيه. رأيت يا محمد الذين في قلوبهم مرض أي مرض الشك والنفاق ينظرون إليك يا رسولنا٢ نظر أي مثل نظر المغشي أي المغمي عليه من الموت أي من سياقات الموت وسكراته. قال تعالى
стр. 2759
﴿فأوْلَى لَهُمْ﴾ هذا اللفظ صالح لأن يكون دعاء عليهم بالهلاك١ أي هلاك لهم لجبنهم ونفاقهم وصالح أن يكون بمعنى الأجدار بمثلهم طاعة لله ورسوله وقول معروف أي حسن لرسول الله ﷺ . وقوله تعالى فإذا عزم أي جد الأمر للجهاد فلو صدقوا الله ما عاهدوا عليه من أنهم يقاتلون مع رسوله لكان خيراً لهم في الدنيا والآخرة. ثم قال لهم مخاطباً إياهم توبيخاً وتقريعاً فهل عسيتم بكسر السين٢ وفتحها قراءتان إن توليتم أي عن الإيمان الصوري إلى الكفر الظاهر فأعلنتم عن ردتكم أن تفسدوا في الأرض بفعل الشرك وارتكاب المعاصي وتقطعوا أرحامكم بإعلان الحرب على أقربائكم المؤمنين الصادقين. هذا إذا كان التولي بمعنى الرجوع إلى الكفر العلني وإن كان بمعنى الحكم فالأمر كذلك إذا حكموا ليفعلون ما هو أعظم من الشرك والفساد في الأرض وتقطيع الأرحام، وأخيراً سجلت الآية (٢٢) لعنة الله فقال تعالى أولئك أي البعداء في الخسة والحطة الذين لعنهم الله فأبعدهم من رحمته فأصمهم عن سماع الحق وأعمى أبصارهم عن رؤية الهدى والطريق المستقيم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- جواز تمني الخير والأولى أن يسأل الله تعالى ولا يتمنى بلفظ ليت كذا.
٢- في القرآن محكم ومنسوخ من الآيات وكله كلام الله يتلى ويتقرب به إلى الله تعالى ويعمل بالمحكم دون المنسوخ وهو قليل جداً.
٣- ذم الجبن والخور والهزيمة الروحية.
٤- شر الخلق من إذا تولى أفسد في الأرض بالشرك والمعاصي.
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ
стр. 2760
(٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)
شرح الكلمات:
أفلا يتدبرون القرآن: أي يتفكرون فيه فيعرفون الحق من الباطل.
أم على قلوب أقفالها: أي بل على قلوب لهم أقفالها فهم لا يفهمون إن تدبروا.
إن الذين ارتدوا على أدبارهم: أي رجعوا كافرين بنفاقهم.
من بعد ما تبين لهم الهدى: أو من بعد ما تبين له صدق الرسول وصحة دينه بالحجج والبراهين.
الشيطان سول لهم وأملي لهم: أي زين لهم الشيطان نفاقهم وأملى لهم أي واعدهم بطول العمر ومناهم.
ذلك بأنهم قالوا الذين كرهوا ما أنزل الله: أي ذلك الإضلال بسبب قولهم للذين كرهوا ما أنزل الله وهم المشركون.
سنطيعكم في بعض الأمر: أي بأن نتعاون معكم على عداوة الرسول وبتثبيط المؤمنين عن الجهاد وكان ذلك سرا منهم لا جهرة فأظهره الله لرسوله.
يضربون وجوههم وأدبارهم: أي بمقامع من حديد يضربون وجوههم وظهورهم.
ذلك بأنهم اتبعوا ما اسخط الله: أي التوفي على الحالة المذكورة من الضرب على الوجوه والظهور بسبب إتباعهم ما أسقط الله من الشرك والمعاصي.
وكرهوا رضوانه: أي ما يرضيه تعالى من التوحيد والعمل الصالح.
فأحبط أعمالهم: أي أبطلها فلم يحصلوا منها على ثواب حسن.
معنى الآيات:
ما زال السياق في تأديب المنافقين بعيبهم والإنكار عليهم وتهديدهم لعلهم يرجعون إذ حالهم كحال المشركين في مكة فقال تعالى ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ١ الْقُرْآنَ﴾ أي مالهم؟ أغفلوا فلم يتدبروا
стр. 2761
القرآن أي يتفكروا فيه فيعرفوا الحق من الباطل والهدى من١ الضلال لأن القرآن نزل لبيان ذلك. أم على قلوب أقفالها أي بل على قلوب٢ لهم أقفالها أي اقفل الله على قلوبهم فلا يعقلون ما أنزل الله في كتابه من المواعظ والعبر والحجج والأدلة والبراهين حتى يكون الله هو الذي يفتح تلك الأقفال، والله تعالى يقفل ويفتح حسب سنن له في ذلك وقد ذكرنا هذا المعنى مرات في بيان الهداية والإضلال، وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ٣ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ أي رجعوا إلى الكفر بقلوبهم دون ألسنتهم وهم المنافقون من بعد ما تبين لهم الهدى أي صدق الرسول ﷺ وصحة دينه الإسلام هؤلاء المرتدون الشيطان سول لهم أي زين له ذلك الارتداد وأملى لهم أي واعدهم ممنياً لهم بطول العمر والبقاء الطويل في الحياة والعيش الطيب الواسع فيها وقوله تعالى ذلك أي الإضلال الذي حصل لهم بسبب أنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله من القرآن والشرائع وإبطال الشرك والشر والفساد وهم المشركون قالوا لهم سرا وخفية سنطيعكم في بعض الأمر، وذلك كعدم قتالكم وتثبيط الناس عن القتال إلى غير ذلك مما أسروه لإخوانهم المشركين. وقوله تعالى والله يعلم إسرارهم٤ يخبر تعالى انهم لما كانوا يسرون كلمات الكفر للمشركين كان تعالى مطلعا عليهم فهو يعلم إسرارهم وأسرارهم وها هو ذا قد أطلع عليهم رسوله والمؤمنين. وقوله تعالى فكيف أي حالهم إذا توفتهم الملائكة ملك الموت وأعوانه من ملائكة العذاب وهم يضربون بمقامع من حديد وجوههم وأدبارهم أي ظهورهم. وقوله تعالى ذلك أي العذاب النازل بهم بسبب أنهم اتبعوا ما أسخط الله من الكفر به وبرسوله. وكرهوا رضوانه أي ما يرضيه عنهم وهو الجهاد في سبيله فأحبط الله أعمالهم أي أبطلها فلم يثبهم عليها لأنهم مشركون كافرون وعمل المشرك والكافر باطل وهو خاسر.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب تدبر القرآن الكريم عند تلاوته أو سماعه وهو تفهم معانيه في حدود قدرة المسلم على الفهم.
стр. 2762
٢- الارتداد عن الإسلام كالرجوع عن الطاعة إلى المعصية سببهما تزيين الشيطان للعبد ذلك وإملاؤه له بالتمني والوعد الكاذب.
٣- من الردة التعاون مع الكافرين على المؤمنين بأي شكل من أشكال التعاون ضد الإسلام والمسلمين.
٤- تقرير عقيدة عذاب القبر وأنه حق ثابت أعاذنا الله منه آمين.
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢)
شرح الكلمات:
في قلوبهم مرض: أي مرض النفاق.
أن لن يخرج الله أضغانهم: أي أن لن يظهر أحقادهم على النبي ﷺ والمؤمنين.
ولو نشاء لأريناكهم: أي لعرفناك بهم فلعرفتهم.
سيماهم: أي بعلاماتهم.
ولتعرفنهم في لحن القول: أي إذا تكلموا عند في لحن القول أي معناه وذلك بأن يعرضوا فيه بتهجين أمر المسلمين أي تقبيح أمرهم.
والله يعلم أعمالكم: أي أيها المؤمنون إن الله يعلم أعمالكم وسيجزيكم بها خيراً.
ولنبلونكم: ولنختبرنكم بالجهاد وغيره من التكاليف.
حتى نعلم: أي نعلم علم ظهور لكم ولغيركم إذ الله يعلم ذلك قبل ظهوره لما حواه كتاب المقادير.
стр. 2763
المجاهدين منكم والصابرين: أي الذين جاهدوا وصبروا من غيرهم.
ونبلوا أخباركم: أي ونظهر أخباركم للناس من طاعة وعصيان في الجهاد وفي غيره.
إن الذين كفروا: أي بالله ولقائه ورسوله وما جاء به من الدين الحق.
وصدوا عن سبيل الله: أي عن الإسلام.
وشاقوا الرسول: أي خالفوه وعادوه وحاربوه.
من بعد ما تبين لهم الهدى: أي عرفوا أن الرسول حق والإسلام حق كاليهود وغيرهم.
لن يضروا الله شيئا: أي من الضرر لأنه متعال أن يناله خلقه بضرر.
وسيحبط أعمالهم: أي يبطلها فلا تثمر لهم ما يرجونه منها في الدنيا والآخرة.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في مطلب هداية المنافقين بكشف عوارهم وإزاحة الستار عما في قلوبهم من الشك والنفاق فقال تعالى ﴿أم﴾ ١ أي أحسب الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون والمرض هو مرض النفاق الناجم عن الشك في الإسلام وشرائعه أن لن يخرج الله أضغانهم٢ أي أحقادهم فيظهرها لرسوله والمؤمنين فحسبانهم هذا باطل وقوله تعالى لرسوله ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بعلامات النفاق فيهم وقوله ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ ٣ أي وعزتي وجلالي لتعرفنهم في لحن القول أي في معاني كلامهم إذا تكلموا عندك وبين يديك فإن كلامهم ل يخلو من التعريض باللمؤمنين بانتقاصهم والقدح في أعمالهم، كما قيل (من أضمر سريرة ألبسه الله رداءها) وقوله تعالى في خطابه المؤمنين ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ ولازم أنه سيجزيكم بها فاصبروا على الإيمان والتقوى. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ٤﴾ أي ولنختبرنكم بالجهاد والإنفاق والتكاليف ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ أي حتى نظهر ذلك لكم فتعرفوا المجاهد من القاعد والصابر من الضاجر منكم وبينكم، ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ أي ما تخبرون به عن أنفسكم وتتحدثون به فنظهر الصدق من خلافه فيه، ولذا كان الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى إذا قرأ هذه الآية بكى وقال اللهم لا تبتلنا فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا، وقوله جل ذكره ﴿إِنَّ
стр. 2764
الَّذِينَ كَفَرُوا١﴾ أي كذبوا الله ورسوله ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي الإسلام فصرفوا الناس عنه بأي سبب من الأسباب، ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾ أي خالفوه وعادوه وحاربوه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ أي ظهر لهم الحق وأن الرسول حق والإٍسلام حق بالحجج والبراهين هؤلاء الكفرة لن يضروا الله شيئا من الضرر لتنزهه عن صفات المحدثين من خلقه ولا امتناعه تعالى وعزته، ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي يبطلها عليهم فلا ينالون بها ما يؤملون في الدنيا بذهاب كيدهم وخيبة أملهم إذ ينصر الله رسوله ويعلي كلمته، وفي الآخرة لأن الأعمال المشرك والكافر باطلة حابطة لا ثواب عليها سوى ثواب الجزاء المهين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان حقيقة وهي من أسر سريرة ألبسه الله رداءها فكشفه للناس.
٢- ومن أحب شيئا ظهر على وجهه وفلتات لسانه.
٣- تقرير قاعدة وهي أنه لبد من الابتلاء لمن دخل في الإسلام ليكون الإيمان على حقيقته لا إيمانا صوريا أدنى فتنه تصيب صاحبه يرتد بها عن الإسلام.
٤- أعمال المشرك والكافر باطلة لا ثواب خير عليها لأن الشرك محبط للأعمال الصالحة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ
стр. 2765
لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)
شرح الكلمات:
ولا تبطلوا أعمالكم: أي بالرياء والشرك والمعاصي.
وصدوا عن سبيل الله: أي عن الإسلام.
فلن يغفر الله لهم: أي لأنهم ماتوا على الكفر والكفر محبط للعمل.
فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم: أي فلا تضعفوا وتدعوا إلى الصلح مع الكفار.
وأنتم الأعلون: أي الغالبون القاهرون.
ولن يتركم أعمالكم: أي ولن ينقصكم أجر أعمالكم وثوابها.
إنما الحياة الدنيا لعب ولهو: أي الاشتغال بالدنيا والتفرغ لها ما هو إلا لهو ولعب لعدم الفائدة منه.
ولا يسألكم أموالكم: أي ولا يكلفكم بإنفاق أموالكم كلها بل الزكاة فقط.
فيحفكم تبخلوا: أي بالمبالغة في طلبكم المال تبخلوا.
ويخرج أضغانكم: أي أحقادكم وبغضكم لدين الإسلام.
فإنما يبخل عن نفسه: أي عائد ذلك على نفسه لا على غيره فهو الذي يحرم الثواب.
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم: أي عن طاعة الله وطاعة رسوله يأت بآخرين غيركم.
ثم لا يكونوا أمثالكم: أي في الطاعة أي يكونوا أطوع منكم لله ورسوله.
معنى الآيات:
لما ذكر تعالى الكفار ومشاقتهم لرسوله ﷺ نادى المؤمنين١ وأمرهم بطاعته وطاعة رسوله فقال يا أيها الذين آمنوا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول أي فيما يأمرانكم به وينهيانكم عنه من المعتقدات والأقول والأعمال ولا تبطلوا٢ أعمالكم أي وينهاهم أن
стр. 2766
يبطلوا أعمالهم بالشرك والرياء والمعاصي والمراد من إبطال الأعمال أي حرمانهم من ثوابها، ثم أعلمهم مذكرا واعظا لهم فقال إن الذين كفروا أي بالله ورسوله وصدوا عن سبيل الله أي عن الإسلام بأي سبب من الأسباب ثم ماتوا وهم كفار قبل أن يتوبوا. فهؤلاء لن يغفر الله لهم ويعذبهم العذاب المعد لأمثالهم وقوله تعالى فلا تهنوا وتدعوا١ إلى السلم وأنتم٢ الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ينهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يضعفوا عن قتال أعدائهم من الكافرين ويدعوا الكافرين إلى الصلح والمهادنة وهم أقوياء قادرون وهو معنى قوله وأنتم الأعلون أي الغالبون القاهرون. ولن ٣يتركم أعمالكم أي لا ينقصكم أجر أعمالكم بل يجزيكم بها ويزدكم من فضله وقوله ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ هذه حقيقة وهي أن الحياة الدنيا إن أقبل عليها العبد ناسيا الدار الآخرة مقبلا على الدنيا لن تكون في حقه إلا لهواً ولعبا باعتبار أنه لم يظفر منها على طائل ولم تعد عليه بعائد خير وإسعاد كاللاعب اللاهي بشيء يلعب ويلهو فترة ثم لا يعود عليه ذلك اللعب بشيء كلعب الصبيان ولهوهم فإنهم يلهون ويلعبون بجد ثم يعودون إلى والديهم يطلبون الطعام والشراب. وقوله وإن تؤمنوا أي الإيمان الصحيح وتتقوا ما يغضب ربكم ويسخطه عليكم من الشرك والمعاصي يؤتكم أجوركم المترتبة على الإيمان والتقوى. وقوله ولا يسألكم أموالكم أي ولا يطلب منكم أموالكم كلها أي كراهة إحفائكم بذلك إن يسألكموها فيحفكم٤ أي بكثرة الإلحاح عليكم تبخلوا إذ هذا معروف من طباع البشر أن الإنسان إذا ألح وألحف عليه في الطلب يبخل بالمال ولم يعطه وقد يترك الإسلام لذلك، وقوله ويخرج أضغانكم أي أحقادكم وبغضكم للدين وكراهيتكم له ولذا لم يسألكم أموالكم وقوله تعالى: ٥ ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ٦ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي جزءاً من أموالكم في الزكاة أو الجهاد لا كل أموالكم لما يعلم تعالى من شح النفس بالمال وقوله ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ أي يمنع ومن يبخل فإنما يبخل عن٧ نفسه إذ هي التي حرمها أجر النفقة في سبيل الله ذات الأجر العظيم وقوله ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ
стр. 2767
الْفُقَرَاءُ﴾ إلى الله تعالى فهو غني عنكم لا يحضكم على النفقة لحاجته إليها ولكن لحاجتكم أنتم إليها إذ بها تزكوا نفوسكم وتقوم أموركم وتنتصروا على عدوكم وقوله وإن تتولوا أي ترجعوا عن الإسلام إلى الكفر والعياذ بالله يستبدل الله بكم قوما غيركم أي يذهبكم ويأت بآخرين ثم لا يكونوا أمثالكم بل يكونون أطوع إلى الله تعالى منكم وأسرع امتثالا لما يطلب منهم. وحاشاهم أن يتولوا وما تولوا ولا استبدل الله تعالى بهم غيرهم. وإنما هذا من باب حثهم على معالي الأمور والأخذ بعزائمها نظرا لمكانتهم من هذه الأمة فهم أشرفها وأكملها وأطوعها لله وأحبها له ولرسوله ﷺ .
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب طاعة الله وطاعة رسوله.
٢- وجوب إتمام العمل الصالح من صلاة وغيرها بالشروع فيه.
٣- بطلان العمل الصالح بالرياء أو إفساده عند أدائه أو بالردة عن الإسلام.
٤- حرمة الركون إلى مصالحة الأعداء مع القدرة على قتالهم والتمكن من دفع شرهم.
٥- التنفير من الإقبال على الدنيا والإعراض عن الآخرة.
٦- حرمة البخل مع الجدة والسعة.
وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧)
شرح الكلمات:
إنا فتحنا لك فتحا مبينا: أي قضينا لك بفتح مكة وغيرها عنوة بجاهدك فتحا ظاهرا بيناً.
ليغفر لك الله: أي بسبب شكرك له وجهادك في سبيله.
ما تقدم من ذنبك وما تأخر: أي ما تقدم الفتح وما تأخر عنه.
ويتم نعمته عليك: أي ينصرك على أعدائك وإظهار دينك ورفع ذكرك.
ويهديك صراطا مستقيما: ويرشدك طريقا من الدين لا اعوجاج فيه يفضي بك إلى رضوان ربك.
وينصرك الله نصراً عزيزا: أي وينصرك الله على أعدائك ومن ناوأك نصر عزيزا لا يغلبه غالب، ولا يدفعه دافع.
أنزل السكينة في قلوب المؤمنين: أي الطمأنينة بعد ما أصابهم من الاضطراب والقلق من جراء الصلح.
وكان الله عليما حكيما: أي عليما بخلقه حكيما في تدبيره لأوليائه.
ليدخل المؤمنين والمؤمنات: أي قضى بالفتح ليشكروه ويجاهدوا في سبيله ليدخلهم جنات.
стр. 2770
وكان ذلك عند الله فوزا عظيما: أي وكان ذاك الإدخال والتكفير للسيئات فوزا عظيما.
ويعذب المنافقين والمنافقات: والمشركين والمشركات أي يعذبهم بالهم والحزن لما يرون من نصرة الإسلام وعزة أهله.
الظانين بالله ظن السوء: أي أن الله لا ينصر محمداً وأصحابه.
عليهم دائرة السوء: أي بالذل والعذاب والهوان.
وكان الله عزيزا حكيما: أي كان وما زال تعالى غالبا لا يغلب حكيما في الانتقام من أعدائه.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ الآيات هذه فاتحة سورة الفتح التي قال فيها رسول الله ﷺ "لقد أنزلت علي سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً١ مُبِيناً﴾ " وذلك بعد صلح الحديبية سنة ست من الهجرة وفي منصرفه منه وهو في طريقه عائد مع أصحابه إلى المدينة النبوية. وقد خالط أصحابه حزن وكآبة حيث صدوا عن المسجد الحرام فعادوا ولم يؤدوا مناسك العمرة التي خرجوا لها، وتمت أحداث جسام تحمل فيها رسول الله ﷺ ما لا يقدر عليه من أولي العزم غيره فجزاه الله وأصحابه وكافاهم على صبرهم وجهادهم بما تضمنته هذه الآيات إلى قوله ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً﴾ فقوله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ يا رسولنا ﴿فَتْحاً مُبِيناً﴾ أي قضينا لك بفتح مكة وخيبر وغيرهما ثمرة من ثمرات جهادك وصبرك وهو أمر واقع لا محالة وهذا الصلح بادية الفتح فاحمد ربك واشكره ليغفر لك بذلك وبجهادك وصبرك ما تقدم من٢ ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك بنصرك على أعدائك وعلى كل من ناوأك، ويهديك صراطاً مستقيما أي ويرشدك إلى طرق لا اعوجاج فيه يفضي بك وبكل من يسلكه إلى الفوز في الدنيا والآخرة وهو الإسلام دين الله الذي لا يقبل دينا سواه. وينصرك الله نصراً عزيزا أي وينصرك ربك على أعدائك وخصوم دعوتك نصرا عزيزا إي ذا عز لا ذل معه هذه أربع عطايا