يبطلوا أعمالهم بالشرك والرياء والمعاصي والمراد من إبطال الأعمال أي حرمانهم من ثوابها، ثم أعلمهم مذكرا واعظا لهم فقال إن الذين كفروا أي بالله ورسوله وصدوا عن سبيل الله أي عن الإسلام بأي سبب من الأسباب ثم ماتوا وهم كفار قبل أن يتوبوا. فهؤلاء لن يغفر الله لهم ويعذبهم العذاب المعد لأمثالهم وقوله تعالى فلا تهنوا وتدعوا١ إلى السلم وأنتم٢ الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ينهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يضعفوا عن قتال أعدائهم من الكافرين ويدعوا الكافرين إلى الصلح والمهادنة وهم أقوياء قادرون وهو معنى قوله وأنتم الأعلون أي الغالبون القاهرون. ولن ٣يتركم أعمالكم أي لا ينقصكم أجر أعمالكم بل يجزيكم بها ويزدكم من فضله وقوله ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ هذه حقيقة وهي أن الحياة الدنيا إن أقبل عليها العبد ناسيا الدار الآخرة مقبلا على الدنيا لن تكون في حقه إلا لهواً ولعبا باعتبار أنه لم يظفر منها على طائل ولم تعد عليه بعائد خير وإسعاد كاللاعب اللاهي بشيء يلعب ويلهو فترة ثم لا يعود عليه ذلك اللعب بشيء كلعب الصبيان ولهوهم فإنهم يلهون ويلعبون بجد ثم يعودون إلى والديهم يطلبون الطعام والشراب. وقوله وإن تؤمنوا أي الإيمان الصحيح وتتقوا ما يغضب ربكم ويسخطه عليكم من الشرك والمعاصي يؤتكم أجوركم المترتبة على الإيمان والتقوى. وقوله ولا يسألكم أموالكم أي ولا يطلب منكم أموالكم كلها أي كراهة إحفائكم بذلك إن يسألكموها فيحفكم٤ أي بكثرة الإلحاح عليكم تبخلوا إذ هذا معروف من طباع البشر أن الإنسان إذا ألح وألحف عليه في الطلب يبخل بالمال ولم يعطه وقد يترك الإسلام لذلك، وقوله ويخرج أضغانكم أي أحقادكم وبغضكم للدين وكراهيتكم له ولذا لم يسألكم أموالكم وقوله تعالى: ٥ ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ٦ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي جزءاً من أموالكم في الزكاة أو الجهاد لا كل أموالكم لما يعلم تعالى من شح النفس بالمال وقوله ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ أي يمنع ومن يبخل فإنما يبخل عن٧ نفسه إذ هي التي حرمها أجر النفقة في سبيل الله ذات الأجر العظيم وقوله ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ
стр. 2767
الْفُقَرَاءُ﴾ إلى الله تعالى فهو غني عنكم لا يحضكم على النفقة لحاجته إليها ولكن لحاجتكم أنتم إليها إذ بها تزكوا نفوسكم وتقوم أموركم وتنتصروا على عدوكم وقوله وإن تتولوا أي ترجعوا عن الإسلام إلى الكفر والعياذ بالله يستبدل الله بكم قوما غيركم أي يذهبكم ويأت بآخرين ثم لا يكونوا أمثالكم بل يكونون أطوع إلى الله تعالى منكم وأسرع امتثالا لما يطلب منهم. وحاشاهم أن يتولوا وما تولوا ولا استبدل الله تعالى بهم غيرهم. وإنما هذا من باب حثهم على معالي الأمور والأخذ بعزائمها نظرا لمكانتهم من هذه الأمة فهم أشرفها وأكملها وأطوعها لله وأحبها له ولرسوله ﷺ .
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب طاعة الله وطاعة رسوله.
٢- وجوب إتمام العمل الصالح من صلاة وغيرها بالشروع فيه.
٣- بطلان العمل الصالح بالرياء أو إفساده عند أدائه أو بالردة عن الإسلام.
٤- حرمة الركون إلى مصالحة الأعداء مع القدرة على قتالهم والتمكن من دفع شرهم.
٥- التنفير من الإقبال على الدنيا والإعراض عن الآخرة.
٦- حرمة البخل مع الجدة والسعة.
وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧)
شرح الكلمات:
إنا فتحنا لك فتحا مبينا: أي قضينا لك بفتح مكة وغيرها عنوة بجاهدك فتحا ظاهرا بيناً.
ليغفر لك الله: أي بسبب شكرك له وجهادك في سبيله.
ما تقدم من ذنبك وما تأخر: أي ما تقدم الفتح وما تأخر عنه.
ويتم نعمته عليك: أي ينصرك على أعدائك وإظهار دينك ورفع ذكرك.
ويهديك صراطا مستقيما: ويرشدك طريقا من الدين لا اعوجاج فيه يفضي بك إلى رضوان ربك.
وينصرك الله نصراً عزيزا: أي وينصرك الله على أعدائك ومن ناوأك نصر عزيزا لا يغلبه غالب، ولا يدفعه دافع.
أنزل السكينة في قلوب المؤمنين: أي الطمأنينة بعد ما أصابهم من الاضطراب والقلق من جراء الصلح.
وكان الله عليما حكيما: أي عليما بخلقه حكيما في تدبيره لأوليائه.
ليدخل المؤمنين والمؤمنات: أي قضى بالفتح ليشكروه ويجاهدوا في سبيله ليدخلهم جنات.
стр. 2770
وكان ذلك عند الله فوزا عظيما: أي وكان ذاك الإدخال والتكفير للسيئات فوزا عظيما.
ويعذب المنافقين والمنافقات: والمشركين والمشركات أي يعذبهم بالهم والحزن لما يرون من نصرة الإسلام وعزة أهله.
الظانين بالله ظن السوء: أي أن الله لا ينصر محمداً وأصحابه.
عليهم دائرة السوء: أي بالذل والعذاب والهوان.
وكان الله عزيزا حكيما: أي كان وما زال تعالى غالبا لا يغلب حكيما في الانتقام من أعدائه.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ الآيات هذه فاتحة سورة الفتح التي قال فيها رسول الله ﷺ "لقد أنزلت علي سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً١ مُبِيناً﴾ " وذلك بعد صلح الحديبية سنة ست من الهجرة وفي منصرفه منه وهو في طريقه عائد مع أصحابه إلى المدينة النبوية. وقد خالط أصحابه حزن وكآبة حيث صدوا عن المسجد الحرام فعادوا ولم يؤدوا مناسك العمرة التي خرجوا لها، وتمت أحداث جسام تحمل فيها رسول الله ﷺ ما لا يقدر عليه من أولي العزم غيره فجزاه الله وأصحابه وكافاهم على صبرهم وجهادهم بما تضمنته هذه الآيات إلى قوله ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً﴾ فقوله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ يا رسولنا ﴿فَتْحاً مُبِيناً﴾ أي قضينا لك بفتح مكة وخيبر وغيرهما ثمرة من ثمرات جهادك وصبرك وهو أمر واقع لا محالة وهذا الصلح بادية الفتح فاحمد ربك واشكره ليغفر لك بذلك وبجهادك وصبرك ما تقدم من٢ ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك بنصرك على أعدائك وعلى كل من ناوأك، ويهديك صراطاً مستقيما أي ويرشدك إلى طرق لا اعوجاج فيه يفضي بك وبكل من يسلكه إلى الفوز في الدنيا والآخرة وهو الإسلام دين الله الذي لا يقبل دينا سواه. وينصرك الله نصراً عزيزا أي وينصرك ربك على أعدائك وخصوم دعوتك نصرا عزيزا إي ذا عز لا ذل معه هذه أربع عطايا
стр. 2771
كانت لرسول الله ﷺ ففرح بها وهي مغفرة الذنب السابق واللاحق، الفتح للبلاد، الهداية إلى أقوم طريق يفضي إلى سعادة الدارين، والنصر المؤزر العزيز، فلذا قال أنزلت علً آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا. وقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي١ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ أي هو الله المنعم عليك بما ذكر لك الذي أنزل السكينة أي الطمأنينة على قلوب المؤمنين من أصحابك وكان عددهم ألفا وأربعمائة صاحب أنزل السكينة عليهم بعد اضطراب شديد أصاب نفوسهم دل عليه قول عمر ﵁ للرسول ﷺ ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت فلما نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال بلى، قلت: فلما الدنية في ديننا؟ قال أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه أي سر على نهجه ولا تخالفه. فوالله إنه لعلى الحق، قلت أليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به؟ قال بلى. قال فهل أخبرك أنه العام؟ قلت: لا قال فإنك تأتيه وتطوف به. وقوله ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ أي بشرائع الإسلام كلما نزل حكم آمنوا به وعملوا به ومن ذلك الجهاد وبذلك يكون إيمانهم في ازدياد. وقوله تعالى ولله جنود٢ السموات والأرض أي ملائكة السماء وملائكة الأرض وكل ذي شوكة وقوة من الكائنات هو لله كغيره ويسخره كما شاء ومتى شاء فقد يسلط جيشاً كافراً على جيش كافر نصرة للجيش مؤمن والمراد من هذا أنه تعالى قادر على نصرة نبيه ودينه بغيركم أيها المؤمنون وكان الله وما زال أزلا وأبدا عليما بخلقه حكيما في تدبير أمور خلقه. وقوله تعالى ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ٣ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي الإدخال للجنة وتكفير السيئات فوزاً عظيما أي فتح على رسوله والمؤمنين ليشكروا بالطاعة والجهاد والصبر أي تم كل ذلك ليدخل المؤمنين والمؤمنات الآية. وقوله ﴿وَيُعَذِّبَ٤ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ
стр. 2772
وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ أي فتح على رسوله والمؤمنين ونصرهم ووهبهم ما وهبهم من الكمال ليكون ذلك غما وهما وحزنا يعذب الله به المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات في الدنيا والآخرة وقوله ﴿الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ١﴾ هذا وصف للمنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات حيث إنهم كانوا ظانين أن الله٢ لا ينصر رسوله والمؤمنين ولا يعلي كلمته ولا يظهر دينه وقوله تعالى ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ إخبارا منه بأن دائرة السوء تكون على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات كما أخبر عنهم بأنه غضب عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ومعنى أعد هيأ وأحضر لهم، وساءت جهنم مصيرا يصير إليه الإنسان والجان. بعد نهاية الحياة الدنيا، فقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ينصر بها من يشاء ويهزم بها من يشاء ﴿وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً﴾ أي غالبا لا يمانع في مراده ﴿حَكِيماً﴾ في تدبيره وصنعه.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- الذنب الذي غفر لرسول الله ﷺ من المعلوم بالضرورة أنه ليس من الكبائر في شيء وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين.
٢- إنعام الله على العبد يوجب الشكر والشكر يوجب المغفرة وزيادة الإنعام.
٣- بيان مكافئة الله لرسوله والمؤمنين على صبرهم وجهادهم.
٤- بيان أن الكافرين يحزنون ويغمون بنصر المؤمنين وعزهم فيكون ذلك عذاب لهم في الدنيا.
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
стр. 2773
فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠)
شرح الكلمات:
شاهدا ومبشرا ونذيرا: أي شاهدا على أمتك أمة الدعوة يوم القيامة ومبشراً من آمن منهم وعمل صالحا بالجنة ونذيراً من كفر أو عصى وفسق بالنار.
ليؤمنوا بالله ورسوله: أي هذه علة للإرسال.
وتعزروه وتوقروه: أي ينصروه ويعظموه وهذا لله وللرسول.
وتسبحوه بكرة وأصيلا: أي الله تعالى بالصلاة والذكر والتسبيح.
إن الذين يبايعونك: أي بيعة الرضوان بالحديبية.
إنما يبايعون الله: لأن طاعة الرسول طاعة لله تعالى
يد الله فوق أيديهم: أي لأنهم كانوا يبايعون الله إذ هو الذي يجاهدون من أجله ويتلقون الجزاء من عنده.
فمن نكث: أي نقض عهده فلم يقاتل مع الرسول والمؤمنين.
فإنما ينكث على نفسه: أي وبال نقضه عهده عائد عليه إذ هو الذي يجزي به.
فسيؤتيه أجرا عظيما: أي الجنة إذ هي الأجر العظيم الذي لا أعظم منه إلا رضوان الله .
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في بيان ما أنعم الله تعالى به على رسوله فقال تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ ١ لله تعالى بالوحدانية والكمال المطلق له وشاهدا على هذه الأمة التي أرسلت فيها وإليها عربها وعجمها ومبشراً لأهل الإيمان والتقوى بالجنة ونذيرا لأهل الكفر والمعاصي أي مخوفا لهم من عذاب الله يوم القيامة. وقوله تعالى ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي أرسلناه كذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ بمعنى تنصروا ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ بمعنى تجلوه وتعظموه وهذه واجبة لله ولرسوله الإيمان والتعزير والتوقير، وأما التسبيح والتقديس فهو لله تعالى وحده ويكون بكلمة سبحان الله وبالصلاة وبالذكر لا إله إلا الله، وبدعاء الله وحده
стр. 2774
وقوله ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ١ أي تسبحون الله ﴿بُكْرَةً﴾ أي صباحاً ﴿وَأَصِيلاً﴾ أي عشية وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ يخبر تعالى رسوله بأن الذين يبايعونه على قتال أهل مكة وألا يفروا عند اللقاء ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾ ٢ إذ هو تعالى الذي أمرهم بالجهاد وواعدهم الأجر فالعقد وإن كانت صورته مع رسول الله فإنه في الحقيقة مع الله ، ولذا قال ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وقوله تعالى ﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾ أي نقض عهده فلم يقاتل ﴿فإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ﴿وَمَنْ أَوْفَى﴾ بمعنى وفا ﴿بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ٣ اللهَ﴾ ومن نصرة الرسول والقتال تحت رايته حتى النصر ﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾ ٤ الله ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ الذي هو الجنة دار السلام.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقري نبوة محمد ﷺ والإعلان عن شرفه وعلو مقامه.
٢- وجوب الإيمان بالله ورسوله ووجوب نصرة الرسول وتعظيمه ﷺ .
٣- وجوب تسبيح الله وهو تنزيهه عن كل ملا يليق بجلاله وكماله مع الصلاة ليلا ونهارا.
٤- وجوب الوفاء بالعهد، وحرمة نقض العهد ونكثه.
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى
стр. 2775
أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤)
شرح الكلمات:
المخلفون من الأعراب: أي الذين حول المدينة وقد خلفهم الله عن صحبتك لما طلبتهم ليخرجوا معك إلى مكة خوفا من تعرض قريش لك عام الحديبية وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع.
شغلتنا أموالنا وأهلونا: أي عن الخروج معك.
استغفر لنا: أي الله من ترك الخروج معك.
يقولون بألسنتهم: أي كل ما قالوه وهو من أسنتهم وليس في قلوبهم منه شيء.
قل فمن يملك لكم من الله شيئا: أي لا أحد لأن الاستفهام هنا للنفي.
إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم: وبخهم على تركهم صحبة رسول الله ﷺ خوفا من قريش.
نفعاً
بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون: أي حسبتم أن قريشا تقتل الرسول والمؤمنين فلم يرجع أحد منهم إلى المدينة.
وظننتم ظن السوء: هو هذا الظن الذي زينه الشيطان في قلوبهم.
وكنتم قوما بورا: أي هالكين عند الله بهذا الظن السيء، وواحد بور بائر. هالك.
فإنا اعتدنا للكافرين سعيرا: أي ناراً شديدة الاستعار والالتهاب.
يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء: يغفر لمن يشاء وهو عبد تاب وطلب المغفرة بنفسه، ويعذب من يشاء وهو عبد ظن السوء وقال غير ما يعتقد وأصر على ذلك الكفر والنفاق.
وكان الله غفورا رحيما: كان وما زال متصفا بالمغفرة والرحمة فمن تاب غفر الله له ورحمه.
стр. 2776
ما زال السياق الكريم في مطلب هداية المنافقين في الحضر والبادية وذلك بتأنيبهم وتوبيخهم وذكر معايبهم إرادة إصلاحهم فقال تعالى لرسوله ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع١ وكانوا أهل بادية وأعرابا حول المدينة استنفرهم رسول الله ﷺ ليخرجوا معه إلى مكة للعمرة تحسبا لما قد تقدم عليه قريش من قتاله ﷺ إلا أن هؤلاء المخلفين من الأعراب أصابهم خوف وجبن من ملاقاة قريش وزين لهم الشيطان فكرة أن الرسول والمؤمنين لن يعودوا إلى المدينة فإن قريشا ستقضي عليهم وتنهي وجودهم فلذلك خلفهم الله وحرمهم صحبة نبيه والمؤمنين فحرموا من مكرمة بيعة الرضوان وأخبر رسوله عنهم وهو عائد من الحديبية بما يلي ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ معتذرين لك عن تخلفهم ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا﴾ فتخلفنا لأجل إصلاحها، ﴿وَأَهْلُونَا﴾ كذلك ﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ أي اطلب لنا من الله المغفرة. ولم يكن هذا منهم حقا وصدقا بل كان باطلا وكذبا فقال تعالى فاضحاً لهم ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ فهم إذاً كاذبون. وهنا أمر رسوله أن يقول لهم أخبروني إن أنتم عصيتم الله ورسوله وتركتم الخروج مع المؤمنين جبنا وخوفا من القتل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضراً أي شراً لكم أو أراد بكم نفعاً أي خيرا لكم؟ والجواب قطعاً لا أحد إذاً فإنكم كنتم مخطئين في تخلفكم وظنكم معاً، وقوله ﴿بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ اضرب تعالى عن كذبهم واعتذارهم ليهددهم على ذلك بقوله ﴿بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ وسيجزيكم به وما كان عملهم إلا الباطل والسوء، ثم أضرب عن هذا أيضا إلى آخر فقال ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ٢ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ إذ تقتلهم قريش فتستأصلهم بالكلية. وزين ذلك الشيطان في قلوبكم فرأيتموه واقعا، وظننتم ظن السوء وهو أن الرسول والمؤمنين لن ينجوا من قتال قريش لهم، وكنت أي بذلك الظن قوما بورا لا خير فيكم هلكى لا وجود لكم. وقوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً﴾ وهو إخبار أريد به تخويفهم لعلهم يرجعون من باطلهم في اعتقادهم وأعمالهم إلى الحق قولا وعملا، ومعنى اعتدنا أي هيئنا وأحضرنا وسعيراً بمعنى نار مستعره شديدة الالتهاب وقوله في الآية الأخيرة من هذا السياق (١٥) ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ٣
стр. 2777
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي بيده كل شيء ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده ويعذب من يشاء فاللائق بهم التوبة والإنابة إليه لا الإصرار على الكفر والنفاق فإنه غير مجد لهم ولا نافع بحال وقد تاب بهذا أكثرهم وصاروا من خيرة الناس، وكان الله غفورا رحيما فغفر لكل من تاب منهم ورحمه. ولله الحمد والمنة.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- إخبار القرآن بالغيب وصدقه في ذلك دال على أنه كلام الله أوحاه إلى رسوله ﷺ .
٢- لا يملك النفع ولا الضر على الحقيقة إلا الله ولذا وجب أن لا يطمع إلا فيه، ولا يرهب إلا منه.
٣- حرمة ظن السوء في الله ، ووجوب حسن الظن به تعالى.
٤- الكفر موجب لعذاب النار، ومن تاب تاب الله عليه، ومن طلب المغفرة بصدق غفر له.
٥- ذم التخلف عن المسابقة في الخيرات والمنافسة في الصالحات.
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً (١٥)
شرح الكلمات:
المخلفون من الأعراب: أي المذكورون في الآيات قبل هذه وهم غفار وجهينة ومزينة وأشجع.
إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها: أي مغانم خيبر إذ وعدهم الله بها عند رجوعهم من الحديبية.
ذرونا نتبعكم: أي دعونا نخرج معكم لنصيب من الغنائم.
يريدون أن يبدلوا كلام الله: أي أنهم بطلبهم الخروج إلى خيبر لأخذ الغنائم يريدون أن يغيروا وعد الله لأهل الحديبية خاصة بغنائم خيبر.
стр. 2778
كذلك قال الله من قبل: أي قاله تعالى لنا قبل عودتنا إلى المدينة فلن تتبعونا ولن تخرجوا معنا.
فسيقولون بل تحسدوننا: أي فسيقولون بل تحسدوننا وفعلا فقد قالوا ذلك وزعموا أنه ليس أمراً من الله هذا المنع، وإنما هو من الرسول والمؤمنين حسداً لهم، وهذا دال على نفاقهم وكفرهم والعياذ بالله.
بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا: أي لا يفهمون فهم الحاذق الماهر إلا قليلا وفي أمور الدنيا لا غير.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في مطلب هداية المنافقين من الحضر والبادية وذلك بالحديث عنهم وكشف عوارهم ودعوتهم إلى التوبة والرجوع إلى الحق عند ظهور انحرافهم وسوء أحوالهم فقال تعالى لرسوله. سيقول المخلفون الذين تقدم الحديث عنهم وأنهم تخلفوا عن الحديبية من الأعراب الذين هم مزينة وجهينة وغفار وأشجع. أي سيقولون لكم إذا انطلقتم إلى مغانم١ لتأخذوها ذرونا نتبعكم، وذلك أن الله تعالى بعد صلح الحديبية وما نال أهلها من آلام نفسية أكرمهم بنعم كثيرة منها أنه واعدهم بغنائم خيبر بأن يتم لهم فتحها ويغنمهم أموالها وكانت أموالا عظيمة، فلما عادوا إلى المدينة وأعلن الرسول ﷺ عن الخروج إلى خيبر جاء هؤلاء المخلفون يطالبون بالسير٢ معهم لأجل الغنيمة لا غير، قال تعالى ﴿يرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ٣ اللهِ﴾ وهو وعده لأهل الحديبية بأن يغنمهم غنائم خيبر، ولذا أمر رسوله أن يقول لهم لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل أي فقد أخبرنا تعالى بحالكم ومقالكم هذا قبل أن تقولوه وتكونوا عليه. وقوله ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ هذا من جملة ما أخبر تعالى به رسوله والمؤمنين قبل قولهم له وقد قالوه أي ما منعتمونا من الخروج إلى خيبر إلا حسداً لنا أن ننال من الغنائم أي لم يكن الله أمركم بمنعنا ولكن الحسد هو الذي أمركم وقوله تعالى بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا أي وصمهم بوصمة الجهل وجعلها هي علة تخبطهم وحيرتهم وضلالهم، أنهم قليلو الفهم والإدراك فليسوا على مستوى الرجل الحاذق الماهر البصير الذي يحسن القول والعمل.
стр. 2779
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وعد الله رسوله والمؤمنين بغنائم خيبر وهم في طريقهم من الحديبية إلى المدينة وإنجازه لهم دال على وجود الله وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته وكلها موجبة للإيمان والتوحيد وحب الله والرغبة إليه والرهبة منه.
٢- بيان حيرة الكافر واضطراب نفسه وتخبط قوله وعمله.
٣- ذم الجهل وتقبيحه إنه بئس الوصف يوصف به المرء، ولذا لا يرضاه حتى الجاهل بنفسه فلو قلت لجاهل يا جاهل لا تفعل كذا أو لا تقل كذا لغضب عليك.
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً (١٦) لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً (١٧)
شرح الكلمات:
قل للمخلفين من الأعراب: أي الذين تخلفوا عن الحديبية وطالبوا بالخروج إلى خيبر لأجل الغنائم اختباراً بهم.
ستدعون إلى قوم أولي بئس شديد: أي ستدعون في يوم ما من الأيام إلى قتال قوم أولي بئس وشدة في الحرب.
تقاتلونهم أو يسلمون: أي تقاتلونهم. أو هم يسلمون فلا حاجة إلى قتالهم.
فإن تطيعوا: أي أمر الداعي لكم إلى قتال القوم أصحاب البأس الشديد.
يؤتكم الله أجرا حسنا: أي عودة اعتباركم مؤمنين صالحين في الدنيا والجنة في الآخرة.
стр. 2780
وإن تولوا: أي تعرضوا عن الجهاد كما توليتم من قبل حيث لم تخرجوا للحديبية.
يعذبكم عذابا أليما: في الدنيا بالقتل والإذلال وفي الآخرة بعذاب النار.
حرج: أي إثم.
ومن يتول: أي يعرض عن طاعة لله ورسوله.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في مطلب هداية المنافقين من الأعراب إذ قال تعالى للرسول ﷺ قل للمخلفين الذين أصبح وصف التخلف شعاراً لهم يعرفون به وفي ذلك من الذم واللوم والعتاب ما فيه قل لهم مختبراً إياهم ستدعون في يوم من الأيام إلى قتال قوم أولي بأس شديد في الحروب تقاتلونهم، أو يسلمون١ فلا تقاتلوهم وذلك بأن يرضوا بدفع الجزية وهؤلاء لا يكونون إلا نصارى أو مجوساً فهم إما فارس وإما الروم وقد اختلف في تحديدهم٢ فإن تطيعوا الأمر لكم بالخروج الداعي للجهاد فتخرجوا وتجاهدوا يؤتكم الله أجراً حسناً غنائم في الدنيا وحسن الصيت والأحدوثة والجنة فوق ذلك، وإن تتولوا أي تعرضوا عن طاعة من يدعوكم ولا تخرجوا معه كما توليتم من قبل حيث لم تخرجوا مع رسول الله إلى مكة للعمرة خوفاً من قريش ورجاء أن يهلك الرسول والمؤمنون ويخلو لكم الجو يعذبكم عذاباً أليماً أي في الدنيا بأن يسلط عليكم من يعذبكم وفي الآخرة بعذاب النار وقوله تعالى ليس٣ على الأعمى حرج الآية إنه لما نزلت آية المنافقين قل للمخلفين من الأعراب وكان ختامها وإن تتولوا عن الجهاد يعذبكم عذابا أليما خاف أصحاب الأعذار من مرض وغيره وبكوا فأنزل الله تعالى قوله ليس على الأعمى حرج أي إثم إذا لم يخرج للجهاد ولا على الأعرج٤ حرج وهو الذي به عرج في رجليه لا يقدر على المشي والجري والكر والفر ولا على المريض حرج وهو المريض بالطحال أو الكبد أو السعال من الأمراض
стр. 2781
المزمنة التي لا يقدر صاحبها على القتال وكان يعتمد على الفر والكر ولابد كذلك من سلامة البدن وقدرته على القتال.
وقوله ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي في أوامرهما ونواهيهما ﴿يُدْخِلْهُ١ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ وهذا وعد صادق من رب كريم رحيم، ومن يتول عن طاعة الله ورسوله يعذبه عذاباً أليما وهذا وعيد شديد قوي عزيز ألا فليتق الله امرؤ فإن الله شديد العقاب.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- مشروعية الاختبار والامتحان لمعرفة القدرات والمؤهلات.
٢- بيان أن غزوا الإسلام ينتهي إلى أحد أمرين إسلام الأمة المغزوة أو دخولها في الذمة بإعطائها الجزية بالحكم الإسلامي وسياسته.
٣- دفع الإثم والحرج في التخلف عن الجهاد لعذر العمى أو العرج أو المرض.
٤- بيان وعد الله ووعيده لمن أطاعه ولمن عصاه، الوعد بالجنة. والوعيد بالنار.
لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩)
شرح الكلمات:
لقد رضي الله عن المؤمنين: أي الراسخين في الإيمان الأقوياء فيه وهم أهل بيعة الرضوان من أصحاب رسول الله ﷺ .
إذ يبايعونك: أي بالحديبية أيها الرسول محمد ﷺ .
تحت الشجرة: أي سمرة وهم ألف وأربعمائة بايعوا على أن يقاتلوا قريشا ولا يفروا.
стр. 2782
فعلم ما في قلوبهم فأنزل: أي علم الله ما في قلوبهم من الصدق والوفاء فأنزل الطمأنينة والثبات على ما هم
السكينة عليهم عليه.
وأثابهم فتحاً قريبا: أي هو فتح خيبر بعد انصرافهم من الحديبية في ذي الحجة. وفي آخر المحرم من سنة سبع غزوا خيبر ففتحها الله تعالى عليهم.
ومغانم كثيرة يأخذونها: أي من خيبر.
وكان الله عزيزا حكيما: أي كان وما زال تعالى عزيزا غالبا حكيما في تصريفه شؤون عباده.
معنى الآيتين:
قوله تعالى لقدر رضي١ الله عن المؤمنين٢ هذا إخبار منه تعالى برضاه عن المؤمنين الكاملين في إيمانهم وهو ألف وأربعمائة الذين بايعوا الرسول ﷺ تحت شجرة سمرة إلا الجد بن قيس الأنصاري فإنه لم يبايع حيث كان لاصقا بإبط ناقته مختبئا عن أعين الأصحاب وكان منافقا ومات على ذلك لا قرت له عين. وسبب هذه البيعة كما ذكره غير واحد أن النبي ﷺ دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على جمل له يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له (وهو الاعتمار) وذلك حين نزل الحديبية. فعقروا به جمل رسول الله ﷺ وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش (فرق من شتى القبائل يقال لهم الأحابيش واحدهم أحبوش يقال لهم اليوم: اللفيف الأجنبي عبارة عن جيش أفراده من شتى البلاد والدول. فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله ﷺ . وهنا دعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال يا رسول الله إني أخاف قريشاً على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليهم، ولكني أدلك على رجل وهو أعز بها مني عثمان بن عفان فدعا رسول الله ﷺ عثمان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائراً لهذا البيت معظما لحرمته فراح عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها فنزل عن دابته فحمله بين يديه ثم ردفه وأجاره
стр. 2783
حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به قال ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله والمسلمين أن عثمان قتل. فقال الرسول ﷺ عندئذ لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، هذا معنى قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ١ تَحْتَ الشَّجَرَةِ٢ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي من الصدق والوفاء فأنزل السكينة أي الطمأنينة والثبات عليهم وأثابهم أي جزاهم على صدقهم ووفائهم فتحا قريبا وهو صلح الحديبية وفتح خيبر، ٣ ومغانم كثيرة يأخذونها وهي غنائم خيبر، وكان الله٤ عزيزا أي غالبا على أمره، حكيما في تدبيره لأوليائه.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- بيان فضل أهل بيعة الرضوان وكرامة الله لهم برضاه عنهم.
٢- ذكاء عمر وقوة فراسته إذ أمر بقطع الشجرة خشية أن تعبد، وكم عبدت من أشجار في أمة الإسلام في غيبة العلماء وأهل القرآن.
٣- مكافأة الله تعالى للصادقين الصابرين المجاهدين من عباده المؤمنين بخير الدنيا والآخرة.
وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا
стр. 2784
وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤)
شرح الكلمات:
وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها: أي من الفتوحات الإسلامية التي وصلت الأندلس غربا.
فعجل لكم هذه: أي غنيمة خيبر.
وكف أيدي الناس عنكم: أي أيدي اليهود حيث هموا بالغارة على بيوت الصحابة وفيها أزواجهم وأولادهم وأموالهم فصرفهم الله عنهم.
ولتكون آية للمؤمنين: أي تلك الصرفة التي صرف اليهود المتآمرين عن الاعتداء على عيال الصحابة وهم غيب في الحديبية أو خيبر آية يستدلون بها على كلاءة الله وحمايته لهم في حضورهم ومغيبهم.
ويهديكم صراطا مستقيما: أي طريقا في التوكل على الله والتفويض إليه في الحضور والغيبة لا اعوجاج فيه.
وأخرى لم تقدروا عليها: أي ومغانم أخرى لم تقدروا عليها وهي غنائم فارس والروم.
قد أحاط بها: أي فهي محروسة لكم إلى حين تغزون فارس والروم فتأخذونها.
ولو قاتلكم الذين كفروا: أي المشركون في الحديبية.
لولوا الأدبار: أي لانهزموا أمامكم وأعطوكم أدبارهم تضربونها.
سنة الله قد خلت من قبل: أي هزيمة الكافرين ونصر المؤمنين الصابرين سنة ماضية في كل زمان ومكان.
وهو الذي كف أيديهم عنكم: حيث جاء ثمانون من المشركين يريدون رسول الله والمؤمنين ليصيبوهم بسوء.
стр. 2785
وأيديكم عنهم ببطن مكة: فأخذهم أصحاب رسول الله أسرى وأتوا بها إلى رسول الله فعفا عنهم.
من بعد أن أظفركم عليهم: وذلك بالحديبية التي هي بطن مكة.
معنى الآيات:
ما زال السياق في ذكر إفضال الله تعالى وإنعامه على المؤمنين المبايعين الله ورسوله على مناجزة المشركين وقتالهم وأن لا يفروا فقد ذكر أنه أنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم خيبر الكثيرة فعطف على السابق خبراً عظيماً آخر فقال ﴿وَعَدَكُمُ١ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ أي غنيمة خيبر، ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ٢ عَنْكُمْ﴾ وذلك أن يهود المدينة تمالأوا مع يهود خيبر وبعض العرب على أن يغيروا على دور الأنصار والمهاجرين بالمدينة ليقتلوا من بها وينهبوا ما فيها فكف تعالى أيديهم وصرفهم عما هموا به كرامة للمؤمنين، وقوله ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣ أي تلك الصرفة التي صرف فيها قلوب من هموا بالغارة على عائلات وأسر الصحابة بالمدينة وهم غيب بالحديبية آية تهديهم إلى زيادة التوكل على الله والتفويض إليه والاعتماد عليه. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ أي ويسددكم طريقا واضحا لا اعوجاج فيه وهو أن تثقوا في أموركم كلها بربكم فتتوكلوا عليه في جميعها فيكفيكم كل ما يهمكم، ويدفع عنكم ما يضركم في مغيبكم وحضوركم. وقوله تعالى ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا﴾ أي وغنائم أخرى لم تقدروا وهي غنائم الروم وفارس. وقد أحاط الله بها فلم يفلت منها شيء حتى تغزوا تلك البلاد وتأخذوها كاملة، ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ ومن مظاهر قدرته أن يغنمكم وأنتم أقل عددا وعددا غنائم أكبر دولتين في عالم ذلك الوقت فارس والروم. وقوله ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ أي ومن جملة إنعامه عليكم أنه لو قاتلكم أهل مكة وأنتم ببطنها لنصركم الله عليهم ولا انهزموا أمامكم مولينكم ظهورهم ولا يجدون ولياً يتولاهم بالدفاع عنهم ولا ناصراً ينصرهم لأنا سلطناكم عليهم. وقوله تعالى ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي في الأمم السابقة وهي لأن الله ينصر أولياءه على أعدائه لابد فكان هذا كالسنن الكونية التي
стр. 2786
لا تتبدل، وهو معنى قوله ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ ، وقوله تعالى في الآية الأخيرة من هذا السياق (٢٤) ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ١ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ هذه منة أخرى وكرامة عظيمة وهي أن قريش بعثت بثمانين شابا إلى معسكر رسول الله في الحديبية لعلهم يصيبون غرة من الرسول وأصحابه فينالونهم بسوء فأوقعهم تعالى أسرى في أيدي المسلمين فمن الرسول ﷺ بالعفو فكان ذلك سبب صلح الحديبية. وقوله ﴿وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ أي مطلعا عالما بكل ما يجري بينكم فهو معكم لولايته لكم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- صدق وعد الله لأصحاب رسوله في الغنائم التي وعدوا بها فتحققت كلماته بعد وفاة رسول الله ﷺ وهي غنائم فارس والروم.
٢- كرامة الله للمؤمنين إذ حمى ظهورهم من خلفهم مرتين الأولى ما هم به اليهود من غارة على عائلات وأسر الصحابة بالمدينة النبوية، والثانية ما هم به رجال من المشركين للفتك بالمؤمنين ليلا بالحديبية إذ مكن الله منهم رسوله والمؤمنين، ثم عفا عنهم رسول الله وأطلق سراحهم فكان ذلك مساعدا قويا على تحقيق صلح الحديبية.
٣- بيان سنة الله في أنه ما تقاتل أولياء الله مع أعدائه إلا نصر الله أولياءه على أعدائه.
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 2787
فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦)
شرح الكلمات:
هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام: أي بالله ورسوله ومنعوكم من الوصول إلى المسجد الحرام.
والهدي معكوفا أن يبلغ١ محله٢: أي ومنعوا الهدي محبوسا حال بلوغ محله من الحرم.
ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات: أي موجودون في مكة.
لم تعلموهم: أي لم تعرفوهم مؤمنين ومؤمنات.
أن تطأوهم: أي قتلا عند قتالكم المشركين بمكة.
فتصيبكم منهم معرة بغير علم: أي إثم وديات قتل الخطأ وعتق أو صيام لأذن لكم الله تعالى في دخول مكة.
ليدخل الله في رحمته من يشاء: أي لم يؤذن لكم في دخول مكة فاتحين ليدخل الله في الإسلام من يشاء.
لو تذيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما: أي لو تميزوا فكان المؤمنون على حدة والكافرون على حدة لأذنا لكم في الفتح وعذبنا الذين كفروا بأيديكم عذبا أليما وذلك بضربهم وقتلهم.
إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم: أي لعذبناهم إذ جعل الذين كفروا غي قلوبهم الحمية حمية الجاهلية وهي الأنفة
الحمية المانعة من قبول الحق ولذا منعوا الرسول وأصحابه من دخول مكة وقالوا كيف يقتلون أبناءنا ويدخلون بلادنا واللات والعزى ما دخلوها.
стр. 2788
فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين: أي فهم الصحابة أن يخالفوا أمر رسول الله بالصلح فأنزل الله سكينته عليهم فرضوا ووافقوا فتم الصلح.
وألزمهم كلمة التقوى: أي ألزمهم كلمة لا إله إلا الله إذ هي الواقية من الشرك.
وكانوا أحق بها وأهلها: أي أجدر بكلمة التوحيد وأهلا للتقوى.
وكان الله بكل شيء عليما: أي من أمور عبادة وغيرها ومن ذلك علمه بأهلية المؤمنين وأحقيتهم بكلمة التقوى (لا إله إلا الله) .
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في الحديث عن صلح الحديبية فقال تعالى في المشركين ذاماً لهم عائبا عليهم صنيعهم ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بالله ورسوله وصدوكم عن المسجد الحرام أن تدخلوه وأنت محرمون والهدى معكوفاً أي وصدوا الهدى١ والحال أنه محبوس ينتظر به دخول مكة لينحر وقوله تعالى ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ٢ مُؤْمِنَاتٌ﴾ بمكة لم تعلموهم لأنهم كانوا يخفون إسلامهم غالباً، كراهة أن تطأوهم أثناء قتالكم المشركين فتصيبكم منهم معرة بغير علم٣ منكم بهم والمعرة العيب والمراد به هنا التبعة وما يلزم من قتل المسلم خطأ من الكفارة والدية لولا هذا لأذن لكم بدخول مكة غازين فاتحين لها وقوله تعالى ﴿لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي لم يأذن لكم في القتال ورضي لكم بالصلح ليدخل في رحمته من يشاء فالمؤمنون نالتهم رحمة الله إذ لم يؤذوا بدخولكم مكة فاتحين والمشركون قد يكون تأخر الفتح سببا في إسلام من شاء الله تعالى له الإسلام لا سيما عندما رأوا رحمة الإسلام وتتجلى في ترك القتال رحمة بالمؤمنين والمؤمنات حتى لا يتعرضوا للأذى فدين يراعي هذه الأخوة دين لا يحرم منه عاقل. وقوله تعالى ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي٤ لو تميز المؤمنون والمؤمنات على المشركين بوجودهم في مكان خاص بهم لأذنا لكم في دخول مكة وقتال المشركين وعذبناهم بأيديكم عذباً أليما وقوله ﴿إِذْ جَعَلَ٥ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ
стр. 2789
الْحَمِيَّةَ١ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ هذا تعليل للإذن بقتال المشركين في مكة وتعذيبهم العذاب الأليم لولا وجود مؤمنين ومؤمنات بها يؤذيهم ذلك والمراد من الحمية الأنفة والتعاظم وما يمنع من قبول الحق والتسليم به وهذه من صفات أهل الجاهلية فقد قالوا، كيف نسمح لهم بدخول بلادنا وقد قتلوا أبناءنا واللات والعزى ما دخلوا علينا أبداً، وقوله تعالى ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك بما هم المؤمنون بعدم قبول الصلح لما فيه من التنازل الكبير للمشركين وهم على الباطل والمؤمنون على الحق فلما حصل هذا في نفوس المؤمنين أنزل الله سكينته عليهم وهي الطمأنينة والوقار والحلم فرفضوا بالمصالحة وتمت وكان فيها خير كثير حتى قيل فيها إنها فتح أولي أو فاتحة فتوحات لا حد لها. وقوله تعالى ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى٢ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ أي وشرف الله وأكرم المؤمنين بإلزامهم التشريعي بكلمة لا إله إلا الله. إذ هي كلمة التقوى أي الواقية من الشرك والعذاب في الدارين وجعلهم أحق بها وأهلها. أي أجدر من غيرهم بكلمة التوحيد وأكثر أهلية للتقوى وكان الله بكل شيء عليما ومن ذلك علمه بأهلية أصحاب رسول الله بما جعلهم أهلا له من الإيمان والتقوى.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان حكم المحصر وهو من منع من دخول المسجد الحرام وهو محرم بحج أو بعمرة فإنه يتحلل بذبح هدي ويعود إلى بلاده، ويذبح الهدي حيث أحصر، وليس واجبا إدخاله إلى الحرم.
٢- الأخذ بالحيطة في معاملة المسلمين حتى لا يؤذى مؤمن أو مؤمنة بغير علم.
٣- بيان أن كلمة التقوى هي لا إله إلا الله.
٤- الإشارة إلى ما أصاب المسلمين من ألم نفسي من جراء الشروط القاسية التي اشترطها ممثل قريش ووثيقة الصلح. وهذا نص الوثيقة وما تحمله من شروط لم يقدر عليها إلا رسول الله بما آتاه الله من العلم والحكمة والحلم والصبر والوقار، ولما أنزل الله ذلك على المؤمنين من السكينة فحملوها وارتاحت نفوسهم لها نص الوثيقة: (ورد أن قريشا لما نزل النبي ﷺ الحديبية بعثت إليه ثلاثة
стр. 2790
رجال هم سهيل بن عمرو القرشي، وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص على أن يعرضوا على النبي ﷺ أن يرجع من عامه ذلك على أن يخلي له قريش مكة من العام المقبل ثلاثة أيام فقبل ذلك وكتبوا بينهم كتابا فقال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب أكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا: ما نعرف هذا اكتب باسمك اللهم، فكتب ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ﷺ أهل مكة فقالوا لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة فقال النبي ﷺ اكتب ما يريدون فهم المؤمنون أن يأبوا ذلك ويبطشوا بهم فأنزل الله السكينة عليهم فتوقروا وحلموا وتم الصلح على ثلاثة أشياء هي:
١- أن من أتاهم من المشركين مسلماً ردوه إليهم.
٢- أن من أتاهم من المسلمين لم يردوه إليهم.
٣- أن يدخل الرسول والمؤمنون مكة من عام قابل ويقيمون بها ثلاثة أيام لا غير ولا يدخلها بسلاح. فلما فرع من الكتاب قال ﷺ لأصحابه قوموا فنحروا ثم احلقوا.
لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً (٢٨)
شرح الكلمات:
لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق: أي جعل الله رؤيا رسوله التي رآها في النوم عام الحديبية حقاً.
لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين: هذا مضمون الرؤيا أي لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين.
محلقين رؤوسكم ومقصرين: أي حالقين جميع شعوركم أو مقصرينها.
стр. 2791
لا تخافون: أي أبداً حال الإحرام وبعده.
فعلم ما لم تعلموا: أي في الصلح الذي تم، أي لم تعلموا من ذلك المعرة التي كانت تلحق المسلمين بقتالهم إخوانهم المؤمنين وهم لا يشعرون.
فجعل من دون ذلك فتحاً قريبا: هو فتح خيبر وتحققت الرؤية في العام القابل.
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ةدين الحق: فلذا لا يخلفه رؤياه بل يصدقه فيها.
ليظهره على الدين كله: أي ليعليه على سائر الأديان بنسخ الحق فيها، وإبطال الباطل فيها، أو بتسليط المسلمين على أهلها فيحكمونهم.
وكفى بالله شهيدا: أي أنك مرسل بما ذكر أي بالهدى ودين الحق.
معنى الآيات:
ما زال السياق في صلح الحديبية وما تم فيه من أحداث فقال تعالى ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ﴾ أي محمداً ﷺ ﴿الرُّؤْيا بِالْحَقِّ﴾ ١ أي٢ الرؤية التي رآها رسول الله ﷺ وأخبر بها أصحابه عند خروجهم من المدينة إلى مكة فقد أخبر بها أصحابه فسروا بذلك وفرحوا ولما تم الصلح بعد جهاد سياسي وعسكري مرير، وأمرهم الرسول أن ينحروا ويحلقوا اندهشوا لذلك وقال بعضهم أين الرؤيا التي رأيت؟ ونزلت سورة الفتح عند منصرفهم من الحديبية وفيها قوله تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ٣ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ٤ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ ، وقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق فلما جاء العام القابل وفي نفس الأيام من شهر القعدة خرج رسول الله والمسلمون محرمين يلبون وأخلت لهم قريش المسجد الحرام فطافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة وتحللوا من عمرتهم فمنهم المحلق ومنهم المقصر.
стр. 2792
وقوله تعالى فعلم ما لم تعلموا فأثبت الصلح وقرره لأنه لو كان قتال ولم يكن صلح لهلك المؤمنون بمكة والمؤمنات بالحرب وتحصل لذلك معرة كبرى للمسلمين الذين قتلوا إخوانهم في الإسلام هذا من بعض الأمور التي اقتضت الصلح وترك القتال وقوله وجعل من دون ذلك فتحا قريبا الصلح١ فتح، وفتح خيبر فتح، وفتح مكة فتح، وكلها من الفتح القريب. وقوله هو الذي أرسل رسوله أي محمد بالهدى ودين الحق أي الإسلام فكيف إذاً لا يصدقه رؤياه كما ظن البعض وكفا بالله شهيداً على أنك يا محمد مرسل بما ذكر تعالى من الهدى والدين الحق وإظهاره على الدين كله بنسخ الحق الذي فيه وإبطال الباطل الذي ألصق به. أو بتسليط المسلمين على قهر وحكم أهل تلك الأديان الباطلة وقد حصل من هذا شيء كبير.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١-تقرير أن رؤيا الأنبياء حق.
٢- تعبير الرؤيا قد يتأخر سنة أو أكثر.
٣- مشروعية الحلق والتقصير للتحلل من الحج أو العمرة وإن الحلق أفضل لتقدمه.
٤- مشروعية قول إن شاء الله في كل قول أو عمل يراد به المستقبل.
٥- الإسلام هو الدين الحق وما عداه فباطل.
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)
стр. 2793
شرح الكلمات:
محمد رسول الله والذين معه: أي أصحابه رضوان الله عليهم.
أشداء على الكفار: أي غلاظ لا يرحمونهم.
رحماء بينهم: أي متعاطفون متوادون كالوالد مع الولد.
تراهم ركعا سجدا: أي تبصرهم ركعاً سجداً أي راكعين ساجدين.
يبتغون فضلا من الله ورضوانا: أي يطلبون بالركوع والسجود ثواب من ربهم هو الجنة ورضوانا هو رضاه .
سيماهم في وجوههم: أي نور وبياض يعرفون به يوم القيامة أنهم سجدوا في الدنيا.
ذلك: أي الوصف المذكور.
مثلهم في التوراة: أي صفتهم في التوراة كتاب موسى ﵇.
أخرج شطأه: أي فراخه.
فآزره: أي قواه وأعانه.
فاستغلظ فاستوى: أي غلظ واستوى أي قوي.
على سوقه: جمع ساق أي على أصوله.
يعجب الزراع: أي زارعيه لحسنه.
ليغيظ بهم الكفار: هذا تعليل أي قواهم وكثرهم ليغيظ بهم الكفار.
معنى الآيات:
لما أخبر تعالى أنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله شهادة منه بذلك أخبر أيضا عنه بما يؤكد تلك الشهادة فقال تعالى ﴿مُحَمَّدٌ١ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من أصحابه ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ أي غلاظ قساة عليهم، وذلك لأمرين الأول أنهم كفروا بالله وعادوه ولم يؤمنوا به ولم يجيبوه، والله يبغضهم لذلك فهم إذاً غلاظ عليهم لذلك والثاني أن الغلظة والشدة قد تكون سببا في هدايتهم لأنهم يتألمون بها، ويرون خلافها مع المسلمين فيسلمون فيرحمون ويفوزون. وقوله تعالى ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ أي فيما بينهم يتعاطفون يتراحمون فترى أحدهم يكره أن يمس جسمه أو ثوبه جسم الكافر أو ثوبه، وتره مع المسلم إذا رآه صافحه وعانقه ولاطفه
стр. 2794
وأعانه وأظهر له الحب والود. وقوله تعالى ﴿تَرَاهُمْ﴾ أي تبصرهم أيها المخاطب ﴿رُكَّعاً سُجَّداً١﴾ أي راكعين ساجدين في صلواتهم ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أي يطلبون بصلاتهم بعد إيمانهم وتعاونهم وتحاببهم وتعاطفهم مع بعضهم، يطلبون بذلك ﴿فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً﴾ أي الجنة ورضا الله. وهذا أسمى ما يطلب المؤمن أن يدخله الله الجنة بعد أن ينقذه من النار ويرضى عنه. وقوله ﴿سِيمَاهُمْ٢ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ أي علامات إيمانهم وصفائهم في وجوههم من أثر السجود إذ يبعثون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ وفي الدنيا عليهم سيما التقوى والصلاح والتواضع واللين والرحمة. وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ﴾ أي المذكور ﴿مَثَلُهُمْ فِي٣ التَّوْرَاةِ﴾ ﴿مَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ٤ شَطْأَهُ﴾ أي فراخه ﴿فَآزَرَهُ﴾ أي قواه وأعانه ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أي غلظ ﴿فَاسْتَوَى﴾ أي قوي ﴿عَلَى سُوقِه﴾ جمع ساق ما يحمل السنبلة من أصل لها ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ أي الزراعين له وذلك لحسنه وسلامة ثمرته وقوله تعالى ﴿ليَغِيظَ بِهِمُ٥ الْكُفَّار﴾ أي قواهم وكثرهم من أجل أن يغيظ بهم الكفار ولذا ورد عن مالك بن أنس رحمه الله تعالى أن من يغيظه أصحاب رسول الله فهو كافر وقوله ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ أي لذنوبهم ﴿وَأَجْراً عَظِيماً﴾ هو الجنة. هذا وعد خاص بأصحاب رسول الله ﷺ رضوان الله عليهم وهناك وعد عام لسائر المؤمنين والمؤمنات وذلك في آيات أخرى مثل آية المائدة ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
هداية الآية الكريمة:
من هداية الآية الكريمة:
١- تقرير نبوة رسول الله وتأكيد رسالته.
٢- بيان ما كان عليه رسول الله وأصحابه من الشدة والغلظة على الكفار والعطف والرحمة على أهل الإيمان وهذا مما يجب الأتساء بهم فيه والاقتداء.
٣- بيان فضل الصلاة ذات الركوع والسجود والطمأنينة والخشوع.
стр. 2795
٤- صفة أصحاب رسول الله في كل من التوراة والإنجيل ترفع من درجتهم وتعلي من شأنهم.
٥- بيان أن أصحاب رسول الله ﷺ بدأوا قليلين ثم اخذوا يكثرون حتى كثروا كثرة أغاظت الكفار.
٦- بغض أصحاب رسول الله ﷺ يتنافى مع الإيمان منافاة كاملة لا سيما خيارهم وكبارهم كالخلفاء الراشدين الأربعة والمبشرين بالجنة العشرة وأصحاب بيعة الرضوان، وأهل بدر قبلهم. ولذا روي عن مالك رحمه الله تعالى: أن من١ يغيظه أصحاب رسول الله ﷺ فهو كافر.
شرح الكلمات:
يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا: أي لا تتقدموا بقول ولا فعل إذ هو من قدم بمعنى تقدم.
بين يدي الله ورسوله: كمن ذبح يوم العيد قبل أن يذبح رسول الله ﷺ ، وكإرادة أحد الشيخين تأمير رجل على قوم قبل استشارة الرسول ﷺ .
واتقوا الله إن الله سميع عليم: أي خافوا الله إنه سميع لأقوالكم عليم بأعمالكم.
لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي: أي إذا نطقتم فوق صوت النبي إذا نطق.
ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض: أي إذا ناجيتموه فلا تجهروا في محادثتكم معه كما تجهرون في ما بينكم إجلالا له ﷺ وتوقيراً وتقديراً.
أن تحبط أعمالكم: أي كراهة أن تبطل أعمالكم فلا تثابون عليها.
وأنتم لا تشعرون: بحبوطها وبطلانها. إذ قد يصحب ذلك استخفاف بالنبي ﷺ لا سيما إذا صاحب ذلك إهانة وعدم مبالاة فهو الكفر والعياذ بالله.
يغضون أصواتهم عند رسول الله: أي يخفضونها حتى لكأنهم يسارونه ومنهم أبو بكر ﵁.
امتحن الله قلوبهم للتقوى: أي شرحها ووسعها لتتحمل تقوى الله. مأخوذ من محن الأديم إذا وسعه.
لهم مغفرة وأجر عظيم: أي مغفرة لذنوبهم وأجر عظيم وهو الجنة.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١ لو بحثنا عن المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها لتجلت لنا واضحة إذا رجعنا بالذاكرة إلى موقف عمر ﵁ وهو يريد أن لا يتم صلح بين المؤمنين والمشركين، وإلى موقف الصحابة كافة من عدم التحلل من إحرامهم ونحر هداياهم والرسول يأمر وهم لا يستجيبون حتى تقدم ﷺ فنحر هديه ثم نحروا بعده وتحللوا، إذ تلك المواقف التي أشرنا إليها فيها معنى تقديم الرأي والقول بين يدي الله ورسوله وفي ذلك مضرة لا يعلم مداها إلا الله، ولما انتهت تلك الحال وذلك الظرف الصعب أنزل الله تعالى قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾
стр. 2798
أي بالله رباً وإلها وبالإسلام شرعة ودينا وبمحمد نبيا ورسولا ناداهم بعنوان الإيمان ليقول لهم ناهيا ﴿لا تُقَدِّمُوا ١بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي قولا ولا عملا ولا رأيا ولا فكرا أي لا تقولوا ولا تعملوا إلا تبعا لما قال الله ورسوله، وشرع الله ورسوله ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في ذلك فإن التقدم بالشيء قبل أن يشرع الله ورسوله فيه معنى أنكم أعلم وأحكم من الله ورسوله وهذه زلة كبرى وعاقبتها سوأى. ولذا قال ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ أي لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأعمالكم وأحوالكم. ومن هنا فواجب المسلم أن لا يقول ولا يعمل٢ ولا يقضي ولا يفتي برأيه إلا إذا علم قول الله ورسوله وحكمهما وبعد أن يكون قد علم أكثر أقوال الله والرسول وأحكامهما، فإذا لم يجد من ذلك شيئا اجتهد٣ فقال أو عمل بما يراه أقرب إلى رضا الله تعالى فإذا لاح له بعد ذلك نص من كتاب أو سنة عدل عن رأيه وقال بالكتاب والسنة وهذا ما دلت عليه الآية الأولى (١) أما الآية الثانية (٢) وهي قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ فإنها تطالب المسلم بالتأدب مع رسول الله ﷺ فأولا نهاهم ﵃ عن رفع أصواتهم فوق صوت رسول الله ﷺ إذا هم تحدثوا معه وأوجب عليهم إجلال النبي وتعظيمه وتوقيره بحيث يكون صوت أحدهم إذا تكلم مع رسول الله أخفض من صوت الرسول ﷺ ولقد كان أبو بكر الصديق ﵁ إذا كلم رسول الله يساره الكلام مسارة وثانيا ونهاهم إذا هم ناجوا رسول الله ﷺ أن لا يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض بل يجب عليهم توقيره وتعظيمه. وأعلمهم أنه يخشى عليهم إذ هم لم يوقروا رسول الله ولم يجلوه أن تحبط أعمالهم كما تحبط بالشرك والكفر وهم لا يشعرون. إذ رفع الصوت للرسول ونداؤه بأعلى الصوت يا محمد يا محمد أو يا نبي الله ويا رسول الله وبأعلى الأصوات إذا صاحبه استخفاف أو إهانة وعدم مبالاة صار كفراً محبطاً للعمل قطعا. وفي الآية الثالثة (٣) يثني الله تعالى على أقوام يغضون أصواتهم أي يخفضونها عند رسول الله أي في حضرته وبين يديه كأبي بكر وعمر ﵄ هؤلاء يخبر تعالى أنه امتحن قلوبهم بالتقوى أي وسعها وشرحها
стр. 2799
لتحمل تقوى الله والرسول ﷺ يقول "التقوى١ ها هنا ويشير إلى صدره ثلاثا"، ويذكر لهم بشرى نعم البشرى وهي أن لهم منه تعالى مغفرة لذنوبهم، وأجراً عظيما يوم يلقونه وهو الجنة دار المتقين جعلنا الله منهم بفضله ورحمته.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- لا يجوز للمسلم أن يقدم رأيه أو اجتهاده على الكتاب والسنة فلا رأي ولا اجتهاد إلا عند عدم وجود نص من كتاب أو سنة وعليه إذا اجتهد أن يكون ما اجتهد فيه أقرب إلى مراد الله ورسوله، أي ألصق بالشرع، وإن ظهر له بعد الاجتهاد نص من كتاب أو سنة عاد إلى الكتاب والسنة وترك رأيه أو اجتهاده فوراً وبلا تردد.
٢- بما أن الله تعالى قد قبض إليه نبيه ولم يبق بيننا رسول الله نتكلم معه أو نناجيه فنخفض أصواتنا عند ذلك فإن علينا إذا ذكر رسول الله بيننا أو ذكر حديثه أن نتأدب عند ذلك فلا نضحك ولا نرفع الصوت، ولا نظهر أي استخفاف أو عدم مبالاة وإلا يخشى علينا أن تحبط أعمالنا ونحن لا نشعر.
٣- على الذين يغشون مسجد رسول اله ﷺ أن لا يرفعوا أصواتهم فيه إلا لضرورة درس أو خطبة أو أذان أو إقامة.
إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ
стр. 2800
الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)
شرح الكلمات:
إن الذين ينادونك من وراءالحجرات: أي حجرات نسائه والذين نادوه من أعراب بني تميم منهم الزبرقان بن بدر
والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن.
أكثرهم لا يعقلون: أي فيما فعلوه بمحلك الرفيع ومقامك السامي الشريف.
ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم: أي ولو أنهم انتظروك حتى تخرج بعد قيامك من قيلولتك.
لكان خيراً لهم: أي من ذلك النداء بأعلى أصواتهم من كل أبواب الحجرات.
والله غفور رحيم: أي غفور لمن تاب منهم رحيم بهم إذا أساءوا مرتين الأولى برفع أصواتهم والثانية كانوا ينادونه أن اخرج إلينا فإن مدحنا زين وذمنا شين.
واسق بنبأ: أي ذو فسق وهو المرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب والنبأ الخير ذو الشأن.
فتبينوا: أي تثبتوا قبل أن تقولوا أو تفعلوا أو تحكموا.
أن تصيبوا قوما بجهالة: أي خشية إصابة قوم بجهالة منكم.
فتصبحوا على ما فعلتم نادمين: أي فتصيروا على فعلكم الخاطئ نادمين.
واعلموا أن فيكم رسول الله: أي فاحذروا أن تكذبوا أو تقولوا الباطل فإن الوحي ينزل وتفضحون بكذبكم وباطلكم.
لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم: أي لوقعتم في المشقة الشديدة والإثم أحيانا.
وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان: أي بغض إلى قلوبكم الكفر والفسوق كالكذب والعصيان بترك واجب أو فعل محرم.
أولئك هم الراشدون: أي الذين فعل بهم ما فعل من تحبيب الإيمان وتكريه الكفر وما ذكر معه هم الراشدون أي السالكون سبيل الرشاد.
стр. 2801
فضلا من الله ونعمة: أي أفضل بذلك عليهم فضلا وأنعم إنعاما ونعمة.
والله عليم حكيم: أي عليم بخلقه وما يعملون حكيم في تدبيره لعباده هذا بعامة وبخاصة عليم بأولئك الراشدين حكيم في إنعامه عليهم.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تأديب المؤمنين إزاء نبيهم ﷺ فقد عاب تعالى أقواما معهم جفاء وغلظة قيل أنهم وفد من أعراب بني تميم منهم الزبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن جاءوا والرسول قائل وقت القيلولة ووقفوا على أبواب الحجرات١ ينادون بأعلى أصواتهم يا محمد يا محمد ﷺ أن اخرج إلينا فإنما مدحنا زين وإن ذمنا شين فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية الكريمة تأديبا لهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ حجرات نساء الرسول ﷺ وكانت أبواب الحجرات إلى المسجد. ﴿أَكْثَرُهُمْ لا٢ يَعْقِلُونَ﴾ أي فيما فعلوه بمقام الرسول الشريف ومكانته الرفيعة. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ بعد هبوبك من قيلولتك ﴿لَكَانَ٣ خَيْراً﴾ أي من ذلك النداء بتعالي الأصوات من وراء الحجرات وقوله تعالى ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي غفور لمن تاب منهم رحيم بهم إذ لم يعجل لهم العقوبة وفتح لهم باب التوبة وأدبهم ولم يعنف ولم يغلظ، وقوله تعالى في الآية الثالثة من هذا السياق (٦) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ٤ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا٥ قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ هذه الآية وإن كان لها سبب في نزولها وهو أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأتي بزكاة أموالهم، وكان بينهم وبين أسرة الوليد عداء في الجاهلية فذكره الوليد وهاب أن يدخل عليهم دارهم وهذا من وسواس الشيطان فرجع وستر على نفسه الخوف الذي أصابه فذكر أنهم منعوه الزكاة وهموا بقتله فهرب منهم فغضب رسول الله ﷺ وهم بغزوهم. وما زال كذلك حتى أتى وفد منهم يسترضي رسول الله ويستعتب عنده خوفا من أن يكون قد بلغه عنهم سوء فأخبروه بأنهم على العهد وأن الوليد رجع من الطريق ولم يصل إليهم وبعث الرسول خالد بن الوليد من جهة فوصل
стр. 2802
إليهم قبل المغرب فإذا بهم يؤذنون ويصلون المغرب والعشاء فعلم أنهم لم يرتدوا وأنهم على خير والحمد لله. وجاء بالزكوات وأنزل الله تعالى هذه الآية قلت إن هذه الآية وإن نزلت في سبب معين فإنها عامة وقاعدة أساسية هامة فعلى الفرد والجماعة والدولة أن لا يقبلوا من الأخبار التي تنقل إليهم ولا يعملوا بمقتضاها إلا بعد الثبت والتبين الصحيح كراهية أن يصيبوا فردا أو جماعة بسوء بدون موجب لذلك ولا مقتض الإقالة سوء وفرية قد يريد بها صاحبها منفعة لنفسه بجلب مصلحة أو دفع مضرة عنه. فالأخذ بمبدأ التثبت والتبين عند سماع خبر من شخص لم يعرف بالتقوى والاستقامة الكاملة والعدالة التامة واجب صونا لكرامة الأفراد وحماية لأرواحهم وأموالهم. والحمد لله على شرع عادل رحيم كهذا. فقوله ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ المراد بالفاسق من يرتكب كبيرة من كبائر الذنوب كالكذب مثلا, والنبأ الخبر ذو الشأن والتبين التثبت وقوله ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴾ أن تصيبوهم في أبدانهم وأموالهم بعدم علم منكم وهي الجهالة وقوله ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ أي من جراء ما اتخذتم من إجراء خاطئ، وقوله تعالى في الآية (٧) ﴿وَاعْلَمُوا﴾ يلفت الرب تعالى نظر المسلمين إلى حقيقة هم غافلون عنها وهو وجود الرسول ﷺ حياً بينهم ينزل عليه الوحي فإن هذه حال تتطلب منهم التزام الصدق في القول والعمل وإلا يفضحهم الوحي فوراً إن هم كذبوا في قول أو عمل كما فضح الوليد لما أخبر بغير الحق. هذا أولا وثانيا لو كان الرسول ﷺ يطيعهم في كل ما يرونه ويقترحونه لوقعوا في مشاكل تعرضهم لمشاق لا تطاق، بل وفي آثام عظام. هذا معنى قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ١ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ وقوله ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ٢ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ فوقاكم كثيرا من أن تكذبوا على رسولكم أو تقترحوا عليه أو تفرضوا آراءكم. وقوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ٣﴾ أي أولئك أصحاب رسول الله هم السالكون سبيل الرشاد فلا يتهوكون ولا يضلون وقوله ﴿فَضْلاً٤ مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً﴾ أي هدايتهم كانت فضلا من الله ونعمة، والله عليم بهم وبنياتهم وبواعث نفوسهم حكيم٥ في تدبيره فأهل أصحاب رسول الله
стр. 2803
للخير وأضفاه عليهم فهم أفضل هذه الأمة على الإطلاق ولا مطمع لأحد أتى بعدهم أن يفوقهم في الفضل والكمال في الدنيا ولا في الآخرة فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين وعنا معهم آمين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان سمو المقام المحمدي وشرف منزلته ﷺ .
٢- وجوب التثبت في الأخبار ذات الشأن التي قد يترتب عليها أذى أو ضرر بمن قيلت فيه، وحرمة التسرع المفضي بالأخذ بالظنة فيندم الفاعل بعد ذلك في الدنيا والآخرة.
٣- من أكبر النعم على المؤمنين تحبيب الله تعالى الإيمان إليه وتزيينه في قلبه، وتكريه الكفر إليه والفسوق والعصيان وبذلك أصبح المؤمن أرشد الخلق بعد أصحاب رسول الله ﷺ .
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
стр. 2804
وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)
شرح الكلمات:
وإن طائفتان من المؤمنين: أي جماعتان قل أفرادهما أو كثروا من المسلمين.
اقتتلوا فأصلحوا بينهما: أي هموا بالاقتتال أو باشروه فعلا فأصلحوا ما فسد بينهما.
فإن بغت إحداهما على الأخرى: أي تعدت بعد المصالحة بأن رفضت ذلك ولم ترض بحكم الله.
فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلىأمر الله: أي قاتلوا أيها المؤمنون مجتمعين الطائفة التي بغت حتى ترجع إلى الحق.
فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل: أي رجعت إلى الحق بعد مقاتلتها فأصلحوا بينهما بالعدل أي بالحق.
وأقسطوا إن الله يحب المقسطين: أي وأعدلوا في حكمكم إن الله يحب أهل العدل.
إنما المؤمنون إخوة: أي في الدين الإسلامي.
فأصلحوا بين أخويكم: أي إذا تنازعا شيئا وتخاصما فيه.
واتقوا الله لعلكم ترحمون: أي خافوا عقابه رجاء أن ترحموا إن أنتم اتقيتموه.
لا يسخر قوم من قوم: أي لا يزدر قوم منكم قوما آخرين ويحتقرونهم.
عسى أن يكونوا خيرا منهم: أي عند الله تعالى والعبرة بما عند الله لا ما عند الناس.
ولا تلمزوا أنفسكم: أي لا تعيبوا بعضكم بعضا فإنكم كفرد واحد.
ولا تنابزوا بالألقاب: أي لا يدعو بعضكم بعضا بلقب يكرهه نحو يا فاسق يا جاهل.
стр. 2805
بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان: أي قبح اسم الفسوق يكون للمرء بعد إيمانه وإسلامه.
ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون: أي من لمز ونبز المؤمنين فأولئك البعداء هم الظالمون.
اجتنبوا كثيرا من الظن: أي التهم التي ليس لها ما يوجبها من الأسباب والقرائن.
إن بعض الظن إثم: أي كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين.
ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا: أي لا تتبعوا عورات المسلمين وما بهم بالبحث عنها.
أيحب أحدكم أن يأكل لحم: أي لا يحسن به حب أكل لحم أخيه ميتا ولا حيا معا.
أخيه ميتا
فكرهتموه: أي وقد عرض عليكم الأول فكرهتموه فاكرهوا أي كما كرهتم أكل لحمه ميتا فاكرهوه حيا وهو الغيبة.
وجعلناكم شعوبا وقبائل: أي جمع شعب والقبيلة دون الشعب.
لتعارفوا: أي ليعرف بعضكم بعضا فتعارفوا لا للتفاخر بعلو الأنساب.
إن أكرمكم عند الله أتقاكم: أي أشدكم تقوى لله بفعل أوامره وترك نواهيه هو أكرم عند الله.
إن الله عليم خبير: أي عليم بكم وبأحوالكم خبير بما تكونون عليه من كمال ونقص لا يخفى عليه شيء من أشياء العباد.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا١﴾ الآيات ما زال السياق الكريم في طلب تأديب المسلمين وتربيتهم وإعدادهم للكمال الدنيوي والأخروي ففي الآيتين (٩) و (١٠) من هذا السياق يرشد الله تعالى المسلمين إلى كيفية علاج مشكلة النزاع المسلح بين المسلمين الذي قد يحدث في المجتمع الإسلامي بحكم الضعف الإنساني من الوقت إلى الوقت وهو مما يكاد يكون من ضروريات الحياة البشرية وعوامله كثيرة لا حاجة إلى ذكرها فقال تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ أي جماعتان ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ولو كان ذلك بين اثنين فقط ﴿فَأَصْلِحُوا﴾ أيها المسلمون ﴿بَيْنَهَا٢﴾ بالقضاء على أسباب الخلاف وترضية الطرفين بما هو حق وخير وليس هذا