← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

فضلا من الله ونعمة: أي أفضل بذلك عليهم فضلا وأنعم إنعاما ونعمة. والله عليم حكيم: أي عليم بخلقه وما يعملون حكيم في تدبيره لعباده هذا بعامة وبخاصة عليم بأولئك الراشدين حكيم في إنعامه عليهم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تأديب المؤمنين إزاء نبيهم ﷺ فقد عاب تعالى أقواما معهم جفاء وغلظة قيل أنهم وفد من أعراب بني تميم منهم الزبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن جاءوا والرسول قائل وقت القيلولة ووقفوا على أبواب الحجرات١ ينادون بأعلى أصواتهم يا محمد يا محمد ﷺ أن اخرج إلينا فإنما مدحنا زين وإن ذمنا شين فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية الكريمة تأديبا لهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ حجرات نساء الرسول ﷺ وكانت أبواب الحجرات إلى المسجد. ﴿أَكْثَرُهُمْ لا٢ يَعْقِلُونَ﴾ أي فيما فعلوه بمقام الرسول الشريف ومكانته الرفيعة. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ بعد هبوبك من قيلولتك ﴿لَكَانَ٣ خَيْراً﴾ أي من ذلك النداء بتعالي الأصوات من وراء الحجرات وقوله تعالى ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي غفور لمن تاب منهم رحيم بهم إذ لم يعجل لهم العقوبة وفتح لهم باب التوبة وأدبهم ولم يعنف ولم يغلظ، وقوله تعالى في الآية الثالثة من هذا السياق (٦) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ٤ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا٥ قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ هذه الآية وإن كان لها سبب في نزولها وهو أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأتي بزكاة أموالهم، وكان بينهم وبين أسرة الوليد عداء في الجاهلية فذكره الوليد وهاب أن يدخل عليهم دارهم وهذا من وسواس الشيطان فرجع وستر على نفسه الخوف الذي أصابه فذكر أنهم منعوه الزكاة وهموا بقتله فهرب منهم فغضب رسول الله ﷺ وهم بغزوهم. وما زال كذلك حتى أتى وفد منهم يسترضي رسول الله ويستعتب عنده خوفا من أن يكون قد بلغه عنهم سوء فأخبروه بأنهم على العهد وأن الوليد رجع من الطريق ولم يصل إليهم وبعث الرسول خالد بن الوليد من جهة فوصل

стр. 2802

إليهم قبل المغرب فإذا بهم يؤذنون ويصلون المغرب والعشاء فعلم أنهم لم يرتدوا وأنهم على خير والحمد لله. وجاء بالزكوات وأنزل الله تعالى هذه الآية قلت إن هذه الآية وإن نزلت في سبب معين فإنها عامة وقاعدة أساسية هامة فعلى الفرد والجماعة والدولة أن لا يقبلوا من الأخبار التي تنقل إليهم ولا يعملوا بمقتضاها إلا بعد الثبت والتبين الصحيح كراهية أن يصيبوا فردا أو جماعة بسوء بدون موجب لذلك ولا مقتض الإقالة سوء وفرية قد يريد بها صاحبها منفعة لنفسه بجلب مصلحة أو دفع مضرة عنه. فالأخذ بمبدأ التثبت والتبين عند سماع خبر من شخص لم يعرف بالتقوى والاستقامة الكاملة والعدالة التامة واجب صونا لكرامة الأفراد وحماية لأرواحهم وأموالهم. والحمد لله على شرع عادل رحيم كهذا. فقوله ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ المراد بالفاسق من يرتكب كبيرة من كبائر الذنوب كالكذب مثلا, والنبأ الخبر ذو الشأن والتبين التثبت وقوله ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴾ أن تصيبوهم في أبدانهم وأموالهم بعدم علم منكم وهي الجهالة وقوله ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ أي من جراء ما اتخذتم من إجراء خاطئ، وقوله تعالى في الآية (٧) ﴿وَاعْلَمُوا﴾ يلفت الرب تعالى نظر المسلمين إلى حقيقة هم غافلون عنها وهو وجود الرسول ﷺ حياً بينهم ينزل عليه الوحي فإن هذه حال تتطلب منهم التزام الصدق في القول والعمل وإلا يفضحهم الوحي فوراً إن هم كذبوا في قول أو عمل كما فضح الوليد لما أخبر بغير الحق. هذا أولا وثانيا لو كان الرسول ﷺ يطيعهم في كل ما يرونه ويقترحونه لوقعوا في مشاكل تعرضهم لمشاق لا تطاق، بل وفي آثام عظام. هذا معنى قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ١ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ وقوله ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ٢ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ فوقاكم كثيرا من أن تكذبوا على رسولكم أو تقترحوا عليه أو تفرضوا آراءكم. وقوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ٣﴾ أي أولئك أصحاب رسول الله هم السالكون سبيل الرشاد فلا يتهوكون ولا يضلون وقوله ﴿فَضْلاً٤ مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً﴾ أي هدايتهم كانت فضلا من الله ونعمة، والله عليم بهم وبنياتهم وبواعث نفوسهم حكيم٥ في تدبيره فأهل أصحاب رسول الله

стр. 2803

للخير وأضفاه عليهم فهم أفضل هذه الأمة على الإطلاق ولا مطمع لأحد أتى بعدهم أن يفوقهم في الفضل والكمال في الدنيا ولا في الآخرة فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين وعنا معهم آمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان سمو المقام المحمدي وشرف منزلته ﷺ . ٢- وجوب التثبت في الأخبار ذات الشأن التي قد يترتب عليها أذى أو ضرر بمن قيلت فيه، وحرمة التسرع المفضي بالأخذ بالظنة فيندم الفاعل بعد ذلك في الدنيا والآخرة. ٣- من أكبر النعم على المؤمنين تحبيب الله تعالى الإيمان إليه وتزيينه في قلبه، وتكريه الكفر إليه والفسوق والعصيان وبذلك أصبح المؤمن أرشد الخلق بعد أصحاب رسول الله ﷺ . وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ

стр. 2804

وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) شرح الكلمات: وإن طائفتان من المؤمنين: أي جماعتان قل أفرادهما أو كثروا من المسلمين. اقتتلوا فأصلحوا بينهما: أي هموا بالاقتتال أو باشروه فعلا فأصلحوا ما فسد بينهما. فإن بغت إحداهما على الأخرى: أي تعدت بعد المصالحة بأن رفضت ذلك ولم ترض بحكم الله. فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلىأمر الله: أي قاتلوا أيها المؤمنون مجتمعين الطائفة التي بغت حتى ترجع إلى الحق. فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل: أي رجعت إلى الحق بعد مقاتلتها فأصلحوا بينهما بالعدل أي بالحق. وأقسطوا إن الله يحب المقسطين: أي وأعدلوا في حكمكم إن الله يحب أهل العدل. إنما المؤمنون إخوة: أي في الدين الإسلامي. فأصلحوا بين أخويكم: أي إذا تنازعا شيئا وتخاصما فيه. واتقوا الله لعلكم ترحمون: أي خافوا عقابه رجاء أن ترحموا إن أنتم اتقيتموه. لا يسخر قوم من قوم: أي لا يزدر قوم منكم قوما آخرين ويحتقرونهم. عسى أن يكونوا خيرا منهم: أي عند الله تعالى والعبرة بما عند الله لا ما عند الناس. ولا تلمزوا أنفسكم: أي لا تعيبوا بعضكم بعضا فإنكم كفرد واحد. ولا تنابزوا بالألقاب: أي لا يدعو بعضكم بعضا بلقب يكرهه نحو يا فاسق يا جاهل.

стр. 2805

بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان: أي قبح اسم الفسوق يكون للمرء بعد إيمانه وإسلامه. ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون: أي من لمز ونبز المؤمنين فأولئك البعداء هم الظالمون. اجتنبوا كثيرا من الظن: أي التهم التي ليس لها ما يوجبها من الأسباب والقرائن. إن بعض الظن إثم: أي كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين. ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا: أي لا تتبعوا عورات المسلمين وما بهم بالبحث عنها. أيحب أحدكم أن يأكل لحم: أي لا يحسن به حب أكل لحم أخيه ميتا ولا حيا معا. أخيه ميتا فكرهتموه: أي وقد عرض عليكم الأول فكرهتموه فاكرهوا أي كما كرهتم أكل لحمه ميتا فاكرهوه حيا وهو الغيبة. وجعلناكم شعوبا وقبائل: أي جمع شعب والقبيلة دون الشعب. لتعارفوا: أي ليعرف بعضكم بعضا فتعارفوا لا للتفاخر بعلو الأنساب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم: أي أشدكم تقوى لله بفعل أوامره وترك نواهيه هو أكرم عند الله. إن الله عليم خبير: أي عليم بكم وبأحوالكم خبير بما تكونون عليه من كمال ونقص لا يخفى عليه شيء من أشياء العباد. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا١﴾ الآيات ما زال السياق الكريم في طلب تأديب المسلمين وتربيتهم وإعدادهم للكمال الدنيوي والأخروي ففي الآيتين (٩) و (١٠) من هذا السياق يرشد الله تعالى المسلمين إلى كيفية علاج مشكلة النزاع المسلح بين المسلمين الذي قد يحدث في المجتمع الإسلامي بحكم الضعف الإنساني من الوقت إلى الوقت وهو مما يكاد يكون من ضروريات الحياة البشرية وعوامله كثيرة لا حاجة إلى ذكرها فقال تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ أي جماعتان ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ولو كان ذلك بين اثنين فقط ﴿فَأَصْلِحُوا﴾ أيها المسلمون ﴿بَيْنَهَا٢﴾ بالقضاء على أسباب الخلاف وترضية الطرفين بما هو حق وخير وليس هذا

стр. 2806

بصعب مع وجود قلوب مؤمنة وهداية ربانية وقوله ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ أي اعتدت إحدى الطائفتين بعد الصلح ﴿عَلى الْأُخْرَى﴾ بأن رفضت حكم الله الذي قامت المصالحة بموجبه ﴿فَقَاتِلُو﴾ ١ مجتمعين ﴿الَّتِي تَبْغِي﴾ أي تعتدي ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ أي إلى الحق ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ أي أذعنت للحق ورضيت به ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ في حكمكم دائما وأبدا ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٢. وقوله تعالى في الآية (١٠) ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ٣ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقرر تعالى الأخوة الإسلامية ويقصر المؤمنين عليها قصرا فليس المؤمنون إلا أخوة لبعضهم بعضا ولذا وجب رأب كل صدع وإصلاح كل فاسد يظهر بين أفرادهم وعدم التساهل في ذلك ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في ذلك فلا تتوانوا أو تتساهلوا حتى تسفك الدماء المؤمنة ويتصدع بنيان الإيمان والإسلام في دياره وقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فلا يتصدع بنيانكم ولا تتشتت أمتكم وتصبح جماعات وطوائف متعادية يقتل بعضها بعضا. ولما لم يتق المؤمنون الله في الإصلاح الفوري بين الطوائف الإسلامية المتنازعة حصل من الفساد والشر ما الله به عليم في الغرب الإسلامي والشرق. وقوله في الآية (١١) ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ إذ من عوامل النزاع والتقاتل وأسبابهما سخرية المؤمن بأخيه واحتقاره لضعف حاله ورثاثة ثيابه وقلة ذات يده فحرم تعالى بهذه الآية على المسلم أن يحتقر أخاه المسلم ويزدريه منبهاً إلى أن من احتقر وازدرى به وسخر منه قد يكون غالبا خيرا عند الله من المحتقر له والعبرة بما عند الله لا بما عند الناس والرجال في هذا والنساء سواء فلا يحل لمؤمنة أن تزدري وتحتقر أختها المؤمنة عسى أن تكون عند الله خيرا منها والعبرة بالمنزلة عند الله لا عند الناس وكما حرم السخرية بالمؤمنين والمؤمنات لإفضائها إلى العداوة والشحناء ثم التقاتل حرم كذلك اللمز والتنابز بالألقاب فقال تعالى ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ﴾ ومعنى لا تلمزوا أنفسكم أي لا يعب٤ بعضكم بعضا بأي عيب من العيوب فإنكم كشخص واحد فمن عاب

стр. 2807

أخاه المسلم وأنما عاب نفسه كما أن المعاب قد يرد العيب بعيب من عابه وهذا معنى ولا تلمزوا أنفسكم وقوله ولا تنابزوا بالألقاب أي لا يلقب المسلم أخاه بلقب يكرهه فإن ذلك يفضي إلى العداوة والمقاتلة وقوله ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ﴾ أي قبح أشد القبح أن يلقب المسلم بلقب الفسق بعد أن أصبح مؤمنا عدلا كاملا في أخلاقه وآدابه فلا يحل لمؤمن أن يقول لأخيه يا فاسق أو يا كافر أو يا عاهر أو يا فاسد, إ بئس الاسم اسم الفسوق كما أن الملقب للمسلم بألقاب السوء يعد فاسقا وبئس الاسم له أن يكون فاسقا بعد إيمانه بالله ولقائه والرسول وما جاء به, وقوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أي من احتقار المسلمين وازدرائهم وتلقيبهم بألقاب يكرهونها ﴿أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ المتعرضون لغضب الله وعقابه. وقوله في الآية (١٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ ينادي الله تعالى المسلمين بعنوان الإيمان إذ به أصبحوا أحياء يسمعون ويبصرون ويقدرون على الفعل والترك إذ الإيمان بمثابة الروح إذا أحلت الجسم تحرك فأبصرت العين وسمعت الأذن ونطق اللسان وفهم القلب. فيقول ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ١﴾ وهو كل ظن ليس له ما يوجبه من القرائن والأحوال والملابسات المقتضية له, ويعلل هذا النهي المقتضي للتحريم فيقول ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وذلك كظن السوء بأهل الخير والصلاح فالأمة فإن ظن السوء فيهم قد يترتب عليه قول باطل أو فعل سوء أو تعطيل معروف, فيكون إثما كبيرا, وقوله ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ أي لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالحث عنها والاطلاع عليها أمل في ذلك من الضرر الكبير, وقوله ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ٢ بَعْضاً﴾ أي لا يذكر أحدكم أخاه في غيبته بما يكره وهنا يروى في الصحيح من الأحاديث ما معناه أن رجلا سأل الرسول ﷺ عن الغيبة فقال له ذكرك أخاك بما يكره فقال الرجل فإن كان فيه ما يكره قال فإن كان فيه ما يكره فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته والبهتان أسوأ الغيبة. وقوله أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا؟ والجواب لا قطعاً إذاً فكما عرض عليكم لحم أخيكم ميتا فكرهتموه فاكرهوا إذاً أكل لحمه حياً وهو ٣عرضه والعرض أعز

стр. 2808

وأغلى من الجسم وقوله ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في غيبة بعضكم بعضا فإن الغيبة من عوامل الدمار والفساد بين المسلمين, وقوله ﴿إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ جملة تعليلية للأمر بالتوبة فأخبر تعالى أنه يقبل توبة التائبين وأنه رحيم بالمؤمنين ومن مظاهر ذلك أنه حرم الغيبة للمؤمن لما يحصل له من بها من ضرر وأذى. وقوله تعالى في الآية (١٣) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ هذا نداء هو آخر نداءات الله تعالى عباده في هذه السورة وهو أعم من النداء بعنوان الإيمان فقال ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ من آدم وحواء باعتبار الأصل كما أن كل آدمي مخلوق من أبوين أحدهما ذكر والآخر أنثى ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ﴾ وبطوناً وأفخاذاً وفصائل كل هذا لحكمة التعارف فلم يجعلكم كجنس الحيوان لا يعرف الحيوان الآخر ولكن جعلكم شعوباً وقبائل وعائلات وأسر لحكمة التعارف المقتضي للتعاون إذ التعاون بين الأفراد ضروري لقيام مجتمع صالح سعيد فتعارفوا وتعاونوا ولا تتفرقوا لأجل التفاخر بالأنساب فإنه لا قيمة للحسب ولا للنسب إذا كان المرء هابطا في نفسه وخلقه وفاسدا في سلوكه إن أكرمكم عند الله أتقاكم١. إن الشرف والكمال فيما عليه الإنسان من زكاة روحه وسلامة خلقه وإصابة رأيه وكثرة معارفه وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ جملة تعليلية يبين فيها تعالى أنه عليم بالناس عليم بظواهرهم وبواطنهم وبما يكملهم ويسعدهم خبير بكل شيء في حياتهم فليسلم له التشريع بالتحليل والتحريم والأمر والنهي فإنه على علم بالحال والمآل وبما يسعد الإنسان وبما يشقيه فآمنوا به وأطيعوه تكملوا وتسعدوا. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وجوب مبادرة المسلمين إلى إصلاح ذات البين بينهم كلما حصل فساد أو خلل فيها. ٢- وجوب تعاون المسلمين على تأديب أية جماعة تبغي وتعتدي حتى تفيء إلى الحق. ٣- وجوب الحكم بالعدل في أية قضية من قضايا المسلمين وغيرهم. ٤- تقرير الأخوة الإسلامية ووجوب تحقيقها بالقول والعمل. ٥- حرمة السخرية واللمز والتنابز بين المسلمين. ٦- وجوب إجتناب كل ظن لا قرينة ولا حال قوية تدعو إلى ذلك. ٧- حرمة التجسس أي تتبع عورات المسلمين وكشفها وإطلاع الناس عليها.

стр. 2809

١- حرمة الغيبة والنميمة. والنميمة هي نقل الحديث على وجه الإفساد ولذا يجوز ذكر الشخص وهو غائب في مواطن هي التظلم بأن يذكر المسلم من ظلمه لإزالة ظلمه، الاستعانة على تغير المنكر بذكر صاحب المنكر. الاستفتاء نحو قول المستفتي ظلمني فلان بكذا فهل يجوز له ذلك، تحذير المسلمين من الشر بذكر فاعله قصد أن يحذروه، المجاهر بالفسق لا غيبة له، التعريف بلقب لا يعرف الرجل إلا به. ٢- حرمة التفاخر بالأنساب ووجوب التعارف للتعاون. ٣- لا شرف ولا كرم إلا بشرف التقوى وكرامتها ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وفي الحديث "لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى" رواه الطبراني. قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)

стр. 2810

شرح الكلمات: قالت الأعراب آمنا: هم نفر من بني أسد قدموا على الرسول وقالوا له آمنا وهم غير مؤمنين. قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا: أي قل لهم إنكم ما آمنتم بعد ولكن قولوا أسلمنا أي استسلمنا وانقدنا. ولما يدخل الإيمان في قلوبكم: أي ولما يدخل الإيمان بعد في قلوبكم ولكنه يتوقع له الدخول. وإن تطيعوا الله ورسوله: أي في الإيمان والقيام بالفرائض واجتناب المحارم. لا يلتكم من أعمالكم شيئا: أي لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا. إن الله غفور رحيم: أي غفور للمؤمنين رحيم بهم إن هم صدقوا في إيمانهم. إنما المؤمنون: أي حقا وصدقا لا إدعاء ونطقا هم. الذين آمنوا بالله ورسوله: أي بالله ربا وإلها وبالرسول محمد نبيا ورسولا. ثم لم يرتابوا: أي لم يشكوا فيما آمنوا به. وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله: أي جاهدوا مع رسول الله أعداء الله وهم الكافرون بأموالهم وأنفسهم. أولئك هم الصادقون: أي في إيمانهم لا الذين قالوا آمنا بألسنتهم واستسلموا ظاهراً ولم يسلموا باطناً. قل أتعلمون الله بدينكم: أي قل لهم يا رسولنا أي لهؤلاء الأعراب أتشعرون الله بدينكم. يمنون عليك أن أسلموا: أي كونهم أسلموا بدون قتال وغيرهم أسلم بعد قتالٍ. قل لا تمنوا علي إسلامكم: أي لا حق لكم في ذلك بل الحق لله الذي هداكم للإيمان إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم مؤمنون. إن الله يعلم غيب السماوات والأرض: أي أن الله يعلم ما غاب في السماوات وما غاب في الأرض فلا يخفى عليه أمر من صدق في إيمانه وأمر من كذب، ومن أسلم رغبة ومن أسلم رهبة. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا١﴾ هؤلاء جماعة من أعراب بني أسد وفدوا على رسول الله ﷺ

стр. 2811

بالمدينة بأولادهم ونسائهم في سنة مجدبة فأظهروا له الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في نفوسهم، فكانوا يغدون على الرسول ﷺ ويروحون ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحها، ونحن قد جئناك بالأطفال والعيال والذرارى ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، يمنون على رسول الله وهم يريدون الصدقة ويقولون أعطنا فأنزل الله تعالى هذه الآية تربية لهم وتعليما إتماما لما اشتملت عليه سورة الحجرات من أنواع الهداية والتربية الإسلامية فقال تعالى ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ﴾ أعراب بني أسد آمنا أي صدقنا بتوحيد الله وبنبوتك. قل لهم ردا عليهم لم تؤمنوا بعد، ولكن الصواب أن تقولوا أسلمنا أي أذعنا للإسلام وانقدنا لقبوله وهو الإسلام الظاهري، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم بعد وسيدخل إن شاء الله. وإن تطيعوا الله ورسوله أيها الأعراب في الإيمان الحق وفي غيره من سائر التكاليف لا يلتكم١ أي لا ينقصكم الله تعالى من أجور أعمالكم الصالحة التي تعملونها طاعة لله ورسوله شيئا وإن قل. وقوله إن الله غفور رحيم في هذه الجملة ترغيب لهم في الإيمان الصالح والإسلام الصحيح فأعلمهم أن الله تعالى غفور للتائبين رحيم بهم وبالمؤمنين فتوبوا إليه واصدقوه يغفر لكم ويرحمكم وقوله تعالى في الآية (١٥) إنما المؤمنون الآية يعرفهم تعالى بالإيمان الصحيح دعوة منه لهم لعلهم يؤمنون فقال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ٢﴾ أي حقا وصدقا الذين آمنوا بالله رباً وإلها ورسوله نبيا مطاعا، ثم لم يرتابوا، أي لم يشكوا أبدا في صحة ما آمنوا به، وجاهدوا أي أنفسهم وألزموها الاستعداد للنهوض بالتكاليف الشرعية في المنشط والمكره، كما جاهدوا بأموالهم وأنفسهم أعداء الإسلام من المشركين والكافرين وذلك الجهاد بالنفس والمال لا هدف له إلا طلب رضا الله أي لم يكن لأي غرض مادي دنيوي وإنما لرضا الله ولإعلاء كلمة الله وهؤلاء هم الصادقون في دعوى الإيمان وقوله تعالى في الآية (١٦) ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي قل يا رسولنا لأولئك الأعراب الذين قالوا آمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم أتعلمون الله بدينكم أي بإيمانكم وطاعتكم وتشعرونه بهما والحال أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله بكل شيء عليم إنه لا معنى لتعليمكم الله بدينكم وهو يعلم ما في السماوات وما في الأرض وهو بكل شيء عليم إنه مظهر من مظاهر جهلكم بالله تعالى، إذ لو علمتم أنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض من دقيق

стр. 2812

وجليل لما فهمتم بما فهمتم به من إشعاركم الله بإيمانكم وطاعتكم له. قوله تعالى في الآية (١٧) ١ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ ٢ أي من أولئك الأعراب عليك يا رسولنا إيمانهم إذ قالوا آمنا بك ولم نقاتلك كما فعل غيرنا قل لهم لا تمنوا علي إسلامكم واضرب عن هذا وقل لهم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان، فالمنة لله عليكم لا أن تمنوا أنتم على رسوله. وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ٣ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي كل ما غاب في السماوات وما غاب في الأرض من سانح في السماء وسابح في الماء وسارح في الغبراء فليس في حاجة أن تعلموه بدينكم وتمنونه على رسوله ﷺ بما تعملون من عمل قل أو كثر خفي أو ظهر فاعلموا هذا وتأدبوا مع الله وأحسنوا الظن فيه تنجوا من هلاك لازم لمنا أساء الظن بالله وأساء الأدب مع رسول الله. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان طبيعة أهل البادية وهي الغلظة والجفاء والبعد عن الكياسة والأدب. ٢- بيان الفرق بين الإيمان والإسلام إذا اجتمعا فالإيمان من أعمال القلوب والإسلام من أعمال الجوارح. وإذا افترقا فالإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان والحقيقة هي أنه لا يوجد إيمان صحيح بدون إسلام صحيح، ولا إسلام صحيح بدون إيمان صحيح، ولكن يوجد إسلام صوري بدون إيمان، وتوجد دعوى إيمان كاذبة غير صادقة. ٣- بيان المؤمنين حقا وهم الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم. ٤- بيان حكم المن وأنه مذموم من الإنسان ومحمود من الرحمن وحقيقة المن هي عد النعمة وذكرها للمنعم عليه وتعدادها المرة بعد المرة. ٥- بيان إحاطة علم الله بسائر المخلوقات، وأنه لا يخفى عليه من أعمال العباد شيء.

стр. 2813

سورة ق ١ مكية وآياتها خمس وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) شرح الكلمات: ق: هذا أحد الحروف المقطعة التي تكتب هكذا ق وتقرأ هكذا قاف. والقرآن المجيد: أي والقرآن المجيد أي الكريم قسمي لقد أرسلنا محمدا مبلغا عنا. بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم: أي بل عجب أهل مكة من مجيء منذر أي رسول منهم ينذرهم عذاب الله يوم القيامة. فقال الكافرون هذا شيء عجيب: أي فقال المكذبون بالبعث هذا أي البعث بعد الموت والبلى شيء عجيب. أئذا متنا وكنا ترابا: أئذا متنا وصرنا ترابا أي رفاة وعظاما نخرة نرجع أحياء. ذلك رجع بعيد: أي بعيد بالإمكان في غاية البعد. قد علمنا ما تنقص الأرض منهم: أي قد أحاط علمنا بكل شيء فعلمنا ما تنقص الأرض من

стр. 2814

أجساد الموتى وما تأكل من لحومهم وعظامهم فكيف يستبعد منا إحياؤهم بعد موتهم. وعندنا كتاب حفيظ: أي كتاب المقادير الذي قد كتب فيه كل شيء ومن بين ذلك أعداد الموتى وأسماؤهم وصورهم وأجسامهم ويوم إعادتهم. بل كذبوا بالحق لما جاءهم: بل كذب المشركون بما هو أقبح من تكذيبهم بالبعث وهو تكذيبهم بالنبوة المحمدية وبالقرآن ومن نزل عليه. فهم في أمر مريج: أي مختلط عليهم فهم فيه مضطربون لا يثبتون على شيء إذ قالوا مرة سحر ومرة قالوا شعر ومرة كهانة وأخرى أساطير. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿ق﴾ الله أعلم بمراده به إذ هو من الحروف المقطعة الأحادية نحو ص. ون وقوله تعالى ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ١﴾ أي الكريم فالقرآن مجيد كريم بما فيه من الخير والبركة إذ قراءة الحرف الواحد منه بعشر حسنات. وقوله والقرآن المجيد قسم والجواب محذوف تقديره إن محمداً لرسول أمين. وقوله تعالى ﴿بَلْ عَجِبُوا٢ أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أي إنهم لم يستنكروا أصل الإرسال إليهم وإنما أنكروا كون المرسل بشراً مثلهم ينذرهم عذاب يوم القيامة وهم لا يؤمنون بالبعث الآخر فلذا قالوا ما أخبر تعالى به عنهم وقوله ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ أي بالبعث ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أي أمر يدعو إلى التعجب إذ من مات وصار ترابا لا يعقل أن يبعث مرة أخرى فيسأل ويحاسب ويجزي وقد أفصحوا عن معتقدهم بقولهم ﴿أَإِذَا مِتْنَا٣ وَكُنَّا تُرَاباً﴾ ذلك الرجوع إلى الحياة رجوع بعيد التحقيق. قال تعالى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ٤ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ٥ حَفِيظٌ﴾ هذه برهنة واضحة على إبطال دعواهم وتحقيق عقيدة البعث أي قد علمنا ما تنقص الأرض منهم بعد الموت من لحم وعظم، وعندنا كتاب حفيظ قد حوى كل شيء وحفظه مادة وكمية وكيفية بمقتضاه يعود

стр. 2815

الخلق كما بدأ لا ينقص منه شيء وقوله، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أي إن هناك ما هو أشنع من إنكارهم وأقبح عقلا وهو تكذيبهم بالقرآن ومن أنزل عليه وهو الحق من الله فلذا هم فيه في أمر مريج أي مختلط فمرة قالوا في الرسول إنه ساحر وقالوا شاعر وقالوا مفتر كذاب وقالوا في القرآن أساطير الأولين فهم حقا في أمر مريج مختلط عليهم لا يدرون ما يقولون ويثبتون عليه. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان شرف القرآن ومجده وكرمه. ٢- تقرير البعث والوحي الإلهي. ٣- البرهنة الصحيحة الواضحة على صحة البعث والجزاء وإمكانهما. ٤- تقرير عقيدة القضاء والقدر بتقرير كتاب المقادير. أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) شرح الكلمات: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم: أي أعملوا فلم ينظروا بعيونهم معتبرين بعقولهم إلى السماء كائنة فوقهم فيعلموا أن استبعادهم للبعث غير صحيح. كيف بنيناها وزيناها: أي كيف بنيناها بلا عمد. وزيناها بالكواكب. وما لها من فروج: أي وليس لها من شقوق تعيبها. والأرض مددناها١: أي بسطناها

стр. 2816

وألقينا فيها رواسي: أي جبالا رواسي ثوابت لا تسير ولا تتحرك مثبتة للأرض كي لا تميد بأهلها. وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج١: أي وأنبتنا في الأرض من كل صنف من أنواع النباتات حسن. تبصرة وذكرى لكل عبد منيب: أي جعلنا ذلك تبصرة وذكرى منا لكل عبد منيب إلى طاعتنا رجاع إلينا. ونزلنا من السماء ماء مباركا: أي ماء المطر كثير البركة. فأنبتنا به جنات وحب الحصيد: أي أنبتنا بماء السماء بساتين وحب الحصيد أي المحصود من البر والشعير. والنخل باسقات٢: أي وأنبتنا بالماء النخيل الطوال العاليات. لها طلع نضيد: أي لها طلع منضد متراكب بعضه فوق بعض. رزقا للعباد: أي أنبتنا ما أنبتنا من الجنات والحب الحصيد والنخل الباسقات قوتا للعباد ورزقا لهم مؤمنهم وكافرهم. وأحيينا به بلدة ميتة: وأحيينا بذلك الماء الذي أنزلناه بلدة ميتة لا نبات فيها من الجدب الذي أصابها والقحط. كذلك الخروج: أي كما أخرجنا النبات من الأرض الميتة بالماء نخرجكم أحياء من قبوركم يوم القيامة بماء ننزله من السماء على الأرض فتنبتون كما ينبت البقل. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير عقيدة البعث وهي العقيدة التي بني عليها كل إصلاح يراد للإنسان بعد عقيدة الإيمان بالله تعالى ربا وإلهاً قال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا٣ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ٤ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ أي أعمي أولئك المنكرون للبعث المكذبون بلقاء ربهم يوم القيامة فلم ينظروا بعيونهم معتبرين بعقولهم إلى حجم السماء الواسع العالي الرفيع الكائن فوقهم وقد رفع بلا عمد ولا سند. وقد زينه خالقه بكواكب نيرة وأقمار منيرة وشموس مضيئة ولم ير في السماء

стр. 2817

من تصدع ولا شقوق١ ولا تفطر الحياة كلها أليس على خلق السماء قادر على إحياء موتى خلقهم وأماتهم بقدرته أليس القادر على الخلق ابتداء وعلى الإماتة ثانية بقادر على إحياء من خلق وأمات؟ ٢ وقوله ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ أي مالهم لا ينظرون إلى الأرض أي بسطها وألقى فيها الجبال لتثبيتها حتى لا تميد بهم, وقوله ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي صنف من النباتات والزروع بهيج المنظر حسنه, وقوله ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ وقوله ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيد وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبَادِ٣﴾ أي أليس الذي أنزل من السماء ماء مباركاً لما يكثر به من الخيرات والبركات من النبات والحيوان فأنبت به جنات أي بساتين من أشجار ونخيل وأعناب, وأنبت به حب الحصيد وهو كل حب يحصد عند طيبه من قمح وشعير وذرة وغيرها وأنبت به النخل الباسقات العاليات المرتفعات في السماء لها طلعها النضيد المتراكب بعضه فوق بعض ليتحول إلى رطب شهي يأكله الإنسان وقوله رزقا للعباد أي قوتا لهم يقتاتون به مؤمنين وكافرين إلا أن المؤمن إذا أكل شكر والكافر إذا أكل كفر, وقوله ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ أي بالماء الذي أنزلناه من السماء مباركاً بلدة ميتا لا نبات بها ولا عشب ولا كلأ فأصبحت تهتز رابية كذلك الخروج أي هكذا يكون خروجكم من قبوركم أيها المنكرون للبعث ينزل الله من السماء ماء فتنبتون وتخرجون من قبوركم كما يخرج الشجر والزرع من الأرض بواسطة الماء المبارك فبأي عقل تنكرون البعث أيها المنكرون. إنها كما قال تعالى ﴿لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ . هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث بمظاهر القدرة الإلهية في الكون. ٢- مشروعية النظر والاعتبار فيما يحيط بالإنسان من مظاهر الكون والحياة للعبرة طلبا لزيادة الإيمان والوصول به إلى مستوى اليقين. ٣- فضل العبد المنيب وفضيلة الإنابة إلى الله تعالى والمنيب هو الذي يرجع إلى ربه في كل ما يهمه والإنابة التوبة إلى الله والرجوع إلى طاعته بعد معصيته. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ

стр. 2818

لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) شرح الكلمات: كذبت قبلهم قوم نوح: أي قبل قومك يا رسولنا بالبعث والتوحيد والنبوة قوم نوح. وأصحاب الرس وثمود: أي وكذب أصحاب الرس وهي بئر كانوا مقيمين حولها يعبدون الأصنام وثمود وهم أصحاب الحجر قوم صالح. وعاد وفرعون: وكذبت عاد قوم هود، وكذب فرعون موسى ﵇. وإخوان لوط وأصحاب الأيكة: أي وكذب قوم لوط أخاهم لوطا، وكذب أصحاب الأيكة شعيبا. وقوم تبع: أي وكذب قوم تبع الحميري اليمني. كل قد كذب الرسل: أي كل من ذكر قد كذب الرسل فلست وحدك المكذب يا محمد ﷺ . فحق وعيد: أي فوجب وعيدي لهم بنزول العذاب عليهم فنزل فهلكوا. أفعيينا بالخلق الأول١: أي أفعيينا بخلق الناس أولا والجواب لا إذاً فكيف نعي بخلقهم ثانية وإعادتهم كما كانوا؟. بل هم في لبس من خلق جديد: أي هم غير منكرين لقدرة الله عن الخلق الأول بل هم في خلط وشك من خلق جديد لما فيه من مخالفة العادة وهي أن كل من مات منهم يرونه يفنى ولا يعود حياً. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير عقيدة البعث والجزاء وإثبات النبوة للرسول ﷺ فقال تعالى ﴿كَذَّبَتْ٢ قَبْلَهُمْ﴾ أي قبل قريش المكذبين بالبعث والجزاء وبالنبوة المحمدية كذبت قبلهم قوم نوح وهي أول أمة كذبت وعاش نوح نبيها ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوها إلى الله فلم يؤمن منهم أكثر من نيف وثمانين نسمة، وأصحاب الرس أيضا قد أخذوا نبيهم ورسوه في بئر فقتلوه فأهلكهم الله

стр. 2819

تعالى في بئر كانوا يقيمون على أصنام حولها يعبدونها فأهلكهم في تلك البئر وأهلك ثموداً وهم قوم صالح، وعاداً وهم قود هود وفرعون موسى وقوم لوط١، وأصحاب الأيكة أي الشجر الملتف إذ كانوا يعبدون أشجار تلك الأيكة، وقوم تبع وهو تبع الحميري اليمني. وقوله تعالى ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي كل تلك الأمم التي ذكرنا كذبوا الرسل ولم يؤمنوا بهم ولا بما جاءوهم به من التوحيد والشرع ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ ٢ أي فوجب لذلك عذابهم الذي وعدتهم به على ألسنة رسلي إن لم يؤمنوا فأهلكناهم أجمعين وقومك يا محمد هم موعودون أيضاً بالعذاب إن لم يبادروا بالإيمان والطاعة. قوله تعالى ﴿أَفَعَيِينَا٣ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ والجواب لا إذ الاستفهام للنفي أي لم يعي الله تعالى بخلق كل ما خلق من الملائكة والإنس والجن فكيف إذاً يعيى بالإعادة وهي أهون من البدء والبداية، وقوله تعالى ﴿بَلْ هُمْ٤ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي أنهم غير منكرين لقدرتنا على الخلق الأول بل هم في لبس أي خلط وشك من خلق جديد لما فيه من مخالفة العادة حيث هم يرون الناس يموتون ولا يحيون. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تعزية الرسول ﷺ وتسليته بإعلامه بأن قومه ليسوا أول من كذب الرسل. ٢- تهديد المصرين على التكذيب من كفار قريش بالعذاب إذ ليسوا بأفضل من غيرهم وقد أهلكوا لما كذبوا. ٣- تقرير البعث والجزاء وإثبات عقيدتهما بالأدلة العقلية كبدء الخلق. ٤- ضعف إدراك المنكرين للبعث لظلمة نفوسهم بالشرك والمعاصي. وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ

стр. 2820

(١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) َقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) شرح الكلمات: ولقد خلقنا الإنسان: أي خلقناه بقدرتنا وعلمنا لحكمة١ اقتضت خلقه فلم نخلقه عبثا. ونعلم ما توسوس به نفسه: أي ونعلم ما تحدث به نفسه أي نعلم ما في نفسه من خواطر وإرادات. ونحن أقرب إليه من حبل الوريد: أي نحن بقدرتنا على الأخذ منه والعطاء والعلم بما يسر ويظهر أقرب إليه من حبل الوريد الذي هو في حلقه. إذ يتلقى المتلقيان: أي نحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عمله فيكتبانه. عن اليمين وعن الشمال قعيد٢: أي أحدهما عن يمينه قعيد والثاني عن شماله قعيد أيضا. ما يلفظ من قول: أي ما يقول من قول. إلا لديه رقيب عتيد: أي إلا عنده ملك رقيب حافظ عتيد حاضر معد للكتابة. وجاءت سكرة الموت بالحق: أي غمرة الموت وشدته بالحق من أمر الآخرة حتى يراه المنكر لها عيانا. ذلك ما كنت منه تحيد: أي ذلك الموت الذي كنت تهرب منه وتفزع. ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد: أي ونفخ إسرافيل في الصور الذي هو القرن ذلك يوم الوعيد للكفار بالعذاب. معها سائق وشهيد: أي معها سائق يسوقها إلى المحشر وشهيد يشهد عليها.

стр. 2821

لقد كنت في غفلة من هذا: أي من هذا العذاب النازل بك الآن. فكشفنا عنك غطاءك: أي أزلنا عنك غفلتك بما تشاهده اليوم. فبصرك اليوم حديد: أي حاد تدرك به ما كنت تنكره في الدنيا من البعث والجزاء. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء فقال تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ﴾ حسب سنتنا في الخلق خلقناه بقدرتنا وعلمنا لحكمة١ اقتضت خلقه منا ولم نخلقه عبثا ونحن نعلم ما توسوس به نفسه أي ما تتحدث به نفسه من إرادات أو خواطر، ونحن أي رب العزة والجلال أقرب إليه من حبل الوريد٢ فلو أردنا أن نأخذ منه أو نعطيه أو نسمع منه أو نعلم به لكنا على ذلك قادرين وقربنا في ذلك منه أقرب من حبل عنقه إلى نفسه وذلك في الوقت الذي يتلقى فيه الملكان المتلقيان سائر أقواله وأعماله يثبتانها ويحفظانها وقوله عن اليمين وعن الشمال قعيد أي أحد الملكين وهو المتلقيان عن يمينه قاعد والثاني عن شماله قاعد هذا يكتب الحسنات وذاك يكتب السيئات. ولفظ قعيد معناه قاعد كجليس بمعنى مجالس أو جالس، وقوله تعالى ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ أي ما يقول الإنسان إلا لديه رقيب عتيد أي إلا عنده ملك رقيب حافظ، وعتيد حاضر لا يفارقانه مدى الحياة إلا أنهما يتناوبان ملكان بالنهار وملكان بالليل ويجتمعون في صلاتي الصبح والعصر وقوله تعالى ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ٣ بِالْحَقِّ﴾ أي وإن طال العمر فلابد من الموت وها هي ذي قد جاءت سكرة الموت أي غمرته وشدته بالحق من أمر الآخرة حتى يراه المنكر للبعث والدار الآخرة المكذب به يراه عياناً. ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي قال له هذا الموت الذي كنت منه تحيد أي تهرب وتفزع. قوله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّور﴾ أي نفخ إسرافيل في الصور أي القرن الذي قد التقمه وجعله في فيه من يوم بعث النبي الخاتم نبي آخر الزمان محمد ﷺ وهو ينتظر متى يؤمر فينفخ نفخة الفناء ذلك أي يوم ينفخ في الصور هو يوم الوعيد٤ بالعذاب للكافرين، وفعلا نفخ في الصور نفخة البعث بعد نفخة الفناء ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أي ملك يسوقها إلى

стр. 2822

المحشر وملك شاهد يشهد عليها. ويقال لذلك الذي جاء به سائق يسوقه وشاهد يشهد عليه لقد كنت في غفلة من هذا أي كنت في الدنيا في غفلة عن الآخرة وما فيها وغفلتك من شهواتك ولذاتك وغرورك بالحياة الدنيا من هذا العذاب النازل بك الآن فكشفنا عنك غفلتك بما تشاهده اليوم عيانا بيانا من ألوان العذاب فبصرك اليوم حديد أي حاد تدرك به وتبصر ما كنت تكفر به في الدنيا وتنكره. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان قدرة الله وعلمه وأنه أقرب إلى الإنسان من حبل وريده ألا فليتق الله امرؤ. ٢- تقرير عقيدة أن لكل إنسان مكلف ملكين يكتبان حسناته وسيئاته. ٣- بيان أن للموت سكرات قطعا اللهم هون علينا سكرات الموت. ٤- ساعة الاحتضار يؤمن كل إنسان بالدار الآخرة إذ يرى ما كان ينكره يراه بعينه. ٥- تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرض بعض أحوال وأهوال الآخرة. وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) ١يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) شرح الكلمات: وقال قرينه: أي الملك الموكل به. هذا ما لدي عتيد: أي هذا عمله حاضر لدي.

стр. 2823

كل كفار عنيد: أي كثير الكفر والجحود لتوحيد الله وللقائه ولرسوله معاند كثير العناد. مناع للخير معتد مريب: أي مناع للحقوق والواجبات من مال وغيره. الذي جعل مع الله إلهاً آخر: أي أشرك بالله فجعل معه آلهة أخرى يعبدها. ربنا ما أطغيته: أي يقول قرينه من الشياطين يا ربنا ما أطغيته أي ما حملته على الطغيان. ولكن كان في ضلال بعيد: أي ولكن الرجل كان في ضلال بعيد عن كل هدى متوغلا في الشرك والشر. وقد قدمت إليكم بالوعيد: أي قدمت إليكم وعيدي بالعذاب في كتبي وعلى لسان رسلي. ما يبدل القول لدي: أي ما يغير القول عندي وهو قوله لأملأن جهنم منكم أجمعين. يوم نقول لجهنم هل امتلأت: أي وما الله بظلام للعبيد يوم يقول لجهنم هل امتلأت. وتقول هل من مزيد: أي لم أمتليء هل من زيادة فيضع الجبار عليها قدمه فتقول قط قط. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر مشاهد القيامة وأحوال الناس فيها فقال تعالى ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ١﴾ أي قال قرين٢ ذلك الكافر الذي جيئ به إلى ساحة فصل القضاء ومعه سائق يسوقه وشهيد يشهد عليه. قال قرينه وهو الملك الموكل به هذا ما لدي أي من أعمال هذا الرجل الذي وكلت بحفظ أعماله وكتابتها عتيد أي حاضر. وهنا يقال لمن استحق النار ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ وهو الخطاب لمن٣ جاءا به وهما السائق والشهيد ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ فهذه خمس صفات قد اجتمعت في شخص واحد فأوبقته الأولى ﴿كَفَّارٍ﴾ أي كثير الكفر الذي هو الجحود لما يجب الإيمان به والتصديق من سائر أركان الإيمان الستة، والثانية عنيد والعنيد التارك لكل ما يوجب عليه المعاند في الحق المعاكس في المعروف وهي شر صفة، الثالثة مناع للخير أي كثير المنع للخير مالاً كان أو غيره لا يبذل معروفاً قط؛ الرابعة معتدٍ أي على حدود

стр. 2824

الشرع معتد على الناس ظالم لهم بأكل حقوقهم وأذيتهم في أعراضهم وأموالهم وأبدانهم الخامسة مريب أي شاك لا يعرف التصديق بشيء من أمور الدين فهو جامع لكل أنواع الكفر وقوله ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهاً﴾ وهذا وصف سادس وهو أسوأ تلك الصفات وهو اتخاذه إلهاً آخر يعبده دون الله تعالى وقوله تعالى ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ هذا أمر آخر أكد به الأمر الأول وهو ألقيا في جهنم كل كفار عنيد. وقوله تعالى ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ قال هذا القول القرين لما قال المشرك معتذراً رب إن قريني من الشياطين أطغاني فرد عليه القرين بما أخبر تعالى به عنه في قوله قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد فقال الرب تعالى ﴿لا تَخْتَصِمُوا١ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ فرد الله حجة كل من الكافر والقرين من الشياطين وأعلمهما أنه قد قدم إليهما بالوعيد في كتبه وعلى ألسن رسله من كفر بالله وأشرك به وعصى رسله فإن له نار جهنم خالداً فيها أبداً. وقوله تعالى ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أخبر٢ تعالى أن حكمه نافذ فيمن كفر به وعصى رسله إذ سبق قوله لإبليس عندما أخرج آدم من الجنة بوسواسه وهو لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين. فهذا القول الإلهي لا يبدل ولا يقدر أحد على تبديله وتغيريه وقوله ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ نفى تعالى الظلم عن نفسه والظلم هو أن يعذب مطيعا، أو يدخل الجنة كافراً عاصياً. وقوله تعالى ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أي اذكر يا نبينا لقومك المنهمكين في الشرك والمعاصي ما ينتظر أمثالهم من عذاب جهنم اذكر لهم يوم نقول لجهنم هل امتلأت فتقول هل من مزيد بعدما يدخل فيها كل كافر وكافرة من الإنس والجن وتقول طالبة الزيادة هل من مزيد؟ ولما لم يبق أحد يستحق عذاب النار يضع الجبار فيها قدمه فينزوي بعضها في بعض وتقول قط قط والحديث معناه في الصحيحين وغيرهما. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٢- التحذير من الصفات الست التي جاءت في الآية وهي الكفر والعناد ومنع الخير والاعتداء

стр. 2825

والشك والشرك. ٣- بيان خصومة أهل النار من إنسان وشيطان. ٤- نفي الظلم عن الله تعالى وهو كذلك فلا يظلم الله أحدا من خلقه. ٥- إثبات١ صفة القدم للرب تعالى كما يليق هذا الوصف بذاته التي لا تشبه الذوات عن صفات المحدثين من خلقه. وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) شرح الكلمات: وأزلفت الجنة للمتقين: أي قربت الجنة للمتقين الذي اتقوا الشرك والمعاصي. غير بعيد٢: أي مكانا غير بعيد منهم بحيث يرونها. لكل أواب حفيظ: أي رجاع إلى طاعة الله كلما ترك طاعة عاد إليها حافظ لحدود الله. من خشي الرحمن بالغيب: أي خاف الله تعالى فلم يعصه وإن عصاه تاب إليه وهو لم يره. وجاء بقلب منيب: أي مقبل على طاعته تعالى. ادخلوها بسلام: أي ويقال لهم وهم المتقون ادخلوها أي الجنة بسلام أي مع سلام وحال كونكم سالمين من كل مخوف. ولدينا مزيد: أي مزيد من الإنعام والتكريم في الجنة وهو النظر إلى وجه الله الكريم.

стр. 2826

معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير البعث والجزاء بذكر بعض مظاهره قال تعالى بعدما ذكر ما لأهل النار من عذاب ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أي١ أدنيت وقربت ﴿للمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ وهم الذين اتقوا الله تعالى بترك الشرك والمعاصي فلا تركوا فريضة ولا غشوا كبيرة.٢ وقوله تعالى هذا ما توعدون أي يقال لهم هذا ما توعدون أي من النعيم المقيم، لكل أواب حفيظ أي رجاع إلى طاعة الله تعالى حفيظ أي حافظ لحدود الله. حفيظ أيضا بذنوبه لا ينساها كلما ذكرها استغفر الله تعالى منها. وقوله من خشي الرحمن بالغيب هذا بيان للأواب الحفيظ وهو من خاف الرحمن تعالى بالغيب أي وهو غائب عنه لا يراه ولم يعصه بترك واجب ولا بفعل حرام، وقوله وجاء بقلب منيب٣ أي إلى ربه أي مقبل على طاعته بذكر الله فلا ينساه ويطيعه فلا يعصيه، وقوله تعالى ادخلوها أي يقال لهم أي للمتقين ادخلوها أي الجنة٤ بسلام أي مسلما عليكم مسالمين من كل مخوف كالموت والمرض والألم والحزن وذلك يوم الخلود أي في الجنة وفي النار فأهل اللجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون٥ فيها وقوله لهم ما يشاءون فيها أي لأهل الجنة ما يشاءون أي ما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم وقوله ولدينا مزيد أي وعندنا لكم مزيد من النعيم وهو النظر إلى وجهه الكريم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- فضل التقوى وكرامة المتقين على رب العالمين. ٢- فضل الأواب الحفيظ وهو الذي كلما ذكر ذنبه استغفر ربه. ٣- بيان أكبر نعيم في الجنة وهو رضا الله والنظر إلى وجهه الكريم. وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ

стр. 2827

لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤ ٥) شرح الكلمات: وكم أهلكنا قبلهم من قرن: أي كثيرا من أهل القرون قبل كفار قريش وأهلكناهم. هم أشد منهم بطشا: أي أهل القرون الذين أهلكناهم قبل كفار قريش هم أشد قوة وأعظم أخذا من كفار قريش ومع هذا أهلكناهم. فنقبوا في البلاد هل من محيص: أي بحثوا وفتشوا في البلاد علهم يجدون مهرباً من الهلاك فلم يجدوا. إن في ذلك لذكرى: أي إن في المذكور من إهلاك الأمم القوية موعظة. لمن كان له قلب أو ألقى السمع: أي موعظة تحصل للذي له قلب حي وألقى سمعه يستمع. وهو شهيد: وهو شهيد أي حاضر أثناء استماعه حاضر القلب والحواس. وما مسنا من لغوب: أي من نصب ولا تعب. فاصبر على ما يقولون: أي فاصبر يا رسولنا على ما يقوله اليهود وغيرهم من التشبيه لله والتكذيب بصفاته.

стр. 2828

وسبح بحمد ربك قبل طلوع: أي صل حامداً لربك قبل طلوع الشمس وهي صلاة الفجر. الشمس وقبل الغروب: أي صل صلاة الظهر والعصر. ومن الليل فسبحه: أي صل صلاتي المغرب والعشاء. وأدبار السجود: أي بعد أداء الفرائض فسبح بألفاظ الذكر والتسبيح. واستمع: أي أيها المخاطب إلى ما أقول لك. يوم ينادي المناد من مكان قريب: أي يوم ينادي إسرافيل من مكان قريب من السماء وهو صخرة بيت المقدس فيقول أيتها العظام البالغة والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. يوم يسمعون الصيحة بالحق: أي نفخة إسرافيل الثانية وهي نفخة البعث يعلمون عاقبة تكذيبهم. ذلك يوم الخروج: أي من القبور. يوم تشقق الأرض عنهم سراعا: أي يخرجون من قبورهم مسرعين بعد تشقق القبور عنهم. ذلك حشر علينا يسير: أي ذلك حشر للناس وجمع لهم في موقف الحساب يسير سهل علينا. نحن أعلم بما يقولون: أي من الكفر والباطل فلا تيأس لذلك سننتقم منهم. وما أنت عليهم بجبار: أي بحيث تجبرهم على الإيمان والتقوى. فذكر بالقرآن: أي عظ مرغبا مرهبا بالقرآن فقرأه على المؤمنين فهم الذين يخافون وعيد الله تعالى ويطمعون في وعده. معنى الآيات: بعد ذلك العرض العظيم لأحوال القيامة وأهوالها على كفار قريش المكذبين بالتوحيد والنبوة والبعث ولم يؤمنوا فكانوا بذلك متعرضين للعذاب فأخبر تعالى رسوله أن هلاكهم يسير فكم١ أهلك تعالى ﴿قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً﴾ أي قوة وأخذاً ولما جاءهم العذاب فروا يبحثون

стр. 2829

عن مكان يحيصون إليه أي يلجأون فلم يجدوا وهو معنى قوله تعالى ﴿فَنَقَّبُوا فِي١ الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ٢﴾ وقوله تعالى ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ ٣ أي الذي ذكرنا من قوله وكم أهلكنا قبلهم من قرن لذكرى أي موعظة يتعظ بها عبد كان له قلب حي وألقى سمعه يستمع وهو شهيد أي حاضر بكل مشاعره وأحاسيسه. وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أولها الأحد وآخرها الجمعة ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي نصب أو تعب، هذا الخبر رد الله تعالى به على اليهود الذين قالوا أتم الله خلق السماوات والأرض في يوم الجمعة واستراح يوم السبت فلذا هم يسبتون أي يستريحون يوم السبت فرد تعالى عليهم بقوله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي تعب، إذ التعب يلحق العامل من الممارسة والمباشرة لما يقوم بعمله والله تعالى يخلق بكلمة التكوين فلذا لا معنى لأن يصيبه تعب أو نصب أو لغوب وقوله تعالى ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ﴾ أي فاصبر يا رسولنا على ما يقوله يهود وغيرهم من الكفر والباطل واستعن على ذلك أي على الصبر وهو صعب بالصلاة والتسبيح قبل طلوع الشمس٤ وقبل الغروب، ومن الليل فسبحه وأدبار النجوم فشمل هذا الإرشاد والتعليم الإلهي الصلوات الخمس٥، إذ قبل طلوع الشمس فيه صلاة الصبح وقبل الغروب فيه صلاة الظهر والعصر ومن الليل فيه صلاة المغرب والعشاء، ولنعم العون على الصبر الصلاة، ولذا كان ﷺ إذ حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وقوله أدبار السجود٦ أي بعد الصلوات الخمس سبح ربك متلبسا بحمده. نحو سبحان الله والحمد لله والله أكبر. وقوله ﴿وَاسْتَمِعْ٧ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي واستمع أيها الخاطب يوم ينادي إسرافيل من مكان

стр. 2830

قريب وهو صخرة بيت المقدس وهو مكان قريب من السماء فيقول المنادي وهو إسرافيل أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء وقوله ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ وهي نفخة إسرافيل الثانية نفخة البعث ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ من القبور ويوم يرى المكذبون عاقبة تكذيبهم. وقوله ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ١ عَنْهُمْ سِرَاعا﴾ أي يخرجون مسرعين ذلك المذكور من تشقق الأرض وخروجهم مسرعين حشر علينا لهم يسير أي سهل لا صعوبة فيه، وقوله ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ فيه تسلية للرسول ﷺ وفيه تهديد لكفار قريش. وقوله ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي بذي قوة وقدرة فائقة تجبرهم بها على الإيمان والاستقامة وعليه فمهمتك ليست الإجبار وأنت عاجز عنه وإنما هي التذكير ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ إذاً ﴿مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ وهم المؤمنون الصادقون والمسلمون الصالحون. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- مشروعية تخويف العصاة والمكذبين بالعذاب الإلهي وقربه وعدم بعده. ٢- للانتفاع بالمواعظ شروط أن يكون السامع ذا قلب حي واعٍ وأن يلقي بسمعه كاملا وأن يكون حاضر الحواس شهيدها. ٣- وجوب الصبر والاستعانة على تحقيقه بالصلاة. ٤- مشروعية الذكر والدعاء بعد الصلاة فرادى لا جماعات. ٥- تقرير البعث وتفصيل مبادئه. ٦- المواعظ ينتفع بها أهل القلوب الحية.

стр. 2831

سورة الذريات ... سورة الذاريات مكية وآياتها ستون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً (١) فَالْحَامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) شرح الكلمات: والذاريات ذروا: أي الرياح تذروا التراب وغيره ذروا. فالحاملات وقرا: أي السحب تحمل الماء. فالجاريات يسرا: أي السفن تجري على سطح الماء بسهولة. فالمقسمات أمرا: أي الملائكة تقسم بأمر ربها الأرزاق والأمطار وغيرها بين العباد. إن ما توعدون لصادق: أي إن ما وعدكم به ربكم لصادق سواء كان خيراً أو شراً. وإن الدين لواقع: أي وأن الجزاء بعد الحساب لواقع لا محالة. والسماء ذات الحبك: أي ذات الطرق كالطرق التي تكون على الرمل والحبك جمع حبيكة. إنكم لفي قول مختلف: أي يا أهل مكة لفي قول مختلف أي في شأن القرآن والنبي ﷺ فمنهم من يقول القرآن سحر وشعر وكهانة ومنهم من يقول النبي كاذب أو ساحر أو شاعر.

стр. 2832

يؤفك عنه من أفك: أي يصرف عن النبي والقرآن من صرف. قتل الخراصون: أي لعن الكذابون الذين يقولون بالخرص والكذب. الذين هم في غمرة ساهون: أي في غمرة جهل تغمرهم ساهون أي غافلون عن أمر الآخرة. يوم هم على النار يفتنون: أي يعذبون فيها. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ ١ هذا شروع في قسم ضخم أقسم الله تعالى به وهو الذاريات ذروا أي الرياح تذروا التراب وغيره من الأشياء الخفيفة ﴿فَالْحَامِلاتِ٢ وِقْراً﴾ أي السحب تحمل الماء ﴿فَالْجَارِيَاتِ٣ يُسْراً﴾ أي السفن تجري على سطح الماء ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً﴾ أي الملائكة تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها بأمر ربها كل هذا قسم أقسم الله به وجوابه ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾ أيها الناس من البعث والجزاء بالنعيم المقيم أو بعذاب الجحيم لصادق وإن الدين أي الجزاء العادل لواقع أي كائن لا محالة. وقوله ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ٤ هذا قسم آخر أي ذات الطرق كالتي على الرمل جمع حبيكة بمعنى طريقة ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ هذا جواب القسم فمنكم من يقول محمد ساحر ومنكم من يقول كاذب أو كاهن. ومنكم من يقول في القرآن سحر وشعر كهانة وقوله تعالى ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي يصرف عن القرآن ومن نزل عليه من أفك أي صرف بقضاء الله وقدره. وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ أي لعن الكذابون الذين يقولون بالخرص والكذب والظن الذين هم في غمرة جهل تغمرهم ساهون أي غافلون عن أمر الآخرة وما لهم فيه من عذاب لو شاهدوه ما ذاقوا طعاماً ولا شراباً لذيذاً.

стр. 2833

وقوله تعالى يسألون أيان يوم الدين أي متى قيام الساعة ومجيئها وهم في هذا مستهزئون ساخرون وجوابهم في قوله تعالى ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ أي يعذبون ويقال لهم ذوقوا فتنكم أي عذابكم هذا الذي كنتم به تستعجلون أي تطالبون به رسولنا بتعجيله لكم استخفافا وتكذيبا منكم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء حيث أقسم تعالى على ذلك. ٢- تقرير عقيدة القضاء والقدر في قوله يؤفك عنه من أفك. ٣- لعن الله الخراصين الذين يقولون بالخرص والكذب ويسألون استهزاء وسخرية لا طلبا للعلم والمعرفة للعمل. إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) شرح الكلمات: إن المتقين في حنات وعيون: أي إن الذين١ اتقوا ربهم في بساتين وعيون تجري خلال تلك البساتين والقصور التي فيها كقوله تجري من تحتها الأنهار. آخذين ما آتاهم ربهم: أي آخذين ما أعطاهم ربهم من الثواب.

стр. 2834

إنهم كانوا قبل ذلك محسنين: أي كانوا قبل دخولهم الجنة محسنين في الدنيا أي في عبادة ربهم وإلى عباده. كانوا قليلا من الليل ما يهجعون: أي كانوا في الدنيا يحيون الليل ولا ينامون فيه إلا قليلا. وبالأسحار هم يستغفرون: أي وفي وقت السحور وهو السدس الأخير من الليل يستغفرون يقولون ربنا اغفر لنا. وفي أموالهم حق للسائل والمحروم: أي للذي يسأل والمحروم الذي لا يسأل لتعففه وهذا الحق أوجبوه على أنفسهم زيادة على الزكاة الواجبة. وفي الأرض آيات للموقنين: أي من الجبال والأنهار والأشجار والبحار والإنسان والحيوان دلالات على قدرة الله مقتضية للبعث والموجبة للتوحيد للموقنين أما غير المؤمنين فلا يرون شيئا. وفي أنفسكم أفلا تبصرون: أي آيات من الخلق والتركيب والأسماع والأبصار والتعقل والتحرك أفلا تبصرون ذلك فتستدلون به على وجود الله وعلمه وقدرته. وفي السماء رزقكم وما توعدون: أي من الأمطار التي بها الزرع والنبات وسائر الأقوات وما توعدون من ثواب وعقاب إن كل ذلك عند الله في السماء مكتوب في اللوح المحفوظ. فورب السماء والأرض إنه لحق: إنه لحق أي ما توعدون لحق ثابت. مثل ما أنكم تنطقون: أي إن البعث لحق مثل نطقكم فهل يشك أحد في نطقه إذا نطق والجواب لا يشك فكذلك ما توعدون من ثواب وعقاب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء التي كذب بها المشركون في مكة فقال تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ أي إن الذين اتقوا ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه بترك الواجبات ولا بفعل المحرمات هؤلاء يوم القيامة في بساتين وعيون تجري في تلك البساتين وقوله ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي ما أعطاهم ربهم من ثواب هو نعيم مقيم في دار السلام. ثم ذكر تعالى مقتضيات هذا العطاء العظيم والثواب الجزيل فقال ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ﴾ دخولهم الجنة ﴿مُحْسِنِينَ﴾ في الدنيا فأحسنوا نياتهم وأعمالهم أخلصوها لله ربهم وأتوا بها وفق ما ارتضاه وشرعه لعباده بلا زيادة ولا نقصان كما أحسنوا إلى عباده ولم يسيئوا إليهم بقول ولا عمل هذا موجب وآخر أنهم ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا

стр. 2835

يَهْجَعُونَ﴾ ١ أي لا ينامون من الليل إلا قليلاً إذ أكثر الليل يقضونه في الصلاة وهو التهجد وقيام الليل وبالأسحار أي وفي السدس الأخير من الليل هم يستغفرون أي يقولون ربنا اغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار وثالث ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ﴾ والمحروم أي وزيادة على الزكاة المفروضة في كل مال بلغ النصاب فإنهم أوجبوا على أنفسهم في أموالهم حقا يبذلونه للسائل الذي يسأل والمحروم الذي لا يسأل لحيائه وعفته. هذه موجبات العطاء الكريم الذي أعطاهم ربهم من النعيم المقيم في جنات وعيون. وقوله تعالى ﴿وَفِي الْأَرْضِ٢ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ أي وفي ما خلق في الأرض من مخلوقات من جبال وأنهار وزروع وضروع وأنواع الثمار، وإنسان وحيوان آيات أي دلائل وعلامات على قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته وكلها موجبة له التوحيد ومقررة لقدرته على البعث الآخر والجزاء وكون هذه الآيات للموقنين مبني على أن الموقنين ذووا بصائر وإدراك لما يشاهدون في الكون فكلما نظروا إلى آية في الكون ازداد إيمانهم وقوى فبلغوا اليقين فيه فأصبحوا أكثر من غيرهم في الاهتداء والانتفاع بكل ما يسمعون ويشاهدون. وقوله تعالى ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أي وفي أنفسكم٣ أيها الناس من الدلائل والبراهين المتمثلة في خلق الإنسان وأطواره التي يمر بها من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى طفل إلى شاب فكهل وفي إدراكه وسمعه وبصره ونطقه إنها آيات أخرى دالة على وجود الله وتوحيده وقدرته على البعث والجزاء وقوله ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ توبيخ لأهل الغفلة والإعراض عن التفكر والنظر إذ لو نظروا بأبصارهم متفكرين ببصائرهم لاهتدوا إلى الإيمان والتوحيد والبعث والجزاء. وقوله تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون أي٤ يخبر تعالى عباده أن رزقهم في السماء يريد تدبير الأمر في السماء والأمطار التي هي سبب كل الثمار والحبوب وسائر الخضر والفواكه التي هي غذاء الإنسان في السماء وقوله وما توعدون من خير وشر من رحمة وعذاب الكل في السماء إذ الأمر لله وهو يحكم بالرحمة والعذاب على من يشاء وكتاب المقادير التي كتب فيه كل شيء هو في السماء. وقوله تعالى ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ

стр. 2836

إِنَّهُ لَحَقٌّ١ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ٢﴾ هذا قسم منه تعالى أقسم فيه بنفسه على أن البعث والجزاء يوم القيامة حق ثابت واجب الوقوع كائن لا محالة إذا كنا لا نشك في نطقنا إذا نطقنا أن ما نقوله ونسمعه لا يمكن أن يكون غير ما نطقنا به وسمعناه فكذلك البعث الآخر واقع لا محالة. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان ما للمتقين من نعيم مقيم في الدار الآخرة. ٢- بيان صفات المتقين من التهجد بالليل والاستغفار في آخره والإنفاق في سبيل الله. ٣- بيان أن في الأرض كما في الأنفس آيات أي دلائل وعلامات على قدرة الله على البعث والجزاء. ٤- بيان أن في السماء رزق العباد٣ فلا يطلب إلا من الله تعالى وأن ما نوعده من خير وشر أمره في السماء ومنها ينزل بأمره تعالى فليكن طلبنا الخير من الله دائما وتعوذنا من الشر بالله وحده. هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)

стр. 2837

شرح الكلمات: هل أتاك حديث: أي قد أتاك يا نبينا حديث أي كلام. ضيف إبراهيم المكرمين: أي جبريل وميكائيل وإسرافيل أكرمهم إبراهيم الخليل. وقالوا سلاما: أي نسلم عليك سلاما. قال سلام قوم منكرون: أي عليكم سلام أنتم قوم منكرون أي غير معروفين. فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين: أي عدل ومال إلى أهله فجاء بعجل سمين حنيذ. فقال ألا تأكلون: أي فأمسكوا عن الأكل فقال لهم ألا تأكلون. فأوجس منهم خيفة: أي فأضمر في نفسه خوفا منهم. بغلام عليم: أي بولد يكون ذا علم كبير غزير. فأقبلت امرأته في صرة: أي في رنة وصيحة. فصكت وجهها: أي لطمت وجهها أي ضربت بأصابعها جبينها متعجبة. وقالت عجوز عقيم: أي كبيرة السن وعقيم لم يولد لها قط. قالوا كذلك قال ربك: أي قالت الملائكة لها كالذي قلنا لك قال ربك. إنه هو الحكيم العليم: أي إنه هو الحكيم في تدبيره وتصريف شؤون عباده. العليم بما يصلح للعبد وما لا يصلح فليفوض الأمر إليه. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ١ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ ٢ هذا الحديث يشتمل على موجز قصة قد ذكرت في سورة هود والحجر والمقصود منه تقرير نبوة محمد ﷺ إن مثل هذا القصص لا يتم لأمي لا يقرأ ولا يكتب إلا من طريق الوحي كما أنه يحمل في نهايته التهديد بالوعيد لمشركي قريش المصرين على الكفر والتكذيب والإجرام الكبير إذ في نهاية القصة يسأل إبراهيم الملائكة قائلا فما خطبكم أيها المرسلون فيجيبون قائلين إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين أي لتدميرهم وإهلاكهم من أجل إجرامهم، وقريش في هذا الوقت مجرمة مستحقة للعذاب كما استحقه إخوان لوط. فقوله تعالى في خطاب رسوله هل أتاك حديث ضيف إبراهيم

стр. 2838

الخليل وهم ملائكة في صورة رجال من بينهم١ جبريل وميكائيل وإسرافيل إذ دخلوا عليه أي على إبراهيم وهو في منزله فسلموا عليه٢ فرد السلام ثم قال أنتم قوم منكرون أي لا نعرفكم بمعنى أنكم غرباء لستم من أهل هذا البلد فلذا سارع في إكرامهم فراغ إلى أهله أي عدل ومال إلى أهله فعمد إلى عجل سمين من أبقاره وكان ماله يومئذ البقر فشواه بعد ذبحه وسلخه وتنظيفه. فقربه إليهم وكأنهم أمسكوا عن تناوله فعرض عليهم الأكل عرضا بقوله ألا تأكلون فقالوا إنا لا نأكل طعاما إلا بحقه. فقال إذاً كلوه بحقه، فقالوا وما حقه؟ قال أن تذكروا اسم الله في أوله وتحمدوا الله في آخره أي تقولون بسم الله في البدء والحمد لله في الختم فالتفت جبريل إلى ميكائيل وقال له حق للرجل أن يتخذه ربه خليلا ولما لم يأكلوا أوجس منهم خيفة أي خوفا أي شعر بالخوف في نفسه منهم لعدم أكلهم لأن العادة البشرية وهي مستمرة إلى اليوم إذا أراد المرء بأخيه سوءاً لا يسلم عليه ولا يرد ﵇، ولا يأكل طعامه هذا حكم غالبي وليس عاما. قالوا لا تخف وبشروه بغلام وأعلموه أنهم مرسلون من ربه إلى قوم لوط لإهلاكهم من أجل إجرامهم وبشروه بغلام يولد له ويكبر ويولد له فالأول إسحق والثاني يعقوب كما جاء في سورة هود فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحق يعقوب وقوله ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ ٣ أخذت في رنة لما سمعت البشرى فصكت أي لطمت وجهها بأصابع يدها متعجبة وهي تقول أألد وأنا عجوز٤ وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب إذ كان عمرها تجاوز التسعين وعمر إبراهيم تجاوز المئة وكانت عقيما لا تلد قط فلذا قالت عجوز٥ عقيم كيف ألد يا للعجب؟ فأجابها الملائكة قائلين كذلك أي هكذا قال ربك فاقبلي البشرى واحمديه واشكريه. إنه تعالى هو الحكيم في تصرفاته في شؤون عباده العليم بما يصلح لهم وما لا يصلح فليفوض الأمر إليه ولا يعترض عليه.

стр. 2839

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير النبوة المحمدية. ٢- فضيلة إبراهيم أبي الأنبياء وإمام الموحدين. ٣- وجوب إكرام الضيف. ٤- الخوف الفطري عند وجود أسبابه لا يقدح في العقيدة ولا يعد شركا.

стр. 2840

الجزء السابع والعشرون قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (٣٧) شرح الكلمات: قال فما خطبكم أيها المرسلون: أي ما شأنكم أيها المرسلون. إلى قوم مجرمين: أي إلى قوم كافرين فاعلين لأكبر الجرائم وهي إتيان الفاحشة. حجارة من طين: أي مطبوخ بالنار. مسومة: أي معلمة على كل حجر اسم من يرمى به. للمسرفين: أي المبالغين في الكفر والعصيان كإتيان الذكران. غير بيت من المسلمين: وهو بيت لوط وابنتيه ومن معهم من المؤمنين. وتركنا فيها آية: أي بعد إهلاكهم: تركنا فيها علامة على إهلاكهم وهي ماء أسود منتن. للذين يخافون العذاب الأليم: أي عذاب الآخرة فلا يفعلون فعلهم الشنيع. معنى الآيات: ما زال السياق في قصة إبراهيم مع ضيفه من الملائكة إنه لاحظ بعد أن عرف أنهم سادات الملائكة أن مهمتهم لم تكن مقصورة على بشارته فقط بل هي أعظم فلذا سألهم قائلا: فما١ خطبكم أيها المرسلون؟ فأجابوه قائلين: إنا أرسلنا أي أرسلنا ربنا إلى قوم مجرمين٢ أي
следующие страницы →