← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

وما تهوى الأنفس: أي وما يتبعون إلا ما تهواه نفوسهم وما تميل إليه شهواتهم. أم للإنسان ما تمنى: أي بل أللإنسان ما تمنى والجواب لا ليس له كل ما يتمنى. فلله الآخرة والأولى: أي إن الآخرة والأولى كلاهما لله يهب منهما ما يشاء لمن يشاء. وكم من ملك في السماوات: أي وكثير من الملائكة في السماوات. لا تغني شفاعتهم شيئاً: أي لو أرادوا أن يشفعوا لأحد حتى يكون الله قد أذن لهم ورضي للمسموح له بالشفاعة. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى مظاهر قدرته وعظمته وعلمه وحكمته في الملكوت الأعلى جبريل وسدرة المنتهى وما غشاها من نور الله وما أرى رسوله من الآيات الكبرى، خاطب المشركين بقوله ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ١ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ أي أعميتم فرأيتم هذه الأصنام أهلاً لأن تسوى بمن له ملكوت السموات والأرض وعبدتموها معه على حقارتها ودناءتها، وأزددتم عمىً فاشتققتم لها من أسماء الله تعالى أسماء فمن العزيز اشتققتم العزى ومن الله اشتققتم اللات، وجعلتموها بنات لله افتراء على الله بزعمكم أنها تشفع لكم عند الله. أخبروني ألكم الذكر٢ لأنكم تحبون الذكران وترضون بهم لأنفسكم، وله الأنثى لأنكم تكرهونها ولا ترضون بها لأنفسكم، إذا كان الأمر على ما رأيتم فإنها قسمة ضيزى٣ أي جائزة غير عادلة وناقصة غير تامة فكيف ترضونها لمن عبدتم الأصنام من أجل التوسل بها إليه ليقضي حوائجكم؟ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم. إن أصنامكم أيها المشركون لا تعدو كونها أسماء لآلهة لا وجود لها ولا حقيقة في عالم الواقع إذ لا إله إلا الله، أما اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فلم تكن آلهة تحيي وتميت وتعطي وتمنع وتضر وتنفع. إن هي أي ما هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من

стр. 2872

سلطان أي لم ينزل بها وحياً يأذن بعبادتها. وهنا التفت الجبار ﷻ في الخطاب عنهم وقال ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ أي إن هؤلاء المشركين ما يتبعون في عبادة هذه الأصنام إلا الظن، فلا يقين لهم في صحة عبادتها. كما يتبعون في عبادتها ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ أي هوى أنفسهم ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ فبين لهم الصراط السوي فأعرضوا عنه وهو الحق من ربهم. وتعلقوا بالأماني الكاذبة وأن أصنامهم تشفع لهم، أم للإنسان ما تمنى١ والجواب ليس له تمنى، إذ لله الآخرة والأولى يعطي منها ما يشاء ويمنع ما يشاء وكم من٢ ملك في السموات لا يعدون كثرة لا تغني شفاعتهم شيئاً من الإغناء ولو قل إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء أن يشفع من الملائكة وغيرهم، ويرضى عن المشفوع له، وإلا فلا شافع ولا شفاعة تنفع عند الله الملك الحق المبين. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- التنديد بالشرك والمشركين وتسفيه أحلامهم لعبادتهم أسماء لا مسميات لها في الخارج إذ تسمية حجراً إلهاً لن تجعله إلهاً. ٢- بيان أن المشركين في كل زمان ومكان ما يتبعون في عبادة غير الله إلا أهواءهم. ٣- بيان أن الإنسان لا يعطى بأمانيه، ولكن بعمله وصدقه وجده فيه. ٤- بيان أن الدنيا كالآخرة لله فلا ينبغي أن يطلب شيء منها إلا من الله مالكها. ٥- كل شفاعة ترجى فهي لا تحقق شيئاً إلا بتوفر شرطين الأول أن يأذن الله للشافع في الشفاعة والثاني أن يكون الله قد رضي للمشفوع له بالشفاعة والخلاصة هي: الإذن للشافع والرضا عن المشفوع. إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)

стр. 2873

شرح الكلمات: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة: أي إن الذين لا يؤمنون بالبعث والحياة الآخرة. ليسمون الملائكة تسمية الأنثى: أي ليطلقون على الملائكة أسماء الإناث إذ قالوا بنات الله. وما لهم به من علم: أي وليس لهم بذلك علم من كتاب ولا هدى من نبي ولا عقل سوي. إن يتبعون إلا الظن١: أي في تسميتهم الملائكة إناثاً إلا مجرد الظن، والظن لا تقوم به حجة ولا يعطى به حق. فأعرض عمن تولى عن ذكرنا: أي القرآن وعبادتنا. ولم يرد إلا الحياة الدنيا: ولم يرد من قوله ولا عمله إلا ما يحقق رغائبه من الدنيا. ذلك مبلغهم من العلم: أي ذلك الطلب للدنيا نهاية علمهم إذ آثروا الدنيا على الآخرة. معنى الآيات: لما ندد تعالى بالمشركين الذين جعلوا من الأصنام والأوهام والأماني آلهة وجادلوا دونها وجالدوا ذكر ما هو علة ذلك التخبط والضلال فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ دار السعادة الحقة أو الشقاء ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ فلو آمنوا بالآخرة لما سموا الملائكة بنات الله لأن المؤمن بالآخرة يحاسب نفسه على كل قول وعمل له تبعة يخشى أن يؤخذ بها بخلاف الذي لا يؤمن بالآخرة فإنه يقول ويفعل ما يشاء لعدم شعوره بالمسؤولية والتبعة التي قد يؤخذ بها فيهلك ويخشى كل شيء وهو تعليل سليم حكيم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ ٢عِلْمٍ﴾ أي ليس لهم في ادعائهم أن الملائكة بنات الله أي علم يعتد به إن يتبعون فيه إلا الظن والظن أكذب الحديث، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً وبناء على هذا أمر تعالى رسوله أن يعرض عمن تولى منهم عن الحق بعد معرفته وعن الهدى بعد مشاهدته فقال تعالى ﴿فَأَعْرِضْ٣ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي القرآن والإيمان والتوحيد والطاعة، ولم يرد بقوله وعمله واعتقاده إلا الحياة الدنيا إذ هو لا يؤمن بالآخرة فلذا هو قد كيف حياته بحسب

стр. 2874

الدنيا فكل تفكيره في الدنيا، وكل عمله لها فيصبح بذلك أشبه بالآلة منه بالحيوان. وتصبح الحياة معه عميقة الفائدة فلذا يجب الإعراض عنه وتركه إلى أن يأذن الله فيه بشيء. وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ١ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي هذا الطلب للدنيا هو ما انتهى إليه علمهم فلذا هم آثروها عن الآخرة التي لم يعلموا عنها شيئاً. وقوله تعالى في خطاب رسوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ٢ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ أي إن ربك أيها الرسول هو أعلم منك ومن غيرك بمن ضل عن سبيله قدراً وأزلاً فضل في الحياة الدنيا أيضاً، وهو أعلم بمن اهتدى، قضاء وقدراً وواقعاً في الحياة الدنيا وسيجزى كلاً بما عمل من خير أو شر فلا تأس يا رسولنا ولا تحزن وفوض الأمر إلينا فإنا عالمون ومجازون كل عامل بما عمل في دار الجزاء. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- أكثر الأمراض مردها إلى قلب لا يؤمن بالآخرة. ٢- أكثر الفساد في الأرض هو نتيجة الجهل وعدم العلم اليقيني. ٣- التحذير من الماديين فإنهم شر وخطر وواجب الإعراض عنهم لأنهم شر الخليقة. وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)

стр. 2875

شرح الكلمات: ولله ما في السموات وما في الأرض: أي خلقاً وملكاً وتصرفاً. ليجزي الذين أساءوا بما عملوا: ليعاقب الذي أساءوا بما عملوا من الشرك والمعاصي. ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى: ويثيب الذين أحسنوا في إيمانهم وعملهم الصالح بالجنة. الذين يجتنبون كبائر الإثم: أي يتجنبون كبائر الذنوب وهو كل ذنب وضع له حد أو لعن فاعله أو توعد عليه بالعذاب في الآخرة. والفواحش الا اللمم: أي الذنوب القبيحة كالزنا واللواط وقذف المحصنات والبخل واللمم صغائر الذنوب التي تكفر باجتناب كبائرها. هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض: أي خلق أباكم آدم من تراب الأرض. وإذا أنتم أجنة في بطون أمهاتكم: أي وأنتم في أرحام أمهاتكم لم تولدوا بعد. فلا تزكوا أنفسكم: أي فلا تمدحوها على سبيل الفخر والإعجاب. هو أعلم بمن اتقى: أي منكم بمن اتقى منكم وبمن فجر فلا حاجة إلى ذكر ذلك منكم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير ربوبيته تعالى المطلقة لكل شيء إذ تقدم في السياق قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ وهنا قال عز من قائل ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خلقاً وملكاً وتصرفاً وتدبيراً فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء هداية تابعة لحكمة وإضلال كذلك يدل عليه قوله تعالى ﴿لِيَجْزِيَ١ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ أي إلى أنفسهم بما عملوا من الشرك والمعاصي يجزيهم بالسوء وهي جهنم ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ إلى أنفسهم فزكوها وطهروها بالإيمان والعمل الصالح يجزيهم بالحسنى٢ التي هي الجنة وقوله ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ٣ وَالْفَوَاحِشَ﴾ بين فيه وجه إحسان المحسنين إلى أنفسهم حين طهروها بالإيمان وصالح الأعمال ولم يلوثوها بأوضار كبائر الإثم من كل ما توعد فاعله بالنار أو بلعن أو إقامة حدٍ، أو غضب الرب.

стр. 2876

والفواحش من زنا ولواط وبخل وقوله ﴿إِلَّا اللَّمَمَ١ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي لكن اللمم يتجاوز عنه وهو ما ألم به المرء وتاب منه أو فعله في الجاهلية ثم أسلم، وما كان من صغائر الذنوب كالنظرة والكلمة والتمرة. وقد فسر بقول الرسول ﷺ إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدركه ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان المنطق والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه. فمغفرة الله واسعة تشمل كل ذنب تاب منه فاعله كما تشمل كل ذنب من الصغائر. وقوله تعالى ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أعلم بضعفنا وغرائزنا وحاجاتنا وعجزنا منا نحن بأنفسنا ولذا تجاوز لنا عن اللمم الذي نلم به بحكم العجز والضعف، فله الحمد والمنة. وقوله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ٢﴾ ينهى الرب تعالى عباده المؤمنين عن تزكية المرء نفسه بإدعاء الكمال والطهر الأمر الذي يكون فخراً وإعجاباً والإعجاب بالنفس محبط للعمل كالرياء والشرك فقوله ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا تشهدوا عليها بأنها زكية بريئة من الذنوب والمعاصي وقوله ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ أي أن الله أعلم بمن اتقى منكم ربه فخاف عقابه فأدى الفرائض واجتنب المحرمات منا ومن المتقى نفسه فلذا لا تمدحوا أنفسكم له فإنه أعلم بكم من أنفسكم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير ربوبية الله تعالى لكل شيء وهي مستلزمة لإلوهيته. ٢- تقرير حرية إرادة الله يهدي من يشاء ويضل ويعذب من شاء ويرحم إلا أن ذلك تابع لحكم عالية. ٣- تقرير قاعدة الجزاء من جنس العمل. ٤- تقرير قاعدة أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر. ٥- حرمة تزكية النفس وهي مدحها والشهادة عليها بالخير والفضل والكمال والتفوق.

стр. 2877

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) شرح الكلمات: أفرأيت الذي تولى: أي عن الإسلام بعد ما قارب أن يدخل فيه. أعطى قليلاً وأكدى: أي أعطى من زعم أنه يحتمل عنه عذاب الآخرة أعطاه ما وعده من المال ثم منع. أعنده علم الغيب فهوى يرى: أي يعلم أن غيره يتحمل عنه العذاب والجواب لا. أم لم ينبأ بما في صحف موسى وابراهيم الذي وفى: أي أم بل لم يخبر بما ورد في الصحف المذكورة وهي التوراة وعشر صحف كانت لإبراهيم ﵇. ألا تزر وازرة وزر أخرى: أي أنه لا تحمل نفس مذنبة ذنب غيرها. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى: أي من خير وشر، وليس له ولا عليه من سعي غيره شيء. وأن سعيه سوف يرى: أي يبصر يوم القيامة ويراه بنفسه.

стр. 2878

ثم يجزاه الجزاء الأوفى: أي الأكمل التام الذي لا نقص فيه. إن إلى ربك المنتهى: أي المرجع والمصير إليه ينتهي أمر عباده بعد الموت ويجازيهم. وأنه أضحك وأبكى: أي أفرح من شاء فأضحكه، وأحزن من شاء فأبكاه. وإنه أمات وأحيا: أمات في الدنيا وأحيا في الآخرة. وإنه خلق الزوجين: أي الصنفين الذكر والأنثى. من نطفة إذا تمنى: أي من منى إذا تمنى تصب في الرحم. وأن عليه النشأة الأخرى: أي الخلقة الثانية للبعث والجزاء. وأنه هو أغنى واقنى: أي وأنه هو وحده أغنى بعض الناس بالكفاية، واقنى بعض الناس بالمال المقتنى المدخر للقنية. وأنه هو رب الشعرى: أي خالقها ومالكها وهي كوكب خلف الجوزاء عبده المشركون. وأهلك عادا الأولى: أي قوم هود ﵇. وثمودا فما أبقى: أي أهلكها أيضا فلم يبق أحداً وهم قوم صالح. وقوم نوح من قبل: أي وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود وقوم لوط. والمؤتفكة أهوى: أي وقرى قوم لوط أسقطها بعد رفعها إلى السماء مقلوبة إلى الأرض إذ الائتفاك الانقلاب. فغشاها ما غشى: أي بالعذاب ما غشى حيث جعل عاليها سافلها وأمطر عليها حجارة من سجيل. معنى الآيات: إن هذه الآيات ترسم صورة لقرشي جاهل هو الوليد بن المغيرة إذ قدر له أن استمع إلى قراءة رسول الله ﷺ فهش لها ودعاه الرسول فأسلم أو أوشك أن يسلم فعلم به أحد المشركين من شياطينهم فجاءه فعيره بإسلامه وترك دين آبائه فاعتذر له الوليد بأنه يخاف عذاب الله فقال له الشيطان القرشي وكان فقيراً والوليد غنياً أعطني كذا من المال شهرياً أو أسبوعياً أو سنوياً وأنا أتحمل عنك العذاب الذي تخافه وعد إلى دينك واثبت عليه فوافق الوليد على العرض وأخذ

стр. 2879

يعطيه المال. ثم أكدى١ أي قطع عنه ما كان يعطيه ومنعه. فأنزل الله تعالى فيه هذه الآيات تسلية لرسول الله ﷺ وتعليماً وتحذيراً لكل من تبلغه ويقرأها أو تقرأ عليه فقال تعالى في أسلوب حمل فيه السامع على التعجب: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ أي عن الإسلام بعد أن قارب الوصول إليه والدخول فيه، ﴿وَأَعْطَى قَلِيلاً﴾ أي من المال للشيطان المشرك الذي اتفق معه على أن يتحمل عليه العذاب مقابل مال يعطيه إياه أقساطاً، ﴿وَأَكْدَى﴾ أي قطع ومنع لأن الذي يحفر بئراً في أرض أحياناً تصادفه كدية من الأرض الصلبة يعجز عن الحفر فينقطع عن الحفر ويمتنع كذلك الوليد أعطى ثم امتنع وهو معنى اكدى أي انتهى إلى كدية من الأرض الصلبة. وقوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى٢﴾ أي أن المرء في إمكانه أن يتحمل عذاب غيره يوم القيامة والجواب لا علم غيب عنده لا من كتاب ولا من سنة، أم لم ينبأ بما في صحف موسى وهي التوراة وإبراهيم الذي وفى لربه في كل ما عهد به إليه من ذبح ولده حيث تله للجبين ليذبحه، ومن بناء البيت والهجرة والختان بالقدوم إلى غير ذلك من التكاليف الشاقة. أي ألم ينبأ أي يخبر هذا الرجل الجاهل بما في صحف موسى بن عمران نبي بني إسرائيل وإبراهيم أبو الأنبياء ثم بين تعالى ما تضمنته تلك الصحف من علم فقال: * ألا تزر٣ وازرة وزر أخرى أن لا تحمل نفس مذنبة ذنب نفس أخرى. * وأن ليس٤ للإنسان من ثواب يوم القيامة إلا ما سعى في تحصيله بنفسه وهذا لا يتعارض مع قول الرسول ﷺ في الصحيح إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية أو علم ينتفع به إذ هذه الثلاثة أمور من عمل الإنسان وسعيه الولد انجبه ورباه والصدقة الجارية أوقفها بنفسه والعلم تعلمه وبثه في الناس وعلمه فالجميع من سعيه وكسبه. وأن سعيه أي عمله في الدنيا من خير وشر سوف يرى علانية ويجزى به خيراً كان أو شراً والجزاء الأوفى أي الأكمل الأتم.

стр. 2880

* وأن إلى ربك المنتهى أي إليه تصير أمور عباده بعد الموت ويحكم فيها ويجزيهم بها. * وأنه هو أضحك١ وأبكى أي أفرح من شاء وأحزن فضحك الفرح وبكى الحزن. أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار. زيادة على من أفرح في الدنيا ومن أحزن. * وأنه أمات وأحيا أمات عند نهاية أجل العبد وأحياه في قبره ويوم نشره وحشره وأحيا بالإيمان وأمات بالكفر وأمات بالقحط وأحيا بالمطر. * وأنه خلق الزوجين أي الصنفين الذكر والأنثى من سائر الحيوانات من نطفة أي قطرة المني إذا تمنى٢ أي تصب في الأرحام. * وأن عليه تعالى النشأة الأخرى أي هو الذي يقوم بها فيحيي الخلائق بعد موتهم يوم القيامة. * وأنه هو أغنى وأقنى أي أغنى بعض الناس فسد حاجتهم وكفاهم مؤونتهم، وأقنى آخرين أعطاهم مالاً كثيراً فاقتنوه قنيةً. * وأنه هو رب الشعرى٣ ذلك الكوكب الذي يطلع خلف الجوزاء فالله خالقه ومالكه ومسخره وقد عبده الجاهلون واتخذوه رباً وإلهاً وهو مربوب مألوه. * ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ٤ عَاداً الْأُولَى﴾ قوم هود أرسل عليهم ريحاً صرصراً ما أتت على شيء إلا جعلته كالرميم، عاد تلك الأمة القائلة من أشد منا قوة دمر الله عليهم فأهلكهم أجمعين. * وثمودا٥ فما أبقى أي وأهلك ثمود قوم صالح بالحجر فما أبقى منهم أحداً. * وقوم نوح من قبل عاد وثمود أهلكهم إنهم كانوا هم أظلم من غيرهم وأطغى. * والمؤتفكة أي٦ قرى قوم لوط سدوم وعمورة أهلكهم فرفع تلك القرى إلى عنان السماء ثم أهوى بها إلى الأرض وأرسل عليهم حجارة من طين من سجيل فغشى تلك المدن من العذاب الأليم ما غشى٧ عذاب يعجز الوصف عنه هذا هو الله رب العالمين الذي اتخذ الجهال له أنداداً فعبدوها معه.

стр. 2881

هذا هو الله الإله الحق الذي اتخذ الناس من دونه آلهة لا تعلم ولا تحكم ولا تقدر. هذا هو الله العزيز المنتقم لأوليائه من أعدائه يشقي عبداً عاداه ويسعد آخر والاه. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير ربوبية الله تعالى وإثبات ألوهيته بالبراهين والحجج التي لا ترد بحال. ٢- تقرير عدالة الله تعالى في حكمه وقضائه. ٣- مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته. ٤- تقرير حقيقة علمية وهي أن العمل الذي يزكي النفس أو يدنسها هو ذاك الذي يباشره المرء بنفسه وباختياره وقصده ونيته. ٥- تحذير الظلمة والطغاة من أهل الكفر والشرك من أن يصيبهم ما أصاب غيرهم من الدمار والخسران. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢) شرح الكلمات: فبأي آلاء ربك: أي فبأي أنعم ربك عليك وعلى غيرك أيها الإنسان. تتمارى: أي تتشكك أو تكذب. هذا نذير من النذر الأولى: أي هذا النبي محمد ﷺ من النذر الأولى أي رسول مثل الرسل الأولى الذين أرسلوا إلى أقوامهم. أزفت الآزفة: أي قربت القيامة ووصفت بالقرب لقربها فعلاً. ليس لها من دون كاشفة: أي ليس لها أي للقيامة من دون الله نفس كاشفة لها مظهرة لوقتها، إذ لا يجليها لوقتها إلا الله . أفمن هذا الحديث: أي القرآن.

стр. 2882

تعجبون وتضحكون: أي تعجبون تكذيباً به، وتضحكون سخرية منه كذلك. وأنتم سامدون: أي لاهون مشتغلون بالباطل من القول كالغناء والعمل كعبادة الأصنام والأوثان. فاسجدوا لله: أي الذي خلقكم ورزقكم وكلأكم ولا تسجدوا للأصنام. واعبدوا: أي وذلوا لله وخضعوا له تعظيماً ومحبة ورهبة فإنه إلهكم الحق الذي لا إله لكم غيره. معنى الآيات: بعد ذلك العرض العظيم لمظاهر القدرة والعلم والحكمة وكلها مقتضية للربوبية والألوهيتة لله خاطب الله تعالى الإنسان فقال ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ١ رَبِّكَ﴾ أي بعد الذي عرضنا عليك في هذه السورة من مظاهر النعم والنقم وكلها في الباطن نعم فبأي آلاء ربك٢ تتمارى أي تتشكك أو تكذب، وكلها ثابتة أمامك لا تقدر على إنكارها وإخفائها بحال من الأحوال. ثم قال تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ ٣مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ يشير إلى أحد أمرين إما إلى ما في هذه السورة والقرآن كله من نذر أو إلى النبي محمد ﷺ وكلا الأمرين حق القرآن نذير ومحمد نذير من النذر الأولى التي سبقته وهم الرسل، أو ما خوفت به الرسل أقوامها من عذاب الله تعالى العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة. ألا فاحذروا أيها الناس عاقبة إعراضكم. وقوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ يخبر تعالى أن القيامة قد آن أوانها وحضرت ساعتها إنها لقريبة جداً. ليس لها من دون الله نفس كاشفة تكشف الستار عنها وتظهرها بل تبقى مستورة لحكمة إلهية قد تفاجأ بها البشرية وويل يومئذ للمكذبين. وقوله تعالى توبيخا للمشركين والمكذبين: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾ أي غفلتم كل هذه الغفلة فتعجبون من هذا الحديث الإلهي والكلام الرباني وهو القرآن. ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ كأن قلوبكم أصابها الموات، ولا تبكون على أنفسكم وقد بعتموها للشيطان ليقدمها إلى نار جهنم حطباً،

стр. 2883

وأنتم سامدون١ ساهون لاهون تغنون وتلعبون. ويلكم أنقذوا أنفسكم فاسجدوا لله واعبدوا٢، فإنه لا نجاة لكم من العذاب الأليم إلا بالاطراح بين يديه إسلاماً له وخضوعاً. تعبدونه بتوحيده في عبادته، وتسلمون له قلوبكم ووجوهكم فلا يكون لكم غير الله مألوها ومعبوداً تعظمونه وتحبونه وتتقربون إليه بفعل محابه وترك مكاره. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان قرب الساعة وخفاء ساعتها عن كل خلق الله حتى تأتي بغتة. ٢- ذم الضحك مع الانغماس في الشهوات. ٣- الترغيب في البكاء من خشية الله. ٤- كراهية الغناء واللهو واللعب. ٥- مشروعية السجود عند تلاوة هذه الآية لمن يتلوها ولمن يستمع لها، وهي من عزائم السجدات في القرآن الكريم، ومن خصائص هذه السجدة أن المشركين سجدوها مع رسول الله ﷺ حول الكعبة كما في الصحيح.

стр. 2884

سورة القمر مكية وآياتها خمس وخمسون آية بسم الله ارحمن الرحيم اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ

стр. 2885

(٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) شرح الكلمات: اقتربت الساعة وانشق القمر: أي قربت الساعة، وانفلق القمر فلقتين على جبل أبي قبيس. وإن يروا آية يعرضوا: أي وإن ير كفار قريش آية أي معجزة يعرضوا عنها ولا يلتفتوا إليها. ويقولوا سحر مستمر: أي هذا سحر مستمر أي قوي من المرة أو دائم غير منقطع. وكل أمر مستقر: أي وكل من الخير أو الشر مستقر بأهله في الجنة أو في النار. ولقد جاءهم من الأنباء: أي من أنباء الأمم السالفة مما قصه القرآن. ما فيه مزدجر: أي جاءهم من الأخبار ما فيه ما يزجرهم عن التكذيب والكفر. حكمة بالغة: أي الذي جاءهم من الأنباء هو حكمة بالغة أي تامة. فما تغن النذر: أي عن قوم كذبوا واتبعوا أهواءهم لا تغن شيئاً. فتول عنهم: أي لذلك فأعرض عنهم. يوم يدعو الداع إلى شيء نكر: أي يدع الداع إلى موقف القيامة. يخرجون من الأجداث: أي من القبور. مهطعين إلى الداع: أي مسرعين إلى نداء الداع. هذا يوم عسر: أي صعب شديد.

стр. 2886

قوله تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ ١السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ يخبر تعالى أن ساعة نهاية الدنيا وفنائها وقيام القيامة قد اقتربت، وأن القمر قد انشق معجزة للنبي ﷺ وبعثة النبي ﷺ علامة من علامات الساعة، وانشقاق القمر كان بمكة حيث طالبت قريش النبي ﷺ بمعجزة تدل على نبوته فسأل الله تعالى انشقاق القمر فانشق فلقتين على جبل أبي قبيس فلقة فوق الجبل وفلقة وراءه فشاهدته قريش ولم تؤمن وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ٢ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي هذا سحر قوي شديد. قال تعالى ﴿وَكَذَّبُوا﴾ أي رسولنا وما جاء به من التوحيد والوحي واتبعوا في هذا التكذيب أهواءهم لا عقولهم ولا ما جاء به رسولهم. وقوله تعالى ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ٣ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي وكل أمر من خير أو شر مستقر بصاحبه إما في الجنة أو النار. وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ أي من أخبار الأمم السابقة وكيف أهلكها الله بتكذيبها رسلها وإصرارها على الشرك والكفر، وذلك في القرآن الكريم ما فيه مزدجر٤ أي جاء من الأخبار الواعظة المذكرة من قصص الأنبياء مع أممهم ما فيه زاجر عن التكذيب والمعاصي هو٥ حكمة بالغة تامة، والحكمة القول الذي يمنع صاحبه من التردي والهلاك بصرفه عن أسباب ذلك. وقوله تعالى ﴿فَمَا تُغْنِ٦ النُّذُرُ﴾ أي عن قوم كذبوا بالحق لما جاءهم واتبعوا أهواءهم ولم يتبعوا هدى ربهم ولا عقولهم. إذاً فتول عنهم يا رسولنا واتركهم إلى حكم الله فيهم. وقوله: ﴿َيوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ٧ نُكُرٍ﴾ أي اذكر يا رسولنا يوم يدعو الداع إلى شيء نكر وهو موقف القيامة خشعاً أبصارهم وكل أجسامهم وإنما ذكرت الأبصار لأنها أدل على الخشوع من سائر الأعضاء ﴿يخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ أي القبور جمع جدث وهو القبر كأنهم جراد منتشر في كثرتهم وتفرقهم وانتشارهم مهطعين إلى الداع أي مسرعين إلى داع الله إلى ساحة الموقف وفصل

стр. 2887

القضاء. يومئذ يقول الكافرون هذا يوم عسر وهو كذلك عسير شديد العسر ولكن على المؤمنين يسير غير عسير. كما قال تعالى فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير مفهومه أنه على المؤمنين يسير. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٢- ذكر بعض علامات الساعة. كبعثة النبي ﷺ وانشقاق القمر معجزة له ﷺ . ٣- التنديد باتباع الهوى، والتحذير منه فإنه مهلك. ٤- عدم جدوى النذر لمن يتنكر لعقلة ويتبع هواه. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) شرح الكلمات: فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون: أي كذبوا نوحا عبد الله ورسوله وقالوا هو مجنون. وازدجر: أي انتهزوه وزجروه بالسب والشتم. فدعا ربه إني مغلوب فانتصر: أي فسأل ربه قائلاً رب إني مغلوب فانتصر أي لي. بماء منهمر: أي منصب انصبابا شديدا. وفجرنا الأرض عيوناً: أي تنبع نبعاً.

стр. 2888

فالتقى الماء: أي ماء السماء وماء الأرض. على أمر قد قدر: أي في الأزل ليغرقوا به فيهلكوا. وحملناه على ذات ألواح ودسر: أي حملنا نوحاً على سفينة ذات ألواح ودسر وهو ما يدسر به الألواح من مسامير وغيرها. واحد الدسر دسار ككتاب. تجري بأعيننا: أي بمرأىً منا أي محفوظة بحفظنا لها. جزاء لمن كان كفر: أي أغرقناهم انتصاراً لمن كان كفر وهو نوح كفروا نبوته وكماله. ولقد تركناها: أي إغراقنا لهم على الصورة التي تمت عليها. آية: أي لمن يعتبر بها حيث شاع خبرها واستمر إلى اليوم. فهل من مدكر: أي معتبر ومتعظ بها. فكيف كان عذابي ونذر: أي ألم يكن واقعاً موقعه. ولقد يسرنا القرآن للذكر: أي سهلناه للحفظ، وهيأناه للتذكير. فهل من مدكر: أي فهل من متعظ به حافظ له نتذكر. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ يخبر تعالى مسليا رسوله مخوفاً قومه فيقول ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أي قبل قريش قوم نوح وهو أول رسول أرسل إلى قوم مشركين فكذبوا عبدنا١ رسولنا نوحاً كذبوه في دعوة التوحيد كذبوه في دعوة الرسالة، ولم يكتفوا بتكذيبه فقالوا مجنون٢ أي هو مجنون ﴿وَازْدُجِرَ﴾ أي أنتهروه وزجروه ببذيء القول وسيء الفعل فدعا أي نوح ربه قائلا ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ لي يا ربي، فاستجاب الله تعالى له ففتح أبواب السماء بماء منهمر٣ أي منصب انصباباً شديداً، وفجرنا الأرض عيوناً نابعة من الأرض فالتقى٤ الماء النازل من السماء والنابع من الأرض ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي قدره الله في الأزل وقضى بأن يهلكهم بماء الطوفان وقوله تعالى ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ والدسر جمع واحدة دسار ككتاب وكتب وهو ما تدسر به الألواح من مسامير وغيرها وقوله تعالى ﴿تَجْرِي﴾ وهي حاملة لعوالم شتى ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بمرأى منا محفوظة بحفظنا لها وقوله ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ أي أغرقناهم انتصاراً لعبدنا نوح وجزاء له على صبره مع

стр. 2889

طول الزمن لقد أقام فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً. وقوله ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ أي تلك الفعلة التي فعلنا بهم وهي إغراقنا لهم تركناها آية للاعتبار لمن يعتبر بها حيث شاع خبرها واستمر إلى اليوم. وقوله تعالى ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ١﴾ أي معتبر ومتعظ بها. وقوله ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ٢﴾ ألم يكن واقعاً موقعه؟ بلى. وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أي سهلناه للحفظ وهيأناه للتذكر. فهل من مدكر؛ أي فهل من متعظ به حافظ له والاستفهام للأمر أي فاتعظوا به واحفظوه. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تسلية الرسول ﷺ . ٢- تحذير قريش من الاستمرار في الكفر والمعاندة. ٣- تقرير حادثة الطوفان والتي لا ينكرها إلا سفيه لم يحترم عقله. ٤- فضل الله على هذه الأمة بتسهيل القرآن للحفظ والتذكر. (١٧) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) شرح الكلمات: كذبت عاد: أي نبيها هوداً ﵇ فلم تؤمن به ولا بما جاء به. فكيف كان عذابي ونذر٣: أي فكيف كان عذابي الذي أنزلته بهم وإنذاري لهم كان أشد ما يكون. إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصراً: أي ريحا عاتية ذات صوت شديد.

стр. 2890

في يوم نحس مستمر: أي في يوم نحسٍ أي شؤم مستمر دائم الشؤم قوية حتى هلكوا. تنزع الناس كأنهم أعجاز١: أي تقتلعهم من الحفر التي اندسوا فيها وتصرعهم فتدق رقابهم. نخل منقعر: منفصلة أجسامهم كأنهم والحال كذلك أعجاز أي أصول نخل منقلع. ولقد يسرنا القرآن للذكر: أي سهلنا القرآن للحفظ والتذكير والتذكر به. فهل من مدكر: أي تذكروا يا عباد الله بالقرآن فإن منزله سهله للتذكير. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ هذا القصص الثاني في هذه السورة يذكر بإيجاز تسلية لرسول الله ﷺ وتهديداً لقومه المكذبين وذكرى للمؤمنين فقال تعالى كذبت عاد أي قوم هود كذبوا رسول الله هودا ﵇ وكفروا بما جاءهم به من التوحيد والشرع وقالوا ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين فأرسل تعالى عليهم ريحاً صرصراً ذات صوت شديد في يوم نحس٢ وكان مساء الأربعاء لثمان خلون من شهر شوال مستمر بشدة وقوة وشؤم عليهم مدة سبع ليال وثمانية أيام تنزع تلك الريح الناس وقد دخلوا حفراً تحصنوا بها فتنزعهم منها نزعاً وتخرجهم فتصرعهم فتدق رقابهم فتنفصل عن أجسادهم فيصيرون والحال هذه لطول أجسامهم كأنهم أعجاز نخل منقعر٣ أي منقلع ساقط على الأرض. وقوله تعالى ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ؟﴾ هذا الاستفهام للتهويل أي إنه كان كأشد ما يكون لعذاب والإنذار. وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أي سهلناه وهيأناه بفضل منا ورحمة للحفظ ولولا هذا التسهيل ما حفظه أحد، وهيئناه للتذكر به. فهل من مدكر أي من متذكر والاستفهام للأمر كأنما قال: فاحفظوه وتذكروا به.

стр. 2891

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١-بيان عقوبة المكذبين لرسل الله وما نزل بهم من العذاب في الدنيا قبل اللآخرة. ٢-بيان أن قوة الإنسان مهما كانت أمام قوة الله تعالى هي لا شيء ولا ترد عذاب الله بحال. ٣-بيان تسهيل الله تعالى كتابه للناس ليحفظوه ويذكروا به, ويعملوا بما جاء فيه ليكملوا ويسعدوا في الحياتين. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) شرح الكلمات: كذبت ثمود بالنذر: أي كذبت قبيلة ثمود وهم قوم صالح بالحجر من الحجاز بالرسل لأن النذر جمع نذير وهو الرسول كما هو هنا. فقالوا أبشر منا واحداً نتبعه: أي كيف نتبع بشراً واحداً منا إنكاراً منهم للإيمان بصالح ﵇. إناإذاً لفي ضلال وسعر: أي إنا إذا اتبعناه فيما جاء به لفي ذهاب عن الصواب وجنون. أألقى عليه الذكر من بيننا: أي لم يوح إليه من بيننا أبداً وإنما هو كذاب أشر.

стр. 2892

بل هو كذاب أشر: أي فيما ادعى أنه ألقى إليه من الوحي أشر بمعنى متكبر. ستعلمون غدا: أي في الآخرة. من الكذاب الأشر: وهو هم المعذبون يوم القيامة بكفرهم وتكذيبهم. إنا مرسلو الناقة فتنة لهم: أي إنا مخرجو الناقة من الصخر ومرسلوها لهم محنة. فارتقب واصطبر: أي انتظر وراقب ماذا يصنعون وما يصنع بهم، واصبر على أذاهم. ونبئهم أن الماء قسمة بينهم: أي ماء بئرهم مقسوم بينهم وبين الناقة فيوم لها ويوم لهم. كل شرب محتضر: أي كل نصيب من الماء يحضره قومه المختصون به الناقة أو ثمود. فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر: أي فملوا ذلك الشرب وسئموا منه فنادوا صاحبهم وهو قدار بن سالف ليقتلها فتعاطى السيف وتناوله فعقر الناقة أي قتلها. إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة: هي صيحة جبريل صباح السبت فهلكوا. فكانوا كهشيم المحتظر: أي صاروا بعد هلاكهم وتمزق أجسادهم كهشيم المحتظر وهو الرجل يجعل في حظيرة غنمه العشب اليابس والعيدان الرقيقة يحظر بها لغنمه يحفظها من البرد والذئاب. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ هذا القصص الموجز الثالث وهو قصص ثمود قوم صالح فقال تعالى في بيانه ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أي التي أنذرها نبيها صالح وهي ألوان العذاب كما كذبته فيما جاء به من الرسالة فقالوا في تكذيبهم له ﵇: ﴿أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ١﴾ أي كيف يتم ذلك منا ويقع؟ عجبٌ هذا إنا إذاً لفي ضلال وسعر إنا إذا اتبعناه وهو واحد لا غير ومنا أيضا فهو كغيره من أفراد القبيلة لفي بعد عن الصواب وذهاب عن كل رشد، وسعر٢ أي وجنون أيضا،

стр. 2893

وقالوا مستنكرين متعجبين ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ أي متكبر. قال تعالى رداً عليهم سيعلمون غدا يوم ينزل بهم العذاب ويوم القيامة أيضا من الكذاب الأشر أصالح أم هم، لن يكونوا إلا هم فهم الذين أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أي كما طلبوا إذ قالوا لصالح إن كنت رسول الله حقا فسله يخرج لنا من هذه الصخرة في هذا الجبل ناقة فقام يصلي ويدعو وما زال يصلي ويدعو حتى تمخض١ الجبل وخرجت منه ناقة عشراء آية في القوة والجمال، وقال لهم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم أليم. ومعنى فتنة لهم أي امتحاناً واختباراً لهم هل يؤمنون أو يكفرون، ولذا قال تعالى لصالح فارتقبهم واصطبر٢ أي انظر إليهم وراقبهم من بعد واصطبر على أذاهم. ونبئهم أي أخبرهم بأمرنا أن الماء ماء بئرهم الذي يشربون منه قسمة بينهم٣ أي مقسوم بينهم للناقة يوم وللقبيلة يوم، وقوله كل شرب٤ محتضر أي كل نصيب خاص بصاحبه يحضره دون غيره. وما تشربه الناقة من الماء نحيله إلى لبن خالص وتقف عند كل باب من أبواب المدينة ليحلبوا من لبنها وطالت المدة وملوا اللبن والسعادة فنادوا صاحبهم غدار بن سالف عاقر الناقة فتعاطى٥ السيف وتناوله وعقرها بضرب رجليها بالسيف ثم ذبحها. وقوله تعالى ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي﴾ الذي أنزلته بهم بعد عقر الناقة كيف كان إنذاري لهم أما العذاب فقد كان أليماً وأما الإنذار فقد كان صادقاً، والويل للمكذبين. وهذا بيانه قال تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ هي صيحة جبريل ﵇ فانخلعت لها قلوبهم فأصبحوا في ديارهم جاثمين ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ ٦ أي ممزقين محطمين مبعثرين هنا وهنا كحطب وخشب وعشب الحظائر التي تجعل للأغنام.

стр. 2894

وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ يدعو الله تعالى هذه الأمة إلى كتابه قراءة وحفظاً وتذكراً فإنه مصدر كمالهم وسعادتهم لا سيما وقد سهله وهيأه لذلك. ولا يهلك على الله إلا هالك. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان سنة الله في إهلاك المكذبين. ٢- بيان أن الآيات لا تستلزم الإيمان وإلا فآية صالح من أعظم الآيات ولم تؤمن بها قوم ثمود. ٣- أشقى أمة الإسلام عقبة بن أبي معيط الذي وضع سلى الجذور على ظهر الرسول ﷺ وهو يصلي حول الكعبة، وعاقر ناقة صالح غدار بن سالف كما جاء في الحديث. ٤- دعوة الله إلى حفظ القرآن والتذكير به فإنه مصدر الإلهام والكمال والإسعاد. كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) شرح الكلمات: كذبت قوم لوط بالنذر: كذبت قوم لوط بالنذر التي أنذرهم بها وخوفهم منها لوط ﵇.

стр. 2895

إنا أرسلنا عليهم حاصبا: أي ريحاً ترميهم بالحصباء وهي الحجارة الصغيرة فهلكوا. إلا آل لوط نجيناهم بسحر: أي بنتاه وهو معهم نجاهم الله تعالى من العذاب حيث غادروا البلاد قبل نزول العذاب بها. نعمة من عندنا: أي إنعاماً منا عليهم ورحمة منا بهم. كذلك نجزي من شكر: أي مثل هذا الجزاء بالنجاة من الهلاك نجزي من شكرنا بالإيمان والطاعة. ولقد أنذرهم بطشتنا: أنذرهم لوط أي خوفهم أخذتنا إياهم بالعذاب. فتماروا بالنذر: أي فتجادلوا وكذبوا بالنذر التي أنذرهم بها وخوفهم منها. ولقد راودوه عن ضيفه١: أي أن يخلى بينهم وبين ضيفه وهم ملائكة ليخبثوا بهم. فطمسنا أعينهم: أي ضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم فكانت كباقي وجوههم. ولقد صبحهم بكرة عذابٌ: أي نزل بهم بكرة صباحاً عذاب مستقر لا يفارقهم أبداً هلكوا به في الدنيا مستقر ويصحبهم في البرزخ ويلازمهم في الآخرة. ولقد يسرنا القرآن للذكر: أي سهلناه للحفظ والتذكر به والعمل بما فيه. فهل من مدكر؟ : أي من متذكر فيعمل بما فيه فينجو من النار ويسعد في الجنة. ولقد جاء آل فرعون النذر: أي قوم فرعون الإنذارات على لسان موسى وهارون ﵉. كذبوا بآياتنا كلها: أي فلم يؤمنوا بل كذبوا بآياتنا التسع التي آتيناها موسى. فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر: أي فأخذناهم بالعذاب وهو الغرق أخذ قوي مقتدر على كل شيء لا يعجزه شيء. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر موجز لقصص عدد من الأمم السابقة تسلية لرسول لله ﷺ

стр. 2896

وتهديداً للمشركين المصرين على الشرك بالله والتكذيب لرسول الله ﷺ ، وإنذاراً لأهل الشرك والمعاصي في كل زمان ومكان فقال تعالى ﴿كَذَّبَتْ١ قَوْمُ لُوطٍ﴾ وهم أهل قرى سدوم٢ وعمورة كذبوا رسولهم لوطاً بن أخي إبراهيم ﵇ هاران. كذبوا بالنذر وهي الآيات التي أنذرهم لوط بها وخوفهم من عواقبها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً٣﴾ أي لما كذبوا بالنذر وأصروا على الكفر وإتيان الفاحشة أرسلنا عليهم حاصباً ريحاً تحمل الحصباء الحجارة الصغيرة فأهلكناهم بعد قلب البلاد بجعل عاليها سافلها. وقوله تعالى ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَر٤ٍ﴾ والمراد من آل لوط لوط ومن آمن معه من ابنتيه وغيرهما نجاهم الله تعالى بسحر وهو آخر الليل. وقوله ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي كان انجاؤهم إنعاماً منا عليهم ورحمة منا بهم. وقوله تعالى ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ أي كهذا الانجاء أي من العذاب الدنيوي نجزي من شكرنا فآمن بنا وعمل صالحاً طاعة لنا وتقربا إلينا وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ٥ بَطْشَتَنَا﴾ أي إننا لم نأخذهم بظلم منا ولا بدون سابق إنذار منا لا، لا بل أخذناهم بظلمهم، وبعد تكرر إنذارهم، فكانوا إذا أنذروا تماروا بما أنذروا فجادلوا فيه مستهزئين مكذبين، ومن أعظم ظلمهم أنهم راودوا لوطاً عن ضيفه من الملائكة وهم في صورة بشر، فلما راودوه عنهم ليفعلوا الفاحشة ضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم فأصبحت كسائر وجوههم لا حاجب ولا مقلة ولا مكان للعين بالكلية وقولنا لهم فذوقوا عذابي ونذري أي لأولئك الذين راودوا لوطاً عن ضيفه، أما باقي الأمة فهلاكهم كان كما أخبر تعالى عنه بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً﴾ أي صباحاً ﴿عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي دائم لهم ملازم لا يفارقهم ذاقوه في الدنيا موتاً وصاحبهم بزرخاً ويلازمهم في جهنم لا يفارقهم. وقلنا لهم فذوقوا عذابي ونذر حيث كنتم تمارون وتستهزئون وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا٦ الْقُرْآنَ لِلذِّكْر﴾ أي القرآن للحفظ وسهلناه للفهم والاتعاظ به والتذكر فهل من مدكر أي فهل من متذكر متعظ معتبر فيقبل على طاعة الله متجنباً معاصيه فينجو ويسعد وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ

стр. 2897

آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ١ أي قوم فرعون من القبط وجنده منهم كذلك جاءتهم النذر على لسان موسى وأخيه هارون فكذبوا وأصروا على الكفر والظلم، وكذبوا بآيات الله كلها٢ وهي تسع آيات آتاها الله تعالى موسى أولها العصا وآخرها انفلاق البحر فبسبب ذلك أخذناهم أخذ عزيز غالب لا يمانع في مراده مقتدر ولا يعجزه شيء فأغرقناهم أجمعين. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير ربوبية الله تعالى وألوهيته بالالتزام وتقرير التوحيد وإثبات النبوة لمحمد ﷺ . إذ أفعال الله العظيمة من إرسال الرسل والأخذ للظلمة الكافرين بأشد أنواع العقوبات من أجل أن الناس لم يعيدوا ولم يطيعوا دال على ربوبيته وألوهيته، وقص هذه القصص من أمي لم يقرأ ولم يكتب دال على نبوة محمد ﷺ . ٢- بيان جزاء الشاكرين لله تعالى بالإيمان به وطاعته وطاعة رسله. ٣- مشروعية الضيافة وإكرام الضيف، وفي الحديث: "من كان يؤمن٣ بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". ٤- تيسير القرآن وتسهيله للحفظ والاتعاظ والاعتبار. أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) شرح الكلمات: أكفاركم خير من أولئكم: أي أكفاركم يا قريش حير من أولئكم الكفار المذكورين من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وملائه؟ فلذا هم

стр. 2898

لا يعذبون. أم لكم براءة في الزبر: أم لكم يا كفار قريش براءة من العذاب في الزبر أي الكتب الإلهية. أم يقولون نحن جميع منتصر: أم يقولون أي كفار قريش نحن جميع١ أي جمع منتصر على محمد وأصحابه. سيهزم الجمع ويولون الدبر: أي سيهزم جمعهم ويولون الدبر هاربين منهزمين وكذلك كان في بدر. بل الساعة موعدهم: أي الساعة موعدهم بالعذاب والمراد من الساعة يوم القيامة. والساعة أدهى وأمر: أي وعذاب الساعة وأهوالها أي هي أعظم بلية وأمر أي أشد مرارة من عذاب الدنيا قطعاً. معنى الآيات: يقول تعالى مبكتا مشركي قريش مؤنباً إياهم وهم الذين إن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم يقول الله تعالى لهم: ﴿أَكُفَّارُكُمْ٢﴾ يا قريش خير من كفار الأمم السابقة كعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون فلذا هم آمنون من العذاب الذي نزل بكفار الآخرين، أم لكم٣ براءة من العذاب جاءت في الكتب مسطورة اللهم لا ذا ولا ذاك ما كفاركم بخير من أولئكم، وليس لكم براءة في الزبر، وإنما أنتم ممهلون فإما أن تتوبوا وأما أن تؤخذوا. وقوله تعالى عنهم ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ٤﴾ أي جمه منتصر على كل من يحاربنا ويريد أن يفرق جمعنا نعم قالوا هذا، ولكن سيهزم الجمع ويولون الدبر، وقد تم هذا في٥ بدر بعد سنيات ثلاث أو أربع وهزم جمعهم في بدر وولوا الأدبار هاربين إلى مكة. وقوله تعالى ﴿بَلِ السَّاعَةُ٦ مَوْعِدُهُمْ﴾ أي الساعة التي ينكرونها ويكذبون بها هي موعد عذابهم

стр. 2899

الحق أم عذاب الدنيا فهو ليس شيء إذا قيس بعذاب الآخرة. ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ أي أعظم بلية وأكبر داهية تصيب الإنسان وعذابها، ﴿وَأَمَرُّ﴾ أي وعذابها أمر من عذاب الدنيا كله. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان حقيقة يغفل عنها الناس وهي أن الكفر كله واحد ومورد للهلاك. ٢- لا قيمة أبداً لقوة الإنسان إزاء قوة الله تعالى. ٣- صدق القرآن في إخباره بغيب لم يقع ووقع كما أخبر وهو آية أنه وحي الله وكلامه. ٤- القيامة موعد لقاء البشرية كافة بحيث لا يتخلف عنه أحد. إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) شرح الكلمات: إن المجرمين في ضلال وسعر: أي الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي في ضلال الدنيا ونار مستعرة في الآخرة. ذوقوا مس سقر: أي يوم يسحبون في النار على وجوههم يقال لهم ذوقوا مس سقر جهنم. إنا كل شيء خلقناه بقدر: أي إنا خلقنا كل شيء بتقدير سابق لخلقنا له وذلك بكتابته في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض فهو يقع كما كتب كمية وصورة وزمانا ومكاناً لا يتخلف في شيء من ذلك.

стр. 2900

وما أمرنا إلا واحدة: أي وما أمرنا إذا أردنا خلق شيء إلا أمرةً واحدة فيتم وجوده. كلمح بالبصر: الشيء بسرعة كلمح البصر وهو النظر بعجلة. ولقد أهلكنا أشياعكم: أي ولقد أهلكنا أمثالكم أيها المشركون من الأمم السابقة. فهل من مدكر؟ : أي فذكروا واتعظوا بهذا خيراً لكم من هذا الإعراض. وكل شيء فعلوه في الزبر: أي وكل ما فعله العباد هو مسجل في كتب الحفظة من الملائكة. وكل صغير وكبير مستطر: أي وكل صغير وكبير من سائر الأعمال والأحداث في اللوح المحفوظ مستطر مكتوب. إن المنتقين في جنات ونهر: إن الذين اتقوا ربهم فلم يشركوا به ولم يفسقوا عن أمره في جنات يشربون من أنهار الماء واللبن والخمر والعسل المصفى. في مقعد صدق: أي في مجلس حق لا لغو به ولا تأثيم. عند مليك مقتدر: عند مليك أي ذي ملك وسلطان مقتدر على ما يشاء وهو الله ﷻ . معنى الآيات: قوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ يخبر تعالى عن حال المجرمين وهم الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها بالشرك وغشيان الذنوب يخبر تحذيراً وإنذاراً بأن المجرمين في ضلال في حياتهم الدنيا، وسعر ونار مستعرة متأججة يوم القيامة يوم يسحبون في النار على وجوههم يقال لهم ذوقوا تهكماً بهم مس سقر١ تذوقوا العذاب، وسقر طبق من أطباق جهنم وباب من أبوابها وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ٢﴾ إعلام منه تعالى عن نظام الكون الذي خلقه

стр. 2901

تعالى وهو أن كل حادث يحدث في هذا العالم قد سبق به علم الله وتقديره له فحدد ذاته وصفاته وأعماله ومآله إلى جنة أو إلى نار، إن كان إنسانا أو جانا وليس هناك شيء يحدث بدون تقرير سابق له وعلم تام به قبل حدوثه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ١ يخبر تعالى عن قدرته كما أخبر عن علمه بأنه تعالى إذا أراد إيجاد شيء في الوجود لم يزد على أمرٍ واحد وهو كن فإذا بالمطلوب يكون كما أراد تعالا أزلاً أن يكون، وبسرعة كسرعة لمح البصر الذي هو نظرة سريعة. وقوله تعالى وهو يخاطب مشركي قريش ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ أي أمثالكم في الكفر والعصيان أي من الأمم السابقة ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي متذكر متعظ معتبر قبل فوات الوقت وحصول المكروه من العذاب في الدنيا وفي الآخرة. وقوله تعالى ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ أي أولئك المشركون ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ أي في كتب الحفظة من الملائكة الكرام الكاتبين، وكل صغير وكبير من أعمالهم وأعمال غيرهم بل كل حادثةٍ في الأكوان هي مسطرة في اللوح المحفوظ كتاب المقادير. وقوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ٢ وَنَهَر﴾ هذا الإخبار يقابل الإخبار الأول أن المجرمين في ضلال وسعر فالأول إعلام وتحذير وترهيب وهذا إخبار وبشرا وترغيب حيث أخبر أن المتقين الذين اتقوا ربهم فلم يشركوا به ولم يفسقوا عن أمره إنهم في جنات بساتين ذات قصور وحور، وأنهار وأشجار هم جالسون في مقعد صدق٣ في مجلس حق لا لغو يسمع فيه ولا تأثيم يلحق جالسه عند٤ مليك أي ذي ملك وسلطان مقتدر على ما فعل كل ما يريده سبحانه لا إله إلا هو ولا رب سواه.

стр. 2902

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان مصير المجرمين وضمنه تخويف وتحذير من الإجرام الموبق للإنسان. ٢- تقرير عقيدة القضاء والقدر. ٣- تقرير أن أعمال العباد مدونة في كتب الكرام الكاتبين لا يترك منها شيء. ٤- تقرير أن كل صغيرة وكبيرة من أحداث الكون هي في كتاب المقادير اللوح المحفوظ. ٥- بيان مصير المتقين مع الترغيب في التقوى إذ هي ملاك الأمر وجماع الخير. ٦- ذكر الجوار الكريم وهو مجاورة الله رب العالمين في الملكوت الأعلى في دار السلام.

стр. 2903

سورة الرحمن١ مكية وآياتها ثمان وسبعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَان (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)

стр. 2904

شرح الكلمات: الرحمن: اسم من أسماء الله تعالى. علم القرآن: أي علم من شاء من عباده القرآن. خلق الإنسان: آدم كما خلق ذريته أيضاً. علمه البيان: أي علم آدم البيان الذي هو النطق والإعراب عما في النفس بلغة من اللغات كل هذا تعليم الله ولولا الله ما نطق إنسان. الشمس والقمر بحسبان: أي يجريان بحساب معلوم مقدر في بروجهما ومنازلهما. والنجم والشجر يسجدان: النجم مالا ساق له من النبات، والشجر ماله ساق يسجدان يخضعان لله تعالى بما يريد منهما في طواعية كالسجود من المكلفين. والسماء رفعها: أي فوق الأرض وأعلاها. ووضع الميزان: أي أثبت العدل بين العباد أمر به وألهم صنع آلته. ألا تطغوا في الميزان: أي لأجل أن لا تجوروا في الميزان وهو ما يوزن به من آلات. وأقيموا الوزن بالقسط: أي بالعدل. ولا تخسروا الميزان: أي لا تنقصوا الموزون الذي تزنونه بل وفوه. والأرض وضعها للأنام: أي أثبتها وخفضها كما رفع السماء وأعلاها للأنام لحياة الأنام عليها وهم الإنس والجن والحيوان وكل ذي روح. فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام: أي في الأرض فاكهة وهي كل ما يتفكه به الإنسان من أنواع الفواكه الكثيرة، والنخل ذات الأكمام وهي أوعية طلعها. والحب ذو العصف: أي وفي الأرض الحب من برٍ وشعير وعصفه تبنه. والريحان: نبت معروف، والمراد به أنواع الرياحين المشمومة ذات الريح الطيب. فبأي آلاء ربكما تكذبان: أي فبأي نعم ربكما يا معشر الجن والإنس تكذبان وهي كثيرة لا تعد ولا تحصى. والجواب لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.

стр. 2905

معنى الآيات: قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ١ عَلَّمَ الْقُرْآنَ٢﴾ يخبر تعالى أنه هو الرحمن الذي علم نبي محمد ﷺ القرآن لا كما يقول المبطلون إنما يعلمه بشر. الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء وهي متجلية ظاهرة فيما يعدد من آلاء ونعم. منها خلقه الإنسان آدم وذريته، وتعليمهم البيان وهو النطق والإبانة عما في نفوسهم. ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ٣ يجريان لإفادة الناس في معرفة أوقات عباداتهم، وآجال ديونهم وهي مظاهر الرحمة، ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ والنجم غذاء بهائمكم والشجر فيه فاكهتكم وبعض غذائكم ﴿يَسْجُدَانِ﴾ خضوعاً لله بما أراد منهما لا يعصيان كما يعصي الثقلان. والسماء رفعها عن الأرض ولم يلصقها بالأرض إنعاماً منه على الثقلين في رفعها وتزينها بكواكبها وشمسها وقمرها، ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ٤﴾ أي العدل حيث أمر به وآلهم وضع آلته وغرز في النفوس حبه والرغبة فيه، من أجل ألا تجوروا في الميزان، ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل، ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ أي لا تنقصوه إذا وزنتم بل وفوه كل هذا إنعام وألوان من رحمات الرحمن. والأرض وضعها للأنام أي أثبتها وخفضها ودحاها لحياة الأنام. وهم الإنس والجان والحيوان، ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ أي أوعية الطلع، والحب البر والشعير ذو العصف٥ أي التبن والريحان هذه أنواع الطعام للإنسان والحيوان طعام وفاكهة وريحان كل هذه مظاهر الرحمة التي أفاضها الرحمن. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ ٦رَبِّكُمَا﴾ يا معشر الجن والإنس ﴿تُكَذِّبَانِ﴾ . لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- الرحمن مثل اسم الله لا يصح أن يطلق على غير الرب ﵎، فيقال فلان عزيز أو رحيم أو عليم أو حكيم، ولكن لا يقال رحمان، كما لا يقال إله أو الإله أو الله.

стр. 2906

٢- ورد في الصحيح في فضل تعلم القرآن وقوله ﷺ خيركم من تعلم القرآن وعلمه. ٣- وجوب إقامة العدل والتواصي به، ومراقبة الموازين لدى التجار وإصلاح فاسدها. ٤- وجوب شكر الله على آلائه. ٥- استحباب قول لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد عند سماع قراءة فبأي آلاء ربكما تكذبان. ٦- مشروعية تعلم علم الفلك لمعرفة القبلة ومواقيت الصلاة والصيام والحج. خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ١ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلام (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) شرح الكلمات: خلق الإنسان من صلصال: أي خلق آدم من طين يابس يسمع له صلصلة كالفخار وهو ما طبخ من الطين. كالفخار وخلق الجان من مارج من نار: أي أبا الجن من لهب النار الخالص من الدخان وهو مختلط أحمر وأزرق وأصفر. رب المشرقين ورب المغربين: أي مشرق الشتاء, مشرق الصيف أي مطلع طلوع الشمس فيهما. وكذا المغربين في الصيف والشتاء.

стр. 2907

مرج البحرين يلتقيان: أي أرسل البحرين العذب والملح يلتقيان في رأي العين. بينهما برزخ لا يبغيان: أي بينهما حاجز لا يبغى أحدهما على الآخر فيختلط به. يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان: أي يخرج من مجموعها الصادق بأحدهما وهو الملح اللؤلؤ والمرجان وهو خرز أحمر, وهو صغار اللؤلؤ. وله الجوار المنشئات في البحر: أي السفن المحدثات في البحر كالأعلام أي كالجبال عظماً وارتفاعاً. كالأعلام معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر ما أفاض الرحمن ﷻ من رحمته التي وسعت كل شيء من آلاء ونعم لا تحصى ولا تعد ولا تحصر فقال تعالى ﴿خَلَقَ الْإنْسَانَ﴾ أي الرحمن الذي تجاهله المبطلون وقالوا: وما الرحمن؟ الرحمن الذي خلق الإنسان آدم أول إنسان خلقه ومن أي شيء خلقه ﴿في صَلْصَالٍ﴾ أي من طين ذي١ صلصلة وصوت ﴿كَالْفَخَّارِ﴾ خلق الإنسان، وخلق الجان وهو عالم كعالم الإنسان خلق أصله من مارج وهو ما مرج واختلط من لهب النار. فبأي يا معشر الجن والإنس ﴿آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إن نعم تفوق عد الإنسان من رب المشرقين ورب المغربين من خلقهما من ملكهما من سخرهما لفائدة الإنسان؟ إنه الرحمن فبأي آلاء ربكما تكذبان٢؟ لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد. الرحمن مرج البحرين٣ الملح والعذب أرسلهما على بعضهما فمرجا. كأنهما اختلطا إذ جعل بينهما برزخاً حاجزاً فهما لا يبغيان فلا يختلط أحدهما بالثاني، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ يخرج منهما٤ اللؤلؤ والمرجان من خلق في مجموع البحرين اللؤلؤ والمرجان وهما خرز أبيض وأحمر وأخضر ولفائدة من خلقهما الرحمن؟ إنها لفائدة الإنسان إذاً هما نعمة ورحمة من رحمات الرحمن ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ أي٥ للرحمن الجوار المنشآت المصنوعات في البحر في أحواض السفن كالأعلام علواً وارتفاعا تظهر في البحر كما تظهر الجبال في البر لمصلحة من خلقها الرحمن لمصلحة الإنسان فهي إذاً رحمة

стр. 2908

الرحمن ونعمته على الإنسان فبأي آلاء ربكما يا معشر الإنس والجن تكذبان؟ أقروا واعترفوا واشكروا الرحمن. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان أصل خلق الإنسان والجان فالأول من طين لازب ذي صلصال كالفخار والثاني من مارج من نار وأخبر الرسول ﷺ أن خلق الملائكة كان من نور.١ ٢- معرفة مطالع الشمس ومغاربها في الشتاء والصيف وهما مطلعان ومغربان. ٣- معرفة صناعة اللؤلؤ والمرجان, والسفن التي هي في البحر كالجبال علواً وظهوراً. ٤- وجوب شكر الرحمن على إنعامه على الإنس والجان. كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) شرح الكلمات: كل من عليها فان: أي كل من على الأرض من إنسان وحيوان وجان فانٍ أي هالك.

стр. 2909

ويبقى وجه ربك: أي ذاته ووجه . ذو الجلال والإكرام: أي العظمة والإنعام على عباده عامة والمؤمنين بخاصة. يسأله من في السموات والأرض: أي يسألونه حاجاتهم التي تتوقف عليها حياتهم من الرزق والقوة على العبادة. والمغفرة للذنب، والعزة من الرب. كل يوم هو في شأن: أي كل وقت هو في شأن: شؤون يبديها وفق تقديره لها يرفع أقواماً ويضع آخرين. سنفرغ لكم أيها الثقلان١: أي لحسابكم ومجازاتكم بعد انتهاء هذه الحياة الدنيا ونجزي كلاً بما عمل. إن استطعتم أن تنفذوا: أي إن قدرتم على أن تخرجوا. من أقطار السموات والأرض: أي من نواحي السموات والأرض. فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان: أي فاخرجوا. لا تنفذون إلا بقوة ولا قوة لكم وهذا تعجيز لهم. يرسل عليكما شواظ من نار: أي من لهب النار الخالص الذي لا دخان فيه. ونحاس: أي دخان لا لهب فيه، ولا يبعد أن يكون نحاساً مذاباً. فلا تنتصران: أي لا تمتنعان من السوق إلى المحشر. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر أيادى الرحمن الرحيم قال عز من قائل ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا٢ فَانٍ﴾ كل من على الأرض من إنسان وجانٍ وذوي روح وحيوان فانٍ: هالك، لا تبقى له روح ولا ذات، ﴿وَيَبْقَى٣ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإكْرَامِ﴾ حي لا يموت والإنس والجن يموتون فبأي ألاء ربكما٤ تكذبان أبنعمة إيجادكما وإمدادكما بالأرزاق والخيرات طوال الحياة أم بنعمة إنهاء أتعابكما وتكاليفكما أم بإهلاك أعدائكما، وإدنائكما من النعيم المقيم في جنات النعيم، قولوا خيراً لكم لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد. وقوله ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٥

стр. 2910

أي يطلبونه بلسان القال أو الحال ما هم في حاجة إليه مما يحفظ وجودهم ويغفر ذنوبهم وقوله تعالى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي لا يفرغ الدهر كله يدبر أمر السماء والأرض يرفع أقواماً ويضع آخرين. وقول الرحمن ﴿١سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ من الإنس والجن فنحاسبكما ونجزيكما محسنكما بالإحسان وسيئكما بالسوء والخسران، وهذا يوم تقومان للرحمن، حفاة عراة وتقفان بين يديه للحكم فيكما والقضاء بينكما فبأي آلاء ربكما تكذبان أبالعدل في الحكم بينكما أم بإسعاد صالحيكما واشقاء مجرميكما. وقول الرحمن ﴿يَا٢ مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ أي تخرجوا ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي من جوانبهما وأطرافهما ﴿فَانْفُذُوا﴾ أي اخرجوا هاربين من قضائي وحكمي لكما وعليكما لا تنفذون إلا بقوة قاهرة غالبة ولا قوة لكم ولا سلطان هكذا يتحداهما الرحمن وهم يساقون إلى ساحة فصل القضاء فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ أبنعمة إحيائكما بعد موتكما أم بنعمة إكرام صلحائكما وإهانة فاسديكما وهي العدالة التي لا رحمة ولا نعمة في الحياة الدنيا تساويهما. وقوله تعالى ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾ أي لهب النار الخالص من الدخان، ونحاس وهو دخان خالص فلا تنتصران هذا إن أردتما الفرار من عدالتي وعدم الإذعان لقضائي وحكمي فيكما. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ أبعظمة ربكم وقوة سلطانه أم برحمة مولاكم ولطفه بكم اللهم لا شيء من آلائك نكذب ربنا ولك الحمد. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٢- بيان جلال الله وعظمته وقوة سلطانه. ٣- بيان عجز الخلائق أمام خالقها . ٤- وجوب حمد الله تعالى وشكره على السراء والضراء.
следующие страницы →