← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تربية المؤمنين وتهذيبهم ليكملوا ويسعدوا فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي صدقوا الله ورسوله ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ أي إذا قال لكم الرسول ﷺ أو غيره توسعوا١ في المجلس ليجد غيركم مكاناً بينكم فتوسعوا ولا تضنوا بالقرب من الرسول أو من العالم الذي يعلمكم أو المذكر الذي يذكركم وإن أنتم تفسحتم أي فإن الله تعالى يكافئكم فيوسع عليكم في الدنيا بسعة الرزق وفي البرزخ في القبر وفي الآخرة في غرفات الجنان. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ ٢ أي قوموا من المجلس لعلة أو للصلاة أو للقتال أو لفعل بر وخير فانشزوا أي خفوا وقوموا يئبكم الله فيرفع الله الذين آمنوا منكم درجات٣ بالنصر والذكر الحسن في الدنيا وفي غرف الجنة في الآخرة والذين أوتوا العلم درجات أي ويرفع الذين أوتوا العلم منكم أيها المؤمنون درجاتٍ عالية لجمعهم بين الإيمان والعلم والعمل. وقوله: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يذكرهم تعالى بعلمه بهم في جميع أحوالهم ليراقبوه ويكثروا من طاعته ويحافظوا على تقواه. وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ أمرهم تعالى إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله ﷺ ويكلمه وحده أن يقدم صدقة أولاً ثم يطلب المناجاة وكان هذا لمصلحة الفقراء أولا ثم للتخفيف٤ عن رسول الله ﷺ إذ كل مؤمن يود أن يخلو برسول الله ﷺ ويقرب منه ويكلمه والرسول بشرٌ لا يتسع لكل أحد فشرع الله هذه الصدقة فأعلمهم أنه يريد التخفيف عن رسوله. فلما علموا بذلك وتحرجوا من بذل صدقة وأكثرهم فقراء

стр. 2977

لا يجدها نسخ تعالى ذلك ولم تدم مدة الوجوب أكثر من ليالي ونسخها الله تعالى بقوله الآتي أأشفقتم. الآية. وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ١ أي تقديم الصدقة بين يدي المناجاة خير لكم حيث تعود الصدقة على الفقراء إخوانكم وأطهر أي لنفوسكم لأن النفس تطهر بالعمل الصالح وقوله تعالى ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ أي ما تقدمونه صدقة قبل المناجاة فناجوه ﷺ ولا حرج عليكم لعدم وجدكم فإن الله غفور لكم رحيم بكم. وقوله تعالى ﴿أَأَشْفَقْتُمْ٢﴾ أي أخفتم الفاقة والفقر إن أنتم ألزمتم بالصدقة بين يدي كل مناجاة وعليه فإن لم تفعلوا وتاب الله عليكم برفع هذا الواجب ونسخه فرجع بكم إلى عهد ما قبل وجوب الصدقة فأقيموا الصلاة بأدائها في أوقاتها في جماعة المؤمنين مراعين شرائطها وأركانها وسننها وآدابها وآتوا الزكاة الواجبة في أموالكم. وأطيعوا الله ورسوله في أمرها ونهيهما يكفكم ذلك عوضاً عن الصدقة التي نسخت تخفياً عليكم ورحمة بكم. وقوله ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ٣﴾ أي فراقبوه في طاعته وطاعة رسوله تفلحوا فتنجوا من النار وتدخلوا الجنة دار الأبرار. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- الندب إلى فضيلة التوسع في مجالس العلم والتذكير. ٢- الندب والترغيب في القيام بالمعروف وأداء الواجبات إذا دعى المؤمن إلى ذلك. ٣- فضيلة الإيمان وفضل العلم والعمل به. ٤- مشروعية النسخ في الشريعة قبل العمل بالمنسوخ وبعده إذ هذه الصدقة نسخت قبل أن يعمل بها اللهم إلا ما كان من علي٤ ﵁ فإنه أخبر أنه تصدق بدينار وناجى رسول الله ﷺ ثم نسخت هذه الصدقة فكان يقول في القرآن آية لم يعمل بها أحد غيري وهي فضيلة له ﵁.

стр. 2978

٥- في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله في الواجبات والمحرمات عوض عما يفوت المؤمن من النوافل. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩) شرح الكلمات: ألم تر إلى الذين تولوا: أي ألم تنظر إلى المنافقين الذين تولوا. قوما غضب الله عليهم: أي اليهود. ما هم منكم ولا منهم: أي ما هم منكم أيها المؤمنون ولا منهم أي من اليهود بل هم مذبذبون. ويحلفون على الكذب وهم: أي يحلفون لكم أنهم مؤمنون وهم يعلمون أنهم غير مؤمنين. يعلمون إنهم ساء ما كانوا يعملون: أي قبح أشد القبح عملهم وهو النفاق والمعاصي. اتخذوا أيمانهم جنة: أي ستراً على أنفسهم وأموالهم فادعوا الإيمان كذباً وحلفوا أنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين.

стр. 2979

فصدوا عن سبيل الله: أي فصدوا بتلك الأيمان المؤمنين عن سبيل الله التي هي جهادهم وقتالهم. فيحلفون له كما يحلفون لكم: أي يوم يبعثهم من قبورهم يوم القيامة يحلفون لله أنهم كانوا مؤمنين كما يحلفون اليوم لكم أنهم مؤمنون. ويحسبون أنهم على شيء: أي يظنون في أيمانهم الكاذبة أنهم على شيء من الحق. استحوذ عليهم الشيطان: أي غلب عليهم الشيطان. فأنساهم ذكر الله: فلم يذكروه بألسنتهم إلا تقية ولا يذكرون وعده ولا وعيده. أولئك حزب الشيطان: أي أولئك البعداء أتباع الشيطان وجنده. ألا إن حزب الشيطان هم: أي إن أتباع الشيطان وجنده هم المغبونون الخاسرون في صفقة حياتهم. الخاسرون معنى الآيات: في هذه الأيام التي نزلت فيها هذه السورة كان النفاق بالمدينة بالغاً أشده، وكان اليهود كذلك كثيرين ومتحزبين ضد الإسلام والمسامين وذلك قبل إجلائهم من المدينة ففي هذه الآية يحذر الله تعالى رسوله والمؤمنين من العدوين معاً ويكشف الستار عنهم ليظهرهم على حقيقتهم ليحذرهم المؤمنون فيقول تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ١﴾ أي تنظر يا رسولنا إلى الذين تولوا قوماً غضب٢ الله عليهم وهم اليهود تولاهم المنافقون ولاية نصرة وتحزب ضد الرسول والمؤمنين. يقول تعالى هؤلاء المنافقون ما هم منكم أيها المؤمنون ولا منهم من اليهود بل هم مذبذبون حيارى يترددون بينكم وبين اليهود معكم في الظاهر ومع اليهود في الباطن. وقوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ٣﴾ أي أنهم كاذبون إذ كانوا يأتون رسول الله ويحلفون له أنهم مؤمنون به وبما جاء به وهم يعلمون أنهم كاذبون إذ هم غير مؤمنين به ولا مصدقين. فتوعدهم الله بقوله: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ أي هيأ لهم وأحضره وذلك يوم القيامة، وندد بصنيعهم وقبح سلوكهم بقوله إنهم ساء ما كانوا يعملون ولذا أعد لهم العذاب

стр. 2980

الشديد لسوء سلوكهم وقبح أعمالهم. وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ١ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي اتخذ هؤلاء المنافقون أيمانهم التي يحلفونها لكم بأنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين اتخذوها ستارة ووقاية يقون بها أنفسهم من القتل وأموالهم من الأخذ فصدوا بتلك الأيمان الكاذبة المؤمنين عن سبيل الله التي هي قتالهم لأنهم كفار مشركون يجب قتالهم حتى يدخلوا في دين الله أو يهلكوا لأنهم ليسوا أهل كتاب فتقبل منهم الجزية. وقوله تعالى ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي يوم القيامة يهانون ويذلون به. وقوله تعالى ﴿لَنْ تُغْنِيَ ٢عَنْهُمْ﴾ أي يوم القيامة أموالهم التي يجمعونها ويتمتعون بها اليوم كما لا تغني عنهم أولادهم الذين يعتزون بهم من الله شيئاً من الإغناء فلا تقبل منهم فدية فيفتدون بأموالهم ولا يطلبون من أولادهم نصرة فينصرونهم. أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون لا يخرجون منها ولا يموتون فيها ولا يحيون. وقوله تعالى ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ أي اذكر يا رسولنا يوم يبعثهم الله جميعا في عرصات القيامة فيحلفون٣ له أنهم كانوا مؤمنين كما يحلفون لكم اليوم أنهم مؤمنون. ويحسبون اليوم أي يظنون أنهم على كل شيء من الصواب والحق ألا إنهم هم الكاذبون استحوذ٤ عليهم الشيطان أي غلب عليهم فأنساهم ذكر الله فلا يذكرونه إلا قليلاً كما أنساهم ذكر وعده ووعيده فلذا هم لا يرغبون في ما عنده ولا يرهبون مما لديه. أولئك حزب الشيطان أي أتباعه وجنده. ألا إن حزب٥ الشيطان أي أتباعه وجنده هم الخاسرون أي المغبونون في صفقتهم في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة.

стр. 2981

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- حرمة موالاة اليهود. ٢- حرمة الحلف على الكذب وهي اليمين الغموس. ٣- من علامات استحواذ الشيطان على الإنسان تركه لذكر الله بقلبه ولسانه ولوعده ووعيده بأعماله وأقواله. إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢) شرح الكلمات: إن الذين يحادون الله ورسوله: أي يخالفون الله ورسوله فيما يأمران به وينهيان عنه. أولئك في الأذلين: أي المغلوبين المقهورين. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي: أي كتب في اللوح المحفوظ أو قضى وحكم بأن يغلب بالحجة أو السيف. يوادون من حاد الله ورسوله: أي يصادقون من يخالف الله ورسوله بمحبتهم ونصرهم. ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو: أي يقصدونهم بالسوء ويقاتلونهم على الإيمان كما وقع للصحابة. إخوانهم أو عشيرتهم

стр. 2982

أولئك كتب في قلوبهم الإيمان: أي أثبت الإيمان في قلوبهم. وأيدهم بروح منه: أي برهان ونور وهدىً. رضي الله عنهم ورضوا عنه: أي ﵃ بطاعتهم إياه في الدنيا ورضوا عنه في الآخرة بإدخاله إياهم في الجنة. ألا أن حزب الله هم المفلحون: أي ألا إن جند الله وأولياءه هم الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة. معنى الآيات: يخبر تعالى موجها المؤمنين مرشداً لهم إلى أقوم طريق وأكمل الأحوال فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي يخالفونهما في أمرهما ونهيهما وما يدعوان إليه من الدين الحق ﴿أُولَئِكَ﴾ أي المخالفون في زمرة الأذلين١ في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى ﴿كَتَبَ٢ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ أي كتب في اللوح المحفوظ وقضى بأن يغلب رسوله أعداءه بالحجة والسيف٣. ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي ذو قوة لا تقهر وعزة لا ترام فلذا قضى بنصرة رسوله على أعدائه مهما كانت قوتهم. وقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ٤ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يقول تعالى لرسوله لا تجد أناساً يؤمنون بالله إيماناً صادقاً بالله رباً وإلهاً وباليوم الآخر يوادون بالمحبة والنصرة من حاد الله ورسوله بمخالفتهما في أمرهما ونهيهما وما يدعوان إليه من توحيد الله وطاعته وطاعة رسوله ولو كانوا أقرب قريب إليهم من أب أو أبن أو أخ أو عشيرة. وقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ﴾ أي الله تعالى في قلوبهم الإيمان أي أثبته وقرره فيها فهو لا يبرح ينير لهم طريق الهدى حتى ينتهوا إلى جوار ربهم.

стр. 2983

﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ١﴾ أي ببرهان ونور منه هذا في الدنيا وأما في الآخرة فيدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار أي بساتين غناء تجري الأنهار المختلفة من خلال الأشجار والقصور خالدين فيها لا يخرجون منها أبدا، وفوق ذلك ﵃ بطاعتهم إياه ورضوا عنه في الآخرة بإدخاله إياهم الجنة دار المتقين. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ﴾ أي أولئك العالون في كمالاتهم الروحية حزب الله أي جنده وأولياؤه، ثم أعلن تعالى عن فوزهم ونجاحهم فقال: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢ أي الفائزون يوم القيامة بالنجاة من النار ودخول الجنة. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- كتب الله الذل والصغار على من حاده وحاد رسوله بمخالفتهما فيما يحبان ويكرهان. ٢- قضى الله تعالى بنصرة رسوله فنصره إنه قوي عزيز. ٣- ٣حرمة موالاة الكافر بالنصرة والمحبة ولو كان أقرب قريب، وقد قاتل أصحاب رسول الله آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وعشيرتهم في بدر. وفيهم نزلت هذه الآية تبشرهم برضوان الله تعالى لهم، وإنعامه عليهم اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم.

стр. 2984

سورة الحشر١ مدنية وآياتها أربع وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ

стр. 2985

لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) شرح الكلمات: سبح ١ لله ما في السموات وما في الأرض: أي نزه الله تعالى وقدسه بلسان الحال والقال ما في السموات وما في الأرض من سائر الكائنات. وهو العزيز الحكيم: أي العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره لأوليائه. هو الذي أخرج الذين كفروا من: أي أخرج يهود بني النضير من ديارهم بالمدينة. أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر: أي لأول حشر كان وثاني حشر كان من خيبر إلى الشام. ما ظننتم أن يخرجوا: أي ما ظننتم أيها المؤمنون أن بني النضير يخرجون من ديارهم. وطنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله: أي وظن يهود بني النضير أن حصونهم تمنعهم مما قضى الله به عليهم من إجلائهم من المدينة.

стр. 2986

فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا: أي فجاءهم الله من حيث لم يظنوا أنهم يؤتون منه. وقذف في قلوبهم الرعب: أي وقذف الله تعالى الخوف الشديد من محمد وأصحابه. يخربون بيوتهم بأيديهم: أي يخربون بيوتهم حتى لا ينتفع بها المؤمنون وليأخذوا بعض أبوابها وأخشابها المستحسنة معهم. وأيدي المؤمنين: إذ كانوا يهدمون عليهم الحصون ليتمكنوا من قتالهم. فاعتبروا يا أولي الأبصار: أي فاتعظوا بحالهم يا أصحاب العقول ولا تغتروا ولا تعتمدوا إلا على الله . ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء: أي ولولا أن كتب الله عليهم الخروج من المدينة. لعذبهم في الدنيا: أي بالقتل والسبي كما عذب بني قريظة إخوانهم بذلك. ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله: جزاهم بما جزاهم به من عذاب الدنيا والآخرة بسبب مخالفتهم لله ورسوله ومعاداتهم لهما. ما قطعتم من لينة أو تركتموها: أي ما قطعتم أيها المؤمنون من نخلة لينة أو تركتموها بلا قطع. فبإذن الله وليخزي الفاسقين: أي فاقطع ما قطعتم وترك ما تركتم كان بإرادة الله وكان ليجزي الله الفاسقين يهود بني النضير. معنى الآيات: يخبر تعالى عن جلاله وعظمته بأنه سبحه أي نزهه عن كل النقائص من الشريك والمصاحبة والولد والعجز والنقص مطلقاً بلسان القال ولسان الحال جميع ما في السموات وما في الأرض من الملائكة والإنس والجن والحيوان والشجر والحجر والمدر، وأنه هو العزيز الانتقام الحكيم في تدبير حياة الأنام. هو الذي أخرج الذين كفروا من ديارهم يهود بني النضير١ أجلاهم من ديارهم بالمدينة لأول الحشر٢ إلى أذرعات بالشام ومنهم من نزل بخيبر وسيكون لهم حشر آخر حيث حشرهم عمر وأجلاهم من خيبر إلى الشام. وقوله تعالى في خطاب المؤمنين: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ أي من ديارهم وظنوا هم أنهم مانعتهم حصونهم من الله. فخاب ظنهم إذ أتاهم أمر الله من حيث لم يظنوا وذلك بأن قذف في

стр. 2987

قلوبهم الرعب والخوف الشديد من الرسول وأصحابه حتى أصبحوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. المؤمنون يخربونها من الظاهر لفتح البلاد وهم يخربونها من الباطن وذلك أن الصلح الذي تم بينهم وبين الرسول والمؤمنين أنهم يحملون أموالهم إلا الحلقة أي السلاح ويجلون عن البلاد إلى الشام وهو أول حشر لهم فكانوا إذا أعجبهم الباب أو الخشبة نزعوها من محلها فيخرب البيت لذلك. وقوله تعالى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي البصائر والنهي أي اتعظوا بحال بني النضير الأقوياء كيف قذف الله الرعب في قلوبهم وأجلوا عن ديارهم فاعتبروا يا أولي البصائر فلا تغتروا بقواكم ولكن اعتمدوا على الله وتوكلوا عليه. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ١ الْجَلاءَ﴾ أزلا في اللوح المحفوظ لعذبهم في الدنيا بالسبي والقتل كما عذب بني قريظة بعدهم. ولهم في الآخرة عذاب النار، ثم علل تعالى لهذا العذاب الذي أنزله وينزله بهم بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي خالفوهما وعادوهما، ومن يشاق الله يعاقبه بأشد العقوبات فإن الله شديد العقاب. وقوله تعالى ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ٢ لِينَةٍ﴾ أي من نخلة لينة أو تركتموها بلا قطع قائمة على أصولها فقد كان ذلك بإذن الله فلا إثم عليكم فيه فقد أسر به المؤمنون وأخزى به الفاسقين اليهود. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان جلال الله وعظمته مع عزه وحكمته في تسبيحه من كل المخلوقات العلوية والسفلية وفي إجلاء بني النضير من ديارهم وهو أول حشر وإجلاء تم لهم وسيعقبه حشر ثانٍ وثالثٌ.٣ ٢- بيان أكبر عبرة في خروج بني النضير، وذلك لما كان لهم من قوة ولما عليه المؤمنون من ضعف ومع هذا فقد انهزموا شر هزيمة وتركوا البلاد والأموال ورحلوا إلى غير رجعة. فعلى مثل هذا يتعظ المتعظون فإنه لا قوة تنفع مع قوة الله، فلا يغتر العقلاء بقواهم المادية بل عليهم أن يعتمدوا على الله أولاً وآخراً. ٣- علة هزيمة بني النضير ليست إلا محادتهم لله والرسول ومخالفتهم لهما وهذه سنته تعالى في

стр. 2988

كل من يحاده ويحاد رسوله فإنه ينزل به أشد أنواع العقوبات. ٤- عفو الله تعالى على المجتهد إذا أخطأ وعدم مؤاخذته، فقد اجتهد المؤمنون في قطع نخل بني النضير من أجل إغاظتهم حتى ينزلوا من حصونهم. وأخطأوا في ذلك إذ قطع النخل المثمر فساد، ولكن الله تعالى لم يؤاخذهم لأنهم مجتهدون. وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) شرح الكلمات: وما أفاء الله على رسوله منهم: أي وما رد الله ليد رسول الله ﷺ من مال بني النضير. ١ فما أوجفتم عليه من خيل ولا: أي أسرعتم في طلبه والحصول عليه خيلاً ولا إبلاً أي لم تعانوا فيه مشقة. ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء: أي وقد سلط رسول الله محمداً ﷺ على بني النضير ففتح بلادهم صلحاً. وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى: أي وما رد الله على رسوله من أموال أهل القرى التي لم يوجف عليها بخيل ركابٍ. فلله وللرسول ولذي القربى: أي لله جزء وللرسول جزء ولقرابة الرسول جزء ولليتامى جزء وللمساكين واليتامى والمساكين وابن جزء ولابن السبيل جزء تقسم على المذكورين

стр. 2989

السبيل بالسوية. كي لا يكون دولة بين الأغنياء: أي كيلا يكون المال متداولاً بين الأغنياء الأقوياء ولا يناله الضعفاء والفقراء. منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما: أي وما أعطاكم الرسول وأذن لكم فيه أو أمركم به فخذوه وما نهاكم عنه نهاكم عنه فانتهوا وحظره عليكم ولم يأذن لكم فيه فانتهوا عنه. واتقوا الله إن الله شديد العقاب: أي واتقوا الله فلا تعصوه ولا تعصوا رسوله واحذروا عقوبة الله على معصيته ومعصية رسوله فإن الله شديد العقاب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في غزوة بني النضير إنه بعد الصلح الذي تم بينهم وبين رسول الله ﷺ وقد تركوا حوائطهم أي بساتينهم فيئاً لرسول الله ﷺ ورغب المسلمون في تلك البساتين ورأى بعضهم أنها ستقسم عليهم كما تقسم الغنائم فأبى الله تعالى ذلك عليهم وقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي وما رد الله تعالى على رسوله من مال بني النضير. وكلمة رد تفسير لكلمة أفاء لأن الفيء الظل يتقلص ثم يرجع أي يرد وأموال بني النضير الأصل فيها لرسول الله ﷺ لأن بني النضير عاهدوا رسول الله وبمقتضى المعاهدة أبقى عليهم أموالهم فإذا تقضوا العهد وخانوا لم يستحقوا من المال شيئاً لا سيما وأنهم تآمروا على قتله وكادوا ينفذون جريمتهم التي تحملوا تبعتها ولو لم ينفذوها. وبداية القضية كالتالي: أن المعاهدة التي تمت بين الرسول ﷺ وبين بني النضير من جملة بنودها أن يؤدوا مع الرسول ما يتحمل من ديات. وبعد وقعة أحد بنصف سنة حدث أن عمرو بن أمية الضمري قتل خطأ رجلين من بني كلب أو بني كلاب فجاء ذووهم يطالبون بديتهم من رسول الله ﷺ إذ هو المسئول عن المسلمين فخرج ﷺ إلى بني النضير في قريتهم١ التي تبعد عن المدينة بميلين يطالب بالإسهام في دية الرجلين الكلابيين بحكم المعاهدة فلما انتهى إليهم أنزلوه هو وأصحابه بأحسن مجلس وقالوا ما تطلبه هو لك يا أبا القاسم ثم خلوا بأنفسهم وقالوا أن الفرصة سانحة للتخلص من الرجل فجاءوا برحىً (مطحنة) من صخرة وطلعوا بها إلى سطح المنزل وهموا أن يسقطوها على رأس رسول الله ﷺ وهو جالس في ظل الجدار مع أصحابه، وقبل أن يسقطوا الرحى أوحى الله إلى رسوله أن قم من مكانك فإن اليهود أرادوا إسقاط حجر عليك ليقتلوك فقام ﷺ على الفور

стр. 2990

وتبعه أصحابه وسقط في أيدي اليهود. وما إن رجع الرسول ﷺ حتى أعلن الخروج إلى بني النضير فإنهم نقضوا عهدهم ووجب قتالهم فنزل بساحتهم وحاصرهم وجرت سفارة وانتهت بصلح يقضى بأن يجلوا بني النضير عن المدينة يحملون أموالهم على إبلهم دون السلاح ويلتحقوا بأذرعات بالشام فكان هذا أول حشر لهم إلى أرض المعاد والمحشر إلا أسرتين نزلتا بخيبر أسرة بني الحقيق الذين منهم حيي بن أخطب والد صفية زوج الرسول ﷺ . ولهذه الغزوة بقيت ستأتي عند قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآيات. من هنا علمنا أن مال بني النضير هو لرسول الله ﷺ أفاءه الله عليه فقال وما أفاء الله على رسوله منهم أي من بني النضير. ولما طمع المؤمنون فيه قال تعالى رداً عليهم فما أوجفتم١ عليه أي على أموال بني النضير أي ما ركبتم إليه خيلاً ولا إبلاً ولا أسرعتم عدواً إليهم لأنهم في طرف المدينة فلم تتحملوا سفراً ولا تعباً ولا قتالاً موتاً وجراحات فلذا لا حق لكم فيها فإنها فيء وليست بغنائم. ولكن الله٢ يسلط رسله على من يشاء بدون حرب ولا قتال فيفيء عليهم بمال الكفرة الذي هو مال الله فيرده على رسله, وقد سلط الله حسب سنته في رسله محمداً ﷺ على أعدائه بني النضير فحاز المال بدون قتال ولا سفر فهو له دون غيره ينفقه كما يشاء ومع هذا فقد أنفقه ﷺ ولم يبق منه إلا قوت سنة لأزواجه ﵅ وأرضاهن. وقوله تعالى ﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يمتنع منه قوى, ولا يتعزز عليه شريف سرى. وقوله تعالى ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ٣ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي من أموال أهل القرى التي ما فتحت عنوة ولكن صلحاً فتلك الأموال تقسم فيئاً على مل بين تعالى فلله وللرسول ولذي القربى أي قرابة رسول الله ﷺ وهم بنو هاشم وبنو المطلب. واليتامى الذين لا عائل لهم, والمساكين الذين مسكنتهم الحاجة وابن السبيل وهو المسافر المنقطع عن بلاده وداره وماله؟ وعلة ذلك بينها تعالى بقوله ﴿كَيْ لا يَكُونَ﴾ أي المال ﴿دُولَةً٤﴾ أي متداولاً بين الأغنياء منكم, ولا يناله الضعفاء والفقراء فمن الرحمة والعدل أن يقسم الفيء لعى هؤلاء الأصناف المذكورين وما لله فهو ينفق في المصالح العامة وكذلك ما للرسول بعد وفاته ﷺ والباقي للمذكورين, وكذا خمس الغنائم فإنه يوزع على المذكورين في هذه الآية أما الأربعة أخماس فعلى المجاهدين.

стр. 2991

وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ من مال وغيره ﴿فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أي من مال وغيره فانتهوا عنه واتقوا الله فلا تعصوه ولا تعصوا رسوله وأحذروا عقابه فإن الله شديد العقاب أي معاقبته قاسية شديدة لا تطاق فيا ويل من تعرض لها بالكفر والفجور والظلم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان أن مال بني النضير كان فيئاً خاصاً برسول الله ﷺ . ٢- أن الفيء وهو ما حصل عليه المسلمون بدون قتال١ وإنما بفرار العدو وتركه أو بصلح يتم بينه وبين المسلمين هذا الفيء يقسم على ما ذكر تعالى في هذه الآية إذ قال وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله، وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وأما الغنائم وهي ما أخذت عنوة بالقوة وسافر إليها المسلمون فإنها تخمس خمس لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل يوزع بينهم بالسوية، والأربعة الأخماس الباقية تقسم على المجاهدين الذين شاركوا بالمعارك وخاضوها للراجل قسم وللفارس قسمان. ٣- وجوب طاعة رسول الله ﷺ وتطبيق أحكامه والاستنان بسنته المؤكدة وحرمة مخالفته فيما نهى عنه أمته روى الشيخان أن ابن مسعود ﵁ قال لعن الله الواشمات٢ والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله فبلغ ذلك امرأة من أسد يقال لها أم يعقوب كانت تقرأ القرآن فقالت بلغني أنك لعنت كيت وكيت. فقال: مالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله ؟ فقالت لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته، قال إن كنت قرأته فقد وجدته. أما قرأت قوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ٣ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالت: بلى. قال: فإنه ﷺ قد نهى عنه. أي الوشم الخ.. لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ

стр. 2992

يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (١٠) شرح الكلمات: يبتغون فضلا من الله ورضوانا: أي هاجروا حال كونهم طالبين من الله رزقاً يكفيهم ورضا منه تعالى. أولئك هم الصادقون: أي في إيمانهم حيث تركوا ديارهم وأموالهم وهاجروا ينصرون الله ورسوله. والذين تبوءوا الدار والإيمان: أي والأنصار الذين نزلوا المدينة وألفوا الإيمان بعدما اختاروه على الكفر. من قبلهم: أي من قبل المهاجرين. ولا يجدون في صدورهم حاجة: أي حسداً ولا غيظاً. مما أوتوا: أي مما أوتي إخوانهم المهاجرون من فيء بني النضير. ويؤثرون على أنفسهم: أي في كل شيء حتى إن الرجل منهم تكون تحته المرأتان فيطلق أحداهما ليزوجها مهاجراً. ولو كان بهم خصاصة: أي حاجة شديدة وخلة كبيرة لا يجدون ما يسدونها به. ومن يوق شح نفسه: أي ومن يقه الله تعالى حرص نفسه على المال والبخل به. والذين جاءوا من بعدهم: أي من بعد المهاجرين والأنصار من التابعين إلى يومنا هذا فما بعد. ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين: أي حقداً أي انطواء على العداوة والبغضاء. آمنوا

стр. 2993

معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن فيء بني النضير وتوزيع الرسول ﷺ له فقال تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ أي أعجبوا١ أن يعطى فيء بني النضير للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون أي حال كونهم في خروجهم يطلبون فضلا من الله أي رزقاً يكف وجوههم عن المسألة ورضواناً من ربهم أي رضاً عنهم لا يعقبه سخط. إذ كان الرسول ﷺ أعطى فيء بني النضير للمهاجرين ولم يعط للأنصار إلا ما كان من أبي دجانة وسهل بن حنيف فقد ذكروا لرسوله الله ﷺ حاجة فأعطاهما. فتكلم المنافقون للفتنة وعابوا صنيع رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية يعجب منهم الرسول والمؤمنون في إنكارهم على عطاء رسول الله ﷺ المهاجرين دون الأنصار، وهو قوله تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا٢ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أي في إيمانهم إذ صدقوا القول بالعمل، وما كان معتقداً باطناً أصبح عملاً ظاهراً بهذه الأوصاف التي ذكر تعالى للمهاجرين أعطاهم الرسول من فيء بني النضير. وأما الأنصار الذين لم يعطهم المال الزائل وهم في غير حاجة إليه فقد أعطاهم ما هو خير من المال. واسمع ثناؤه تعالى عليهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ﴾ ٣ أي المدينة النبوية والإيمان أي بوأوه قلوبهم وأحبوه وألفوه. من قبلهم أي من قبل نزول المهاجرين٤ إلى المدينة يحبون من هاجر إليهم من سائر المؤمنين الذين يأتون فراراً بدينهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة أي حسداً ولا غيظاً مما أوتوا أي مما أعطوا الرسول ﷺ المهاجرين. ويؤثرون على أنفسهم٥ غيرهم من المهاجرين ولو كان بهم خصاصة أي حاجة شديدة وخلة كبيرة لا يجدون ما يسدونها به، وفي السيرة من عجيب إيثارهم العجب العجاب في أن الرجل يكون تحته امرأتان فيطلق إحداهما فإذا انتهت عدتها زوجها أخاه المهاجر فهل بعد هذا الإيثار من إيثار؟.

стр. 2994

وقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ ١أي من يقيه الله تعالى مرض الشح وهو البخل بالمال والحرص على جمعه ومنعه فهو في عداد المفلحين وقد وقى الأنصار من هذا الخطر فهم مفلحون فهذا أيضاً ثناءٌ عليهم وبشرى لهم. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد المهاجرين الأولين والأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان يقولون في دعائهم الدائم لهم ﴿رَبَّنَا﴾ أي يا ربنا ﴿اغْفِرْ لَنَا﴾ أي ذنوبنا واغفر ﴿وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ وهم المهاجرون والأنصار، ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بك وبرسولك ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي ذو رأفة بعبادك ورحمة بالمؤمنين بك فاستجب دعاءنا فاغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا في الإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً لهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان فضل المهاجرين والأنصار, وأن حبهم إيمان وبغضهم كفران. ٢- فضيلة الإيثار على النفس. ٣- فضيلة إيواء المهاجرين ومساعدتهم على العيش في دار الهجرة المهاجرين الذين هاجروا في سبيل الله تعالى فراراً بدينهم ونصرة لإخوانهم المجاهدين والمرابطين. ٤- خطر الشح وهو البخل بما وجب إخراجه من المال والحرص على جمعه من الحلال والحرام. ٥- بيان طبقات المسلمين ودرجاتهم وهي ثلاثة بالإجمال: ١- المهاجرون الأولون. ٢- الأنصار الذين تبوءوا الدار "المدينة" وألفوا الإيمان. ٣- من جاء بعدهم من التابعين وتابعي التابعين إلى قيام الساعة من أهل الإيمان والتقوى. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ

стр. 2995

أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) شرح الكلمات: ألم تر: أي ألم تنظر. نافقوا: أي أظهروا الإيمان وأخفوا في نفوسهم الكفر. لإخوانهم الذين كفروا من أهل: أي يهود بني النضير. الكتاب لئن أخرجتم: أي من دياركم بالمدينة. لنخرجن معكم: أي نخرج معكم ولا نبقى بعدكم في المدينة. وإن قوتلتم: أي قاتلكم محمد ﷺ وأصحابه. لننصرنكم: أي بالرجال والسلاح. والله يشهد إنهم لكاذبون: أي فيما وعدوا به إخوانهم بني النضير. ولئن نصروهم: أي وعلى فرض أنهم نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون المنافقون كاليهود سواء. لأنتم أشد رهبة في صدورهم: أي تالله لأنتم أشد خوفاً في صدورهم. من الله: لأن الله تعالى يؤخر عذابهم وأنتم تعجلونه لهم. ذلك بأنهم: أي المنافقين. قوم لا يفقهون: لظلمة كفرهم وعدم استعدادهم للفهم عن الله ورسوله.

стр. 2996

لا يقاتلونكم جميعا: أي لا يقاتلكم يهود بني النضير مجتمعين. إلا في قرى محصنة: أي بالأسوار العالية. أو من وراء جدر: أي من رواء المباني والجدران أما المواجهة فلا يقدرون عليها. بأسهم بينهم شديد: أي العداوة بينهم شديدة والبغضاء أشد. تحسبهم جميعاً: أي مجتمعين. وقلوبهم شتى: أي متفرقة خلاف ما تحسبهم عليه. بأنهم قوم لا يعقلون: إذ لو كانوا يعقلون لاجتمعوا على الحق ولا ما كفروا به وتفرقوا فيه فهذا دليل عدم عقلهم. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن غزوة بني النضير فيقول تعالى لرسوله محمد ﷺ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي تنظر١ يا رسولنا إلى الذين نافقوا وهم عبد الله بن أبي بن سلول ووديعة ومالك ابنا نوفل وسويد وداعس إذ بعثوا إلى بني النضير حين نزل بساحتهم رسول الله ﷺ لحربهم بعثوا إليه أن اثبتوا وتمنعوا وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم غير أنهم لم يفوا لهم ولم يأتهم منهم أحد وقذف الله الرعب في قلوبهم فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة "السلاح" هذا معنى قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ٢ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ في الكفر﴾ من أهل الكتاب "يهود بني النضير" لئن أخرجتم من المدينة لنخرجن معكم, ولا نطيع فيكم أي في نصرتكم والوقوف إلى جنبكم أحداً كائناً من كان وأن قوتلتم أي قاتلكم محمد ﷺ ورجاله لننصرنكم. والله يشهد إنهم لكاذبون فيما قالوا لهم وفعلا لم يقاتلوا معهم ولم يخرجوا معهم كما خرجوا من ديارهم. وهو قوله تعالى ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا٣ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ وعلى فرض أنهم نصروهم ليولن الأدبار هاربين من المعركة, ثم لا ينصرون اليهود كالمنافقين سواء. وقوله تعالى ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ﴾ يخبر تعالى رسوله والمؤمنين بأنهم أشد رهبة أي خوفاً في صدور المنافقين من الله

стр. 2997

تعالى لأنهم يرون أن الله تعالى يؤجل عذابهم، وأما المؤمنون فإنهم يأخذون بسرعة للقاعدة " من بدل دينه فاقتلوه" فإذا أعلنوا عن كفرهم وجب قتلهم وقتالهم. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ١هذا بيان لجبنهم وخوفهم الشديد من الرسول ﷺ والمؤمنين. إذ لو كانوا يفقهون لما خافوا العبد ولم يخافوا المعبود. وقوله تعالى: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً٢﴾ أي اليهود والمنافقين ﴿إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ﴾ بأسوار وحصون أو من وراء جدر أي في المباني ووراء الجدران. وقوله تعالى بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا في الظاهر وأنهم مجتمعون ولكن ﴿قُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ أي٣ متفرقة لا تجتمع على غير عداوة الإسلام وأهله، وذلك لكثرة أطماعهم وأغراضهم وأنانيتهم وأمراضهم النفسية والقلبية. وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ٤﴾ إذ لو كانوا يعقلون لما الحق وكفروا به وهم يعلمون فعرضوا أنفسهم لغضب الله ولعنته وعذابه. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير حقيقة وهي أن الكفر ملة واحدة وأن الكافرين إخوان. ٢- خلف الوعد آية النفاق وعلاماته البارزة. ٣- الجبن والخوف صفة من صفات اليهود اللازمة لهم ولا تنفك عنهم. ٤- عامة الكفار يبدون متحدين ضد الإسلام وهم كذلك ولكنهم يما بينهم تمزقهم العداوات وتقطعهم الأطماع وسوء الأغراض والنيات. كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)

стр. 2998

فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) شرح الكلمات: كمثل الذين من قبلهم قريباً: أي مثل يهود بني النضير في ترك الإيمان ومحاربة الرسول ﷺ كمثل إخوانهم بني قينقاع والمشركين في بدر. ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب: أي ذاقوا عاقبة كفرهم وحربهم لرسول الله ولهم عذاب أليم في الآخرة. أليم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان: أي ومثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وخذلانهم لهم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان. اكفر فلما كفر قال إني بريء منك: أي قال له الشيطان بعد أن كفره أنا بريء وذلك جزاء الظالمين: أي خلودهما في النار أي الغاوي والمغوى ذلك جزاءهما وجزاء الظالمين. ولتنظر نفس ما قدمت لغد: أي لينظر كل أحد ما قدم ليوم القيامة من خير وشر. ولا تكونوا كالذين نسوا الله: أي ولا تكونوا أيها المؤمنون كالذين نسوا الله فتركوا طاعته. فأنساهم أنفسهم: أي فعاقبهم بأن أنساهم أنفسهم فلم يعملوا خيراً قط. لا يستوي أصحاب النار: أي لأن أصحاب الجنة فائزون بالسلامة من المرهوب والظفر بالمرغوب وأصحاب الجنة المحبوب. وأصحاب النار خاسرون في جهنم خالدون، فكيف يستويان؟. أصحاب الجنة هم الفائزون

стр. 2999

معنى الآيات: قوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ١ هذه الآية (١٥) واللتان بعدها (١٦) و (١٧) في بقية الحديث عن بني النضير إذ قال تعالى مثل بنو النضير في هزيمتهم بعد نقضهم العهد كمثل الذين من قبلهم في الزمان والمكان وهم بنو قينقاع إذ نقضوا عهدهم فأخرجهم رسول الله ﷺ وذاقوا وبال أمرهم أي عاقبة نقضهم وكفرهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب أليم أي موجع شديد وقوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ٢﴾ بوسائله الخاصة فلما كفر الإنسان تبرأ منه الشيطان وقال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين كذلك حال بني النضير مع المنافقين حيث حرضوهم على الحرب والقتال وواعدوهم أن يكونوا معهم ثم خذلوهم وتركوهم حدهم. وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا﴾ أي عاقبة أمرهما أنهما أي الإنسان والشيطان أنهما في النار خالدين فيها، وذلك أي خلودهما في النار جزاء الظالمين أي المشركين والفاسقين عن طاعة الله . وبعد نهاية قصة بني النضير نادى تعالى المؤمنين ليوجههم وينصح لهم فقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي صدقوا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولا اتقوا الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، ولتنظر نفس ما قدمت٣ لغد أي ولينظر أحدكم في خاصة نفسه ماذا قدم لغدٍ أي يوم القيامة. واتقوا الله، أعاد الأمر بالتقوى لأن التقوى هي ملاك الأمر ومفتاح دار السلام والسعادة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يشجعهم على مراقبة الله تعالى والصبر عليها. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي لا تكونوا كأناسٍ تركوا العمل بطاعة الله وطاعة رسوله فعاقبهم ربهم بأن أنساهم أنفسهم فلم يعملوا لها خيراً وأصبحوا بذلك فاسقين عن أمر الله تعالى خارجين عن طاعته. وقوله تعالى ﴿لا ٤يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ

стр. 3000

وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ ، أصحاب النار في الدركات السفلى، وأصحاب الجنة في الفراديس العلا فكيف يستويان، إذ أصحاب الجنة فائزون، وأصحاب النار خاسرون. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- ضرب مثل لحال الكافرين في عدم الاتعاظ بحال غيرهم. ٢- التحذير من سبل الشيطان وهي الإغراء بالمعاصي وتزيينها فإذا وقع العبد في الهلكة تبرأ الشيطان منه وتركه في محنته وعذابه. ٣- وجوب التقوى بفعل الأوامر وترك النواهي. ٤- وجوب مراقبة الله تعالى والنظر يومياً فيما قدم الإنسان للآخرة وما أخر. ٥- التحذير من نسيان الله تعالى المقتضى لعصيانه فإن عقوبته خطيرة وهي أن ينسي الله العبد نفسه فلا يقدم لها خيراً قط فيهلك ويخسر خسراناً مبيناً. ٦- عدم التساوي بين أهل النار وأهل الجنة، إذ أصحاب النار لم ينجوا من المرهوب وهو النار، ولم يظفروا بمرغوب وهو الجنة، وأصحاب الجنة على العكس سلموا من المرهوب، وظفروا بالمرغوب نجوا من النار ودخلوا الجنان. لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)

стр. 3001

شرح الكلمات: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل: أي وجعلنا فيه تميزاً وعقلاً وإدراكاً. لرأيته خاشعاً متصدعاً: أي لرأيت ذلك الجبل متشققاً متطامناً ذليلاً. من خشية الله: أي من خوف الله خشية أن يكون ما أدى حقه من التعظيم. وتلك الأمثال نضربها للناس١: أي مثل هذا المثل نضرب الأمثال للناس. لعلهم يتفكرون: أي يتذكرون فيؤمنون ويوحدون ويطيعون. هو الله الذي لا إله إلا هو: أي الله المعبود بحق الذي لا معبود بحق إلا هو . عالم الغيب والشهادة: أي عالم السر والعلانية. هو الرحمن الرحيم: أي رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. هو الله الذي لا إله إلا هو: أي لا معبود بحق إلا هو لأنه الخالق الرازق المدبر وليس لغيره ذلك. الملك القدوس: أي الذي يملك كل شيء ويحكم كل شيء القدوس الطاهر المنزه عما لا يليق به. السلام المؤمن المهيمن: أي ذو السلامة من كل نقص الذي لا يطرأ عليه النقص المصدق رسله بالمعجزات. المهيمن: الرقيب الشهيد على عباده بأعمالهم. العزيز الجبار المتكبر: العزيز في انتقامه الجبار لغيره على مراده، المتكبر على خلقه. سبحان الله عما يشركون: أي تنزيها لله تعالى عما يشركون من الآلهة الباطلة. هو الله الخالق البارئ: أي هو الإله الحق لا غيره الخالق لكل المخلوقات المنشئ لها من العدم. المصور: أي مصور المخلوقات ومركبها على هيئات مختلفة. له الأسماء الحسنى: أي تسعة وتسعون اسماً كلها حسنى في غاية الحسن. يسبح له ما في السموات والأرض: أي ينزهه ويسبحه بلسان القال والحال جميع ما في السموات والأرض. وهو العزيز الحكيم: أي العزيز الغالب على أمره الحكيم في جميع تدبيره.

стр. 3002

معنى الآيات: قوله تعالى ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ..١﴾ لما أمر تعالى في الآيات السابقة ونهى ووعظ وذكر بما لا مزيد عليه أخبر أنه لو أنزل هذا القرآن العظيم على جبل بعد أن خلق فيه إدراكاً وتمييزاً كما خلق ذلك في الإنسان لرؤى ذلك الجبل خاشعاً ذليلاً متصدعاً متشققاً من خشية الله أي من الخوف من الله لعله قصر في حق الله وحق كتابه ما أداهما على الوجه المطلوب, وفي هذا موعظة للمؤمنين ليتدبروا القرآن ويخشعوا عند تلاوته وسماعه. ثم أخبر تعالى أن ما ضرب من أمثال في القرآن ومنها هذا المثل المضروب بالجبل. يقول نجعلها للناس رجاء أن يتفكروا فيؤمنوا ويهتدوا إلى طريق كمالهم وسعادتهم ثم أخبر تعالى عن جلاله وكماله بذكر أسمائه وصفاته فقال ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي لا معبود بحق إلا هو, عالم الغيب والشهادة أي السر والعلن والموجود والمعدوم والظاهر والباطن. هو الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء الرحيم بعباده المؤمنين, الملك الذي له ملك السموات والأرض والمدبر للأمر في الأرض والسماء, القدوس٢ الطاهر المنزه عن كل نقص وعيب عن الشريك والصاحبة والولد. السلام ذو السلامة٣ من كل نقص مفيض السلام على من شاء من عباده. المؤمن المصدق رسله بما آتاهم من المعجزات المصدق عباده المؤمنين فيما يشكون إليه مما أصابهم, ويطلبونه ما هم في حاجة إليه من رغائبهم وحاجاتهم, المهيمن على خلقه الرقيب عليهم المتحكم فيهم لا يخرج شيء من أعمالهم وتصرفاتهم عن إرادته وإذنه, العزيز الغالب على أمره الذي لا يمانع فيما يريده. الجبار للكل٤ على مراده وما يريده, المتكبر على كل خلقه وله الكبرياء في السموات والأرض والجلال والكمال والعظمة. وقوله تعالى ﴿سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ نزه تعالى نفسه عما يشرك به المشركون من عبدة الأصنام والأوثان وغيرها من كل ما عبد من دونه هو الله الخالق البارئ المصور:

стр. 3003

المقدر للخلق الباريء له المصور له في الصورة التي أراد أن يوجده عليها. له الأسماء الحسنى وهي مائة اسم إلا اسماً واحداً كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في صحيح البخاري وأسماؤه متضمنة صفاته وكل أسمائه حسنى وكل صفاته عليا منزه عن صفات المحدثين يسبح له ما في السموات والأرض من مخلوقات وكائنات أي ينزهه ويقدسه عما لا يليق به ويدعوه ويرغب إليه في بقائه وكمال حياته. وهو العزيز الحكيم الغالب على أمره الحكيم في تدبير ملكه. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان ما حواه القرآن من العظات والعبر, والأمر والنهي والوعد والوعيد الأمر الذي لو أن جبلاً ركب فيه الإدراك والتمييز كالإنسان ونزل عليه القرآن لخشع وتصدع من خشية الله. ٢- استحسان ضرب الأمثال للتنبيه والتعليم والإرشاد. ٣- تقرير التوحيد, وأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ٤- إثبات أسماء الله تعالى, وأنها كلها حسنى, وأنها متضمنة صفات عليا. ٥- ذكر أسمائه تعالى تعليم لعباده بها ليدعوه بها ويتوسلوا بها إليه.

стр. 3004

سورة الممتحنة١ مدنية وآياتها ثلاث عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ

стр. 3005

يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) شرح الكلمات: لا تتخذوا عدوي وعدوكم: أي الكفار والمشركين. أولياء تلقون إليهم بالمودة: أي لا تتخذوهم أنصاراً توادونهم. وقد كفروا بما جاءكم من الحق: أي الإسلام عقيدة وشريعة. يخرجون الرسول وإياكم: أي بالتضييق عليكم حتى خرجتم فارين بدينكم. أن تؤمنوا بربكم: أي لأجل أن آمنتم بربكم. إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي: فلا تتخذوهم أولياء ولا تبادلوهم المودة. وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة: أي توصلون إليهم خبر خروج الرسول لغزوهم بطريقة سرية. ومن يفعله منكم: أي ومن يوادهم فينقل إليهم أسرار النبي في حروبه وغيرها. فقد ضل سواء السبيل: أي أخطأ طريق الحق الجادة الموصلة إلى الإسعاد. إن يثقفوكم: أي أن يظفروا بكم متمكنين منكم في مكان ما. يكونوا لكم أعداء: أي لا يعترفون لكم بمودة. ويبسطوا إليكم أيديهم: أي بالضرب والقتل. وألسنتهم بالسوء: أي بالسب والشتم. وودوا لو تكفرون: أي وأحبوا لو تكفرون بدينكم ونبيكم وتعودون إلى الشرك معهم. لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم: أي إن توادوهم وتسروا إليهم بالأخبار الحربية تقربا إليهم من أجل أن يراعوا لكم أقرباءكم وأولادكم المشركين بينهم فاعلموا أنكم لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة. يوم القيامة يفصل بينكم: أي فتكونون في الجنة ويكون المشركون من أولاد وأقرباء وغيرهم في النار.

стр. 3006

معنى الآيات: فاتحة هذه السورة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي١ وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ... ﴾ الآيات. نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة وكان من المهاجرين الذين شهدوا بدراً روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال ائتوا روضة خاخ (موضع بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلا) فإن بها ظعينة (امرأة مسافرة) ٢ معها كتاب فخذوه منها فانطلقنا نهادى خيلنا أي نسرعها فإذا نحن بامرأة فقلنا أخرجي الكتاب، فقالت ما معي كتاب. فقلنا لتخرجن الكتاب، أو لتلقن الثياب٣ (أي من عليك) فأخرجته من عقاصها أي من ظفائر شعر رأسها فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا به من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : يا حاطب ما هذا؟ فقال لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت امرءاً ملصقاً في قريش (أي كان حليفاً لقريش ولم يكن قرشياً) وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم من الله شيئاً، وأن الله ناصرك عليهم. فقال النبي ﷺ صدق. فقال عمر ﵁ دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله ﷺ إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من صدقتم الله ورسوله ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ من الكفار والمشركين ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ أي أنصاراً ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ٤ بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي أسرار النبي ﷺ الحربية ذات الخطر والشأن. والحال أنهم قد كفروا بما جاءكم من الحق الذي هو دين الإسلام بعقائده وشرائعه وكتابه ورسوله. يخرجون الرسول وإياكم من٥ دياركم بالمضايقة لكم حتى هاجرتم فارين بدينكم، أن تؤمنوا٦ بربكم أي من أجل أن آمنتم بربكم.، أمثل هؤلاء الكفرة الظلمة تتخذونهم أولياء تدلون إليهم بالمودة ... إنه لخطأ جسيم

стр. 3007

ممن فعل هذا. وقوله تعالى: ﴿إِنْ١ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ أي إن كنتم خرجتم من دياركم مجاهدين في سبيلي أي لنصرة ديني ورسولي وأوليائي المؤمنين وطلبا لرضاي فلا تتخذوا الكافرين أولياء من دوني تلقون إليهم بالمودة. وقوله تعالى تسرون٢ إليهم بالمودة أي تخفون المودة إليهم بنقل أخبار الرسول السرية والحال أني ﴿أَعْلَمُ﴾ منكم ومن غيركم ﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ . وها قد أطلعت رسولي على رسالتكم المرفوعة إلى مشركي مكة والتي تتضمن فضح سر رسولي في عزمه على غزوهم مفاجأة لهم حتى يتمكن من فتح مكة بدون كثير إراقة دم وإزهاق أنفس. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾ أي الولاء والمودة للمشركين فقد ضل سواء السبيل أي أخطأ وسط الطريق المأمون من الانحراف يريد جانب الإسلام الصحيح. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي أنهم أعداؤكم حقاً إن يثقفوكم أي يظفروا بكم متمكنين منكم يكونوا لكم أعداء ولا يبالون بمودتكم إياهم، ويبسطوا إليكم أيديهم بالضرب والقتل وألسنتهم بالسب والشتم وتمنوا كفركم لتعودوا إلى الشرك مثلهم. وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ٣﴾ الذين واددتم الكفار من أجلهم من عذاب الله في الآخرة إذ حاطب كتب الكتاب من أجل قرابته وأولاده فبين تعالى خطأ حاطب في ذلك. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ بأن تكونوا في الجنة أيها المؤمنون ويكون أقرباؤكم وأولادكم المشركون في النار. فما الفائدة إذاً من المعصية من أجلهم؟! والله بما تعملون بصير فراقبوه واحذروه فلا تخرجوا عن طاعته وطاعة رسوله. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- حرمة موالاة الكافرين بالنصرة والتأييد والمودة دون المسلمين.

стр. 3008

٢- الذي ينقل أسرار المسلمين الحربية إلى الكافرين على خطر عظيم وإن صام وصلى. ٣- بيان أن الكافرين لا يرحمون المؤمنين متى تمكنوا منهم لأن قلوبهم عمياء لا يعرفون معروفاً ولا منكراً بظلمة الكفر في نفوسهم وعدم مراقبة الله لأنهم لا يعرفونه ولا يؤمنون بما عنده من نعيم وجحيم يوم القيامة. ٤ - فضل أهل بدر وكرامتهم على الله . ٥- قبول عذر الصادقين الصالحين ذوي السبق في الإسلام إذا عثر أحدهم اجتهاداً منه. ٦- عدم انتفاع المرء بقرابته يوم القيامة إذا كان مسلماً وهم كافرون. قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) شرح الكلمات: قد كان لكم: أي أيها المؤمنون. أسوة حسنة: أي قدوة صالحة. في إبراهيم والذين معه: من المؤمنين فأتسوا بهم. إذ قالوا لقومهم: أي المشركين. إنا براء منكم ومما تعبدون من: أي نحن متبرئون منكم، ومن أوثانكم التي تعبدونها. دون الله

стр. 3009

كفرنا بكم: أي جحدنا بكم فلم نعترف لكم بقرابة ولا ولاء. وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء: أي ظهر ذلك واضحاً جلياً لا لبس فيه ولا خفاء. حتى تؤمنوا بالله وحده: أي ستستمر عداوتنا لكم وبغضنا إلى غاية إيمانكم بالله وحده. وإليك أنبنا: أي رجعنا في أمورنا كلها. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا: أي بأن تظهرهم علينا فيفتنوننا في ديننا ويفتتنون بنا يرون أنهم على حق لما يغلبوننا. لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة: أي لقد كان لكم أيها المؤمنون في إبراهيم والذين معه أسوة حسنة. لمن كان يرجو الله واليوم الآخر: أي هي أسوة حسنة لمن كان يؤمن بالله ويرجو ما عنده يوم القيامة. ومن يتول: أي لم يقبل ما أرشدناه إليه من الإيمان والصبر فيعود إلى الكفر. فإن الله غني حميد: أي فإن الله ليس في حاجة إلى إيمانه وصبره فإنه غنيٌ بذاته لا يفتقر إلى غيره، حميد أي محمود بآلائه وإنعامه على عباده. معنى الآيات: لما حرم تعالى على المؤمنين موالاة الكافرين مع وجود حاجة قد تدعو إلى موالاتهم كما جاء ذلك في اعتذار حاطب بن أبي بلتعة أراد تعالى أن يشجعهم على معاداة الكافرين وعدم موالاتهم بحال من الأحوال لما في ذلك من الضرر والخطر على العقيدة والصلة بالله وهي أعز ما يملك المؤمنون أعلمهم بأنه يوجد لهم١ أسوة أي قدوة حسنة في إبرايم خليله والمؤمنين معه٢ فإنهم على قلتهم وكثرة عدوهم وعلى ضعفهم وقوة خصومهم تبرأوا من أعداء الله وتنكروا لأية صلة تربطهم بهم فقالوا ما قص الله تعالى عنهم في قوله ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (من أصنام وأوثان) كفرنا بكم فلم نعترف لكم بوجود يقتضي مودتنا ونصرتنا لكم، وبدا أي ظهر بيننا وبينكم العداوة٣ والبغضاء بصورة مكشوفة لا ستار عليها لأننا موحدون وأنتم مشركون،

стр. 3010

لأننا مؤمنون وأنتم كافرون، وسوف تستمر هذه المعاداة وهذه البغضاء بيننا وبينكم حتى تؤمنوا بالله وحده رباً وإلهاً لا رب غيره وإله سواه إذاً فأتسوا أيها المسلمون بإمام الموحدين إبراهيم اللهم إلا ما كان من استغفار إبراهيم لأبيه فلا تأتسوا به ولا تستغفروا لموتاكم المشركين فإن إبراهيم قد ترك ذلك لما علم أن أباه لا يؤمن وأنه يموت كافراً وأنه في النار فقال تعالى إلا قول إبراهيم١ لأبيه (آزر) لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء أي غير الاستغفار. وكان هذا عن وعد قطعه له ساعة المفارقة له إذ قال في سورة مريم: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ وجاء في سورة التوبة قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ . وقوله تعالى ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ أي رجعنا من الكفر إلى الإيمان بك وتوحيدك في عبادتك، وإليك المصير. أي مصير كل شيء يعود إليك وينتهي عندك فتقضي وتحكم بما تشاء. ربنا لا تجعلنا فتنة٢ للذين كفروا أي لا تظهرهم علينا فيفتنونا في ديننا ويردونا إلى الكفر, ويفتنون بنا فيرون أنهم لما غلبونا أنهم على حق ونحن على باطل فيزدادون كفراً ولا يؤمنون. واغفر لنا ربنا أي ذنوبنا السالفة واللاحقة فلا تؤاخذنا بها إنك أنت العزيز الغالب المنتقم ممن عصاك الحكيم في تدبيرك لأوليائك فدبر لنا ما ينفعنا ويرضيك عنا. هذا الابتهال والضراعة من قوله تعالى ربنا عليك توكلنا إلى الحكيم من الجائز أن يكون هذا مما قاله إبراهيم والمؤمنون معه وأن يكون إرشاداً من الله للمؤمنين أن يقولوه تقوية لإيمانهم وتثبيتاً لهم عليه كما فعل ذلك إبراهيم ومن معه. وقوله تعالى لقد كان لكم فيهم٣ أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر تأكيد لما سبق وتقرير له وتحريك للهمم لتأخذ به. وقوله لمن٤ كان يرجو بالله واليوم الآخر إذ هم الذين ينتفعون بالعبر ويأخذون بالنصائح لحياة قلوبهم بالإيمان. وقوله تعالى: ومن يتول أي عن الأخذ بهذه الأسوة فيوالي الكافرين فإن الله غني عن إيمانه وولايته له التي استبدلها بولاية أعدائه حميد أي محمود بآلائه وإنعامه على خلقه.

стр. 3011

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وجوب الاقتداء بالصالحين في الإيتساء بهم في الصالحات. ٢- حرمة موالاة الكافرين ووجوب معاداتهم ولو كانوا أقرب قريب. ٣- كل عداوة وبغضاء تنتهي برجوع العبد إلى الإيمان والتوحيد بعد الكفر والشرك. ٤- لا يجوز الاقتداء في غير الحق والمعروف فإذا أخطأ العبد الصالح فلا يتابع على الخطأ. ٥- وجوب تقوية المؤمنين بكل أسباب القوة لأمرين الأول خشية أ، يغلبهم الكافرون فيفتنوهم في دينهم ويردوهم إلى الكفر والثاني حتى لا يظن الكافرون الغالبون أنهم على حق بسبب ظهورهم على المسلمين فيزدادوا كفراً فيكون المسلمون سبباً في ذلك فيأثمون للسببية في ذلك. عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) شرح الكلمات: عاديتم منهم: أي من كفار قريش بمكة طاعة لله واستجابة لأمره. مودة: أي محبة وولاء وذلك بأن يوفقهم للإيمان والإسلام فيؤمنوا ويسلموا ويصبحوا أولياءكم. والله قدير: أي على ذلك وقد فعل فأسلم بعد الفتح أهل مكة إلا قليلاً منهم. لم يقاتلوكم في الدين: أي من أجل الدين. أن تبروهم: أي تحسنوا إليهم.

стр. 3012

وتقسطوا إليهم: أي تعدلوا فيهم فتنصفوهم. إن الله يحب المقسطين: أي المنصفين العادلين في أحكامهم ومن ولوا. وظاهروا على إخراجكم: أي عاونوا وناصروا العدو على إخراجكم من دياركم. أن تولوهم: أي تتولوهم بالنصرة والمحبة. فأولئك هم الظالمون: لأنهم وضعوا الولاية في غير موضعها، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في بيان حكم الموالاة للكافرين فإنه لما حرم تعالى ذلك، وكان للمؤمنين قرابات كافرة وبحكم إيمانهم واستجابتهم لنداء ربهم قطعوهم فبشرهم تعالى في هذه الآية الكريمة بأنه قادر على أن يجعل بينهم وبين أقربائهم مودة فقال عز من قائل ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ﴾ أي من المشركين ﴿مَوَدَّةً﴾ ١. وذلك بأن يوفقهم للإسلام، وهو على ذلك قدير وقد فعل وله الحمد والمنة فقد فتح على رسوله مكة وبذلك آمن أهلها إلا قليلاً فكانت المودة وكان الولاء والإيخاء مصداقاً لقوله عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم فقد تاب عليهم بعد أن هداهم وغفر لهم ما كان منهم من ذنوب ورحمهم. وقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ٢ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ بمضايقتكم أن تبروهم أي بالإحسان إليهم بطعام٣ كسوة أو ركاب وتقسطوا أي تعدلوا فيهم بأن تنصفوهم وهذا عام في كل الظروف الزمانية والمكانية وفي كل الكفار. ولكن بالشروط التي ذكر تعالى. وهي: أولا: أنهم لم يقاتلونا من أجل ديننا.

стр. 3013

وثانيا: لم يخرجونا من ديارنا بمضايقتنا وإلجائنا إلى الهجرة. وثالثا: أن لا يعاونوا عدواً بأي معونة ولو بالمشورة والرأي فضلاً عن الكراع والسلاح. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ترغيب لهم في العدل والإنصاف حتى مع الكفار وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ﴾ عن موالاة الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا أي أعانوا ﴿عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ أي ينهاكم عن موالاتهم. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ منكم﴾ معرضاً عن هذا الإرشاد الإلهي والأمر الرباني ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي لأنفسهم المعترضون لعذاب الله ونقمته لوضعهم الموالاة في غير موضعها بعدما عرفوا ذلك وفهموه. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان حكم الموالاة الممنوعة والمباحة في الإسلام. ٢- الترغيب في العدل والإنصاف بعد وجوبهما للمساعدة على القيام بهما. ٣- تقرير ما قال أهل العلم: أن عسى من الله تفيد وقوع ما يرجى بها ووجوده لا محالة. بخلافها من غير الله فهي للترجي والتوقع وقد يقع ما يترجى بها وقد لا يقع. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)

стр. 3014

شرح الكلمات: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات: أي المؤمنات بألسنتهم مهاجرات من الكفار. فامتحنوهن: أي اختبروهن بالحلف أنهن ما خرجن إلا رغبة في الإسلام لا بغضاً لأزواجهن، ولا عشقا لرجال من المسلمين. فإن علمتموهن مؤمنات: أي صادقات في إيمانهن بحسب حلفهن. فلا ترجعوهن إلى الكفار: أي لا تردوهن إلى الكفار بمكة. لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن: لا المؤمنات يحللن لأزواجهن الكافرين، ولا الكافرون يحلون لأزوجهم المؤمنات. وآتوهم ما أنفقوا: أي وأعطوا الكفار أزواج المؤمنات المهاجرات المهور التي أعطوها لأزواجهم. ولا جناح عليكم أن تنكحوهن: أي مهورهن، وإن لم يتم طلاق من أزواجهن لانفساخ العقد بالإسلام. وبعد إذا آتيتموهن أجورهن انقضاء العدة في المدخول بها وباقي شروط النكاح. ولا تمسكوا بعصم الكوافر: أي زوجاتكم، لقطع إسلامكم للعصمة الزوجية. وكذا من ارتدت ولحقت بدار الكفر. إلا أن ترجع إلى الإسلام قبل انقضاء عدتها فلا يفسخ نكاحها وتبقى العصمة إن كان مدخولا بها. واسألوا ما أنفقتم: أي اطلبوا ما أنفقتم عليهن من مهور في حال الارتداد. وليسألوا ما أنفقوا: أي على المهاجرات من مهور في حال إسلامهن. وإن فاتكم شيء من أزواجكم: أي بأن فرت امرأة أحدكم إلى الكفار ولحقت بهم ولم يعطوكم مهرها فعاقبتم أي إلى الكفار الكفار فغنمتم منهم غنائم. فآتوا الذين ذهبت أزواجهن مثل: أي فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم إلى الكفار مثل ما أنفقوا عليهن من مهور. ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون: أي وخافوا الله الذي أنتم به مؤمنون فأدوا فرائضه واجتنبوا نواهيه.

стр. 3015

معنى الآيتين: قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ الآيتين (١٠) و (١١) نزلتا بعد صلح الحديبية إذ تضمنت وثيقة الصلح أن من جاء الرسول ﷺ من مكة من الرجال رده إلى مكة ولو كان مسلماً، ومن جاء المشركين من المدينة لم يردوه إليه ولم ينص عن النساء، وأثناء ذلك جاء أم كلثوم بنت عقبة١ بن أبي معيط مهاجرة من مكة إلى المدينة فلحق بها أخواها عمار٢ والوليد ليرداهما إلى قريش فنزلت هذه الآية الكريمة فلم يردها عليهما ﷺ قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا٣﴾ أي يا من آمنتم بالله رباً وإلهاً وبمحمد نبيناً ورسولاً والإسلام ديناً إذ جاءكم المؤمنات مهاجرات من دار الكفر إلى دار الإسلام فامتحنوهن٤- الله أعلم بإيمانهن- فإن علمتموهن أي غلبة على ظنكم أنهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار وصورة الامتحان أن يقال لها احلفي بالله أي قولي بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت إلا رغبة في الإسلام لا بغضاً لزوجي، ولا عشقا لرجل مسلم. وقوله تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ لأن الإسلام فصم تلك العصمة التي كانت بين الزوج وزوجته، إذ حرم الله نكاح المشركات، وإنكاح المشركين، ولذا لم يأذن الله تعالى في ردهن إلى أزواجهن الكافرين. وقوله تعالى ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ إذا جاء زوجها المشرك يطالب بها أعطوه ما أنفق عليها من مهر والذي يعطيه هو جماعة المسلمين وإمامهم. وقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أي تتزوجهن إذا آتيتموهن أجورهن أي مهورهن مع باقي شروط النكاح من ولي وشاهدين وانقضاء العدة في المدخول بها. وقوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ أي إذا أسلم الرجل وبقيت امرأته مشركة انقطعت عصمة الزوجية وأصبحت لا تحل لزوجها الذي أسلم، وكذا إذا ارتدت امرأة مسلمة
следующие страницы →