← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦) شرح الكلمات: سبح لله ما في السموات ١ والأرض: أي نزه الله تعالى جميع ما في السموات والأرض بلسان الحال والقال.٢ وهو العزيز الحكيم: أي في ملكه، الحكيم في صنعه وتدبيره. له ملك السموات والأرض: أي يملك جميع ما في السموات والأرض يتصرف كيف يشاء. يحيى ويميت: يحييى بعد العدم ويميت بعد الإيجاد والإحياء. وهو على كل شيء قدير: وهو على فعل كل ما يشاء قدير لا يعجزه شيء. هو الأول والآخر: أي ليس قبله شيء وهو الآخر الذي ليس بعده شيء.٣ والظاهر والباطن: أي الظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء. وهو بكل شيء عليم: أي لا يغيب عن علمه شيء ولو كان مثقال ذرة في السموات والأرض. في ستة أيام: أي من أيام الدنيا مقدرة بها أولها الأحد وآخرها الجمعة. ثم استوى على العرش٤: أي ارتفع عليه وعلا.

стр. 2942

يعلم ما يلج في الأرض: أي ما يدخل في الأرض من كل ما يدخل فيها من مطر وأموات. وما يخرج منها: أي من نبات ومعادن. وما ينزل من السماء: أي من رحمة وعذاب. وما يعرج فيها: أي يصعد فيها من الأعمال الصالحة والسيئة. وهو معكم أينما كنتم: أي بعلمه بكم وقدرته عليكم أينما كنتم. والله بما تعملون بصير: أي لا يخفي عليه من أعمال عباده الظاهرة والباطنة شيء. وإلى الله ترجع الأمور١: أي مرد كل شيء إلى الله خالقه ومدبره يحكم فيه بما يشاء. يولج الليل في النهار: أي يدخل جزءاً من الليل في النهار وذلك في الصيف. ويولج النهار في الليل: ويدخل جزءاً من النهار في الليل وذلك في الشتاء كما يدخل كامل أحدهما في الآخر فلا يبقى إلا ليل أو نهار إذ أحدهما دخل في ثانيهما. وهو عليم بذات الصدور: أي ما في الصدور من المعتقدات والأسرار والنيات. معنى الآيات: يخبر تعالى في هذه الآيات الخمس عن وجوده وعظمته من قدرة وعلم وحكمة ورحمة وتدبيره وملكه ومرد الأمور إليه وكلها مظاهر الربوبية الموجبة للألوهية فأولا تسبيح كل شيء في السموات والأرض أي تنزيهه عن كل نقص كالزوجة والولد والشريك والوزير المعين والعجز والجهل, ثانيا إنه تعالى العزيز ذو العزة التي لا ترام العظيم الانتقام الحكيم في تدبير ملكه فلا شيء في خلقه هو عبث أو لهو أو باطل. ثالثا له ملك السموات والأرض ملكاً حقيقياً يتصرف كيف يشاء يهب من شاء ويمنع من شاء. رابعاً يحيى من العدم ويميت الحي الموجود, خامساً هو على كل شيء قدير لا يعجزه شيء ولا يعجز عن شيء متى أراد الشيء وقال له كن فيكون ولا يتخلف.

стр. 2943

سادساً: هو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء إذ له ميراث السموات والأرض. سابعاً: علمه محيط بكل شيء. ثامناً: خلقه السموات والأرض في ستة أيام الدنيا ابتداء من الأحد وانتهاء بالجمعة وما مسه من لغوب ولا تعب ولا نصب ثم استوى على العرش يدبر ملكوت خلقه بالحكمة ومظاهر العدل والرحمة. تاسعاً: مع علوه وبعده من خلقه فالخلق كله بين يديه يعلم ما يلج في الأرض أي يدخل فيها من أمطار وأموات وما ينزل من السماء من مطر ورحمة وعذاب وملك وغيره, وما يعرج أي يصعد فيها من ملك ومن عمل صالح ودعاء وخاصة دعوة المظلوم فإنها لا تحجب عن الله أبداً. وعاشراً: معية الله تعالى الخاصة والعامة فالخاصة معيته بنصره لأوليائه, والعامة علمه بكل عباده وسائر خلقه, وقدرته عليهم وعلمه بهم. الحادي عشر: بصره تعالى بكل أعمال عباده فلا يخفى عليه شيء منها ليحاسبهم بها ويجزيهم عليها. الثاني عشر: له ملك السموات والأرض أي كل ما في السموات وما في الأرض من سائر الخلق هو ملك لله تعالى وحده لا شريك له فيه ولا في غيره. الثالث عشر: رد كل الأمور إليه فلا يقضي فيها غيره ولا يحكم فيها سواه والظاهر منها كالباطن. الرابع عشر: إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل لمصلحة عباده وفائدتهم إذ لولا هذا التدبير الحكيم لما صلح أمر الحياة ولا استقام هذا الوجود. وأخيراً علمه١ الذي أحاط بكل شيء وتغلغل في كل خفي حتى ذات الصدور من خاطر ووسواس وهم وعزم ونية وإرادة فسبحانه من إله لا إله غيره ولا رب سواه, بهذه المظاهر من الكمالات استحق العبادات فلا تصح العبادة لغيره, ولا تنبغي الطاعة لسواه. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- فضل التسبيح وأفضله سبحان الله وبحمده٢ سبحان الله العظيم. ٢- مظاهر القدرة والعلم والحكمة في هذه الآيات الخمس هي موجبات ربوبية الله تعالى وألوهيته وهي مقتضية للبعث الآخر والجزاء فيه. ٣- في خلقه تعالى السموات والأرض في ستة أيام وهو القادر على خلقهما بكلمة التكوين تعليم لعباده التأني في الأمور وعدم العجلة فيها لتخرج متقنة صالحة نافعة.

стр. 2944

٤- بطلان دعاء غير الله تعالى ورجاء غيره إذ له ملك السموات والأرض وليس لغيره شيء من ذلك. ٥- وجوب مراقبة الله تعالى والحياء منه وتقواه وذلك لعلمه بظواهرنا وبواطننا وقدرته على مجازاتنا عاجلاً وآجلاً. آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) شرح الكلمات: آمنوا بالله ورسوله: أي صدقوا بالله ورسوله يا من لم تؤمنوا بعد واثبتوا على إيمانكم يا من آمنتم قبل. وأنفقوا: أي وتصدقوا في سبيل الله. مما جعلكم مستخلفين فيه: أي من المال الذي استخلفكم الله فيه إذ هو مال من قبلكم وسيكون لمن بعدكم.

стр. 2945

فالذين آمنوا منكم وأنفقوا: أي صدقوا بالله ورسوله وتصدقوا بأموالهم المستخلفين فيها. لهم أجر كبير: أي ثواب عظيم عند الله وهو الجنة. وما لكم لا تؤمنون بالله؟ : أي أي شيء يمنعكم من الإيمان. والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم: أي والحال أن الرسول بنفسه يدعوكم لتؤمنوا بربكم. وقد أخذ ميثاقكم: أي على الإيمان به وأنتم في عالم الذر حيث أشهدكم فشهدتم. إن كنتم مؤمنين: أي مريدين الإيمان فلا تترددوا وأمنوا وأسلموا تنجوا وتسعدوا. هو الذي ينزل على عبده: أي هو الله ربكم الذي يدعوكم رسوله لتؤمنوا به ينزل على عبده محمد ﷺ . آيات بينات: هي آيات القرآن الكريم الواضحات المعاني البينات الدلالة. ليخرجكم من الظلمات إلى النور: أي ليخرجكم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم. وإن الله بكم لرءوف رحيم: ويدلكم على ذلك إرسال رسوله إليكم وإنزال كتابه ليخرجكم من الظلمات إلى النور. وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله: أي أي شيء لكم في عدم الإنفاق في سبيل الله. ولله ميراث السموات والأرض: أي ومن ذلك المال الذي أيديكم فهو عائد إلى الله فأنفقوه في سبيله يؤجركم عليه. وإلا فسيعود إليه بدون أجر لكم. من قبل الفتح وقاتل: أي لا يستوي مع من أنفق وقاتل بعد صلح الحديبية حيث عز الإسلام وكثر مال المسلمين. وكلاً وعد الله الحسنى: أي الجنة, والجنة درجات. من ذا الذي يقرض الله: أي بإنفاقه ماله في سبيل الله الذي هو الجهاد. قرضا حسنا: أيقرضا لا يريد به غير وجه الله تعالى. فيضاعفه له: أي الدرهم بسبعمائة درهم. وله أجر كريم: أي يوم القيامة وهو الجنة دار النعيم المقيم.

стр. 2946

معنى الآيات: بعد ذكر الأدلة والبراهين على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته ووجوب عبادته وتوحيده فيها وتقرير البعث والجزاء يوم لقائه رحمة منه ورأفة بعباده أمرهم جميعا مؤمنيهم وكافريهم بالإيمان به وبرسوله محمد ﷺ فالمؤمنون مأمورون بزيادة الإيمان والثبات عليه والكافرون مأمورون بالإيمان والمبادرة إليه. وبما أن الآيات نزلت بالمدينة بعد الهجرة وبعد صلح الحديبية فإن هذه الأوامر والتوجيهات الإلهية تشمل المؤمنين الصادقين والمنافقين الكاذبين في إيمانهم تشمل الراغبين في الإيمان في مكة وغيرها وهم يترددون في ذلك فوجه الخطاب إلى الجميع لهدايتهم ودخولهم في رحمة الله الإسلام بسرعة ودون تباطئ فقال تعالى ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي صدقوا بوحدانية الله ورسالة رسول الله وأنفقوا مما جعلكم١ مستخلفين فيه من الأموال, ووجه الاستخلاف أن العبد يرث المال عمن سبقه ويموت ويتركه لمن بعده فلا يدفن معه في قبره. وقوله تعالى ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أي ثواب عظيم عند الله وهو الجنة والرضوان فيها. وهذا الإخبار يفيد تنشيط الهمم الفاترة والعزائم المترددة. وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لا٢ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ٣ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ٤﴾ أي أي شيء يجعلكم لا تؤمنون وفرص الإيمان كلها متاحة لكم فإيمانكم الفطرى صارخ في نفوسكم إذ كل من سألكم: من خلقكم؟ من خلق العالم حولكم؟ سماء وأرضا تقولون الله. وأنتم في حرمه وحمى بيته والرسول الكريم بين أيديكم يدعوكم صباح مساء إلى الإيمان بربكم وقد أخذ الله ميثاقكم عليكم بأن تؤمنوا به وذلك يوم أخرجكم في صورة الذر من صلب آدم أبيكم وأشهدكم على أنفسكم فشهدتم. إذاً ما هذا التردد إن كنتم تريدون الإيمان فآمنوا قبل فوات الأوان. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي إنكم تدعون إلى الإيمان بالله الذي ينزل على عبده ورسوله محمد ﷺ آيات واضحات المعاني بينات الدلائل كل ذلك ليخرجكم من الظلمات إلى النور من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم, فما لكم لا تؤمنون إذاً ما هذا التردد والتلكؤ يا عباد الله في الإيمان بالله وبرسول الله, وإن الله بكم لرءوف رحيم فاعرفوا هذا وآمنوا به ويدلكم على ذلك إنزاله الكتاب وإرساله الرسول وتوضيح الأدلة

стр. 2947

وإقامة الحجج والبراهين. وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا١ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ التي هي سبيل إسعادكم وإكمالكم بعد نجاتكم من العذاب في الحياتين مع العلم أن لله ميراث السموات والأرض إذ ما بأيديكم هو لله هو واهبه لكم ومسترده منكم فلم لا تنفقون منه. وقوله تعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ ٢الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ ٣ أي صلح الحديبية لقول الله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ والمراد به صلح الحديبية. أي لا يستوون في٤ الأجر والمثوبة مع من قاتل وأنفق بعد الفتح ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً﴾ من الفريقين ﴿وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾ أي الجنة ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لا يخفى عليه إنفاقكم وقتالكم وعدمهما كما لا يخفى عليه نياتكم وما تخفون في نفوسكم فاحذروه وراقبوه خيراً لكم. وقوله تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي مخلصا فيه لله طيبة به نفسه ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ ربه في الدرهم سبعمائة درهم, ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ألا وه الجنة دار السلام. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وجوب الإيمان بالله ورسوله وتقويته. ٢- وجوب الإنفاق في سبيل الله من زكاة ونفقة جهاد وصدقة على الفقراء والمساكين. ٣- بيان لطف الله ورأفته ورحمته بعباده مما يستلزم محبته وطاعته وشكره. ٤- الإنفاق في المجاعات والشدائد والحروب أفضل منه في اليسر والعافية. ٥- الترغيب في الإنفاق في سبيل الله بمضاعفة الأجر حتى يكون الدينار بألف دينار عند الله تعالى وما عند الله خير وأبقى، وللآخرة خير من الأولى.

стр. 2948

يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) شرح الكلمات: يسعى نورهم بين أيديهم١ وبأيمانهم: أي يتقدمهم نورهم الذي اكتسبوه بالإيمان والعمل الصالح بمسافات بعيدة يضيء لهم الصراط الذي يجتازونه إلى الجنة. بشراكم اليوم جنات تجري: أي تقول لهم الملائكة الذين أعدوا لاستقبالهم بشراكم ... من تحتها الأنهار ذلك هو الفوز العظيم: أي النجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم الذي ى أعظم منه. المنافقون والمنافقات: أي الذين كانوا يخفون الكفر في نفوسهم ويظهرون

стр. 2949

الإيمان والإسلام بألسنتهم. نقتبس من نوركم: أي أنظروا إلينا بوجوهكم نأخذ من نوركم ما يضيء لنا الطريق. قيل ارجعوا رواءكم فالتمسوا نوراً: أي يقال لهم استهزاءً بهم ارجعوا رواءكم إلى الدنيا حيث يطلب النور هناك بالإيمان وصالح الأعمال بعد التخلي عن الشرك والمعاصي فيرجعون وراءهم فلم يجدوا شيئاً. فضرب بينهم بسور له باب: أي فضرب بينهم وبين المؤمنين بسور عال له باب باطنه الذي هو من جهة المؤمنين الرحمة. وظاهره من قبله العذاب: أي الذي من جهة المنافقين في عرصات القيامة العذاب. ينادونهم ألم نكن معكم: أي ينادي المنافقون المؤمنين قائلين ألم نكن معكم في الدنيا على الطاعات أي فنصلي كما تصلون ونجاهد كما تجاهدون وننفق كما تنفقون. قالوا بلى: أي كنتم معنا على الطاعات. ولكنكم فتنتم أنفسكم: أي بالنفاق وهو كفر الباطن وبغض الإسلام والمسلمين. وتربصتم: أي الدوائر بالمسلمين أي كنتم تنتظرون متى يهزم المؤمنون فتعلنون عن كفركم وتعودون إلى شرككم. وغركم بالله الغرور: أي وغركم بالإيمان بالله ورسوله حيث زين لكم الكفر وكره إليكم الإيمان الشيطان. فاليوم لا يؤخذ منكم فدية: أي مال تفدون به أنفسكم إذ لا مال يومئذ ينفع ولا ولد. ولا من الذين كفروا: أي ولا فدية تقبل من الذين كفروا. مأواكم النار هي مولاكم: أي مستقركم ومكان إيوائكم النار وهي أولى بكم لخبث نفوسكم. وبئس المصير: أي مصيركم الذي صرتم إليه وهو النار. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَرَى١ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ هذا الظرف متعلق بقوله ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ في آخر الآية السابقة

стр. 2950

أي لهم أجر كريم يوم ترى المؤمنين والمؤمنات١ في عرصات القيامة نورهم الذي اكتسبوه بإيمانهم وصالح أعمالهم في دار الدنيا ذلك النور يمشي أمامهم يهديهم إلى طريق الجنة، وقد أعطوا كتبهم بأيمانهم. وتقول لهم الملائكة الذين أعدوا لتلقيهم واستقبالهم بشراكم٢ اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار أي تجري الأنهار أنهار الماء واللبن والخمر والعسل من خلال الأشجار والقصور خالدين٣ فيها ماكثين أبدا لا يموتون ولا يخرجون. قال تعالى ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ إذ هو نجاة من النار ودخول الجنان في جوار الرحمن. وقوله تعالى ﴿يَوْمَ٤ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ بدل من قوله يوم ترى المؤمنين والمؤمنات، والمنافقون والمنافقات وهم الذين كانوا في الحياة الدنيا يخفون الكفر في أنفسهم ويظهرون الإيمان بألسنتهم والإسلام بجوارحهم يقولون للذين آمنوا انظرونا أي اقبلوا علينا بوجوهكم ذات الأنوار نقتبس٥ من نوركم أي نأخذ من نوركم ما يضيء لنا الطريق مثلكم قيل فيقال لهم استهزاء بهم ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ إشارة إلى أن هذا النور يطلب في الدنيا بالإيمان وصالح الأعمال فيرجعون إلى الوراء وفوراً يضرب بينهم وبين المؤمنين بسور عال ﴿لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ﴾ وهو يلي المؤمنين فيه الرحمة ﴿وَظَاهِرُهُ﴾ وهو يلي المنافقين ﴿مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ فيأخذون في ندائهم ألم نكن معكم على الطاعات أيها المؤمنون فقد كنا نصلي معكم ونجاهد معكم وننفق كما تنفقون فيقول لهم المؤمنون بلى أي كنتم معنا في الدنيا على الطاعات في الظاهر ولكنكم فتنتم أنفسكم بالنفاق وتربصتم بنا الدوائر لتعلنوا عن كفركم وتعودوا إلى شرككم، وارتبتم أي شككتم في صحة الإسلام وفي عقائده ومن ذلك البعث الآخر وغرتكم الأماني الكاذبة والأطماع في أن محمداً لن ينتصر وأن دينه لن يظهر، حتى جاء أمر الله بنصر رسوله وإظهار دينه وغركم بالله الغرور أي بالإيمان بالله أي بعد معاجلته لكم بالعذاب والستر عليكم وعدم كشف الستار عنكم وإظهاركم على ما أنتم عليه من الكفر الغرور أي الشيطان إذ هو الذي زين لكم الكفر وذكركم بعفو الله وعدم مؤاخذته لكم. قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ أي فداء مهما كان ولا من الذين كفروا كذلك

стр. 2951

مأواكم النار أي محل إيوائكم وإقامتكم الدائمة النار هي مولاكم١ أي من يتولاكم ويضمكم في أحضانه وهي أولى بكم لخبث نفوسكم وعفن أرواحكم من جراء النفاق والكفر، وبئس المصير الذي صرتم إليه إنه النار. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير البعث بذكر أحداثه وما يجري فيه. ٢- تقرير أن الفوز ليس ربح الشاة والبعير ولا الدار ولا البستان في الدنيا وإنما هو الزحزحة عن النار ودخول الجنان يوم القيامة هذا هو الفوز العظيم. ٣- من بشائر السعادة لأهل الإيمان قبل دخولهم الجنة تلقي الملائكة لهم وإعطاؤهم كتبهم بإيمانهم ووجود نور عال يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يتقدمهم على الصراط إلى الجنة. ٤- نور يوم القيامة في وجوه المؤمنين أخذوه من الدنيا وفي الحديث: "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة"٢. ٥- بيان صفات المنافقين في الدنيا وهي إبطان الكفر في نفوسهم والتربص بالمؤمنين للانقضاض عليهم متى ضعفوا أو هزموا وأمانيهم في عدم نصرة الإسلام. وشكهم الملازم لهم حتى أنهم لم يخرجوا منه إلى أن ماتوا شاكين في صحة الإسلام وما جاء به وأخبر عنه من وعد ووعيد. أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا

стр. 2952

اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩) شرح الكلمات: ألم يأن للذين آمنوا: أي ألم يحن الوقت للذين أكثروا من المزاح. أن تخشع قلوبهم لذكر الله: أي تلين وتسكن وتخضع وتطمئن لذكر الله ووعده ووعيده. وما نزل من الحق: أي القرآن وما يحويه من وعد ووعيد. ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب: أي ولا يكونوا كاليهود والنصارى في الإعراض والغفلة. من قبل فطال عليهم الأمد: أي الزمن بينهم وبين أنبيائهم. فقست قلوبهم: أي لعدم وجود من يذكرهم ويرشدهم فقست لذلك قلوبهم فلم تلن لذكر الله. وكثير منهم فاسقون: أي نتيجة لقساوة القلوب المترتبة على ترك التذكير والإرشاد ففسق أكثرهم فخرج عن دين الله ورفض تعاليمه. اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها: أي بالغيث ينزل بها وكذلك يحيي القلوب بالذكر والتذكير فتلين وتخشع لذكر الله ووعده ووعيده. قد بينا لكم الآيات لعلكم: أي بينا لكم الآيات الدالة على قدرتنا وعلمنا ولطفنا ورحمتنا رجاء أن تعقلوا تعقلون فتحفظوا أنفسكم مما يرديها ويوبقها. إن المصدقين والمصدقات: أي المتصدقين بفضول أموالهم والمتصدقات كذلك. واقرضوا الله قرضا حسنا: أي وكانت صدقاتهم كالقرض الحسن الذي لا منة معه والنفس طيبة به وراجية من ربها جزاءه. يضاعف لهم: أي القرض الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى ألف ألف. والذين آمنوا بالله ورسوله: أي صدقوا بالله رباً وإلهاً وبرسله هداة ودعاة صادقين.

стр. 2953

أولئك هم الصديقون: أي الذين كتبوا عند الله صديقين وهي مرتبة شرف عالية. والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم: أي وشهداء المعارك في سبيل الله عند ربهم أي في الجنة لهم أجرهم العظيم ونورهم التام يوم القيامة. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا: أي كفروا بالله وتوحيده وكذبوا بالقرآن وبما حواه من الشرائع والأحكام. أولئك أصحاب الجحيم: أي أولئك البعداء هم أهل النار الذين لا يفارقونها أبداً. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١ أي بالله رباً وإلهاً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً وبوعد الله ووعيده صدقا وحقا ألم يحن٢ الوقت لهم أن تخشع قلوبهم فتلين وتطمئن إلى ذكر الله وتخشع كذلك ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ في الكتاب الكريم فيعرفون المعروف ويأمرون به ويعرفون المنكر وينهون عته إنها لموعظة إلهية عظيمة وزادها عظمة أن تنزل في أصحاب رسول الله تستبطئ قلوبهم. فكيف بمن بعدهم. وقوله: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل البعثة المحمدية وهم اليهود والنصارى فطال عليهم الأمد وهو الزمان الطويل بينهم وبين أنبيائهم فلم يذكروا ولم يرشدوا فقست قلوبهم من أجل ذلك وأصبح أكثرهم فاسقين٣ عن دين الله خارجين عن شرائعه لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً. وقوله تعالى ﴿اعْلَمُوا﴾ أي أيها المؤمنون المصابون ببعض الغفلة فكثر مزاجهم وضحكهم ﴿أَنَّ اللهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يحييها بالغيث فتنبت وتزدهر فكذلك القلوب٤ تموت بترك التذكير والتوجيه والإرشاد وتحيا على التذكير والإرشاد. وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ﴾ أي وضحناها لكم في هذا الكتاب الكريم لعلكم

стр. 2954

تعقلون أي لنعدكم بذلك لتعقلوا عنا ما نخاطبكم به وننصح لكم فيه فاذكروا هذا ولا تنسوه. وراجعوا قلوبكم وتعهدوها بذكر الله والدار الآخرة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ﴾ أي المتصدقين بفضول أموالهم في سبيل الله والمصدقات أي والمتصدقات كذلك وأقرضوا الله قرضاً حسناً بما أنفقوه في الجهاد طيبة به نفوسهم لا منة فيه ولا رياء ولا سمعة هؤلاء يضاعف لهم أي ثواب صدقاتهم وإقراضهم ربهم إلى عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى ألف ألف ولهم أجر كريم وهو الجنة والذين آمنوا بالله ورسله فصدقوا بالله رباً وإلهاً وبرسل الله المصطفين هداة إلى الله ودعاة إليه هؤلاء هم الصديقون١ ففازوا بمرتبة الصديقية والشهداء الذين٢ استشهدوا في معارك الجهاد هم الآن عند ربهم لهم أجرهم ونورهم أرواحهم في حواصل طير خضر ترعى في الجنة. هؤلاء الأصناف الثلاثة مثلهم مثل السابقين وأصحاب اليمين. والذين كفروا أي بالله ورسله وكذبوا بآياتنا أي بآيات ربهم الحاوية لشرائعه وعبادته فلم يعبدوه بها هؤلاء الأدنون هم أصحاب الجحيم الذين يلازمونها وتلازمهم أبداً نعوذ بالله من حالهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- التحذير من الغفلة ونسيان ذكر الله وما عنده من نعيم وما لديه من نكال وعذاب. ٢- وجوب التذكير للمؤمنين والوعظ والإرشاد والتعليم خشية أن تقسوا قلوبهم فيفسقوا كما فسق أهل الكتاب ويكفروا كما كفروا. ٣- تقرير حقيقة وهي أن الأرض تحيا بالغيث والقلوب تحيا بالعلم والمواعظ والتذكير بالله. ٤- بيان أصناف المؤمنين ورتبهم وهم المتصدقون والمقرضون في سبيل الله أموالهم والمؤمنون بالله ورسله حق الإيمان والصديقون وشهداء الجهاد في سبيل الله جعلنا الله منهم. اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ

стр. 2955

وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) شرح الكلمات: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو: أي أن الحياة الدنيا أشبه بالأمور الخيالية قليلة النفع سريعة الزوال. وزينة: أي ما يتزين به المرء من أنواع الزينة والزينة سريعة التغير والزوال. وتفاخر بينكم وتكاثر في: أي أنها لا تخرج عن كونها لهواً ولعباً وزينة وتفاخراً وتكاثراً في الأموال والأولاد. الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته: أي مثلها في سرعة زوالها وحرمان صاحبها من الدار الآخرة ونعيمها كمثل مطر أعجب الكفار: أي الزراع أعجبهم نباته أي ما نبت به من الزرع. ثم يهيج فتراه مصفراً: أي يبس فتراه مصفراً آن أوان حصاده. ثم يكون حطاما: ثم يتحول بسرعة إلى حطام يابس يتفتت. إلا متاع الغرور: أي وما الحياة الدنيا في التمتع بها إذ الحياة نفسها غرور لا حقيقة لها. سابقوا إلى مغفرة من ربكم: أي سارعوا بالتوبة مسابقين غيركم لتغفر لكم ذنوبكم وتدخلوا جنة ربكم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء: أي الموعود به من المغفرة والجنة.

стр. 2956

والله ذو الفضل العظيم: أي فلا يبعد تفضله بذلك الموعود به وإن كان عظيماً. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في توجيه المؤمنين وإرشادهم إلى ما يزيد في كمالهم وسعادتهم في الحياتين فخاطبهم قائلا: اعلموا أيها١ المؤمنون الذين استبطانا قلوبهم أي خشوعها إذ الإقبال على الدنيا هو سبب الغفلة عن الآخرة ومتطلباتها من الذكر والعمل الصالح ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ٢ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ هذه حقيقتها وهي أمور خيالية قليلة النفع سريعة الزوال. فلا تغتروا بها ولا تقبلوا بكلكم عليها أنصح لكم بذلك. فاللهو كاللعب لا يخلفان منفعة تعود على اللاهي اللاعب، والزينة سرعان ما تتحول وتتغير وتزول والتفاخر بين المتفاخرين مجرد كلام ما وراءه طائل أبداً والتكاثر لا ينتهي إلى حد ولا يجمع إلا بالشقاء والنصب والتعب ثم يذهب أو يذهب عنه فلا بقاء له ولا دوام وله تبعات لا ينجو منها صاحبها إلا برحمة من الله وإليكم مثل الحياة الدنيا إنها ﴿كَمَثَلِ ٣غَيْثٍ﴾ أي مطر ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾ أي الفلاحين الذين كفروا بذرة بالتربة ﴿نَبَاتُهُ﴾ الذي نبت به أي المطر ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ﴾ بعد أيام ﴿مُصْفَرّاً﴾ ٤ ثم يهيج أي ييبس ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً﴾ يتفتت هذه هي الدنيا من بدايتها إلى نهايتها المؤلمة أما الآخرة ففيها عذاب شديد لأهل الشرك والمعاصي لابد لهم منه يفارقونه، ومغفرة من الله ورضوان لأهل التوحيد وصالح الأعمال وما الحياة الدنيا وقد عرضنا عليكم مثالها فما هي إلا متاع الغرور أي إنها لا حقيقة لها وكل ما فيها من المتع التي يتمتع بها إلا غرور باطل. وعليه فأنصح لكم٥ سابقوا إلى مغفرة من ربكم أي سارعوا بالتوبة مسابقين بعضكم بعضا لتغفر ذنوبكم وتدخلوا جنة ربكم التي عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله أي هيئت وأحضرت فهي معدة مهيأة. ذلك فضل الله أي المغفرة ودخول الجنة يؤتيه من يشاء ومن سارع إلى التوبة فآمن وعمل صالحاً وتخلى عن الشرك والآثام فهو ممن شاء له فضله ولذلك وفقه للإيمان وصالح الأعمال. والله ذو الفضل

стр. 2957

العظيم فلا يستبعد منه ذلك المطلوب المرغوب من النجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- التحذير من الاغترار بالحياة الدنيا. ٢- الدعوة إلى المسابقة في طلب مغفرة الذنب ودخول الجنة. ٣- بيان الجنة وبيان ما يكسبها وهو الإيمان بالله ورسله ومستلزماته من التوحيد والعمل الصالح. مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ ِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) شرح الكلمات: ما أصاب من مصيبة في الأرض: أي بالجدب وذهاب المال. ولا في أنفسكم: أي بالمرض وفقد الولد. إلا في كتاب من قبل أن نبرأها: أي في اللوح المحفوظ قبل أن نخلقها.

стр. 2958

إن ذلك على الله يسير: أي سهل ليس بالصعب. لكيلا تأسوا على ما فاتكم: أي لكيلا تحزنوا على ما فاتكم أي مما تحبون من الخير. ولا تفرحوا بما آتاكم: أي بما أعطاكم فرح البطر أما فرح الشكر فهو مشروع. والله لا يحب كل مختال فخور: أي مختال بتكبره بما أعطى، فخور أي به على الناس. الذين يبخلون: أي بما وجب عليهم أن يبذلوه. ويأمرون الناس بالبخل: أي بمنع ما وجب عليهم عطاؤه. ومن يتول: أي عن الإيمان والطاعة وقبول مواعظ ربهم. فإن الله غني: أي غني عن سائر حلقه لأن غناه ذاتي له لا يستمده من غيره. حميد: أي محمود بجلاله وجماله وآلائه ونعمه على عباده. بالبينات: أي بالحجج والبراهين القاطعة على صدق دعوتهم. وأنزلنا معهم الكتاب: أي وأنزل عليهم الكتب الحاوية للشرائع والأحكام. والميزان: أي العدل الذي نزلت الكتب بالأمر به وتقريره. ليقوم الناس بالقسط: أي لتقوم حياتهم فيما بينهم على أساس العدل. فيه بأس شديد: أي في الحديد بأس شديد والمراد آلات القتال من سيف وغيره. ومنافع للناس: أي ينتفع به الناس إذ ما من صنعة إلا والحديد آلتها. وليعلم الله من يصره ورسله: أي وأنزلنا الحديد وجعلنا فيه بأساً شديداً ليعلم الله من ينصره في دينه وأوليائه وينصر رسله المبلغين عنه. بالغيب: أي وهم لا يشاهدونه بأبصارهم في الدنيا. إن الله قوي عزيز: أي لا حاجة إلى نصرة أحد وإنما طلبها يتعبد بها عبادة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في إرشاد المؤمنين وتوجيههم إلى ما يكملهم ويسعدهم فقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ أي ما أصابكم أيها المؤمنون من مصيبة في الأرض بالجدب والقحط أو الطوفان أو الجوائح تصيب الزرع ﴿وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ بالمرض وفقد الولد إلا وهي في كتاب أي في كتاب المقادير، اللوح المحفوظ مكتوبة بكميتها وكيفيتها وزمانها ومكانها ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي وذلك قبل خلق الله تعالى لها

стр. 2959

وإيجادها. وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أي علمه بها وكتابته لها قبل خلقها وإيجادها في وقتها سهل على الله يسير. وقوله ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ أي أعلمناكم بذلك بعد قضائنا وحكمنا به أزلاً من أجل ألا تحزنوا على ما فاتكم مما تحبون في دنياكم من الخير، ولا تفرحوا بما آتاكم١ فرح الأشر والبطر فإنه مضر أما فرح الشكر فلا بأس به فقد ينعم الله على العبد ليشكره. وقوله: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ ٢مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ يحذر أولياءه من خصلتين ذميمتين لا تنبغيان للمؤمن وهما الاختيال أي التكبر والفخر على الناس بما أعطاه الله وحرمهم. وقوله ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ هذا بيان لمن لا يحبهم الله وهم أهل الكبر والفخر بذكر صفتين قبيحتين لهم وهما البخل الذي هو منع الواجب والأمر بالبخل والدعوة إليه فهم لم يكتفوا ببخلهم فأمروا غيرهم بالبخل الذي هو منع الواجب وعدم بذله والعياذ بالله من هذه القبائح الأربع. وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي٣ عن الإيمان والطاعة وعدم قبول وعظ الله وإرشاده ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن سائر خلقه لأن غناه ذاتي له لا يستمده من غيره ﴿الْحَمِيدُ﴾ أي محمود بجلاله وجماله وإنعامه على سائر عباده. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا٤ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي بالحجج القواطع وأنزلنا معهم الكتاب الحاوي للشرائع والأحكام التي يكمل عليها الناس ويسعدون وأنزلنا الميزان وذلك ليقوم الناس بالعدل أي لتقوم حياتهم على أساس العدالة والحق. وقوله تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي وكما أنزلنا الكتاب للدين والعدل للدنيا أنزلنا الحديد لهما معاً للدين والدنيا فيما فيه من البأس الشديد في الحروب فهو لإقامة الدين بالجهاد ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ إذ سائر الصناعات متوقفة عليه فهو للدنيا.

стр. 2960

وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ١ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ أي من الحكمة في إنزال الحديد أن يعلم الله من ينصره أي ينصر دينه ورسله بالجهاد معهم والوقوف إلى جانبهم وهم يبلغون دعوة ربهم بالغيب أي وهم لا يشاهدون الله تعالى بأعينهم وإن عرفوه بقلوبهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ إعلام بأنه لا حاجة به إلى نصرة أحد من خلقه وذلك لقوته الذاتية وعزته التي لا ترام، وإنما كلف عباده بنصرة دينه ورسله وأوليائه تشريفاً لهم وتكريماً وليرفعهم بذلك إلى مقام الشهداء. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة القضاء والقدر. ٢- بيان الحكمة في معرفة القضاء والقدر والإيمان بهما. ٣- حرمة الاختيال والفخر والبخل والأمر بالبخل. ٤- بيان إفضال الله وإنعامه على الناس بإرسال الرسل وإنزال الكتب والميزان وإنزال الحديد بما فيه منافع للناس وبأس شديد. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)

стр. 2961

شرح الكلمات: ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم: أي وتالله لقد أرسلنا نوحاً هو الأب الثاني للبشر وإبراهيم هو أبو الأنبياء. والكتاب: أي التوراة والزبور والإنجيل والفرقان. فمنهم مهتد: أي من أولئك الذرية أي سالك سبيل الحق والرشاد. وكثير منهم فاسقون: أي عن طاعة الله ورسله ضال في طريقه. ثم قفينا على آثارهم برسلنا: أي أرسلنا رسولاً بعد رسول حتى انتهينا إلى عيسى. وقفينا بعيسى بن مريم: أي أتبعناهم بعيسى بن مريم لتأخره عنهم في الزمان. وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه: أي على دينه وهم الحواريون وأتباعهم. رأفة ورحمة: أي ليناً وشفقة. ورهبانية ابتدعوها: أي وابتدعوا رهبانية لم يكتبها الله عليهم. وهي اعتزال النساء والانقطاع في الأديرة والصوامع للتعبد. إلا ابتغاء رضوان الله: أي إلا طلبا لرضوان الله . فما رعوها حق رعايتها: أي لم يلتزموا بما نذروه على أنفسهم من الطاعات. فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم: أي فأعطينا الذين ثبتوا على إيمانهم وتقواهم أجرهم. وكثير منهم فاسقون: لا أجر لهم ولا ثواب إلا العقاب. معنى الآيات: يخبر تعالى أنه كما أرسل رسله وأنزل معهم الكتاب والميزان أرسل كذلك نوحاً وإبراهيم فنوح هو أبو البشر الثاني١ وإبراهيم هو أبو الأنبياء من بعده ذكرهما لمزيد شرفهما، ولما لهما من آثار طيبة فقال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ﴾ أي في أولادهما النبوة والكتاب فهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط من ذرية نوح وإسماعيل وإسحاق وباقي أنبياء من ذرية إبراهيم وقوله ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ٢﴾ أي فمن أولئك الذرية المهدى وأكثرهم فاسقون وقوله ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ٣ بِرُسُلِنَا﴾ أي رسولا بعد رسول عيسى بن مريم، وقفينا بعيسى بن مريم أي أتبعاتهم بعيسى

стр. 2962

بن مريم كل ذلك لهداية العباد إلى ما يكملهم ويسعدهم وقوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ أي آتينا عيسى بن مريم الإنجيل وجعلنا في١قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة والرأفة أشد الرحمة. وقوله تعالى ﴿وَرَهْبَانِيَّةً٢ ابْتَدَعُوهَا﴾ أي ابتدعها الذين اتبعوا عيسى ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ٣﴾ أي لم يكتبها الله عليهم لما فيها من التشديد ولكن ما ابتدعوها إلا طلباً ًلرضوان الله ومرضاته فما رعوها حق رعايتها حيث لم يوفوا بما التزموا به من ترك الدنيا والإقبال على الآخرة حيث تركوا النساء ولبسوا الخشن من الثياب وأكلوا الخشن من الطعام ونزلوا الصوامع والأديرة. ولهذه الرهبانية سبب مروى عن ابن عباس ﵄ نذكره باختصار للفظه ومعناه قال كان بعد عيسى ملوك بدلوا التوراة وحرفوا الإنجيل وألزموا العامة بذلك، وكان بينهم جماعة رفضوا ذلك التحريف للدين ولم يقبلوه ففروا بدينهم، والتحقوا بالجبال وانقطعوا عن الناس مخافة قتلهم أو تعذيبهم لمخالفتهم دين ملوكهم المحدث الجديد فهذا الانقطاع بداية الرهبانية، وهاش أولئك المؤمنون وماتوا وجاء جيل من أبناء الدين المحرف فذكروا سيرة الصالحين الأولين فأرادوا أن يفعلوا فعلهم فانقطعوا إلى الصوامع والأديرة، ولكنهم جهال وعلى دين محرف مبدل فاسد فما انتفعوا بالرهبانية المبتدعة وفسق أكثرهم عن طاعة الله ورسوله. وهو ما دل عليه قوا الله تعالى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ وهم الأولون المؤمنون الذين فروا من الكفر والتعذيب وعبدوا الله تعالى بما شرع، وقوله ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وهم الذين أتوا من بعدهم إلى يومنا هذا إذ هم يعبدون الله بدين محرف باطل ولم يلتزموا بالرهبنة الصادقة بالزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: ١- بيان منة الله على عباده بإرسال الرسل. ٢- بيان سنة الله في الناس وهي أنه إذا أرسل الرسل لهداية الناس يهتدي بعض ويضل بعض فيفسق.

стр. 2963

٣- ثناء الله على عيسى بن مريم وأتباعه بحق الحواريين وغيرهم إلى أن غيرت الملوك دين المسيح وضل الناس وأصبحوا فاسقين عن دين الله تعالى. ٤- تحريم البدع والابتداع ولا رهبانية في الإسلام ولكن يعبد الله بما شرع. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) شرح الكلمات: يا أيها الذين آمنوا: أي بعيسى بن مريم وموسى. اتقوا الله وآمنوا برسوله: أي خافوا عقاب الله وآمنوا بمحمد ﷺ واتبعوه. يؤتكم كفلين: يعطكم الله نصيبين من الأجر مقابل إيمانكم بنبيكم وبمحمد ﷺ . ويجعل لكم نوراً تمشون به: أي في الدنيا إذ تعيشون على هداية الله وفي الآخرة تمشون به على الصراط. لئلا يعلم أهل الكتاب: أي لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله. واللم في لئلا مزيدة لتقوية الكلام. معنى الآيتين: هذا نداء الله لأهل الكتاب بعد أن ذكر نبذة عن رسلهم وأتباعهم نادى الموجودين منهم بعنوان الإيمان١ أي يا من آمنتم بالرسل السابقين حسب إدعائكم اتقوا الله فلا تفرقوا بين رسل الله وآمنوا

стр. 2964

برسوله محمد ﷺ يؤتكم أي يعطكم كفلين أي حظين ونصيبين من رحمته ومثوبته ويجعل لكم نوراً تمشون به في الدنيا وهو الهداية الإسلامية إذ الإسلام صراط مستقيم صاحبه لا يضل ولا يشقى وتمشون به في الآخرة على الصراط إلى دار السلام الجنة, ويغفر لكم ذنوبكم الماضية والحاضرة والله غفور رحيم١. وذلك ليعلم أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين رفضوا الإيمان بمحمد ﷺ والدخول في الإسلام أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله أي لا يقدرون على الحصول على شيء٢ من فضل الله، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: ١- أعظم نصيحة تقدم لأهل الكتاب لو أخذوا بها تضمنها نداء الله لهم وما وعدهم به في هذه الآية الكريمة. ٢- فضل الإيمان والتقوى إذ هما سبيل الولاية والكرامة في الدنيا والآخرة. ٣- إبطال مزاعم أهل الكتاب في احتكار الجنة لهم، وإعلامهم بأنهم محرومون منها ما لم يؤمنوا برسول الله ويتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

стр. 2965

الجزء الثامن والعشرون سورة المجادلة مدنية وآياتها اثنتان وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤) شرح الكلمات: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها: أي تراجعك أيها النبي في شأن زوجها أوس بن الصامت. وتشتكي إلى الله: أي وحدتها وفاقتها وصبية صغاراً إن ضمتهم إليه ضاعوا وإن ضمهم إليها جاعوا. والله يسمع تحاوركما: أي تراجعكما أنت أيها الرسول والمحاورة لك وهي خولة بنت ثعلبة. إن الله سميع بصير: أي لأقوالكما بصير بأحوالكما.

стр. 2966

الذين يظاهرون منكم من: أي يحرمون نساءهم يقول أنت علي كظهر أمي. نسائهم ما هن أمهاتهم: أي ليس هن بأمهاتهم. إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم: ما أماتهم إلا اللائي ولدنهم، أو أرضعنهم. وإنهم ليقولون منكراً من القول وزورا: أي وإنهم بالظهار ليقولون منكراً من القول وزوراً أي كذباً. وإن الله لعفو غفور: أي على عباده أي ذو صفح عليهم غفورٌ لذنوبهم إن تابوا منها. والذين يظاهرون من نسائهم١: أي بأن يقول لها أنت علي كظهر أمي أو أختي ونحوها من المحارم. ثم يعودون لما قالوا: أي يعزمون على العودة للتي ظاهروا منها، إذ كان الظهار في الجاهلية طلاقاً. فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا: أي فالواجب عليه تحرير رقبة مؤمنة قبل أن يجامعها. ذلكم توعظون به: أي تأمرون به فافعلوه على سبيل الوجوب. فمن لم يجد فصيام شهرين: أي فمن لم يجد الرقبة لانعدامها أو غلاء ثمنها فالواجب صيام شهرين متتابعين. متتابعين من قبل أن يتماسا: أي من قبل الوطء لها. فمن لم يستطع: أي الصيام لمرض أو كبر سن. فإطعام ستين مسكيناً: أي فعليه قبل الوطء، أن يطعم ستين مسكيناً يعطي لكل مسكين مداً من٢ بر أو مدين من غير البر كالتمر والشعير ونحوهما من غالب قوت أهل البلد. ذلك: أي ما تقدم من بيان حكم الظهار الذي شرع لكم. لتؤمنوا بالله ورسوله: أي لأن الطاعة إيمان والمعصية من الكفران.

стр. 2967

وتلك حدود الله: أي أحكام شرعه. وللكافرين عذاب أليم: أي وللكافرين بها الجاحدين لها عذاب أليم أي ذو ألمٍ. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ﴾ هذه الآية الكريمة نزلت في خولة بنت ثعلبة الأنصارية وفي زوجها أوس بن الصامت أخي عبادة بن الصامت ﵃ أجمعين كان قد ظاهر منها زوجها أوس، فقال لها في غضب غير مغلق أنت علي كظهر أمي، وكان الظهار يومئذٍ طلاقاً، وكانت المرأة ذات أطفال صغار وتقدم بها وبزوجها السن فجاءت لرسول الله ﷺ تشكوا إليه ما قال زوجها فذكرت للرسول ﷺ ضعفها١ وضعف زوجها وضعف أطفالها الصغار، وما زالت تراجع الرسول ﷺ وتحاوره في شأنها وشأن زوجها حتى نزلت هذه الآيات الأربع من فاتحة سورة المجادلة التي سميت بها السورة فقيل سورة المجادلة بكسر الدال، ويصح فتحها فقال تعالى مخاطباً رسوله ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ أي قد سمع الله قول المرأة التي تجادلك أي تراجعك في شأن زوجها الذي ظاهر منها، وتشتكي إلى الله بعد أن قلت لها: والله ما أمرت في شأنك بشيء، تشكو إلى الله ضعف حالها. ﴿وَاللهُ يَسْمَعُ٢ تَحَاوُرَكُمَا﴾ أي مراجعتكما لبعضكما بعضاً الحديث وأجابكما ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي سميع لأقوال عباده عليم بأحوالهم وهذا حكم الظهار فافهموه واعملوا به. أولاً: أن الظهار الذي هو قول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي لا يجعل المظاهر منها أماً له إذ أمه هي التي ولدته وخرج من بطنها، والزوجة لا تكون أماً بحال من الأحوال. ثانياً: هذا القول كذب وزور ومنكر من القول وقائله آثم فليتب إلى الله ويستغفره. ثالثاً: لولا عفو الله وصفحه على عباده المؤمنين ومغفرته للتائبين لعاقبهم على هذا القول الكذب الباطل. رابعاً: على الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا أي يعزمون على وطئها بعد الظهار منها فالواجب عليهم قبل الوطء لها تحرير رقبة ذكراً كانت أو أنثى صغيرة أو كبيرة لكن مؤمنة لا كافرة، فمن لم يجد الرقبة لانعدامها، أو غلاء ثمنها فيجزئه صيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع لعلة قامت به فالواجب إطعام ستين مسكيناً يعطى كل مسكين مداً من بر أو نصف صاع من

стр. 2968

غير البر كالشعير والتمر ونحوهما كل ذلك من قبل أن يتماسا من باب حمل المطلق على المقيد إذ قيد الأول بقبل المسيس١ فيحمل هذا الأخير عليه. وقوله ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي ذلك الذي تقدم من بيان حكم الظهار٢ شرعه لكم لتؤمنوا بالله ورسوله إذ الإيمان اعتقاد وقول وعمل، فطاعة الله ورسوله إيمان ومعصيتهما من الكفران. وقوله تعالى ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي لا تعتدوها بل قفوا عندها وللكافرين بها المتعدين لها عذاب أليم أي ذو ألم موجع جزاء تعديهم حدود الله. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- إجابة الله لأوليائه بتفريج كروبهم وقضاء حوائجهم فله الحمد وله الشكر. ٢- حرمة الظهار باعتباره منكراً وكذباً وزوراً فيجب التوبة منه. ٣- بيان حكم المظاهر وهو أن عليه عتق رقبة قبل أن يجامع امرأته المظاهر منها. فإن لم يجد الرقبة المؤمنة صام شهرين متتابعين من الهلال إلى الهلال وإذا انقطع التتابع لمرض بنى على ما صامه. فإن لم يستطع لمرض ونحوه أطعم ستين مسكيناً فأعطى لكل مسكين على حدة مداً من بر أو مدين من غير البر كالشعير والتمر. ٤- لو جامع المظاهر قبل إخراج الكفارة أثم فليستغفر ربه وليخرج كفارته. ولا شيء عليه لحديث الترمذي الصحيح. ٥- طاعة الله ورسوله إيمان، ومعصية الله ورسوله من الكفران. إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ

стр. 2969

مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) شرح الكلمات: إن الذين يحادون الله ورسوله: أي يخالفون الله ورسوله ويعادونهما. كبتوا كما كبت الذين من قبلهم: أي ذلوا وأهينوا كما ذل وأهين من قبلهم لمخالفتهم رسولهم. وقد أنزلنا آيات بينات: أي والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات دالة على صدق الرسول. عذاب مهين: أي يوقعهم في الذل والهوان. يوم يبعثهم الله جميعاً: أي يوم القيامة. أحصاه الله ونسوه: أي جمعه وعده ونسوه هم. والله على كل شيء شهيد: أي لا يغيب عنه شيء من الأشياء. ما يكون من نجوى: أي من متناجين. ثلاثة إلا هو رابعهم: إلا هو تعالى رابعهم بعلمه بهم، وقدرته عليهم. ولا أدنى من ذلك: أي أقل من الثلاثة وهما الاثنان. إلا هو معهم أينما كانوا: أي في أي مكان من الأرض أو السماء. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ هذه الآية تحمل بشرى لرسول الله ﷺ بإعلامه بهزيمة قريش وهي تحزب الأحزاب لحربه في غزوة الخندق فقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ١ وَرَسُولَهُ﴾ أي يخالفون الله ورسوله ويعادونهما٢ كبتوا أي ذلوا وأهينوا كما كبت الذين من قبلهم الذين كذبوا رسلهم فأكبتهم الله أي أذلهم وأهانهم. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ كلها دالة على صدق رسولنا فيما جاءهم به ودعاهم

стр. 2970

إليه، ومع هذا عادوه وحاربوه فلهذا يكبتهم الله ويذلهم في الدنيا وللكافرين١ أمثالهم عذاب مهين يوم القيامة يوم٢ يبعثهم الله جميعاً لا يتخلف منهم أحد فينبئهم بما عملوا من الشر والفساد. أحصاه الله إذ كتبته ملائكته وكتب قبل فعلهم له في كتاب المقادير اللوح المحفوظ ونسوه لعمى قلوبهم وكفرهم بربهم ولقائه فلا يذكرون لهم ذنباً حتى يتوبوا منه ويستغفروا. وقوله تعالى ﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي زيادة على أن أعمالهم كتبها في اللوح المحفوظ وأن الملائكة من الكرام الكاتبين قد كتبوها فإن الله تعالى شهيد على كل شيء فلا يقع شيء إلا تحت بصره وعلمه. وقوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ تقرير لما سبق من إحاطة علم الله بكل شيء وأن أعمال أولئك المخالفين المحادين محصية معلومة وسيجزيهم بها أي ألم تعلم يا رسولنا أن الله تعالى يعلم ما في السموات وما في الأرض من دقيق الأشياء وجليلها ورد أن جماعة من المنافقين تخلفوا يتناجون بينهم إغاظة للمؤمنين فنزلت هذه الآية تعرض بهم وتكشف الستار عن نياتهم. ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى٣﴾ أي من ذوي نجوى أو من متناجين ثلاثة إلا وهو رابعهم، أي إلا والله تعالى رابعهم بعلمه بهم وقدرته عليهم وهذه فائدة المعية العلم والقدرة على الأخذ والعطاء، ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك كالأثنين، ولا أكثر إلا هو معهم بعلمه وقدرته وإحاطته أينما كانوا تحت الأرض أو فوقها في السماء أو دونها، ثم ينبئهم أي يخبرهم ويعلمهم بما عملوا يوم القيامة ليجزيهم به ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تقرير لما سبق من علمه بالمحادين له وبالمنافقين المناوئين للمؤمنين وسيجزى الكل بعدله وهو العزيز الحكيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وعيد الله الشديد بالإكبات والذل والهوان لكل من يحاد الله ورسوله. ٢- أحاطة علم الله بكل شيء وشهوده لكل شيء وإحصاه لكل أعمال العباد حال توجب مراقبة الله تعالى والخشية منه والحياء منه أشد الحياء. ٣- الإرشاد إلى أن التناجي للمشاورة في الخير ينبغي أن يكون عدد المتناجين ثلاثة أو خمسة

стр. 2971

أو سبعة ليكون الواحد عدلا مرجحا للخلاف قاضيا فيه إذ اختلف اثنان لابد من واحد يرجح جانب الخلاف وإذا اختلف أربعة لابد من خامس يرجح جانب الخلاف. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) شرح الكلمات: ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى: أي المسارة الكلامية والمنهيون هم اليهود والمنافقون. ثم يعودون لما نهوا: أي من التناجي تعمداً لأذية المؤمنين بالمدينة. ويتناجون بالإثم والعدوان: أي بما هو إثم في نفسه, وعداوة الرسول والمؤمنين. ومعصية الرسول: أي يتناجون فيوصي بعضهم بعضاً بمعصية الرسول وعدم طاعته. وإذا جاءوك حيوك: أي جاءوك أيها النبي حيوك بقولهم السام عليك. بما لم يحبك به الله: أي حيوك بلفظ السام عليك, وهذا لم يحيي الله به رسوله بل حياه بلفظ السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

стр. 2972

ويقولون في أنفسهم: أي سراً فيما بينهم. لولا يعذبنا الله بما نقول: أي هلا يعذبنا الله بما نقول له, فلو كان نبياً لعاجلنا الله بالعقوبة. حسبهم جهنم يصلونها: أي يكفيهم عذاب جهنم يصلونها فبئس المصير لهم. فلا تتناجوا بالإثم والعدوان: أي فلا يناج بعضكم بما هو إثم ولا بما هو عدوان وظلم ولا بما هو معصية للرسول. وتناجوا بالبر والتقوى: أي وتناجوا إن أردتم ذلك بالبر أي الخير والتقوى وهي طاعة الله والرسول. إنما النجوى من الشيطان: أي إنما النجوى بالإثم والعدوان من الشيطان أي بتغريره. ليحزن الذين آمنوا: أي ليوهمهم إنها بسبب شيء وقع مما يؤذيهم. وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله: أي وليس التناجي بضار المؤمنين شيئاً إلا بإرادة الله تعالى. وعلى الله فليتوكل المؤمنون: أي وعلى الله لا على غيره يجب أن يتوكل المؤمنون. معنى الآيات: قوله تعالى ألم تر الآية.. هذه نزلت في يهود المدينة والمنافقين فيها. إذ كانوا يتناجون أي يتحدثون سراً على مرأىً من المؤمنين, والوقت وقت حرب فيوهمون المؤمنين إن عدواً قد عزم على غزوهم, أو أن سرية هزمت أو أن مؤامرة تحاك ضدهم فنهاهم رسول الله ﷺ عن التناجي, وقال لا يتناج اثنان١ دون ثالث وأبوا أن يتناجوا فأنزل الله تعالى هذه الآية يعجب رسوله منهم ويوعدهم بعد فضحهم وكشف الستار عن كيدهم للمؤمنين ومكرهم بهم فقال تعالى لرسوله ألم تر الذين٢ نهوا عن النجوى وهي التناجي المحادثة السرية أمام الناس, ثم يعودون لما نهوا عنه عصياناً وتمرداً عن الرسول ﷺ , ويتناجون لا بالبر والتقوى, ولكن بالإثم والعدوان ومعصيت٣ الرسول أي بما هو إثم في نفسه كالغيبة والبذاء في القول, وبالعدوان وهو الاعتداء على المؤمنين وظلمهم, وبمعصية الرسول فيوصي بعضهم بعضاً بعصيان الرسول وعدم طاعته في أمره ونهيه. هذا وشر منهم أنهم إذا جاءوا رسول الله ﷺ حيوه بما لم يحيه به الله فلم يقولوا السلام عليكم ولكن

стр. 2973

يقولون السام عليكم والسام الموت يلوون بها ألسنتهم, ويأتونا الرسول واحداً واحداً ليحيوه بهذه التحية الخبيثة ليدعوا عليهم بالموت لعنة الله عليه مما أكثر أذاهم وما أشد مكرهم وما أنتن خبثهم ويقولون في أنفسهم أي فيما بينهم لو كان محمد ﷺ نبياً لآخذنا الله بما نقول له من الدعاء عليه بالموت وهذا معنى قوله تعالى عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ﴾ أي هلا عذبنا الله بما نقول لمحمد ﷺ لو كان نبياً.١ قال تعالى حسبهم٢ عذاباً جهنم يصلونها يحترقون بحرها ولظاها يوم القيامة فبئس المصير الذي يصيرون إليه في الدار الآخرة جهنم وزقومها وحميمها وضريعها وغسلينها ويحمومها وفوق ذلك غضب الله ولعنته عليهم. وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ هذه الآية والتي بعدها نزلت في تربية المؤمنين روحياً وتهذيبهم أخلاقياً فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أي صدقوا الله ورسوله إذا تناجيتم لأمر استدعى ذلك منكم فلا٣ تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول فتكون حالكم كحال اليهود والمنافقين ولكن ﴿تَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ أي بما هو خير في نفسه لا إثم في هو بطاعة الله ورسوله إذ هما التقوى, واتقوا الله الذي إليه تحشرون يوم القيامة لمحاسبتكم ومجازاتكم فاتقوه بطاعته وطاعة رسوله. وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ أي هو الدافع إليها والحامل عليها وذلك لعلة وهي أن يوقع المؤمنين في غم وحزن, وليس التناجي ولا الشيطان بضار المؤمنين شيئاً إلا بإرادة الله تعالى لحكم عالية يعلمها الله, ولذا فلا تحزنوا ولا تغتموا لما ترون من تناجي أعدائكم من اليهود والمنافقين, وتوكلوا على الله في أموركم كلها. وعلى الله تعالى لا على غيره فليتوكل المؤمنون في كل زمان ومكان. فإن الله تعالى كاف من يتوكل عليه كافيه كل ما يهمه والله على ذلك قدير.

стр. 2974

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان مكر اليهود والمنافقين وكيدهم للمؤمنين في كل زمان ومكان. ٢- إذا حيا الكافر المؤمن ورد عليه المؤمن رد عليه بقوله وعليكم لما صح أن النبي ﷺ دخل عليه ناس من اليهود فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقال ﷺ وعليكم. فقالت عائشة ﵂ عليكم السام ولعنكم١ الله وغضب عليكم. فقال لها ﵊ يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش فقالت ألا تسمعهم يقولون السام؟ فقال لها أو ما سمعت ما أقول: وعليكم. فأنزل الله هذه الآية رواه الشيخان. ٣- إذا سلم الذمي وكان سلامه بلفظ السلام عليكم لا بأس أن يرد عليه بلفظه. ٤- حرمة التناجي بغير البر والتقوى وقوله تعالى إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس الآية من سورة النساء.٢ ٥- لا يجوز أن يتناجى اثنان دون الثالث لما يوقع ذلك في نفس الثالث من حزن لا سيما إن كان ذلك في سفر أو في حرب وما إلى ذلك. ٦- وجوب التوكل على الله وترك الأوهام والوساوس فإنها من الشيطان. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

стр. 2975

(١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣) شرح الكلمات: تفسحوا في المجالس: أي توسعوا في المجالس التي هي مجالس علم وذكر. فافسحوا يفسح الله لكم: أي في الجنة وفي الرزق والقبر. انشزوا فانشزوا: أي قوموا للصلاة أو لغيرها من أعمال البر. يرفع الله الذين آمنوا منكم: أي بالنصر وحسن الذكر في الدنيا وفي غرفات الجنان في الآخرة. والذين أوتوا العلم درجات: أي ويرفع الذين أوتوا العلم درجات عالية لجمعهم بين العلم والعمل. إذا ناجيتم الرسول: أي أردتم مناجاته. فقدموا بين يدي نجواكم صدقة: أي قبل المناجاة تصدقوا بصدقة ثم ناجوه ﷺ . ذلك خير لكم وأطهر: أي تقديم الصدقة بين يدي المناجاة خير لما فيه من نفع الفقراء وأطهر لذنوبكم. فإن لم تجدوا: أي فإن لم تجدوا ما تتصدقون به. فإن الله غفور رحيم: أي غفور لمناجاتكم رحيم بكم فليس عليكم في المناجاة بدون صدقة إثم. أأشفقتم أن تقدموا بين يدي: أي أخفتم الفقر إن قدمتم بين يدي نجواكم صدقات. نجواكم صدقات؟ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم: أي تقديم الصدقات، وتاب الله عليكم بأن رخص لكم في تركها. فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة: أي على الوجه المطلوب من إقامتها وأخرجوا الزكاة. وأطيعوا الله ورسوله: أي وداوموا على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله. والله خبير بما تعملون: أي من أعمال البر والإحسان وسيثيبكم على ذلك بالجنة.

стр. 2976

معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تربية المؤمنين وتهذيبهم ليكملوا ويسعدوا فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي صدقوا الله ورسوله ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ أي إذا قال لكم الرسول ﷺ أو غيره توسعوا١ في المجلس ليجد غيركم مكاناً بينكم فتوسعوا ولا تضنوا بالقرب من الرسول أو من العالم الذي يعلمكم أو المذكر الذي يذكركم وإن أنتم تفسحتم أي فإن الله تعالى يكافئكم فيوسع عليكم في الدنيا بسعة الرزق وفي البرزخ في القبر وفي الآخرة في غرفات الجنان. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ ٢ أي قوموا من المجلس لعلة أو للصلاة أو للقتال أو لفعل بر وخير فانشزوا أي خفوا وقوموا يئبكم الله فيرفع الله الذين آمنوا منكم درجات٣ بالنصر والذكر الحسن في الدنيا وفي غرف الجنة في الآخرة والذين أوتوا العلم درجات أي ويرفع الذين أوتوا العلم منكم أيها المؤمنون درجاتٍ عالية لجمعهم بين الإيمان والعلم والعمل. وقوله: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يذكرهم تعالى بعلمه بهم في جميع أحوالهم ليراقبوه ويكثروا من طاعته ويحافظوا على تقواه. وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ أمرهم تعالى إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله ﷺ ويكلمه وحده أن يقدم صدقة أولاً ثم يطلب المناجاة وكان هذا لمصلحة الفقراء أولا ثم للتخفيف٤ عن رسول الله ﷺ إذ كل مؤمن يود أن يخلو برسول الله ﷺ ويقرب منه ويكلمه والرسول بشرٌ لا يتسع لكل أحد فشرع الله هذه الصدقة فأعلمهم أنه يريد التخفيف عن رسوله. فلما علموا بذلك وتحرجوا من بذل صدقة وأكثرهم فقراء

стр. 2977

لا يجدها نسخ تعالى ذلك ولم تدم مدة الوجوب أكثر من ليالي ونسخها الله تعالى بقوله الآتي أأشفقتم. الآية. وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ١ أي تقديم الصدقة بين يدي المناجاة خير لكم حيث تعود الصدقة على الفقراء إخوانكم وأطهر أي لنفوسكم لأن النفس تطهر بالعمل الصالح وقوله تعالى ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ أي ما تقدمونه صدقة قبل المناجاة فناجوه ﷺ ولا حرج عليكم لعدم وجدكم فإن الله غفور لكم رحيم بكم. وقوله تعالى ﴿أَأَشْفَقْتُمْ٢﴾ أي أخفتم الفاقة والفقر إن أنتم ألزمتم بالصدقة بين يدي كل مناجاة وعليه فإن لم تفعلوا وتاب الله عليكم برفع هذا الواجب ونسخه فرجع بكم إلى عهد ما قبل وجوب الصدقة فأقيموا الصلاة بأدائها في أوقاتها في جماعة المؤمنين مراعين شرائطها وأركانها وسننها وآدابها وآتوا الزكاة الواجبة في أموالكم. وأطيعوا الله ورسوله في أمرها ونهيهما يكفكم ذلك عوضاً عن الصدقة التي نسخت تخفياً عليكم ورحمة بكم. وقوله ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ٣﴾ أي فراقبوه في طاعته وطاعة رسوله تفلحوا فتنجوا من النار وتدخلوا الجنة دار الأبرار. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- الندب إلى فضيلة التوسع في مجالس العلم والتذكير. ٢- الندب والترغيب في القيام بالمعروف وأداء الواجبات إذا دعى المؤمن إلى ذلك. ٣- فضيلة الإيمان وفضل العلم والعمل به. ٤- مشروعية النسخ في الشريعة قبل العمل بالمنسوخ وبعده إذ هذه الصدقة نسخت قبل أن يعمل بها اللهم إلا ما كان من علي٤ ﵁ فإنه أخبر أنه تصدق بدينار وناجى رسول الله ﷺ ثم نسخت هذه الصدقة فكان يقول في القرآن آية لم يعمل بها أحد غيري وهي فضيلة له ﵁.

стр. 2978

٥- في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله في الواجبات والمحرمات عوض عما يفوت المؤمن من النوافل. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩) شرح الكلمات: ألم تر إلى الذين تولوا: أي ألم تنظر إلى المنافقين الذين تولوا. قوما غضب الله عليهم: أي اليهود. ما هم منكم ولا منهم: أي ما هم منكم أيها المؤمنون ولا منهم أي من اليهود بل هم مذبذبون. ويحلفون على الكذب وهم: أي يحلفون لكم أنهم مؤمنون وهم يعلمون أنهم غير مؤمنين. يعلمون إنهم ساء ما كانوا يعملون: أي قبح أشد القبح عملهم وهو النفاق والمعاصي. اتخذوا أيمانهم جنة: أي ستراً على أنفسهم وأموالهم فادعوا الإيمان كذباً وحلفوا أنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين.

стр. 2979

فصدوا عن سبيل الله: أي فصدوا بتلك الأيمان المؤمنين عن سبيل الله التي هي جهادهم وقتالهم. فيحلفون له كما يحلفون لكم: أي يوم يبعثهم من قبورهم يوم القيامة يحلفون لله أنهم كانوا مؤمنين كما يحلفون اليوم لكم أنهم مؤمنون. ويحسبون أنهم على شيء: أي يظنون في أيمانهم الكاذبة أنهم على شيء من الحق. استحوذ عليهم الشيطان: أي غلب عليهم الشيطان. فأنساهم ذكر الله: فلم يذكروه بألسنتهم إلا تقية ولا يذكرون وعده ولا وعيده. أولئك حزب الشيطان: أي أولئك البعداء أتباع الشيطان وجنده. ألا إن حزب الشيطان هم: أي إن أتباع الشيطان وجنده هم المغبونون الخاسرون في صفقة حياتهم. الخاسرون معنى الآيات: في هذه الأيام التي نزلت فيها هذه السورة كان النفاق بالمدينة بالغاً أشده، وكان اليهود كذلك كثيرين ومتحزبين ضد الإسلام والمسامين وذلك قبل إجلائهم من المدينة ففي هذه الآية يحذر الله تعالى رسوله والمؤمنين من العدوين معاً ويكشف الستار عنهم ليظهرهم على حقيقتهم ليحذرهم المؤمنون فيقول تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ١﴾ أي تنظر يا رسولنا إلى الذين تولوا قوماً غضب٢ الله عليهم وهم اليهود تولاهم المنافقون ولاية نصرة وتحزب ضد الرسول والمؤمنين. يقول تعالى هؤلاء المنافقون ما هم منكم أيها المؤمنون ولا منهم من اليهود بل هم مذبذبون حيارى يترددون بينكم وبين اليهود معكم في الظاهر ومع اليهود في الباطن. وقوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ٣﴾ أي أنهم كاذبون إذ كانوا يأتون رسول الله ويحلفون له أنهم مؤمنون به وبما جاء به وهم يعلمون أنهم كاذبون إذ هم غير مؤمنين به ولا مصدقين. فتوعدهم الله بقوله: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ أي هيأ لهم وأحضره وذلك يوم القيامة، وندد بصنيعهم وقبح سلوكهم بقوله إنهم ساء ما كانوا يعملون ولذا أعد لهم العذاب

стр. 2980

الشديد لسوء سلوكهم وقبح أعمالهم. وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ١ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي اتخذ هؤلاء المنافقون أيمانهم التي يحلفونها لكم بأنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين اتخذوها ستارة ووقاية يقون بها أنفسهم من القتل وأموالهم من الأخذ فصدوا بتلك الأيمان الكاذبة المؤمنين عن سبيل الله التي هي قتالهم لأنهم كفار مشركون يجب قتالهم حتى يدخلوا في دين الله أو يهلكوا لأنهم ليسوا أهل كتاب فتقبل منهم الجزية. وقوله تعالى ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي يوم القيامة يهانون ويذلون به. وقوله تعالى ﴿لَنْ تُغْنِيَ ٢عَنْهُمْ﴾ أي يوم القيامة أموالهم التي يجمعونها ويتمتعون بها اليوم كما لا تغني عنهم أولادهم الذين يعتزون بهم من الله شيئاً من الإغناء فلا تقبل منهم فدية فيفتدون بأموالهم ولا يطلبون من أولادهم نصرة فينصرونهم. أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون لا يخرجون منها ولا يموتون فيها ولا يحيون. وقوله تعالى ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ أي اذكر يا رسولنا يوم يبعثهم الله جميعا في عرصات القيامة فيحلفون٣ له أنهم كانوا مؤمنين كما يحلفون لكم اليوم أنهم مؤمنون. ويحسبون اليوم أي يظنون أنهم على كل شيء من الصواب والحق ألا إنهم هم الكاذبون استحوذ٤ عليهم الشيطان أي غلب عليهم فأنساهم ذكر الله فلا يذكرونه إلا قليلاً كما أنساهم ذكر وعده ووعيده فلذا هم لا يرغبون في ما عنده ولا يرهبون مما لديه. أولئك حزب الشيطان أي أتباعه وجنده. ألا إن حزب٥ الشيطان أي أتباعه وجنده هم الخاسرون أي المغبونون في صفقتهم في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة.
следующие страницы →