← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧) شرح الكلمات: يا ليتني لم أوت كتابية: أي يتمنى أنه لم يعط كتابه لما رأى فيه من السيئات. كانت القاضية: أي الموتة في الدنيا كانت القاطعة لحياتي حتى لا أبعث. هلك عني سلطانية: أي قوتي وحجتي. خذوه: أي أيها الزبانية خذوا هذا الكافر. فغلوه: أي اجعلوا يديه إلى عنقه في الغل. ثم الجحيم صلوه: أي ثم في النار المحرقة أدخلوه وبالغوا في تصليته كالشاة المصلية. حميم: أي من قريب ينفعه أو صديق. إلا من غسلين: أي صديد أهل النار الخارج من بطونهم لأكلهم شجر الغسلين. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر ما يجري من أحداث وقد تقدم ذكر الذي أوتي كتابه١بيمينه وما له من كرامة عند ربه وفي هذه الآيات ذكر الذي أوتي كتابه بشماله وما له من مهانة وعذاب جزاء كفره فقال تعالى ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ ٢ أي في عرصات القيامة فيقول بعد النظر فيه وما يلوح له فيه من السيئات ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ يتمنى لو أنه لم يعط كتابه ولم يدر٣ ما حسابه وأن الموتة التي ماتها في الدنيا يتمنى لو كانت القاطعة لحياته حتى لا يبعث، ثم يواصل تحسره وتحزنه قائلا ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ أي مالي والهاء في ماليه وفي كتابيه وحسابيه وفي ماليه وسلطانيه يقال لها هاء السكت يوقف عليها بالسكون قراءة كافة القراء وقوله ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي ذهبت عني حججي٤ فلم أجد ما أحتج به لنفسي قال تعالى للزبانية

стр. 3117

﴿خُذُوهُ١ فَغُلُّوهُ﴾ أي شدوا يديه في عنقه بالغل ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ٢﴾ أي أدخلوه فيها وصلوه بحرها المرة بعد المرة كما يصلى الكبش المشوى المصلي، ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ﴾ طويلة ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ ولم يعرف مدى طول هذه الذراع إلا انه إذا كان الكافر ما بين كتفيه كما بين مكة وقديد قرابة مائة وخمسين ميلا فإن السلسلة في ذرعها السبعين ذراعا لابد وأن تكون مناسبة لهذا الجسم ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ أي ادخلوه فيهل فتدخل من فمه وتخرج من دبره كسلك الخرزة في الخيط وذكر تعالى علة هذا الحكم عليه فقال ﴿إِنَّهُ كَانَ﴾ أي في الدنيا ﴿لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ٣﴾ فانحصرت جريمته في شيئين الكفر بالله ومنع الحقوق الواجب في المال ثم أخبر تعالى عن حال هذا الكافر الشقي في جهنم فقال ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا﴾ أي في جهنم ﴿حَمِيمٌ٤﴾ أي صديق أو قريب ينتفع به فيدفع عنه العذاب أو يخففه ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ٥﴾ أي وليس له طعام يأكله إلا من طعام الغسلين الذي هو صديد أهل النار فإنهم عندما يأكلون شجر الغسلين يكون كالمسهل في بطونهم فيخرج كل ما في بطونهم وذلك هو الغسلين الذي يأكلونه ذلك الغسلين الذي لا يأكله إلا الخاطئون أي الذين ارتكبوا خطيئة الكفر والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحداثها. ٢-المال الذي باع المفلسون فيه الأمة والملة لا يغني يوم القيامة عن صاحبه شيئا. ٣-التنديد بالكفر بالله وأهله. ٤-عظم جريمة منع الحقوق المالية من الزكاة وغيرها.

стр. 3118

فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) شرح الكلمات: بما تبصرون وما لا تبصرون: أي بكل مخلوق في الأرض وفي السماء. انه لقول رسول كريم: أي القرآن قاله تبليغا رسول كريم هو محمد ﷺ . وما هو بقول كاهن: أي ليس القرآن بقول كاهن إذ ليس فيه من سجع الكهان شيء. لأخذنا منه باليمين: أي بالقوة أو لأخذنا بيمينه لنقتله. ثم لقطعنا منه الوتين: أي نياط القلب الذي إذا انقطع مات الإنسان. حاجزين: أي مانعين وهو خبر ما النافية العاملة عمل ليس وجمع لأن احد يدل على الجمع نحو لا نفرق بين أحد من رسله وبين لا تقع إلا بين اثنين فأكثر. وإنه لحسرة على الكافرين: أي التكذيب بالقرآن حسرة يوم القيامة على المكذبين به. وإنه لحق اليقين: أي الثابت يقينا أو اليقين الحق. فسبح باسم ربك العظيم١: أي نزه ربك العظيم الذي كل شيء أمام عظمته صغير حقير أي قل سبحان ربي العظيم.

стр. 3119

معنى الآيات: قوله تعالى فلا أقسم١ بما تبصرون وما لا تبصرون أي فلا٢ الأمر كما ترون وتقولون أيها المكذبون أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون من المخلوقات في الأرض وفي السماوات إنه أي القرآن لقول رسول كريم على ربه تعالى وهو محمد ﷺ أي إنه تبليغه وقوله إليكم وما هو بقول شاعر. كما تقولون كذباً قليلا ما تؤمنون٣ أي أن إيمانكم قليل ضيق الدائرة فلو كان واسعاً لاتسع للإيمان بالقرآن إنه كلام الله ووحيه وليس هو من جنس الشعر لمخالفته له نظماً ومعنىً. وما هو بقول كاهن قليلا ما تذكرون أي وليس القرآن بقول كاهن قليلا ما تذكرون أي تذكركم قليل جدا فلو تذكرتم كثيرا لعلمتم أن القرآن ليس بكلام الكهان لملازمته للصدق والحق والهدى ولبعد قائله عن الإثم والكذب بخلاف قول الكهان فإن سداه ولحمته الكذب وقائله هو الإثم كله فأين القرآن من قول الكهان؟ وأين محمد الرسول من الكهان إخوان الشيطان إنه تنزيل من رب العالمين أيها المكذبون الضالون. وأمر آخر وهو أن الرسول محمد ﷺ ولو تقول٤ علينا بعض الأقاويل ونسبها إلينا لأخذنا منه باليمين أي لبطشنا به وأخذنا بيمينه ثم لقطعتا منه الوتين فيهلك إذ الوتين هو عرق القلب إذا قطع مات الإنسان وإذا فعلنا به هذا فمن منكم يحجزنا عنه؟ وهو معنى قوله تعالى ﴿فَمَا مِنْكُمْ٥ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ وقوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي القرآن ﴿لَتَذْكِرَةٌ٦﴾ أي موعظة عظيمة للمتقين٧ الذين يخافون عقاب الله ويخشون نقمه وعذابه وإنا لنعلم أن ٨منكم أيها الناس مكذبين ليس بخاف عنا أمرهم وسنجزيهم وصفهم وإنه لحسرة٩ على الكافرين أي يوم القيامة عندما يرون المؤمنين به يؤخذ بهم ذات اليمين إلى دار السلام والمكذبين به يؤخذ بهم ذات الشمال إلى دار

стр. 3120

البوار. وإنه لحق اليقين١ أي اليقين الحق. بعد هذا التقرير في إثبات الوحي والنبوة أمر تعالى رسوله الذي كذب برسالته المكذبون أمره أن يستعين على الصبر بذكر الله تعالى فقال له ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي قل سبحان ربي العظيم منزها اسمه عن تحريفه وتسمية المحدثات به معظما ربك غاية التعظيم إذ هو العلي العظيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١-لله تعالى أن يحلف بما يشاء من مخلوقاته لحكم عالية وليس للعبد أن يحلف بغير الرب تعالى. ٢-تقرير الوحي وإثبات النبوة المحمدية. ٣-وصف الرسول بالكرم وبكرامته على الرب تعالى. ٤-عجز الرسول ﷺ عن الكذب على الله تعالى وعدم قدرته على ذلك لو أراده ولكن الذي لا يكذب على الناس لا يكذب على الله كما قال هرقل ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله رداً على أبي سفيان لما قال له لم نجرب عليه كذبا قط.. ٥-مشروعية التسبيح بقول سبحان ربي العظيم إن صح أنه لما نزلت قال النبي ﷺ لأصحابه اجعلوها في ركوعكم فكانت سنة مؤكدة سبحان ربي العظيم ثلاثا في الركوع أو أكثر.

стр. 3121

سورة المعارج مكية وآياتها أربع وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَرَاهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ

стр. 3122

(٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١ ٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) شرح الكلمات: سأل سائل: أي دعا داع بعذاب واقع. ليس له دافع من الله: أي فهو واقع لا محالة. ذي المعارج: أي ذي العلو والدرجات ومصاعد الملائكة وهي السموات. تعرج الملائكة والروح إليه: أي تصعد الملائكة وجبريل إلى الله تعالى. في يوم كان مقداره خمسين: أي تصعد الملائكة وجبريل من منتهى أمره من أسفل الأرض ألف سنة السابعة إلى منتهى أمره من فوق السموات السبع في يوم مقداره خمسون ألف سنة بالنسبة لصعود غير الملائكة من الخلق. إنهم يرونه بعيداً: أي العذاب الذي يطالبون به لتكذيبهم وكفرهم بالبعث. يوم تكون السماء كالمهل: أي كذائب النحاس. وتكون الجبال كالعهن: أي كالصوف المصبوغ ألوانا في الخفة والطيران بالريح. ولا يسأل حميم حميما: أي قريب قريبه لانشغال كل بحاله. يبصرونهم: أي يبصر الأحماء بعضهم بعضا ويتعافون ولا يتكلمون. وصاحبته: أي زوجته. وفصيلته التي تؤويه: أي عشيرته التي تضمه إليها نسباً وتحميه من الأذى عند الشدة. إنها لظى نزاعة للشوى١: أي إن جهنم هي لظى نزاعة للشوى جمع شواة جلدة الرأس. أدبر وتولى: أي عن طاعة الله ورسوله وتولى عن الإيمان فأنكره وتجاهله.

стр. 3123

وجمع فأوعى: أي جمع المال وجعله في وعاء ومنع حق الله تعالى فيه فلم ينفق منه في سبيل الله. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿سَأَلَ١ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ هذه الآيات نزلت رداً على دعاء النضر بن الحارث ومن وافقه اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو إئتنا بعذاب أليم فأخبر تعالى عنه بقوله ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ٢ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللهِ﴾ أي إنه واقع لا محالة إذ ليس له دافع من الله ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ أي صاحب العلو والدرجات ومصاعد الملائكة وهي السموات وقوله تعالى ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ أي ٣تصعد الملائكة وجبريا إليه تعالى ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أي يصعدون من منتهى أمره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السموات السبع في يوم مقداره خمسون ألف سنة بالنسبة لصعود غير الملائكة من الخلق ﴿فَاصْبِرْ٤ صَبْراً جَمِيلاً٥﴾ وقوله تعالى ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ يعني أن المشركين المكذبين يرون العذاب بعيدا لتكذيبهم بالبعث الأخر. ونحن نراه قريبا ويبين تعالى وقت مجيئه فقال ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ أي تذوب فتصير كذائب النحاس ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ أي الصوف المصبوغ خفة وطيرانا بالريح وهذا هو الانقلاب الكوني حيث فني كل شيء ثم يعيد الله الخلق فإذا الناس في عرصات القيامة واقفون حفاة عراة ﴿لا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ لانشغال كل بنفسه كما قال تعالى ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ عن السؤال عن غيره أو عن سؤال غيره وقوله تعالى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي عدم سؤال بعضهم بعضا ليس ناتجا عن عدم معرفتهم لبعضهم بعضا٦ لا بل يبصرهم ربهم بهم فيعرف كل قريب قريبه ولكن اشتغاله بنفسه يحول دون سؤال غيره، ويشرح هذا المعنى قوله تعالى يود المجرم أي ذو الإجرام على نفسه بالشرك والمعاصي لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه أي أولاده الذكور ففضلا عن الإناث وصاحبته أي زوجته وأخيه وفصيلته التي تؤويه بأن تضمه إلى نسبها والفصيلة العشيرة انفصلت

стр. 3124

من القبيلة ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه لنتصور عذابا يود المجرم من خوفه منه أن يفتدي بكل شيء في الأرض كيف يكون؟ ومن هنا يرى القريب قريبه ولا يسأله عن حاله لانشغال نفسه عن نفس غيره. وقوله تعالى ﴿كَلَّا١﴾ أي لا قرابة يومئذ تنفع ولا فداء يقبل ﴿إِنَّهَا﴾ أي جهنم ﴿لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ أي لجلدة الرأس ولكل عضو غير قاتل للإنسان إذا نزع منه. تدعو أي جهنم المسماة لظى تدعو تنادي إلي إلي يا من أدبر عن طاعة الله ورسوله وتركها ظهره فلم يلتفت إليها وتولى عن الإيمان فلم يطلبه تكميلا له ليصبح إيمانا يحمله على الطاعات وجمع الأموال فأوعاها في أوعية٢ ولم يؤد منها الحقوق الواجبة فيها من زكاة وغيرها إذ في المال حق غير الزكاة. ومن دعته جهنم دفع إليها دفعاً كما قال تعالى ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً﴾ نعوذ بالله من جهنم وموجباتها من الشرك والمعاصي. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- حرمة سؤال العذاب فإن عذاب الله لا يطاق ولكن تسأل الرحمة والعافية. ٢-وجوب الصبر على الطاعة وعلى البلاء فلا تسخط ولا تجزع. ٣-تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٤-عظم هول الموقف يوم القيامة وصعوبة الحال. ٥- التنديد بالمعرضين عن طاعة الله ورسوله الجامعين للأموال المشتغلين بها حتى سلبتهم الإيمان والعياذ بالله فأصبحوا يشكون في الله وآياته ولقائه. إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ

стр. 3125

رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) شرح الكلمات: إن الإنسان خلق هلوعا: أي إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا أي كثير الجزع سريعه وكثير المنع حريصا عليه. على صلاتهم دائمون: أي لا يقطعونها أبداً ما داموا أحياء يعقلون. حق معلوم: أي نصيب معين عينه الشارع وهو الزكاة. للسائل والمحروم: أي الطالب الصدقة والذي لا يطلبها حياء وتعففا. يصدقون بيوم الدين: أي يؤمنون بيوم القيامة للبعث والجزاء. مشفقون: أي خائفون متوقعون العذاب عند المعصية. لفروجهم حافظون: أي صائنون لها عن النظر إليها وعن الفاحشة. أو ما ملكت أيمانهم: أي من السريات من الجواري التي يملكونها. فأولئك هم العادون: أي المعتدون الظالمون المتجاوزون الحلال إلى الحرام. لأماناتهم: أي ما ائتمنوا عليه من أمور الدين والدنيا. راعون: أي حافظون غير مفرطين. قائمون: أي يقيمون شهاداتهم لا يكتمونها ولا يحرفونها. يحافظون: أي يؤدونها في أوقاتها في جماعات مع كامل الشروط والأركان والواجبات والسنن. معنى الآيات: قوله تعالى إن الإنسان أي هذا الآدمي المنتصب القامة الضاحك الذي سمي بالإنسان لأنسه

стр. 3126

بنفسه ورؤية محاسنها ولنسيانه واجب شكر ربه هذا الإنسان خلق هلوعاً قابلا لوصف الهلع فيه عند بلوغه سن التمييز والهلع مرض نفسي عرضه الذي يعرف به جزعه الشديد متى مسه الشر، ومنعه القوي للخير متى مسه وظفر به. فقد فسر تعالى الهلع بقوله، ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ . ثم ذكر تعالى ما يعالج به هذا المرض باستثنائه من جنس الإنسان من يتصفون بالصفات الآتية وهي عبارة عن عبادات شرعية بعضها فعل وبعضها ترك من شأنها القضاء على هذا المرض الخطير المسمى بالهلع والذي لا يعالج إلا بما وصف تعالى في قوله: ١) إدامة الصلاة بالمواظبة عليها ليل نهار إذ قال تعالى ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ١ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ٢﴾ وبشرط أن تؤدى إيمانا واحتسابا وأداءً صحيحا بمراعاة شروطها وأركانها وسننها. ٢) الاعتراف بما أوجب الله في المال من حق وإعطاء ذلك الحق بطيب نفس لمن سأل ولمن لم يسأل ممن هم أهل الزكاة والصدقات لقوله ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ . ٣) التصديق الكامل بيوم القيامة وهو البعث والجزاء لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ . ٤) الاشفاق والخوف من عذاب الله عند عروض خاطر المعصية بترك واجب أو فعل محرم لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أي دائما وأبداً لأن عذاب ربهم غير مأمون الوقوع. ٥) حفظ الفرج بستره عن أعين الناس ما عدا الزوج وصيانته من فاحشة الزنا واللواط وجلد عميرة أي الاستمناء باليد والمعروف اليوم بالعادة السرية لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ من السراري ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ في إتيانهم أزواجهم وجواريهم اللائي ملكوهن بالجهاد أو الشراء الشرعي وقوله تعالى ﴿فَمَنِ ابْتَغَى﴾ أي طلب ما وراء الزوجة والسرية ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أي الظالمون الذين تجاوزا الحلال إلى الحرام فكانوا بذلك معتدين ظالمين. ٦) حفظ الأمانات والعهود ومن أبرز الأمانات وأقوى العهود ما التزم به العبد من عبادة الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله والوفاء بذلك حتى الموت زيادة على أمانات الناس والعهود لهم الكل واجب الحفظ والرعاية لقوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أي حافظون.

стр. 3127

٧) إقامة الشهادة بالاعتدال فيها بحيث يؤديها ولا يكتمها ويؤديها قائمة لا اعوجاج فيها لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ١ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ .٢ ٨) المحافظة على الصلوات الخمس مستوفاة الشروط والأركان من الخشوع إلى الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال في القيام لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ بعد أدائها وعدم قطعها بحال من الأحوال. فهذه الوصفة الربانية متى استعملها الإنسان المؤمن تحت إشراف عالم رباني إن وجده وإلا فتطبيقها بدون إشراف ينفع بأذن الله متى اجتهد المؤمن في حسن تطبيقها برىء من ذلك المرض الخطير وأصبح أهلا إكرام الله تعالى في الدار الآخرة قال تعالى في ختام هذه الوصفة ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ٣﴾ أي أولئك المطبقون لهذه الوصفة الناجحون فيها ﴿فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ في جوار ربهم اللهم اجعلنا منهم يا غفور يا رحيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بين شر صفات الإنسان وأنها الهلع. ٢-بيان الدواء لهذا الداء داء الهلع الذي لا فلاح معه ولا نجاح. ٣-انحصار العلاج في ثماني صفات أو ثماني مركبات دوائية. ٤- وجوب العمل بما اشتملت عليه الوصفة من واجبات. ٥-حرمة ما اشتملت عليه الوصفة من محرمات. فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ

стр. 3128

وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤) شرح الكلمات: قبلك مهطعين؟ : أي نحوك مديمي النظر إليك. عزين: أي جماعات حلقا حلقا يقولون في استهزاء بالمؤمنين لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلها قبلهم. إنا خلقناهم مما يعلمون: أي من مني قذر وإنما يستوجب دخول الجنة بالطاعات المزكية للنفوس. على أن نبدلهم خيرا منهم: أي إنا لقادرون على أن نهلكهم ونأتي بأناسٍ خير منهم. وما نحن بمسبوقين: أي بعاجزين عن إيجاد ما ذكرنا من إهلاك القوم والإتيان بخير منهم. يوم يخرجون من الأجداث: أي من القبور مسرعين إلى المحشر. سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون: أي كأنهم في إسراعهم إلى المحشر إلى نصب أي شيء منصوب كراية أو علم يسرعون. ترهقهم ذلة: أي تغشاهم ذلة. ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون: أي يوعدون بالعذاب فيه وهو يوم القيامة. معنى الآيات: قوله تعالى فما للذين١ كفروا قبلك مهطعين يخبر تعالى مقبحا سلوك المشركين إزاء رسوله ﷺ فيقول ما للذين كفروا من كفار مكة قبلك أي جهتك حيث كنت في المسجد الحرام مهطعين أو مسرعين مديمي النظر إليك عن اليمين وعن الشمال عزين أي عن يمينك وعن شمالك عزين جمع عزة أي جماعة فهم حلق حلق يستمعون إلى قراءتك بحثا عن كلمة يمكنهم أن يشنعوا بها عليك ويجعلونها مطعنا في دعوتك أي سخرية يسخرون بها وبك ويقولون استهزاء بالمؤمنين لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنها قبلهم فرد تعالى عليهم منكرا طمعهم الفارغ بقوله ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ٢

стр. 3129

مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ أي بستان إكرام وتنعم كلا لن يتم هذا لهم ولن يكون وهم أنجاس الأرواح بالشرك والمعاصي، ولفت النظر إلى أصل الخلقة وهي المني القذر والقذر لا يدخل دار السلام فمن أراد الجنة فليزك نفسه وليطهرها بالإيمان والعمل الصالح مبعداً لها عما يدسيها من الشرك والمعاصي وهو ما تضمنه قوله تعالى ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ١ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ وقوله ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ أي فلا الأمر كما يتصورون من أنهم لا يبعثون بعد موتهم أقسم برب المشارق الثلاثمائة والستين مشرقا ومغربا حيث الشمس تطلع كل يوم في مطلع وتغرب في آخر لا تعود إليه إلا بعد سنة في مثل ذلك اليوم فأقسم تعالى بنفسه، والمقسم عليه قوله ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ أي على أن نهلكهم ونأتي بخير منهم ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي عاجزين عن ذلك فكيف إذاً لا نعيدهم أحياء بعد موتهم يوم القيامة ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي أمر تعالى رسوله أن يتركهم وما يخوضون فيه من اللهو واللعب والباطل في القول والعمل، وهو تهديد خفي لهم ﴿حَتَّى يُلاقُوا﴾ على ما هم عليه من أدران الشرك وأوضار المعاصي يوهم الذي يوعدون بالعذاب فيه وهو يوم القيامة وشرح حال اليوم فقال يوم يخرجون من الأجداث أي القبور جمع جدث سراعاً أي مسرعين كأنهم إلى نصب٢ أي شيء منصوب من راية أو علم أو تذكار يوفضون أي يحشرون مسرعين حال كون أبصارهم خاشعة أي ذليلة من الفزع والخوف ترهقهم ذلة أي تغشاهم ذلة عجيبة عظيمة. وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ أي هذا هو اليوم الذي كانوا يوعدون بالعذاب فيه وهو يوم القيامة الذي أنكروه وكذبوا به هاهو ذا قد حصل فليتجرعوا غصص الندم وألوان العذاب. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان الحال التي كان عليها الرسول ﷺ في مكة بين ظهراني قريش وما كان يلاقي من أذاهم. ٢- بيان أن الجنة تدخل بالطهارة الروحية من قذر الشرك والمعاصي وإلا فأصل الناس واحد المني القذر باستثناء آدم وحواء وعيسى فآدم أصله الطين وحواء خلقت من ضلع آدم، وعيسى كان بنفخ روح القدس في كم درع مريم فكان بكلمة الله تعالى ومن عدا الثلاثة فمن ماء مهين ونطفة قذرة.

стр. 3130

٣- الاستدلال بالنشأة الأولى على إمكان الثانية. ٤- تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٥- بيان أن حياة أهل الكفر مهما تراءى لهم ولغيرهم أنها حياة مدنية سعيدة لم تعد كونها باطلا ولهوا ولعباً.

стр. 3131

سورة نوح مكية وآياتها ثمان وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) شرح الكلمات: إنا أرسلنا نوحا إلى قومه: أي أهل الأرض كافة والدليل إغراقهم أجمعين. أن أنذر قومك: أي بإنذار قومك. إني لكم نذير مبين: أي بين النذارة ظاهرها. أن اعبدوا الله: أي وحده بفعل محابه وترك مكارهه ولا تشركوا به شيئا. واتقوه: فلا تعصوه بترك عبادته ولا بالشرك به. وأطيعون: فيما آمركم به وأنهاكم عنه لأني مبلغ عن الله ربي وربكم. يغفر لكم من ذنوبكم: أي ذنوبكم التي هي الشرك والمعاصي فمن زائدة لتقوية الكلام أو هي تبعيضية لأن ما كان حقا لآدمي كمال وعرض لا يغفر إلا بالتوبة. ويؤخركم إلى أجل مسمى: أي إلى نهاية آجالكم المسماة لكم في كتاب المقادير فلا يعجل لكم بالعذاب. إن أجل الله: أي بعذابكم. لايؤخر: إن لم تؤمنوا.

стр. 3132

لو كنتم تعلمون: أي لآمنتم. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ﴾ ١ يخبر تعالى لافتاً نظر منكري رسالة نبيه محمد ﷺ من مشركي قريش وكفار مكة أن محمداً رسول الله ليس بأول رسول حتى تنكر رسالته، كما أن السورة بجملتها فيها تسلية لرسول الله ﷺ مما يلاقي من مشركي قومه إذ نوح ﵇ قد لاقى ما هو أشد وأطول مدة والآيات ناطقة بذلك وقوله تعالى ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ أي أرسلناه بإنذار قومه من قبل أن يأتيهم عذاب أليم٢ هو عذاب الدنيا بالاستئصال وعذاب الآخرة بالاستمرار والدوام. وقوله تعالى ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي امتثل نوح أمر ربه وقال لقومه يا قوم إني لكم نذير مبين أي مخوف من عواقب كفركم بالله وشرككم به. ﴿أَنِ اعْبُدُوا٣ اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ اعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا واتقوه فلا تعصوه بترك عبادته ولا بالشرك به، وأطيعون فيما آمركم به وأنهاكم عنه لأني مبلغ عن الله ربي وربكم ولا آمركم إلا بما يكملكم ويسعدكم ولا أنهاكم إلا عما يضركم ولا يسركم فإن تجيبوا لما دعوتكم إليه يغفر لكم٤ من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى أي إلى نهاية آجالكم فلا يعاجلكم بالعقوبة ﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ﴾ أي بعذابكم إذا جاء لا يؤخر ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ٥﴾ أي لو علمتم ذلك لأنبتم إلى ربكم فتبتم إليه واستغفرتموه. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير النبوة المحمدية إذ الذي أرسل نوحاً يرسل محمداً ﷺ ومن شاء إلى من شاء. ٢- تقرير التوحيد إذ نوح أرسل إلى قوم مشركين لإبطال الشرك وتحقيق التوحيد. ٣-تقرير معتقد القضاء والقدر لقوله ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ أي في كتاب المقادير. قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ

стр. 3133

فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (١٢) مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً (١ ٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً (١٦) وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً (١٨) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً (٢٠) شرح الكلمات: ليلا ونهارا: أي دائما باستمرار. إلا فرارا: أي مني ومن الحق الذي ادعوهم إليه وهو عبادة الله وحده. جعلوا أصابعهم في آذانهم: أي حتى لا يسمعوا ما أقول لهم. واستغشوا ثيابهم: أي تغطوا بها حتى لا ينظروا إلى ولا يروني. وأصروا: على باطلهم وما هم عليه من الشرك. يرسل السماء عليكم مدرارا: أي ينزل عليكم المطر متتابعا كلما دعت الحاجة إليه. ويجعل لكم جنات: أي بساتين. مالكم لا ترجون لله وقارا: أي لا تخافون لله عظمته وكبرياءه وهو القاهر فوق عباده. وقد خلقكم أطوارا: أي حالا بعد حال فطورا نطفة وطورا علقة وطورا مضغة. وجعل الشمس سراجا: أي مضيئة.

стр. 3134

أنبتكم من الأرض نباتا: أي أنشأكم من تراب الأرض. ثم يعيدكم فيها: أي تقبرون فيها. ويخرجكم إخراجا: أي يوم القيامة. سبلا فجاجا: أي طرقا واسعة. معنى الآيات: هذه الآيات تضمنت لوحة مشرقة يهتدي بضوئها الهداة الدعاة إلى الله إذ هي تمثل عرض حال قدمه نوح لربه هو خلاصة دعوة دامت قرابة تسعمائة وخمسين سنة ولنصغ إلى نوح ﵇ وهو يشكوا إلى ربه ويعرض عليه ما قام به من دعوة إليه فقال ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ وهم أهل الأرض كلهم يومئذ ﴿لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ أي بالليل وبالنهار إذ بعض الناس لا يمكنه الاتصال بهم إلا ليلا ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي﴾ ١ إياهم إلى الإيمان بك وعبادتك وحدك ﴿إِلَّا فِرَاراً﴾ مني٢ ومما أدعوهم إليه وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم بأن يستغفروك ويتوبوا إليك لتغفر لهم ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ حتى لا يسمعوا ما أقول لهم، ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ أي تطغوا بها حتى لايروني ولا ينظروا إلى وجهي كراهة لي وبغضا في ﴿وَأَصَرُّوا﴾ على الشرك والكفر إصراراً متزايدا عنادا ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارا﴾ عجيبا٣. ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ﴾ إلى توحيدك في عبادتك وإلى ترك الشرك فيها ﴿جِهَاراً﴾ أي مجاهرا بذلك ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ بحسب الجماعات والظروف أطرق كل باب بحثا عن استجابتهم للدعوة وقبولهم للهدى فقلت ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ٤ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ٥ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ أي ينزل عليكم المطر متتابعا فلا يكون قحط ولا محل ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ كما هي رغبتكم ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ بساتين ذات نخيل وأعناب ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً٦﴾ تجري في تلك البساتين تسقيها. ثم التفت إليهم وقال لهم منكرا عليهم استهتارهم وعدم خوفهم ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ أي ما دهاكم أي شيء جعلكم لا ترجون لله وقارا لا تخافون عظمته وقدرته وكبرياءه ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ ولفت نظرهم إلى مظاهر قدرة الله تعالى فقال لهم ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ

стр. 3135

خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً﴾ سماء فوق سماء مطابقة لها ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ١ نُوراً﴾ ينير ما فوقه من السموات وما تحته من الأرض ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ وهاجا مضيئا يضيء بوجهه السموات وبقفاه الأرض كالقمر ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً﴾ إذ أصلكم من تراب والنطف أيضا من الغذاء المكون من التراب ثم خلقتكم تشبه النبات وهي على نظامه في الحياة والنماء. ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾ أي الأرض بعد الموت فتدفنون فيها ﴿وَيُخْرِجُكُمْ منها﴾ أيضا ﴿إِخْرَاجاً﴾ يوم القيامة للحساب والجزاء ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً﴾ أي مفروشة مبسوطة صالحة للعيش فيها والحياة عليها، ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ أي طرقا واسعة وهكذا تجول بهم نوح ﵇ في معارض آيات الله الكونية وكلها داله على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته وهي موجبة للعبادة له عقلا ونفيها عما سواه كانت هذه مشكلة نوح وعرض حاله على ربه وهو أعلم به وفي هذا درس عظيم للدعاة الهداة المهديين جعلنا الله منهم آمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- رسم الطريق الصحيح للدعوة القائم على الصبر وتلوين الأسلوب. ٢- بيان كره المشركين للتوحيد والموحدين أنهم لبغضهم لنوح ودعوة التوحيد سدوا آذانهم حتى لا يسمعوا وغطوا وجوههم حتى لا يروه واستكبروا حتى لا يروا له فضلا. ٣- استعمال الحكمة في الدعوة فإن نوحاً لما رأى أن قومه يحبون الدنيا أرشدهم إلى الاستغفار ليحصل لهم المال والولد. ٤-استنبط بعض الصالحين٢ من هذه الآية أن من كانت له رغبة في المال أو ولد فليكثر من الاستغفار الليل والنهار ولا يمل يعطه الله تعالى مراده من المال والولد. قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً (٢١) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (٢٢) وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالاً (٢٤)

стр. 3136

شرح الكلمات: عصوني: أي لم يطيعوني فيما دعوتهم إليه وأمرتهم به من عبادتك وحدك وترك الشرك بك. واتبعوا: أي السفلة منهم والفقراء. من لم يزد ماله وولده: أي الرؤساء المنعم عليهم. إلا خسارا: أي طغيانا وكفرا. مكرا كبارا: أي عظيما جدا بأن كذبوا نوحا وآذوه أذى شديدا. وقالوا: أي الرؤساء قالوا للسفلة منهم. لا تذرن آلهتكم: أي لا تتركن آلهتكم. ولا تذرن: أي ولا تتركن كذلك ودا ولا سواعا ولا يغوث ولا يعوق ونسرا. وقد اضلوا: أي بالأصنام كثيرا من الناس أمروا بعبادتها. معنى الآيات: بعد ذلك العرض الكريم الذي تقدم به رسول الله نوح ﵇ إلى ربه ليعذره ويكرمه تقدم بشكوى مشفوعة بالدعاء بالهلاك على الظالمين ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ١ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً﴾ أي طغيانا وكفرا. ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً٢﴾ أي عظيما جدا حيث كانوا يعرضون بنوح وقد يضربونه وهو صابر محتسب وقالوا لبعضهم البعض متواصين بالباطل ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ وسموا منها رؤساءها وهم خمسة ود ٣وسواع ويغوث ويعوق ونسر وقد أضلوا كثيرا أي من عباد الله حيث ورثوا هذه الأصنام فيهم فتبعهم الناس على ذلك فضلوا ثم دعا عليهم قائلا ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالاً﴾ قال هذا بعد أن أيس من إيمانهم وعدم هدايتهم لطول ما مكث٤ بينهم يدعوهم وهم لا يزدادون إلا كفرا وضلالا.٥

стр. 3137

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- مشروعية الشكوى إلى الله تعالى ولكن بدون صخب ولا نصب. ٢- بيان أن السفلة والفقراء يتبعون الرؤساء والأغنياء وأصحاب الحظ. ٣-بيان أن المكر من شأن الكافرين والظالمين. ٤-بيان أن المشركين لضلالهم يطلقون لفظ الآلهة على من يعبدونهم من الأصنام والأوثان. ٥- مشروعية الدعاء على الظالمين عند اليأس من هدايتهم. مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَاراً (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً (٢٨) شرح الكلمات: مما خطيئاتهم أغرقوا: أي بسبب خطيئاتهم أغرقوا بالطوفان. فأدخلوا نارا: أي بعد موتهم أدخلت أرواحهم النار. ديارا: أي من يدور يذهب ويجيء أي لم يبق أحد. إن تذرهم: أي أحياء لم تهلكهم. إلا تبارا: أي هلاكا وخسارا. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ ١ يخبر تعالى عن نهاية قوم نوح بعد أن دعا عليهم نوح لما علم بالوحي الإلهي أنهم لا يؤمنون فقال تعالى مما خطيئاتهم أي ومن خطيئاتهم أي بسبب خطيئاتهم التي هي الشرك والظلم والتكذيب والأذى لنوح ﵇ أغرقوا بالطوفان فلم يبق منهم أحد ﴿فَأُدْخِلُوا نَاراً﴾ أي بمجرد ما يغرق الشخص وتخرج روحه يدخل النار في البرزخ. وقوله تعالى ﴿فَلَمْ٢

стр. 3138

يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَاراً﴾ وهو كذلك فمن ينصر من يريد هلاكه وخزيه وعذابه. ثم ذكر تعالى دعوة نوح التي كان الطوفان بها والهلاك وهي قوله ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ أي لا تترك ولا تبق على الأرض اليابسة كلها يومئذ من الكافرين بخلاف المؤمنين ﴿دَيَّاراً﴾ ١ أي إنساناً يدور أي يذهب ويجيء أي لا تبق من الكافرين أحداً ثم علل لطلبه الهلاك للكافرين فقال ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ٢ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ عن صراطك الموصل إلى رضاك وذلك هو عبادتك وحدك وطاعتك وطاعة رسولك ﴿وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّارا٣﴾ أي إلا من يفجر عن دينك ويكفر بك وبرسولك قال نوح هذا لطول التجارب التي عاشها مع قومه إذ عاشرهم قرابة عشرة قرون ثم دعا الله تعالى له ولوالديه ولمن دخل مسجده ومصلاه من المؤمنين والمؤمنات، وأن لا يزيد الظالمين إلا خسارا وهلاكاً فقال ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ٤ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً﴾ ٥. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- هلاك قوم نوح كان بخطاياهم فالخطايا إذاً موجبة للهلاك. ٢- تقرير عذاب القبر فقوم نوح ما إن اغرقوا حتى ادخلوا نارا. ٣- مشروعية الدعاء على الظلمة الكافرين والمجرمين. ٤- مشروعية الدعاء للمؤمنين والمؤمنات. ٥- يستحب البدء غي الدعاء بنفس الداعي ثم يعطف من يدعوا لهم.

стр. 3139

سورة الجن مكية وآياتها ثمان وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أُوحِيَ١ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً

стр. 3140

عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطاً (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْأِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً (٧) شرح الكلمات: أنه استمع: أي إلى قراءتي. نفر من الجن: أي عدد من الجن ما بين الثلاثة والعشرة. قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا: أي لبعضهم بعضاً قرآنا عجبا أي يتعجب منه لفصاحته وغزارة معانيه. يهدي إلى الرشد: أي الصواب في المعتقد والقول والعمل. وأنه تعالى جد ربنا: أي تنزه جلال ربنا وعظمته عما نسب إليه. ما اتخذ صاحبة ولا ولدا: أي لم صاحبة ولم يكن له ولد. سفيهنا: أي جاهلنا. شططا: أي غلوا في الكذب بوصفه الله تعالى بالصاحبة والولد. على الله كذبا: حتى تبين لنا أنهم يكذبون على الله بنسبة الزوجة والولد إليه. يعوذون: أي يستعيذون. فزادوهم رهقا: أي إثما وطغيانا. أن لن يبعث الله أحدا: أي لن يبعث رسولا إلى خلقه. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿قُلْ أُوحِيَ١ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ ٢مِنَ الْجِنِّ﴾ يأمر تعالى رسوله محمداً ﷺ أن يقول معلنا

стр. 3141

للناس مؤمنهم وكافرهم أنه قد أوحى الله تعالى إليه نبأ مفاده أن نفرا من الجن ما بين الثلاثة إلى العشرة قد استمعوا إلى قراءته القرآن وذلك ببطن نخلة والرسول يصلي بأصحابه صلاة الفجر وكان الرسول ﷺ عامدا مع أصحابه إلى سوق عكاظ. وكان يومئذ قد حيل بين الشياطين وخبر السماء حيث أرسلت عليهم الشهب فراجع الشياطين بعضهم بعضا فانتهوا إلى أن شيئا حدث لا محالة فانطلقوا يضربون في مشارق الأرض ومغاربها يتعرفون إلى هذا الحدث الجلل الذي منعت الشياطين بسببه من السماء فتوجه نفر منهم إلى تهامة فوجدوا الرسول ﷺ يصلي الصبح بأصحابه فاستمعوا إلى قراءته في١صلاته فرجعوا إلى قومهم من الجن فقالوا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ فأنزل الله تعالى هذه السورة "سورة الجن" مفتتحة بقوله ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ٢ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي أعلن للناس يا رسولنا أن الله قد أوحى إليك خبرا مفاده أن نفرا من الجن قد استمعوا إلى قراءتك فرجعوا إلى قومهم وقالوا لهم ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ أي يتعجب من فصاحته وغزارة معانيه. يهدي إلى الرشد٣ والصواب في العقيدة والقول والعمل ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ وفي هذا تعريض بسخف البشر الذين عاش الرسول بينهم احدى عشرة سنة يقرأ عليهم القرآن بمكة وهو مكذبون به كارهون له مصرون على الشرك والجن بمجرد أن سمعوه آمنوا به وحملوا رسالته إلى قومهم وهاهم يدعون بدعاية الإسلام ويقولون ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ٤ رَبِّنَا﴾ أي وآمنا بأنه تعالى أمر ربنا وسلطانه ما اتخذ صاحبة ولا ولدا وحاشاه وإنما نسب إليه ذلك المفترون. ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطاً﴾ هذا من قول الجن واصلوا حديثهم قائلين وأنه كان يقول جاهلونا على الله شططا أي غلوا في الكذب بوصفهم الله تعالى بالصاحبة والولد تقليدا للمشركين واليهود والنصارى ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي وقالوا لقومهم وإنا كنا نظن أن الإنس والجن لا يكذبون على الله ولا يقولون عليه إلا الصدق وقد علمنا الآن أنهم يكذبون على الله ويقولون عليه ما لم يقله وينسبون إليه ما هو منه براء. وقالوا ﴿وَأَنَّهُ كَانَ ٥رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ

стр. 3142

يَعُوذُونَ ١بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ يخبرون بخبر عجيب وهو أنه كان رجال من الناس من العرب وغيرهم إذا نزلوا منزلا مخوفا في واد أو شعب يستعيذون برجال من الجن كأن يقول الرجل أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه فزاد الإنس الجن بهذا اللجأ إليهم والاحتماء بهم رهقا٢ أي إثما وطغيانا. إذ ما كانوا يطمعون أن الإنس تعظمهم هذا التعظيم حتى تستجير بهم. وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا أي وقالوا مخبرين قومهم وأنهم أي الإنس ظنوا كما ظننتم أنتم أيها الجن أن لن يبعث الله أحدا رسولا ينذر الناس عذاب الله ويعلمهم ما يكملهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير النبوة المحمدية وأن محمدا رسول للثقلين الإنس والجن معاً. ٢- بيان علو شأن القرآن وكماله حيث شهدت الجن له بأنه عجب فوق مستوى كلام الخلق. ٣- تقرير التوحيد والتنديد بالشرك. ٤- تقرير أن الإنس كالجن قد يكذبون على الله وما كان لهم ذلك. ٥- حرمة الاستعانة بالجن والاستعاذة بهم لأن ذلك كالعبادة لهم. وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً (٩) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣)

стр. 3143

وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) شرح الكلمات: وأنا لمسنا السماء: أي طلبنا خبرها كما جرت بذلك عادتنا. حرساً شديداً: أي حراسا وحفظة من الملائكة يحفظونها بشدة وقوة. وشهبا: أي نجوما يرمى بها الشياطين أو يؤخذ منها شهاب فيرمى به. مقاعد للسمع: أي من أجل أن نسمع ما يحدث وما يكون في الكون. شهابا رصداً: أي أرصد وأعد لرمي الشياطين وإبعادهم عن السمع. رشدا: أي خيراً وصلاحاً. كنا طرائق قددا: أي مذاهب مختلفة إذا الطرائق جمع طريقة، والقدر جمع قدة وهي الضروب والأجناس المختلفة. ولن نعجزه هربا: أي لا نفوته هاربين في الأرض أو في السماء. لما سمعنا الهدى: أي القرآن الداعي إلى الهدى المخالف للضلال. بخسا ولا رهقا: أي نقصا من حسناته ولا إثما يحال عليه ويحاسب به. ومنا القاسطون: أي الجائرون عن قصد السبيل وهو الإسلام. تحروا رشدا: أي تعمدوا الرشد فطلبوه بعناية فحصلوا عليه. فكانوا لجهنم حطبا: أي وقوداً تتقد بهم يوم القيامة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ما قالته الجن بعد سماعها القرآن الكريم. وهو ما أخبر تعالى به عنهم في قوله ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ أي طلبناها كعادتنا ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ أي١ ملائكة أقوياء يحرسونها وشهبا نارية يرمى بها كل مسترق للسمع منا. وقالوا: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ أي من السماء ﴿مَقَاعِدَ﴾ أي أماكن معينة لهم ﴿لِلسَّمْعِ٢﴾ أي لأجل الاستماع من ملائكة

стр. 3144

السماء. ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾ أي أرصد له خاصة فيرمى به فيحرقه أو يخبله، وقالوا ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ أقول عجبا لهؤلاء المؤمنين من الجن كيف تأدبوا معه الله فلم ينسبوا إليه الشر ونسبوا إليه الخير فقالوا ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ولو أساءوا الأدب مثلنا لقالوا أشر أراده الله بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا أي خيرا وصلاحا قالوا هذا لما وجدوا السماء قد ملئت حرسا شديدا وشهبا وهو تفكير سديد ناتج عن وعي وإدراك سليم. وهذا التغير في السماء الذي وجدوه سببه أن الله تعالى لما نبأ رسوله محمداً ﷺ وأخذ يوحي إليه حمى السماء حتى لا يسترق الشياطين السمع ويشوشوا على الناس فيصرفوهم عن الإيمان والدخول في الإسلام وهو الرشد الذي أراد الله لعباده وقالوا ﴿وَإِنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾ أي المؤمنون المستقيمون على الإيمان والطاعة ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ ضعف إيمان وقلة طاعة، ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً﴾ أي مذاهب١ وأهواء مختلفة. ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي إن أراد بنا سوءا ومكروها ولن نعجزه هربا إن طلبنا ما في الأرض أو في السماء. ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ أي بالقرآن الذي هو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً﴾ أي نقصا من حسناته يوم القيامة ﴿وَلا رَهَقاً﴾ أي إثما يضاف إلى سيئآته ويعاقب به وهو لم يرتكبه في الدنيا. وقالوا ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ أي الجائرون عن قصد السبيل وهو الإسلام. فمن أسلم أي انقاد لله تعالى بطاعته وخلص من الشرك به فهؤلاء تحروا الرشد٢ وفازوا به، ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ توقد بهم وتستعر عليهم وعلى الكافرين الجائرين أمثالهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وجود تجانس بين الجن والملائكة لقرب مادتي الخلق من بعضها إذ الملائكة خلقوا من مادة النور، والجن من مادة النار، ولذا يرونهم ويسمعون كلامهم ويفهمونه. ٢- من الجن أدباء صالحون مؤمنون مسلمون أصحاب لرسول الله ﷺ . ٣- ذم الطرق والأهواء والاختلافات. ٤- الإشادة بالعدل وتحري الحق والخير.

стр. 3145

وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤) شرح الكلمات: على الطريقة: أي الإسلام. ماء غدقا: أي مالا كثيرا وخيرات كبيرة. لنفتنهم فيه: أي نختبرهم أيشكرون أم يكفرون. عن ذكر ربه: أي القرآن وشرائعه وأحكامه. عذابا صعدا: أي شاقا. فلا تدعوا: أي فيها مع الله أحدا. عبد لله يدعوه: أي محمد ﷺ يدعوا الله ببطن نخلة. عليه لبدا: أي في ركوب بعضهم بعضا تزاحما لأجل أن يسمعوا قراءته. ضرا ولا رشدا: أي غيا ولا خيرا. ملتحدا: أي ملتجأ ألجأ إليه فأحفظ نفسي. إلا بلاغا: أي لا أملك إلا البلاغ إليكم. وأقل عددا: أي أعوانا المسلمون أم الكافرون.

стр. 3146

معنى الآيات: قوله تعالى ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ أي وأوحى إلي أن لو استقام هؤلاء المشركون من كفار قريش استقاموا على الإيمان والتوحيد والطاعة لله ولرسوله –وهم يشكون القحط- ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً١﴾ فتكثر أموالهم وتتسع أرزاقهم، ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي لنخبرهم في ذلك الخير الكثير أيشكرون أم يكفرون؟ ثم إن شكروا زادهم، وإن كفروا سلبهم وعذبهم. وقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ أي القرآن وما يدعوا إليه من الإيمان وصالح الأعمال ولم يتخل عن الشرك وسوء الأفعال ﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً٢﴾ أي ندخله في عذاب شاق في الدنيا بالذل والمهانة والفقر والرذيلة والنذالة. وفي الآخرة في جهنم حيث السموم والحميم، والضريع والزقوم. وقوله ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ٣ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ أي ومما أوحي إلي أن المساجد لله فإذا دخلتموها للعبادة فلا تدعوا فيها مع الله أحدا إذ كيف البيت له وأنت فيه وتدعوا معه غيره زيادة على أن الشرك محرم وصاحبه في النار فإنه من غير الأدب أن يكون المرء في بيت كريم ويدعو معه غيره من فقراء الخلق أو أغنيائهم وقوله ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أي وأوحي إلي أنه لما قام عبد الله ورسوله محمد ﷺ يدعوا ربه في الصلاة ببطن نخلة كاد الجن أن يكونوا عليه لبدا أي٤ كالشيء المتلبد بعضه فوق بعض. وقوله ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ هذا إجابة لقريش عندما قالوا له ﷺ لقد جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم فارجع عن هذا فنحن نجيرك أي نحفظك فأمر أن يقول لهم إنما أدعوا ربي أي أعبده إلهاًَ واحداً ولا أشرك به أحدا. وأن يقول أيضا إني لا أملك لكم يا معشر قريش الكافرين ضرا ولا رشدا أي ضلالا ولا هداية إنما ذلك لله وحده يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأمر أن يقول لهم أيضا إني لن يجيرني من الله أحد أن أنا عصيته وأطعتكم، ولن أجد من دونه أي من غيره ملتحدا٥ أي ملتجأ التجأ إليه. وقوله إلا بلاغاً من الله ورسالاته أي لا أملك لكم ضراً ولا رشداً إلا بلاغا من الله

стр. 3147

ورسالته فإني أبلغكم عنه ما أمرني به وأرشدكم إلى ما أرسلني به من الهدى والخير والفوز وقوله ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ أي يخبر تعالى موعداً أن من يعصي الله بالشرك به وبرسوله بتكذيبه وعدم اتباعه فيما جاء به فإن له جزاء شركه وعصيانه نار جهنم خالدين فيها أبدا. وقوله ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾ أي فإن استمروا على شركهم وتكذيبهم حتى إذا رأوا ما يوعدون من عذاب يوم القيامة فسيعلمون عندئذ من أضعف ناصراً أي من ناصره ضعيف أو قوي، ومن أقل عدداً من أعوانه المؤمنون محمد وأصحابه أم هم المشركون المكذبون. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- الاستقامة على منهج الله تعالى القائم على الإيمان والطاعة لله ورسوله يفضي بسالكه إلى الخير الكثير والسعادة الكاملة في الدنيا والآخرة. ٢- المال فتنة وقل من ينجح فيها قال عمر ﵁ أينما يكون الماء يكون المال وأينما يكون المال تكون الفتنة. ٣- حرمة دعاء غير الله في المساجد وفي غيرها إلا أنها في المساجد أشد قبحا. ٤- الخير والغير والهدى والضلال لا يملكها إلا الله فليطلب ذلك منه لا من غيره. ٥- معصية الله والرسول موجبة لعذاب الدنيا والآخرة. قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)

стр. 3148

شرح الكلمات: قل إن أدري: أي قل ما أدري. ما توعدون: أي من العذاب. أمدا: أي غاية وأجلا لا يعلمه إلا هو. فلا يظهر: أي لا يطلع. من ارتضى من رسول: أي فإنه يطلعه. رصدا: أي ملائكة يحفظونه حتى يبلغه مع الوحي الذي يبلغه لكافة الناس. ليعلم: أي الله علم ظهور أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم. أحصى كل شيء عددا: أي أحصى عدد كل شيء. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾ أمر تعالى رسوله أن يقول للمشركين المطالبين بالعذاب استخفافا وعناداً أو تكذيباً أمره أن يقول لهم ما أدري أقريب ما وعدكم ربكم به من العذاب بحيث يحل بكم عاجلا أم يجعل له ربي١ أمدا أي غاية وأجلا بعيدا يعلمه هو ولا يعلمه غيره. عالم الغيب٢ إذ هو عالم الغيب٣ وحده فلا يظهر على غيبه أي لا يطلع على غيبه أحدا من عباده إلا من ارتضى من رسول أي رضيه أن يبلغ عنه فإنه يطلعه مع الاحتياط الكافي حتى لا يتسرب الخبر الغيب إلى الناس ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ٤ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ الرسول المرتضى ومن خلفه رصداً من الملائكة ثم يطلعه ضمن الوحي الذي يوحي إليه. وذلك ليعلم الرسول٥ ﷺ أن الرسل قبله قد بلغت رسالات ربها لما أحاطها تعالى به من العناية حتى انه إذا جاءه الوحي كان معه أربعة ملائكة يحمونه من الشياطين حتى لا يسمعوا خبر السماء فيبلغوه أولياءهم من الإنس، فتكون فتنة في الناس وقوله ﴿وَأَحَاطَ﴾

стр. 3149

أي الله ﷻ ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ أي بما لدى الملائكة والرسل علما ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ ١ أي وأحصى عدد كل شيء فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١-استئثار الله تعالى بعلم الغيب فلا يعلم الغيب إلا الله. ٢-قد يطلع الله تعالى من ارتضى أن يطلعه من الرسل على غيب خاص ويتم ذلك بعد حماية كاملة من الشياطين كيلا ينقلوه إلى أوليائهم فيفتنوا به الناس. ٣- بيان إحاطة علم الله بكل شيء واحصائه تعالى لكل شيء عدّا.

стр. 3150

سورة المزمل أولها مكي وآخرها مدني ١ وآياتها عشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩) شرح الكلمات: يا أيها المزمل: أي المتلفف بثيابه أي النبي ﷺ . قم الليل: أي صل. إلا قليلا: أي نصف الليل. نصفه أو انقص منه قليلا: أي انقص من النصف إلى الثلث. أو زد عليه: أي إلى الثلثين فأنت مخير في أيها تفعل تقبل.

стр. 3151

ورتل القرآن ترتيلا: أي ترسل في قراءته وبينه تبييناً. إنا سنلقي عليك قولا: أي قرآنا. ثقيلا: أي محمله ثقيلا العمل به لما يحوي من التكاليف. إن ناشئة الليل: أي ساعة الليل من صلاة العشاء فما فوق كل ساعة تسمى ناشئة. هي أشد وطئا: أي هي أقوى موافقة السمع للقلب على تفهم القرآن فيها. وأقوم قيلا: أي أبين قولا وأصوب قراءة من قراءة النهار لسكون الأصوات. واذكر اسم ربك: أي دم على ذكره ليلا ونهارا على أي وجه من تسبيح وتهليل وتحميد. وتبتل إليه تبتيلا: أي انقطع إليه في العبادة وفي طلب الحاجة وفي كل ما يهمك. لا إله إلا هو: أي لا معبود بحق سواه ولا تنبغي العبادة لغيره. فاتخذه وكيلا: أي فوض جميع أمورك إليه فإنه يكفيك. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ١ نادى الرب ﵎ نبيه محمداً ﷺ مذكرا إياه بتلك الساعة السعيدة التي فاجأه فيها الوحي لأول مرة فرجع بها ترجف بوادره فانتهى إلى خديجة وهو يقول زملوني دثروني فالمزمل٢ هو المتزمل أي المتلفف في ثيابه ليقول له قم الليل٣ إلا قليلا أي صل في الليل ﴿نِصْفَهُ أَوِ ٤انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ إلى الثلث ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أي على النصف إلى الثلثين وامتثل الرسول أمر ربه فقام مع أصحابه حتى تورمت أقدامهم. ثم خفف الله تعالى عنهم ونزل آخر هذه السورة بالرخصة في ترك القيام الواجب وبقى الندب والاستحباب وقوله تعالى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ ٥ يرشده ربه إلى أحسن التلاوة وهي الترسل وعدم السرعة حتى يبين الكلمات تبييناً ويترقى القلب في معانيها. وقوله ﴿إِنَّا ٦سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ يخبره ربه تعالى بأنه سيلقي عليه قوى ثقيلا هو

стр. 3152

القرآن فإنه ثقيل مهيب ذو تكاليف العمل بها ثقيل إنها فرائض وواجبات أعلمه ليوطن نفسه على العمل ويهيئها لحمل الشريعة علما وعملا ودعوة. وقوله ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ١اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ يخبر تعالى معلما أن ساعات الليل من بعد صلاة العشاء إلى آخر الليل القيام فيها يجعل السمع يواطيء القلب على فهم معاني القرآن الذي يقرأه المصلي، وقوله وأقوم قيلا أي أبين قولا ولأصوب قراءة من قراءة الصلاة في النهار. وقوله ﴿إِنَّ لَكَ فِي٢ النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً﴾ يخبر تعالى رسوله بأن له في النهار أعمالاً تشغله عن قراءة القرآن فلذا أرشده إلى قيام الليل وترتيل القرآن لتفرغه من عمل النهار وقوله ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي داوم على ذكره ليلا ونهارا على أي وجه كان الذكر من تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل. وقوله ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ﴾ أي إلى الله ﴿تَبْتِيلاً﴾ أي انقطع إليه في العبادة إخلاصا له وفي طلب حوائجك، وفي كل ما يهمك من أمر دينك ودنياك وقوله ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ أي هو تعالى رب المشرق والمغرب أي مالك المشرقين والمغربين ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فلا تنبغي العبادة إلا له ولا تصح الألوهية إلا له أيضاً وقوله ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ أي من كل ما يهمك فإنه يكفيك وهو على كل شيء قدير. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١-الندب إلى قيام الليل وأنه دأب الصالحين وطريق المتقربين. ٢-الندب إلى ترتيل القرآن وترك العجلة في تلاوته. ٣-صلاة الليل أفضل من صلاة النهار لتواطىء السمع والقلب فيها على فهم القرآن. ٤-الندب إلى ذكر الله تعالى بأي وجه من صلاة وتسبيح وطلب علم ودعاء وغير ذلك. وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ

стр. 3153

وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩) شرح الكلمات: واصبر على ما يقولون: أي على ما يقوله لك كفار مكة من أذى كقولهم شاعر وساحر وكاذب. واهجرهم هجرا جميلا: أي اتركهم تركا جميلا أي لا عتاب معه. وذرني: أي اتركني. والمكذبين: أي صناديد قريش فإني أكفكهم. أولي النعمة: أي أهل التنعم والترف. ومهلهم قليلا: أي انتظرهم قليلا من الزمن حتى يهلكوا ببدر. إن لدينا انكالا: أي قيودا وهي جمع نكل وهو القيد من الحديد. وطعاما ذا غصة: أي يغص في الحلق هو الزقزم والضريع. يوم ترجف الأرض: أي تتزلزل. كثيباً مهيلا: أي رملا مجتمعا مهيلا أي سائلا بعد اجتماعه. فأخذناه أخذا وبيلا: أي ثقيلا شديدا غليظا. فكيف تتقون يوما: أي عذاب يوم يجعل الولدان لشدة هوله شيبا. السماء منفطر به: أي ذات انفطار وانشقاق أي بسبب هول ذلك اليوم. كان وعده مفعولا: أي وعده تعالى بمجيء ذلك اليوم كان مفعولا أي كائنا لا محالة. إن هذه تذكرة: أي إن هذه الآيات المخوفة تذكرة أي عظة للناس. اتخذ إلى ربه سبيلا: أي طريقا بالإيمان والطاعة إلى النجاة من النار ودخول الجنة.

стр. 3154

معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تربية الرسول ﷺ وأمته بأنواع التربية الربانية الخاصة فقال تعالى لرسوله ﴿وَاصْبِرْ١ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي كفار قريش من كلام يؤذونك به كقولهم هو ساحر وشاعر وكاهن ومجنون وما إلى ذلك، وقوله ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ يرشد تعالى رسوله إلى هجران كفار قريش وعدم التعرض لهم والهجر الجميل٢ هو الذي لا عتاب معه وقوله ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أي اتركني والمكذبين من صناديد٣ قريش أولي النعمة أي النعم والترف ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ أي أنظرهم ولا تستعجل فإني كافيكهم، ولم يمض إلا يسير حتى هلكوا في بدر على أيدي المؤمنين. وقوله تعالى ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً﴾ أي عندنا للمكذبين بك في الآخرة أنكالا قيودا من حديد وجحيما أي نارا مستعرة محرقة وعذابا أليما أي موجعا وطعاما هو الزقوم والضريع ذا غصة أي يغص في حلق آكله، وعذابا أليما أي موجعاً وذلك يحصل لأهله وينالهم يوم ترجف الأرض والجبال، أي تتحرك وتضرب وكانت الجبال كثيبا أي من الرمل مهيلا سائلا بعد اجتماعه. وقوله تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ أي يا أهل مكة وكل من ورائها من سائر الناس والجن ﴿رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾ بما تعملون في الدنيا لتجزوا بها في الآخرة وقوله ٤ ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ أي موسى بن عمران ﵇ ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ أي غليظا شديدا. وقوله تعالى مخاطبا الكافرين المكذبين ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْماً﴾ أي عذاب يوم ﴿يجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ وذلك لهوله وللكرب الذي يقع وحسبه أن السماء منفطر٥ به أي منشقة بسبب أهواله. وذلك يوم يقول الرب تعالى لآدم يا آدم ابعث بعث النار أي خذ من كل ألف من أهل الموقف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار ولم ينج من كل ألف إلا واحد هنا يشتد البلاء ويعظم الكرب. وقوله ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ أي وعده تعالى بمجيء هذا اليوم كان مفعولا أي كائنا لا محالة وقوله ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي إن هذه الآيات المشتملة على ذكر القيامة وأهوالها تذكرة وعظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ فليتخذ وهي الإيمان والعمل الصالح بعد التخلي عن الشرك والمعاصي.

стр. 3155

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وجوب الصبر على الطاعة وعن المعصية. ٢- الهجر الجميل هو الذي لا عتاب فيه. ٣- تقرير النبوة المحمدية. ٤- تقرير البعث والجزاء. إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠) شرح الكلمات: أنك تقوم: أي للتهجد. أدنى: أي أقل. وطائفة: أي وطائفة معك من أصحابك تقوم كذلك. والله يقدر الليل والنهار: أي يحصيها ويعلم ما يمضي من ساعات كل منهما وما يبقى. علم أن لن تحصوه: أي الليل فلا تطيقون قيامه كله لأنه يشق عليكم. فتاب عليكم: أي رجع بكم إلى التخفيف في قيام الليل إذ هو الأصل. فا قرأوا ما تيسر: أي صلوا من الليل ما سهل عليكم ولو ركعتين. وأقيموا الصلاة: أي المفروضة. وآتوا الزكاة: أي المفروضة.
следующие страницы →