ورتل القرآن ترتيلا: أي ترسل في قراءته وبينه تبييناً.
إنا سنلقي عليك قولا: أي قرآنا.
ثقيلا: أي محمله ثقيلا العمل به لما يحوي من التكاليف.
إن ناشئة الليل: أي ساعة الليل من صلاة العشاء فما فوق كل ساعة تسمى ناشئة.
هي أشد وطئا: أي هي أقوى موافقة السمع للقلب على تفهم القرآن فيها.
وأقوم قيلا: أي أبين قولا وأصوب قراءة من قراءة النهار لسكون الأصوات.
واذكر اسم ربك: أي دم على ذكره ليلا ونهارا على أي وجه من تسبيح وتهليل وتحميد.
وتبتل إليه تبتيلا: أي انقطع إليه في العبادة وفي طلب الحاجة وفي كل ما يهمك.
لا إله إلا هو: أي لا معبود بحق سواه ولا تنبغي العبادة لغيره.
فاتخذه وكيلا: أي فوض جميع أمورك إليه فإنه يكفيك.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ١ نادى الرب ﵎ نبيه محمداً ﷺ مذكرا إياه بتلك الساعة السعيدة التي فاجأه فيها الوحي لأول مرة فرجع بها ترجف بوادره فانتهى إلى خديجة وهو يقول زملوني دثروني فالمزمل٢ هو المتزمل أي المتلفف في ثيابه ليقول له قم الليل٣ إلا قليلا أي صل في الليل ﴿نِصْفَهُ أَوِ ٤انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ إلى الثلث ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أي على النصف إلى الثلثين وامتثل الرسول أمر ربه فقام مع أصحابه حتى تورمت أقدامهم. ثم خفف الله تعالى عنهم ونزل آخر هذه السورة بالرخصة في ترك القيام الواجب وبقى الندب والاستحباب وقوله تعالى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ ٥ يرشده ربه إلى أحسن التلاوة وهي الترسل وعدم السرعة حتى يبين الكلمات تبييناً ويترقى القلب في معانيها. وقوله ﴿إِنَّا ٦سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ يخبره ربه تعالى بأنه سيلقي عليه قوى ثقيلا هو
стр. 3152
القرآن فإنه ثقيل مهيب ذو تكاليف العمل بها ثقيل إنها فرائض وواجبات أعلمه ليوطن نفسه على العمل ويهيئها لحمل الشريعة علما وعملا ودعوة. وقوله ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ١اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ يخبر تعالى معلما أن ساعات الليل من بعد صلاة العشاء إلى آخر الليل القيام فيها يجعل السمع يواطيء القلب على فهم معاني القرآن الذي يقرأه المصلي، وقوله وأقوم قيلا أي أبين قولا ولأصوب قراءة من قراءة الصلاة في النهار. وقوله ﴿إِنَّ لَكَ فِي٢ النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً﴾ يخبر تعالى رسوله بأن له في النهار أعمالاً تشغله عن قراءة القرآن فلذا أرشده إلى قيام الليل وترتيل القرآن لتفرغه من عمل النهار وقوله ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي داوم على ذكره ليلا ونهارا على أي وجه كان الذكر من تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل. وقوله ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ﴾ أي إلى الله ﴿تَبْتِيلاً﴾ أي انقطع إليه في العبادة إخلاصا له وفي طلب حوائجك، وفي كل ما يهمك من أمر دينك ودنياك وقوله ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ أي هو تعالى رب المشرق والمغرب أي مالك المشرقين والمغربين ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فلا تنبغي العبادة إلا له ولا تصح الألوهية إلا له أيضاً وقوله ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ أي من كل ما يهمك فإنه يكفيك وهو على كل شيء قدير.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١-الندب إلى قيام الليل وأنه دأب الصالحين وطريق المتقربين.
٢-الندب إلى ترتيل القرآن وترك العجلة في تلاوته.
٣-صلاة الليل أفضل من صلاة النهار لتواطىء السمع والقلب فيها على فهم القرآن.
٤-الندب إلى ذكر الله تعالى بأي وجه من صلاة وتسبيح وطلب علم ودعاء وغير ذلك.
وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ
стр. 3153
وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩)
شرح الكلمات:
واصبر على ما يقولون: أي على ما يقوله لك كفار مكة من أذى كقولهم شاعر وساحر وكاذب.
واهجرهم هجرا جميلا: أي اتركهم تركا جميلا أي لا عتاب معه.
وذرني: أي اتركني.
والمكذبين: أي صناديد قريش فإني أكفكهم.
أولي النعمة: أي أهل التنعم والترف.
ومهلهم قليلا: أي انتظرهم قليلا من الزمن حتى يهلكوا ببدر.
إن لدينا انكالا: أي قيودا وهي جمع نكل وهو القيد من الحديد.
وطعاما ذا غصة: أي يغص في الحلق هو الزقزم والضريع.
يوم ترجف الأرض: أي تتزلزل.
كثيباً مهيلا: أي رملا مجتمعا مهيلا أي سائلا بعد اجتماعه.
فأخذناه أخذا وبيلا: أي ثقيلا شديدا غليظا.
فكيف تتقون يوما: أي عذاب يوم يجعل الولدان لشدة هوله شيبا.
السماء منفطر به: أي ذات انفطار وانشقاق أي بسبب هول ذلك اليوم.
كان وعده مفعولا: أي وعده تعالى بمجيء ذلك اليوم كان مفعولا أي كائنا لا محالة.
إن هذه تذكرة: أي إن هذه الآيات المخوفة تذكرة أي عظة للناس.
اتخذ إلى ربه سبيلا: أي طريقا بالإيمان والطاعة إلى النجاة من النار ودخول الجنة.
стр. 3154
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تربية الرسول ﷺ وأمته بأنواع التربية الربانية الخاصة فقال تعالى لرسوله ﴿وَاصْبِرْ١ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي كفار قريش من كلام يؤذونك به كقولهم هو ساحر وشاعر وكاهن ومجنون وما إلى ذلك، وقوله ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ يرشد تعالى رسوله إلى هجران كفار قريش وعدم التعرض لهم والهجر الجميل٢ هو الذي لا عتاب معه وقوله ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أي اتركني والمكذبين من صناديد٣ قريش أولي النعمة أي النعم والترف ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ أي أنظرهم ولا تستعجل فإني كافيكهم، ولم يمض إلا يسير حتى هلكوا في بدر على أيدي المؤمنين. وقوله تعالى ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً﴾ أي عندنا للمكذبين بك في الآخرة أنكالا قيودا من حديد وجحيما أي نارا مستعرة محرقة وعذابا أليما أي موجعا وطعاما هو الزقوم والضريع ذا غصة أي يغص في حلق آكله، وعذابا أليما أي موجعاً وذلك يحصل لأهله وينالهم يوم ترجف الأرض والجبال، أي تتحرك وتضرب وكانت الجبال كثيبا أي من الرمل مهيلا سائلا بعد اجتماعه. وقوله تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ أي يا أهل مكة وكل من ورائها من سائر الناس والجن ﴿رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾ بما تعملون في الدنيا لتجزوا بها في الآخرة وقوله ٤ ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ أي موسى بن عمران ﵇ ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ أي غليظا شديدا. وقوله تعالى مخاطبا الكافرين المكذبين ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْماً﴾ أي عذاب يوم ﴿يجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ وذلك لهوله وللكرب الذي يقع وحسبه أن السماء منفطر٥ به أي منشقة بسبب أهواله. وذلك يوم يقول الرب تعالى لآدم يا آدم ابعث بعث النار أي خذ من كل ألف من أهل الموقف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار ولم ينج من كل ألف إلا واحد هنا يشتد البلاء ويعظم الكرب. وقوله ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ أي وعده تعالى بمجيء هذا اليوم كان مفعولا أي كائنا لا محالة وقوله ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي إن هذه الآيات المشتملة على ذكر القيامة وأهوالها تذكرة وعظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ فليتخذ وهي الإيمان والعمل الصالح بعد التخلي عن الشرك والمعاصي.
стр. 3155
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب الصبر على الطاعة وعن المعصية.
٢- الهجر الجميل هو الذي لا عتاب فيه.
٣- تقرير النبوة المحمدية.
٤- تقرير البعث والجزاء.
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)
شرح الكلمات:
أنك تقوم: أي للتهجد.
أدنى: أي أقل.
وطائفة: أي وطائفة معك من أصحابك تقوم كذلك.
والله يقدر الليل والنهار: أي يحصيها ويعلم ما يمضي من ساعات كل منهما وما يبقى.
علم أن لن تحصوه: أي الليل فلا تطيقون قيامه كله لأنه يشق عليكم.
فتاب عليكم: أي رجع بكم إلى التخفيف في قيام الليل إذ هو الأصل.
فا قرأوا ما تيسر: أي صلوا من الليل ما سهل عليكم ولو ركعتين.
وأقيموا الصلاة: أي المفروضة.
وآتوا الزكاة: أي المفروضة.
стр. 3156
وأقرضوا الله قرضاً حسنا: أي تصدقوا بفضول أموالكم طيبة بها نفوسكم فذلك القرض الحسن.
وما تقدموا لأنفسكم من خير: أي من نوافل العبادة من الصلاة وصدقة وصيام وحج وغيرها.
معنى الآيات:
يخبر تعالى رسوله بأنه يعلم ما يقومه من الليل هو وطائفة من أصحابه وأنهم يقومون أحياناً أدنى من ثلثي الليل أي أقل ويقومون أحيانا النصف والثلث، كما في أول السورة هذا معنى قوله تعالى ﴿إِنَّ١ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ وقوله ﴿وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي يحصي ساعاتهما فيعلم ما مضى من الليل وما بقي من ساعاته، وقوله ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ٢ تُحْصُوهُ﴾ أي لن تطيقوا ضبط ساعاته فيشق عليكم قيام أكثره تحريا منكم لما هو المطلوب. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ لذلك وبهذا نسخ قيام الليل الواجب وبقى المستحب يؤدى ولو بركعتين في أي جزء من الليل وكونهما بعد صلاة العشاء أفضل وقوله تعالى ﴿فاقرأوا٣ ما تيسر من القرآن﴾ أي صلوا من الليل ما تيسر أطلق لفظ القرآن وهو يريد الصلاة لأن القرآن هو الجزء المقصود من صلاة الليل،، وقوله ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ فذكر فيه تعالى ثلاثة أعذار لهم وهي المرض، والضرب في الأرض٤ للتجارة والجهاد في سبيل الله وكلها يشق معها قيام الليل فرحمة بالمؤمنين نسخ الله تعالى هذا الحكم الشاق بقوله ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَه٥﴾ ، كرره تأكيدا لنسخ قيام الليل الذي كان واجبا وأصبح بهذه الآية مندوبا. وقوله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أي المفروضتين. وقوله وأقرضوا الله قرضا حسنا أي أنفقوا في سبيل الله الذي هو الجهاد فإن الحسنة فيه بسبعمائة وما تقدموا لأنفسكم من نوافل الصلاة والصدقات والحج وسائر العبادات تجدوه عند الله يوم القيامة هو خيراً وأعظم أجرا. وقوله واستغفروا الله من كل ما يفرط منكم من تقصير في جنب الله تعالى إن الله غفور رحيم يغفر لمن تاب ويرحمه فلا يؤاخذه بذنب قد تاب منه.
стр. 3157
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان ما كان الرسول ﷺ وأصحابه يقومونه من الليل تهجدا.
٢- نسخ واجب قيام الليل وبقاء استحبابه وندبه١.
٣- وجوب إقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
٤- الترغيب في التطوع من سائر العبادات.
٥- وجوب الاستغفار عند الذنب وندبه واستحبابه في سائر الأوقات لما يحصل من التقصير.
стр. 3158
سورة المدثر
مكية وآياتها ست وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا ١ الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)
شرح الكلمات:
يا أيها المدثر: أي يا أيها المدثر أي المتلفف في ثيابه وهو النبي ﷺ .
قم فأنذر: أي خوف أهل مكة النار إن لم يؤمنوا ويوحدوا.
وربك فكبر: أي عظم ربك من إشراك المشركين.
وثيابك فطهر: أي طهر ثيابك من النجاسات.
والرجز فاهجر: أي أدم هجرانك للأوثان.
стр. 3159
ولا تمنن تستكثر: أي لا تمنن على ربك ما تقوم به من أعمال لأجله طاعة له.
فإذا نقر في الناقور: أي نفخ في الصور النفخة الثانية.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ١﴾ أي المتلفف في ثيابه والمراد به النبي ﷺ روى الزهري٢ قال فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة فحزن حزناً فجعل يعدو شواهق رؤوس الجبال ليتردى منها فكلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل ﵇ فيقول إنك نبي الله فيسكن جأشه وتسكن نفسه، فكان النبي ﷺ يحدث عن ذلك فقال بينما أنا أمشي يوما إذ رأيت الملك الذي كان يأتيني بحراء على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه رعبا فرجعت إلى خديجة فقلت زملوني فزملناه أي فدثرناه فأنزل الله يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر قال الزهري فأول شيء أنزل عليه أقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم. وعليه فهذا النداء الإلهي كان بعد فترة الوحي الأولى ناداه ملقبا له بهذا اللقب الجميل تكريما وتلطفا معه ليقوم بأعباء الدعوة وما أشد ثقلها، ومن يقدر عليها إنها أعباء ثقيلة اللهم لقد أعنت عليها رسولك فأعني على قدر ما أقوم به منها، وإن كان ما أقوم به منها لا يساوي جمرة من لظى ولا قطرة من ماء السماء. يا أيها المدثر في ثيابه يا محمد رسولنا قم فأنذر لم يبق لك مجال للنوم والراحة فأنذر قومك في مكة وكل الثقلين من وراء مكة أنذرهم عذاب النار المترتب على الكفر والشرك بالواحد القهار وربك فكبر أي وربك فعظمه تعظيماً يليق بجلاله وكماله فإنه الأكبر الذي لا أكبر منه والعظيم الذي لا أعظم منه فأعلن عن ذلك بلسانك قائلا الله أكبر وبحالك فلا تذل إلا له ولا ترغب إلا فيه وكبره بأعمالك فلا تأت منها إلا ما أذن لك فيه أو أمرك به ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي طهر ثيابك من النجاسات مخالفاً بذلك ما عليه قومك؛ إذ يجرون ثيابهم ولا يتنزهون من أبوالهم ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أي والأصنام التي يعبدها قومك فاهجرها فلا تقربها ودم على هجرانها على دعوتك أجرا، ولا تمنن عطاء أعطيته لغيرك تستكثر به ما عندك إن ذاك مناف لأجمل الأخلاق وكريم السجايا وسامي الآداب. واربك وحده سواه فاصبر على كل ما تلقاه في سبيل إبلاغ رسالتك ونشر دعوتك دعوة الخير والكمال هذا الذي أدب به الله رسول الله في فاتحة دعوته. ثم نزل بعد فإذا نقر في الناقور والناقور البوق الذي ينفخ فيه اسرافيل والنقر يحدث صوتا
стр. 3160
والصوت هو صوت البوق والمراد به النفخة الثانية نفخة البعث والجزاء فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير صعب شديد لا يحتمل ولا يطاق على الكافرين غير يسير١ فذكر به من تدعوهم فإن التذكير به نافع إن شاء الله، ولذا كان من أعظم أركان العقيدة التي إن تمكنت من النفس تهيأ صاحبها لحمل كل ثقيل ولإنفاق كل غال ورخيص ولفراق الأهل والدار الإيمان بالله واليوم الآخر إذ هما محور العقيدة وعليهما مدار الإصلاح والهداية.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- الجد طابع المسلم، فلا كسل ولا خمول ولا لهو ولا لعب ومن فارق هذه فليتهم نفسه في إسلامه.
٢- وجوب تعظيم أسمائه وصفاته وتعظيم كلامه وكتابه, وتعظيم شعائره تعظيم ما عظم.
٣- وجوب الطهارة للمؤمن بدناً وثوبا ومسجداً. أكلاً وشرباً وفراشاً ونفساً وروحا.
٤- حرمة العجب فلا يعجب المؤمن بعمله ولا يزكي به نفسه ولو صام الدهر, وأنفق الصخرة وجاهد الدهر.
٥- وجب الصبر على الطاعات فعلا وعلى المعاصي تركاً وعلى البلاء تسليما ورضا.
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)
стр. 3161
شرح الكلمات:
ذرني ومن خلقت وحيدا: أي اتركني ومن خلقته وحيداً منفرداً بلا مال ولا ولد فأنا أكفيكه.
وبنين شهودا: أي يشهدون المحافل وتسمع شهاداتهم وأغلب الوقت حاضرون ولا يغيبون.
ومهدت له تمهيدا: أي بسطت له في العيش والعمر والولد والجاه حتى كان يلقب بريحانة قريش.
عنيدا: أي معانداً وهو الوليد بن المغيرة المخزومي.
سأرهقه صعودا: أي سأكلفه يوم القيامة صعود جبل من نار كلما صعد فيه هوى في النار أبداً.
إنه فكر وقدر: أي فيما يقول في القرآن الذي سمعه من النبي ﷺ وقدر في نفسه ذلك.
ثم نظر ثم عبس وبسر: أي تروًى في ذلك ثم عبس أي قبض ما بين عينيه ثم بسر أي كلح وجهه.
ثم أدبر واستكبر: أي عن الإيمان واستكبر عن اتباع الرسول ﷺ .
سحر يؤثر: أي ينقل من السحرة كمسيلمة وغيره.
سأصليه سقر: سأدخله جهنم وسقر اسم لها يدخله فيها لإحراقه بنارها.
لا تبقي ولا تذر: أي لا تترك شيئا من اللحم ولا العصب إلا أهلكته ثم يعود كما كان لإدامة العذاب.
لواحة للبشر: أي محرقة مسودة لظاهر جلد الإنسان وهو بشرته والجمع بشر.
عليها تسعة عشر: أي ملكاً وهم خزنتها.
معنى الآيات:
لقد تحمل رسول الله ﷺ عبء الدعوة وأمر بالصبر وشرع ﷺ في إنذار قومه المعركة كأحر وأشد ما تكون إذ أعلم قومه وهم من هم أنه لا إله إلا الله وأنه هو رسول الله فتصدى له طاغية من أعظم الطغاة ساد الوادي مالاً وولداً وجاهاً عريضا حتى لقب بريحانة قريش هذا هو الوليد بن المغيرة صاحب عشرة رجال من صلبه وآلاف الدنانير من الذهب فلما أرهب رسول الله وأخافه قال له ربه ﵎ ﴿ذَرْنِي﴾ أي دعني والذي خلقته ﴿وَحِيداً١﴾ فريداً بلا مال ولا ولد،
стр. 3162
﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً﴾ واسعا تمده به الزراعة والتجارة فصلا بعد فصل ويوما بعد يوم، ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ لا يغيبون كما يغيب الذين يطلبون العيش كما أنهم لمكانتهم يستشهدون فيشهدون فهم شهود على غيرهم. ويشهدون المحافل وغيرها. ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً١﴾ أي بسطت له في العيش والعمر والولد والجاه العريض في ديار قومه، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ أي أن أزيده من المذكور في الآيات ﴿كُلّاً﴾ أي لن أزيده بعد اليوم، وعلل تعالى لمنعه الزيادة بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا﴾ "القرآنيه" ﴿عَنِيداً﴾ أي ٢ معانداً يحاول إبطالها بعد رفضه لها. ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ أي سأكلفه عذابا شاقا لا قبل له به وذلك جبل٣ من نار في جهنم يكلف صعوده كلما صعد سقط وذلك أبداً. وعلل أيضا لهذا العذاب الذي أعده له وأوعده به فقال تعالى ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ أي فيما يقول في القرآن لما طلبت منه قريش أن يقول فيه ما يراه من صلاح أو فساد. ﴿وَقَدَّرَ﴾ في نفسه ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أي لعن كيف قدر ذلك التقدير الذي هو قوله ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ . ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ فلعنه الله لعنتين تلازمانه واحدة في الدنيا والأخرى في الآخرة وقوله تعالى عنه ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أي تروى ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي قطب فقبض مابين عينيه ﴿وَبَسَرَ﴾ أي كلح وجهه فاسود. فقال اللعين نتيجة تفكير وتقدير ونظر ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أي ما هذا القرآن إلا سحر ينقل عن السحرة في اليمن ونجد والحجاز ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أي ما هذا الذي يتلوه محمد ﷺ إلا قول البشر قال٤ تعالى موعداً إياه على قولته الكافرة الفاجرة ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أي سأدخله نار سقر يصطلي بنارها، ثم عظم تعالى من شأن سقر فقال ٥ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ أي أي شيء يدريك ما هي وما شأنها فإنها عظيمة ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أي لا تبقي لحما ولا تذر عصبا بل تأتي على الكل لواحة٦ للبشر أي تحرق الجلود وتسودها. والبشر جمع بشرة الجلدة ومن ذلك سمي الآدميون بشرا لأن بشرتهم مكشوفة ليست مستورة بوبر ولا صوف ولا سعر ولا ريش. وقوله تعالى ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أي على سقر ملائكة يقال لهم الخزنة عدتهم تسعة عشر ملكاً لقد كان لنزول هذه الآية سبب معروف وهو أن قريش اتهمت الوليد بأنه صبا مال إلى دين محمد فسمع ذلك منهم فأنكر وحلف لهم فطلبوا إليه إن كان صادقا أن
стр. 3163
يقول في القرآن كلمة يصرف بها العرب عن محمد وما يقوله ويدعو إليه فذهب رسول الله ﷺ وهو يصلي ويقرأ في صلاته فاستمع إليه ففكر وقدر كما أخبر تعالى عنه في هذه الآيات وقال قولته الفاجرة الكافرة. إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر بعد أن وصف القرآن وصفا دقيقا بقوله ووالله إن لقوله لحلاوة وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه أي عليه فقالوا والله لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه فقال دعوني حتى أفكر ففكر وقال ما تقدم فنزلت هذه الآيات ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ إلى قوله ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- المال والبنون والجاه من عوامل الطغيان إلا أن يسلم الله عبده من فتنتها.
٢- من أكفر الناس من يعاند في آيات الله يريد صرف الناس عنها وإبطال هدايتها.
٣- بيان ما ظفر به طاغية قريش الوليد بن المغيرة من لعنة وعذاب شديد.
٤- تقرير الوحي وإثبات النبوة المحمدية.
٥- تقرير البعث والجزاء.
وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)
شرح الكلمات:
أصحاب النار: أي خزنتها مالك وثمانية عشر معه.
إلا ملائكة: أي لم نجعلهم بشراً ولا جناً حتى لا يرحموهم بحكم
стр. 3164
الجنس.
وما جعلنا عدتهم: أي كونهم تسعة عشر.
إلا فتنة للذين كفروا: أي ليستخفوا بهم كما قال أبو الأشدين الجمحي فيزدادوا ضلالا.
ليستيقن الذين أوتوا الكتاب: أي ليحصل اليقين لأهل التوراة والإنجيل بموافقة القرآن لكتابيهما التوراة والإنجيل.
ولا يرتاب: أي ولا يشك أهل الكتاب والمؤمنون في حقيقة ذلك.
وليقول الذين في قلوبهم مرض: أي مرض النفاق.
ماذا أراد الله بهذا مثلا: أي أي شيء أراد الله بهذا العدد الغريب استنكاراً منهم.
كذلك: أي مثل إضلال منكر هذا العدد وهدى مصدقه يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء.
وما هي إلا ذكرى للبشر: أي وما النار إلا ذكرى للبشر يتذكرون بها.
إذ أدبر: أي ولى ومضى.
إذا اسفر: أي أضاء وظهر.
إنها لأحدى الكبر: أي جهنم لإحدى البلايا العظام.
نذيرا للبشر: أي عذاب جهنم نذير لبني آدم.
لمن شاء منكم: أي أيها الناس.
أن يتقدم: أي بالطاعة.
أو يتاخر: أي بالمعصية.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذه الآية نزلت رداً على أبي الأشدين كلدة الجمحي الذي قال لما سمع قول الله تعالى ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال لقريش ساخراً مستهزئاً أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني انتم اثنين، ومرة قال أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن وتسعه بمنكبي الأيسر في النار ونمضي فندخل الجنة. فأنزل الله تعالى قوله ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً﴾ أي لم نجعلهم بشراً ولا جناً حتى لا يرحموا أهل النار بخلاف لو
стр. 3165
كانوا بشرا قد يرحمون بني جنسهم ولو كانوا جنا فكذلك، ولذا جعلهم من الملائكة فلا تتناسب بينهم وبين الإنس والجن والمراد بأصحاب النار خزنتها وهم مالك وثمانية عشر هؤلاء رؤساء في جهنم أما من عداهم فلا تتسع لهم العبارة ولا حتى الرقم الحسابي وكيف وقد قال تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ ، وقوله ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ١﴾ أي كونهم تسعة عشر ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ٢ كَفَرُوا﴾ ليزدادوا ضلالا وكفرا وقد تم هذا فإن أبا جهل كأبي الأشدين قد فتنا بهذا العدد وازدادا ضلالا وكفرا بما قالا، وقوله تعالى ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أي أخبرنا عن عددهم وأنه تسعة عشر ليستيقن٣ الذين أوتوا الكتاب٤ لموافقة القرآن لما عندهم في كتابهم. ويزداد الذين أمنوا إيمانا فوق إيمانهم عندما يرون أن التوراة موافقة للقرآن الكريم كشاهد له، وقوله ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي حتى لا يقعوا في ريب وشك في يوم من الأيام لما اكتسبوا من المناعة بتضافر الكتابين على حقيقة واحدة. وقوله ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾ أي وما جعلنا عدتهم تسعة عشر إلا ليقول الذين في قلوبهم مرض وهو النفاق والشك والكافرون الكفر الظاهر من قريش وغيرهم ماذا أراد الله بهذا مثلا أي أي شيء أراده الله بهذا الخبر الغريب غرابة الأمثال قالوا هذا استنكارا وتكذيبا. فهذه جملة علل ذكرها تعالى لإخباره عن زبانية جهنم ثم قال وقوله الحق ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي مثل إضلال منكر هدا العدد وهدى مصدقه يضل الله من يشاء إضلاله ويهدي من يشاء هدايته. وقوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ ٥جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا جواب أبي جهل القائل أما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر استخفافا وتكذيبا فأخبر تعالى أن له جنوداً لا يعلم عددها ولا قوتها إلا هو وقد ورد أن لأحدهم مثل قوة الثقلين يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرمي بهم في النار ويرمي الجبل عليهم، ولا عجب وأربعة ملائكة يحملون العرش الذي هو أكبر ممن السموات والأرضين فسبحان الخلاق العليم سبحان الله العزيز الرحيم سبحان الله ذي الجبروت والملكوت. وقوله تعالى وما هي٦ أي جهنم إلا ذكرى للبشر أي تذكرة يذكرون بها عظمة الله
стр. 3166
ويخافون بها عقابه. وقوله ﴿كَلَّا١ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أي كلا أي ليس القول كما يقول من زعم من المشركين أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم حتى يجهضهم عنها. والقمر والليل إذا أدبر ولى ذاهبا والصبح إذا أسفر أي أضاء وأقبل ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ أي أقسم تعالى بالقمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر على أن جهنم٢ لإحدى الكبر أي البلايا العظام ﴿نَذِيراً لِلْبَشَرِ﴾ أي بني آدم، وقال نذيرا ولم يقل نذيرة وهي جهنم لأنها بمعنى العذاب أي عذابها نذير للبشر. وقوله ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في طاعة الله ورسوله حتى يبلغ الدرجات العلا، ومن شاء ﴿أَو يَتَأَخَّرَ﴾ في معصية الله ورسوله حتى ينزل الدركات السفلى.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان الحكمة من جعل عدد الزبانية تسعة عشر والإخبار عنهم بذلك.
٢- موافقة التوراة والإنجيل للقرآن من شأنها أن تزيد إيمان المؤمنين من الفريقين.
٣- في النار من الزبانية ما لا يعلم عددهم إلا الله تعالى خالقهم.
٤- جهنم نذير للبشر أي عذابها نذير للبشر لمن شاء أن يتقدم بالطاعة أو يتأخر بالمعصية.
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ
стр. 3167
كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)
شرح الكلمات:
كل نفس: أي مأمورة منهية.
رهينة: أي مرهونة مأخوذة بعملها في جهنم.
إلا أصحاب اليمين: أي المؤمنين فهم ناجون من النار وهم في جنات النعيم يتساءلون عن المجرمين.
ولم نك نطعم المسكين: أي بخلا بما أتاهم الله.
وكنا نخوض: أي في الباطل وفيما يكره الله تعالى مع الخائضين.
نكذب بيوم الدين: بيوم المجازاة والثواب ولا نصدق بثواب ولا عقاب.
حتى أتانا اليقين: أي الموت.
عن التذكرة معرضين: أي الموعظة منصرفين لا يسمعونها ولا يقبلون عليها.
حمر مستنفرة: أي كأنهم حمر وحشية مستنفرة.
فرت من قسورة: أي هربت من أسد أشد الهرب.
بل يريد كل أمرىء منهم: أي ليس هناك قصور في الأدلة والحجج التي قدمت لهم بل يريد كل واحد منهم.
أن يؤتى صحفا منشرة: أي يصبح وعند رأسه كتاب من الله رب العالمين إلى فلان آمن بنبينا محمد واتبعه.
إنه تذكرة: أي عظة وعبرة.
فمن شاء ذكره: أي قرأه واتعظ به.
هو أهل التقوى: أي هو أهل لأن يتقي لعظمة سلطانه وأليم عقابه.
وأهل المغفرة: أي وأهل لأن يغفر للتائبين من عباده والموحدين.
стр. 3168
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء فقال تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي يوم القيامة ﴿رَهِينَةٌ﴾ بمعنى مرهونة محبوسة أي كل نفس مأمورة منهية بمعنى مكلفة بخلاف نفوس غير المكلفين من أطفال ومجانين وقوله ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فإنهم قد فك رهنهم وهم في جنات النعيم يتساءلون فيما بينهم عن أصحاب الجحيم وكيف حالهم ثم يتصلون بهم وهم في جنات النعيم والمجرمون في سواء الجحيم، ويتم الاتصال برؤية الشخص وسماع كلامه وفي الصناعات الحديثة اليوم ما جعل هذا أمراً معقولا فيقولون لهم ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ أي أدخلكم في سقر فأجابوهم قائلين ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ فذكروا لهم أعظم الجرائم وهي ترك الصلاة ومنع الزكاة والتخوض مع أهل الباطل في كل شر وفساد والتكذيب بيوم القيامة وأنه لا حساب ولا جزاء أي لا ثواب ولا عقاب وأنهم مع هذه الجرائم الموجبة للسلوك في سقر لم يتوبوا منها حتى أتاهم اليقين الذي هو الموت فإن من مات دخل الدار الآخرة من عتبتها وهي القبر فلذا قالوا حتى أتانا اليقين أي الموت. وقد يقال ألم يكن هناك شفعاء من الملائكة والأنبياء والعلماء والشهداء يشفعون؟ والجواب هو في قوله تعالى ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أي لم تكن لهم شفاعة لأنهم ملاحدة مجرمون. وقوله تعالى ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أي فما لهؤلاء المشركين المكذبين بالبعث والجزاء عن التذكرة التي يذكرون بها في آيات هذه السورة وغيرها معرضين إنه أمر عجيب أي شيء يجعلهم يعرضون عنها هاربين منها فارين ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ وحشية ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أي فرت هاربة أشد الهرب من أسد من أسود الصحراء الطاغية إن فرارهم من هذه الدعوة وإعراضهم عنها ليس عن قصور في أدلتها وضعف في حجتها بل يريد كل واحد منهم أن يؤتى كتاباً من الله يأمره فيه بالإيمان واتباع محمد ﷺ وهذا هو العناد والمكابرة وصاحبهما غير مستعد للإيمان بحال من الأحوال. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿حَتَّى١ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ﴾ هذا معنى قوله تعالى ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ . وقوله تعالى ﴿كَلَّا بَلْ لا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ أي ليس الأمر كما يقولون ويدعون بل إن علة إعراضهم الحقيقية هي عدم خوفهم من عذاب الله يوم القيامة. وقوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ أي ألا إن هذا القرآن تذكرة فمن شاء ذكره أي قرأه فاتعظ به فآمن بالله
стр. 3169
واتقاه فإنه ينجو ويسعد في جوار مولاه ومن لم يشأ ذلك فحسبه سقر وما أدراك ما سقر. وقوله تعالى ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ١ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ أي ما يذكر من يذكر إلا بمشيئة الله فلا بد من الافتقار إلى الله وطلب توفيقه في ذلك إذ لا استقلال لأحد عن الله ولا غنى بأحد عن الله بل الكل مفتقر إليه ومشيئته تابعة لمشيئته وقوله ﴿هُوَ٢ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ لقد٣ صح أن النبي ﷺ فسر هذه الآية فقال قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله فمن اتقاني فلم يجعل معي إلهاً فأنا أهل أن أغفر له.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- فكاك كل نفس مرهونة بكسبها هو الإيمان والتقوى.
٢- بيان أكبر الجرائم وهي ترك الصلاة ومنع الزكاة والخوض في الباطل وعدم التصديق بالحساب والجزاء.
٣- لا شفاعة يوم القيامة لمن مات وهو يشرك بالله شيئا.
٤- مرد الانحراف في الإنسان إلى ضعف إيمانه بالبعث والجزاء.
٥- الله ﷻ هو ذو الأهلية الحقة لأمرين عظيمين التقوى فلا يتقى على الحقيقة إلا هو والمغفرة فلا يغفر الذنوب إلا هو اللهم اغفر ذنوبنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
يُرِيدُ الْأِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١ ٠) كَلَّا لا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)
شرح الكلمات:
لا: أي ليس الأمر كما يدعي المشركون من أنه لا بعث ولا جزاء.
أقسم بيوم القيامة: أي الذي كذب به المكذبون.
ولا أقسم بالنفس اللوامة: أي لتبعثن ولتحاسبن ولتعاقبن أيها المكذبون الضالون.
اللوامة: أي التي إن أحسنت لامت عن عدم الزيادة وإن أساءت لامت عن عدم التقصير.
أيحسب الإنسان: أي الكافر الملحد.
أن لن نجمع عظامه: أي ألا نجمع عظامه لنحييه للبعث والجزاء.
بلى قادرين: أي بلى نجمعهما حال كوننا قادرين مع جمعها على تسوية بنانه.
على أن نسوي بنانه: أي نجعل أصابعه كخف البعير أو حافر الفرس فلا يقدر على العمل الذي يقدر عليه الآن مع تفرقة أصابعه. كما نحن قادرون على جمع تلك العظام الدقيقة عظام البنان وردها كما كانت كما نحن قادرون على تسوية تلك الخطوط الدقيقة في الأصابع والتي تختلف بين إنسان وإنسان اختلاف الوجوه والأصوات واللهجات.
بل يريد الإنسان: أي بإنكاره البعث والجزاء.
ليفجر أمامه: أي ليواصل فجوره زمانه كله ولذلك أنكر البعث.
يسأل أيان يوم القيامة: أي يسأل سؤال استنكار واستهزاء واستخفاف.
فإذا برق البصر: أي دهش وتحير لما رأى ما كان به يكذب.
وخسف القمر: أي أظلم بذهاب ضوئه.
стр. 3172
وجمع الشمس والقمر: أي ذهب ضوءهما وذلك في بداية الانقلاب الكوني الذي تنتهي فيه هذه الحياة.
أين المفر: أي إلى أين الفرار.
كلا: ردع له عن طلب الفرار.
لا وزر: أي لا ملجأ يتحصن به.
بل الإنسان على نفسه بصيرة: أي هو شاهد على نفسه حيث تنطق جوارحه بعمله.
ولو ألقى معاذيره: أي فلابد من جزائه ولو ألقى معاذيره.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١ أي ما الأمر كما تقولون أيها المنكرون للبعث والجزاء أقسم بيوم القيامة الذي تنكرون وبالنفس اللوامة التي ستحاسب وتجزي لا محالة لتبعثن٢ ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير. وقوله تعالى ﴿أَيَحْسَبُ الْإنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ أي بعد موته وفنائه وتفرق أجزائه في الأرض، والمراد من الإنسان هنا الكافر الملحد قطعاً ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى٣ أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أي بلى نجمعها حال كوننا قادرين على ذلك وعلى ما هو أعظم وهو تسوية بنانه أي أصابعه بأن نجعلها كخف البعير أو حوافر الحمير، فيصبح يتناول الطعام بفمه كالكلب والبغل والحمار. وقوله ﴿بَلْ٤ يُرِيدُ الْأِنْسَانُ لِيَفْجُرَ٥ أَمَامَهُ﴾ أي ما يجهل الإنسان قدرة خالقه على إعادة خلقه ولكنه يريد أن يواصل فجوره مستقبله كله فلا يتوب من ذنوبه ولا يؤوب من معاصيه لأن شهواته مستحكمة فيه، وقوله تعالى ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؟﴾ يخبر تعالى عن المنكر للبعث من أحل مواصلة الفجور من زنا وشرب خمور بأنه يقول أيان يوم القيامة استبعادا واستنكارا
стр. 3173
وتسويفا للتوبة فبين تعالى له وقت مجيئه بقوله ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ١﴾ أي عند الموت بأن تحير واندهش ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ أي أظلم وذهب ضوءه، ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي ذهب ضوءهما وذلك في بداية الانقلاب الكوني الذي تنتهي فيه هذه الحياة ﴿يَقُولُ الْأِنْسَانُ﴾ الكافر ﴿يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ؟﴾ أي إلى أين الفرار يا ترى؟ قال تعالى ﴿كَلَّا﴾ أي لا فرار اليوم من قبضة الجبار أيها الإنسان الكافر ﴿لا وَزَرَ﴾ أي لا حصن ولا ملتجأ وإنما ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ اليوم ﴿الْمُسْتَقَرُّ﴾ أي الانتهاء والاستقرار إما إلى جنة وإما لإلى نار وقوله تعالى ﴿يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ أي يوم تقوم الساعة يخبر الإنسان من قبل ربه تعالى بما قدم من أعماله في حياته الخير والشر سواء وبما أخر بعد موته من سنة حسنة سنها أو سيئة كذلك وقوله تعالى ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ أي عندما يتقدم الإنسان للاستنطاق فيخبر بما قدم وأخر هناك يحاول أن يتنصل من بعض ذنوبه فتنطق جوارحه ويختم على لسانه فيتخذ من جوارحه شهود عليه فتلك البصيرة٢ولو ألقى معاذيره٣ واعتذر ولا يقبل منه ذلك لكونه شاهدا على نفسه بجوارحه.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
٢- بيان إفضال الله على العبد في خلقه وتركيب أعضائه.
٣- معجزة قرآنية أثبتها العلم الصناعي الحديث وهي عدم تسوية خطوط الأصابع.
٤- فكما خالف تعالى بين الإنسان والإنسان وبين صوت وصوت فرق بين خطوط الأصابع فلذا استعملت في الإمضاءات وقبلت في الشهادات.
٥- تقرير مبدأ أن المؤمن يثاب على ما أخر من سنة حسنة يعمل بها بعده كما يأثم بترك السنة السيئة يعمل بها كذلك بعده.
стр. 3174
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)
شرح الكلمات:
لا تحرك به لسانك: أي لا تحرك بالقرآن لسانك قبل فراغ جبريل منه.
لتعجل به: أي مخافة أن يتفلت منك.
إن علينا جمعه: أي في صدرك.
وقرآنه: أي قراءتك له بحيث نجريه على لسانك.
فإذا قرأناه: أي قرأه جبريل عليك.
فاتبع قرآنه: أي استمع قراءته.
ثم إن علينا بيانه: أي لك بتفهيمك ما يشكل عليك من معانيه.
كلا: أي ليس الأمر كما تزعمون أنه لا بعث ولا جزاء.
تحبون العاجلة: أي الدنيا فيعملون لها.
وتذرون الآخرة: أم ويتركون الآخرة فلا يعملون لها.
ناضرة: أي حسنة مضيئة.
إلى ربها ناظرة: أي إلى الله تعالى ربها ناظرة بحيث لا تحجب عنه تعالى.
باسرة: أي كالحة مسودة عابسة.
تظن: أي توقن.
أن يفعل بها فاقرة: أي داهية عظيمة تكسر فقار الظهر.
معنى الآيات:
لما ندد تعالى بالمعرضين عن القرآن المكذبين به وبالبعث والجزاء ذكر في هذه الآيات المقبلين على القرآن المسارعين إلى تلقيه فكانت المناسبة بين هذه الآيات وسابقتها المقابلة بالتضاد.
стр. 3175
فقال تعالى مؤدباً رسوله محمدا ﷺ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ١﴾ أي بالقرآن ﴿لِسَانَكَ﴾ قبل فراغ جبريل من قراءته عليك. إذ كان ﷺ حريصا على القرآن يخاف أن يتفلت منه شيء فأكرمه ربه بالتخفيف عليه وطمأنه أن لا يفقد منه شيئا فقال له ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ مخافة أن يتفلت منك ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ على لسانك حيث نسهل ذلك ونجريه على لسانك، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي قرأه جبريل عليك ﴿فَاسْتَمِعْ﴾ له ثم اقرأه كما قرأه واعمل بشرائعه وأحكامه. وقوله تعالى ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ٢﴾ أي إنا نبين لك ما يشكل عليك من معانيه حتى تعمل بكل ما طلب منك أن تعمل به. وقوله تعالى ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ عاد السياق الكريم إلى تقرير عقيدة البعث والجزاء والتي عليها وعلى الإيمان بالله مدار الإصلاح والتهذيب فقال ﴿كَلَّا٣﴾ أي ليس كما تدعون من عدم إمكان البعث والجزاء لأنكم تعلمون أن القادر على إيجادكم اليوم وإعدامكم غداً قادر على إيجادكم مرة أخرى، ولكن الذي جعلكم تكذبون بالبعث والجزاء هو حبكم للحياة العاجلة أي الدنيا وما فيها من لذات وشهوات، وترككم للآخرة أي للحياة الآخرة لأنها تكلفكم الصلاة والصيام والجهاد، والتخلي عن كثير من اللذات والشهوات. بعد أن كشف عن نفسيات المكذبين توبيخا لهم وتقريعاً عرض على أنظارهم منظراً حيا وصورة ناطقة لما يتجاهلونه من شأن الآخرة فقال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم إذ تقوم القيامة ﴿نَاضِرَةٌ﴾ أي حسنة٤مضيئة مشرقة لأن أرواح أصحابها كانت في الدنيا مشرقة بنور الإيمان وصالح الأعمال ﴿إِلَى رَبِّهَا٥ نَاظِرَةٌ﴾ سعيدة بلقاء ربها مكرمة بالنظر إليه وهي في جواره ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ أي كالحة مسودة عابسة وذلك لأن أرواح أصحابها كانت في الدنيا تعيش على ظلمة الكفر وعفن الذنوب ودخان المعاصي فانطبعت النفس على الوجه فهي باسرة حالكة عابسة ﴿تَظُنُّ﴾ أي توقن أي الوجوه والمراد أصحابها ﴿أَنْ يُفْعَلَ٦ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ أي داهية عظيمة تكسر فقار
стр. 3176
الظهر منها وهي القاؤه ﴿فِي سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فاذكروا هذا يابشر!!
كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)
شرح الكلمات:
إذا بلغت: أي النفس.
التراقي: جمع ترقوة أي عظام الحلق.
وقيل من راق: أي وقال من حوله من عواده أو ممرضيه هل هناك من يرقيه ليشفى؟ .
وظن أنه الفراق: أي أيقن أنه للدنيا لبلوغ الروح الحلقوم.
والتفت الساق بالساق: أي التقت إحدى ساقيه بالأخرى أو التفت شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة وما فيها من أهوال.
إلى ربك يومئذ المساق: أي إذا بلغت الروح الحلقوم تساق إلى ربها وخالقها لتلقى جزاءها.
فلا صدق ولا صلى: أي الإنسان الذي يحسب أن لن يجمع الله عظامه ما صدق ولا صلى.
ولكن كذب: أي بالقرآن.
وتولى: أي عن الإيمان.
يتمطى: أي يتبختر في مشيته إعجابا بنفسه.
أولى لك: أي وليك المكروه أيها المعجب بنفسه المكذب بلقاء ربه.
فأولى: أي فهو أولى بك.
ثم أولى لك فأولى: أي وليك المكروه مرة ثانية فأولى فهو أولى بك أيضا.
أن يترك سدى: أي مهملا لا يكلف في الدنيا ولا يحاسب ويجزى في الآخرة.
стр. 3177
تمنى: أي تصب في الرحم.
فخلق فسوى: أي خلق الله منها الإنسان فسواه بتعديل أعضائه.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء فقوله تعالى ﴿كَلَّا﴾ أي ليس الأمر كما تحسب أيها الإنسان أن الله لا يجمع عظامك ولا يحييك ولا يجزيك انظر إليك وأنت على فراش الموت إلى أين يكون مساقك إذا بلغت روحك التراقي١ من عظام حلقك وقال عوادك وممرضوك هل من راق يريقك أو طبيب يداويك وأيقنت أنه الفراق لدنياك وأهلك وذويك، والتفت ساقك اليمنى باليسرى٢ وشدة فراقك الدنيا بشدة إقبالك على الآخرة هنا انظر إلى أين يذهب بك أما جسمك فإلى مقره في الأرض تواريك، وأما روحك فإلى ربك ليحكم فيك. وقد كذبت بآياته وكفرت بآلائه. فلا صدقت ولا صليت، ولكن كذبت وتوليت كان هذا نصيبك من دينك، وأما دنياك، فقد كنت تتمطى استكبارا وتتبختر إعجابا. إذاً ﴿أَوْلَى٣ لَكَ فَأَوْلَى﴾ أي وليك الهلاك في الدنيا ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ أي وليك العذاب في الآخرة وعودة إلى تقريعك وتوبيخك يا من كفرت ربك وتنكرت لأصلك اسمع ما يقال لك أحسبت أنك تترك سدى، تعيش سبهللا، لا تؤمر ولا تنهى، لا يؤخذ منك ولا تعطي كلا ألم تك قبل كفرك وجحودك نطفة قطرة ماء من منيّ تمنى قل بلى أو أولى لك فأولى، ثم كنت علقة فخلقك الله ﷻ منها فسوىّ خلقك بتعديل أعضائك فجعل من نوعك الذكر والأنثى. قل لي بربك هل تنكر ذلك فإن قلت لا. قلنا أليس الله بقادر على أن يحي الموتى؟ سبحانك اللهم بلى.٤
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- مشروعية الرقية إذا كانت بالقرآن أو الكلم الطيب.
٢- التنويه بشأن الزكاة والصلاة فرائض ونوافل.
стр. 3178
٣- تحريم العجب والكبرياء والتبختر في المشي.
٤- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
٥- الإنسان لم يخلق عبثا والكون كله كذلك.
٦- مشروعية قول سبحانك اللهم بلى لمن قرأ هذه الآية أو سمعها إماماً كان أو مأموماً وهي ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾
على الإنسان: أي آدم ﵇.
حين من الدهر: أي أربعون سنة.
لم يكن شيئا مذكورا: أي لا نباهة ولا رفعة له لأنه طين لازب وحمأ مسنون وذلك قبل أن ينفخ الله تعالى فيه الروح.
أمشاج: أي أخلاط من ماء المرأة وماء الرجل.
نبتليه: أي نختبر بالتكاليف بالأمر والنهي عند تأهله لذلك بالبلوغ والعقل.
إنا هديناه السبيل: أي بينا له طريق الهدى ببعثة الرسل وإنزال الكتب.
إنا أعتدنا: أي هيأنا.
سلاسل: أي يسحبون بها في نار جهنم.
وأغلالا: أي في أعناقهم.
وسعيرا: أي ناراً مسعرة مهيجة.
إن الأبرار: أي المطيعين لله ورسوله الصادقين في إيمانهم وأقوالهم وأحوالهم.
مزاجها: أي ما تمزج به وتخلط.
يفجرونها: أي يجرونها ويسيلونها حيث شاءوا.
شره مستطيرا: أي ممتدا طويلا فاشيا منتشرا.
عبوسا: أي تكلح الوجوه من طوله وشدته.
نضرة وسرورا: أي حسنا ووضاءة في وجوههم وفرحاً في قلوبهم.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿هَلْ أَتَى١ عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ يخبر تعالى عن آدم أبي البشر ﵇ أنه أتى عليه حين من الدهر قد يكون أربعين سنة وهو صورة من طين لا روح فيها، فلم يكن في ذلك الوقت له نباهة أو رفعة فيذكر. هذا الإنسان الأول آدم أخبر تعالى عن بدء أمره. وقوله ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ يخبر تعالى عن الإنسان الذي هو ابن آدم أنه خلقه من نطفة وهي٢ما ينطف ويقطر من ماء الرجل وماء المرأة، ومعنى أمشاج٣
стр. 3181
أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة فهذا مبدأ خلق الإنسان ابن آدم. وقوله ﴿نَبْتَلِيهِ١﴾ أي نختبره بالتكاليف بالأمر والنهي وذلك عند تأهله لذلك بالبلوغ والعقل ولذلك جعله سميعا بصيرا إذ بوجود السمع والبصر معاً أو بأحدهما يتم التكليف فإن انعدما فلا تكليف لعدم القدرة عليه. وقوله تعالى ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ أي بينا له طريق الهدى ببعثة الرسل وإنزال الكتب واستبان له بذلك أيضا طريق الغي والردى إذ هما النجدان إن عرف أحدهما عرف الثاني وهو في ذلك إما٢ أن يسلك سبيل الهدى فيكون شكورا، وإما أن يسلك سبيل الغي والردى فيكون كفورا، والشكور المؤمن الصادق في إيمانه المطيع لربه، والكفور المكذب بآيات الله ولقائه. وقوله تعالى ﴿إِنَّا٣ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ الآيات شروع في بيان ما أعد لكل من سالكي سبيل الرشد وسالكي سبيل الغي فقال بادئا بما أعد لسالكي سبيل الغي موجزا في بيان ما أعد لهم من عذاب بخلاف ما أعد لسالكي سبيل الرشد فإنه نعيم تفصيله محبوب والإطناب في بيانه مرغوب فقال ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالاً﴾ يسحبون بها في النار، وأغلالا تغل بها أيديهم في أعناقهم وسعيرا متأججا وجحيما مستعرا. هذا موجز ما أعد لسالكي سبيل الغي أما سالكي سبيل الرشد فقد بينه بقوله ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ٤﴾ أي المؤمنين المطيعين في صدق لله والرسول ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ ملأى شرابا مزاجها كافورا ومزجت بالكافور لبرودته وبياض لونه وطيب رائحته عينا يشرب بها٥ عباد الله لعذوبة مائها وصفائه أصبحت كأنها أداة يشرب بها ولذا قال يشرب بها ولم يقل يشرب منها وقوله يفجرونها تفجيرا أي يجرونها ويسيلونها حيث شاءوا من غرفهم وقصورهم ومجالس سعادتهم. وقوله ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قطع الحديث عن نعيمهم ليذكر بعض فضائلهم ترغيبا في فعلهم ونعيمهم، ثم يعود إلى عرض النعيم فقال ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ٦ أي كانوا في دار الدنيا يوفون بالنذر وهو ما يلتزمونه من طاعات لربهم كالصلاة والصيام والحج والصدقات تقرباً
стр. 3182
إلى ربهم وتزلفا إليه ليحرزوا رضاه عنهم وتلك غاية مناهم. وقوله يخافون يوما كان شره مستطيرا١ أي وكانوا في حياتهم يخافون يوم الحساب يوم العقاب يوما كان شره منتشرا ومع ذلك يطعمون الطعام على حبه أي مع حبهم وشهوتهم له ورغبتهم فيه، يطعمونه مسكينا فقيرا مسكنه الفقر وأذلته الحاجة، ويتيما لا عائل له ولا مال عنده، وأسيرا سجينا بعيد الدار نائي المزار لا يعرف له أصل ولا فصل يطعمونهم ولسان حالهم أو قالهم يقول إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء تجازوننا به في يوم ما من الأيام ولا شكورا ينالنا منكم. إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا أي كالح الوجه مسوداً ثقيلا طويلا لا يطاق. واستجاب الله لهم وحقق بفضله مناهم فوقاهم الله شر ذلك اليوم العبوس القمطرير، ولقاهم نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم وجزاهم بما صبروا على فعل الصالحات وعن ترك المحرمات جنًة وحريرا، وما سيذكر بعد في الآيات التاليات.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان نشأة الإنسان الأب والإنسان الأبن وما تدل عليه من إفضال الله وإكرامه لعباده.
٢- حاستا السمع والبصر وجودهما معاً أو وجود إحداهما ضروري للتكليف مع ضميمة العقل.
٣- بيان أن الإنسان أمامه طريقان فيسلك أيهما شاء وكل طريق ينتهي به إلى غاية فطريق الرشد يوصل إلى الجنة دار النعيم، وطريق الغي يوصل إلى دار الشقاء الجحيم.
٤- وجوب الوفاء بالنذر فمن نذر شيئا لله وجب أن يفي بنذره إلا أن ينذر معصية فلا يجوز له الوفاء٢ بنذره فيها فمن قال لله على أن أصوم يوم أو شهر كذا وجب عليه أن يصوم ومن قال لله علي أن لا أصل رحمي، أو أن لا أصلي ركعة مثلا فلا يجوز له الوفاء بنذره وليصل رحمه وليصل صلاته ولا كفارة عليه.
٥- الترغيب في إطعام الطعام للمحتاجين إليه من فقير ويتيم وأسير.
стр. 3183
مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً (١٧) عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢)
شرح الكلمات:
على الأرائك: أي على الأسرة بالحجلة واحد الأرائك أريكة.
ولا زمهريرا: أي ولا برد شديدا ولا قمرا إذ هي تضاء من نفسها.
ودانية: أي قريبة منهم ظلال أشجار الجنة.
وذللت قطوفها تذليلا: أي بحيث ينالها المؤمن قائما وقاعدا ومضطجعا.
وأكواب: أي أقداح بلا عرا.
من فضة: أي يرى باطنها من ظاهرها.
قدروها تقديرا: أي على قدر الشاربين بلا زيادة ولا نقص.
ويسقون فيها كأسا١: أي خمرا.
كان مزاجها زنجبيلا: أي ما تمزج وتخلط به زنجبيلا.
مخلدون: أي بصفة الولدان لا يشيبون.
لؤلؤا منثورا: أي من سلكه أو من صدفه لحسنهم وجمالهم وانتشارهم في الخدمة.
стр. 3184
وإذا رأيت ثم: أي في الجنة رأيت نعيما لا يوصف وملكا واسعا لا يقدر.
ثياب سندس: أي حرير.
وإستبرق: أي ما غلظ من الديباج.
وحلوا: أي تحليهم الملائكة بها.
شرابا طهورا: أي فائقا على النوعين السابقين ولذا أسند سقيه إلى الله .
إن هذا: أي النعيم.
مشكورا: أي مرضيا مقبولا.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في ذكر ما أعد الله تعالى للأبرار من عباده المؤمنين المتقين فقال تعالى ١ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ في الجنة ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ٢﴾ التي هي الأسرة بالحجال ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا﴾ أي في الجنة ﴿شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ إن كان المراد بالشمس الكوكب المعروف فالزمهرير القمر، فلا الشمس في الجنة ولا قمر وإن كان المراد بالشمس الحر فالزمهرير البرد وليس في الجنة حر ولا برد وكلا المعنيين مراد وواقع فلا شمس في الجنة ولا قمر لعدم الحاجة إليهما ولا حر ولا برد كذلك. ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا﴾ أي قريبة منهم أشجارها فهي تظللهم ويجدون فيها لذة التظليل وراحته ومتعته وإن لم يكن هناك شمس تستلزم الظل. ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ أي ما يقطف من ثمار أشجارها مذلل لهم بحيث يناله القائم والقاعد والمضطجع فلا شوك ولا بعد فيه سهل التناول لأن الدار دار نعيم وسعادة وراحة وروح وريحان ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي يطوف عليهم الخدم الوصفاء بآنية من فضة ومن ذهب ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ أي أقداح لا عرى لها كانت بفضل الله وإكرامه ﴿قَوَارِيرَا قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ يرى باطنها من ظاهرها لصفائها مادتها فضة وصفاؤها صفاء الزجاج ولذا سميت قارورة وجمعت على قوارير. ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾ أي قدرها الخدم الطائفون عليهم بحيث لا تزيد فتفيض٣ ولا تنقص فلا يجمل منظرها. وقوله ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً﴾ أي خمرا ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ أي ما تمزج به ﴿زَنْجَبِيلاً﴾
من عين في الجنة ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً٤﴾ . وقوله
стр. 3185
تعالى ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أي ويطوف على أولئك الأبرار في الجنة ولدان غلمان مخلدون لا يهرمون ولا يموتون حالهم دائما حال الغلمان لا تتغير ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ ونظرت إليهم ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ في جمالهم وانتشارهم في الخدمة هنا وهناك ﴿لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ . ويقول تعالى لرسوله محمد ﷺ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ أي هناك في الجنة ﴿رَأَيْتَ نَعِيماً﴾ لا يوصف ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ لا يقادر قدره ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ يخبر تعالى أن عاليهم أي فوقهم ثياب سندس أي حرير خضر واستبرق وهو ما غلظ من الديباج. وثياب من استبرق بعضها بطائن وبعضها ظهائر البطائن ما يكون تحت الظهائر وقوله تعالى ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي وحلاهم ربهم وهم في دار كرامته أساور من فضة ومن ذهب أيضا إذ يحذف١ المقابل لدلالة المذكور عليه نحو سرابيل تقيكم الحر أي وأخرى تقيكم البرد وقوله ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ ٢ هذا غير ما ذكر فيما تقدم هذا إكرام خاص وهو أن الله تعالى هو الذي يسقيهم وأن هذا الشراب بالغ مبلغا عظيما في الطهارة لوصفه بالطهور. ويقال لهم تكريما لهم وتشويقا لغيرهم من أهل الدنيا الذين يسمعون هذا الخطاب التكريمي إن هذا النعيم من جنات وعيون وأرائك وغلمان وطعام وشراب ولباس وما إلى ذلك ﴿كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ على إيمانكم وتقواكم ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ﴾ أي عملكم في الدنيا ﴿مَشْكُوراً﴾ أي مرضيا مقبولا.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر صور الجزاء الأخروي.
٢- حرمة استعمال أواني الذهب والفضة لقول رسول الله ﷺ "هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة".
٣- حرمة الخمر لحديث "من شرب الخمر في الدنيا لا يشربها في الآخرة إن مات مستحلا لها"
٤- مشروعية اتخاذ خدم صالحين يخدمون المرء ويحسن إليهم.
٥- حرمة لبس الحرير على الرجال وإباحته للنساء، وكالحرير الذهب أيضا.
стр. 3186
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦) إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (٣١)
شرح الكلمات:
نزلنا عليك القرآن تنزيلا: أي شيئا فشيئا ولم ننزله جملة واحدة لحكمة بالغة.
فاصبر لحكم ربك: أي عليك بحمل رسالتك وإبلاغها إلى الناس.
ولا تطع منهم آثما أو كفورا: الآثم هنا عتبة بن ربيعة والكفور الوليد بن المغيرة.
واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا: أي صل الصبح والظهر والعصر.
ومن الليل فاسجد له: أي صل صلاة المغرب والعشاء.
وسبحه ليلا طويلا: أي تهجد بالليل نافلة لك.
يحبون العاجلة: أي الدنيا.
ويذرون وراءهم يوما ثقيلا: أي يوم القيامة.
وشددنا أسرهم: أي قوينا أعضاءهم ومفاصلهم.
وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا: أي جعلنا أمثالهم في الخلقة بدلا منهم بعد أن نهلكهم.
إن هذه تذكرة: أي عظة للناس.
اتخذ إلى ربه سبيلا: أي طريقا إلى مرضاته وجواره بالإيمان والعمل الصالح وترك
стр. 3187
الشرك والمعاصي.
في رحمته: أي الجنة.
أعد لهم عذابا أليما: أي في النار والأليم ذو الألم الموجع.
معنى الآيات:
لقد عرض المشركون على رسول الله ﷺ عرضا مفاده أن يترك دعوة الله تعالى إلى عبادته وتوحيده ويعبد ربه وحده ويترك المشركين فيما هم فيه وله مقابل ذلك مال أو أزواج أو رئاسة وما إلى ذلك فأبى الله تعالى له ذلك وأنزل قوله ﴿إِنَّا نَحْنُ١ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً فَاصْبِرْ٢ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ على تحمل رسالتك وتبليغها إلى الناس ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ أي من مشركي قريش ﴿آثِماً﴾ كأبي جهل وعتبة بن ربيعة ﴿ولا كَفُوراً﴾ كالوليد بن المغيرة أي لا تطعهما فيما طلبا إليك وعرضا عليك، وواصل دعوتك واستعن بالصلاة والتسبيح والذكر والدعاء، وفي قوله تعالى ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ٣ إشارة إلى صلاة الصبح والظهر والعصر، وفي قوله ﴿وَمِنَ٤ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ إشارة إلى صلاة المغرب والعشاء، وقوله ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ صريح في انه التهجد إذ الصلاة نعم العون للعبد ولذا كان ﷺ إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة وقوله تعالى ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ٥ الْعَاجِلَةَ﴾ أي الدنيا يعني بهم كفار قريش يحبون الدنيا وسميت بالعاجلة لأنها ذاهبة مسرعة، ﴿وَيَذَرُونَ ٦وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ هو يوم القيامة قلم يؤمنوا ولم يعملوا بما يسعدهم فيه ويذكرهم تعالى بأنه خالقهم وقادر على تبديلهم بغيرهم فيقول ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ﴾ أي أوجدناهم من العدم ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ٧﴾ أي قوينا ظهورهم وأعضاءهم ومفاصلهم ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ أي جعلنا أمثالهم في
стр. 3188
الخلقة بدلا عنهم وأهلكناهم ولو شاء تعالى ذلك لكان ولكنه لم يشأ مع أنه في كل قرن يبدل جيلا بجيل هذا يميته وهذا يحييه وهو على كل شيء قدير. وفي خاتمة هذه السورة المشتملة على أنواع من الهدايات الكثيرة يقول تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي هذه السورة موعظة ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ طريقا إلى رضاه أولا ثم مجاورته في الملكوت الأعلى ثانيا، ولما أعطى تعالى المشيئة قيدها بأن يشاء الله ذلك المطلوب أولا، ومن هنا وجب الافتقار إلى الله تعالى بدعائه والضراعة إليه وهو قوله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ إن الله كان عليما بخلقه وبما يصلحهم أو يفسدهم حكيما في تدبيره لأوليائه خاصة ولباقي البشرية عامة فله الحمد وله المنة. وقوله ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِين١َ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ إنه بهذا يدعوا كافة البشرية إلى الافتقار إليه ليغنيهم وإلى عبادته ليزكيهم وإلى جواره فيطهرهم ويرفعهم هؤلاء هم أولياؤه من أهل الإيمان والتقوى ﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ أي المشركين ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي أهانهم لكفرهم به وشركهم في عبادته فأعد لهم عذابا مؤلما موجعا نعوذ بالله من عذابه وشديد عقابه.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- حرمة طاعة ذوي الإثم وأهل الكفر في حال الاختيار.
٢- على المؤمن أن يستعين بالصلاة والذكر والدعاء فإنها نعم العون.
٣- استحباب نافلة الليل.
٤- مشيئة الله قبل فوق كل مشيئة.
٥- القرآن تذكرة للمؤمنين.
(٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١ ٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)
شرح الكلمات:
و المرسلات عرفا: المرسلات الرياح الطيبة والعرف المتتابعة.
فالعاصفات عصفا: فالرياح الشديدة الهبوب المضرة لشدتها.
والناشرات نشرا: الرياح تنشر المطر وتفرقه في السماء نشرا.
فالملقيات ذكرا: أي فالملائكة تلقى بالوحي على الأنبياء للتذكير به.
عذرا أو نذرا: أي للأعذار بالنسبة إلى أقوام أو إنذار بالنسبة إلى آخرين.
إنما توعدون لواقع: أي إنما توعدون أيها الناس لكائن لا محالة.
فإذا النجوم طمست: أي محي نورها وذهبت.
وإذا السماء فرجت: أي انشقت وتصدعت.
وإذا الجبال سيرت: أي نسفت فإذا هي هباء منبث مفرق هنا وهناك.
وإذا الرسل أقتت: أي جمعت لوقت حدد لها لتحضر فيه.
ليوم الفصل: أي اليوم الذي يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ ١ هذا بداية قسم لله تعالى أقسم فيه بعدة أشياء من مخلوقاته ولله أن يقسم بما شاء، والحكمة من الإقسام أن تسكن النفوس للخبر وتطمئن إلى صدق المخبر فيه وبذلك يحصل الغرض من إلقاء الخبر على السامعين والمقسم به هنا المرسلات وهي الرياح المتتابعة الطيبة العذبة والعاصفات٢ منها وهي الشديدة الهبوب التي قد تعصف بالأشجار وتقتلعها وبالمباني وتهدمها والناشرات نشرا وهي الرياح المعتدلة التي تنشر السحاب وتفرقة أو تسوقه