على أنفسهم ما فاه به بعضهم للمسلمين من صدق نبوة الرسول وصحة دينه، متعللين بأن مثل هذا الاعتراف يؤدي إلى احتجاج المسلمين به عليهم وغلبهم في الحجة، وسبحان الله كيف فسد ذوق القوم وساء فهمهم حتى ظنوا أن ما يخفونه يمكن إخفاؤه على الله، قال تعالى في التنديد بهذا الموقف الشائن: ﴿أَوَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ؟.
ومن جهل بعضهم بما في التوراة وعدم العلم بما فيها من الحق والهدى والنور ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ﴾ إلا مجرد قراءة فقط، أما إدراك المعاني الموجبة لمعرفة الحق والإيمان به واتباعه فليس لهم فيها نصيب، وما يقولونه ويتفوهون به لم يَعْدُ الحرص والظن الكاذب.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- أن أبعد الناس عن قبول الحق والإذعان له اليهود.
٢- قبح إنكار الحق بعد معرفته.
٣- قبح الجهل بالله وبصفاته العلا وأسمائه الحسنى.
٤- ما كل من يقرأ الكتاب يفهم معانيه فضلاً عن معرفة حكمه وأسراره وواقع أكثر المسلمين اليوم شاهد على هذا فإن حفظة القرآن منهم من لا يعرفون معانيه فضلاً عن غير الحافظين له.
﴿فَوَيْلٌ١ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ٢ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ
стр. 72
أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) ﴾
شرح الكلمات:
ويل: الويل١: كلمة تقال لمن وقع في هلكة أو عذاب.
﴿الْكِتَابَ﴾ : ما يكتبه علماء اليهود من أباطيل وينسبونه إلى الله تعالى ليتوصلوا به إلى أغراض دنية من متاع الدنيا القليل.
﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ : ينسبون ما كتبوه بأيديهم إلى التوراة بوصفها٢ كتاب الله ووحيه إلى موسى ﵇.
﴿يَكْسِبُونَ﴾ : الكسب يكون في الخير، وهو هنا في الشر فيكون من باب التهكم بهم.
﴿أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾ : أربعين٣ يوماً وهذا من كذبهم وتضليلهم للعوام منهم ليصرفوهم عن الإسلام.
﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً﴾ : الهمزة للإستفهام الانكاري، والعهد: الوعد المؤكد.
﴿سَيِّئَةً﴾ : هذه سيئة الكفر والكذب على الله تعالى.
﴿وَأَحَاطَتْ ٤ بِهِ﴾ : الإحاطة بالشيء: الالتفاف به والدوران عليه.
стр. 73
﴿خَطِيئَتُهُ﴾ : الخطيئة: واحدة الخطايا وهي الذنوب عامة.
الخلود: البقاء الدائم الذي لا تحول معه ولا ارتحال.
معنى الآيات:
يتوعد الرب ﵎ بالعذاب الأليم أولئك المضللين من اليهود الذين يحرفون كلام الله، ويكتبون أموراً من الباطل وينسبونها إلى الله تعالى ليتوصلوا بها إلى أغراض دنيوية سافلة.
وينكر عليهم تبجحهم الفارغ بأنهم لا يعذبون بالنار مهما كانت ذنوبهم ما داموا على ملة اليهود إلا أربعين يوماً ثم يخرجون، وجائز أن يتم هذا لو كان هناك عهد من الله تعالى قطعه لهم به ولكن أين العهد؟ إنما هو الإدعاء الكاذب فقط ثم يقرر العليم الحكيم حكمه في مصير الإنسان بدخول النار أو الجنة ذلك الحكم القائم على العدل والرحمة البعيد عن التأثير بالأنساب والأحساب، فيقول: ﴿بلى﴾ ، ليس الأمر كما تدعون، وإنما هي الخطايا والحسنات فمن كسب سيئة وأحاطت١به خطيئته٢ فخبثت نفسه ولوثتها فهذا لا يلائم خبث نفسه إلا النار، ومن آمن وعمل صالحاً فزكى بالإيمان والعمل الصالح نفسه وطهرها فإنه لا يلائم طهارة روحه وزكاة نفسه إلا الجنة دار النعيم. أما الحسب والنسب والادعاءات الكاذبة فلا تأثير لها البتة.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- التحذير الشديد من الفتاوى الباطلة التي تحرم ما أحل الله أو تحلل ما حرم ليتوصل بها صاحبها إلى غرض دنيوي كمال، أو حظوة لدى ذي سلطان.
٢- إبطال الانتفاع بالنسب والانتساب، وتقرير أن سعادة الإنسان؛ كشقائه مردهما في السعادة إلى الإيمان والعمل الصالح. وفي الشقاوة إلى الشرك والمعاصي.
٣- التنبيه على خطر الذنوب صغيرها وكبيرها، وإلى العمل على تكفيرها بالتوبة والعمل الصالح قبل أن تحوط بالنفس فتحجبها عن التوبة. والعياذ بالله.
وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا١ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُون (٨٦) ﴾
شرح الكلمات:
الميثاق: العهد٢ المؤكد باليمين.
حسناً: حسن القول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمخاطبة باللين، والكلم الطيب الخالي من البذاءة والفحش.
توليتم: رجعتم عما التزمتم به مصممين على أن لا تتوبوا.
سفك الدماء٣: إراقتها وصبها بالقتل والجراحات.
تظاهرون: قرئ تظّاهرون، وتظاهرون بتاء واحدة ومعناه تتعاونون.
بالإثم والعدوان: الإثم: الضار الموجب للعقوبة، والعدوان الظلم.
أسارى: جمع أسير: من أخذ في الحرب.
الخزي: الذل والمهانة.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تذكير اليهود٤ بما كان لأسلافهم من خير وغيره والمراد هدايتهم لو كانوا يهتدون، فقد ذكرهم في الآية (٨٣) بما أخذ الله تعالى عليهم في التوراة من عهود ومواثيق على أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا في عبادته سواه. وأن يحسنوا للوالدين ولذي
стр. 76
القربى واليتامى والمساكين وأن يقولوا للناس الحسن من القول ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وندد بصنيعهم حيث نقض هذا العهد والميثاق أكثرهم ولم يفوا به وفي الآية الثانية (٨٤) ذكرهم بميثاق خاص أخذه عليهم في التوراة أيضاً وهو الإسرائيلي لا يقتل الإسرائيلي ولا يخرجه من داره بغياً وعدواناً عليه، وإذا وقع في الأسر وجب فكاكه بكل وسيلة ولا يجوز تركه أسيراً بحال، أخذ عليهم بهذا ميثاقاً غليظاً وأقروا به وشهدوا عليه وفي الآية الثالثة (٨٥) وبخهم على عدم وفائهم بما التزموا به حيث صار اليهودي يقتل١ اليهودي ويخرجه من داره بغياً وعدواناً عليه. وفي نفس الوقت إن أتاهم يهودي أسيراً٢ فَدوه بالغالي والرخيص، فندد الله تعالى بصنيعهم هذا الذي هو إهمال واجب وقيام بآخر تبعاً لأهوائهم فكانوا كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، ومن هنا توعدهم بخزي الدنيا وعذاب الآخرة. وفي الآية الرابعة (٨٦) أخبر أنهم بصنيعهم ذلك اشتروا الحياة الدنيا بالأخرة فكان جزاؤهم عذاب الآخرة حيث لا يخفف عنهم ولا ينصرون فيه بدفعه عنهم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- مشروعية تذكير الناس ووعظهم بما يكون سبباً لهدايتهم.
٢- وجوب عبادة الله وتوحيده فيها.
٣- وجوب الإحسان إلى الوالدين ولذوي القربى واليتامى٣ والمساكين.
٤- وجوب معاملة الناس بحسن٤ الأدب.
стр. 77
٥- تعرض أمة الإسلام لخزي الدنيا وعذاب الآخرة بتطبيقها بعض أحكام الشريعة وإهمالها البعض الآخر.
٦- كفر من يتخير أحكام الشرع فيعمل ما يوافق مصالحه وهواه، ويعمل ما لا يوافق.
٧- كفر من لا يقيم دين الله إعراضاً عنه ودعم مبالاة به.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى١ ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا٢ جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى٣ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠) ﴾
стр. 78
شرح الكلمات:
﴿مُوسَى﴾ : موسى بن عمران نبي مرسل إلى بني إسرائيل.
﴿الْكِتَابَ﴾ : التوراة.
﴿وَقَفَّيْنَا﴾ : أرسلناهم يقْفُو بعضهم بعضاً أي واحداً بعد واحد.
﴿بِالرُّسُلِ﴾ : جمع رسول: ذكر من بني آدم أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه.
﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ : المعجزات وآيات الله في الإنجيل.
﴿بِرُوحِ١ الْقُدُسِ﴾ : جبريل ﵇.
﴿غُلْفٌ﴾ : عليها غلاف يمنعها من الفهم لما تدعونا إليه، أو هي أوعية للعلم فلا نحتاج معها إلى أن نتعلم عنك.
﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ : القرآن الكريم.
﴿يَسْتَفْتِحُونَ ٢﴾ : يطلبون الفتح أي النصر.
﴿بِئْسَمَا﴾ : بئس كلمة ذم، ضدها نِعمَ فإنها للمدح.
﴿بغياً٣﴾ : حسداً وظلماً.
﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ ٤﴾ : رجعوا والغضب ضد الرضا، ومن غضب الله عليه أبعده ومن ﵁ قربه وأدناه.
﴿مُهِينٌ﴾ : عذاب فيه إهانة وصغار وذل للمعذب به.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في ذكر إنعام الله تعالى على بني إسرائيل، وذكر معايبهم وبيان مثالبهم، لعل ذكر الإنعام يحملهم على الشكر فيؤمنوا، وذكر المعايب يحملهم على الإصلاح والتوبة فيتوبوا ويصلحوا، ففي الآية (٨٧) يذكر تعالى منته بإعطاء موسى التوراة وإرسال
стр. 79
الرسل بعده بعضهم على أثر بعض، وبإعطاء عيسى البينات وتأييده بروح القدس جبريل ﵇ ومع هذا فإنهم لم يستقيموا بل كانوا يقتلون الأنبياء ويكذبونهم، فوبخهم الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ١ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ . وفي الآية الثانية (٨٨) يذكر تعالى تبجحهم بالعلم واستغناءهم به، ويبطل دعواهم وثبت علة ذلك وهي: أن الله لعنهم بكفرهم، فلذا هم لا يؤمنون، وفي الآية الثالثة (٨٩) يذكر تعالى كفرهم بالقرآن ونبيه بعد أن كانوا قبل بعثة النبي ﷺ يقولون للعرب إن نبياً قد أظل زمانه وسوف نؤمن به ونقاتلكم معه وننتصر٢ عليكم، فما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله٣ عليهم؛ لأنهم كافرون. وفي الآية الرابعة (٨٩) يقبح الله تعالى سلوكهم حيث باعوا أنفسهم رخيصة، باعوها بالكفر فلم يؤمنوا بالقرآن ونبيه حسدا٤ أن يكون في العرب نبي يوحى إليه، ورسول يطاع ويتبع، فرجعوا من طول رحلتهم في الضلال بغضب عظيم سببه كفرهم بعيسى، وبغضب عظيم سببه كفرهم بمحمد ﷺ ومع الغضب العذاب المهين في الدنيا والآخرة.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- واجب النعمة الشكر، وواجب الذنب التوبة.
٢- قبح رد الحق لعدم موافقته لهوى النفس
٣- فظاعة جريمة القتل والتكذيب بالحق.
٤- سوء عاقبة التبجح بالعلم وإدعاء عدم الحاجة إلى المزيد منه.
٥- ذم الحسد وأنه أخو البغي وعاقبتهما الحرمان والخراب.
٦- شر ما يخاف منه سوء الخاتمة والعياذ بالله.
﴿اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ : يريد إلهاً عبدتموه في غيبة موسى ﵇.
﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ : أي حب العجل الذي عبدوه بدعوة السامري لهم بذلك.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في بني إسرائيل وتقريعهم على سوء أفعالهم، ففي الآية الأولى (٩١) يخبر تعالى أن اليهود إذا دعوا إلى الإيمان بالقرآن يدّعون أنهم في غير حاجة إلى إيمان جديد بحجة أنهم مؤمنون من قبل بما أنزل الله تعالى في التوراة وبهذا يكفرون بغير التوراة وهو القرآن، مع أن القرآن حق، والدليل أنه مصدق لما معهم من حق في التوراة، ثم أمر الله رسوله أن يبطل دعواهم موبخاً إياهم بقوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إذ قتل الأنبياء يتنافى مع الإيمان تمام المنافاة.
وفي الآية الثالثة (٩٣) يذكر تعالى اليهود بما أخذه على أسلافهم من عهد وميثاق بالعمل بما جاء في التوراة عندما رفع الطور فوق رؤوسهم تهديداً لهم غير أنهم لم يفوا بما عاهدوا عليه، كأنهم قالوا سمعنا وعصينا، فعبدوا العجل وأشربوا حبه في قلوبهم بسبب كفرهم ثم أمر رسوله ﷺ أن يقبح ما ادعوه من أن إيمانهم هو الذي أمرهم بقتل الأنبياء وعبادة العجل، والتمرد والعصيان.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- مشروعية توبيخ أهل الجرائم على جرائمهم إذا أظهروها.
٢- جرأة اليهود على قتل الأنبياء والمصلحين من الناس.
٣- وجوب أخذ أمور الشرع بالحزم والعزم والقوة.
٤- الإيمان بالحق لا يأمر صاحبه إلا بالمعروف، والإيمان بالباطل المزيف يأمر صاحبه بالمنكر.
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ١ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ
стр. 82
دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦) قُلْ مَنْ كَانَ١ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ٢ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) ﴾
شرح الكلمات:
﴿الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ : المراد منها نعيمها وما أعد الله تعالى فيها لأوليائه.
﴿خَالِصَةً﴾ : خاصة لا يدخلها أحد سواكم.
﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ : تمنوه في نفوسكم واطلبوه بألسنتكم، فإن من كانت له الدار الآخرة لا خير له في بقائه في الدنيا.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ : أي في دعوى أن نعيم الآخرة خاص بكم لا يشارككم فيه غيركم.
﴿حَيَاةٍ﴾ : التنكير فيها لتعم كل حياة ولو كانت ذميمة.
﴿يَوَدُّ﴾ : يحب.
стр. 83
﴿الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ : هم غير أهل الكتاب من سائر الكفار.
﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ : بمبعده من العذاب.
﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ : تعميره ألف سنة.
جبريل: روح القدس الموكل بالوحي يتنزل به على رسول الله ﷺ .
﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ : نزل جبريل القرآن على قلب رسول الله ﷺ .
﴿مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ : القرآن مصدق لما في الكتب السابقة من نعت الرسول ﷺ والبشارة به ومن التوحيد ووجوب الإسلام لله تعالى.
ميكال١: ميكال وميكائيل: ملك من أعاظم الملائكة، وقيل: معناه عبيد الله.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في الرد على اليهود وإبطال حججهم الواهية، ففي الآية الأولى (٩٤) أمر الله تعالى الرسول ﷺ أن يقول لهم مباهلاً إياهم: إن كانت الدار الآخرة خالصة لكم لا يدخل الجنة معكم أحد فتمنوا الموت لتدخلوا الجنة وتستريحوا من عناء الدنيا ومكابدة العيش فيها، فإن لم تتمنوا ظهر كذبكم وثبت كفركم وأنكم أصحاب النار، وفعلاً ما تمنوا الموت ولو تمنوه لماتوا عن آخرهم.
وفي الآية الثانية (٩٥) أخبر تعالى أن اليهود لن يتمنوا الموت أبداً، وذلك بسبب ما قدموه من الذنوب والخطايا العظام الموجبة لهم عذاب النار بأنهم مجرمون ظلمة والله عليم بالظالمين، وسيجزيهم بظلمهم إنه حكيم عليم.
وفي الآية الثالثة (٩٦) يخبر الله تعالى أن اليهود أحرص الناس على الحياة حتى من المشركين الذين يود الواحد منهم أن يعيش ألف سنة، فكيف يتمنون الموت إذاً وهم على هذا الحال من الحرص على الحياة، وذلك لعلمهم بسوء مصيرهم إن هم ماتوا. كما يخبر تعالى أن الكافر لا ينجيه من العذاب طول العمر ولو عاش أكثر من ألف سنة، ثم هدد الله تعالى اليهود وتوعدهم بقوله: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ من الشر والفساد وسيجزيهم به.
стр. 84
وفي الآية الرابعة (٩٧) يأمر تعالى رسوله أن يرد على اليهود قولهم: لو كان الملك الذي يأتيك بالوحي ميكائيل لأمنا بك، ولكن لما كان جبريل، فجبريل عدونا؛ لأنه ينزل بالعذاب، بقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ﴾ فليمت غيظاً وحنقاً، فإن جبريل هو الذي ينزل بالقرآن بإذن ربه على قلب رسوله مصدقاً –القرآن- لما سبقه من الكتب وهدى يهتدى به وبشرى يبشر به المؤمنون الصالحون.
وفي الآية الخامسة (٩٨) يخبر تعالى أن من يعاديه ويعادي أولياءه١ من الملائكة والرسل وبخاصة جبريل فإنه كافر، والله عدو له ولسائر الكافرين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- صحة الإسلام، وبطلان اليهودية، وذلك لفشل اليهود في المباهلة بتمني الموت.
٢- المؤمن الصالح يفضل الموت على الحياة لما يرجوه من الراحة والسعادة بعد الموت.
٣- صدق القرآن فيما أخبر به عن اليهود من حرصهم على الحياة ولو كانت رخيصة ذميمة، إذ هذا أمر مشاهد منهم إلى اليوم.
٤- عداوة الله تعالى للكافرين. ولذا وجب على المؤمن معاداة أهل الكفر لمعاداتهم لله، ومعاداة الله تعالى لهم.
﴿وَلَقَدْ٢ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ٣ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ
стр. 85
لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ١ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) ﴾
شرح الكلمات:
﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ : هي آيات القرآن الكريم الواضحة فيما تدل عليه من معان.
﴿يَكْفُرُ بِهَا﴾ : يجحد بكونها كتاب الله ووحيه إلى رسوله محمد ﷺ .
﴿الْفَاسِقُونَ﴾ : الخارجون عما يجب أن يكونوا عليه من الإيمان بالله والإسلام له ظاهراً وباطناً.
﴿أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ : الهمزة للإستفهام الإنكاري، والواو عاطفة على تقديره أكفروا بالقرآن ونبيه، وكلما عاهدوا إلخ ...
العهد: الوعد الملزم.
﴿نَبَذَه﴾ : طرحه وألقاه غير آبه به ولا ملتفت إليه.
﴿رَسُولٌ﴾ : التنكير للتعظيم، والرسول هو محمد ﷺ ، ومن قبله عيسى ﵇
﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ : من نعت الرسول ﷺ وتقرير نبوته، وسائر أصول الدين في التوراة.
﴿كِتَابَ اللهِ﴾ : التوراة٢ لدلالتها على نبوة النبي محمد ﷺ وصحة دينه الإسلام.
﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ : أي أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه لمنافاته لما هم معروفون عليه من الكفر بالنبي محمد ﷺ ؛ كأنهم لا يعلمون مع أنهم يعلمون حق العلم.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير نبوة رسول الله ﷺ وعموم رسالته والرد على اليهود وإظهار
стр. 86
ما هم عليه من الفسق والظلم في الآية الأولى (٩٩) يرد تعالى على قول ابن صوريا اليهودي للرسول ﷺ ما جئتنا بشيء، بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ﴾ ؛ كالأعور بن صوريا اليهودي. وفي الآية الثانية (١٠٠) ينكر الحق على اليهود كفرهم ونبذهم للعهود والمواثيق وليسجل عليهم عدم إيمان أكثرهم بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . وفي الآية الثالثة (١٠١) ينعي البارئ على علماء اليهود نبذهم للتوراة لما رأوا فيها من تقرير نبوة محمد ﷺ وإثباتها فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ١ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ٢ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- الفسق العام ينتج الكفر، إن العبد إذا فسق٣ وواصل الفسق عن أوامر الله ورسوله سيؤدي به ذلك إلى أن ينكر ما حرم الله وما أوجب فيكفر لذلك والعياذ بالله.
٢- اليهود لا يلتزمون بوعد ولا يفون بعهد، فيجب أن لا يوثق في عهودهم أبداً.
٣- التوراة أحد كتب الله المنزلة أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران ﵇.
٤- قبح جريمة من تنكر للحق بعد معرفته، ويصبح وكأنه جاهل به.
﴿وَاتَّبَعُوا٤ مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ
стр. 87
سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ١ وَمَا أُنْزِلَ٢ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) ﴾
شرح الكلمات:
﴿مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾ : الذي تتبعه وتقول به الشياطين من كلمات السحر.
﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ : على عهد سليمان ووقت حكمه.
﴿الشَّيَاطِينَ﴾ : جمع شيطان وهو من خبث وتمرد ولم يبق فيه قابلية للخير.
стр. 88
﴿السِّحْرَ ١﴾ : هو كل ما لطف مأخذه وخفي سببه مما له تأثير على أعين الناس أو نفوسهم أو أبدانهم.
﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ : ملكان وجدا للفتنة.
﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ : لا تتعلم منا السحر لتضر به فتكفر بذلك.
﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ : بين الرجل وامرأته.
﴿اشْتَرَاهُ﴾ : اشترى السحر بتعلمه والعمل به.
الخلاق: النصيب٢ والحظ.
﴿مَا شَرَوْا﴾ : ما باعوا به أنفسهم.
﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ : ثواب وجزاء.
معنى الآيتين:
ما زال السياق الكريم في بيان ما عليه اليهود من الشر والفساد، ففي الآية الأولى (١٠٢) يخبر تعالى: أن اليهود لما نبذوا التوراة لتقريرها بنبوة محمد ﷺ وتأكيدها لصحة دينه اتبعوا الأباطيل والترهات التي جمعها شياطين الإنس والجن في صورة رُقى وعزائم وكانوا يحدثون بها، ويدّعون أنها من عهد سليمان بن داود ﵉، وأنها هي التي كان سليمان يحكم بها الإنس والجن، ولازم هذا أن سليمان لم يكن رسولاً ولا نبياً وإنما كان ساحراً كافراً، فلذا نفى الله تعالى عنه ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ وأثبته للشياطين فقال: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ . كما يعلمونهم ما ألهمه الملكان هاروت وماروت٣ ببابل العراق من ضروب السحر وفنونه، وهنا أخبرنا تعالى عن ملكي الفتنة أنهما يقولان لمن جاءهما يريد تعلم السحر: إنما نحن فتنة فلا تكفر بتعلمك السحر وهذا القول منهما يفهم منه
стр. 89
بوضوح أن أقوال الساحر وأعماله التي يؤثر بها على الناس منها ما هو كفر في حكم الله وشرعه قطعاً.
كما أخبر تعالى في هذه الآية أن ما يتعلمه الناس من الملكين إنما يتعلمونه ليفرقوا بين الرجل وامرأته، وأن ما يحدث به من ضرر هو حاصل بإذن الله تعالى حسب سنته في الأسباب والمسببات، ولو شاء الله أن يوجد مانعاً يمنع من حصول الأمر بالضرر لفعل وهو على كل شيء قدير. فبهذا متعلموا السحر بسائر أنواعه إنما هم يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم. وفي آخر الآية يقرر تعالى علم اليهود بكفر الساحر ومتعلم السحر ومتعاطيه حيث أخبر تعالى أنهم لا نصيب لهم في الآخرة من النعيم المقيم فيها. فلذا هم كفار قطعاً.
وأخيراً يقبح تعالى ما باع به اليهود أنفسهم، ويسجل عليهم الجهل بنفي العلم إذ قال تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
وفي الآية الثانية (١٠٣) يفتح تعالى على اليهود باب التوبة فيعرض عليهم الإيمان والتقوى فيقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- الإعراض عن الكتاب والسنة لتحريمهما الشر والفساد والظلم يفتح أمام المعرضين أبواب الباطل من القوانين الوضعية، والبدع الدينية، والضلالات العقلية، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ [سبيل السعادة والكمال] وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ .
٢- كفر١ الساحر وحرمة تعلم السحر، وحرمة استعماله.
стр. 90
٣- الله تعالى خالق الخير والضير، ولا ضرر ولا نفع إلا بإذنه١ فيجب الرجوع إليه في جلب النفع، ودفع الضر بدعائه والضراعة إليه.
٤- العلم المهم؛ كالظن الذي لا يقين معه لا يغير من نفسية صاحبه شيئاً فلا يحمله على فعل خير ولا على ترك شر بخلاف الرسوخ في العلم فإن صاحبه يكون لديه من صادق الرغبة وعظيم الرهبة ما يدفعه إلى الإيمان والتقوى ويجنبه الشرك والمعاصي. وهذا ظاهر في نفي الله تعالى العلم عن اليهود في هاتين الآيتين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥) ﴾
شرح الكلمات:
﴿رَاعِنَا﴾ : أمهلنا وانظرنا حتى نعي ما تقول.
﴿انْظُرْنَا﴾ : أمهلنا حتى نفهم ما تقول ونحفظ.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ : الجاحدين المكذبين لله ورسوله المستهزئين بهما أو بأحدهما.
﴿أَلِيمٌ﴾ : كثير الألم شديد الإيجاع.
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ﴾ : اليهود والنصارى والوثنين من العرب وغيرهم.
﴿مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ : من الوحي الإلهي المشتمل على التشريع المتضمن لكل أنواع الهداية وطرق الإسعاد والإكمال في الدارين.
стр. 91
﴿الْفَضْلِ﴾ : ما كان من الخير غير محتاج إليه صاحبه. والله هو صاحب الفضل إذ كل ما يمن به ويعطيه عباده من الخير هو في غنى عنه ولا حاجة به إليه أبداً.
معنى الآيتين:
أما الآية الأولى (١٠٤) فقد أمر الله تعالى المؤمنين أن يراعوا١ الأدب في مخاطبة نبيهم ﷺ تجنباً للكلمات المشبوهة؛ ككلمة: راعنا، إذ قد تكون من الرعونة، ولما تدل عليه صيغة المفاعلة؛ إذ كأنهم يقولون: راعنا نُراعك، وهذا لا يليق أن يخاطب به الرسول ﷺ .
وأرشدهم تعالى إلى كلمة سليمة من كل شبهة تنافي الأدب وهي انظرنا٢، وأمرهم أن يسمعوا لنبيهم إذا خاطبهم حتى لا يضطروا إلى مراجعته، إذ الاستهزاء بالرسول والسخرية منه ومخاطبته بما يفهم الاستخفاف بحقه وعلو شأنه وعظيم منزلته كفر بواح.
وفي الآية الثانية (١٠٥) أخبر تعالى عباده المؤمنين بأن الكافرين من أهل الكتاب ومن غيرهم من المشركين الوثنيين لا يحبون أن يُنزل عليكم من خير من ربكم وسواء كان قرآناً يحمل أسمى الآداب وأعظم الشرائع وأهدى سبل السعادة والكمال، أو كان غير ذلك من سائر أنواع الخيرات، وذلك حسداً منهم للمؤمنين كما أخبرهم أنه تعالى يختص برحمته من يشاء من عباده فحسد الكافرين لكم لا يمنع فضل الله عليكم ورحمته بكم متى أرادكم بذلك.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- وجوب التأدب مع رسول الله ﷺ في مخاطبته بعدم استعمال أي لفظة قد تفهم غير الإجلال والإكبار له ﷺ .
٢- وجوب السماع لرسول الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، وعند مخاطبته لمن أكرمهم الله تعالى بمعايشته والوجود معه.
стр. 92
التحذير١ من الكافرين كتابيين أو مشركين؛ لأنهم أعداء حسدة للمؤمنين فلا يحل الركون إليهم والإطمئنان إلى أقوالهم وأفعالهم، إذ الريبة لا تفارقهم.
﴿مَا نَنْسَخْ٢ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ٣ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ٤ أَنْ تَسْأَلوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالأِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨) ﴾
شرح الكلمات:
﴿نَنْسَخْ﴾ : نبدل أو نزيل.
﴿مِنْ آيَةٍ﴾ : من آيات القرآن: جملة كلمات تحمل معنى صحيحاً؛ كالتحريم أو التحليل، أو الإباحة.
﴿نُنْسِهَا﴾ : نمسحها من قلب النبي ﷺ .
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ : الاستفهام للتقرير.
﴿وَلِيٍّ﴾ : حافظ يحفظكم بتولي أموركم.
стр. 93
﴿نَصِيرٍ﴾ : ناصر يدفع عنكم المكروه.
﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ : بل أتريدون، إذ (أم) هنا للإضراب الانتقالي فهي بمعنى: بل، والهمزة، وما سئله موسى هو، قول بني إسرائيل له: (أرنا الله جهرة) .
﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ : وسط الطريق الآمن من الخروج عن الطريق. معنى الآيات:
يخبر تعالى راداً على الطاعنين في تشريعه الحكيم الذين قالوا: إن محمداً يأمر أصحابه١ اليوم بأمر وينهى عنه غداً، أنه تعالى ما ينسخ من آية تحمل حكماً شاقاً على المسلمين إلى حكم أخف؛ كنسخ الثبوت لعشرة في قتال الكافرين إلى الثبوت إلى اثنين. أو حكماً خفيفاً إلى شاق زيادة في الأجر؛ كنسخ يوم عاشوراء بصيام رمضان، أو حكماً خفيفاً إلى حكم خفيف مثله؛ كنسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، أو حكماً غير حكم آخر؛ كنسخ صدقة من أراد أن يناجي رسول الله ﷺ ، فإن الحكم رفع ولم يشرع حكم آخر بدلاً عنه، أو نسخ الآية بإزالتها من التلاوة، ويبقى حكمها؛ كآية الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله، فقد نسخ اللفظ من التلاوة وبقي الحكم. أو ينسخ الآية وحكمها. وهذا معنى قوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ ، وهي قراءة نافع، فقد ثبت أن قرآناً نزل وقرأه رسول الله ﷺ وبعض أصحابه ثم نسخه الله تعالى لفظاً، ومعنى فمحاه من القلوب بالمرة فلم يقدر على قراءته أحد. وهذا مظهر من مظاهر القدرة الإلهية الدال عليه قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وهو أيضاً مظهر من مظاهر التصرف الحكيم الدال عليه قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فهو تعال يتصرف فينسخ ويبقي ويأتي بخير مما نسخ أو بمثله بحسب حاجة الأمة ومتطلبات حياتها الروحية والمادية. فسبحانه من إله قدير حكيم: ينسي ما يشاء وينسخ ما يريد.
أما قوله تعالى في آية (١٠٨) : ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلوا رَسُولَكُمْ٢﴾ ، فهو توبيخ لمن طالب
стр. 94
الرسول ﷺ بأمور ليس في مكنته، وإعلام من يجري على أسلوب التعنت وسوء الأدب مع الرسول ﷺ قد يصاب بزيغ القلب فيكفر، دلّ على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالأِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ .
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- ثبوت النسخ في القرآن الكريم، كما هو ثابت في السنة، وهما أصل التشريع ولا نسخ في قياس ولا إجماع.
٢- رأفة الله تعالى بالمؤمنين في نسخ الأحكام وتبديلها بما هو نافع لهم في دنياهم وآخرتهم.
٣- وجوب التسليم لله والرضا بأحكامه، وعدم الاعتراض عليه تعالى.
٤- ذم التنطع في الدين وطرح الأسئلة المحرجة١ والتحذير منم ذلك.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ٢ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً٣ مِنْ٤ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا٥ وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ
стр. 95
مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) ﴾ .
شرح الكلمات:
﴿وَدَّ﴾ : أحب.
﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ : اليهود والنصارى.
﴿حَسَداً﴾ : الحسد تمني زوال النعمة على من هي به.
﴿تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ : عرفوا أن محمداً رسول الله وأن دينه هو الدين الحق.
﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ : لا تؤاخذهم ولا تلوموهم، إذ العفو ترك العقاب، والصفح الإعراض عن الذنب.
﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ : أي الإذن بقتالهم والمراد بهم يهود المدينة، وهم: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ : إقامة الصلاة: أداؤها في أقواتها مستوفاة الشروط والأركان والسنن.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ : أعطوا زكاة أموالكم وافعلوا كل ما من شأنه يزكي أنفسكم من الطاعات.
معنى الآيات:
في الآية الأولى (١٠٩) يخبر تعالى المؤمنين بنفسية كثير من أهل الكتاب وهي الرغبة الملحة في أن يتخلى المسلمون عن دينهم الحق ليصبحوا كافرين، ومنشأ هذه الرغبة الحسد الناجم عن نفسية لا ترغب أن ترى المسلمين يعيشون في نور الإيمان بدل ظلمات الكفر، وبعد أن أعلم عباده المؤمنين بما يضمر لهم أعداؤهم، أمرهم بالعفو١ والصفح؛ لأن الوقت لم يحن بعد لقتالهم فإذا حان الوقت قاتلوهم وشفوا منهم صدورهم.
وفي الآية الثانية (١١٠) أمر الله تعالى المؤمنين بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل٢ الخيرات
стр. 96
تهذيباً لأخلاقهم وتزكية لنفوسهم وواعدهم بحسن العاقبة بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ١ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
هداية الآيتين:
من هداية الآيات:
١- اليهود والنصارى يعلمون أن الإسلام حق وأن المسلمين على حق فحملهم ذلك على حسدهم ثم عداوتهم، والعمل على تكفيرهم ... وهذه النفسية ما زالت طابع أهل الكتاب إزاء المسلمين إلى اليوم.
٢- في الظرف الذي لم يكن مواتياً للجهاد على المسلمين أن يشتغلوا فيه بالإعداد للجهاد، وذلك بتهذيب الأخلاق والأرواح وتزكية النفوس بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل الخيرات إبقاء على طاقاتهم الروحية والبدنية إلى حين يؤذن لهم بالجهاد.
٣- تقوية الشعور٢ بمراقبة الله تعالى ليحسن العبد نيته وعمله.
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا٣ بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون (١١٣) ﴾
стр. 97
شرح الكلمات:
﴿الْجَنَّةَ﴾ : دار النعيم وتسمى دار السلام وهي فوق السماء السابعة.
﴿هُوداً ١﴾ : يهوداً.
﴿نَصَارَى﴾ : صليبيين مسيحيين.
﴿أَمَانِيُّهُمْ ٢﴾ : جمع أمنية ما يتمناه المرء بدون ما يعمل للفوز به، فيكون غروراً.
البرهان: الحجة الواضحة.
﴿بَلَى﴾ : حرف إجابة يأتي بعد نفي مقرون باستفهام٣ غالباً نحو قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ ؟ بلى، أي: هو أحكم الحاكمين، ولما ادعى اليهود والنصارى أن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهودياً أو نصرانياً قال تعالى: (بلى) أي ليس الأمر كما تزعمون فلا يدخل الجنة يهودي ولا نصراني ولكن يدخلها من أسلم وجهه لله وهو محسن أي: عبد آمن فصدق وعمل صالحاً فأحسن.
ليست على شيء: أي: من الدين الحق.
﴿يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ : أي: التوراة والإنجيل.
الذين من قبلهم: هذا اللفظ صادق على مشركي العرب، وعلى غيرهم من أمم جاهلة سبقت.
سبب نزول الآيتين ومعناهما:
لما جاء وفد نصارى نجران إلى المدينة التقى باليهود في مجلس النبي ﷺ ، ولعدائهم السابق تماروا فادعت اليهود أن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهودياً، وادعت النصارى أن الجنة لا يدخلها إلا من كان نصرانياً فرد الله تعالى عليهم وأبطل دعواهم حيث طالبهم بالبرهان عليها فلم يقدروا وأثبت تعالى دخول الجنة لمن زكى نفسه بالإيمان الصحيح والعمل الصالح.
стр. 98
فقال: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ يريد قلبه وجوارحه١ فآمن ووحد وعمل صالحاً فأحسن فهذا الذي يدخل الجنة وهي أجره على إيمانه وصالح أعماله، فلا هو يخاف ولا يحزن.
هذا معنى الآيتين الأولى (١١١) والثانية (١١٢) والثالثة (١١٣) فقد سجلت كفر كل من اليهود والنصارى، بشهادتهم على بعضهم بعضاً فقد كفر اليهود والنصارى بقولهم: إنهم ليسوا على شيء من الدين الحق الذي يعتد به ويؤبه له، وكفّر النصارى اليهود بقولهم: ليست اليهود على شيء مع أنهم يقرأون التوراة والإنجيل، فلذا كان تكفيرهم لبعضهم لبعض حقاً وصدقاً. ثم أخبر تعالى أن ما وقع فيه اليهود والنصارى وهم أهل كتاب من الكفر والضلال قد وقع فيه أمم قبلهم دون علم منهم وذلك لجهلهم، وأخبر تعالى أنه سيحكم بينهم يوم القيامة ويجزيهم بكفرهم وضلالهم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- إبطال تأثير النسب٢ في السعادة والشقاء، وتقرير أن السعادة بدخول الجنة مردها إلى تزكية النفس بالإيمان والعمل الصالح، وإن الشقاوة بدخول النار مردها إلى الشرك، وارتكاب الذنوب فلا نسبة إلى يهودية أو نصرانية أو غيرهما تُغني عن صاحبها، وإنما المغني بعد فضل الله ورحمته الإيمان والعمل الصالح بعد التخلي عن الشرك والمعاصي.
٢- كفر اليهود والنصارى وهو شر كفر؛ لأنه كان على علم.
٣- الإسلام الصحيح القائم على أسسه الثلاثة الإيمان والإسلام والإحسان هو سبيل٣ النجاة من النار والفوز بالجنة.
стр. 99
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) ﴾
شرح الكلمات:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ : الاستفهام للإنكار والنفي، والظلم وضع الشيء في غير محله مطلقاً.
﴿وَسَعَى١ فِي خَرَابِهَا﴾ : عمل في هدمها وتخريبها حقيقة أو يمنع الصلاة فيها وصرف الناس عن التعبد فيها إذ هذا من خرابها أيضاً.
الخزي: الذل والهوان٢.
﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ : هناك الله تعالى إذ الله محيط بخلقه فحيثما اتجه العبد شرقاً أو غرباً شمالاً أو جنوباً وجد الله تعالى، إذ الكائنات كلها بين يديه وكيف لا يكون ذلك وقد أخبر عن نفسه أن الأرض قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، فليس هناك جهة تخلو من علم الله تعالى وإحاطته بها وقدرته عليها. ويقرر هذا قوله: ﴿إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ، إنه واسع الذات والعلم والفضل والجود والكرم عليم بكل شيء لأنه محيط بكل شيء.
شرح الآيتين:
ففي الآية الأولى (١١٤) ينفي تعالى أن يكون هناك من هو أكثر ظلماً ممن منع مساجد٣ الله تعالى أن يعبد الله تعالى فيها، لأن العبادة هي علة الحياة فمن منعها كان كمن أفسد
стр. 100
الحياة كلها وعطلها، وفي نفس الوقت ينكر تعالى هذا الظلم على فاعليه وسواء كانوا قريشاً بصدهم النبي وأصحابه عن المسجد الحرام، أو فلطيوس ملك الروم الذي خرّب المسجد الأقصى١، أو غيرهم ممن فعلوا هذا الفعل أو من سيفعلونه مستقبلاً، ولذا ضمن تعالى قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ﴾ ، أمر المسلمين بجهاد الكافرين وقتالهم حتى يسلموا أو تكسر شوكتهم فيذلوا ويهونوا.
وفي الآية الثانية (١١٥) يخبر تعالى راداً على اليهود الذين انتقدوا أمر تحويل القبلة من بين المقدس إلى الكعبة، مؤذناً بجواز صلاة من جهل القبلة أو خفيت عليه إلى أي جهة كانت، فأخبر تعالى أن له المشرق والمغرب٢ خلفاً وملكاً وتصرفاً، يوجه عباده إلى الوجهة التي يشاؤها شرقاً أو غرباً، جنوباً أو شمالاً، فلا اعتراض ولا إنكار وأن الله تعالى محيط بالكائنات، فحيثما توجه العبد في صلاته فهو متوجه إلى الله تعالى، إلا أنه تعالى أمر بالتوجه في الصلاة إلى الكعبة بمن عرف جهتها لا يجوز له أن يتجه إلا إليها.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- عظم جريمة من يتعرض للمساجد بأي أذى٣ أو إفساد.
٢- وجوب حماية المساجد من دخول الكافرين إلا أن يدخلوها بإذن المسلمين وهم أذلاء صاغرون.
٣- صحة صلاة٤ النافلة على المركوب في السفر إلى القبلة وإلى غيرها.
٤- وجوب استقبال القبلة إلا عند العجز٥ فيسقط هذا الواجب.
٥- العلم بإحاطة الله تعالى بالعوالم كلها قدرة وعلماً فلا يخفى عليه من أمر العوالم شيء ولا يعجزه آخر.
стр. 101
﴿وَقَالُوا١ اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا٢ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩) ﴾
شرح الكلمات:
سبحانه: تنزه وتقدس عن كل نقص ومنه أن يكون له ولد.
قانتون: خاضعون مطيعون تجري عليهم أقداره وتنفذ فيهم أحكامه.
بديع السموات: مبدعها أي موجدها على غير مثال سابق.
قضى أمراً: حكم بإيجاده.
أو تأتيه آية: كآيات موسى وعيسى في العصا وإحياء الموتى.
ولا تسأل: قرئ بالتاء للمجهول، ولا نافية والفعل مرفوع، وقرئ بالبناء للمعلوم ولا ناهية والفعل مجزوم.
الجحيم: دركة من دركات النار وهي أشدها عذاباً.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في ذكر أباطيل الكافرين من أهل الكتاب والمشركين والرد عليها بما يظهر زيفها ويبطلها نهائياً ففي الآيتين الأولى (١١٦) والثانية (١١٧) يذكر تعالى قول
стр. 102
أهل الكتاب والمشركين في أن الله اتخذ ولداً، إذ قالت اليهود: العزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال بعض مشركي العرب: الملائكة بنات الله، ذكر تعالى قولهم اتخذ الله ولداً ثم نزه١ نفسه عن هذا القول الباطل والفرية٢ الممقوتة، وذكر الأدلة العقلية على بطلان الدعوى.
فأولاً: مِلْكيةُ الله تعالى لما في السموات والأرض، وخضوع٣ كل من فيهما لحكمه وتصريفه وتدبيره يتنافى عقلاً مع اتخاذ ولد منهم.
ثانياً: قدرة الله تعالى المتجلية في إبداعه السموات والأرض وفي قوله للشيء كن فيكون يتنافى معها احتياجه إلى الولد٤، وهو مالك كل شيء ورب كل شيء، وفي الآية الثالثة (١١٨) يرد تعالى على قولة المشركين الجاهلين: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ حيث اقترحوا ذلك ليؤمنوا ويوحدوا، فأخبر تعالى أن مثل هذا الطلب طلبه من قبلهم فتشابهت قلوبهم في الظلمة والانتكاس، فقد قال اليهود لموسى أرنا الله جهرة، أما رؤية الله وتكليمه إياهم فغير ممكن في هذه الحياة حياة الامتحان والتكليف، لذا لم يجب إليه أحداً من قبلهم ولا من بعدهم، وأما الآيات فما أنزل الله تعالى وبينه في كتابه من الآيات الدالة على الإيمان بالله ووجوب عبادته وتوحيده فيها، وعلى صدق نبيه في رسالته ووجوب الإيمان به واتباعه كاف ومغن عن أية آية مادية يريدونها، ولكن القوم لكفرهم وعنادهم لم يروا في آيات القرآن ما يهديهم وذلك لعدم إيقانهم، والآيات يراها وينتفع بها الموقنون لا الشاكون المكذبون.
وفي الآية الرابعة (١١٩) يخفف تعالى على نبيه همَّ مطالبة المشركين بالآيات بأنه غير مكلف بهداية أحد ولا ملزم بإيمان آخر، ولا هو مسئول٥ يوم القيامة عمن يدخل النار من الناس، إذ مهمته محصورة في التبشير٦ والإنذار تبشير من آمن وعمل صالحاً بالفوز بالجنة
стр. 103
والنجاة من النار، وإنذار من كفر وعمل سوءاً بدخول النار والعذاب الدائم فيها.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- حرمة نسبة أي شيء إلى الله تعالى بدون دليل من الوحي الإلهي، إذ أنكر تعالى نسبة الولد إليه أنكره على أهل الكتاب والمشركين معاً.
٢- تشابه قلوب أهل الباطل في كل زمان ومكان لاستجابتهم للشيطان وطاعتهم له.
٣- لا ينتفع بالآيات إلا أهل اليقين لصحة عقولهم وسلامة قلوبهم.
٤- على المؤمن أن يدعو إلى الله تعالى، وليس عليه أن يهدي، إذ الهداية بيد الله، وأما الدعوة فهي في قدرة الإنسان، وهو مكلف بها.
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ١ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ٢ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١) ﴾
شرح الكلمات:
ملتهم: دينهم الذي هم عليه من يهودية ونصرانية.
قل إن الهدى هدى الله: الهدى: ما أنزل به كتابه وبعث به رسوله وهو الإسلام، لا ما ابتدعه اليهود والنصارى من بدعة اليهودية والنصرانية.
стр. 104
من ولي ولا نصير: الولي من يتولاك ويكفيك أمرك، والنصير من ينصرك ويدفع عنك الأذي.
يتلونه حق١ تلاوته: لا يحرفون كلمه عن مواضعه ولا يكتمون الحق الذي جاء فيه من نعت الرسول محمد ﷺ وغيره.
أولئك هم الخاسرون: المشار إليهم كفار أهل الكتاب والخسران خسران الدنيا والآخرة.
معنى الآيتين:
ما زال السياق في أهل الكتاب يكشف عوارهم ويدعوهم إلى الهدى لو كانوا يهتدون، ففي الآية الأولى (١٢٠) يخبر تعالى رسوله وأمته تابعة له أن اليهود والنصارى لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم الباطلة، وهي اليهودية أو النصرانية، وفي هذا نهي عن اتباعهم ثم أمره أن يخبرهم أن الهدى هدى٢ الله الذي هو الإسلام وليس اليهودية ولا النصرانية، إذ هما بدعتان من وضع أرباب الأهواء والأطماع المادية.
ثم يحذر الله رسوله وأمته من اتباع اليهود والنصارى بعد الذي جاءهم والنعمة التي أتمها عليهم وهي الإسلام فيقول: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير﴾ .
وفي الآية الثانية (١١٢) يخبر تعالى أن الذين آتاهم الله الكتاب التوراة والإنجيل فكانوا يتلونه حق تلاوته فلا يحرفون ولا يكتمون هؤلاء يؤمنون بالكتاب حق الإيمان، أما الذين يحرفون كلام الله ويكتمون ما جاء فيه من نعوت النبي ﷺ فهؤلاء لا يؤمنون به وهم الخاسرون دون غيرهم، ومن آمن٣ من أهل الكتاب بكتابه وتلاه حق تلاوته سوف يؤمن بالنبي الأمي ويدخل في دينه قطعاً.
هداية الآيات:
من هداية الآيتين:
١- لا يحصل المسلم على رضا اليهود والنصارى إلا بالكفر بالإسلام واتباع دينهم الباطل
стр. 105
وهذا ما لا يكون للمسلم أبداً، فلذا طلب رضا اليهود والنصارى محرم لا يحل أبداً.
٢- لا دين١ حق إلا الإسلام فلا ينبغي أن يُلتفت إلى غيره بالمرة.
٣- من يوالي اليهود والنصارى باتباعهم على باطلهم يفقد ولاية الله تعالى ويحرم نصرته.
٤- طريق الهداية في تلاوة كتاب الله حق تلاوته بأن يجوده قراءة ويتدبره هداية ويؤمن بحكمه ومتشابهه، ويحلل حلاله ويحرم حرامه، ويقيم حدوده كما يقيم حروفه.
﴿يَا بَنِي٢ إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ٣ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) ﴾
شرح الكلمات:
إسرائيل: لقب يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ﵈.
وبنو إسرائيل: هم اليهود.
العالمين: البشر الذين كانوا في زمانهم مطلقاً.
لا تجزي: لا تقضي ولا تغني.
العدل: الفداء.
شفاعة: وساطة أحد.
стр. 106
معنى الآيتين:
يعظ الرحمن اليهود فيناديهم١ بأشرف ألقابهم ويأمرهم نعمه تعالى عليهم وهي كثيرة، ويأمرهم أن يذكروا تفضيله تعالى لهم على عالمي زمانهم، والمراد من ذكر النعم شكرها، فهو تعالى في الحقيقة يأمرهم بشكر نعمه، وذلك بالإيمان به وبرسوله والدخول في دينه الحق (الإسلام) .
كما يأمرهم باتقاء عذاب يوم القيامة حيث لا تغني نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها فداء ولا تنفعها شفاعة، وهذه هي نفس الكافر المشرك، حيث لا شفاعة تنال الكافر أو المشرك، ولا يوجد لهم ناصر ينصرهم فيدفع عنهم العذاب، إذ اتقاء عذاب يوم القيامة يكون بالإيمان بالله ورسوله والعمل الصالح، بعد التخلي عن الكفر والمعاصي.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- وجوب ذكر نعم الله على العبد ليجد بذلك دافعاً نفسياً لشكوها، إذ غاية الذكر هي الشكر.
٢- وجوب اتقاء عذاب يوم القيامة بالإيمان وصالح الأعمال بعد التخلي عن الشرك والعصيان.
٣- استحالة الفداء يوم القيامة، وتعذر وجود شافع يشفع لمن مات على الشرك لا بإخراجه من النار، ولا بتخفيف العذاب عنه.
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ٢ رَبُّهُ٣ بِكَلِمَات٤ٍ
стр. 107
فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) ﴾
شرح الكلمات:
ابتلى: اختبره بتكليفه بأمور شاقة عليه.
بكلمات: متضمنة أوامر ونواهي.
أتمهن: قام بهن وأداهن على أكمل الوجوه وأتمها.
إماماً: قدوة صالحة يقتدى به في الخير والكمال.
الظالمين: الكافرين والمشركين والفاسقين المعتدين على الناس.
معنى الآية الكريمة:
بعد ذلك الحجاج الطويل الذي عاشه رسول الله مع طائفتي أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكذا المشركين في الآيات السابقة لهذه الآية، أمر تعالى رسوله أن يذكر ابتلاءه تعالى لنبيه وخليله إبراهيم ﵇ بما كلفه من أوامر ونواهي، فقام بها خير قيام فأنعم عليه بأكبر إنعام، وهو أنه جعله إماماً للناس، ومن أبرز تلك التكاليف وقوفه في وجه الوثنيين، وتحطيم أوثانهم، والهجرة من ديارهم والهم بذبح ولده إسماعيل قرباناً لله، وبناء البيت، وحجة الدعوة إليه مما استحق به الإمامة للناس كافة، وفي هذا تبكيت للفرق الثلاثة: العرب المشركين، واليهود، والنصارى. إذ كلهم يدعي انتماءه لإبراهيم والعيش على ملته فها هو ذا إبراهيم موحد وهم مشركون، عادل وهم ظالمون، مُتبع للوحي الإلهي وهم به كافرون ولصاحبه مكذبون، وفي الآية بيان رغبة إبراهيم في أن تكون الإمامة في ذريته وهي رغبة صالحة فجعلها الله تعالى في ذريته١ ٢ كما رغب واستثنى تعالى الظالمين فإنهم لا يستحقونها فهي لا تكون إلا في أهل الخير والعدل والرحمة لا تكون في الجبابرة القساة ولا الظالمين العتاة.
стр. 108
هداية الآية:
من هداية الآية:
١- الإمامة لا تنال إلا بصحة اليقين١ والصبر على سلوك سبيل المهتدين.
٢- مشروعية ولاية العهد، بشرط أن لا يعهد إلا إلى من كان على غاية من الإيمان والعلم والعمل والعدل والصبر.
٣- القيام بالتكاليف الشرعية قولاً وعملاً٢ يؤهل لأن يكون صاحبه قدوة صالحة للناس.
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً٣ لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) ﴾
شرح الكلمات:
البيت: الكعبة التي هي البيت الحرام بمكة المكرمة.
مثابة: مرجعاً يثوب إليه العمار والحجاج.
أمناً: مكاناً آمناً يأمن فيه كل من دخله
مقام إبراهيم: الحجر الذي كان قد قام عليه إبراهيم أيام كان يبني البيت وذلك أنه لما ارتفع البناء احتاج إبراهيم إلى حجر عال يرقى عليه ليواصل بناء الجدران، فجيء بهذا الحجر فقام عليه فسمي مقام إبراهيم.
стр. 109
مصلى: مكاناً يصلى فيه أو عنده أو إليه.
عهدنا: وصينا وأمرنا.
تطهير البيت: تنزيه عن الأقذار الحسية؛ كالدماء والأبوال. ومعنوية؛ كالشرك والبدع والمفاسد.
اضطره: ألجأه مكرهاً إلى العذاب.
معنى الآيتين:
ما زال السياق في تذكير المشركين وأهل الكتاب معاً بأبي الأنبياء وإمام الموحدين إبراهيم ﵇، ومآثره الطيبة الحميدة، ومواقفه الإيمانية العظيمة ليتجلى بذلك بطلان دعوى كل من أهل الكتاب والمشركين في انتسابهم إلى إبراهيم كذباً وزوراً، إذ هو موحد وهم مشركون، وهو مؤمن وهم كافرون، فقال تعالى لنبيه ﷺ : اذكر لهم كيف جعلنا البيت مثابة للناس١ يثوبون إليه في كل زمان حجاجاً وعماراً، وأمناً دائماً من دخله، أمن على نفسه وماله وعرض. وقلنا لمن حجوا البيت أو اعتمروا اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، فكان من سنة من طاف بالبيت أن يصلي خلف المقام ركعتين، كما أوصينا٢ من قبل إبراهيم وولده إسماعيل بتطهير البيت من كل رجز معنوياً؛ كالأصنام وعبادة غير الله تعالى، أو حسياً؛ كالأقذار والأوساخ من دم أو بول حتى يتمكن الطائفون والعاكفون٣ والمصلون من آداء هذه العبادات بلا أي أذى يلحقهم أو يضايقهم.
هذه ما تضمنته الآية الأولى (١٢٥) ، أما الآية الثانية (١٢٦) فقد تضمنت أمر الله تعالى لرسوله أن يذكر دعوة إبراهيم ربه بأن يجعل بلداً آمنا٤ من دخله يأمن فيه٥ على نفسه وماله وعرضه، وأن يرزق أهله وسكانه المؤمنين من الثمرات وأن الله قد استجاب لإبراهيم دعوته إلا إن الكافرين لا يحرمون الرزق في الدنيا ولكن يحرمون الجنة في الدار الآخرة حيث
стр. 110
يلجئهم تعالى مضطراً لهم إلى عذاب النار الغليظ وبئس هذا المصير الذي يصيرون إليه –وهو النار- من مصير.
هداية الآيات:
من هداية الآيتين:
١- منة الله تعالى بجعل البيت مثابة للناس وأمناً توجب حمد الله على كل مؤمن.
٢- سنة صلاة ركعتين خلف المقام لمن١ طاف البيت.
٣- وجوب حماية البيت والمسجد الحرام من أي ضرر يلحق من يوجد فيه من طائف وعاكف وقائم وراكع وساجد.
٤- بركة دعوة إبراهيم لأهل مكة، واستجابة الله تعالى له دعوته فلله الحمد والمنة.
٥- الكافر لا يحرم الرزق لكفره٢ بل له الحق في الحياة إلا أن يحارب فيقتل أو يسلم.
٦- مصير من مات كافراً إلى النار، لا محالة، والموت في الحرم لا يغني عن الكافر شيئاً.
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ٣ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ٤ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ٥ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ