← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿لا يَحْزُنْكَ﴾ : الحزن: ألم نفسي يسببه خوف فوات محبوب. ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ : بمعنى: يسرعون فيه إذ ما خرجوا منه كلما سنحت فرصة للكفر أظهروه. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ : هؤلاء هم المنافقون. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ : أي: اليهود. ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ : أي: كثيرو الاستماع للكذب. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ : يبدلون الكلام ويغيرونه ليوافق أهواءهم. ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ : أي: أعطيتم. ﴿فِتْنَتَهُ﴾ : أي: ضلالة لما سبق له من موجبات الضلال. ﴿أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ : من الكفر والنفاق. ﴿خِزْيٌ﴾ : ذل.

стр. 632

﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ : كثيروا الأكل للحرام؛ كالرشوة والربا. ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ : أي: لا تحكم بينهم. ﴿بِالْقِسْطِ﴾ : أي: بالعدل. ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ : أي: صدقاً وحقاً وإن ادعوه نطقاً. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ١ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في نهاية الآية نزل تسلية لرسول الله ﷺ وتخفيفاً مما كان يجده ﷺ من ألم نفسي من جراء ما يسمع ويرى من المنافقين واليهود فناداه ربه تعالى بعنوان الرسالة التي كذب بها المنافقون واليهود معاً: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ الحق، لينهاه عن الحزن الذي يضاعف ألمه: ﴿لا يَحْزُنْكَ﴾ حال الذين ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ بتكذيبك فإنهم ما خرجوا من الكفر، بل هم فيه منغمسون، فإذا سمعت منهم قول الكفر لا تحفل به حتى لا يسبب لك حزناً في نفسك. ﴿مِنَ الَّذِينَ٢ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: لا يحزنك كذلك حال اليهود الذين يكذبون بنبؤتك ويجحدون رسالتك، ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ سماعون ليهود آخرين لم يأتوك؛ كيهود خيبر وفدك، أي: كثيروا السمع للكذب الذي يقوله أحبارهم لما فيه من الإساءة إليك سماعون لأهمل قوم آخرين ينقلون إليهم أخبارك كوسائط، وهم لم يأتوك، وهم يهود خيبر إذ أوعزوا إليهم أن يسألوا لهم النبي ﷺ عن حد الزنى ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ ، أي: يغيرون حكم الله الذي تضمنه الكلام، يقولون لهم إن أفتاكم في الزانين المحصنين بالجلد والتحميم بالفحم، فاقبلوا ذلك وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا قبول ذلك. هذا معنى تعالى في هذه الآية: ﴿وكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ ، وقال تعالى لرسوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ

стр. 633

فِتْنَتَهُ﴾ أي: إضلاله عن الحق لما اقترف ن عظائم الذنوب وكبائر الأثام ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ إذا أراد الله إضلاله، إذاً فلا يحزنك مسارعتهم في الكفر، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ من الحسد والشرك والنفاق لسوابق الشر التي كانت لهم فحالت دون قبول الإيمان ولاحق، ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: ذل وعار، ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ جزاء كفرهم وبغيهم. هذا ما دلت عليه الآية (٤١) ، أما الآية الثانية (٤٢) فقد تضمنت وصف أولئك اليهود بصفة كثرة استماع الكذب مضافاً إليه كثرة أكلهم للسحت، وهو المال الحرام أشد حرمة؛ كالرشوة والربا١، فقال تعالى عنهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ٢ فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ أي: للتحاكم عندك فأنت مخير بين أن تحكم بحكم الله٣. أو تعرض عنهم وتتركهم لأحبارهم يحكمون بينهم كما شاءوا وإن تعرض عنهم فلم تحكم بينهم لن يضروك شيئاً، أي: من الضرر ولو قل، لأن الله تعالى وليك وناصرك، وإن حكمت بينهم فاحكم بينهم بالقسط أي: العدل، لأن الله ﵎ يحب ذلك فافعله لأجله إنه يحب القسط والمقسطين، وقوله تعالى في الآية الثالثة (٤٣) : ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ﴾ . أي: إنه مما يتعجب منه أن يحكموك فتحكم بينهم برجم الزناة، وعندهم التوراة فيها نفس الحكم فرفضوه معرضين عنه اتباعاً لأهوائهم، ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ لا بك ولا بحكمك ولا بحكم التوراة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- استحباب ترك الحزن باجتناب أسبابه ومثيراته. ٢- حرمة سماع الكذب لغير حاجة تدعو إلى ذلك. ٣- حرمة تحريف الكلام وتشويهه للإفساد.

стр. 634

٤- الحاكم المسلم مخير في الحكم بين أهل الكتاب إن شاء حكم بينهم وإن شاء أحالهم على علمائهم. ٥- وجوب العدل في الحكم ولو كان المحكوم عليه غير مسلم. ٦- تقرير كفر١ اليهود وعدم إيمانهم. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ

стр. 635

أَهْلُ الأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) ﴾ شرح الكلمات: ﴿التَّوْرَاةَ﴾ : كتاب موسى ﵇. ﴿هُدىً وَنُورٌ﴾ : الهدى: ما يوصل إلى المقصود، والنور: ما يهدي السائر إلى غرضه. ﴿هَادُوا﴾ : اليهود. ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ : جمع رباني: العالم المربي الحكيم. ﴿وَالأَحْبَارُ١﴾ : جمع حبر: العالم من أهل الكتاب. ﴿وَكَتَبْنَا﴾ : فرضنا عليهم وأوحينا. ﴿قِصَاصٌ﴾ : مساواة. ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ : أتبعناهم بعيسى بن مريم. ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ : الخارجون عن طاعة الله ورسله. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث على بني إسرائيل، إذ قال تعالى مخبراً عما أتى بنى إسرائيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ﴾ هدى من كل ضلالة ونور مبين للأحكام مُخرج من ظلمات الجهل ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ من بني إسرائيل ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ لله قلوبهم ووجوههم فانقادوا لله ظاهراً وباطناً، ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ ٢، ويحكم بها الربانيون من أهل العلم والحكمة من بني إسرائيل ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ بسبب استحفاظ الله تعالى إياهم كتابه التوراة فلا يبدلونه ولا يغيرون فيه، ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ بأحقيته وسلامته من النقص والزيادة بخلافكم أيها اليهود، فقد حرفتم الكلم عن مواضعه وتركتم الحكم به فما لكم؟ فأظهروا الحق من نعت محمد ﷺ والأمر بالإيمان به، ومن ثبوت الرجم وإنفاذه في الزناة ولا تخشوا

стр. 636

الناس في ذلك واخشوا الله تعالى فهو أحق أن يخشى، ولا تشتروا بآيات الله التي هي أحكامه فتعطلوها مقابل ثمن قليل تأخذونه ممن تجاملونهم وتداهنونهم على حساب دين الله وكتابه. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١ فكيف ترضون بالكفر بدل الإيمان. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٤٤) ، أما الآية الثانية (٤٥) : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ٢﴾ فقد أخبر تعالى أنه فرض على بني إسرائيل في التوراة القود في النفس والقصاص في الجراحات؛ فالنفس تقتل بالنفس، العين تفقأ بالعين٣ والأنف يجدع بالأنف، والأذن٤ تقطع بالأذن والسن تكسر إن كسرت٥ بالسن، وتقلع به إن قلع، والجروح٦ بمثلها قصاص ومساواة، وأخبر تعالى: أن من تصدق على الجاني بالعفو عنه وعدم المؤاخذة فإن ذلك يكون كفارة لذنوبه٧، وإن لم يتصدق عليه واقتص منه يكون ذلك كفارة لجنايته بشرط وذلك بأن يقدم نفسه للقصاص تائباً، أي: نادماً على فعله مستغفراً ربه. وقوله تعالى في ختام الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ، وذلك بأن قتل غير القاتل أو قتل بالواحد اثنين أو فقأ بالعين عينين، كما كان بنو النضير يعاملون به قريظة بدعوى الشرف عليهم. هذا ما دلت عليه الآية الثالثة (٤٦) وهي قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ فقد أخبر تعالى أنه أتبع أولئك الأنبياء السابقين من بني إسرائيل عيسى بن مريم ﵇، أي: أرسله بعدهم مباشرة ﴿مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ لم ينكرها أو يتجاهلها، ﴿وَآتَيْنَاهُ الأِنْجِيلَ﴾ ، أي: وأعطيناه الإنجيل وحياً أوحيناه إليه، وهو كتاب مقدس أنزله الله تعالى عليه فيه، أي: في الإنجيل هدى من الضلال ونور لبيان الأحكام من الحلال

стр. 637

والحرام، ﴿وَمُصَدِّقاً﴾ ، أي: الإنجيل لما قبله من التوراة، أي: مقرراً أحكامها مثبتاً لها إلا ما نسخه الله تعالى منها بالإنجيل، ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: يجد فيه أهل التقوى الهداية الكافية للسير في طريقهم إلى الله تعالى والموعظة التامة للاتعاظ بها في الحياة. هذا ما دلت عليه الآية الثالثة، أما الآية (٤٧) وهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ﴾ أي: وقلنا ليحكم أهل الإنجيل، يريد وأمرنا أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه من الأحكام، وأخبرناهم أن من ﴿لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ عن أمره الخارجون عن طاعته وقد يكون الفسق ظلماً وكفراً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب خشية الله بأداء ما أوجب وترك ما حرم. ٢- كفر من جحد أحكام الله فعطلها أو تلاعب بها فحكم بالبعض دون البعض. ٣- وجوب١ القود في النفس والقصاص في الجراحات؛ لأن ما كتب على بني إسرائيل كتب على هذه الأمة. ٤- من الظلم أن يعتدى في القصاص بأن يقتل الواحد اثنان أو يقتل غير القاتل أو يفقأ بالعين الواحدة عينان مثلاً، وهو كفر مع الاستحلال وظلم في نفس الوقت. ٥- مشروعية القصاص في الإنجيل وإلزام أهله بتطبيقه وتقرير فسقهم إن عطلوا تلك الأحكام وهم مؤمنون بها. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا

стр. 638

آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) ﴾ شرح الكلمات: ﴿الْكِتَابَ﴾ : القرآن الكريم. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ : اسم جنس بمعنى الكتب السابقة قبله؛ كالتوراة والإنجيل. ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ : حاكماً عليه، أي: محققاً للحق الذي فيه، مبطلاً للباطل الذي التصق به. ﴿شِرْعَةً١ وَمِنْهَاجاً﴾ : شريعة تعملون بها وسبيلاً تسلكونه لسعادتكم وكمالكم من سنن الهدى. ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ : لا اختلاف بينكم في عقيدة ولا في عبادة ولا قضاء. ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ : أي: بادروا فعل الخيرات ليفوز السابقون. ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ : يضلوك عن الحق. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ : أعرضوا عن قبول الحق الذي دعوتهم إليه وأردت حكمهم به. ﴿حكم الجاهلية﴾ : هو ما عليه أهل الجاهلية من الأحكام القبلية التي لا تقوم على وحي الله تعالى وإنما على الآراء والأهواء. معنى الآيات: لما ذكر تعالى إنزاله التوراة وأن فيها الهدى والنور وذكر الإنجيل وأنه أيضاً فيه الهدى والنور ناسب ذكر القرآن الكريم، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ ، أي: القرآن ﴿بِالْحَقِّ﴾ متلبساً به لا يفارقه الحق والصدق لخلوه من الزيادة والنقصان حال كونه ﴿مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من

стр. 639

الكتب السابقة، ومهيمناً١ عليها حفيظاً حاكماً، فالحق ما أحقه منها والباطل ما أبطله منها. وعليه ﴿فَاحْكُمْ﴾ يا رسولنا بين اليهود والمتحاكمين إليك ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ إليك بقتل القاتل ورجم الزاني لا كما يريد اليهود ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ في ذلك وترك ما جاءك من الحق، واعلم أنا جعلنا لكل أمة شرعة ومنهاجاً، أي: شرعاً وسبيلاً خاصاً يسلكونه في إسعادهم وإكمالهم، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على شريعة واحدة لا تختلف في قضاياها وأحكامها لفعل، ولكن نوع الشرائع فأوجب وأحل ونهى وحرم في شريعة ولم يفعل ذلك في شريعة أخرى من أجل أن يبتليكم فيما أعطاكم وأنزل عليكم ليتبين المطيع من العاصي والمهتدي من الضال، وعليه فهلم ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ٢﴾ أي: بادروا الأعمال الصالحة، وليجتهد كل واحد أن يكن سابقاً، فإن مرجعكم إليه تعالى ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ، ثم يجزيكم الخير بمثله والشر إن شاء كذلك. هذا ما دلت عليه الآية الأولى، أما الآية الثانية (٤٩) فقد أمر الله تعالى فيها رسوله ونهاه وحذره وأعلمه وندد بأعدائه أمره أن يحكم بين من يتحاكمون إليه بما أنزل عليه من القرآن فقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ٣ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ ، ونهاه أن يتبع أهواء اليهود فقال: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ وحذره من أن يتبع بعض آرائهم فيترك بعض ما أنزل عليه ولا يعمل به ويعمل بما اقترحوه عليه فقال: ﴿وَاحْذَرْهُمْ٤ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ وأعلمه أن اليهود إن تولوا، أي: أعرضوا عن قبول حكمه وهو الحكم الحق العادل فإنما يريد الله تعالى أن ينزل بهم عقوبة نتيجة ما قارفوا من الذنوب، وما ارتكبوا من الخطايا فقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ٥ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ . وندد بأعدائه حيث أخبر أن أكثرهم فاسقون، أي: عصاة خارجون عن طاعة الله تعالى ورسله، فقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ . فسلاه بذلك وهون عليه ما قد يجده

стр. 640

من ألم تمرد اليهود والمنافقين وإعراضهم عن الحق الذي جاءهم به ودعاهم إليه. هذا ما دلت عليه الآية الثانية، أما الآية الثالثة (٥٠) فقد أنكر تعالى فيها على اليهود طلبهم حكم أهل الجاهلية حيث لا وحي ولا تشريع إلهي وإنما العادات والأهواء والشهوات معرضين عن حكم الكتاب والسنة حيث العدل والرحمة، فقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ١ يَبْغُون﴾ َ. ثم أخبر تعالى نافياً أن يكون هناك حكم أعدل أو أرحم من حكم الله تعالى للمؤمنين به الموقنين بعدله تعالى ورحمته فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ٢ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ؟. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب الحكم وفي كل القضايا بالكتاب والسنة. ٢- لا يحوز تحكيم أية شريعة أو قانون غير الوحي الإلهي الكتاب والسنة. ٣- التحذير من اتباع أهواء الناس خشية الإضلال عن الحق. ٤- بيان الحكمة من اختلاف الشرائع، وهو الابتلاء. ٥- أكثر المصائب في الدنيا ناتجة عن بعض الذنوب. ٦- حكم الشريعة الإسلامية أحسن الأحكام عدلاً ورحمة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)

стр. 641

وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿آمَنُوا﴾ : صدقوا بالله ورسوله ووعد الله ووعيده. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ : لكم توالونهم بالنصرة والمحبة. ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ : أي: اليهودي ولي أخيه اليهودي، والنصراني ولي أخيه النصراني. ﴿الظَّالِمِينَ﴾ : الذين يوالون أعداء الله ورسوله ويتركون موالاة الله ورسوله والمؤمنين. ﴿مَرَضٌ﴾ : نفاق وشك وشرك. ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ : أي: في البقاء على موالاتهم، أي: موالاة اليهود والنصارى. ﴿دَائِرَةٌ١﴾ : تدور علينا من جدب، أو انتهاء أمر الإسلام. ﴿بِالْفَتْحِ﴾ : نصر المؤمنين على الكافرين والقضاء لهم بذلك؛ كفتح مكة. ﴿جَهْدَ٢ أَيْمَانِهِمْ﴾ : أقصاها وأبلغها. ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ : بطلت وفسدت فلم ينتفعوا منها بشيء؛ لأنها ما كانت لله تعالى. معنى الآيات: ورد في سبب نزول هذه الآية عن عبادة بن الصامت الأنصاري، وعبد الله بن أبي كان لكل منهما حلفاء من يهود المدينة، ولما انتصر رسول الله ﷺ والمؤمنون في بدر اغتاظ اليهود وأعلنوا سوء نياتهم فتبرأ عبادة بن الصامت من حلفائه ورضي بموالاة الله ورسوله والمؤمنين وأبي بن أبي، ذلك وقال بعض ما جاء في هذه الآيات فأنزل الله تعالى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لكم من دون المؤمنين، وقوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ

стр. 642

أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ تعليل لتحريم موالاتهم١، لأن اليهودي ولي لليهودي والنصراني ولي للنصراني على المسلمين فكيف تجوز إذاً موالاتهم، وكيف يصدقون أيضاً فيها فهل من المعقول أن يحبك النصراني ويكره أخاه، وهل ينصرك على أخيه؟ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ أي: أيها المؤمنون ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ٢﴾ . لأنه بحكم موالاتهم سيكون حرباً على الله ورسوله والمؤمنين، وبذلك يصبح منهم قطعاً وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ جملة تعليلية تفيد أن من والى اليهود والنصارى من المؤمنين أصبح مثلهم فيحرم هداية الله تعالى لأن الله لا يهدي القوم الظالمين. والظلم وضع الشيء في غير محله، وهذا الموالي لليهود قد ظلم بوضع الموالاة في غير محلها حيث عادى الله ورسوله والمؤمنين ووالى اليهود والنصارى أعداء الله ورسوله والمؤمنين. هذا ما دلت عليه الآية الأولى، أما الآية الثانية (٥٢) فقد تضمنت بعض ما قال ابن أبي مبرراً موقفه المخزي وهو الإبقاء على موالاته لليهود، إذ قال تعالى لرسوله وهو يخبره بحالهم: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كابن أبي، والمرض مرض النفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: في موالاتهم ولم يقل يسارعون إليهم لأنهم ما خرجوا من دائرة موالاتهم حتى يعودوا إليها بل هم في داخلها يسارعون، يقولون كالمعتذرين ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ من تقلب الأحوال فنجد أنفسنا مع أحلافنا ننتفع بهم. وقوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ وعسى من الله تعبد تحقيق الوقوع، فهي بشرى لرسول الله والمؤمنين بقرب النصر والفتح٣ ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِه٤ فَيُصْبِحُوا﴾ أي: أولئك الموالون لليهود ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من النفاق وبغض المؤمنين وحب الكافرين ﴿نَادِمِينَ﴾ حيث لا ينفعهم ندم. هذا ما تضمنته الآية الثانية، أما الآية الثالثة (٥٣) وهي قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عندما يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده فيه نصرة المؤمنين وهزيمة الكافرين، ويصبح المنافقون نادمين، يقول المؤمنون مشيرين إلى المنافقين: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِالله﴾ أغلظ الإيمان ﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ لأنها لم تكن لله ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ .

стр. 643

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة موالاة اليهود والنصارى١ وسائر الكافرين. ٢- موالاة الكافر على المؤمن تعتبر ردة عن الإسلام. ٣- موالاة الكافرين ناجمة عن ضعف الإيمان، فلذا تؤدى إلى الكفر. ٤- عاقبة النفاق سيئة ونهاية الكفر مريرة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ٢﴾ : أي: يرجع إلى الكفر بعد إيمانه. ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ : أرقاء عليهم رحماء بهم. ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ٣﴾ : أشداء غلاظ عليهم. ﴿لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ : عذل عاذل. ﴿حِزْبَ اللهِ﴾ : أنصار الله تعالى.

стр. 644

معنى الآيات: هذه الآية الكريمة (٥٤) : ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ تضمنت خبراً من أخبار الغيب التي يخبر بها القرآن فتتم طبق ما أخبر به فتكون آية أنه كلام الله حقاً وأن المنزل على رسوله صدقاً، فقد أخبر تعالى أنه من يرتد من المؤمنين سوف يأتي الله بخير منه ممن يحبون الله ويحبهم الله تعالى رحماء بالمؤمنين أشداء على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لوم من يلوم، ولا عتاب من يعتب عليهم. وما إن مات الرسول ﷺ حتى ارتد فئات١ من أجلاف العراف ومنعوا الزكاة وقاتلهم أبو بكر مع الصحابة رضوان الله عليهم حتى أخضعوهم للإسلام وحسن إسلامهم فكان أبو بكر وأصحابه ممن وصف الله تعالى يحبون الله ويحبهم الله يجاهدون في سبيله ولا يخافون لومة لائم، وقد روي بل وصح أن النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية وتلاها ﷺ وأبو موسى الأشعري أمامه فأشار إليه وقال قوم هذا، وفعلاً بعد وفاة الرسول جاء الأشعريون وظهرت الآية وتمت المعجزة وصدق الله العظيم. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ﴾ الإشارة إلى ما أولى٢ أولئك المؤمنين من أبي بكر الصديق والصحابة والأشعريين من تلك الصفات الجليلة من حب الله والرقة والرأفة على المؤمنين والشدة على الكافرين، والجهاد في سبيل الله، وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: واسع الفضل عليم بمن يستحقه. هذا ما دلت عليه الآية الأولى، أما الثانية٣ (٥٥) فقد تضمنت طمأنة الرب تعالى لعباده بن الصامت وعبد الله بن سلام ومن تبرأ من حلف اليهود ووالى الله ورسوله فأخبرهم تعالى أنه هو وليهم ورسوله والذين آمنوا ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ٤﴾ أي: خاشعون متطامنون، وأما ولاية اليهود والنصارى فلا خير لهم فيها وهم منها براء فقصرهم تعالى على ولايته وولاية رسوله والمؤمنين الصادقين، وفي الآية الثالثة أخبرهم تعالى أن من يتول الله ورسوله والذين آمنوا ينصره الله ويكفه ما يهمه، لأنه أصبح من حزب الله، وحزب الله أي أولياؤه وأنصاره هم الغالبون، هذا ما دلت عليه الآية الكريمة وهي قوله

стр. 645

تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ١ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- إخبار القرآن الكريم بالغيب وصدقه في ذلك فكان آية أنه كلام الله. ٢- فضيلة أبي بكر والصحابة والأشعريين قوم أبي موسى الأشعري وهم من أهل اليمن. ٣- فضل حب الله والتواضع للمؤمنين وإظهار العزة على الكافرين، وفضل الجهاد في سبيل الله وقول الحق والثبات عليه وعدم المبالاة بمن يلوم ويعذل في ذلك. ٤- فضيلة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والخشوع والتواضع. ٥- ولاية الله ورسوله والمؤمنين الصادقين توجب لصاحبها النصر والغلبة على أعدائه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ٢ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) ﴾

стр. 646

شرح الكلمات: ﴿هُزُواً وَلَعِباً﴾ : الهزء: ما يُهزأ به ويسخر منه. واللعب: ما يعلب به. ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ : هم اليهود في هذا السياق. ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ : المشركون. ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ : أذنتم بها. ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ : أي: ما تنقمون منا، ومعنى تنقمون هنا تنكرون منا وتعيبون علينا. ﴿مَثُوبَةً﴾ : جزاء. ﴿فَاسِقُونَ﴾ : خارجون عن طاعة الله تعالى بالكفر والمعاصي. ﴿الْقِرَدَةَ﴾ : جمع قرد حيوان معروف مجبول على التقليد والمحاكاة. ﴿وَالْخَنَازِيرَ﴾ : جمع خنزير حيوان خبيث معروف محرم الأكل. ﴿شَرٌّ مَكَاناً﴾ : أي: منزلة يوم القيامة في نار جهنم. معنى الآيات: مازال السياق في تحذير المؤمنين من موالاة اليهود وأعداء الله ورسوله، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ الإسلامي ﴿هُزُواً﴾ شيئاً يهزءون به، ولعباً، أي: شيئاً يلعبون به ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود، والكفار١، وهم المنافقون والمشركون ﴿أولياء﴾ أنصاراً وأحلافاً٢ ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في ذلك، أي: في اتخاذهم أولياء ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ صادقين في إيمانكم فإن حب الله ورسوله والمؤمنين يتنافى معه حب أعداء الله ورسوله والمؤمنين. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٥٧) ، أما الآية الثانية (٥٨) فقد تضمنت إخبار الله تعالى بما يؤكد وجوب معاداة من يتخذ دين المؤمنين هزواً ولعباً وهم أولئك الذين إذا سمعوا الآذان ينادى٣ للصلاة اتخذوه هزواً ولعباً، فهذا يقول ما هذا الصوت وآخر يقول

стр. 647

هذا نهيق حمار، قبح الله قولهم وأقمأهم. فقال تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ١ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ . حقاً إنهم لا يعقلون، فلو كانوا يعقلون الكلام لكان النداء إلى الصلاة من أطيب ما يسمع العقلاء لأنه نداء إلى الطهر والصفاء وإلى الخير والمحبة والألفة، نداء إلى ذكر الله وعبادته، ولكن القوم كما أخبر تعالى عنهم: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ شأنهم شأن البهائم والبهائم أفضل منهم. هذا ما دلت عليه الآية الثانية، أما الآية الثالثة (٥٩) فقد تضمنت تعليم الله تعالى لرسوله أن يقول لأولئك اليهود والكفرة الفجرة: يا أهل الكتاب إنكم بمعاداتكم لنا وحربكم علنيا ما تنقمون منا أي ما تكرهون منا ولا تعيبون علينا إلا إيماننا بالله وما أنزل علينا من هذا القرآن الكريم وما أنزل من قبل من التوراة والإنجيل، وكون أكثركم فاسقين فهل مثل هذا ينكر من صاحبه ويعاب عليه؟ اللهم لا، ولكنكم قوم لا تعقلون، هذا معنى قوله تعالى في هذه الآية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ ، أما الآية الرابعة في هذا السياق (٦٠) فقد تضمنت تعليم الله لرسوله كيف يرد على أولئك اليهود إخوان القردة والخنازير قولهم: لا نعلم ديناً شراً من دينكم، وذلك أنهم سألوا النبي ﷺ : بمن تؤمن؟ فقال: أؤمن بالله وبما أنزل إلينا وما أنزل على موسى وما أنزل على عيسى، فلما قال هذا، قالوا: لا نعلم ديناً شراً من دينكم بغضاً لعيسى ﵇ وكرهاً له، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً﴾ أي: ثواباً وجزاء ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أنه ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ إذ مسخ طائفة منهم قردة، وأخرى خنازير على عهد داود ﵇، وقوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ٢﴾ أي: وجعل منهم من عبد الطاغوت وهو الشيطان، وذلك بطاعته والانقياد لما يجلبه عليه ويزينه له من الشر والفساد، إنه أنتم يا معشر يهود، إنكم لشر مكاناً يوم القيامة وأضل سبيلاً اليوم في هذه الحياة الدنيا.

стр. 648

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة اتخاذ اليهود والنصارى والمشركين أولياء لا سيما أهل الظلم منهم. ٢- سوء أخلاق اليهود وفساد عقولهم. ٣- شعور اليهود بفسقهم وبعد ضلالهم جعلهم يعملون على إضلال المسلمين. ٤- تقرير وجود مسخ في اليهود قردة وخنازير. ٥- اليهود شر الناس مكاناً يوم القيامة, وأضل الناس في هذه الدنيا. ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿يَكْتُمُونَ﴾ : أي: يضمرون في نفوسهم ويخفونه فيها. ﴿فِي الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ : الإثم: كل ضار وفاسد وهو ما حرمه الله تعالى من اعتقاد أو قول أو عمل، والعدوان، والعدوان: الظلم. ﴿السُّحْتَ﴾ : المال الحرام؛ كالرشوة والربا، وما يأخذونه من مال مقابل تحريف الكلم وتأويله. ﴿الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ : الربانيون هنا العباد المربون؛ كمشايخ١ التصوف عندنا. والأحبار: العلماء. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في فضح اليهود وبيان خبثهم زيادة في التنفير من موالاتهم فأخبر

стр. 649

تعالى في الآية الأولى عن منافقيهم فقال: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ١﴾ يريد: غشوكم في مجالسكم، ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ وما آمنوا ولكنهم ينافقون لا غير فقد دخلوا بالكفر٢ في قلوبهم وخرجوا به, ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ من الكفر والكيد لكم. هذا معنى قوله تعالى في الآية الأولى (٦١) ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ ، وأما الآية الثانية (٦٢) فقد أخبر تعالى رسوله أنهم لكثرة ما يرتكبون من الذنوب ويغشون من المعاصي ترى كثيراً منهم٣ يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت علناً لا يستترون به ولا يخفونه ثم ذمهم الله تعالى ذلك وقبح فعلهم فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وفي الآية الأخيرة: أنكر على عبادهم وعلمائهم سكوتهم عن جرائم عوامهم ورضوا بها مصانعة لهم ومداهنة، فقال تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ٤ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ أي: لم لا ينهونهم عن قولهم الإثم، أي: الكذب، وأكلهم السحت. الرشوة والربا، ثم ذم تعالى سكوت العلماء عنهم بقوله: ﴿لَبِئْسَ٥ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أي: وعزتي وجلالي لبئس صنيع هؤلاء من صنيع حيث أصبح السكوت المتعمد لمنافع خاصة يحصلون عليها صنعة لهم أتقنوها وحذقوها. والعياذ بالله. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجود منافقين من اليهود على عهد الرسول ﷺ بالمدينة. ٢- بيان استهتار اليهود وعدم مبالاتهم بارتكابهم الجرائم علانية. ٣- قبح سكوت العلماء على المنكر وإغضائهم على فاعليه، ولذا قال كثير من السلف في هذه الآية أشد آية وأخطرها على العلماء.

стр. 650

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ١﴾ : يريدون أنه تعالى ضيق عليهم الرزق ولم يوسع عليهم. ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ : دعاء عليهم بأن يحرموا الإنفاق في الخير وفيما ينفعهم. ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ : طردوا من رحمة الله بسبب وصفهم الرب تعالى بالبخل. ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ : لا كما قالوا لعنهم الله: يد الله مغلولة، أي: ممسكة عن الإنفاق. ﴿طُغْيَاناً﴾ : تجاوزاً لحد الاعتدال في قولهم الكاذب وعملهم الفاسد. ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ : أي: بين اليهود والنصارى. ﴿أَوْقَدُوا نَاراً﴾ : أي: نار الفتنة والتحريش والإغراء والعداوات للحرب.

стр. 651

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَاب﴾ ِ: اليهود والنصارى. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ : كناية عن بسط الرزق عليهم. ﴿أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ : معتدلة لا غالبة مفرطة، ولا جافية مفرطة. معنى الآيات: يحبر تعالى عن كفر اليهود وجرأتهم على الله تعالى بباطل القول وسيء العمل، فيقول: ﴿وَقَالَتِ١ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ يريدون أنه تعالى أمسك عنهم الرزق وضيقه عليهم، فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ هو دعاء عليهم بأن لا يوفقوا للإنفاق فيما ينفعهم ﴿ولعنوا بما قالوا﴾ . ولعنهم تعالى ولعنهم كل صالح في الأرض والسماء بسبب قولهم الخبيث الفاسد. وأكذبهم تعالى في قولهم ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ كما قال عنه رسوله في الصحيح: "يمين الله سحاء٢ تنفق الليل والنهار" ثم أخبر تعالى نبيه محمداً ﷺ ليسله ويخفف عنه ما يجد في نفسه من جراء كفر اليهود وخبثهم فقال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ﴾ أي: من اليهود ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من الآيات التي تبين خبثهم وتكشف النقاب عن سوء أفعالهم المخزية لهم. ﴿طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ أي: إبعاداً في الظلم والشر وكفراً بتكذيبك وتكذيب ما أنزل إليك وذلك دفعاً للحق ليبرروا باطلهم وما هم عليه من الاعتقاد الفاسد والعمل السيء، ثم أخبر تعالى رسوله بتدبيره فيهم انتقاماً منهم فقال من قائل: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ٣ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: أن العداوة بين اليهود والنصارى لا تنتهي إلى يوم القيامة، ثم أخبر عن اليهود أنهم ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ﴾ وذلك بالتحريش بين الأفراد والجماعات وحتى الشعوب والأمم، وبالإغراء، وقالة السوء، ﴿أَطْفَأَهَا الله﴾ تعالى فلم يفلحوا فيما أرادوه، وقد أذلهم الله على يد رسوله والمؤمنين وأخزاهم وعن دار الإيمان أجلاهم وأخبر تعالى أنهم يسعون دائماً وأبداً في الأرض بالفساد، فلذا أبغضهم الله وغضب عليهم، لأنه تعالى لا يحب المفسدين، هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٦٤) ، أما الآية الثانية (٦٥) وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ من يهود ونصارى ﴿آمَنُوا﴾ بالله ورسوله وبما

стр. 652

جاء من الدين الحق وعملوا به، ﴿وَاتَّقَوْا﴾ الكفر والشرك وكبائر الذنوب الفواحش، لكفر الله عنهم سيئآتهم فلم يؤاخذهم ولم يفضحهم بها ولأدخلهم جنات النعيم. وهذا وعد الله تعالى اليهود والنصارى فلو أنهم آمنوا واتقوا لأنجزه لهم قطعاً. وهو لا يخلف الميعاد. أما الآية الأخيرة (٦٦) في هذا السياق فهي تتضمن وعداً إلهياً آخر وهو أن اليهود والنصارى لو أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ومن ذلك القرآن الكريم، ومعنى أقاموا ذلك آمنوا بالعقائد الصحيحة الواردة في تلك الكتب وعملوا بالشرائع السليمة والآداب الرفيعة والأخلاق الفاضلة التي تضمنتها تلك الكتب لو فعلوا ذلك لبسط الله تعالى عليهم الرزق وأسبغ عليهم النعم ولأصبحوا في خيرات وبركات تحوطهم من كل جانب هذا ما وعدهم الله به. ثم أخبر تعالى عن واقعهم المرير فقال: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ لم تغل ولم تحف فلم تقل في عيسى أنه ابن الله ولا هو ابن زنى، ولكن قالت عبد الله ورسوله، ولذا لما جاء النبي الأمي بشارة عيسى١ ﵇ آمنوا به وصدقوا بما جاء به من الهدى والدين الحق وهم عبد الله بن سلام وبعض اليهود، والنجاشي من النصارى وخلق كثير لا يحصون عداً. وكثير من أهل الكتاب ساء٢، أي: قبح ما يعلمون من أعمال الكفر والشرك والشر والفساد. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- أقبح وصف الله تعالى بما لا يليق بجلاله وكماله. ٢- ثبوت صفة اليدين لله تعالى ووجوب الإيمان بها على مراد الله تعالى، وعلى ما يليق بجلاله وكماله. ٣- تقرير ما هو موجود بين اليهود والنصارى من عداوة وبغضاء٣ وهو من تدبير الله تعالى. ٤- سعى اليهود الدائم في الفساد في الأرض فقد ضربوا البشرية بالذهب المادي الإلحادي الشيوعي، وضربوها أيضاً بالإباحة ومكائد الماسونية.

стр. 653

٥- وعد الله لأهل الكتاب على ما كانوا عليه لو آمنوا واتقوا لأدخلهم الجنة. ٦- وعده تعالى لأهل الكتاب ببسط الرزق وسعته لو أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، أي: لو أنهم أخذوا بما في التوراة والإنجيل من دعوتهم إلى الإيمان بالنبي الأمي والدخول في الإسلام لحصل لهم ذلك كما حصل للمسلمين طيلة ثلاثة قرون وزيادة. وما زال العرض كما هو١ لكل الأمم والشعوب أيضاً. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) ﴾ شرح الكلمات: ﴿الرَّسُولُ﴾ : ذكر من بني آدم أوحي إليه شرع وأمر بتبليغه وهو هنا محمد ﷺ . ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ٢﴾ : من التوحيد والشرائع والأحكام. ﴿يَعْصِمُكَ﴾ : يحفظك حفظاً لا يصل إليك معه أحد بسوء.

стр. 654

﴿فَلا تَأْسَ﴾ : لا تأسف ولا تحزن. ﴿هَادُوا﴾ : اليهود. ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ : جمع صابئ، وهم فرقة من أهل الكتاب. معنى الآيات: في الآية الأولى (٦٧) ينادي الرب ﵎ رسوله معظماً له بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ المبجل ليأمره بإبلاغ ما أوحاه إليه من العقائد والشرائع والأحكام فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ . ويقول له: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أي: إن قصرت في شيء لم تبلغه لأي اعتبار من الاعتبارات ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أي: فكأنك لم تبلغ١ شيئاً، وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ٢ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: يمنعك من أن يمسوك بشيء من الأذى، ولذا فلا عذر لك في ترك إبلاغ أي شيء سواء كان مما يتعلق بأهل الكتاب أو بغيرهم، ولذا فلم يكتم رسول الله شيئاَ مما أمر بإبلاغه البتة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ تقرير لوعده تعالى بعصمة رسوله ﷺ ، إذ هو تعالى لا يوفق الكافرين لما يريدون ويرغبون فيه من أذية رسوله ﷺ ، ولما نزلت هذه الآية قال ﷺ : " لا تحرسوني فإن الله قد عصمني" هذا ما دلت عليه الآية الأولى، أما الآية الثانية (٦٨) وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ ٣ رَبِّكُمْ﴾ لقد تقدم هذا السياق وأعيد هنا تقريراً له وتأكيداً وهو إعلام من الله تعالى أن اليهود والنصارى ليسوا على شيء من الدين الحق ولا من ولاية الله تعالى حتى يقيموا ما أمروا به وما نهوا عنه وما انتدبوا إليه من الخيرات والصالحات مما جاء في التوراة والإنجيل والقرآن أيضاً. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ هذا إخبار من الله تعالى لرسوله ﷺ بأن كثيراً من اليهود والنصارى يزيدهم ما يوحي الله تعالى إلى رسوله وما ينزله عليه في كتابه من أخبار

стр. 655

أهل الكتاب مما هو بيان لذنوبهم وضلالهم. ومما هو أمر لهم بالإيمان بالنبي الأمي واتباعه على الدين الحق الذي ارسل به يزيدهم ذلك طغياناً، أي: علواً وعتواً وكفراً فوق كفرهم. ولذا فلا تأس، أي: لا تحزن١ على عدم إيمانهم بك وبما جئت به لأنهم قوم كافرون. أما الآية الثالثة (٦٩) وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ٢ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ٣ وَالنَّصَارَى﴾ فالذين آمنوا هم المسلمون، واليهود والنصارى والصابئون وهم فرقة منهم هم أهل الكتاب فجميع هذه الطوائف من آمن منهم الإيمان الحق بالله وباليوم الآخر وأتى بلازم الإيمان وهو التقوى وهي ترك الشرك والمعاصي أفعالاً وتروكاً فلا خوف عليه في الدنيا ولا في البرزخ ولا يوم القيامة ولا حزن يلحقه في الحيوات الثلاث وعد الله حقاً ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ !. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب البلاغ على الرسل ونهوض رسولنا محمد ﷺ بهذا الواجب على أكمل وجه وأتمه. ٢- عصمة الرسول المطلقة. ٣- كفر أهل الكتاب إلا من آمن منهم بالنبي محمد ﷺ واتبع ما جاء به من الدين الحق. ٤- أهل العناد والمكابرة لا تزيدهم الأدلة والبراهين إلا عتواً ونفوراً وطغياناً وكفراً. ٥- العبرة بالإيمان والعمل الصالح وترك الشرك والمعاصي لا بالإنتساب إلى دين من الأديان. ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا

стр. 656

لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) ﴾ شرح الكلمات: الميثاق: العهد المؤكد باليمين. ﴿بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ﴾ : بما لا يحبونه ولا تميل إليه أنفسهم المريضة. ﴿فَرِيقاً كَذَّبُوا﴾ : أي: كذبوا طائفة من الرسل وقتلوا طائفة أخرى. ﴿أَلا١ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ : أي: أن لا يبتلوا بذنوبهم بالشدائد والمحن. ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ : عموا عن العبر، وصموا عن سماع المواعظ. ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ﴾ : أي: يشرك بالله غيره تعالى من سائر الكائنات فيعبده مع الله بأي نوع من أنواع العبادات. ﴿حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ : حكم بمنعه من دخولها أبداً إلا أن يتوب من الشرك. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن أهل الكتاب فقد أقسم تعالى على أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل، وذلك في التوراة بأن يعبدوا الله وحده بما شرع لهم فيطيعوه في أمره ونهيه وأرسل

стр. 657

إليهم رسله١ تترا كلما جاءهم٢ رسول بما لا يوافق أهواءهم٣ كذبوه فيما جاءهم به ودعاهم إليه. أو قتلوه. وحسبوا أن لا يؤاخذوا بذنوبهم فعموا عن الحق صموا عن سماع المواعظ فابتلاهم ربهم وسلط عليهم من سامهم سوء العذاب، ثم تاب الله عليهم فتابوا واستقام أمرهم وصلحت أحوالهم ثم عموا وصموا مرة أخرى إلا قليلاً منهم فسلط عليهم من سامهم٤ سوء العذاب أيضاً، وهاهم أولاء في عمى وصمم والله بصير بما يعملون وسوف ينزل بهم بأساه إن لم يتوبوا فيؤمنوا بالله ورسوله ويدينوا بالدين الحق الذي هو الإسلام. هذا ما تضمنته الآيتان الأولى والثانية (٧٠-٧١) ، أما الآية الثالثة (٧٢) وهو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ٥ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ٦ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فقد أخبر تعالى مقرراً حكمه بالكفر على من افترى عليه وعلى رسوله فادعى أن الله ﷻ وعظم سلطانه هو المسيح بن مريم تعالى الله أن يكون عبداً من عباده، وحاشا عيسى عبد الله ورسوله أن يرضى أن يقال له أنت الله. وكيف وهو القائل: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ فهل مثل هذا القول يصدر عمن يدعي أنه الله أو ابن الله؟ سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان تاريخ بني إسرائيل، والكشف عن مختبئات جرائمهم من الكفر والقتل. ٢- إكرام الله تعالى لبني إسرائيل ولطفه بهم مع تمردهم عليه ورفض ميثاقه وقتل أنبيائه وتكذيبهم، والمكر بهم.

стр. 658

٣- تقرير كفر النصارى بقولهم المسيح هو الله. ٤- تقرير عبودية عيسى ﵇ لربه تعالى. ٥- تحريم الجنة على من لقي ربه وهو يشرك به سواه. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿ثَالِثُ ثَلاثَةٍ١﴾ : الثلاثة: هي الأب والابن وروح القدس: وكلها إله واحد. ﴿خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ : مضت قبله رسل كثيرون. ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ : أي: مريم كانت صديقة كثيرة الصدق في قولها وعملها. ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ : أي: كيف يصرفون عن الحق وقد ظهر واضحاً. معنى الآيات مازال السياق في بيان كفر النصارى، ففي السياق الأول ورد كفر من قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، وفي هذا السياق كفر من قالوا إن الله ثالث ثلاثة، إذ قال تعالى في هذه

стр. 659

الآية (٧٣) ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ يعنون الأب والابن وروح القدس، وبعضهم يقول الأب والابن والأم، والثلاثة إله واحد فأكذبهم تعالى في قيلهم هذا، فقال رداً باطلهم، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: وليس الأمر كما يكذبون، وإنما الله إله واحد، وأما جبريل فأحد ملائكته، وعيسى عبده ورسوله، ومريم أمته، فالكل عبد الله وحده الذي لا إله غيره ولا رب سواه. ثم قال تعالى متوعداً هؤلاء الكفرة الكذبة: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا١ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، فأقسم تعالى أنهم إن لم ينتهوا عن قولهم الباطل وهو كفر ليمسنهم عذاب أليم موجع غاية الإيجاع. ثم لكمال رحمته دعاهم في الآية الثانية (٧٤) إلى التوبة ليتوب عليهم ويغفر لهم وهو الغفور الرحيم، فقال : ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ﴾ بترك هذا الكفر والباطل ويستغفرون الله منه، والله غفور للتائبين رحيم بالمؤمنين، وفي الآية الثالثة (٧٥) أخبر تعالى معلماً رسوله الاحتجاج على باطل النصارى، فقال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ٢﴾ فلم يكن رباً ولا إلهاً وإنما هو رسول مفضل قد خلت من قبله رسل مفضلون كثيرون وأمه مريم لم تكن أيضاً إلهاً كما يزعمون، وإنما هي امرأة من نساء بني إسرائيل صديقة٣ كثيرة الصدق في حياتها لا تعرف الكذب ولا الباطل وأنها وولدها عيسى ﵉ بشران كسائر البشر يدل على ذلك أنهما يأكلان الطعام٤ احتياجاً إليه لأن بنيتهما لا تقوم إلا عليه فهل أكل الطعام افتقاراً إليه، ثم يفرز فضلاته، يصلح أن يكون إلهاً. اللهم لا. وهنا قال لرسوله ﷺ : انظر يا رسولنا كيف نبين لهم الآيات الدالة بوضوح على بطلان كفرهم، ثم انظر كيف يؤفكون٥ عن الحق، أي: كيف يصرفون عنه وهو واضح بين. وفي الآية الأخيرة (٧٦) أمر رسوله أن يقول لأولئك المأفوكين عن الحق المصروفين عن دلائله لا ينظرون فيها أمره أن يقول لهم موبخاً لهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ

стр. 660

اللهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ وهو عيسى وأمه، وتتركون عبادة من يملك ذلك، وهو الله السميع العليم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- إبطال التثليث في عقيدة النصارى وتقرير التوحيد. ٢- إبراء عيسى ووالدته ﵉ من دعوى الألوهية للناس. ٣- فتح باب التوبة في وجه النصارى لو أنهم يتوبون. ٤- تقرير بشرية عيسى ومريم ﵉ بدليل احتياجهما إلى الطعام بنيتهما، ومن كان مفتقراً لا تصح ألوهيته عقلاً وشرعاً. ٥- ذم كل من يعبد غير الله إذ كل الخلائق مفتقرة لا تملك لنفسها ولا لعابدها ضراً ولا نفعاً، لا تسمع دعاء من يدعوها، ولا تعلم عن حاله شيئاً، والله وحده السميع لأقوال كل عباده العليم بسائر أحوالهم وأعمالهم، فهو المعبود بحق وما عداه باطل. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)

стр. 661

وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ١﴾ : الغلو: الإفراط في الشيء ومجاوزة الحد فيه، فمثلاً أمرنا بغسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين فغسلهما إلى الكتفين غلو، أمرنا بتعظيم الرسول ﷺ فدعاؤه غلو في الدين. ﴿أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا﴾ : جمع هوى، وصاحب الهوى هو الذي يعتقد ويقول ويعمل بما يهواه لا بما قامت به الحجة وأقره الدليل من دين الله تعالى. ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيراً﴾ : أي: أضلوا عدداً كثيراً من الناس بأهوائهم وأباطيلهم. ﴿عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ٢﴾ : سواء السبيل: وسط الطريق العدل لا ميل فيه إلى يمين ولا إلى يسار. ﴿لُعِنَ﴾ : دعى عليهم باللعنة التي هي الإبعاد من الخير والرحمة وموجباتها. ﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ : أي: بسبب عصيانهم لرسلهم، واعتدائهم في دينهم. ﴿لا يَتَنَاهَوْنَ﴾ : أي: لا نهي بعضهم بعضاً عن ترك المنكر. ﴿لَبِئْسَ٣ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ : قبح عملهم من عمل وهو تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ : يوادونهم ويتعاونون معهم دن المؤمنين. ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ﴾ : أي: لو كانوا صادقين في إيمانهم بالله والنبي محمد ﷺ ما اتخذوا المشركين في مكة والمدينة من المنافقين أولياء. معنى الآيات: مازال السياق في الحديث عن أهل الكتاب يهوداً ونصارى فقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا رسولنا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ، والمراد بهم هنا النصاري: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ

стр. 662

غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ، أي: لا تتشددوا في غير ما هو حق شرعه الله تعالى لكم، فتبتدعون البدع وتتغالوا في التمسك بها والدفاع عنها، التشدد محمود في الحق الذي أمر الله به اعتقاداً وقولاً وعملاً لا في المحدثات الباطلة، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وهم اليهود، إذ قالوا في عيسى وأمه بأهوائهم فقالوا في عيسى ساحر، وقالوا في أمه بغي وأضلوا كثيراً من الناس بأهوائهم المتولدة عن شهواتهم، وضلوا، أي: وهم اليوم ضالون بعيدون عن جادة الحق والعدل في عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم. هذا ما تضمنته الآية الأولى (٧٧) ، أما الآيات بعد فقد أخبر تعالى في الآية الثانية أن بني إسرائيل لعن منهم الذين كفروا على لسان كل من داود في الزبور، وعلى لسان عيسى بن مريم في الإنجيل وعلى لسان محمد ﷺ في القرآن فقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ١ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ﴾ . فقد مسخ منهم طائفة قردة، ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ حيث مسخ منهم خنازير كما لعنوا على لسان محمد ﷺ في غير آية من القرآن الكريم، وهذا اللعن هو إبعاد من كل خير ورحمة ومن موجبات ذلك في الدنيا والآخرة سببه ما ذكر تعالى بقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ . أي: بسبب عصيانهم لله تعالى ورسله بترك الواجبات وفعل المحرمات، واعتدائهم في الدين بالغلو والابتداع، وبقتل الأنبياء والصالحين منهم: وأخبر تعالى في الآية الثالثة بذكر نوع عصيانهم واعتدائهم الذي لعنوا بسببه فقال: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ٢ فَعَلُوهُ﴾ . أي: كانوا عندما استوجبوا اللعن يفعلون المنكر العظيم ولا ينهى بعضهم بعضاً كما أخبر النبي ﷺ في قوله: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده". فلما فعلوا ذلك ضرب الله على قلوبهم بعضهم ببعض ثم قال ﷺ : "لعن الذين كفروا –إلى قوله- فاسقون". ثم قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ثم لتأخذن على ليد الظالم ولتأطرنه (تعطفنه) على الحق أطرأ ولتقسرنه على الحق قسراً أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما لعنهم٣" وفي آخر الآية قبح الله تعالى

стр. 663

عملهم فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ثم قال لرسوله ﷺ : ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ﴾ ، أي: اليهود في المدينة يتولون الذين كفروا يعني من المشركين والمنافقين في مكة والمدينة يصاحبونهم ويوادونهم وينصرونهم وهم يعلمون أنهم كفار تحرم موالاتهم في دينهم وكتابهم، ثم قبح تعالى عملهم فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ نتيجة ما حملتهم عليه من الشر والكفر والفساد، وهو سخط الله تعالى عليهم وخلودهم في العذاب من موتهم إلى مالا نهاية له فقال تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ١ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ لا يخرجون منه أبداً. ثم زاد تعالى تقرير كفرهم وباطلهم وشرهم وفسادهم فقال: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ كما يجب الإيمان به وبالنبي محمد وبما جاء به من الهدى ودين الحق وما أنزل إليه من القرآن والآيات البينات ما اتخذوا الكفار المشركين والمنافقين أولياء، ولكن علة ذلك أنهم فاسقون إلا قليلاً منهم، والفاسق عن أمر الله الخارج عن طاعته لا يقف في الفساد عند حد أبداً، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ٢ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ٣﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة الغلو والابتداع في الدين، واتباع أهل الأهواء. ٢- العصيان والاعتداء ينتجان لصاحبهما الحرمان والخسران. ٣- حرمة السكوت عن المنكر ووخامة عاقبته على المجتمع. ٤- حرمة موالاة أهل الكفر والشر والفساد. ٥- موالاة أهل الكفر بالمودة والنصرة دون المؤمنين آية الكفر وعلامته في صاحبه.

стр. 664

المجلد الثاني تابع سورة المائدة الجُزء السابع * لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦) شرح الكلمات: عداوة١: العداوة: بغض نفسي تجعل صاحبها بعيداً ممن يعاديه فلا يصله بخير، ولا يقربه بمودة، وقد تحمله على إرادة الشر بالعدو. مودة: المودة: حب نفسي يجعل صاحبه يتقرب إلى من يوده بالخير ودفع الشر. قسيسين: جمع قسيس: وهو الرئيس الديني لعلمه عند النصارى. ورهباناً: الرهبان: جمع راهب: مشتق من الرهبة وهو الرجل في النصارى يتبتل وينقطع للعبادة في دير أو صومعة. ما أنزل إلى الرسول: الرسول محمد ﷺ ومما أنزل إليه آيات القرآن الكريم الدالة على تشريف عيسى ووالدته مريم ﵉، وأن عيسى عبد الله

стр. 665

الشاهدين: جمع شاهد: من شهد لله بالوحدانية وللنبي محمد بالرسالة واستقام على ذلك. الصالحين: جمع صالح: وهو من أدّى حقوق الله تعالى كاملة من الإيمان به وشكره على نعمه بطاعته، وأدّى حقوق الناس كاملة من الإحسان إليهم، وكف الأذى عنهم. فأثابهم الله بما قالوا: جزاهم بما قالوا من الإيمان ووُفِّقوا له من العمل جنات تجري من تحتها الأنهار. معنى الآيات: يخبر تعالى رسوله محمداً ﷺ بعداوة كل من اليهود والمشركين للمؤمنين وأنهم أشد عداوة من غيرهم، فيقول ﴿لتجدن١ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ أما اليهود فلما توارثوه خَلفاً عن سلف من إنكار الحق. والوقوف في وجه دعاته، إضافة إلى أن أملهم في إعادة مجدهم ودولتهم يتعارض مع الدعوة الإسلامية وأما المشركون فلجهلهم وإسرافهم في المحرمات وما ألفوه لطول العهد من الخرافات والشرك والضلالات. كما أخبر تعالى أن النصارى هم أقرب مودة للذين آمنوا فقال: ﴿ولتجدن أقربهم٢ مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ وعلل تعالى لهذا القرب من المودة بقوله: ﴿ذلك ... ﴾ أي كان ذلك بسبب أن منهم قسِّيسين٣ ورهباناً فالقسيسون علماء بالكتاب رؤساء دينّيون غالباً ما يؤثرون العدل والرحمة والخير على الظلم والقسوة والشر والرهبان لانقطاعهم عن الدنيا وعدم رغبتهم فيها ويدل عليه قوله: ﴿وأنهم لا يستكبرون﴾ عن الحق وقبوله والقول به ولذا لما عمت المادية المجتمعات النصرانّية، وانتشر فيها الإلحاد والإباحية قلّت تلك المودة للمؤمنين إن لم تكن قد انقطعت. أما توله تعالى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم

стр. 666

تفيض١ من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾ فالمعنيُّ بها من أسلم من النصارى بمجرد أن تُلي عليهم القرآن وسمعوه كأصحمة النجاشى وجماعة كثيرة ومعنى قولهم ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ أنهم بعد ما سمعوا القرآن تأثروا به فبكوا من أجل ما عرفوا من الحق وسألوا الله تعالى أن يكتبهم مع الشاهدين ليكونوا معهم في الجنة، والشاهدون هم الذين شهدوا لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، وأطاعوا الله ورسوله من هذه الأمة وقولهم: (ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا٢ مع القوم الصالحين﴾ فإن معناه: أي شيء يمنعنا من الإيمان بالله رباً وإلهاً واحداً لا شريك له ولا ولد ولا والد. وبما جاء من الحق في توحيده تعالى ونبّوة رسوله محمد ﷺ ، ومن الطمع في أن يدخلنا ربنا الجنة مع الصالحين من هذه الأمة. ولما قالوا هذا أخبرهم تعالى أنه أثابهم به ﴿جنات٣ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾ ، وأخبر تعالى أن ذلك الجزاء الذي جزاهم به هو ﴿جزاء المحسنين﴾ وهم الذين أحسنوا القول والعمل مع سلامة عقائدهم، وطهارة أرواحهم حيث لم يتلوثوا بالشرك والمعاصي ثم أخبر تعالى بأن الذين كفروا٤ بالله إلهاً واحداً وبرسوله نبياً ورسولاً، وكذبوا بآياته القرآنية أولئك البعداء هم أصحاب٥ الجحيم الذين لا يفارقونها أبداً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- عظم عداوة اليهود والمشركين للإسلام والمسلمين. ٢- قرب النصارى الصادقين في نصرانيتهم من المسلمين. ٣- فضيلة التواضع، وقبح الكبر.

стр. 667

٤- فضل هذه الأمة وكرامتها على الأمم قبلها. ٥- فضل الكتابي إذا أسلم. وحسن إسلامه. ٦- بيان مصير الكافرين والمكذبين وهو خلودهم في نار جهنم. ٧- استعمال القرآن أسلوب الترغيب والترهيب بذكره الوعيد بعد الوعد. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) شرح الكلمات: لا تحرموا: التحريم: المنع أي لا تمتنعوا. مما أحل الله لكم: أي ما أباحه لكم وأذن لكم فيه من نكاح وطعام وشراب. حلالاً طيباً: مباحاً غير مستقذر ولا مستخبث. لا يؤاخذكم الله باللغو: لا يعاقبكم الله باللغو الذي هو ما كان بغير قصد اليمين. عقدتم الأيمان: عزمتم عليها بقلوبكم بأن تفعلوا أو لا تفعلوا. من أوسط: أغلبه ولا هو من أعلاه، ولا هو من أدناه. أهليكم: من زوجة وولد.

стр. 668

تحرير رقبة: عتقها من الرق القائم بها. يبين الله لكم آياته: المتضمنة لأحكام دينه من واجب وحلال وحرام. معنى الآيات: الآيتان الأولى (٨٧) والثانية (٨٨) نزلتا في بعض١ الصحابة منهم عبد الله بن مسعود وعثمان بن مظعون وغيرهما كانوا قد حضروا موعظة وعظهم إياها رسول الله ﷺ فزهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة. وعزموا على التبتل والانقطاع عن الدنيا فأتوا أم المؤمنين عائشة ﵂ وسألوها عن صلاة رسول الله ﷺ وقيامه فكأنهم تقالّوا ذلك فقال أحدهم: أنا لا آتي النساء، وقال آخر: أنا أصوم لا أفطر الدهر كله وقال آخر: أنا أقوم فلا أنام، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخطب الناس، وقال: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وإني وأنا رسول الله لآكل اللحم، وأصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" ونزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات٢ ما أحل الله لكم﴾ من طعام وشراب ونساء، ﴿ولا تعتدوا﴾ بمجاوزة٣ ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم فإن الله تعالى ربكم ﴿لا يحب المعتدين﴾ ﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً﴾ أما الحرام فلا يكون رزقاً لكم، ﴿واتقوا الله﴾ أي خافوه بترك الغلوّ والتنطع المفضى بكم إلى الترهب ولا رهبانية في الإسلام. ﴿الذي أنتم به مؤمنون﴾ أي رباً يشرع فيحلل ويحرم، وإلهاً يطاع ويعبد، هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية أما الآية الثالثة وهي قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ فقد نزلت لما قال أولئك الرهط من أصحاب الرسول ﷺ : "لقد حلفنا على ما عزمنا عليه من التبتل فماذا نصنع بأيماننا" فبين لهم تعالى ما يجب عليهم في أيمانهم لما حنثوا فيها بعدولهم عما حلفوا عليه فقال: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ وهو ما لا قصد للحلف فيه وإنما جرى لفظ اليمين على اللسان فقط نحو: لا والله أو بلى والله، ومثله أن

стр. 669

يحلف على الشيء يظنه كذا فيظهر على خلاف ما ظن، ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ أي قصدتموها عازمين١ عليها، فمن حنث بعد الحلف فالواجب في حقه خروجاً من الإثم كفَّارة وهي ﴿إطعام عشرة مساكين﴾ لكل مسكين نصف صاع أي مدَّان٢ من أعدل ﴿ما تطعمون أهليكم﴾ ما هو بالأجود الغالي، ولا بالأردأ الرخيص، ﴿أو كسوتهم﴾ كقميص وعمامة، أو إزار ورداء، ﴿أو تحرير رقبة﴾ أي عتق رقبة مؤمنة ذكراً كان أو أنثى صغيرة أو كبيرة فهذه الثلاثة المؤمن مخيّر في التكفير بأيها شاء، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام مفرقة أو متتابعة كما شاء هذا معنى قوله تعالى ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ ، وقوله ﴿ذلك كفارة أيمانكم﴾ أي هذا الذي بين لكم هو ما تكفِّرون به ما علق بنفوسكم من إثم الحنث. وقوله ﴿واحفظوا أيمانكم٣﴾ أي لا تكثروا الحلف فتحنثوا فتأثموا فتجب عليكم الكفارة لذلك. وقوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون﴾ معناه مثل هذا التبيين الذي بينه لكم في مسألة الحنث في اليمين والكفارة له يبين لكم آياته المتضمنة لشرائعه وأعلام دينه ليعدكم بذلك لشكره بطاعته بفعل ما يأمركم به وترك ما ينهاكم عنه، فله الحمد والمنة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة تحريم ما أباح الله، كحرمة تحليل ما حرم الله . ٢- بيان مدى حرص الصحابة على طاعة الله خوفاً من عقابه وطمعاً في إنعامه. ٣- حرمة الغلو في الدين والتنطع فيه. ٤- بيان كفارة اليمين بالتفصيل.

стр. 670

٥-كراهة الإكثار من الحلف. وحرمة الحلف١ بغير الله تعالى مطلقاً. ٦- استحباب حنث من٢ حلف على ترك مندوب أو فعل مكروه، وتكفيره على ذلك أما إذا حلف أن يترك واجباً أو يأتي محرماً فإن حنثه واجب وعيه الكفارة. ٧- الأيمان ثلاثة٣: لغو: يمين لا كفارة لها إذ لا إثم فيها، الغموس٤: وهي أن يحلف متعمداً الكذب ولا كفارة لها إلا التوبة، اليمين المكفَّرة: وهي التي يتعمد فيها المؤمن الحلف ويقصده ليفعل أو لا يفعل ثم يحنث فهذه التي ذكر تعالى كفارتها وبينها. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)
следующие страницы →