← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

إرساله وأن لا يأكل منه الجارح، ويجوز أكل ما صيد برصاص أو بآلة حادة١ بشرط ذكر اسم الله عند رميه ولو وجد ميتاً فلم يذك. ٣- إباحة طعام وذبائح أهل الكتاب. ٤- إباحة نكاح الكتابيات بشرط أن تكون حرة٢ عفيفة، وأن يعقد عليها العقد الشرعي وهو القائم على الولي والشهود والمهر، والصيغة بأن يقول الخاطب لمن يخطبه من ولي ووكيل: زوجني فلانة. فيقول له: قد زوجتكها. ٥- حرمة نكاح المتعة ونكاح الخلة والصحبة الخاصة. ٦- المعاصي قد تقود إلى الكفر. ٧- المرتد عن الإسلام يحبط عمله فلو راجع الإسلام لا يثاب على ما فعله قبل الردة وإن مات قبل العودة إلى الإسلام خسر نفسه وأهله يوم القيامة وذلك هو الخسران المبين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)

стр. 597

وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) ﴾ شرح الكلمات: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ: أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون١، أي: على غير وضوء. فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ: أي: بعد غسل الكفين ثلاثاً، والمضمضة والاستنشاق والاستنثار ثلاثاً ثلاثاً لبيان رسول٢ الله ﷺ ذلك. وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ: أي: واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين إلا أن يكون عليها خف ساتر فإنه يجوز المسح عليه دون حاجة إلى نزعه وغسل الرجلين، وذلك إن لبسه بعد وضوء ولم يمض على لبسه أكثر من يوم وليلة إن كان مقيماً، أو ثلاثة أيام إن كان مسافراً بهذا جاءت السنة٣. وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً: الجنب: من قامت به جنابة، وهي شيئان: غياب رأس الذكر في الفرج، وخروج المني بلذة في نوم أو يقظة. فَاطَّهَّرُوا: يعني: فاغتسلوا، والغسل: هو غسل سائر الجسد بالماء. الْغَائِطِ: كناية عن الخارج من أحد السبيلين من عذرة أو فساء أو ضراط، أو بول أو مذي. أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ: ملامسة النساء كناية عن الجماع، كما أن من لامس امرأة ليلتذذ بها

стр. 598

أو لامسها لغير قصد اللذة ووجد اللذة فقد انتقض وضوءه، ومن هذا مس الفرج باليد لأنه مظنة اللذة، لذا قال الرسول ﷺ : "من أفضى منكم بيده إلى فرجه فليتوضأ". ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً﴾ : اقصدوا تراباً أو حجراً أو رملاً أو سبخة مما صعد على وجه الأرض. الحرج: المشقة والعسر والضيق. ﴿وَمِيثَاقَهُ﴾ : أي: ميثاق الله تعالى، وهو عهده المؤكد، والمراد به هنا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إذ بها وجب الالتزام بسائر التكاليف الشرعية. معنى الآيتين: نادى الرب تعالى عباده المؤمنين به وبرسوله ووعده ووعيده ليأمرهم بالطهارة، إذا هم أرادوا الصلاة، وهي مناجاة العبد لربه لحديث المصلى يناجي١.٢ ربه، وبين لهم الطهارة الصغرى منها وهي الوضوء، والكبرى وهي الغسل، وبين لهم ما ينوب عنها إذا تعذر وجود الماء الذي به الطهارة أو عجزوا عن استعماله، وهو التيمم فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وحدُ الوجه طولاً من منبت الشعر أعلى الجبهة إلى منتهى الذقن أسفل الوجه وحده عرضاً من وتد الأذن اليمنى إلى وتد الأذن اليسرى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فيشمل الغسل الكفين والذراعين إلى بداية العضدين، فيدخل في الغسل المرفقان ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ واللفظ محتمل للكل والبعض، والسنة بينت أن الماسح يقبل بيديه ويدبر بهما فيمسح جميع رأسه، وهو أكمل وذلك ببلل يكون في كفيه، كما بينت السنة مسح الأذنين ظاهراً وباطناً بعد مسح الرأس ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ، أي: واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، وهما العظمان النائتان عند بداية الساق، وبينت السنة رخصة المسح٣ على الخفين بدلاً من غسل الرجلين، كما بينت غسل الكفين والمضمضة والاستنشاق والاستنثار، وكون

стр. 599

الغسل ثلاثاً ثلاثاً على وجه الاستحباب، وقول بسم الله عند الشروع، أي: البدء في الوضوء. كما بينت السنة وجوب الترتيب بين الأعضاء المغسولة الأول فالأول، ووجوب الفور بحيث لا يفصل بزمن بين أعضاء الوضوء حال غسلها بل يفعلها في وقت واحد إن أمكن ذلك وأكدت وجوب النية حتى لكأنه شرط في صحة الوضوء١. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ٢﴾ أي: وإن أصابت أحدكم جنابة وهي الجماع والاحتلام فمن جامع زوجته فأولج ذكره في فرجها ولو لم ينزل، أي: لم يخرج منه المني فقد أجنب، كما أن من احتلم فخرج منه مني فقد أجنب بل كل من خرج منه مني بلذة في نوم أو يقظة فقد أجنب وانقطاع دم حيض المرأة، ودم نفاسها؛ كالجنابة يجب منه الغسل، وقوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ يريد فاغتسلوا وقد بينت السنة كيفية الغسل وهي: أن ينوي المرء رفع الحدث الأكبر بقلبه ويغسل كفيه قائلاً: بسم الله ويغسل فرجه وا حولهما، ثم يتوضأ الوضوء الأصغر المعروف، ثم يخلل أصول شعر رأسه ببلل يديه، ثم يغسل رأسه٣ ثلاث مرات، ثم يقبض الماء على شق جسده الأيمن كله من أعلاه إلى أسفله، ثم الأيسر، ويتعاهد الأماكن التي قد ينبو عنها الماء فلا يمسها؛ كالسرة وتحت الإبطين، والرفقين وهما أصل الفخذين، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ذكر تعالى في هذه الجملة الكريمة نواقض الوضوء وموجب الانتقال منه إلى التيمم فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ ، فالمريض قد يعجز عن الوضوء لضعف جسمه بعدم القدرة على التحرك، وقد تكون به جراحات أو دماميل يتعذر معها استعمال الماء حيث يزداد المرض بمس الماء، وقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إذ السفر مظنة عدم وجود الماء هذه موجبات الانتقال من الوضوء إلى التيمم، وقوله : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ٤ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ .

стр. 600

ذكر في الجملة الأولى نواقض الوضوء إجمالاً وهو الخارج من السبيلين من عذرة وفساء وضراط وبول ومذي كنى عنه بقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ وهو مكان التغوط والتبول، وذكر موجب الغسل وهو الجماع، وكنى عنه بالملامسة، تعليماً لعباده المؤمنين الآداب الرفيعة في مخاطباتهم، وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ للوضوء أو الغسل بعد أن طلبتموه فلم تجدوه فتيمموا، اقصدوا من أم الشيء إذا قصده صعيداً طيباً يريد ما صعد على وجه الأرض من أجزائها؛ كالتراب والرمل والسبخة والحجارة، وقوله: ﴿طَيِّباً﴾ يريد به طاهراً من النجاسة والقذر، وقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ بين فيه كيفية التيمم، وهي أن يقصد المرء التراب الطاهر وإن تعذر ذلك فما تيسر له من أجزاء الأرض فيضرب بكفيه الأرض فيمسح بهما وجهه وكفيه طاهراً أو باطناً مرة واحدة وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ أي: من ذلك الصعيد، وبهذا بين تعالى كيفية التيمم، وهي التي علمها رسول الله ﷺ عمار بن ياسر١ ﵁ وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ يخبر تعالى أنه يأمرنا بالطهارة بقسميها الصغرى وهي الوضوء، والكبرى وهي الغسل، وما ينوب عنهما عند العجز، وهو التيمم، ما يريد بذلك إيقاعنا في الضيق والعنت، ولكنه تعالى يريد بذلك تطهيرنا من الأحداث والذنوب، لأن الوضوء كفارة لذنب المتوضئ كما جاء بيانه في السنة٢ وهو قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: بهدايتكم إلى الإسلام وتعليمكم شرائعه فيعدكم بذلك لشكره وهو طاعته بالعمل بما جاء به الإسلام من الأعمال الباطنة والظاهرة، وهو معنى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٦) ، أما الآية الأخيرة (٧) وه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فإنه تعالى يأمر عباده المؤمنين أن يذكروا نعمته عليهم بهدايتهم إلى الإيمان ليشكروه بالإسلام، كما يذكروا ميثاقه الذي واثقهم به، وهو العهد الذي قطعه المؤمن على نفسه لربه تعالى بالتزامه بطاعته وطاعة رسوله محمد ﷺ عندما تعهد أن لا إله إلا الله وأن

стр. 601

محمداً رسول الله. وأما قوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ قد قالها الصحابة بلسان الحال عندما بايعوا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وقد قالها كل مسلم بلسان الحال لما شهد لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أمر بالتقوى التي هي لزوم الشريعة والقيام بها عقيدة وعبادة وقضاء وأدباً وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ يذكرهم بعلم الله تعالى بخفايا أمورهم حتى يراقبوه ويخشوه في السر والعلن، وهذا من باب تربية الله تعالى لعباده المؤمنين لإكمالهم وإسعادهم فله الحمد وله المنة. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- الأمر بالطهارة١ وبيان كيفية الوضوء وكيفية الغسل، وكيفية التيمم٢. ٢- بيان الأعذار الناقلة للمؤمن من الوضوء إلى التيمم. ٣- بيان موجبات الوضوء والغسل. ٤- الشكر هو علة الإنعام. ٥- ذكر العهود يساعد على التزامها والمحافظة عليها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ

стр. 602

الْجَحِيمِ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ : جمع قوام، وهو كثير القيام لله تعالى بحقوقه وما وجب له تعالى، وبحقوق الغير أيضاً لا يفرط في شيء من ذلك. ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ : جمع شهيد بمعنى: شاهد، والقسط: العدل. ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ : أي: لا يحملنكم. ﴿شَنَآنُ﴾ : بغض وعداوة. العدل: خلاف الجور، وهو المساواة بلا حيف ولا جور. ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ : أي: العدل أقرب للتقوى من الجور. ﴿هَمَّ قَوْمٌ﴾ : أرادوا وعزموا على إنفاذ إرادتهم والقوم هم يهود بني النضير. ﴿يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ : أي: ليقتلوا نبيكم ﷺ . ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾ : لم يمكنهم مما أرادوه من قتل النبي ﷺ . معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في توجيه المؤمنين وإرشادهم إلى ما يكملهم ويسعدهم١، ففي الآية (٨) أمر الله تعالى المؤمنين أن يكونوا قوامين لله تعالى بسائر حقوقه عليهم من الطاعات، وأن يكونوا شهداء بالعدل لا يحيفون ولا يجورون في شيء سواه كان المشهد عليه ولياً أو عدواً، ونهاهم أن يحملهم بغض قوم أو عداوتهم على ترك العدل وقد أمروا به، ثم أمرهم بالعدل وأعلمهم أن أهل العدل هم أقرب الناس إلى التقوى٢، لأن من كانت ملكة العدل

стр. 603

صفة له كان أقدر على أداء الحقوق والواجبات، وعلى ترك الظلم واجتناب المنهيات، ثم أمرهم بالتقوى مؤكداً شأنها؛ لأنها ملاك الأمر، وأعلمهم بأنه خبير بما يعملون لتزداد ملكة مراقبة الله تعالى في نفوسهم فيفوزون بالعدل والتقوى معاً، هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٨) أما الآية (٩) فقد تضمنت بشرى سارة١ لهم، وهي أن ربهم قد وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالمغفرة لذنوبهم والأجر العظيم لهم وهو الجنة، وقلت بشرى سارة لهم، لأنهم هم أهل الإيمان وصالح الأعمال ﵃ وأرضاهم، أما الآية الثالثة (١٠) فقد تضمنت وعيداً شديداً للكافرين المكذبين بآيات الله وحججه التي أرسل بها رسله وأيدهم بها، ولازم لكذبهم وكفرهم خبث أرواحهم، ولذا فهم لا يلائمهم إلا عذاب النار فكانوا بذلك أصحاب الجحيم٢ الذين لا يفارقونها أبداً، وأما الآية الرابعة (١١) فقد ذكرهم تعالى بنعمة عظيمة من نعمه، هي نجاة نبيهم محمد ﷺ من قتل أعدائه وأعدائهم وهم اليهود إذ ورد في سبب نزول هذه الآية ما خلاصته: أن أولياء العامريين الذين قتلا خطأ من قبل مسلم حيث ظنهما كافرين فقتلهما، جاءوا يطالبون بدية قتيلهم، فخرج رسول الله ﷺ ومعه الخلفاء الراشدون الأربعة وعبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين إلى بني النضير يطالبونهم بتحمل شيء من هذه الدية بموجب عقد المعاهدة، إذ من جملة موادها: تحمل أحد الطرفين معونة الطرف الآخر في مثل هذه الحالة المالية، فلما وصلوا إلى ديارهم شرق المدينة استقبلوا رسول الله ﷺ بالحفاوة والتكريم وأجلسوه مكاناً لائقاً تحت جدار منزل من منازلهم وأفهموه أنهم يعدون الطعام والنقود، وقد خلوا ببعضهم وتأمروا على قتله ﷺ ، وقالوا فرصة متاحة فلا نفوتها أبداً وأمروا أحدهم أن يطلق من سطح المنزل حجر رحى كبيرة على رأس النبي ﷺ فتقتله، وما زالوا يدبرون مكيدتهم حتى أوحى الله إلى رسوله بالمؤامرة الدنيئة، فقام ﷺ وتبعه أصحابه ودخلوا إلى المدينة وفاتت فرصة اليهود واستوجبوا بذلك اللعن وإلغاء المعاهدة وإجلائهم من المدينة، وقصتهم في سورة الحشر، والمقصود من هذا بيان المراد من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 604

آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا١ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: بالقتل للنبي ﷺ ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ حيث أوحى إلى رسوله ما دبره اليهود فانصرف وتركهم لم يظفروا بما أرادوا، وهو معنى: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ٢ عَنْكُمْ﴾ . ثم أمر الله تعالى المؤمنين بتقواه، إذ هي سلم كمالهم وسبيل نجاحهم، وهي عبارة عن امتثال أمره وأمر رسوله واجتناب نهيهما وأرشدهم إلى التوكل عليه تعالى في جميع أمورهم بقوله: ﴿وَعَلَى٣ اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب القيام بحق الله تعالى على العبد، وهو ذكره وشكره بطاعته. ٢- وجوب العدل في الحكم والقول والشهادة والفعل ومع الولي والعدو سواء. ٣- تأكيد الأمر بتقوى الله . ٤- الترغيب والترهيب بذكر الوعد والوعيد كما في الآيتين (٩) و (١٠) . ٥- وجوب ذكر النعمة حتى يؤدى شكرها. ٦- وجوب التوكل على الله تعالى والمضي في أداء ما أوجب الله تعالى. ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ

стр. 605

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) ﴾ شرح الكلمات: الميثاق: العهد المؤكد بالإيمان. ﴿بَنِي إِسْرائيلَ﴾ : اليهود. ﴿نَقِيباً١﴾ : نقيب القوم: من ينقب عنهم ويبحث عن شؤونهم ويتولى أمورهم. ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ٢﴾ : أي: نصرتموهم ودافعتم عنهم معظمين لهم. ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ﴾ : أي: أنفقتم في سبيله ترجون الجزاء منه تعالى على نفقاتكم في سبيله. ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ : أسترها ولم أوآخذكم بها. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ : أخطأ طريق الهدى الذي يفلح سالكه بالفوز بالمحبوب والنجاة من المرهوب. معنى الآية الكريمة: لما طالب تعالى المؤمنين بالوفاء بعهودهم والالتزام بمواثيقهم ذكرهم في هذه الآية بما أخذ على بني إسرائيل من ميثاق فنقضوه فاستوجبوا خزي الدنيا وعذاب الآخرة ليكون هذا عبرة للمؤمنين حتى لا ينكثوا عهدهم ولا ينقضوا ميثاقهم كما هو إبطال لاستعظام من استعظم غدر اليهود وهمهم بقتل النبي ﷺ فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ وهو قوله إني معكم الآتي، ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً٣﴾ أي: من كل قبيلة من قبائلهم الاثنى عشرة قبيلة نقيباً يرعاهم ويفتش على أحوالهم كرئيس فيهم، وهم الذين بعثهم موسى عليه

стр. 606

السلام إلى فلسطين لتعرفوا على أحوال الكنعانيين١ قبل قتالهم. وقال الله تعالى: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ، وهذا بند الميثاق ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ﴾ أي: وعزتي وجلالي ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ صدقتموهم فيما جاءوكم به ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ بنصرتهم وتعظيمهم، ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي: زيادة على الزكاة الواجبة والعامة في الإنفاق، وفي تزكية النفس بالإيمان وصالح الأعمال ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ٢﴾ بإذهاب آثارها من نفوسكم حتى تطيب وتطهر ﴿وَلأُدْخِلَنَّكُمْ﴾ بعد ذلك التطهير ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ ، أي: من تحت أشجارها وقصورها ﴿الأَنْهَارُ﴾ هذا جزاء الوفاء بالميثاق ﴿فَمَنْ كَفَرَ﴾ فنقض وأهمل ما فيه فكفر بعده ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: أخطأ طريق الفلاح في الدنيا والآخرة، أي: خرج عن الطريق المفضي بسالكه إلى النجاة والسعادة. هداية الآية من هداية الآية: ١- الحث على الوفاء بالالتزامات الشرعية. ٢- إبطال استغراب واستعظام من يستغرب من اليهود مكرهم ونقضهم وخبثهم ويستعظم ذلك منهم. ٣- إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق في سبيل الله تعبد الله بها٣ من قبل هذه الأمة. ٤- وجوب تعظيم٤ الرسول ﷺ ونصرته في أمته ودينه.

стр. 607

﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) ﴾ شرح الكلمات: نقض الميثاق: حله بعدم الالتزام بما تضمنه من أمر ونهي. ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ : طردناهم من موجبات الرحمة ومقتضيات العز والكمال. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ: يبدلون الكلام ويؤولون معانيه لأغراض فاسدة، والكلم من الكلام. وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا﴾ : تركوا قسطاً كبيراً مما ذكرهم الله تعالى به، أي: أمرهم به في كتابهم. ﴿خَائِنَةٍ﴾ : خيانة أو طائفة خائنة منهم. ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ : أي: لا تؤاخذهم واصرف وجهك عنهم محسناً إليهم بذلك. ﴿إِنَّا نَصَارَى﴾ : أي: ابتدعوها بدعة النصرانية، فقالوا: إنا نصارى. ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ : الإغراء: التحريش، والمراد أوجدنا لهم أسباب الفرقة والخلاف إلى يوم القيامة بتدبيرنا الخاص فهم أعداء لبعضهم البعض أبداً. معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في بيان خبث اليهود وغدرهم، فقد أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة

стр. 608

(١٣) أن اليهود الذين أخذ الله ميثاقهم على عهد موسى ﵇ بأن يعملوا بما في التوراة وأن يقابلوا الكنعانيين ويخرجوهم من أرض القدس وبعث منهم أثنى عشر نقيباً قد نكثوا عهدهم ونقضوا ميثاقهم، وإنه لذلك لعنهم وجعل قلوبهم قاسية فهم يحرفون الكلم عن مواضعه فقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ١﴾ أي: فبنقضهم ميثاقهم الذي أخذ عليهم بأن يعملوا بما في التوراة ويطيعوا رسولهم ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ أي: أبعدناهم من دائرة الرحمة وأفناء الخير والسلام ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً٢﴾ شديدة غليظة لا ترق لموعظة، ولا تلين لقبول هدى ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ فيقدمون ويؤخرون ويحذفون بعض الكلام ويؤولون معانيه لتوافق أهواءهم، ومن ذلك تأويلهم الآيات الدالة على نبوة كل من عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم في التوراة ﴿وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ وتركوا كثيراً مما أمروا به من الشرائع والأحكام معرضين عنها متناسين لها كأنهم لم يؤمروا بها، فهل يستغرب ممن كان هذا حالهم الغدر والنقض والخيانة، ولا تزال يا رسولنا ﴿تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ٣﴾ أي: على طائفة خائنة منهم كخيانة بني النضير ﴿إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ فإنهم لا يخونون؛ كعبد الله بن سلام وغيره، وبناء على هذا ﴿فَاعْفُ ٤ عَنْهُمْ﴾ فلا تؤاخذهم بالقتل، ﴿وَاصْفَحْ﴾ عنهم فلا تتعرض لمكروههم فأحسن إليهم بذلك ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . هذا ما دلت عليها الآية الأولى (١٣) ، أما الآية الثانية (١٤) في هذا السياق فقد أخبر تعالى عن النصارى٥ وأن حالهم كحال اليهود لا تختلف كثيراً عنهم، فقد أخذنا ميثاقهم على الإيمان بي وبرسلي وبالعمل بشرعي فتركوا متناسين كثيراً مما أخذ عليهم العهد والميثاق فيه، فكان أن أغرينا بينهم٦ العداوة والبغضاء كثمرة لنقضهم الميثاق فتعصبت كل طائفة لرأيها فثارت

стр. 609

بينهم الخصومات وكثر الجدل فنشأ عن ذلك العداوات والبغضاء وستستمر إلى يوم القيامة، وسوف ينبئهم الله تعالى بما كانوا يصنعون من الباطل والشر والفساد ويجازيهم به الجزاء الموافق لخبث أرواحهم وسوء أعمالهم فإن ربك عزيز حكيم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- حرمة نقض المواثيق ونكث العهود ولا سيما ما كان بين العبد وربه. ٢- الخيانة وصف لازم لأكثر اليهود فقل من سلم منهم من هذا الوصف. ٣- استحباب العفو عند القدرة، وهو من خلال الصالحين. ٤- حال النصارى١ لا تختلف كثيراً عن حال اليهود كأنهم شربوا من ماء واحد. وعليه فلا يستغرب منهم الشر ولا يؤمنون على سر، فهم على عداوة الإسلام والحرب عليه متعاونون متواصون. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ٢﴾ : هنا هم اليهود والنصارى معاً.

стр. 610

﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ : محمد ﷺ . ﴿تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ : الكتاب: التوراة والإنجيل، وما يخفونه صفات النبي محمد ﷺ وبعض الأحكام، المخالفين لها يجحدونها خوف المعرة؛ كالرجم مثلاً. ﴿وَيَعْفُو١ عَنْ كَثِيرٍ﴾ : لا يذكرها لكم لعدم الفائدة من ذكرها. ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ : النور: محمد ﷺ ، والكتاب: القرآن الكريم. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ : الإسلام: وهو الدين الحق الذي لا نجاة إلا به. والمستقيم: الذي لا اعوجاج فيه. معنى الآيتين: ما زال السياق في أهل الكتاب فبعد أن بين تعالى باطلهم وما هم عليه من شر وسوء دعاهم، وهو ربهم وأرحم بهم من أنفسهم إلى سبيل نجاتهم وكمالهم دعاهم إلى الإيمان رسوله وكتابه ذلك الرسول الذي ما اتبعه أحد وندم وخزي، والكتاب الذي ما ائتم به أحد وضل أو شقين فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ أي: محمد ﷺ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ بوحينا ﴿كَثِيراً﴾ من مسائل الشرع والدين التي تخفونها خشية الفضيحة لأنها حق جحدتموه، وذلك كنعوت النبي الأمي وصفاته حتى لا يؤمن به الناس، وكحكم الرجم في التوراة وما إلى ذلك. ﴿وَيَعْفُو﴾ يترك كثيراً لم يذكر لعدم الداعي إلى ذكره يا أهل الكتاب ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ﴾ ربكم ﴿نُورٌ﴾ هو رسولنا محمد٢ ﷺ ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ وهو القرآن، أذ بين كل شيء من أمور الدين والدنيا وكل ما تتوقف سعادة الإنسان وكماله عليه دنيا وأخرى ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ﴾ تعالى ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ ، وذلك بالرغبة الصادقة في الحصول على رضا الله بواسطة فعل محابه وترك مساخطه عن كل معتقد وقول وعمل يهديه به ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ أي: طريق السعادة والكمال، ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾ أي: المتبعين رضوان الله ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ وهي ظلمات الكفر والشرك والشك، إلى نور الإيمان الصحيح والعبادة الصحيحة المزكية للنفس المهذبة للشعور بتوفيقه وعونه تعالى ويهديهم، أي: أولئك الراغبين حقاً في رضا الله ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ

стр. 611

مُسْتَقِيمٍ﴾ لا يضلون معه ولا يشقون أبداً، وهو دينه الحق الإسلام الذي لا يقبل ديناً غيره١، والذي ما اهتدى من جانبه ولا سعد ولا كمل من تركه. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: ١- نصح الله تعالى لأهل الكتاب بدعوتهم إلى سبل السلام بالدخول في الإسلام. ٢- بيان جحود اليهود والنصارى لكثير من الأحكام الشرعية ودلائل النبوة المحمدية مكراً وحسداً حتى لا يؤمن الناس بالإسلام ويدخلوا فيه. ٣- اتباع السنة المحمدية يهدي صاحبه إلى سعادته وكماله. ٤- القرآن حجة على الناس كافة لبيانه الحق في كل شيء. ٥- طالب رضا٢ الله بصدق يفوز بكل خبر وينجو من كل ضير. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ

стр. 612

رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ شرح الكلمات: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ﴾ : لأنهم جحدوا الحق، وقالوا كذباً: الله هو المسيح بن مريم. ﴿الْمَسِيحُ﴾ : لقب لعيسى بن مريم عبد الله ورسوله ﵇. ﴿مَرْيَمَ﴾ : بنت عمران، من صلحاء بني إسرائيل، والدة عيسى ﵇. ﴿يُهْلِكَ﴾ : يميت ويبيد. ﴿قَدِيرٌ﴾ : قادر على إيجاد وإعدام كل شيء أراد إيجاده أو إعدامه. الأحباء: واحده: حبيب، كما أن الأبناء واحده: ابن. ﴿عَلَى فَتْرَةٍ﴾ : الفترة: زمن انقطاع الوحي لعدم إرسال الله تعالى رسولاً. ﴿بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ : البشير: المبشر بالخير، والنذير: المنذر من الشر، وهو رسول الله ﷺ يبشر المؤمنين وينذر الكافرين. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن أهل الكتاب، ففي الآية الأولى (١٧) أخبر تعالى مؤكداً الخبر بالقسم المحذوف الدالة عليه اللام الواقعة في جواب القسم، فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ١ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ٢ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ووجه كفرهم أنهم جعلوا المخلوف المربوب هو الله الخالق الرب لكل شيء، وهو كفر من أقبح أنواع الكفر، وهذا وإن لم يكن قول أكثر النصارى فإنهم بانتمائهم إلى النصرانية وقولهم بها وانخراطهم في سلك مبادئها وتعاليمها يؤاخذون به، لأن الرضا بالكفر كفر.

стр. 613

وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ١ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ يعلم رسوله كيف يتحج على أهل هذا الباطل فيقول له: قل لهم: فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ﵉ ﴿وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ، والجواب قطعاً: لا أحد، إذاً فكيف يكون عبد الله هو الله أو إلهاً مع الله؟ أليس هذا هو الضلال بعينه وذهاب العقول بكماله؟ ثم أخبر تعالى أنه له ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ خلقاً وتصرفاً، وأنه ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ خلقه بلا حجر عليه ولا حظر، وهو على كل شيء قدير خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، وخلق حواء من آدم، وخلق عيسى من مريم بلا أب، ويخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير فكون المسيح ﵇ خلقه بكلمة كن بلا أب لا تستلزم عقلاً ولا شرعاً أن يكون هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث مع الله، كما هي عقيدة أكثر النصارى، والعجب من إصرارهم على هذا الباطل، هذا ما دلت عليه الآية الأولى، أما الآية الثانية (١٨) فقد تضمنت بيان ضلال اليهود والنصارى معاً، وهو دعواهم أنهم ﴿أَبْنَاءُ الله٢وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ، إذ قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ٣ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ وهو تبجح وسفه وضلال، فأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم بقوله: قل لهم يا رسولنا: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ فهل الأب يعذب أبناءه، والحبيب يعذب محبيه، وأنتم تقولون نعذب في النار أربعين يوماً بسب خطيئة عبادة أسلافهم العجل أربعين يوماً، كما جاء ذلك في قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾ ، والحقيقة أن هذا القول منكم من جملة الترهات والأباطيل التي تعيشون عليها، وأما أنتم فإنكم بشر ممن خلق الله فنسبتكم إليه تعالى نسبة مخلوق إلى خالق، وعبد إلى مالك من آمن منكم وعمل صالحاً غفر له وأكرمه، ومن كفر منكم وعمل سوء عذبه، كما هي سنته في سائر عباده، ولا اعتراض عليه فإن له ملك السموات والأرض وما بينهما وأنتم من جملة مملوكيه، وإليه المصير فسوف ترجعون إليه ويجزيكم بوصفكم إنه حكيم عليم. هذا ما دلت عليه الآية الثانية، أما الآية الثالثة (١٩) فقد تضمنت إقامة الحجة على أهل

стр. 614

الكتاب، فقد ناداهم الرب ﵎ بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ وأعلمهم أنه قد جاءهم رسوله محمد ﷺ يبين لهم الطريق المنجي والمسعد في وقت واحد على حين فترة من١ الرسل، إذ انقطع الوحي منذ رفع عيسى إلى السماء وقد مضى على ذلك قرابة خمسمائة وسبعين سنة أرسلنا رسولنا إليكم حتى لا تقولوا معتذرين عن شرككم وكفركم وشركم وفسادكم: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ٢﴾ فها هو ذا البشير محمد٣ ﷺ قد جاءكم٤ فآمنوا به واتبعوه تنجوا وتسعدوا، وإلا؛ فالعذاب لازم لكم، والله على تعذيبكم قدير كما هو على كل شيء قدير. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- كفر من ينسب إلى الله تعالى ما هو منزه عنه من سائر النقائص. ٢- بطلان دعوى اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه بالدليل العقلي. ٣- نسبة المخلوقات لله تعالى لا تتجاوز كونها مخلوقة له مملوكة يتصرف فيها كما شاء ويحكم فيها بما يريد. ٤- قطع عذر أهل الكتاب بإرسال الرسول محمد ﷺ على حين فترة من الرسل. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ

стр. 615

فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿نِعْمَةَ١ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ : منها نجاتهم من فرعون وملائه. ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ٢﴾ : منهم موسى وهارون ﵉. ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ : أي: مالكين أمر أنفسكم بعد الاستعباد الفرعوني لكم. ﴿الْعَالَمِينَ﴾ : المعاصرين لهم والسابقين لهم. ﴿الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ﴾ : المطهرة التي فرض الله عليكم دخولها والسكن فيها بعد طرد الكفار منها. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ : أي: ترجعوا منهزمين إلى الوراء. ﴿قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ : عظام الأجسام أقوياء الأبدان يجبرون على طاعتهم من شاءوا. ﴿يَخَافُونَ﴾ : مخالفة أمر الله تعالى ومعصية رسوله. ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِمَا﴾ : أي: بنعمة العصمة حيث لم يفشوا سر ما شاهدوه لما دخلوا أرض الجبارين لكشف أحوال العدو بها، وهما يوشع وكالب من النقباء الاثنى عشر. معنى الآيات: ما زال السياق مع أهل الكتاب، وهو هنا في اليهود خاصة، إذ قال الله تعالى لرسوله محمد

стр. 616

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واذكر١ ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ كموسى وهارون ﵉ ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً٢﴾ تملكون أنفسكم لا سلطان لأمة عليكم إلا سلطان ربكم عز وجل٣ ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ للسكن فيها والاستقرار بها فافتحوا باب المدينة وباغتوا العدو فإنكم تغلبون ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: ولا ترجعوا إلى الوراء منهزمين فتنقلبوا بذلك خاسرين، لا أمر الله بالجهاد أطعتم، ولا المدينة المقدسة دخلتم وسكنتم، واسمع يا رسولنا جواب القوم ليزول استعظامك بكفرهم بك وهمهم بقتلك، ولتعلم أنهم قوم بهت سفلة لا خير لهم، إذ قالوا في جوابهم لنبيهم موسى ﵇: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ٤ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ !! وكان سبب هذه الهزيمة الروحية ما أذاعه النقباء من أخبار مهيلة مخيفة تصف العمالقة الكنعانيين بصفات لا تكاد تتصور في العقول، اللهم إلا اثنين منهم، وهما: يوشع بن نون، وكالب بن يوحنا، وهما اللذان قال تعالى عنهما: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي: أمر الله تعالى ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِمَا﴾ فعصمهما من إفشاء سر ما رأوا من قوة الكنعانيين إلا لموسى ﵇ قالا للقوم: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: باب المدينة ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ ، وذلك لعنصر المباغتة، وهو عنصر مهم في الحروب، ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ وهاجموا القوم واقتحموا عليهم المدينة ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بما أوجب الله عليكم من جهاد وكتب لكم من الاستقرار بهذه البلاد والعيش بها، لأنها أرض٥ القدس والطهر. هذا ما تضمنته الآيات الأربع، وسنسمع رد اليهود على الرجلين في الآيات التالية.

стр. 617

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تسلية الرسول ﷺ بإعلامه تعالى بخبث اليهود وشدة ضعفهم ومرض قلوبهم. ٢- فضح اليهود بكشف الآيات عن مخازيهم مع أنبيائهم. ٣- بيان الأثر السيئ الذي تركه إذاعة النقباء للأخبار الكاذبة المهولة، وقد استعملت ألمانيا النازية هذا الأسلوب ونجحت نجاحاً كبيراً حيث اجتاحت نصف أوربا في مدة قصيرة جداً. ٤- بيان سنة الله تعالى من أنه لا يخلو زمان ولا مكان من عبد صالح تقوم به الحجة على الناس. ٥- فائدة عنصر المباغتة في الحرب وأنه عنصر فعال في كسب الانتصار. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ : أي: المدينة١ التي أمروا بمهاجمة أهلها والدخول عليهم فيها. ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ : أي: عن أمر الله ورسوله بتركهم الجهاد جبناً وخوفاً. ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ : أي: تحريماً كونياً قضائياً لا شرعياً تعبدياً. ﴿يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ : أي: في أرض سيناء متحيرين فيها لا يدرون أين يذهبون مدة أربعين سنة. ﴿فَلا تَأْسَ﴾ : أي: لا تحزن ولا تأسف.

стр. 618

معنى الآيات: هذا هو جواب القوم على طالب الرجلين الصالحين باقتحام المدينة على العدو، إذ قالوا بكل وقاحة ودناء وخسة: ﴿يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ أي: المدينة ﴿أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا﴾ أي: ما دام أهلها فيها يدافعون عنها ولو لم يدافعوا١، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ٢ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ أهل المدينة، أما نحن ف ﴿هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ . أي تمرد وعصيان أكثر من هذا؟ وأي جبن وخور أعظم من هذا؟ وأي سوء أدب أحط من هذا؟ وهنا قال موسى متبرئاً من القوم الفاسقين: رب: أي يا رب ﴿إِنِّي لا أَمْلِكُ٣ إِلا نَفْسِي وَأَخِي﴾ يريد هارون ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ فطلب بهذا البراءة منهم٤ ومن صنيعهم، إذ قد استوجبوا العذاب قطعاً، فأجابه ربه تعالى بقوله في الآية الثالثة (٢٦) ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: الأرض المقدسة أربعين سنة لا يدخلونها وفعلاً ما دخلوها إلا بعد مضي الفترة المذكورة "أربعين سنة" وكيف كانوا فيها؟ يتيهون٥ في أرض سيناء متحيرين لا يدرون أين يذهبون ولا من أين يأتون، وعليه فلا تحزن يا رسولنا ولا تأسف على القوم الفاسقين، إذ هذا جزاؤهم من العذاب عُجل لهم فليذوقوه!!. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان جبن اليهود وسوء أدبهم مع ربهم وأنبيائهم. ٢- وجوب البراءة من أهل الفسق ببغض عملهم وتركهم لنقمة الله تعالى تنزل بهم. ٣- حرمة الحزن والتأسف على الفاسقين والظالمين إذا حلت بهم العقوبة الإلهية جزاء فسقهم وظلمهم لأنفسهم ولغيرهم.

стр. 619

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ : وأقرأ على اليهود الذين هموا بقتلك وقتل أصحابك. ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ : خبر ابني آدم هابيل وقابيل. ﴿قُرْبَاناً﴾ : القربان: ما يتقرب١ به إلى الله تعالى؛ كالصلاة والصدقات. ﴿بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ : مددت إليَّ يدك. ﴿أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ : ترجع إلى الله يوم القيامة بإثم قتلك إياي، وإثمك في معاصيك. ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ : شجعته على القتل وزينته حتى فعله. ﴿غُرَاباً﴾ : طائراً أسود معروف يضرب به المثل في السواد٢.

стр. 620

﴿يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ : يستر بالتراب جسد أخيه، وقيل: فيه سوءة، لأن النظر إلي الميت تكرهه النفوس، والسوءة: ما يكره النظر إليها. معنى الآيات: ما زال السياق القرآني الكريم في الحديث عن يهود بني النضير الذين هموا بقتل النبي ﷺ وأصحابه، فالله تعالى يقول لرسوله: واقرأ عليهم قصة ابني آدم هابيل وقابيل ليعلموا بذلك عاقبة جريمة القتل الذي هموا به، توبيخاً لهم، وإظهاراً لموقفك الشريف منهم حيث عفوت عنهم، فلم تقتلهم بعد تمكنك منهم، وكنت معهم كخير ابني آدم، ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً١﴾ ، أي: قرب كل منهما قرباناً لله تعالى فتقبل الله قربان٢ أحدهما لأنه كان من أحسن ماله وكانت نفسه به طيبة، ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ وهو قابيل؛ لأنه كان من أردأ ماله، ونفسه به متعلقة، فقال لأخيه هابيل لأقتلنك حسداً له –كما حسدتك اليهود وحسدوا قومك في نبوتك ورسالتك- فقال له أخوه إن عدم قبول قربانك عائد إلى نفسك لا إلى غيرك ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ٣﴾ للشرك، فلو اتقيت الشرك لتقبل منك قربانك لأن الله تعالى لا يتقبل إلا ما كان خالصاً له، وأنت أشركت نفسك وهواك في قربانك، فلم يتقبل منك. ووالله قسماً به. ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ﴾ ، وعلل ذلك بقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ، أي: أن ألقاه بدم أرقته ظلماً. وإن أبيت إلا قتلي فإني لا أقتلك لأني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك، أي: ترجع إلى ربنا يوم القيامة بإثم قتلك إياي، وإثمك الذي فارقته في حياتك كلها، فتكون بسبب ذلك من أصحاب النار الخالدين فيها الذين لا يفارقونها أبداً، قال تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ ، ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ أي شجعته عليه وزينته له فقتله ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ٤﴾ النادمين لأنه لم يدر ما يصنع به

стр. 621

فكان يحمله على عاتقه ويمشي به حتى عفن، وعندئذ بعث الله غراباً يبحث في الأرض، أي: ينبش الأرض برجليه ومنقاره وينشر التراب على ميت معه حتى واراه: أي بعث الله الغراب ليريه كيف يواري، أي: يستر سوءة أخيه، أي جيفته، فلما رأى قابيل ما صنع الغراب بأخيه الغراب الميت قال متندما ًمتحسراً يا ويلنا، أي: يا ويلتي احضري فهذا أوان حضورك، ثم وبخ نفسه قائلاً: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ ، كما وارى الغراب سوءة أخيه، وأصبح من النادمين على حمله أو على قتله وعدم دفنه وبمجرد الندم لا يكون توبة مع أن توبة القاتل عمداً لا تنجيه من النار. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مشروعية التقرب إلى الله تعالى بما يجب أن يتقرب به إليه تعالى. ٢- عظم جريمة الحسد وما يترتب عليها من الآثار السيئة. ٣- قبول الأعمال الصالحة يتوقف على الإخلاص فيها لله تعالى. ٤- بيان أول من سن جريمة القتل، وهو قابيل، ولذا ورد: ما من نفس تقتل نفساً ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل "نصيب" ذلك بأنه أول من سن القتل. ٥- مشروعية الدفن١ وبيان زمنه. ٦- خير ابنى آدم المقتول ظلماً، وشرهما القاتل ظلماً٢. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ

стр. 622

جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) ﴾ شرح الكلمات: ﴿من أجل ذلك﴾ : أي بسبب ذلك القتل. ﴾ كتبنا﴾ : أوحينا. ﴿أو فساد في الأرض﴾ : بحلابه لله ورسوله والمؤمنين. ﴿ومن أحياها﴾ : قدرعلى قتلها وهي مستوجبه له فتركها. ﴿بالبينات﴾ : الآيات والواضحةات حاملة للشرائع والدلائل. ﴿لمسرفون﴾ : مكثرون من المعاصي والذنوب. معنى الآية الكريمة: يقول تعالى: إنه من أجل قبح جريمة القتل وما يترتب عليها من مفاسد ومضار لا يقادر قدرها، أوحينا على بني إسرائيل لكثرة ما شاع بينهم من القتل وسفك الدماء، فقد قتلوا الأنبياء والآمرين بالقسط من الناس لأجل هذه الضراوة على القتل، فقد قتلوا رسولين: زكريا ويحي، وهموا بقتل المرسلين العظيمين عيسى ومحمد ﷺ ، من أجل ذلك١ شددنا٢ عليهم في العقوبة، إذ من قتل منهم نفساً بغير نفس أي ظلماً وعدواناً، أو قتلها بغير فساد قامت به في الأرض، وهو حرب الله ورسوله والمؤمنين ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ بمعنى يعذب عذاب قتل الناس جميعاً يوم القيامة، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ بأن استوجب القتل فعفا عنها وتركها لله إبقاء عليها ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ٣ جَمِيعاً﴾ يعني يُعطى أجر من أحيا الناس٤ جمعياً، كل هذا شرعه الله تعالى لهم تنفيراً

стр. 623

لهم من القتل الذي أصروا عليه، وترغيباً لهم في العفو الذي جافوه وبعدوا عنه فلم يعرفوه، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ١ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يخبر تعالى عن حالهم مسلياً رسوله محمداً عما يحمله من همّ منهم، وهم الذين تآمروا على قتله أن الشر الذي لازم اليهود والفساد الذي أصبح وصفاً لازماً لهم وخاصة المؤامرات بالقتل وإيقاد نار الحروب لم يكن عن جهل وعدم معرفة منهم لا أبداً، بل جاءتهم رسلهم بالآيات البينات والشرائع القويمة والآداب الرفيعة، ولكنهم قوم بهت متمردون على الشرائع مسرفون في الشر والفساد، ولذا فإن كثيراً منهم والله لمسرفون في الشر والفساد، وبنهاية هذه الآية ومن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ وهي الآية (١١) انتهى الحديث عن اليهود المتعلق بحادثة همهم بقتل الرسول ﷺ وأصحابه، وقد ذكر تسلية لرسول الله وأصحابه، كما هو تسلية لكل مؤمن يتعرض لمكر اليهود عليهم لعائن الله. هداية الآية من هداية الآية: ١- تأديب الرب تعالى لبني إسرائيل، ومع الأسف لم ينتفعوا به. ٢- فساد بني إسرائيل لم ينشأ عن الجهل وقلة العلم، بل كان اتباعاً للأهواء وجرياً وراء عارض الدنيا. فلذا غضب٢ الله عليهم ولعنهم؛ لأنهم عالمون. ٣- بالرغم من تضعيف جزاء الجريمة على اليهود، ومضاعفة أجر الحسنة لهم فإنهم أكثر الناس إسرافاً في الشر والفساد في الأرض. ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ

стр. 624

وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) ﴾ شرح الكلمات: ﴿يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ : بالخروج عن طاعتهما وحمل السلاح على المؤمنين وقتلهم وسلب أموالهم والاعتداء على حرماتهم. ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً﴾ : بإخافة الناس وقطع طرقهم وسلب أموالهم والاعتداء على أعراضهم. ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ : يشدون على أعواد الخشب ويقتلون، أو بعد أن يقتلوا. ﴿مِنْ خِلافٍ﴾ : بأن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، والعكس. ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ : أي من أرض الإسلام. ﴿خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ : ذل ومهانة. ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ : عذاب جهنم. ﴿أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ : أي: تتمكنوا منهم بأن فروا بعيداً ثم جاءوا مسلمين. معنى الآيتين: لما ذكر تعالى ما أوجبه على اليهود من شدة العقوبة وعلى جريمة القتل والفساد في الأرض كسراً لحدة جرءتهم على القتل والفساد، ذكر هنا حكم وجزاء من يحارب المسلمين ويسعى بالفساد في ديارهم فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ١ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بالكفر٢ بعد الإيمان

стр. 625

والقتل والسلب بعد الأمان، ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً﴾ بتخويف المسملين، وقطع طرقهم وأخذ أموالهم، والاعتداء على حرماتهم وأعراضهم، هو ما أذكره لكم لا غيره فاعلموه أنه ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ ، ومعنى: يقتلوا: واحداً بعد واحد نكاية لهم وإرهاباً وتعزيراً لغيرهم، ومعنى: يصلبوا: بعد ما يقتل الواحد منهم يشد على خشبة مدة ثلاثة أيام، ومعنى: ينفوا من الأرض: يخرجوا من دار الإسلام، أو إلى مكان ناءٍ كجزيرة في بحر أو يحبسوا حتى ينجو المسلمون من شرهم وآذاهم، ويكون ذلك الجزاء المذكور خزياً وذلاً لهم١ في الدنيا ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عذاب النار، وقوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فهذا استثناء متصل من أولئك المحاربين بأن من عجزنا عنه فلم نتمكن من القبض عليه، وبعد فترة جاءنا تائباً فإن حكمه يختلف عمن قبله، وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يحمل إشارة واضحة إلى تخفيف الحكم عليه، وذلك فإن كان كافراً وأسلم فإن الإسلام يجب ما قبله، فيسقط عنه كل ما ذكر في الآية من عقوبات.. وإن كان مسلماً فيسقط بالصلب ويجب عليه، رد المال الذي أخذه إن بقي في يده، وإن قتل أو فجر وطالب بإقامة الحد عليه أقيم عليه الحد، وإلا ترك لله والله غفور رحيم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- بيان حكم الحرابة٢ وحقيقتها: خروج جماعة اثنان فأكثر ويكون بأيديها سلاح ولهم شوكة، خروجهم إلى الصحراء بعيداً عن المدن والقرى، يشنون هجمات على المسلمين فيقتلون ويسلبون ويعتدون على الأعراض، هذه هي الحرابة وأهلها، يقال لهم: المحاربون وحكمهم ما ذكر تعالى في الآية الأولى (٣٣) .

стр. 626

٢- الإمام مخير في إنزال العقوبة التي يرى أنها مناسبة١ لاستتباب الأمن، إن قلنا أو في الآية للتخيير، وإلا فمن قتل وأخذ المال وأخاف الناس قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالاً قتل، ومن قتل وأخذ مالاً قطعت٢ يده ورجله من خلاف فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالاً يُنفى٣. ٣- من تاب من المحاربين قبل التمكن منه يعفى عنه إلا أن يكون بيده مال سلبه فإنه يرده على ذنوبه أو يطلب بنفسه إقامة الحد عليه فيجاب لذلك. ٤- عظم عفو الله ورحمته بعباده لمغفرته لمن تاب ورحمته له. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧) ﴾ شرح الكلمات: ﴿اتَّقُوا اللهَ﴾ : خافوا عذابه فامتثلوا أمره وأمر رسوله واجتنبوا نهيهما. ﴿وَابْتَغُوا﴾ : اطلبوا.

стр. 627

﴿الْوَسِيلَةَ١﴾ : تقربوا إليه بفعل محابه وترك مساخطه تظفروا بالقرب٢ منه. ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ : أنفسكم بحملها على أن تتعلم وتعمل وتعليم، وأعداءه بدعوتهم إلى الإسلام وقتالهم على ذلك. ﴿تُفْلِحُونَ﴾ : تنجون من النار وتدخلون الجنة. ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ : دائم لا يبرح ولا يزول. معنى الآيتين: ينادي الرب ﵎ عباده المؤمنين به وبرسوله ووعده ووعيده ليرشدهم إلى ما ينجيهم من العذاب فيجتنبوه، وإلى ما يدنيهم من الرحمة فيعملوه فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ٣ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ومعنى اتقوا الله خافوا عذابه فأطيعوه بفعل أوامره وأوامر رسوله واجتناب نواهيهما فإن عذاب الله لا يتقى إلا بالتقوى. ومعنى ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ : اطلبوا إليه القربة، أي: تقربوا إليه بفعل ما يحب وترك ما يكره تفوزوا بالقرب منه. ومعنى ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ : جاهدوا أنفسكم في طاعته، والشيطان في معصيته، والكفار في الإسلام إليه والدخول في دينه باذلين كل ما في وسعكم من جهد وطاقة. هذا ما دلت عليه الأية الأولى (٣٥) ، أما الآية الثانية (٣٦) وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ فإنها علة لما دعت إليه الآية الأولى من الأمر بالتقوى وطلب القرب من الله تعالى وذلك بالإيمان وصالح الأعمال، لأن العذاب الذي أمروا باتقائه بالتقوى عذاب لا يطاق أبداً ناهيكم أن الذين كفروا ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ٤ جَمِيعاً﴾ من مال صامت وناطق ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ وقبل منهم

стр. 628

فداء لأنفسهم من ذلك العذاب لقدموه سخية به نفوسهم، إنه عذاب أليم موجع أشد الوجع ومؤلم أشد الألم إنهم يتمنون بكل قلوبهم أن يخرجوا من النار ﴿وَمَا هُمْ١ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم لا يبرح ولا يزول. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب تقوى الله وطلب القربة إليه والجهاد في سبيله. ٢- مشروعية التوسل إلى الله تعالى بالإيمان وصالح٢ الأعمال. ٣- عظم عذاب يوم القيامة وشدته غير المتناهية. ٤- لا فدية يوم القيامة ولا شفاعة تنفع الكافر فيخرج بها من النار. ٥- حسن التعليل للأمر والنهي بما يشجع على الامتثال والترك. ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ : الذي أخذ مالاً من حرز خفية يقدر بربع دينار فأكثر. ﴿وَالسَّارِقَةُ﴾ : التي أخذت مالاً من حرز خفية يقدر بربع دينار فأكثر.

стр. 629

﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ : أي: اقطعوا من سرق منهما يده من الكوع. ﴿نَكَالاً﴾ : عقوبة من١ الله تجعل غيره ينكل أن يسرق. ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ : عزيز: غالب لا يحال بينه وبين مراده، حكيم: في تدبيره وقضائه. ﴿بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ : بعد ظلمه لنفسه بمعصية الله تعالى بأخذ أموال الناس. ﴿وَأَصْلَحَ﴾ : أي: نفسه بتزكيتها بالتوبة والعمل الصالح. ﴿فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ : أي: يقبل توبته، ويغفر له ويرحمه إن شاء. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ : خلقاً وملكاً وتدبيراً. ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ : أي: تعذيبه لأنه مات عاصياً لأمره كافراً بحقه. ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ : ممن تاب من ذنبه وأناب إليه . معنى الآيات: يخبر تعالى مقرراً حكماً من٢ أحكام شرعه، وهو أن الذي يسرق مالاً يقدر بربع دينار فأكثر من حرز مثله٣ خفية وهو عاقل بالغ، ورفع إلى الحاكم، والسارقة كذلك فالحكم أن تقطع يد السارق اليمنى من الكوع، وكذا يد السارقة مجازاة لهما على ظلمهما بالاعتداء على أموال غيرهما، ﴿نَكَالاً مِنَ اللهِ﴾ أي: عقوبة من الله تعالى لهما تجعل غيرهما لا يقدم على أخذ أموال الناس بطريق السرقة المحرمة، ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ غالب على أمره حكيم في قضائه وحكمه. هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ٤ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ ٥ من الإثم ﴿نَكَالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . وقوله تعالى في الآية الثانية (٣٩) ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ أي: تاب من السرقة بعد

стр. 630

أن ظلم نفسه بذلك ﴿وَأَصْلَحَ﴾ نفسه بالتوبة، ومن ذلك رد المال المسروق ﴿فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ ؛ لأنه تعالى غفور للتائبين رحيم بالمؤمنين، وقوله تعالى في الآية الثالثة (٤٠) ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ يخاطب تعالى رسوله وكل من هو أهل للتلقي والفهم من الله تعالى فيقول مقرراً المخاطب: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، والجواب: بلى، وإذاً فالحكم له تعالى لا ينازع فيه، فلذا هو يعذب ويقطع يد السارق والسارقة ويغفر لمن تاب من السرقة وأصلح. وهو ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان حكم حد السرقة، وهو قطع يد السارق والسارقة. ٢- بيان أن التائب من السراق إذا اصلح يتوب الله عليه، أي: يقبل توبته. ٣- إذا لم يرفع السارق إلى الحاكم تصح توبته ولو لم تقطع يده، وإن رفع فلا توبة له إلا بالقطع، فإذا قطعت يده خرج من ذنبه كأن لم يذنب. ٤- وجوب التسليم لقضاء الله تعالى والرضا بحكمه لأنه عزيز حكيم. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا

стр. 631

وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿لا يَحْزُنْكَ﴾ : الحزن: ألم نفسي يسببه خوف فوات محبوب. ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ : بمعنى: يسرعون فيه إذ ما خرجوا منه كلما سنحت فرصة للكفر أظهروه. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ : هؤلاء هم المنافقون. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ : أي: اليهود. ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ : أي: كثيرو الاستماع للكذب. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ : يبدلون الكلام ويغيرونه ليوافق أهواءهم. ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ : أي: أعطيتم. ﴿فِتْنَتَهُ﴾ : أي: ضلالة لما سبق له من موجبات الضلال. ﴿أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ : من الكفر والنفاق. ﴿خِزْيٌ﴾ : ذل.

стр. 632

﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ : كثيروا الأكل للحرام؛ كالرشوة والربا. ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ : أي: لا تحكم بينهم. ﴿بِالْقِسْطِ﴾ : أي: بالعدل. ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ : أي: صدقاً وحقاً وإن ادعوه نطقاً. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ١ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في نهاية الآية نزل تسلية لرسول الله ﷺ وتخفيفاً مما كان يجده ﷺ من ألم نفسي من جراء ما يسمع ويرى من المنافقين واليهود فناداه ربه تعالى بعنوان الرسالة التي كذب بها المنافقون واليهود معاً: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ الحق، لينهاه عن الحزن الذي يضاعف ألمه: ﴿لا يَحْزُنْكَ﴾ حال الذين ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ بتكذيبك فإنهم ما خرجوا من الكفر، بل هم فيه منغمسون، فإذا سمعت منهم قول الكفر لا تحفل به حتى لا يسبب لك حزناً في نفسك. ﴿مِنَ الَّذِينَ٢ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: لا يحزنك كذلك حال اليهود الذين يكذبون بنبؤتك ويجحدون رسالتك، ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ سماعون ليهود آخرين لم يأتوك؛ كيهود خيبر وفدك، أي: كثيروا السمع للكذب الذي يقوله أحبارهم لما فيه من الإساءة إليك سماعون لأهمل قوم آخرين ينقلون إليهم أخبارك كوسائط، وهم لم يأتوك، وهم يهود خيبر إذ أوعزوا إليهم أن يسألوا لهم النبي ﷺ عن حد الزنى ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ ، أي: يغيرون حكم الله الذي تضمنه الكلام، يقولون لهم إن أفتاكم في الزانين المحصنين بالجلد والتحميم بالفحم، فاقبلوا ذلك وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا قبول ذلك. هذا معنى تعالى في هذه الآية: ﴿وكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ ، وقال تعالى لرسوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ

стр. 633

فِتْنَتَهُ﴾ أي: إضلاله عن الحق لما اقترف ن عظائم الذنوب وكبائر الأثام ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ إذا أراد الله إضلاله، إذاً فلا يحزنك مسارعتهم في الكفر، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ من الحسد والشرك والنفاق لسوابق الشر التي كانت لهم فحالت دون قبول الإيمان ولاحق، ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: ذل وعار، ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ جزاء كفرهم وبغيهم. هذا ما دلت عليه الآية (٤١) ، أما الآية الثانية (٤٢) فقد تضمنت وصف أولئك اليهود بصفة كثرة استماع الكذب مضافاً إليه كثرة أكلهم للسحت، وهو المال الحرام أشد حرمة؛ كالرشوة والربا١، فقال تعالى عنهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ٢ فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ أي: للتحاكم عندك فأنت مخير بين أن تحكم بحكم الله٣. أو تعرض عنهم وتتركهم لأحبارهم يحكمون بينهم كما شاءوا وإن تعرض عنهم فلم تحكم بينهم لن يضروك شيئاً، أي: من الضرر ولو قل، لأن الله تعالى وليك وناصرك، وإن حكمت بينهم فاحكم بينهم بالقسط أي: العدل، لأن الله ﵎ يحب ذلك فافعله لأجله إنه يحب القسط والمقسطين، وقوله تعالى في الآية الثالثة (٤٣) : ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ﴾ . أي: إنه مما يتعجب منه أن يحكموك فتحكم بينهم برجم الزناة، وعندهم التوراة فيها نفس الحكم فرفضوه معرضين عنه اتباعاً لأهوائهم، ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ لا بك ولا بحكمك ولا بحكم التوراة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- استحباب ترك الحزن باجتناب أسبابه ومثيراته. ٢- حرمة سماع الكذب لغير حاجة تدعو إلى ذلك. ٣- حرمة تحريف الكلام وتشويهه للإفساد.

стр. 634

٤- الحاكم المسلم مخير في الحكم بين أهل الكتاب إن شاء حكم بينهم وإن شاء أحالهم على علمائهم. ٥- وجوب العدل في الحكم ولو كان المحكوم عليه غير مسلم. ٦- تقرير كفر١ اليهود وعدم إيمانهم. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ

стр. 635

أَهْلُ الأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) ﴾ شرح الكلمات: ﴿التَّوْرَاةَ﴾ : كتاب موسى ﵇. ﴿هُدىً وَنُورٌ﴾ : الهدى: ما يوصل إلى المقصود، والنور: ما يهدي السائر إلى غرضه. ﴿هَادُوا﴾ : اليهود. ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ : جمع رباني: العالم المربي الحكيم. ﴿وَالأَحْبَارُ١﴾ : جمع حبر: العالم من أهل الكتاب. ﴿وَكَتَبْنَا﴾ : فرضنا عليهم وأوحينا. ﴿قِصَاصٌ﴾ : مساواة. ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ : أتبعناهم بعيسى بن مريم. ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ : الخارجون عن طاعة الله ورسله. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث على بني إسرائيل، إذ قال تعالى مخبراً عما أتى بنى إسرائيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ﴾ هدى من كل ضلالة ونور مبين للأحكام مُخرج من ظلمات الجهل ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ من بني إسرائيل ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ لله قلوبهم ووجوههم فانقادوا لله ظاهراً وباطناً، ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ ٢، ويحكم بها الربانيون من أهل العلم والحكمة من بني إسرائيل ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ بسبب استحفاظ الله تعالى إياهم كتابه التوراة فلا يبدلونه ولا يغيرون فيه، ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ بأحقيته وسلامته من النقص والزيادة بخلافكم أيها اليهود، فقد حرفتم الكلم عن مواضعه وتركتم الحكم به فما لكم؟ فأظهروا الحق من نعت محمد ﷺ والأمر بالإيمان به، ومن ثبوت الرجم وإنفاذه في الزناة ولا تخشوا
следующие страницы →