الدنيا والنهم فيها والتكالب عليها وهو سبب الظلم والفساد.
قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ (١٤) قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)
شرح الكلمات:
كتب على نفسه الرحمة: أي أوجب على نفسه رحمة خلقه.
لا ريب فيه: لا شك في مجيئه وحصوله في أجله المحدد له.
خسروا أنفسهم: حيث لوثوها بأوضار الشرك والمعاصي فلم ينتفعوا بها.
وله ما سكن في الليل والنهار: أي ما استقر فيها من ساكن ومتحرك أي له كل شيء.
ولياً: أحبه وأنصره واطلب نصرته ومحبته وولايته.
من يصرف عنه: أي من العذاب بمعنى يبعد عنه.
الفوز المبين: أي الواضح إذ النجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم.
معنى الآيات:
مازال السياق في الحديث مع العادلين بربهم غيره من أهل الشرك فيقول تعالى لرسوله
стр. 702
سلهم قائلاً: ﴿لمن١ ما في السموات والأرض﴾ خلقاً وإيجاداً أو ملكاً وتصرفاً وتدبيراً، واسبقهم إلى الجواب فقل لله، إذ ليس لهم من جواب إلا هذا: ﴿لله﴾ ، أي هو الله الذي ﴿كتب٢ على نفسه الرحمة﴾ قضى بها وأوجبها على نفسه، ومظاهرها متجلية في الناس: إنهم يكفرونه ويعصونه وهو يطعمهم ويسقيهم ويكلؤهم ويحفظهم، وما حمدوه قط. ومن مظاهر رحمته جمعه الناس ليوم القيامة ليحاسبهم ويجزيهم بعملهم الحسنة بعشر أمثالها أما السيئة فبسيئة مثلها فقط وهو ما دل عليه قوله: ﴿ليجمعنكم٣ إلى يوم القيامة لا ريب فيه﴾ أي الكائن الآتي بلا ريب ولا شك، وقوله تعالى: ﴿الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون﴾ يخبر تعالى أنَّ الذين كتب خسرانهم أزلاً في كتاب المقادير فهم لذلك لا يؤمنون رما كتب أزلاً لعلم تام بموقفهم هذا الذي هم وافقوه من الكفر والعناد والشرك والشر والفساد، بذلك استوجبوا الخسران هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٢) أما الآية الثانية (١٣) ﴿وله ما سكن في الليل والنهار﴾ وهذا تقرير بأنه رب كل شيء والمالك لكل شيء إذ ما هناك إلا ساكن ومتحرك وهو رب الجميع، وهو السميع لأحوال عباده وسائر مخلوقاته العليم بأفعالهم الظاهرة والباطنة ولذا لأ يسأل عما يفعل ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ومن هنا وجب اللجأ إليه والتوكل عليه، والانقياد لأمره ونهيه. وقوله تعالى في الآية الثالثة (١٤) ﴿قل أغير٤ الله أتخذ ولياً فاطر السموات والأرض وهو يُطْعِم ولا يُطْعَم﴾ يأمر تعالى رسوله أن يرد على المشركين المطالبين منه أن يوافقهم على شركهم ويعبد معهم آلهتهم فيقول: أفغير الله فاطر السموات والأرض الذي يطعم غيره لافتقاره إليه، ولا يطعم٥ لغناه المطلق أغيره تعالى أتخذ ولياً أعبده كما اتخذتم أنتم أيها المشركون أولياء تعبدونهم. إن هذا لن يكون أبداً كما أمره ربه تعالى أن يقول في صراحة ووضوح، ﴿إني أمرت أن أكون أول من أسلم﴾ أي وجهه لله، وأقبل عليه يعبده
стр. 703
بما شرع له، ونهاني أن أكون من المشركين بقوله: ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ الذين يعبدون مع الله غيره من مخلوقاته وأمره في الآية (١٥) أن يقول للمشركين الراغبين في تركه التوحيد: ﴿إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم١﴾ وهو عذاب يوم القيامة. انه عذاب أليم لا يطاق من يصرف٢ عنه يومئذ فقد رحمه أي أدخله الجنة والنجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم كما قال تعالى ﴿فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز﴾ نعم فاز وأي فوز أكبر من الخلود من العذاب ودخول في دار السلام.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- عموم رحمة الله تعالى.
٢- تقرير مبدأ الشقاوة والسعادة في الأزل قبل خلق الخلق.
٣- الله رب كل شيء ومليكه.
٤- تحريم ولاية غير الله، وتحريم الشرك به تعالى.
٥- بيان الفوز الأخروي وهو النجاة من العذاب ودخول الجنة.
وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)
стр. 704
شرح الكلمات:
يمسسك: يصبك.
بضر: الضر: ما يؤلم الجسم أو النفس كالمرض والحزن.
بخير: الخير: كل ما يسعد الجسم أو الروح.
القاهر: الغالب المذل المعز.
شهادة: الشهادة: إخبار العالم بالشيء عنه بما لا يخالفه.
لأنذركم به: لأخوفكم بما فيه من وعيد الله لأهل عداوته.
إله واحد: معبود واحد لأنه رب واحد، إذ لا يعبد إلا الرب الخالق الرازق المدبر.
معنى الآيات:
ما زال السياق في توجيه الرسول ﷺ وتقوية موقفه من أولئك العادلين بربهم المشركين به فيقول له ربه تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر١ فلا كاشف له إلا هو﴾ أي إن أصابك الله بما يضرك في بدنك فلا كاشف له عنك بإنجائك منه إلا هو. ﴿وإن يمسسك بخير﴾ أي وإن يردك بخير فلا٢ راد له ﴿فهو على كل شيء قدير﴾ ، والخطاب وإن كان موجهاً للرسول ﷺ فإنه عام في كل أحد فلا كاشف للضر إلا هو، ولا راد لفضله أحد، ومع كل أحد، وقوله تعالى في الآية الثانية (١٨) ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾ تقرير لربوييته المستلزمة لألوهيته فقهره لكل أحد، وسلطانه على كل أحد مع علو كلمته وعلمه بكل شيء موجب لألوهيته وطاعته وطلب ولايته، وبطلان ولاية غيره وعبادة سواه وقوله تعالى في الآية الثالثة (١٩) ﴿قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ نزلت لما قال المشركون بمكة للرسول ﷺ إئتنا بمن يشهد لك بالنبوة فإن أهل الكتاب أنكروها فأمره ربه تعالى أن يقول لهم رداً عليهم: أي شيء أكبر شهادة؟ ولما كان لا جواب لهم إلا أن يقولوا الله أمره أن يجيب به: ﴿قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ . فشهادة الله تعالى لي بالنبوة إيحاؤه إليّ بهذا القرآن الذي أنذركم به، وأنذر
стр. 705
كل من بلغه وسمع به بأن من بلغه١ ولم يؤمن به ويعمل بما جاء فيه من العقائد والعبادات والشرائع فإنه خاسر لنفسه يوم القيامة. ثم أمره أن ينكر عليهم الشرك بقوله: أئنكم٢ لتشهدون مع الله آلهة أخرى، وذلك بإيمانكم بها وعبادتكم لها أما أنا فلا أعترف بها بل أنكرها فضلاً عن أن أشهد بها. ثم أمره بعد إنكار آلهة المشركين أن يقرر ألوهيته الله وحده وأن يتبرأ من آلهتهم المدعاة فقال له قل: ﴿إنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون﴾ ٣.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب اللجأ إلى الله تعالى دون غيره من سائر خلقه إذ لا يكشف الضر٤ إلا هو.
٢- شهادة الله تعالى لرسوله بالنبوة وما أنزل عليه من القرآن وما أعطاه من المعجزات.
٣- نذارة الرسول بلغت كل من بلغه القرآن الكريم إلى يوم الدين.
٤- تقرير مبدأ التوحيد لا إله إلا الله، ووجوب البراءة من الشرك.
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٢٤)
стр. 706
شرح الكلمات:
الذين آتيناهم الكتاب: علماء اليهود والنصارى.
يعرفونه: يعرفون محمداً نبياً لله ورسولاً له.
افترى على الله كذباً: اختلق الكذب وزوّره في نفسه وقال.
لا يفلح الظالمون: لا ينجون من عذاب الله يوم القيامة.
أين شركاؤكم: استفهام توبيخي لهم.
تزعمون: تدعون أنهم شركاء يشفعون لكم عند الله.
وضل عنهم: غاب عنهم ولم يحضرهم ما كانوا يكذبونه.
معنى الآيات::
قوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ أي علماء اليهود والنصارى ﴿يعرفونه﴾ أي النبي محمداً ﷺ أنه نبي الله ورسوله وأن القرآن كتاب الله أوحاه إليه يعرفونه بما ثبت من أخباره ونعوته معرفة كمعرفة أبنائهم، رد الله تعالى بهذا على العرب الذين قالوا: لو كنت نبياً لشهد لك بذلك أهل الكتاب ثم أخبر تعالى أن الذين١ خسروا أنفسهم في قضاء الله وحكمه الأزلي لا يؤمنون، وإن علموا ذلك في كتبهم وفهموه واقتنعوا به، فهذا سر عدم إيمانهم، فلن يكون إذا عدم إيمانهم حجة ودليلاً على النبي محمد ﷺ بأن غير نبي ولا رسول هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٢٠) وفي الآية الثانية نداء الله تعالى يكلٍّ من مشركي العرب وكفار أهل الكتاب بقوله ﴿ومن٢ أظلم ممن افترى على الله كذبا﴾ وهم المشركون بزعمهم أن الأصنام تشفع لهم عند الله ولذا عبدوها، أو كذبوا بآياته وهم أهل الكتاب، وأخبر أن الجميع في موقفهم المعادي للتوحيد والإسلام ظالمون، وإن الظالمون لا يفلحون فحكم بخسران الجميع إلا من آمن منهم وعبد الله ووحده وكان من المسلمين وقوله تعالى في الآية الثالثة (٢٢) ﴿ويوم نحشرهم٣ جميعاً﴾ مشركين وأهل كتاب أي لا يفلحون في الدنيا ولا يوم
стр. 707
نحشرهم وهو يوم القيامة لأنهم ظالمون، ثم أخبر تعالى بمناسبة ذكر يوم القيامة أنه يسأل المشركين منهم فيقول لهم: ﴿أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون﴾ أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم؟ ثم لم تكن نتيجة هذه الفتنة أي الاختبار إلا قولهم: ﴿والله ربنا ما كنا١ مشركين﴾ ، يكذبون هذا الكذب لأنهم رأوا أن المشركين لا يغفر لهم ولا ينجون من النار. ثم أمر الله رسوله أن يتعجب من موقفهم هذا المخزي لهم فقال له: ﴿أنظر كيف كذبوا على٢ أنفسهم﴾ أما ربهم فهو عليم بهم ﴿وضل عنهم﴾ أي غاب فلم يروه. ﴿ما كانوا يفترون﴾ أي يكذبون.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- لم يمنع أهل الكتاب من الدخول في الإسلام إلا إيثار الدنيا على الآخرة.
٢- سببان في عظم الجريمة الكاذب على الله المفتري والمكذب الجاحد به وبكتاب وبنبيه.
٣- تقرير عدم فلاح الظالمين في الحياتين.
٤- الشرك لا يغفر لصاحبه إذا لم يتب منه قبل موته.
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي أذانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إذا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦) وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيات رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)
стр. 708
بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)
شرح الكلمات:
أكنة: جمع كنان ما يكن فيه الشيء كالغطاء.
وقراً: ثقلاً وصمماً فهم لا يسمعون.
يجادلونك: يخاصمونك.
أساطير الأولين: جمع أسطورة: ما يكتب ويحكى من أخبار السابقين.
وينأون عنه: أي ويبعدون عنه.
بل بدا لهم: بل ظهر لهم.
إن هي إلا حياتنا: ما هي إلا حياتنا.
مبعوثين: بعد الموت أحياء كما كنا قبل أن نموت.
معنى الآيات:
مازال السياق في الحديث عن أولئك العادلين بربهم المشركين به سواه فيخبر تعالى عن بعضهم فيقول ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ حال قراءتك القرآن ولكنه لا يعيه قلبه ولا يفقه ما فيه من أسرار وحكم تجعله يعرف الحق ويؤمن به، وذلك لما جعلنا حسب سنتنا في خلقنا من أكنة١ على قلوبهم أي أغطية،، ومن٢ وقر أي ثقل وصمم في آذانهم، فلذا هم يستمعون ولا يسمعون، ولا يفقهون وتلك الأغطية وذلك الصمم هما نتيجة ما يحملونه من بغض للنبي ﷺ وكره لما جاء به من التوحيد، ولذا فهم لو يرون كل آية مما يطالبون به من المعجزات كإحياء الموتى ونزول الملائكة عياناً لا يؤمنون بها لأنهم لا يريدون أن يؤمنوا ولذا قال تعالى:
стр. 709
﴿وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك﴾ أي في شأن التوحيد وآلهتهم ﴿يقول الذين كفروا١ إن هذا﴾ أي ما هذا ﴿إلا أساطير الأولين﴾ ، أمليت عليك أو طلبت كتابتها فأنت تقصها، وليس لك من نبوة ولا وحي ولا رسالة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٢٥) أما باقي الآيات فإن الثانية (٢٦) تضمنت إخبار الله تعالى عنهم بأنهم ينهون الناس عن الإيمان بالنبي وبما جاء به وعن متابعته والدخول في دينه، وينأون هم بأنفسهم أي يبعدون عنه فلا إيمان ولا متابعة. وهذه شر الصفات يصفهم الله تعالى بها وهي البعد عن الحق والخير، وأمر الناس بالبعد عن عنهما ونهيهم عن قربههما ولذا قال تعالى: ﴿وإن يهلكون إلا٢ أنفسهم﴾ بهذا الموقف الشائن المعادى للرسول والتوحيد، وما يشعرون بذلك إذ لو شعروا لكفوا، والذي أفقدهم الشعور هو حب الباطل والشر الذي حملهم على عداوة الرسول وما جاء به من عبادة الله وتوحيده وها هم أولاً قد حشروا في جهنم، والله تعالى يقول للرسول: ﴿ولو ترى إذ وقفوا٣ على النار﴾ ولا بد لهم من دخولها والاصطلاء بحرها والاحتراق بلهبها، فقالوا وهم في وسطها ﴿يا ليتنا نرد﴾ إلى الحياة الدنيا ﴿ولا نكذب بآيات ربنا، ونكون من المؤمنين﴾ ، وما هم والله بصادقين وإنما هي تمنيات حمل عليها الإشفاق من العذاب والخوف من نار جهنم، والفضيحة حين ظهر لهم٤ ما كانوا يخفون في الدنيا من جرائم وفواحش وهم يغشونها الليل والنهار قال تعالى وهو العليم الخبير: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾ ، وصدق الله لو ردوا لعادوا وفي الآية الأخيرة (٢٩) يسجل الله تعالى عليهم سبب بلائهم ومحنتهم، وإقدامهم في تلك الجرأة الغريبة على الشرك ومحاربة التوحيد، ومحاربة الموحدين بالضرب والقتل والتعذيب إنه كفرهم بالبعث والجزاء إذ قالوا ما أخبر تعالى به عنهم: ﴿إن هي إلا ٥حياتنا الدنيا، وما نحن بمبعوثين﴾ .
стр. 710
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان سنة الله تعالى في أن العبد إذا كره أحداً وأبغضه وتعالى في ذلك يصبح لا يسمع ما يقول له، ولا يفهم معنى ما يسمع منه.
٢- شر دعاة الشر من يعرض عن الهدى ويأمر بالإعراض عنه، وينهى من يقبل عليه.
٣- سبب الشر في الأرض الكفر بالله، وإنكار البعث والجزاء الآخر.
وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللهِ حَتَّى إذا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (٣٢)
شرح الكلمات:
وقفوا على ربهم: جيء بهم ووقفوا على قضائه وحكمه تعالى فيهم.
بلى وربنا: أي إنه للحق والله.
خسر الذين كذبوا: أي خسروا أنفسهم في جهنم.
الساعة بغتة: ساعة: البعث ليوم القيامة وبغتة: أي فجأة.
يا حسرتنا: الحسرة: التندم والتحسر على ما فات ينادون حسرتهم زيادة في التألم والتحزن.
أوزارهم: أحمال ذنوبهم إذ الوزر الحمل الثقيل.
لعب ولهو: اللعب: العمل الذي لا يجلب درهماً للمعاش، ولا حسنة للمعاد.
واللهو:. ما يشغل الإنسان عما يعنيه مما يكسبه خيراً أو يدفع عنه ضيراً.
стр. 711
معنى الآيات:
يقول تعالى لرسوله: ولو ترى١ إذ وقف أولئك لمنكرون للبعث القائلون ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين﴾ ، لو تراهم وقد حبسوا لقضاء الله وحكمه فيهم وقيل لهم وهم يشاهدون أهوال القيامة وما فيها من حساب وجزاء وعذاب ﴿أليس٢ هذا بالحق﴾ أي الذي كنتم تكذبون فيسارعون بالإجابة قائلين ﴿بلى، وربنا﴾ ، فيحلفون بالله تعالى تأكيداً لصحة جوابهم فيقال لهم٣: ﴿فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ لا ظلماً منا ولكن بسبب كفركم إذ الكفر منع من طاعة الله ورسوله، والنفس لا تطهر إلا على تلك الطاعة، هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٣٠) أما الآية الثانية (٣١) فقد أعلن تعالى عن خسارة صفقة الكافرين الذين باعوا الإيمان بالكفر والتوحيد بالشرك، والطاعة بالمعاصي فقال تعالى: ﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله٤﴾ أي بالحياة بعد الموت وهذا هو سبب المحنة والكارثة ﴿حتى إذا جاءتهم الساعة﴾ ساعة فناء هذه الحياة وإقبال الحياة الآخرة ﴿بغتة﴾ أي فجأة لم يكونوا يفكرون فيها لكفرهم بها، وعندئذ صاحوا بأعلى أصواتههم معلنين عن تندمهم ﴿يا حسرتنا٥ على ما فرطنا﴾ أي في صفقتنا حيث اشترينا الكفر بالإيمان والشرك بالتوحيد قال تعالى: ﴿وهم يحملون أوزارهم﴾ من الجائز أن تصور لهم أعمالهم من الكفر والشرك والظلم والشر والفساد في صورة رجل قبيح أشوه فيحملونه على ظهورهم في عرصات القيامة وقد ورد به خبر. ولذا قال تعالى: ﴿ألا ساء ما يزرون﴾ أي قبح ما يحملونه! وفي الآية (٣٢) الأخيرة يخبر تعالى مذكراً واعظاً ناصحاً فيقول يا عباد الله: ﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو﴾ فانتبهوا فلا تغتروا بما فيها من ملذات فإن نعيمها إلى زوال ما شأنها إلا شأن من يلعب أو يلهو، ثم لا يحصل على طائل من لعبة٦ ولهوه، أما الدار الآخرة فإنها خير ولكن للذين يتقون الشرك والشر
стр. 712
والمعاصي، فما لكم مقبلين غلى الفاني معرضين عن الباقي ﴿أفلا تعقلون؟!﴾
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير مبدأ البعث والجزاء بذكر صور ومشاهد له.
٢- قبح الذنوب وأنها أسوأ حمل يحمله صاحبها يوم القيامة.
٣- حكم الله تعالى بالخسران على من كذب بلقائه فلم يؤمن ولم يعمل صالحا.
٤- الساعة لا تأتي إلا بغتة، ولا ينافي ذلك ظهور علاماتها، لأن الزمن ما بين العلامة والعلامة لا يعرف مقداره.
٥- نصيحة القرآن للعقلاء بأن لا يغتروا بالحياة الدنيا. ويهملوا شأن الآخرة وهي خير للمتقين.
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيات اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)
شرح الكلمات:
ليحزنك: أي لوقعك في الحزن الذي هو ألم النفس من جراء فقد ما تحب من هدايتهم أو من أجل ما تسمع منهم من كلم الباطل كتكذيبك وأذيتك.
стр. 713
فإنهم لا يكذبونك: أي لا ينسبونك إلى الكذب في بواطنهم ومجالسهم السرية لعلمهم اليقيني أنك صادق.
كذبت رسل: أي كذبتهم أقوامهم وأممهم كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈.
ولا مبدل لكلمات الله: التي تحمل وعده بنصر أوليائه وإهلاك أعدائه.
من نبإ المرسلين: أي أخبارهم في دعواتهم مع أممهم.
تبتغي نفقاً: تطلب سرباً تحت الأرض.
أو سلماً في السماء: أي مصعداً تصعد به إلى السماء.
بآية: أي خارقة من خوارق العادات وهي المعجزات.
فلا تكونن من الجاهلين: أي فلا تقف موقف الجاهلين بتدبير الله في خلقه.
معنى الآيات:
هذه الآيات من تربية الله تعالى لرسوله وإرشاده لما يشد من عزمه ويزيد في ثباته على دعوة الحق التي أناط به بلاغها وبيانها فقال له تعالى: ﴿قد نعلم١ أنه﴾ أي الحال والشأن، ﴿ليحزنك الذي يقولون﴾ أي الكلام الذي يقولون لك وهو تكذيبك واتهامك بالسحر، والتقول على الله، وما إلى ذلك مما هو إساءة لك وفي الحقيقة إنهم لا يكذبونك٢ لما يعلمون من صدقك وهم يلقبونك قبل إنبائك لهم وإرسالك بالأمين ولكن الظالمين هذا شأنهم فهم يرمون الرجل بالكذب وهم يعلمون أنه صادق ويقرون هذا في مجالسهم الخاصة، ولكن كي يتوصلوا إلى تحقيق أهدافهم في الإبقاء على عاداتهم وما ألفوا من عبادة أوثانهم يقولون بألسنتهم من نسبتك إلى الكذب وهم يعلمون أنك صادق٣ غير كاذب فإذا عرفت هذا فلا تحزن لقولهم.
стр. 714
هذا أولاً وثانياً فقد كذبت رسل من قبلك وأوذوا كما كُذبت أنت وأوذيت، وصبروا حتى أتاهم نصرنا فاصبر أنت حتى يأتيك النصر فإنه لا مبدل لكلمات الله التي تحمل وعده لأوليائه ووعيده لأعدائه، ولقد جاءك في هذا الكتاب الذي أوحينا إليك من نبأ المرسلين وأخبارهم ما يكون عوناً لك على الصبر حتى النصر فاصبر، وثالثاً ﴿إن كان كبر١ عليك إعراضهم﴾ عن دعوتك وعدم إيمانهم بها حتى تأتيهم بآية تلجئهم إلى الإيمان بك وبرسالتك كما يطلبون منك ويُلِحُّون عليك وهم كاذبون فإن استطعت أن تطلب لهم آية من تحت الأرض أو من السماء فافعل، وهذا ما لا تطيقه ولا تستطيعه لأنه فوق طاقتك فلا تكلف به وإذا فما عليك إلا بالصبر هذا معنى قوله تعالى: ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض﴾ أي٢ سرباً، ﴿أو سلماً في السماء﴾ أي مصعداً ﴿فتأتيهم بآية﴾ أي فافعل، وما أنت بقادر فاصبر إذا ورابعاً إن الله قادر على أن يجمعهم كلهم على الإيمان بك وبرسالتك والدخول في دينك، ولكنه لم يشأ ذلك لحكم عالية فلا تطلب أنت مالا يريده ربك، فإنك إن فعلت كنت من الجاهلين٣، ولا نريد لك ذلك٤.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- ثبوت بشرية الرسول ﷺ ولذا هو يحزن لفوت محبوب كما يحزن البشر لذلك.
٢- تسلية الرسول ﷺ وحمله على الصبر حتى يأتيه موعود ربه بالنصر.
٣- بيان سنة الله في الأمم السابقة.
٤- إرشاد الرب تعالى رسوله إلى خير المقامات وأكمل الحالات بإبعاده عن ساحة الجاهلين.
إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ
стр. 715
قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٣٧) وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآياتنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٣٩)
شرح الكلمات:
إنما يستجيب: أي لدعوة الحق التي دعا بها رسول الله ﷺ فيؤمن ويهتدي.
يبعثهم الله: أي يوم القيامة.
لولا نزل عليه آية: هلا أداة تحضيض لا لولا الشرطية.
آية من ربه: آية: خارقة تكون علامة على صدقه.
لا يعلمون: أي ما يترتب على إيتائها مع عدم الإيمان بعدها من هلاك ودمار.
من دابة: الدابة كل ما يدب على الأرض من إنسان وحيوان.
في الكتاب: كتاب المقادير أم الكتاب اللوح المحفوظ.
صم وبكم في الظلمات: صم: لا يسمعون وبكم: لا ينطقون في الظلمات لا يبصرون.
صراط مستقيم: هو الدين الإسلامي المفضي بالآخذ به إلى سعادة الدارين.
معنى الآيات:
بعدما سلى الرب تعالى رسوله في الآيات السابقة وحمله على الصبر أعلمه هنا بحقيقة علمية تساعده على الثبات والصبر فأعلمه أن الذين يستجيبون لدعوته ﷺ هم الذين يسمعون لأن حاسة السمع عندهم سليمة ما أصابها ما يخل بأداء وظيفتها من كره الحق
стр. 716
وبغض أهله والداعين إليه فهؤلاء هم الذين يستجيبون لأنهم أحياء أما الأموات فإنهم لا يسمعون ولذا فهم لا يستجيبون ولكن سيبعثهم الله يوم القيامة أحياء ثم يرجع الجميع إليه من استجاب، لحياة قلبه، ومن لم يستجب لموت قلبه ويجزيهم بما عملوا الجزاء الأوفى وهو على كل شيء قدير، هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٣٦) أما الآية الثانية (٣٧) فقد أخبر تعالى رسوله بقولهم ﴿لولا نزل عليه آية﴾ ، وعلمه أن يقول لهم ﴿إن الله قادر على أن ينزل آية﴾ وهي الخارقة كإحياء الموتى أو تسيير الجبال أو إنزال الملائكة يشاهدونهم عياناً، ولكن لم ينزلها لحكم عالية وتدبير حكيم، ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ الحكمة في١ ذلك، ولو علموا أنها إذا نزلت كانت نهاية حياتهم لما سألوها. هذا ما تضمنته الآية الثانية أما الآية الثالثة (٣٨) وهي قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير٢ بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾ سيقت هذه الآية لبيان كمال الله تعالى وشمول علمه وعظيم قدرته، وسعة تدبيره تدليلاً على أنه تعالى قادر على إنزال الآيات، ولكن منع ذلك حكمته تعالى في تدبير خلقه فما من دابة تدب في الأرض ولا طائر يطير في السماء إلا أمم مثل الأمة٣ الإنسانية مفتقرة إلى الله تعالى في خلقها ورزقها وتدبير حياتها، والله وحده القائم عليها، وفوق ذلك إحصاء عملها عليها ثم بعثها يوم القيامة ومحاسبتها ومجازاتها، وكل ذلك حواه كتاب المقادير وهو يقع في كل ساعة ولا يخرج شيء عما كتب في كتاب المقادير، اللوح المحفوظ ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ فهل يعقل مع هذا أن يعجز الله تعالى عن إنزال آية، وكل مخلوقاته دالة على قدرته وعلمه ووحدانيته، ووجوب عبادته وفق مرضاته، وقوله ﴿ثم إلى ربهم يحشرون﴾ ٤ كل دابة وكل طائر يموت أحب أم كره، ويبعث٥ أحب أم كره، والله وحده مميته ومحييه ومحاسبه ومجازيه، ﴿ثم إلى ربهم يحشرون﴾ ، ومن هنا كان المكذبون بآيات الله ﴿صم وبكم
стр. 717
في الظلمات١﴾ أموات غير أحياء إذ الأحياء يسمعون وينطقون ويبصرون وهؤلاء صم بكم في الظلمات فهم أموات غير أحياء وما يشعرون. وأخيراً أعلم تعالى عباده أن هدايتهم كإضلالهم بيده فمن شاء هداه ومن شاء أضله، وعليه فمن أراد الهداية فليطلبها في صدق من الله ﷻ وعظم سلطانه ومن رغب عنها فلن يعطاها.
هداية الآيات
من بداية الآيات:
١- الإيمان بالله ورسوله ولقائه حياة والكفر بذلك موت فالمؤمن حي والكافر ميت.
٢- سبب تأخر الآيات علم الله تعالى بأنهم لو أعطاهم الآيات ما آمنوا وبذلك يستوجبون العذاب.
٣- تعدد الأمم٢ في الأرض وتعدد أجناسها والكل خاضع لتدبير الله تعالى مربوب له.
٤- تقرير ركن القضاء والقدر وإثباته في أم الكتاب.
قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١) وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا
стр. 718
نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإذا هُم مُّبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)
شرح الكلمات:
أرأيتكم: أخبروني.
الساعة: يوم القيامة.
يكشف: يزيل ويبعد وينجي.
البأساء والضراء: البأساء: الشدائد من الحروب والأمراض، والضراء: الضر.
يتضرعون: يتذللون في الدعاء خاضعون.
بغتة: فجأة وعل حين غفلة.
مبلسون: آيسون قنطون متحسرون حزنون.
دابر القوم: آخرهم أي أهلكوا من أولهم إلى آخرهم.
الحمد لله: الثناء بالجميل والشكر لله دون سواه.
معنى الآيات:
مازال السياق في طلب هداية أولئك المشركين العادلين بربهم أصناماً وأحجاراً، فيقول الله تعالى لرسوله ﷺ قل يا رسولنا لأولئك الذين يعدلون بنا الأصنام ﴿أرأيتكم١﴾ أي أخبروني، ﴿إن أتاكم عذاب الله﴾ اليوم انتقاماً منكم، ﴿أو أتتكم الساعة﴾ وفيها عذاب يوم القيامة، ﴿أغير الله تدعون﴾ ليقيكم العذاب ويصرفه عنكم ﴿إن كنتم صادقين﴾ في أن آلهتكم تنفع وتضره تقي السوء وتجلب الخير؟ والجواب معلوم أنكم لا تدعونها ليأسكم من إجابتها بل الله٢ وحده هو الذي تدعونه فيكشف ما تدعونه له إن شاء، وتنسون عندها ما تشركون به من الأصنام فلا تدعونها ليأسكم من إجابتها لضعفها وحقارتها.
стр. 719
هذا ما تضمنته الآيتان الأولى (٤٠) والثانية (٤١) وأما الآيات الأربع بعدهما فإن الله تعالى يخبر رسوله بقوله ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم١ من قبلك﴾ أي أرسلنا رسلاً من قبلك إلى أممهم فأمروهم بالإيمان والتوحيد والعبادة فكفروا وعصوا فأخذناهم بالشدائد من حروب ومجاعات وأمراض لعلهم يتضرعون إلينا فيرجعون إلى الإيمان بعد الكفر والتوحيد بعد الشرك والطاعة بعد العصيان ولما لم يفعلوا وبخهم تعالى بقوله: ﴿فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا٢﴾ أي فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا إلينا ﴿ولكن﴾ حصل العكس حيث ﴿قست قلوبهم وزين لهم الشيطان﴾ أي حسن لهم ﴿ما كانوا يعملون﴾ من الشرك والمعاصي. وهنا لما نسوا ما ذكرتهم به رسلهم فتركوا العمل به معرضين عنه غير ملتفتين إليه فتح الله تعالى عليهم أبواب كل شيء من٣ الخيرات حتى إذا فرحوا بذلك٤ وسكنوا إليه واطمأنوا ولم يبق بينهم من هو أهل للنجاة. قال تعالى ﴿أخذناهم بغتة﴾ أي فجأة بعذاب من أنواع العذاب الشديدة ﴿فإذا هم مبلسون﴾ ٥ آيسون من الخلاص متحسرون ﴿فقطع دابر٦ القوم الذين ظلموا﴾ أي استؤصلوا بالعذاب عن آخرهم. وانتهى أمرهم ﴿والحمد لله رب العالمين﴾ ناصر أوليائه ومهلك أعدائه فاذكر هذا لقومك يا رسولنا لعلهم يثوبون إلى رشدهم ويعودون إلى الحق الذي تدعوهم إليه وهم معرضون.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- من غريب أحوال الإنسان المشرك أنه في حال الشدة الحقيقية يدعو الله وحده ولا يدعو معه الآلهة الباطلة التي كان في حال الرخاء والعافية يدعوها.
стр. 720
٢- بيان سنة الله تعالى في إهلاك الأمم.
٣- إذا رأيت الأمة قد فسقت عن أمر ربها ورسوله فعوقبت فلم تتعظ بالعقوبة واستمرت على فسقها وبسط الله تعالى لها في الرزق وأغدق علبها الخيرات فاعلم أنها قد استدرجت للهلاك وأنها هالكة لا محالة.
٤- شؤم الظلم هلاك الظالمين.
٥- الإرشاد إلى حمد الله تعالى عند نهاية كل عمل، وعاقبة كل أمر.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآياتنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (٤٩)
شرح الكلمات:
أرأيتم: أخبروني وفي هذه الصيغة نوع من التعجب.
أخذ سمعكم وأبصاركم: أي أصمكم وأعماكم.
وختم على قلوبكم: جعلها لا تعي ولا تفهم.
نصرف الآيات: ننوع الأساليب لزيادة البيان والإيضاح.
يصدفون: يعرضون.
بغتة أو جهرة: بغتة: بدون إعلام ولا علامة سابقة، والجهرة: ما كان بإعلام وعلامة تدل عليه.
هل يهلك: أي ما يهلك.
стр. 721
معنى الآيات:
ما زال السياق في دعوة العادلين بريهم الأصنام والأوثان إلى التوحيد فقال تعالى لنبيه يلقنه الحجج التي تبطل باطل المشركين ﴿قل أرأيتم﴾ أي أخبروني يا قوم ﴿إن أخذ الله١ سمعكم﴾ وجعلكم صماً لا تسمعون وأخذ ﴿أبصاركم﴾ فكنتم عمياً لا تبصرون ﴿وختم على قلوبكم﴾ أي طبع عليها فأصبحتم لا تعقلون ولا تفهمون. أي إله غير الله يأتيكم بالذي أخذ الله منكم؟ والجواب لا أحد، إذاً فكيف تتركون عبادة من يملك سمعكم وأبصاركم وقلوبكم ويملك كل شيء فيكم وعندكم، وتعبدون مالا يملك من ذلكم من شيء؟ أي ضلال أبعد من هذا الضلال! ثم قال تعالى لرسوله ﷺ ﴿انظر﴾ يا رسولنا ﴿كيف٢ نصرف الآيات﴾ .
أي ننوع أساليبها زيادة في بيانها لإظهار الحجة بها ﴿ثم هم يصدفون﴾ أي يعرضون عادلين بربهم مالا يملك نفعاً ولا ضراً ثم أمره في الآية الثانية (٤٧) أن يقول لهم وقد أقام الحجة عليهم في الآية الأولى (٤٦) قل لهم ﴿أرأيتكم﴾ أي أخبروني٣ ﴿إن أتاكم عذاب الله﴾ وقد استوجبتموه بصدوفكم عن الحق وإعراضكم عنه ﴿بغتة٤﴾ أي فجأة بدون سابق علامة، ﴿أو جهرة﴾ بعلامة تقدمته تنذركم به أخبروني من يهلك منا ومنكم؟ ﴿هل يهلك إلا القوم الظالمون﴾ ٥ بصرف العبادة إلى هن لا يستحقها وترك من وجبت له وهو الله الذي لا إله إلا هو ثم عزى الرحمن ﷻ رسوله بقوله: ﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين٦ ومنذرين﴾ أي ما نكلفهم بغير حمل البشارة بالنجاة ودخول الجنة لمن آمن وعمل صالحاً والنذارة لمن كفر وعمل سوءاً، فقال تعالى: ﴿فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ﴿والذين
стр. 722
كذبوا بآياتنا﴾ التي نرسل نجا المرسلين فلم يؤمنوا ولا يعملوا صالحا ﴿يمسهم العذاب﴾ ١ عذاب النار ﴿بما كانوا يفسقون﴾ بسبب فسقهم عن طاعتنا وطاعة رسلنا الفسق الذي أثمره لهم التكذيب بالآيات، إذ لو آمنوا بآيات الله لما فسقوا عن طاعته وطاعة رسوله فشؤمهم في تكذيبهم، وذلك جزاؤهم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- افتقار العبد إلى الله في سمعه وبصره وقلبه وفي كل حياته موجب عليه عبادة الله وحده دون سواه.
٢- هلاك الظالمين لا مناص منه عاجلاً أو آجلاً.
٣- بيان مهمة الرسل وهي البشارة لمن أطاع والنذارة من عصى والهداية والخيرات على الله تعالى.
٤- الفسق عن طاعة الله ورسوله ثمرة التكذيب، والطاعة ثمرة الإيمان.
قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ
стр. 723
عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)
شرح الكلمات:
خزائن: جمع خزانة أو خزينة ما يخزن فيه الشيء ويحفظ.
الغيب: ما غاب عن العيون وكان محصلاً في الصدور وهو نوعان غيب حقيقي وغيب إضافي والحقيقي مالا يعلمه إلا الله تعالى، والإضافي ما يعلمه أحد ويجهله آخر.
أنذر به: خوّف به أي بالقرآن.
الغداة: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والعشي من صلاة العصر إلى غروب الشمس.
فتطردهم: أي تبعدهم من مجلسك.
فتنا: ابتلينا بعضهم ببعض الغني بالفقير، والشريف بالوضيع.
من الله علينا: أي أعطاهم الفضل فهداهم إلى الإسلام في دوننا.
بالشاكرين: المستوجبين لفضل الله ومنته بسبب إيمانهم وصالح أعمالهم.
معنى الآيات:
مازال السياق مع العادلين بربهم الأصنام المنكرين للنبوة المحمدية فأمر الله تعالي رسوله أن يقول لهم: ﴿لا أقول لكم عندي خزائن الله١﴾ أي خزائن الأرزاق ﴿ولا أعلم الغيب﴾ أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب، ﴿ولا أقول لكم إني ملك﴾ من الملائكة ما أنا إلا عبد رسول أتبع ما يوحي٢ إليّ ربي فأقول وأعمل بموجب وحيه إليّ. ثم قال له اسألهم قائلاً ﴿هل
стр. 724
يستوي الأعمى١ والبصير؟﴾ والجواب لا، فكذلك لا يستوي المؤمن والكافر، والمهدي والضال ﴿أفلا تتفكرون﴾ أي مالكم لا تتفكرون فتهتدوا للحق وتعرفوا سبيل النجاة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٥٠) أما الآية الثانية (٥١) فإن الله تعالى يأمر رسوله أن ينذر بالقرآن المؤمنين العاصين فقال ﴿وأنذر٢ به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾ يوم القيامة وهم مذنبون، وليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع٣ فهؤلاء ينفعهم إنذارك بالقرآن أما الكفرة المكذبون فهم كالأموات لا يستجيبون وهذا كقوله تعالى من سورة ق ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ فهؤلاء إن أنذرتهم يرجى لهم أن يتقوا معاصي الله ومعاصيك أيها الرسول وهو معنى قوله تعالى: ﴿لعلهم يتقون﴾ . هذا ما تضمنته الآية الثانية (٥١) أما الآية الثالثة (٥٢) وهي قوله تعالى ﴿ولا تطرد٤ للذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، يريدون وجهه﴾ فإن بعض المشركين في مكة اقترحوا على الرسول ﷺ أن يبعد من مجلسه فقراء المؤمنين كبلال وعمار وصهيب حتى يجلسوا إليه ويسمعوا عنه فهمَّ الرسول ﷺ أن يفعل رجاء هداية أولئك المشركين فنهاه الله تعالى عن ذلك بقوله ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ في صلاة الصبح، وصلاة العصر، يريدون وجه الله ليرضى عنهم ويقربهم ويجعلهم من أهل ولايته وكرامته، ومبالغة في الزجر عن هذا الهم قال تعالى: ﴿ما عليك من حسابهم من شيء﴾ أي ما أنت بمسؤول عن خطاياهم إن كانت لهم خطايا، ولا هم بمسئولين عنك فلم تطردهم إذاً؟ ﴿فتطردهم٥ فتكون من الظالمين﴾ أي فلا تفعل، ولم يفعل ﷺ وصبر عليهم وحبس نفسه معهم وفي الآية الأخيرة (٥٣) يقول تعالى: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض﴾ ٦
стр. 725
أي هكذا ابتلينا بعضهم ببعض هذا غني وذاك فقير، وهذا وضيع وذاك شريف، وهذا قوي وذاك ضعيف ليؤول الأمر ويقول الأغنياء الشرفاء للفقراء الضعفاء من المؤمنين استخفافاً بهم واحتقاراً لهم: أهؤلاء الذين من الله عليهم بيننا بالهداية والرشد قال تعالى: ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ . بلى فالشاكرون هم المستحقون لإنعام الله بكل خير وأما الكافرون فلا يعطون ولا يزادون لكفرهم النعم، وعدم شكرهم لها.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير بشرية الرسول ﷺ .
٢- تقرير مبدأ أن الرسول لا يعلم الغيب، وأنه لا يتصرف في شيء من الكون.
٣- نفي مساواة المؤمن والكافر إذ المؤمن مبصر والكافر أعمى.
٤- استحباب مجالسة أهل الفاقة وأهل التقوى والإيمان.
٥- بيان الحكمة في وجود أغنياء وفقراء وأشراف ووضعاء، وأقوياء وضعفاء وهي الاختبار.
٦- الشاكرون مستوجبون لزيادة النعم، والكافرون مستوجبون لنقصانها وذهابها.
وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ١ رَّحِيمٌ (٥٤) وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ
стр. 726
أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٨) قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)
شرح الكلمات:
سلام عليكم: دعاء بالسلامة من كل مكروه، وهي تحية المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة في الجنة.
كتب ربكم على نفسه الرحمة: أي أوجب الرحمة على نفسه فلذا لا يعذب إلا بعد الإنذار، ويقبل توبة من تاب.
سوءاً: أي ذنباً أساء به إلى نفسه.
بجهالة: الجهالة أنواع منها: عدم تقدير عاقبة الذنب، ونسيان عظمة الرب.
تستبين: تتضح وتظهر.
نهيت: أي نهاني ربي أي زجرني عن عبادة أصنامكم.
تدعون: تعبدون.
بينة: البينة: الحجة الواضحة العقلية الموجبة للحكم بالفعل أو الترك.
إن الحكم: أي ما الحكم إلا لله.
يقص الحق: أي يخبر بالحق.
خير الفاصلين: الفصل في الشيء: القضاء والحكم فيه، والفاصل في القضية: الحاكم فيها ومنهيها.
معنى الآيات:
يرشد الله ﵎ رسوله إلى الطريقة المثلى في الدعوة إليه، بعد أن نهاه عن الطريقة التي هم بها وهي طرد المؤمنين من مجلسه ليجلس الكافرون رجاء هدايتهم فقال تعالى:
стр. 727
﴿وإذا جاءك الذين١ يؤمنون بآياتنا﴾ أي يصدقون بنبوتك وكتابك وما جئت به من الدين الحق فهؤلاء رحب بهم وقل٢ سلام عليكم ومهما كانت ذنوبهم التي ارتكبوها، وأخبرهم أن ربهم تعالى قد كتب٣ على نفسه الرحمة فلا يخافون ذنوبهم بعد توبتهم وإنابتهم إلى ربهم بالإيمان به وتوطين النفس على طاعته، ﴿أنه من عمل منكم سوءً٤ بجهالة ثم تاب من بعده﴾ أي أقلع عن الذنب نادماً مستغفراً، وأصلح نفسه بالصالحات فإن ربه غفور رحيم فسيغفر له ويرحمه. هكذا يستقبل كل عبد جاء مؤمناً مستفتياً يسأل عن طريق النجاة يستقبل بالبشر والطلاقة والتحية والسلام لا بالعنف والتقريع والتوبيخ. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٥٤) أما الآية الثانية (٥٥) فإنه تعالى بعد أن نهى رسوله عن الاستجابة لاقتراح المشركين المتكبرين، وعن طرد المؤمنين وعن حكمته في وجود أغنياء وفقراء وأقوياء وضعفاء في الناس وعن الطريقة المثلى في استقبال التائبين المستفتين بعد هذا كله قال تعالى: ﴿وكذلك نفصل الآيات﴾ أي مثل هذا التفصيل نفصل الآيات مستقبلاً لبيان الهداية الإلهية ليهتدي من أراد الله له الهداية وقد طلبها ورغب فيها، ولتستبين٥ وتتضح سبيل المجرمين، فلا تُتبع وَيَنْهى عن اتباعها، لأنها طريق الهلاك والدمار. هذا ما أفادته الآية الثانية أما الآيات الثالثة والرابعة والخامسة في هذا السياق فهي تحمل الهداية الإلهية للرسول ﷺ في طريق دعوته إلى ربه فكل آية من تلك الآيات مفتتحة بكلمة (قل) أي قل أيها الرسول لأولئك المشركين الذين يدعونك إلى موافقتهم على شركهم وعبادة غيري معهم ﴿أني نهيت﴾ أي نهاني ربي أن أعبد ما تدعون٦ من الأصنام والأوثان، وقل لهم: لا أتبع أهواءكم في عبادة غير الله تعالى الموروثة لكم عن آبائكم الضلال مثلكم إني إن فعلت أكون قد
стр. 728
ضللت١ إذاً وما أنا من المهتدين إلى سبل الفوز والفلاح. وقل: ﴿إني على بينة من ربي﴾ أي على علم يقيني من وجوب الإيمان بالله ووجوب توحيده وطاعته ووجوب الدعوة إلى ذلك، وكذبتم أنتم بهذا كله وبالعذاب إذ أنذرتكم به وأنا ما عندي ما تستعجلون به من العذاب، ولو كان عندي لحل بكم وانتهى أمركم، ولكن الحكم لله ليس لأحد غيره وقد قص عليكم أخبار السابقين المطالبين٢ رسلهم بالعذاب ورأيتم كيف حل بهم العذاب، ﴿والله يقص٣ الحق وهو خير الفاصلين﴾ فإذا أراد أن يحكم بيني وبينكم فإنه نعم الحكم والعدل وهو خير الحاكمين. وقل لهم يا رسولنا ﴿لو أن عندي ما تستعجلون به﴾ من العذاب ﴿لقضي الأمر بيني وبينكم﴾ بتدمير الظالم منا، ﴿والله أعلم بالظالمين﴾ ، ولا يهلك غيرهم لأنهم المستوجبون للعذاب بظلمهم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب الرفق والتلطف بالمستفتين وعدم الشدة والغلظة عليهم.
٢- إتباع أهواء أهل الأهواء والباطل يضل ويهلك.
٣- على المسلم الداعي إلى ربه أن يكون على علم كاف بالله تعالى وبتوحيده ووعده ووعيده وأحكام شرعه.
٤- وجوب الصبر والتحمل مما يلقاه الداعي من أهل الزيغ والضلال من الاقتراحات الفاسدة.
وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (٥٩)
стр. 729
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)
شرح الكلمات:
مفاتح الغيب: المفاتح: جمع١ مفتح بفتح الميم أي المخزن.
البر والبحر: البر ضد البحر، وهو اليابس من الأرض، والبحر ما يغمره الماء منها.
ورقة: واحدة الورق والورق للشجر كالسعف للنخل.
حبة: واحدة الحب من ذرة أو بر أو شعير أو غيرها.
ولا رطب: الرطب ضد اليابس من كل شيء.
في كتاب مبين: أي في اللوح المحفوظ كتاب المقادير.
يتوفاكم بالليل: أي ينيمكم باستتار الأرواح وحجبها عن الحياة كالموت.
جرحتم: أي كسبتم بجوارحكم من خير وشر.
ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى: أي يوقظكم لتواصلوا العمل إلى نهاية الأجل المسمى لكل.
حفظة: الكرام الكاتبين.
رسلنا: ملك الموت وأعوانه.
стр. 730
معنى الآيات:
لما ذكر تعالى في نهاية الآية السابقة أنه أعلم بالظالمين المستحقين للعقوبة أخبر أن الأمر كما قال ودليل ذلك أنه عالم الغيب والشهادة، إذ ﴿عنده مفاتح الغيب١﴾ أي خزائن الغيب وهو الغيب الذي استأثر بعلمه فلا يعلمه سواه٢ ويعلم ما في البر والبحر وهذا من عالم الشهادة، إضافة إلى ذلك أن كل شيء كان أو يكون من أحداث العالم قد حواه كتاب له اسمه اللوح المحفوظ، وهو ما دل عليه قوله: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب٣ ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ وما كتبه قبل وجوده فقد علمه إذاً فهو عالم الغيب والشهادة إضافة إلى ذلك أن كل شيء كان أو يكون من أحداث العالم قد حواه كتاب له اسمه اللوح المحفوظ، وهو ما دل عليه قوله: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ وما كتبه قبل وجوده فقد علمه إذاً فهو عالم الغيب والشهادة أحصى كل شيء عدداً وأحاط بكل شيء علماً، فكيف إذاً لا يعبد ولا يرغب فيه ولا يرهب منه وأين هو في كماله وجلاله من أولئك الأموات من أصنام وأوثان.؟؟ هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٥٩) وأما الآية الثانية (٦٥) فقد قررت ما دلت عليه الآية قبلها من قدرة الله وعلمه وحكمته فقال تعالى مخبراً عن نفسه ﴿وهو الذي يتوفاكم٤ بالليل﴾ حال نومكم إذ روح النائم تقبض ما دام نائماً ثم ترسل إليه عند إرادة الله بعثه من نومه أي يقظته، وقوله ﴿ثم يبعثكم فيه﴾ أي في النهار المقابل لليل، وعلة هذا أن يقضى ويتم الأجل الذي حدده تعالى للإنسان يعيشه وهو مدة عمره طالت أو قصرت، وهو معنى قوله ﴿ثم يبعثكم فيه ليُقضى أجل مسمى﴾ وقوله تعالى ﴿ثم إليه مرجعكم﴾ لا محالة وذلك بعد نهاية الأجل، ﴿ثم ينبئكم﴾ بعلمه ﴿بما كنتم تعملون﴾ من خير وشر ويجازيكم بذلك وهو خير الفاصلين. وفي الآية الثالثة يخبر تعالى عن نفسه أيضاً تقريراً لعظيم سلطانه الموجب له بالعبادة والرغبة والرهبة إذ قال مخبراً عن نفسه ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ ، ذو القهر التام
стр. 731
والسلطان الكامل على الخلق أجمعين ﴿ويرسل عليكم﴾ أيها الناس ﴿حفظة١﴾ بالليل والنهار يكتبون أعمالكم وتحفظ لكم لتجزوا بها ﴿حتى إذا جاء أحدكم الموت﴾ لانقضاء أجله ﴿توفته رسلنا﴾ ملك الموت وأعوانه، ﴿وهم لا يفرطون﴾ أي لا يضيعون ولا يقصرون وأخيراً يقول تعالى مخبراً بالأمر العظيم إنه الوقوف بين يدي الرب تعالى المولى الحق الذي يجب أن يعبد دون سواه، وقد كفره أكثر الناس وعصوه، وفسقوا عن أمره وتركوا طاعته وأدهى من ذلك عبدوا غيره من مخلوقاته فكيف يكون حسابهم والحكم عليهم؟ والله يقول: ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين٢﴾ .
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان مظاهر القدرة والعلم والحكمة لله تعالى.
٢- استئثار الله تعالى بعلم الغيب.
٣- كتاب المقادير حوى كل شيء حتى سقوط الورقة من الشجرة وعلم الله بذلك.
٤- صحة إطلاق الوفاة على النوم، وبهذا فسر قوله تعالى لعيسى إني متوفيك.
٥ - تقرير مبدأ المعاد والحساب والجزاء.
قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم
стр. 732
بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (٦٦) لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)
شرح الكلمات:
ينجيكم: يخلصكم مما تخافون.
تضرعاً وخفية: التضرع: الدعاء بتذلل وخفية بدون جهر بالدعاء.
من هذه: أي الهلكة.
من الشاكرين: المعترفين بفضلك الحامدين لك على فعلك.
كرب: الكرب: الشدّة الموجبة للحزن وألم الجسم والنفس.
تشركون: أي به تعالى بدعائهم أصنامهم وتقربهم إليها بالذبائح.
من فوقكم: كالصواعق ونحوها.
من تحت أرجلكم: كالزلزال والخسف ونحوها.
أو يلبسكم شيعاً: أي يخلط عليكم أمركم فتختلفون شيعاً وأحزاباً.
ويذيق بعضكم بأس بعض: أي يقتل بعضكم بعضاً فتذيق كل طائفة الأخرى ألم الحرب.
يفقهون: معاني ما نقول لهم.
وكذب به قومك: أي قريش.
الوكيل: صن يوكل إليه الشيء أو الأمر يدبره.
لكل نبأ مستقر: المستقر: موضع الاستقرار والنبأ: الخبر العظيم.
معنى الآيات:
ما زال السياق مع المشركين العادلين بربهم فيقول الله تعالى لرسوله قل لهم: ﴿من ينجيكم من ظلمات البر١ والبحر﴾ إذا ضل أحدكم طريقه في الصحراء ودخل عليه ظلام الليل، أو
стр. 733
ركب البحر فغشيته ظلمة السحاب والليل والبحر واضطربت نفسه من الخوف يدعو من؟ إنه يدعو الله وحده لعلمه أنه لا ينجيه إلا هو يدعوه ويتضرع إليه جهراً وسراً قائلاً وعزتك لئن أنجيتنا من هذه الهلكة التي حاقت بنا لنكونن من الشاكرين لك. ثم إذا نجاكم استجابة لدعائكم وأمنتم المخاوف عدتم فجأة إلى الشرك به بدعاء غيره. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٦٣) ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية، لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين﴾ ، وفي الآية الثانية (٦٤) يأمر الله تعالى رسوله أن يقول لهم جواباً لقوله من ينجيكم: ﴿الله ينجيكم منها١﴾ أي من تلك الحالة التي اضطربت لها نفوسكم وخشيتم فيها الهلاك وينجيكم أيضاً من كل كرب٢، ثم مع هذا يا للعجب أنتم تشركون٣ به تعالى أصنامكم. قل لهم يا رسولنا أن الله الذي ينجيكم من كل كرب هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من السماء فوقكم٤، أو من الأرض تحتكم، أو يخلط عليكم أمركم فتتنازعوا فتختلفوا فتصبحوا شيعاً وطوائف وفرقاً متعادية يقتل بعضكم بعضاً، فيذيق بعضكم بأس بعض، ثم قال الله تعالى لرسوله انظر يا رسولنا كيف نفصل الآيات بتنويع الكلام وتوضيح معانيه رجاء أن يفقهوا معنى ما نقول لهم فيهتدوا إلى الحق فيؤمنوا بالله وحده ويؤمنوا بلقائه وبرسوله وما جاء به فيكملوا ويسعدوا وفي الآية (٦٥) يخبر تعالى بواقع القوم: أنهم كذبوا بهذا القرآن وما أخبرهم به من الوعيد الشديد وهو الحق الذي ليس بباطل ولا يأتيه الباطل، ويأمر رسوله أن يقول لهم بعد تكذيبهم له ﴿لست عليكم بوكيل﴾ فأخاف من تبعة عدم إيمانكم وتوحيدكم ﴿لكل نبأ مستقر٥﴾ وقد أنبأتكم بالعذاب على تكذيبكم وشرككم ﴿وسوف تعلمون﴾ ذلك يوم يحل بكم وقد استقر نبأه يوم بدر والحمد لله.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- لا برهان أعظم على بطلان الشرك من أن المشركين يخلصون الدعاء لله تعالى في الشدة.
стр. 734
٢- لا منجى من الشدائد ولا منقذ من الكروب إلا الله .
٣- التحذير من الاختلاف المفضي١ إلى الانقسام والتكتل.
٤- ﴿لكل نبأ مستقر﴾ . أجري مجرى المثل، وكذا ﴿سوف تعلمون﴾ .
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (٧٠)
شرح الكلمات:
يخوضون في آياتنا: يتكلمون في القرآن طعناً فيه ونقداً له ولما جاء فيه.
فأعرض عنهم: قم محتجاً على صنيعهم الباطل، غير ملتفت إليهم.
بعد الذكرى: أي بعد التذكر.
стр. 735
ولكن ذكرى: أي موعظة لهم.
وذر الذين: أي اترك الكافرين.
لعبأ ولهوا: كونه لعباً لأنه لا يجنون منه فائدة قط، وكونه لهواً لأنهم يتلهون به وشغلهم عن الدين الحق الذي يكملهم ويسعدهم.
أن تبسل نفس: أي تسلم فتؤخذ فتحبس في جهنم.
كل عدل: العدل هنا: الفداء.
أبسلو: حبسوا في جنهم بما كسبوا من الشرك والمعاصي.
من حميم: الحميم الماء الشديد الحرارة الذي لا يطاق.
وعذاب أليم: أي شديد الألم والإيجاع وهو عذاب النار.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث مع أولئك العادلين المكذبين في! قول الله تعالى لرسوله ﴿وإذا رأيت١ الذين يخوضون في آياتنا﴾ يستهزئون بالآيات القرآنية ويسخرون مما دلت عليه من التوحيد والعذاب للكافرين ﴿فأعرض عنهم﴾ أي فصد عنهم وانصرف ﴿حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ وإن أنساك الشيطان نهينا هذا فجلست ثم ذكرت فقم ولا تقعد مع القوم الظالمين، وقوله تعالى: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء﴾ أي وليس على المؤمنين المتقين أنت وأصحابك يا رسولنا من تبعة ولا مسئولية ولكن إذا خاضوا في الباطل فقوموا ليكون ذلك ذكرى لهم فيكفون عن الخوض في آيات الله تعالى. وهذا كان بمكة قبل قوة الإسلام، ونزل بالمدينة النهي عن الجلوس مع الكافرين والمنافقين إذا خاضوا في آيات الله ومن جلس معهم يكون مثلهم وهو أمر عظيم قال تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم﴾ هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية.
стр. 736
أما الثالثة (٧٠) فإن الله تعالى يأمر رسوله أن يترك الذين اتخذوا دينهم الحق الذي جاءهم به رسول الحق لعباً ولهواً يلعبون به أو يسخرون منه ويستهزئون به وغرتهم الحياة الدنيا قال تعالى: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم١ لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا﴾ اتركهم فلا يهمك أمرهم وفي هذا تهديد لهم على ما هم عليه من الكفر والسخرية والاستهزاء، وقد أخبر تعالى في سورة الحجر أنه كفاه أمرهم إذ قال ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾ ، وقوله تعالى ﴿وذكر به﴾ أي بالقرآن ﴿أن تبسل نفس﴾ أي كي لا تبسل٢ ﴿بما كسبت﴾ أي كي لا تسلم نفس للعذاب بما كسبت من الشرك والمعاصي، ﴿ليس لها﴾ يوم تسلم للعذاب ﴿من دون الله ولي﴾ يتولى خلاصها، ﴿ولا شفيع﴾ يشفع لها فينجيها من عذاب النار ﴿وإن تعدل كل٣ عدل لا يؤخذ منها﴾ أي وإن تقدم ما أمكنها حتى ولو كان ملء الأرض ذهباً فداء لها لما نفعها ذلك ولما نجت من النار، ثم قال تعالى: ﴿أولئك الذين أبلسوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم﴾ أبلسوا: أسْلِمُوا وأخذوا إلى جهنم بما كسبوا من الذنوب والآثام لهم في جهنم شراب من ماء حميم حار وعذاب موجع اليم. وذلك بسبب كفرهم بالله وآياته ورسوله حيث نتج عن ذلك خبث أرواحهم فما أصبح يلائم وصفهم إلا عذاب النار قال تعالى من هذه السورة سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- حرمة الجلوس في مجالس يسخر فيها من الإسلام وشرائعه وأحكامه وأهله.
٢- وجوب القيام احتجاجاً من أي مجلس يعصى فيه الله ورسوله.
٣- مشروعية الإعراض في حال الضعف عن المستهزئين بالإسلام الذين غرتهم الحياة الدنيا من أهل القوة والسلطان وحسب المؤمن أن يعرض عنهم فلا يفرح بهم ولا يضحك لهم.
стр. 737
٤- وجوب التذكير بالقرآن وخاصة المؤمنين الذين يرجى توبتهم.
٥- من مات على كفره لم ينج من النار إذ لا يجد فداء ولا شفيعاً يخلصه من النار بحال.
قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)
شرح الكلمات:
أندعوا:: أي نعبد.
ما لا ينفعنا ولا يضرنا: أي ما لا يقدر على نفعنا ولا على ضرنا لو أراد ذلك لنا.
ونرد على أعقابنا: أي نرجع كفاراً بعد أن كنا مؤمنين.
استهوته الشياطين: أي أضلته في الأرض فهوى فيها تائه حيران لا يدري أين يذهب.
واتقوه: أي اتقوا الله بتوحيده في عبادته وترك معصيته.
ويوم يقول كن فيكون: أي في يوم القيامة.
الصور: بوق كالقرن ينفخ فيه إسرافيل ﵇.
الحكيم: في أفعاله الخبير بأحوال عباده.
стр. 738
معنى الآيات:
يدل السياق على أن عرضا من المشركين كان لبعض المؤمنين لأن يعبدوا معهم آلهتهم فأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم عرضهم الرخيص منكراً عليهم ذلك أشد الإنكار ﴿قل أندعوا من دون الله﴾ ، الاستفهام للإنكار، ﴿ما لا ينفعنا﴾ إن عبدناه، ﴿ولا يضرنا﴾ إن تركنا عبادته وبذلك نصبح وقد رددنا على أعقابنا١ من التوحيد إلى الشرك بعد إذ هدانا الله إلى الإيمان به ومعرفته ومعرفة دينه، ويكون حالنا كحال من أضلته الشياطين في الصحراء فتاه فيها فلا يدرى أين يذهب ولا أين يجيئ، ﴿وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا﴾ وهو لا يقدر على إجابتهم ولا الإتيان إليهم لشدة ما فعل استهواء٢ الشياطين في عقله. ثم أمره أن يقول أيضاً قل إن الهدى الحق الذي لا ضلال ولا خسران فيه هدى الله الذي هدانا إليه ألا إنه الإسلام، وقد أمرنا ربنا أن نسلم٣ له قلوبنا ووجوهنا لأنه رب العالمين فأسلمنا، كما أمرنا أن نقيم الصلاة فأقمناها وأن نتقيه فاتقيناه وأعلمنا أنا سنحشر إليه يوم القيامة فصدقناه في ذلك نم هدانا فلن نرجع بعد إلى الضلالة. هذا ما تضمنته الآيتان الأولى والثانية أما الثالثة (٧٣) فقد تضمنت تمجيد الرب بذكر مظاهر قدرته وعلمه وعدله فقال تعالى: ﴿وهو﴾ أي الله رب العالمين الذي أمرنا أن نسلم له فأسلمنا ﴿الذي خلق السموات والأرض بالحق٤﴾ فلم يخلقهما عبثاً وباطلاً بل خلقهما ليذكر فيهما ويشكر، ويوم يقول لما أراد إيجاده أو إعدامه أو تبديله كن فهو يكون كما أراد في قوله الحق دائماً ﴿وله الملك يوم٥ ينفخ في الصور﴾ ٦ نفخة الفناء فلا يبقى شيء إلا هو الواحد القهار فيقول جل ذكره ﴿لمن الملك اليوم﴾ فلا
стр. 739
يجيبه أحد فيجيب نفسه بنفسه قائلا: ﴿لله الواحد القهار﴾ ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ أي يعلم ما غاب في خزائن الغيب عن كل أحد، ويعلم الشهادة والحضور لا يخفي عليه أحد وهو الحكيم في تصرفاته وسائر أفعاله وتدابيره لمخلوقاته الخبير ببواطن الأمور وظواهرها لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء بهذا كان المعبود الحق الذي لا يجوز أن يعبد سواه بأي عبادة من العبادات التي شرعها ليُعْبَد بها.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- قبح الردة وسوء عاقبتها.
٢- حرمة إجابة أهل الباطل لما يدعون إليه من الباطل.
٣- لا هدى إلا هدى الله تعالى أي لا دين إلا الإسلام.
٤- وجوب الإسلام لله تعالى وإقامة الصلاة واتقاء الله تعالى بفعل المأمور وترك المنهي.
٥- تقرير المعاد والحساب والجزاء.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)
стр. 740
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)
شرح الكلمات:
إبراهيم: هو إبراهيم خليل الرحمن بن آزر من أولاد سام بن نوح ﵇.
أصناماً: جمع صنم تمثال من حجر.
آلهة: جمع إله بمعنى المعبود.
في ضلال: عدول عن طريق الحق.
ملكوت: مُلك.
جن عليه الليل: أظلم.
فلما أفل: أي غاب.
بازغاً: طالعاً والبزوغ الطلوع.
الضالين: العادلين عن طريق الحق إلى طريق الباطل.
وجهت وجهي: أقبلت بقلبي على ربي وأعرضت عما سواه.
حنيفاً: مائلاً عن الضلال إلى الهدى.
معنى الآيات:
مازال السياق في بيان الهدى للعادلين بربهم أصناماً يعبدونها لعلهم يهتدون فقال تعالى لرسوله محمد ﷺ : ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر﴾ ١ أي واذكر لهم قول إبراهيم لأبيه آزر: ﴿أتتخذ أصناماً آلهة﴾ ٢ أي أتجعل تماثيل من حجارة آلهة. أرباباً تعبدها أنت وقومك ﴿إني أراك﴾ يا أبت ﴿وقومك في ضلال مبين٣﴾ عن طريق الحق الذي ينجو ويفلح سالكه هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٧٤) أما الآية الثانية (٧٥) فإن الله تعالى يقول: ﴿وكذلك نُري إبراهيم٤