أما الثالثة (٧٠) فإن الله تعالى يأمر رسوله أن يترك الذين اتخذوا دينهم الحق الذي جاءهم به رسول الحق لعباً ولهواً يلعبون به أو يسخرون منه ويستهزئون به وغرتهم الحياة الدنيا قال تعالى: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم١ لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا﴾ اتركهم فلا يهمك أمرهم وفي هذا تهديد لهم على ما هم عليه من الكفر والسخرية والاستهزاء، وقد أخبر تعالى في سورة الحجر أنه كفاه أمرهم إذ قال ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾ ، وقوله تعالى ﴿وذكر به﴾ أي بالقرآن ﴿أن تبسل نفس﴾ أي كي لا تبسل٢ ﴿بما كسبت﴾ أي كي لا تسلم نفس للعذاب بما كسبت من الشرك والمعاصي، ﴿ليس لها﴾ يوم تسلم للعذاب ﴿من دون الله ولي﴾ يتولى خلاصها، ﴿ولا شفيع﴾ يشفع لها فينجيها من عذاب النار ﴿وإن تعدل كل٣ عدل لا يؤخذ منها﴾ أي وإن تقدم ما أمكنها حتى ولو كان ملء الأرض ذهباً فداء لها لما نفعها ذلك ولما نجت من النار، ثم قال تعالى: ﴿أولئك الذين أبلسوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم﴾ أبلسوا: أسْلِمُوا وأخذوا إلى جهنم بما كسبوا من الذنوب والآثام لهم في جهنم شراب من ماء حميم حار وعذاب موجع اليم. وذلك بسبب كفرهم بالله وآياته ورسوله حيث نتج عن ذلك خبث أرواحهم فما أصبح يلائم وصفهم إلا عذاب النار قال تعالى من هذه السورة سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- حرمة الجلوس في مجالس يسخر فيها من الإسلام وشرائعه وأحكامه وأهله.
٢- وجوب القيام احتجاجاً من أي مجلس يعصى فيه الله ورسوله.
٣- مشروعية الإعراض في حال الضعف عن المستهزئين بالإسلام الذين غرتهم الحياة الدنيا من أهل القوة والسلطان وحسب المؤمن أن يعرض عنهم فلا يفرح بهم ولا يضحك لهم.
стр. 737
٤- وجوب التذكير بالقرآن وخاصة المؤمنين الذين يرجى توبتهم.
٥- من مات على كفره لم ينج من النار إذ لا يجد فداء ولا شفيعاً يخلصه من النار بحال.
قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)
شرح الكلمات:
أندعوا:: أي نعبد.
ما لا ينفعنا ولا يضرنا: أي ما لا يقدر على نفعنا ولا على ضرنا لو أراد ذلك لنا.
ونرد على أعقابنا: أي نرجع كفاراً بعد أن كنا مؤمنين.
استهوته الشياطين: أي أضلته في الأرض فهوى فيها تائه حيران لا يدري أين يذهب.
واتقوه: أي اتقوا الله بتوحيده في عبادته وترك معصيته.
ويوم يقول كن فيكون: أي في يوم القيامة.
الصور: بوق كالقرن ينفخ فيه إسرافيل ﵇.
الحكيم: في أفعاله الخبير بأحوال عباده.
стр. 738
معنى الآيات:
يدل السياق على أن عرضا من المشركين كان لبعض المؤمنين لأن يعبدوا معهم آلهتهم فأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم عرضهم الرخيص منكراً عليهم ذلك أشد الإنكار ﴿قل أندعوا من دون الله﴾ ، الاستفهام للإنكار، ﴿ما لا ينفعنا﴾ إن عبدناه، ﴿ولا يضرنا﴾ إن تركنا عبادته وبذلك نصبح وقد رددنا على أعقابنا١ من التوحيد إلى الشرك بعد إذ هدانا الله إلى الإيمان به ومعرفته ومعرفة دينه، ويكون حالنا كحال من أضلته الشياطين في الصحراء فتاه فيها فلا يدرى أين يذهب ولا أين يجيئ، ﴿وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا﴾ وهو لا يقدر على إجابتهم ولا الإتيان إليهم لشدة ما فعل استهواء٢ الشياطين في عقله. ثم أمره أن يقول أيضاً قل إن الهدى الحق الذي لا ضلال ولا خسران فيه هدى الله الذي هدانا إليه ألا إنه الإسلام، وقد أمرنا ربنا أن نسلم٣ له قلوبنا ووجوهنا لأنه رب العالمين فأسلمنا، كما أمرنا أن نقيم الصلاة فأقمناها وأن نتقيه فاتقيناه وأعلمنا أنا سنحشر إليه يوم القيامة فصدقناه في ذلك نم هدانا فلن نرجع بعد إلى الضلالة. هذا ما تضمنته الآيتان الأولى والثانية أما الثالثة (٧٣) فقد تضمنت تمجيد الرب بذكر مظاهر قدرته وعلمه وعدله فقال تعالى: ﴿وهو﴾ أي الله رب العالمين الذي أمرنا أن نسلم له فأسلمنا ﴿الذي خلق السموات والأرض بالحق٤﴾ فلم يخلقهما عبثاً وباطلاً بل خلقهما ليذكر فيهما ويشكر، ويوم يقول لما أراد إيجاده أو إعدامه أو تبديله كن فهو يكون كما أراد في قوله الحق دائماً ﴿وله الملك يوم٥ ينفخ في الصور﴾ ٦ نفخة الفناء فلا يبقى شيء إلا هو الواحد القهار فيقول جل ذكره ﴿لمن الملك اليوم﴾ فلا
стр. 739
يجيبه أحد فيجيب نفسه بنفسه قائلا: ﴿لله الواحد القهار﴾ ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ أي يعلم ما غاب في خزائن الغيب عن كل أحد، ويعلم الشهادة والحضور لا يخفي عليه أحد وهو الحكيم في تصرفاته وسائر أفعاله وتدابيره لمخلوقاته الخبير ببواطن الأمور وظواهرها لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء بهذا كان المعبود الحق الذي لا يجوز أن يعبد سواه بأي عبادة من العبادات التي شرعها ليُعْبَد بها.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- قبح الردة وسوء عاقبتها.
٢- حرمة إجابة أهل الباطل لما يدعون إليه من الباطل.
٣- لا هدى إلا هدى الله تعالى أي لا دين إلا الإسلام.
٤- وجوب الإسلام لله تعالى وإقامة الصلاة واتقاء الله تعالى بفعل المأمور وترك المنهي.
٥- تقرير المعاد والحساب والجزاء.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)
стр. 740
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)
شرح الكلمات:
إبراهيم: هو إبراهيم خليل الرحمن بن آزر من أولاد سام بن نوح ﵇.
أصناماً: جمع صنم تمثال من حجر.
آلهة: جمع إله بمعنى المعبود.
في ضلال: عدول عن طريق الحق.
ملكوت: مُلك.
جن عليه الليل: أظلم.
فلما أفل: أي غاب.
بازغاً: طالعاً والبزوغ الطلوع.
الضالين: العادلين عن طريق الحق إلى طريق الباطل.
وجهت وجهي: أقبلت بقلبي على ربي وأعرضت عما سواه.
حنيفاً: مائلاً عن الضلال إلى الهدى.
معنى الآيات:
مازال السياق في بيان الهدى للعادلين بربهم أصناماً يعبدونها لعلهم يهتدون فقال تعالى لرسوله محمد ﷺ : ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر﴾ ١ أي واذكر لهم قول إبراهيم لأبيه آزر: ﴿أتتخذ أصناماً آلهة﴾ ٢ أي أتجعل تماثيل من حجارة آلهة. أرباباً تعبدها أنت وقومك ﴿إني أراك﴾ يا أبت ﴿وقومك في ضلال مبين٣﴾ عن طريق الحق الذي ينجو ويفلح سالكه هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٧٤) أما الآية الثانية (٧٥) فإن الله تعالى يقول: ﴿وكذلك نُري إبراهيم٤
стр. 741
ملكوت١ السموات﴾ والأرض أي كما أريناه الحق في بطلان عبادة أبيه للأصنام نريه أيضاً مظاهر قدرتنا وعلمنا وحكمنا الموجبة لألوهيتنا في ملك السموات والأرض، ليكون بذلك من جملة الموقنين، واليقين من أعلى مراتب الأيمان. هذا ما دلت عليه الآية الثانية وفي الثالثة (٧٦) فصّل الله تعالى ما أجمله في قوله ﴿نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض﴾ فقال تعالى: ﴿فلما جن عليه الليل﴾ أي أظلم ﴿رأى كوكبا﴾ قد يكون الزهرة ﴿قال هذا ربي٢ فلما أفل﴾ أي غاب الكوكب ﴿قال لا أحب الآفلين﴾ ، ﴿فلما رأى القمر٣ بازغاً﴾ أي طالعاً ﴿قال هذا ربي، فلما أفل﴾ أي غاب ﴿قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين﴾ ، في معرفة ربهم الحق. ﴿فلما رأى الشمس بازغة﴾ أي طالعة ﴿قال هذا ربي٤ هذا أكبر﴾ يعني من الكوكب والقمر ﴿فلما أفلت٥﴾ أي غابت بدخول الليل ﴿قال يا قوم إني بريء مما تشركون﴾ . هكذا واجه إبراهيم قومه عبدة الكواكب التي تمثلها أصنام منحوتة واجههم بالحقيقة التي أراد أن يصل إليها معهم وهي إبطال عبادة غير الله تعالى فقال ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً﴾ لا كما توجهون أنتم وجوهكم لأصنام نحتموها بأيديكم وعبدتموها بأهوائكم لا بأمر ربكم، وأعلن براءته في وضوح وصراحة: فقال: ﴿وما أنا من المشركين﴾ ٦.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- إنكار الشرك على أهله، وعدم إقرارهم ولو كانوا أقرب الناس إلى المرء.
٢- فضل الله تعالى وتفضله على من يشاء بالهداية الموصلة إلى أعلى درجاتها.
стр. 742
٣- مطلب اليقين وأنه من أشرف المطالب وأعزها، ويتم بالتفكر والنظر في الآيات.
٤- الاستدلال بالحدوث على وجود الصانع الحكيم وهو الله .
٥- سنة التدرج في التربية والتعليم.
٦- وجوب البراءة من الشرك وأهله.
وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)
شرح الكلمات:
حاجه قومه: جادلوه وحاولوا غلبة بالحجة، والحجة: البينة والدليل القوي.
أتحآجّوني في الله: أتجادلونني في توحيد الله وقد هداني إليه، فكيف أتركه وأنا منه على بينة.
سلطاناً: حجة وبرهاناً.
стр. 743
الأمن١: خلاف الخوف.
ولم يلبسوا إيمانهم بظلم: أي لم يخلطوا إيمانهم بشرك.
معنى الآيات:
لما أقام إبراهيم الدليل على بطلان عبادة غير الله تعالى وتبرأ من الشرك والمشركين حاجه قومه في ذلك فقال منكراً عليهم ذلك: ﴿أتحاجوني٢ في الله وقد هدان﴾ أي كيف يصح منكم جدال لي في توحيد الله وعبادته، وترك عبادة ما سواه من الآلهة المدعاة وهي لم تخلق شيئاً ولم تنفع ولم تضر، ومع هذا فقد هداني إلى معرفته وتوحيده وأصبحت على بينة منه ، هذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان﴾ . ولا شك أنهم لما تبرأ من آلهتهم خوفوه بها وذكروا له أنها قد تصيبه بمكروه٣ فرد ذلك عليهم قائلاً: ﴿ولا أخاف ما تشركون به﴾ من آلهة أن تصيبني بأذى، ﴿إلا أن يشاء ربي٤ شيئاً﴾ فإنه يكون قطعاً ففد ﴿وسع ربي كل شيء علماً﴾ ، ثم وبخهم قائلا ﴿أفلا تتذكرون﴾ فتذكروا ما أنتم عليه هو الباطل، وأن ما أدعوكم إليه هو الحق، ثم رد القول عليهم قائلاً ﴿وكيف أخاف ما أشركتم﴾ وهي أصنام جامدة لا تنفع ولا تضر لعجزها وحقارتها وضعفها، ولا تخافون أنتم الرب الحق الله الذي لا اله إلا هو المحيي المميت الفعال لما يريد، وقد أشركتم به أصناماً ما أنزل عليكم في عبادتها حجة ولا برهاناً تحتجون به على عبادتها معه . ثم قال لهم استخلاصاً للحجة وانتزاعا لها منهم فأي الفريقين أحق بالأمن من الخوف: أنا الموحد للرب، أم أنتم المشركون به؟ والجواب معروف وهو من يعبد رباً واحداً أحق بالأمن ممن يعبد آلهة شتى جمادات لا تسمع ولا تبصر. وحكم الله تعالى بينهم وفصل فقال: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم٥ بظلم﴾ أي ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، ﴿أولئك لهم
стр. 744
الأمن﴾ أي في الدنيا والآخرة ﴿وهم مهتدون﴾ في حياتهم إلى طريق سعادتهم وكمالهم وهو الإسلام الصحيح ثم قال تعالى: ﴿وتلك١ حجتنا آتيناها إبراهيم عل قومه﴾ إشارة إلى ما سبق من محاجة إبراهيم قومه ودحض باطلهم وإقامة الحجة عليهم. وقوله ﴿نرفع درجات من نشاء﴾ تقرير لما فضَّل به إبراهيم على غيره من الإيمان واليقين والعلم المبين. ثم علل تعالى لذلك بقوله: ﴿إن ربك حكيم عليم﴾ . حكيم في تدبيره عليم بخلقه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- مشروعية جدال المبطلين والمشركين لإقامة الحجة عليهم علهم يهتدون.
٢- بيان ضلال عقول أهل الشرك في كل زمان ومكان.
٣- التعجب من حال مذنب لا يخاف عاقبة ذنوبه.
٤- أحق العباد بالأمن من الخوف من آمن بالله ولم يشرك به شيئاً.
٥- تقرير معنى ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ .
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٨٧)
стр. 745
شرح الكلمات:
وهبنا له: أعطيناه تكرماً منا وإفضالا.
اسحق ويعقوب: إسحاق بن إبراهيم الخليل ويعقوب ولد إسحاق ويلقب بإسرائيل.
كلا هدينا: أي كل واحد منهما هداه إلى صراطه المستقيم.
ومن ذريته: أي ذرية إبراهيم.
داود وسليمان: داود الوالد وسليمان الولد وكل منهما ملك ورسول.
وزكريا ويحيى: زكريا الوالد ويحيى الولد وكل منهما كان نبياً رسولا.
على العالمين: أي عالمي زمانهم لا على الإطلاق، لأن محمداً ﷺ أفضل الأنبياء.
ومن ذرياتهم: أي من بعض الآباء والذرية والإخوة لا الجميع.
اجتبيناهم: اخترناهم للنبوة والرسالة وهديناهم إلى الإسلام.
معنى الآيات:
بعد أن ذكر تعالى ما آتى إبراهيم خليله من قوة الحجة والغلبة على أعدائه ذكر منَّة أخرى منَّ بها عليه وهي أنه١ وهبه اسحق ويعقوب بعد كبر سنه، اسحق الولد ويعقوب الحفيد وأنه تعالى هدى كلاً منهم الوالد والولد والحفيد، كما أخبر تعالى أنه هدى من قبلهم نوحاً، وهدى من ذريته٢ أي إبراهيم، وإن كان الكل من ذرية نوح، أي هدى من ذرية إبراهيم داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون٣، وأشار تعالى إلى أنهم كانوا محسنين، فجزاهم جزاء المحسنين والإحسان هو الإخلاص في العمل وأداؤه على الوجه الذي يرضي الرب ﵎ مع الإحسان العام لسائر المخلوقات بما يخالف الإساءة إليهم في القول والعمل. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٨٤) وأما الآية الثانية (٨٥) فقد ذكر تعالى أنه هدى كذلك إلى حمل رسالته والدعوة إليه والقيام بواجباته وتكاليف شرعه كلاً من زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، وأخبر أن كل واحد منهم كان من الصالحين الذين يؤدون حقوق الله كاملة وحقوق
стр. 746
عباده كذلك كاملة غير ناقصة وكانت المجموعة الأولى داود وسليمان ومن ذكر بعدهما الصفة الغالبة عليهم الإحسان لأنه كان فيهم ملك وسلطان ودولة، والمجموعة الثانية وهي زكريا ويحيى وعيسى وإلياس الصفة الغالية عليهم الصلاح لأنهم كانوا أهل زهد في الدنيا وأعراضها، والمجموعة الثالثة والأخيرة في الآية الثالثة (٨٦) وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط لم يغلب عليهم وصف مما وصف به المجموعتان الأولى والثانية، لأنهم وسط بين المجموعتين، فذكر تعالى أن كل واحد منهم فضله على عالمي زمانه، وكفى بذلك شرفاً وكرماً وخيراً. وأما الآية الأخيرة (٨٧) فإن الله تعالى يقول فيها، ومن آباء المذكورين من الأنبياء ومن ذرياتهم١ وإخوانهم هديناهم أيضاً وإن لم نذكر أسماءهم فهم كثير هديناهم إلى ما هدينا إليه آباءهم من الحق والدين الخالص الذي لا شائبة شرك فيه، واجتبينا٢ الجميع اخترناهم للنبوة والرسالة٣ ﴿وهديناهم إلى صراط مستقيم﴾ وهو الدين الإسلامي.
هداية الآيات
هن هداية الآيات:
١- سعة فضل الله.
٢ خير ما يعطى المرء في هذه الحياة الهداية إلى صراط مستقيم.
٣- فضيلة كل من الإحسان والصلاح.
٤- لا منافاة بين الملك والنبوة أو الإمارة والصلاح.
٥- فضيلة الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة.
ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ
стр. 747
يَعْمَلُونَ (٨٨) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)
شرح الكلمات:
هدى الله: الهدى ضد الضلال، وهدى الله ما يهدى إليه من أحب من عباده وهو الإيمان والاستقامة.
حبط عنهم ما كانوا يعملون: أي بطلت أعمالهم فلم يثابوا عليها بقليل ولا كثير.
الحكم: الفهم للكتاب مع الإصابة في الأمور والسداد فيها.
يكفر بها هؤلاء: يجحد بها أي بدعوتك الإسلامية هؤلاء: أي أهل مكة.
قوما ليسوا بها بكافرين: هم المهاجرون والأنصار بالمدينة النبوية.
اقتده: اقتد: أي اتبع وزيدت الهاء للسكت.
عليه أجراً: أي على إبلاغ دعوة الإسلام ثمناً مقابل الإبلاغ.
ذكرى: الذكرى: ما يذكر به الغافل والناسي فيتعظ.
معنى الآيات:
ما زال السياق في ذكر ما وهب الله تعالى لمن شاء من عباده من هدايات وكمالات لا يقدر على عطائها إلا هو فقال ذلك في الآية الأولى (٨٨) ذلك المشار إليه ما وهبه أولئك الرسل الثمانية عشر رسولاً وهداهم إليه من النبوة والدين الحق هو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده. وقوله تعالى: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون١﴾ يقرر به حقيقة علمية، وهي أنّ الشرك محبط للعمل فإن أولئك الرسل على كمالهم وعلو درجاتهم لو أشركوا بربهم سواه فعبدوا معه غيره لبطل كل عمل عملوه، وهذا من باب الافتراض، وإلا فالرسل معصومون
стр. 748
ولكن ليكون هذا عظة وعبرة للناس. هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الثانية (٨٩) فقد أشاد الله تعالى بأولئك الرسل السابقي الذكر مخبراً أنهم هم الذين آتاهم الكتاب وهي صحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داوود وإنجيل عيسى والحكم١ وهو الفهم والإصابة والسداد في الأمور كلها. ثم قال تعالى فإن يكفر بهذه الآيات القرآنية وما تحمله من شرائع وأحكام وهداية الإسلام ﴿إن يكفر بها هؤلاء﴾ من أهل مكة ﴿فقد وكلنا بها قوماً﴾ من قبل وهم الرسل المذكورون في هذا السياق وقوماً هم موجودون وهم المهاجرون والأنصار من أهل المدينة، ومن يأتي بعد من سائر البلاد والأقطار وقوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم٢ اقتده﴾ ، يأمر رسوله ﷺ أن يقتدي بأولئك الأنبياء المرسلين٣ في كمالاتهم كلها حتى يجمع ﷺ كل كمال فيهم فيصبح بذلك أكملهم على الإطلاق. وكذلك كان، وقوله تعالى في ختام الآية الكريمة: ﴿قل لا أسألكم عليه٤ أجراً﴾ يأمره تعالى أن يقول لأولئك العادلين بربهم الأصنام والأوثان المكذبين بنبوته وكتابه: ما أسألكم على القرآن الذي أمرت أن أقرأه عليكم لهدايتكم أجراً أي مالاً مقابل تبليغه إياكم ﴿إن هو إلا ذكرى للعالمين﴾ أي ما القرآن إلا موعظة للعالمين يتعظون بها إن هم القوا أسماعهم وتجردوا من أهوائهم وأرادوا الهداية ورغبوا فيها.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الشرك محبط للعمل كالردة والعياذ بالله تعالى.
٢- فضل الكتاب الكريم والسنة النبوية.
٣- وجوب الاقتداء بالرسول ﷺ وأهل العلم والصلاح من هذه الأمة.
٤- حرمة أخذ الأجرة على تبليغ الدعوة الإسلامية.
стр. 749
٥- القرآن الكريم ذكرى لكل من يقرأه أو يستمع إليه وهو شهيد حاضر القلب.
وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ١ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)
شرح الكلمات:
وما قدروا الله حق قدره: ما عظموه التعظيم اللائق به ولا عرفوه حق معرفته.
على بشر: أي إنسان من بني آدم.
الكتاب الذي جاء به موسى: التوراة.
قراطيس: جمع قرطاس: وهو ما يكتب عليه من ورق وغيره.
تبدونها: تظهرونها.
قل الله: هذا جواب: من أنزل الكتاب؟
ذرهم: اتركهم.
في خوضهم: أي ما يخوضون فيه من الباطل.
مبارك: أي مبارك فيه فخبره لا ينقطع، وبركته لا تزول.
أم القرى: مكة المكرمة.
يحافظون: يؤدونها بطهارة في أوقاتها المحددة لها في جماعة المؤمنين.
معنى الآيتين:
ما زال السياق مع العادلين بربهم أصنامهم وأوثانهم فقد أنكر تعالى عليهم إنكارهم للوحي
стр. 750
الإلهي وتكذيبهم بالقرآن الكريم إذ قالوا: ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ ، ومن هنا قال تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ أي ما عظموه كما ينبغي تعظيمه لما قالوا: ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ ١، ولقن رسوله الحجة فقال له قل لهم: ﴿من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً﴾ يستضاء به في معرفة الطريق إلى الله تعالى وهدى يهتدى به إلى ذلك وهو التوراة جعلها اليهود قراطيس يبدون بعضها ويخفون بعضها حسب أهوائهم وأطماعهم، وقوله: ﴿وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ أي وعلمكم الله بهذا القرآن من الحقائق العلمية كتوحيد الله تعالى وأسمائه وصفاته، والدار الآخرة وما فيها من نعيم مقيم، وعذاب أليم، ثم أمر الرسول أن يجيب عن السؤال الذي وجهه إليهم تبكيتاً: ﴿قل الله﴾ أي الذي أنزل التوراة على موسى هو الله. ﴿ثم ذرهم﴾ أي اتركهم ﴿في خوضهم﴾ أي في الباطل ﴿يلعبون﴾ ٢ حيث لا يحصلون من ذلك الخوض في الباطل على أي فائدة تعود عليهم فهم كاللاعبين من الأطفال. هذا ما تضمنته الآية الأولى (٩١) أما الآية الثانية (٩٢) فقد تضمنت أولاً الرد على قول من قال: ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ أي كيف يقال ما أنزل الله على بشر من شيء وهذا القرآن بين أيديهم يتلى عليهم أنزله الله مباركاً لا ينتهي خيره ولا يقل نفعه، مصدقاً لما سبقه من الكتب كالتوراة والإنجيل أنزلناه ليؤمنوا به، ﴿ولتنذر أم القرى٣﴾ أي أهلها ﴿ومن حولها﴾ من المدن والقرى القريبة والبعيدة لينذرهم عاقبة الكفر والضلال فإنها الخسران التام والهلاك الكامل، وثانياً الإخبار بأن الذين يؤمنون بالآخرة أي بالحياة في الدار الآخرة يؤمنون٤ بهذا القرآن، وهم على صلاتهم يحافظون وذلك مصداق إيمانهم وثمرته التي يجنيها المؤمنون الصادقون.
стр. 751
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- كل من كذب الله تعالى أو أشرك به أو وصفه بوصف لا يليق بجلاله فإنه لم يقدر الله حق قدره١.
٢- بيان تلاعب اليهود بكتاب الله في إبداء بعض أخباره وأحكامه وإخفاء بعض آخر وهو تصرف ناتج من الهوى واتباع الشهوات وإيثار الدنيا على الآخرة.
٣- بيان فضل الله على العرب بإنزال هذا الكتاب العظيم عليهم بلغتهم لهدايتهم.
٤- تعليم الرسول ﷺ كيفية الحجاج والرد على المجادلين والكاذبين.
٥- بيان علة ونزول الكتاب وهي الإيمان به وإنذار المكذبين والمشركين.
٦- الإيمان بالآخرة سبب لكل خير، والكفر به سبب لكل باطل وشر.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)
شرح الكلمات:
افترى على الله كذباً: اختلق على الله كذباً قال عليه ما لم يقل، أو نسب له ما هو منه
стр. 752
براء.
أوحي إلي: الوحي: الإعلام السريع الخفي بواسطة الملك وبغيره.
غمرات الموت: شدائده عند نزع الروح.
باسطوا أيديهم: للضرب وإخراج الروح.
عذاب الهون: أي عذاب الذل والمهانة.
فرادى: واحداً واحداً ليس مع أحدكم مال ولا رجال.
ما خولناكم: ما أعطيناكم من مال ومتاع.
وراء ظهوركم: أي في دار الدنيا.
وضل عنكم: أي غاب.
تزعمون: تدعون كاذبين.
معنى الآيات:
مازال السياق مع المشركين والمفترين الكاذبين على الله تعالى بإتخاذ الأنداد والشركاء فقال تعالى: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً﴾ بأن أدَّعى١ أن الله نبأه وأنه نبيه ورسوله كما ادعى سعد٢ بن أبي سرح بمكة ومسيلمة٣ في بني حنيفة بنجد والعنسى باليمن: اللهم لا أحد هو أظلم منه، وممن قال أوحى إلىّ شيء من عند الله، ولم يوح إليه شيء وممن قال: ﴿سأنزل مثل ما أنزل الله﴾ من الوحي والقرآن، ثم قال تعالى لرسوله: ﴿ولو نرى﴾ يا رسولنا ﴿إذ الظالمون في غمرات الموت﴾ أي في شدائد سكرات الموت، ﴿والملائكة﴾ ملك الموت وأعوانه ﴿باسطوا أيديهم﴾ بالضرب وإخراج الروح، وهم يقولون لأولئك المحتضرين تعجيزاً
стр. 753
وتعذيباً لهم: ﴿أخرجوا١ أنفسكم٢، اليوم تجزون عذاب الهون﴾ بسبب استكباركم٣ في الأرض بغير الحق إذ الحامل للعذرة وأصله نطفة قذرة، ونهايته جيفة قذرة، استكباره في الأرض حقاً إنه استكبار باطل لا يصح من فاعله بحال من الأحوال. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٩٣) أما الآية الثانية (٩٤) فإن الله تعالى يخبر عن حال المشركين المستكبرين يوم القيامة حيث يقول لهم ﴿لقد جئتمونا فرادى٤﴾ أي واحد واحداً ﴿كما خلقناكم﴾ حفاة٥ عراة غُزْلاً ﴿وتركتم ما خولناكم﴾ أي ما وهبناكم من مال وولد ﴿وراء ظهوركم﴾ أي في دار٦ الدنيا، ﴿وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء، وأنتم كاذبون في زعمكم مبطلون في اعتقادكم ﴿لقد نقطع بينكم﴾ أي انحل حبل الولاء بينكم، ﴿وضل عنكم ما كنتم تزعمون﴾ أي ما كنتم تكذبون به في الدنيا.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- قبح الكذب على الله تعالى في أي شكل، وأن صاحبه لا أظلم منه قط.
٢- تقرير عذاب القبر، وسكرات الموت وشدتها، وفي الحديث: أن للموت سكرات.
٣- قبح الاستكبار وعظم جرمه.
٤- تقرير عقيدة البعث الآخر والجزاء على الكسب في الدنيا.
٥- انعدام الشفعاء يوم القيامة إلا ما قضت السنة الصحيحة من شفاعة النبي ﷺ والعلماء والشهداء بشروط هي: أن يأذن الله للشافع أن يشفع وأن يرضى عن المشفوع له.
إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ
стр. 754
الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)
شرح الكلمات:
فالق الحب والنوى: شاق الحب كحب البر ليخرج منه الزرع، والنوى واحده نواة وشقها ليخرج منها الفسيلة (النخلة الصغيرة) .
يخرج الحي من الميت: الدجاجة من البيضة.
ومخرج الميت من الحي:: البيضة من الدجاجة.
فأنى تؤفكون: كيف تصرفون عن توحيد الله الذي هذه قدرته إلى عبادة الجمادات.
فالق الإصباح: الإصباح: بمعنى الصبح وفلقه: شقه ليتفجر منه النور والضياء.
стр. 755
سكنا: يسكن فيه الناس ويخلدون للراحة.
حسباناً: أي حسابا بهما تعرف الأوقات الأيام والليالي والشهور والسنون.
تقدير العزيز العليم: إيجاد وتنظيم العزيز الغالب على أمره العليم بأحوال وأفعال عباده.
لتهتدوا بها: أي ليهتدي بها المسافرون في معرفة طرقهم في البر والبحر.
من نفس واحدة: هي آدم أبو البشر ﵇.
فمستقر: أي في الأرحام.
ومستودع: أي في أصلاب الرجال.
يفقهون: أسرار ألأشياء وعلل الأفعال فيهتدوا لما هو حق وخير.
خضراً: هو أول ما يخرج من الزرع ويقال له القصيل الأخضر.
متراكبا: أي بعضه فوق بعض وهو ظاهر في السنبلة.
طلع النخل: زهرها.
قنوان: واحده قنو وهو العِذْق وهو العُرْجون بلغة أهل المغرب.
مشتبهاً وغير متشابه: في اللون وغير مشتبه في الطعم.
وينعه: أي نضجه واستوائه.
معنى الآيات:
ما زال السياق في بيان الدليل على وجوب توحيد الله تعالى وبطلان عبادة غيره فقال تعالى واصفاً نفسه بأفعاله العظيمة الحكيمة التي تثبت ربوبيته وتقرر ألوهيته وتبطل ربوبية وألوهية غيره مما زعم المشركون أنها أرباب لهم وآلهة: ﴿إن الله فالق الحب والنوى﴾ أي هو الذي يفلق الحب ويخرج منه الزرع لا غيره وهو الذي يفلق النوى، ويخرج منه الشجر والنخل لا غيره فهو الإله الحق إذا وما عداه باطل، وقال: ﴿يخرج الحيّ من الميت﴾ فيخرج الزرع الحيّ من الحب الميت ﴿ويخرج الميت١ من الحيّ﴾ فيخرج الحب من الزرع الحيّ، والنخلة والشجرة من النواة الميتة ثم يقول: ﴿ذلكم الله﴾ أي المستحق للإلهية أي العبادة وحده ﴿فأنى
стр. 756
تؤفكون﴾ أي فكيف يا للعجب تصرفون عن عبادته وتأليهه إلى تأليه وعبادة غيره. ويقول: ﴿فالق، الإصباح١﴾ أي هو الله الذي يفلق ظلام الليل فيخرج منه ضياء النهار ﴿وجعل الليل سكناً﴾ : أي ظرف سكن وسكون وراحة تسكن فيه الأحياء من تعب النهار والعمل فيه ليستريحوا، وقوله: ﴿والشمس والقمر٢ حسباناً﴾ أي وجعل الشمس والقمر يدوران في فلكيهما بحساب تقدير لا يقدر عليه إلا هو، وبذلك يعرف الناس الأوقات وما يتوقف عليها من عبادات وأعمال وآجال وحقوق ثم يشير إلى فعله ذلك فيقول: ﴿ذلك تقدير العزيز﴾ الغالب على أمره ﴿العليم﴾ بسائر خلقه وأحوالهم وحاجاتهم وقد فعل ذلك لأجلهم فكيف إذاً لا يستحق عبادتهم وتأليههم؟ عجباً لحال بني آدم ما أضلهم؟!
ويقول تعالى في الآية الثالثة (٩٧) ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾ هذه منة أخرى من مننه على الناس ومظهراً آخر من مظاهر قدرته حيث جعل لنا النجوم لمهتدي به مسافرونا في البر والبحر حتى لا يضلوا طريقهم فيهلكوا فهي نعمة لا يقدر على الإنعام بها إلا الله، فلم إذاً يكفر به ويعبد سواه؟ وقوله: ﴿قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون﴾ يخبر به تعالى على نعمة أخرى وهي تفصيله تعالى للآيات وإظهارها لينتفع بها العلماء الذين يميزون بنور العلم بين الحق والباطل والضار والنافع ويقول في الآية الرابعة (٩٨) ﴿وهو الذي أنشأكم -أي خلقكم- من نفس واحدة﴾ هي آدم ﵇، فبعضكم مستقر في الأرحام وبعضنا٣ مستودع في الأصلاب وهو مظهر من مظاهر إنعامه وقدرته ولطفه وإحسانه، ويختم الآية بقوله ﴿قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون﴾ لتقوم لهم الحجة على ألوهيته تعالى دون ألوهية ما عداه من سائر المخلوقات لفهمهم أسرار الكلام وعلل الحديث ومغزاه.
ويقول في الآية (٩٩) ﴿وهو الذي أنزل من السماء ماءً﴾ وهو ماء المطر ويقول ﴿فأخرجنا
стр. 757
به نبات كل شيء﴾ أي ينبت أي قابل للإنبات من سائر الزروع والنباتات ويقول فأخرجنا من ذلك النبات خضراً وهو١ القصيل للقمح والشعير، ومن الخضر٢ يخرج حباً متراكباً في سنابله، ويقول : ﴿ومن النخْل من طلعها قنوان دانية﴾ أي ويخرج بإذن الله تعالى من طلع النخل قنوان جمع قنو العذق دانية متدلية وقريبة لا يتكلف مشقة كبيرة من أراد جنيها والحصول عليها٣ وقوله ﴿وجنات من أعناب﴾ يقول وأخرجنا به بساتين من نخيل وأعناب، وأخرجنا به كذلك الزيتون والرمان حال كونه مشتبهاً في اللون وغير متشابه في الطعم، كلوا من ثمره إذا أثمر وينعه ينبت لديكم ذلك التشابه وعدمه، وختم الآية بقوله: إن في ذلكم المذكور كله ﴿لآيات﴾ علامات ظاهرات تدل على وجوب ألوهية الله تعالى وبطلان ألوهية غيره ﴿لقوم يؤمنون﴾ لأنهم أحياء يفعلون ويفكرون ويفهمون أما غيرهم من أهل الكفر فهم أموات القلوب لما ران عليها من أوضار الشرك والمعاصي فهم لا يعقلون ولا يفقهون فأنى لهم أن يجدوا في تلك الآيات ما يدلهم على توحيد الله ؟
هداية الآيات
هن هداية الآيات:
١- الله خالق كل شيء فهو رب كل شيء ولذا وجب أن يؤله وحده دون ما سواه.
٢- تقرير قدرة الله على كل شيء وعلمه بكل شيء وحكمته في كل شيء.
٣- فائدة خلق النجوم وهي الاهتداء بها في السير في الليل في البر والبحر.
٤- يتم إدراك ظواهر الأمور وبواطنها بالعقل.
٥- يتم إدراك أسرار الأشياء بالفقه.
٦- الإيمان بمثابة الحياة، والكفر بمثابة الموت في إدراك الأمور.
وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا
стр. 758
يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)
شرح الكلمات:
شركاء: جمع شريك في عبادته تعالى.
الجن: عالم كعالم الإنس إلا أنهم أجسام خفية لا ترى لنا إلا إذا تشكلت بما يُرى.
وخرقوا: اختنقوا وافتاتوا.
يصفون: من صفات العجز بنسبة الولد والشريك إليه.
بديع السموات والأرض: مبدع خلقهما حيث أوجدهما على غير مثال سابق.
أنى يكون له ولد: أي كيف يكون له ولد؟ كما يقول المبطلون.
ولم تكن له صاحبة: أي زوجة.
لا تدركه الأبصار: لا تراه في الدنيا، ولا تحيط به في الآخرة.
وهو يدرك الأبصار: أي محيط علمه بها.
وهو اللطيف: الذي ينفذ علمه إلى بواطن الأمور وخفايا الأسرار فلا يحجبه شيء.
معنى الآيات:
لقد جاء في الآيات السابقة من الأدلة والبراهين العقلية ما يبهر العقول ويذلها لقبول التوحيد، وأنه لا إله إلا الله، ولا رب سواه، ولكن مع هذا فقد جعل الجاهلون لله من
стр. 759
الجن شركاء فأطاعوهم فيما زينوا لهم من عبادة الأصنام والأوثان، وهذا ما أخبر به تعالى في هذه الآية الكريمة (١٠٠) إذ قال ﴿وجعلوا لله شركاء الجن١ وخلقهم٢ وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون﴾ ومعنى الآية وجعل العادلون بربهم الأصنام والجن شركاء لله في عبادته، وذلك بطاعتهم فيما زينوا لهم من عبادة الأصنام، والحال أنه قد خلقهم فالكل مخلوق له العابد والمعبود من الجن والأصنام، وزادوا في ضلالهم شوطاً آخر حيث اختلقوا له البنين والبنات وهذا كله من تزيين الشياطين لهم وإلا فأي معنى في أن يكون لخالق العالم كله بما فيه الإنس والجن والملائكة أبناء وبنات. هذا ما عناه تعالى بقوله: ﴿وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون﴾ فنزه الرب ﵎ نفسه عما وصفوه به كذباً بحتاً وتخرّصاً كاملاً من أن له بنين وبنات وليس لهم على ذلك أي دليل علمي لا عقلي ولا نقلي، وقد شارك في هذا الباطل العرب المشركون حيث قالوا الملائكة بنات الله، واليهود حيث قالوا عزير ابن الله، والنصارى إذ قالوا المسيح ابن الله، تعالى الله عما يقول المبطلون. هذا ما تضمنته الآية الأولى أما الآية الثانية (١٠١) فقد تضمنت إقامة الدليل الذي لا يرد على بطلان هذه الفرية المنكرة فرية نسبة الولد لله ، فقال تعالى: ﴿بديع السموات والأرض﴾ أي خالقهما على غير مثال سابق ﴿أنى٣ يكون له ولد ولم تكن له صاحبة﴾ أي يا للعجب كيف يكون لله ولد ولم تكن له زوجة إذ التوالد يكون بين ذكر وأنثى لحاجة إليه لحفظ النوع وكثرة النسل لعمارة الأرض بل ولعبادة الرب تعالى بذكره وشكره، أما الرب تعالى فهو خالق كل شيء ورب كل شيء فأي معنى لاتخاذ ولد له، لولا تزيين الشياطين للباطل حتى يقبله أولياؤهم من الإنس، وقوله تعالى: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ دليل آخر على بطلان ما خرق أولئك الحمقى لله من ولد، إذ لو كان لله ولد لعلمه وكيف لا، وهو بكل شيء عليم. هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الثالثة (١٠٢)
стр. 760
وهي قوله تعالى: ﴿ذلكم الله ربكم لا اله إلا هو خالق كل شيء١﴾ أي ذلكم الله الذي هو بديع السموات والأرض والخالق لكل شيء والعليم بكل شيء هو ربكم الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ولا تشركوا به سواه. وإنه لكفيل برزقكم وحفظكم ومجازاتكم على أعمالكم وهو على كل شيء قدير. والآية الأخيرة في السياق الكريم (١٥٣) يقرر تعالى حقيقة كبرى وهى أن الله تعالى مباين لخلقه في ذاته وصفاته ليس كمثله شيء فكيف يشرك به وكيف لكون له ولد، وهو لا تدركه الأبصار٢ وهو يدركها وهو اللطيف٣ الذي ينفذ علمه وقدرته في كل ذرات الكون علويِّه وسفليِّه الخبير بكل خلقه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وهو العزيز الحكيم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- أن من الإنس من عبد الجن بطاعتهم وقبول ما يأمرونهم به ويزينونه لهم.
٢- تنزه الرب تعالى عن الشريك والصاحبة والولد ٣- مباينة الرب ﵎ لخلقه.
٤- استحالة رؤية الرب في الدنيا٤، وجوازها في الآخرة لأوليائه في دار كرامته.
قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ
стр. 761
الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (١٠٧)
شرح الكلمات:
بصائر من ربكم: البصائر جمع بصيرة: والمراد بها هنا الآيات المعرفة بالحق المثبتة له بطريق الحجج العقلية فهي في قوة العين المبصرة لصاحبها.
حفيظ: وكيل مسئول.
نصرف الآيات: نجريها في مجاري مختلفة تبياناً للحق وتوضيحاً للهدى المطلوب.
وليقولوا درست: أي تعلمت وقرأت لا وحياً أوحي إليك.
وأعرض عن المشركين: أي لا تلتفت إليهم وامضِ في طريق دعوتك.
ولو شاء الله ما أشركوا: أي لو شاء أن يحول بينهم وبين الشرك حتى لا يشركوا لَفَعَل وما أشركوا.
معنى الآيات:
ما زال السياق في طلب هداية المشركين وبيان الطريق لهم ففي هذه الآية يقول ﴿قد جاءكم﴾ أي أيها الناس ﴿بصائر من١ ربكم﴾ وهي آيات القرآن الموضحة لطريق النجاة ﴿فمن أبصر﴾ بها وهي كالعين المبصرة ﴿فلنفسه﴾ إبصاره إذ هو الذي ينجو ويسعد ﴿ومن عمي﴾ فلم يبصر فعلى نفسه عماه إذ هي التي تهلك وتشقى وقل لهم يا رسولنا ﴿ما أنا عليكم بحفيظ﴾ أي بوكيل مسئول عن هدايتكم، وفي الآية الثانية (١٠٥) يقول تعالى: ﴿وكذلك٢ نصرف الآيات﴾ أي بنحو ما صرفناها من قبل في هذا القرآن نصرفها كذلك لهداية مريدي الهداية والراغبين٣ فيها أما غيرهم فسيقولون درست٤ وتعلمت من غيرك حتى يحرموا الإيمان
стр. 762
بك وبرسالتك والعياذ بالله تعالى، وفي الآية الثالثة (١٠٦) يأمر الله تعالى رسوله باتباع ما يوحى إليه من الحق والهدى، والإعراض عن المشركين المعاندين الذين يقولون درست حتى لا يأخذوا بما آتيتهم به ودعوتهم إليه من آيات القرآن الكريم إذ قال تعالى له: ﴿اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين١﴾ ، وفي الآية الرابعة (١٠٧) يسلي الرب تعالى رسوله ويخفف عنه آلام إعراض المشركين عن دعوته ومحاربته فيها فيقول له: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾ ٢ أي لو يشاء الله عدم إشراكهم لما قدروا على أن يشركوا إذا فلا تحزن عليهم، هذا أولاً، وثانياً ﴿وما جعلناك عليهم حفيظاً﴾ تراقبهم وتحصي عليهم أعمالهم وتجازيهم بها، وما أرسلناك عليهم وكيلا تتولى هدايتهم بما فوق طاقتك ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ وقد بلغت إذاً فلا أسى ولا أسف!!
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- آيات القرآن بصائر من يأخذ بها يبصر طريق الرشاد وينجو ويسعد.
٢- ينتفع بتصريف الآيات وما تحمله من هدايات العالمون لا الجاهلون وذلك لقوله تعالى في الآية الثانية (١٠٥) ﴿ولنبينه لقوم يعلمون﴾ .
٣- بيان الحكمة في تصريف الآيات وهي هداية من شاء الله هدايته.
٤- وجوب اتباع الوحي المتمثل في الكتاب والسنة النبوية.
٥- بيان بطلان مذهب القدرية "نفاة القدر".
وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٠٨) وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ
стр. 763
لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)
شرح الكلمات:
ولا تسبوا: ولا تشتموا آلهة المشركين حتى لا يسبوا الله تعالى.
عدواً: ظلماً.
زينا لكل أمة عملهم: حسناه لهم خيراً كان أو شراً حتى فعلوه.
جهد أيمانهم: أي غاية اجتهادهم في حلفهم بالله.
آية: معجزة كإحياء الموتى ونحوها.
وما يشعركم: وما يدريكم
ونذرهم: نتركهم.
يعمهون: حيارى يترددون.
معنى الآيات:
عندما ظهر رسول الله ﷺ وأصبح يصدع بالدعوة جهراً بعد ما كانت سراً أخذ بعض أصحابه يسبون أوثان المشركين، فغضب لذلك المشركون وأخذوا يسبون الله تعالى إله المؤمنين وربهم فنهاهم تعالى عن ذلك أي عن سب آلهة المشركين بقوله: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله﴾ أي لا تسبوا آلهتهم ﴿فيسبوا١ الله عدواً٢﴾ أي ظلماً واعتداء بغير علم، إذ لو علموا جلال الله وكماله لما سبوه، وقوله تعالى: ﴿وكذلك زينا لكل أمة عملهم﴾ بيان منه تعالى لسنته في خلقه وهي أن المرء إذا أحب شيئاً ورغب فيه وواصل ذلك الحب وتلك الرغبة يصبح زيناً له ولو كان في الواقع شيئاً ويراه حسناً وإن كان في حقيقة الأمر
стр. 764
قبيحاً، ومن هنا كان دفاع المشركين عن آلهتهم الباطلة من هذا الباب فلذا لم يرضوا أن تسب لهم وهددوا الرسول والمؤمنين بأنهم لو سبوا آلهتهم لسبوا لهم آلهتهم وهو الله تعالى، وقوله تعالى ﴿ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون﴾ يخبر تعالى أن مرجع الناس المزين لهم أعمالهم خيرها وشرها ورجوعهم بعد نهاية حياتهم إلى الله ربهم فيخبرهم بأعمالهم ويطلعهم عليها ويجزيهم بها الخير بالخير والشر بالشر. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٠٨) وأما الآيتان الثانية (١٠٩) والثالثة (١١٠) فقد أخبر تعالى أن المشركين أقسموا١ بالله أبلغ إيمانهم وأقصاها أنهم إذا جاءتهم آية كتحويل جبل الصفا إلى ذهب آمنوا عن آخرهم بنبوة محمد ﷺ ورسالته واتبعوه على دينه الذي جاء به، قال هذا رؤساء المشركين، والله يعلم أنهم إذا جاءتهم الآية لا يؤمنون، فأمر رسوله أن يرد عليهم قائلاً: ﴿إنما الآيات عند الله﴾ هو الذي يأتي بها إن شاء أما أنا فلا أملك ذلك. إلا أن المؤمنين من أصحاب الرسول ﷺ رغبوا في مجيء الآية حتى يؤمن المشركون وينتهي الصراع الدائر بين الفريقين فقال تعالى لهم: ﴿وما يشعركم٢﴾ أيها المؤمنون ﴿أنها إذا جاءت٣ لا يؤمنون﴾ أي وما يدريكم أن الآية لو جاءت لا يؤمن بها المشركون؟ وبين علة عدم إيمانهم فقال: ﴿ونقلب أفئدتهم﴾ فلا تعي ولا تفهم ﴿وأبصارهم﴾ فلا ترى ولا تبصر. فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا بالقرآن أول مرة لما دعوا إلى الإيمان به ﴿ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ أي ونتركهم في شركهم وظلمهم حيارى يترددون لا يعرفون الحق من الباطل ولا الهداية من الضلال.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- حرمة قول أو فعل ما يتسبب٤ عنه يسب الله ورسوله.
٢- بيان سنة الله في تزيين الأعمال لأصحابها خيراً كانت أو شراً.
٣- بيان أن الهداية بيد الله تعالى وأن المعجزات قد لا يؤمن عليها من شاهدها.
стр. 765
الجزء الثامن
وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (١١٣)
شرح الكلمات:
الملائكة: أجسام نورانية يعمرون السموات عباد مكرمون لا يعصون الله تعالى ويفعلون ما يؤمرون لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة.
الموتى: جمع ميت: من فارقته الحياة أي خرجت منه روحه.
حشرنا: جمعنا.
قبلا: معاينة
يجهلون: عظمة الله وقدرته وتدبيره وحكمته.
شياطين: جمع شيطان: وهو من خبث وتمرد من الجن والإنس.
يوحي بعضهم: يعلم بطريق سريع خفي بعضهم بعضاً.
زخرف القول: الكذب المحسن والمزين.
غروراً: للتغرير بالإنسان.
يفترون: يكذبون.
ولتصغى إليه: تميل إليه.
وليقترفوا: وليرتكبوا الذنوب والمعاصي.
стр. 766
معنى الآيات:
ما زال السياق في أولئك العادلين بربهم المطالبين بالآيات الكونية ليؤمنوا إذا شاهدوها فأخبر تعالى في هذه الآيات أنه لو نزل إليهم الملائكة من١ السماء وأحيى لهم الموتى فكلموهم وقالوا لهم لا إله إلا الله محمد رسول الله، وحشر علمهم كل شيء٢ أمامهم يعاينونه معاينة أو تأتيهم المخلوقات قبيلاً بعد قبيل وهم يشاهدونهم ويقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ما كانوا ليؤمنوا بك ويصدقوك ويؤمنوا بما جئت به إلا أن يشاء٣ الله ذلك منهم. ولكن أكثر أولئك العادلين بربهم الأصنام والأوثان يجهلون أن الهداية بيد الله تعالى وليست بأيديهم كما يزعمون وأنهم لو رأوا الآيات آمنوا.
هذا ما دلت عليه الآية (١١١) أما الآية الثانية (١١٢) فإن الله تعالى يقول وكما كان لك يا رسولنا من هؤلاء العادلين أعداء يجادلونك ويحاربونك جعلنا لكل نبي أرسلناه أعداء يجادلونه ويحاربونه ﴿شياطين٤ الإنس والجن يوحي٥ بعضهم إلى بعض زخرف القول﴾ أي القول المزين بالباطل المحسن بالكذب ﴿غرورا﴾ أي للتغرير والتضليل، ﴿ولو شاء ربك﴾ أيها الرسول عدم فعل ذلك الإيحاء والوسواس ﴿ما فعلوه﴾ إذا ﴿فذرهم﴾ أي اتركهم ﴿وما يفترون﴾ من الكفر والكذب والباطل.
هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الآية الثالثة (١١٣) وهي قوله تعالى: ﴿ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ هذه الآية بجملها الأربع معطوفة على قوله ﴿زخرف القول غرورا﴾ إذ إيحاء شياطين الجن والإنس٦ كان
стр. 767
للغرور أي ليغتر به المشركون، ﴿ولتصغى إليه﴾ أي تميل ﴿أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ وهم المشركون العادلون بريهم ﴿وليرضوه﴾ ويقتنعوا به لأنه مموه لهم مزين، ونتيجة لذلك التغرير والميل إليه وهو باطل والرضا به والإقناع بفائدته فهم يقترفون من أنواع الكفر وضروب الشرك والمعاصي والإجرام ما يقترفون!.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أبداً، وبهذا تقررت ربوبيته وألوهيته للأولين والآخرين.
٢- تسلية الرسول ﷺ وكل داع إلى الله تعالى بإعلامه أنه ما من نبي ولا داع إلا وله أعداء من الجن والإنس يحاربونه حتى ينصره الله عليهم.
٣- التحذير من التمويه والتغرير فإن أمضى سلاح للشياطين هو التزيين والتغرير.
٤- القلوب الفارغة من الإيمان بالله ووعده وعيده في الدار الآخرة أكثر القلوب ميلاً إلى الباطل والشر والفساد.
أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)
стр. 768
شرح الكلمات:
أبتغي: أطلب.
حكماً: الحكم الحاكم ومن يتحاكم إليه الناس.
أنزل إليكم الكتاب: أي أنزله لأجلكم لتهتدوا به فتكْمُلُوا عليه وتسعدوا.
مفصلاً: مبيناً لا خفاء فيه ولا غموض.
والذين آتيناهم الكتاب: أي علماء اليهود والنصارى.
الممترين: الشاكين، إذ الامتراء الشك.
صدقاً وعدلاً: صدقاً في الأخبار فكل ما أخبر به القرآن هو صدق، وعدلاً في الأحكام فليس في القرآن حكم جور وظلم أبداً بل كل أحكامه عادلة.
لا مبدل لكلماته: أي لا مغير لها لا بالزيادة والنقصان، ولا بالتقديم والتأخير.
السميع العليم: السميع لأقوال العباد العليم بأعمالهم ونياتهم وسيجزيهم بذلك.
سبيل الله: الإسلام إذ هو المفضي بالمسلم إلى رضوان الله تعالى والكرامة في جواره.
يخرصون: يكذبون الكذب الناتج عن الحزر والتخمين.
من يضل: بمن يضل.
بالمهتدين: في سيرهم إلى رضوان الله باتباع الإسلام الذي هو سبيل الله.
معنى الآيات:
ما زال السياق مع العادلين بربهم الأصنام والأوثان لقد كان المراد في طلبهم الآية الحكم بها على صحة دعوة النبي ﷺ أنه نبي الله وأن القران كلام الله وأنه لا إله إلا الله، ولم يكن هذا منهم إلا من قبيل ما توسوس به الشياطين لهم وتزينه لهم تغريراً بهم وليواصلوا ذنوبهم فلا يؤمنون ولا يتوبون، ومن هنا أنزل تعال قوله: ﴿أفغير الله أبتغي١ حكماً﴾ . وهو تعليم لرسول الله ﷺ أن يقوله للمشركين أأميل إلى باطلكم وأقتنع به فغير الله أطلب حكماً بيني
стр. 769
وبينكم في دعواكم أني غير رسول وأن ما جئت به ليس وحياً من الله؟ ينكر ﷺ تحكيم غير ربه تعالى وعلى ماذا يكون الحكم والله هو الذي أنزل إليهم الكتاب مفصلاً فأي آية تغلب القرآن وهو آلاف الآيات هذا أولاً وثانياً هل الكتاب من قبلهم وهم علماء اليهود والنصارى مقرون ومعترفون بأن ما ينفيه المشركون هو حق لا مرية فيه إذاً فامض أيها الرسول في طريق دعوتك: لا تكونن لسن الممترين فإنك عما قريب تظهر على المشركين، لقد تمت كلمة١ ربك أي في هذا القرآن الذي أوحي إليك صدقاً في كل ما تحمله من أخبار ومن ذلك نصرك وهزيمة أعدائك، وعدلاً في أحكامها التي تحملها، ولا يستطيع أحد تبديلها بتغيير٢ لها بإخلاف وعدٍ ولا بإبطال حكم، وربك هو السميع لأقوال عباده العليم بمقاصدهم وأفعالهم فما أقدره وأضعفهم فلذا لن يكون إلا مراده ويبطل جميع إراداتهم. واعلم يا رسولنا أنك ﴿إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ أي لو أنك تسمع لهم وتأخذ بآرائهم وتستجيب لاقتراحاتهم لأضلوك قطعاً عن سبيل الله، والعلة أن أكثرهم لا بصيرة له ولا علم حق لديه وكل ما يقولونه هو هوى نفس، وَوسواس شيطان. إنهم ما يتبعون إلا أقوال الظن وما هم فيما يقولون إلا خارصون٣ كاذبون. وحسبك علم ربك بهم فإنه تعالى هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين:
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- حرمة وبطلان التحاكم إلى غير الوحي الإلهي.
٢- تقرير صحة الدعوة الإسلامية بأمرين الأول: القرآن الكريم، الثاني: شهادة أهل الكتاب ممن أسلموا كعبد الله بن سلام القرظي وأصحمة النجاشي وغيرهم.
٣- ميزة القرآن الكريم: أن أخباره كلها صدق وأحكامه كلها عدل.
٤- وعود الله تعالى لا تتخلف أبداً، ولا تتبدل بتقديم ولا تأخير.
٥- اتباع أكثر الناس يؤدي إلى الضلال فلذا لا يتبع إلا أهل العلم الراسخون فيه لقوله
стр. 770
تعالى: ﴿ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون﴾ .
فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)
شرح الكلمات:
مما ذكر اسم الله عليه: أي قيل عند ذبحه أو نحره بسم الله والله أكبر.
فصل لكم ما حرم عليكم: أي بين لكم ما حرم عليكم مما أحل لكم وذلك في سورة النحل.
إلا ما اضطررتم إليه: أي ألجأتكم الضرورة وهي خوف الضرر من الجوع.
المعتدين: المتجاوزين الحلال إلى الحرام، والحق إلى الباطل.
ذروا ظاهر الإثم: اتركوا: الإثم الظاهر والباطن وهو كل ضار فاسد قبيح.
يقترفون: يكسبون الآثام والذنوب.
وإنه لفسق: أي الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه. فسق عن طاعة الله تعالى.
إلى أوليائهم ليجادلوكم: أي من الإنس ليخاصموكم في ترك الأكل من الميتة.
لمشركون: حيث أحلوا لكم ما حرم عليكم فاعتقدتم حله فكنتم
стр. 771
بذلك عابديهم وعبادة غير الله تعالى شرك.
معنى الآيات:
مما أوحى به شياطين الجن إلى إخوانهم من شياطين الإنس أن قالوا للرسول ﷺ والمؤمنين: كيف تأكلون ما تقتلونه أنتم وتمتنعون عن أكل ما يقتله الله؟ فأنزل الله تعالى قوله ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين١﴾ . فأمر المؤمنين بعدم الاستجابة لما يقوله المشركون، وقال ﴿وما لكم٢ ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ أي: أي شيء يمنعكم من الأكل مما ذكر اسم الله عليه؟ ﴿وقد فصل٣ لكم﴾ أي بين لكم غاية التبيين ﴿ما حرم عليكم﴾ من المطاعم ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ أي ألجأتكم الضرورة إليه كمن خاف على نفسه الهلاك من شدة الجوع فإنه يأكل مما حرم في حال الإختيار. ثم أعلمهم أن كثيراً من الناس يضلون غيرهم بأهوائهم٤ بغير علم فيحلون ويحرمون بدون علم وهم في ذلك ظلمة معتدون لأن التحريم والتحليل من حق الرب تعالى لا من حق أي أحد من الناس وتوعدهم بما دل عليه قوله: ﴿إن ربك هو أعلم بالمعتدين﴾ ولازمه أنه سيجازيهم باعتدائهم وظلمهم بما يستحقون من العذاب على اعتدائهم على حق الله تعالى في التشريع بالتحليل والتحريم. وقوله تعالى في الآية الثالثة: (١٢٠) ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ يأمر تعالى عباده بترك ظاهر الإثم كالزنى العلني وسائر المعاصي، وباطن الإثم كالزنى السري وسائر الذنوب الخفية وهو شامل لأعمال القلوب وهي باطنة وأعمال الجوارح وهي ظاهرة، لأن الإثم كل ضار فاسد قبيح كالشرك، والزنى وغيرهما من سائر المحرمات.
ثم توعد الذين لا يمتثلون أمره تعالى بترك ظاهر الإثم وباطنه بقوله. ﴿إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون﴾ أي سيجزيهم يوم القيامة بما اكتسبه من الذنوب والآثام ولا ينجو إلا من تاب منهم وصحت توبته وفي الآية الأخيرة في هذا السياق (١٢١) يقول تعالى ناهياً عباده عن الأكل مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه من ذبائح المشركين
стр. 772
والمجوس فقال: ﴿ولا تأكلوا١ مما لم يذكر اسم الله عليه٢﴾ وأخبر أن الأكل مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه وهو ذبائح المشركين والمجوس فسق خروج عن طاعة الرب تعالى وهو مقتضي للكفر لما فيه من الرضا بذكر اسم الآلهة التي تعبد من دون الله تعالى، ثم أخبرهم تعالى بأن الشياطين وهم المردة من الجن يوحون إلى الأخباث من الإنس من أوليائهم الذين استجابوا لهم في عبادة الأوثان يوحون إليهم بمثل قولهم: كيف تحرمون ما قتل الله وتحلون ما قتلتم أنتم؟ ليجادلوكم بذلك، ويحذر تعالى المؤمنين من طاعتهم وقبول وسواسهم فيقول ﴿وإن أطعتموهم﴾ فأكلتم ذبائحهم أو تركتم أكل ما ذبحتم أنتم وقد ذكرتم عليه اسم الله، ﴿إنكم لمشركون٣﴾ لأنكم استجبتم لما تأمر به الشياطين تاركين ما يأمر به رب العالمين.
هداية الآيات.
من هداية الآيات:
١- حِلُّ أكل من ذبائح المسلمين.
٢- وجوب ذكر اسم الله على بهيمة الأنعام عند تذكيتها.
٣- حرمة إتباع الأهواء ووجوب إتباع العلماء.
٤- وجوب ترك الإثم ظاهراً كان أو باطناً وسواء كان من أعمال القلوب أو أعمال الجوارح.
٥- حرمة الأكل من ذبائح المشركين والمجوس والملاحدة البلاشفة الشيوعيين.
٦- اعتقاد حل طاعة الشياطين شرك والعياذ بالله تعالى.
أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ
стр. 773
زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ (١٢٤)
شرح الكلمات:
ميتاً: الميت فاقد الروح، والمراد روح الإيمان.
أحييناه: جعلناه حياً بروح الإيمان.
مثله: صفته ونعته امرؤ في الظلمات ليس بخارج منها.
قرية: مدينة كبيرة.
ليمكروا فيها: بفعل المنكرات والدعوة إلى ارتكابها بأسلوب الخديعة والاحتيال.
وما يمكرون إلا بأنفسهم: لأن عاقبة المكر تعود على الماكر نفسه لآية ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾ .
وإذا جاءتهم آية: أي من القرآن الكريم تدعوهم إلى الحق.
صغار: الصغار: الذل والهران.
معنى الآيات:
مازال السياق الكريم في حرب العادلين بربهم الأصنام الذين يزين لهم الشيطان تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم فقال تعالى: ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس﴾ أي أطاعة هذا العبد الذي كان ميتاً بالشرك والكفر فأحييناه بالإيمان والتوحيد وهو عمر بن الخطاب أو عمار بن ياسر كطاعة من مثله رجل في الظلمات ظلمات الشرك
стр. 774
والكفر والمعاصي ليس بخارج من تلك الظلمات وهو أبو جهل١ والجواب لا، إذاً كيف أطاع المشركون أبا جهل وعصوا عمر ﵁ والجواب: أن الكافرين لظلمة نفوسهم وإتباع أهوائهم لا عقول لهم زُين لهم عملهم الباطل حسب سنة الله تعالى في أن من أحب شيئاً وغالى في حبه على غير هدى ولا بصيرة يصبح في نظره زيّناً وهو شيْن وحسناً وهو قبيح، فلذا قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها٢ ليمكروا فيها﴾ فيهلكوا أيضاً. وقوله: ﴿وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون﴾ هو كما قال: قوله الحق وله الملك، فالماكر من أكابر المجرمين حيث أفسدوا عقائد الناس وأخلاقهم وصرفوهم عن الهدى بزخرف القول والاحتيال والخداع، هم في الواقع يمكرون بأنفسهم إذ سوف تحل بهم العقوبة في الدنيا وفي الآخرة، إذ لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ولكنهم لا يشعرون أي لا يدرون٣ ولا يعلمون أنهم يمكرون بأنفسهم، وقوله تعالى في الآية الثالثة (١٢٤) ﴿وإذا جاءتهم٤ آية..﴾ أي حجة عقلية مما تحمله آيات القرآن تدعوهم إلى تصديق الرسول والإيمان بما جاء به ويدعو إليه من التوحيد بدل أن يؤمنوا ﴿قالوا لن نؤمن حتى نؤتى٥ مثل ما أوتي رسل الله﴾ أي من المعجزات كعصا موسى وطير عيسى الذي نفخ فيه فكان طائراً بإذن الله فرد الله تعالى عليهم هذا العلو والتكبر قائلاً: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ فإنه يجعلها في القلوب المشرقة والنفوس الزكية، لا في القلوب المظلمة والنفوس الخبيثة، وقوله تعالى ﴿سيصيب الذين أجرموا﴾ على أنفسهم بالشرك والمعاصي وعلى غيرهم حيث أفسدوا قلوبهم وعقولهم، ﴿صغار٦﴾ : أي ذل وهوان ﴿عند الله﴾ يوم يلقونه ﴿وعذاب شديد﴾ قاس لا يطاق ﴿بما كانوا يمكرون﴾ : أي بالناس بتضليلهم وإفساد قلوبهم وعقولهم بالشرك والمعاصي التي كانوا
стр. 775
يجرئونهم عليها ويغرونهم بها.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- الإيمان حياة، والكفر موت، المؤمن يعيش في نور والكافر في ظلمات.
٢- بيان سنة الله تعالى في تزيين الأعمال القبيحة.
٣- قل ما تخلو مدينة من مجرمين يمكرون فيها.
٤- عاقبة المكر عائدة على الماكر نفسه.
٥- بيان تعنت المشركين في مكة على عهد نزول القرآن.
٦- الرسالة توهب لا تكتسب.
٧- بيان عقوبة أهل الإجرام في الأرض
فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٢٧) وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ (١٢٨)