← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

والتقرير. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير عذاب القبر بتقرير العذاب عند النزع. ٢- هذه الآية نظيرها آية الأنعام ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم﴾ أي بالضرب. ٣- تنزه الخالق عن الظلم لأحد١. ٤- سنة الله تعالى في أخذ الظالمين وإبدال النعم بالنقم. ٥- لم يكن من سنة الله تعالى في الخلق تغيير ما عليه الناس من خير أو شر حتى يكونوا هم البادئين. ٦- التنديد بالظلم وأهله، وأنه الذنب الذي يطلق على سائر الذنوب. إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ (٥٨) وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ (٥٩) شرح الكلمات: شر الدواب٢: من إنسان أو حيوان الذين ذكر الله وصفهم وهم بنو قريظة.

стр. 982

فهم لا يؤمنون: لما علم الله تعالى من حالهم أخبر أنهم يموتون على الكفر. ينقضون عهدهم: أي يحلونه ويخرجون منه فلا يلتزموا بما فيه. في كل مرة: أي عاهدوا فيها. فإما تثقفنّهم: أي أن تجدنّهم، وما مزيدة أدغمت في إن الشرطية. فشرد: أي فرق وشتت. يذكرون: أي يتعظون. فانبذ إليهم: أي اطرح عهدهم. على سواء ١: أي على حال من العلم تكون أنت وإياهم فيها سواء، أي كل منكم عالم بنقض المعاهدة. الخائنين: الغادرين بعهودهم. سبقوا: أي فاتوا الله ولم يتمكن منهم. معنى الآيات: بمناسبة ذكر خصوم الدعوة الإسلامية والقائم عليها وهو النبي ﷺ ذكر تعالى خصوماً لها آخرين غير المشركين من كفار قريش وهم بنو٢ قريظة من اليهود. فأخبر تعالى عنهم أنهم شر الدواب من الإنسان والحيوان ووصفهم محدداً لهم ليعرفوا، وأخبر أنهم لا يؤمنون لتوغلهم في الشر والفساد، فقال: ﴿إن شر الدواب عند الله﴾ أي في حكمه وعلمه. ﴿الذين كفروا فهم لا يؤمنون﴾ وخصصهم بوصف آخر خاص بهم فقال: ﴿الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون﴾ وذلك أن النبي ﷺ عاهدهم أول مرة على أن لا يحاربوه ولا يعينوا أحداً على حربه فإذا بهم يعينون قريشاً بالسلاح، ولما انكشف أمرهم اعتذروا معترفين بخطإهم، وعاهدوا مرة أخرى على أن لا يحاربوا الرسول ولا يعينوا من يحاربه فإذا بهم ينقضون عهدهم مرة أخرى ويدخلون في حرب ضده حيث انضموا إلى الأحزاب في غزوة الخندق هذا ما دل عليه قوله تعالى ﴿إن شر

стр. 983

الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل١ مرة﴾ أي يعاهدون فيها. ﴿وهم لا يتقون﴾ أي لا يخافون عاقبة نقض المعاهدات والتلاعب بها حسب أهوائهم. وقوله تعالى. ﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم٢ من خلفهم لعلهم يذكرون﴾ يرشد رسوله آمراً إياه بما يجب أن يتخذه إزاء هؤلاء الناكثين للعهود المنغمسين في الكفر. بحيث لا يخرجون منه بحال من الأحوال، ويشهد لهذه الحقيقة أنهم لما حوصروا في حصونهم ونزلوا منها مستسلمين كان يعرض على أحدهم الإسلام حتى لا يقتل فيؤثر باختياره القتل على الإسلام وماتوا كافرين وصدق الله إذ قال ﴿فهم لا يؤمنون﴾ فهؤلاء إن ثقفتهم في حرب أي وجدتهم متمكناً منهم فاضربهم بعنف وشدة وبلا هوادة حتى تشرد أي تفرق بهم من خلفهم من أعداء الإسلام المتربصين بك الدوائر من كفار قريش وغيرهم لعلهم يذكرون أي يتعظون فلا يفكروا في حربك وقتالك بعد، وقوله ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فأنبذ٣ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ هذا إرشاد آخر للرسول ﷺ يتعلق بالخطط الحربية الناجحة وهو أنه ﷺ إن خاف من قوم معاهدين له خيانة ظهرت أماراتها وتأكد لديك علاماتها فاطرح تلك المعاهدة ملغياً لها معلناً ذلك لتكون وإياهم على علم تام بإلغائها، وذلك حتى لا يتهموك بالغدر والخيانة، والله لا يحب الخائنين. وقاتلهم مستعيناً بالله عليهم وستكون الدائرة على الناكث الخائن، وهذا ضرب من الحزم وصحة العزم إذ ما دام قد عزم العدو على النقض فقد نقص فليبادر لافتكاك عنصر المباغتة من يده، وهو عنصر مهم في الحروب. وقوله تعالى ﴿ولا يحسبن الذين كفروا﴾ وهم من هرب من بدر من كفار قريش ﴿سبقوا٤﴾ أي فاتوا فلم يقدر الله تعالى عليهم ﴿إنهم لا يعجزون﴾ أي إنهم لا يعجزون الله بحال فإنه

стр. 984

تعالى لا يفوته هارب، ولا يغلبه غالب. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أن شر الدواب هم الكفار من أهل الكتاب والمشركين بل هم شر البرية. ٢- سنة الله فيمن توغل في الظلم والشر والفساد يُحرم التوبة فلا يموت إلا كافراً. ٣- من السياسة الحربية النافعة أن يضرب القائد عدوه بعنف وشدة ليكون نكالاً لغيره من الأعداء. ٤- حرمة الغدر والخيانة. ٥- جواز إعلان إلغاء المعاهدة وضرب العدو فوراً إن بدرت منه بوادر واضحة بأنه عازم على نقض المعاهدة١ وذلك لتفويت عنصر المباغتة عليه. وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)

стр. 985

شرح الكلمات: أعدوا: هيئوا وأحضروا. ما استطعتم: ما قدرتم عليه. من قوة: أي حربية من سلاح على اختلاف أنواعه. يوفَّ إليكم: أي أجره وثوابه. وإن جنحوا للسلم: أي مالوا إلى عدم الحرب ورغبوا في ذلك. فإن حسبك الله: أي يكفيك شرهم، وينصرك عليهم. ألف بين قلوبهم: أي جمع بين قلوب الأنصار بعدما كانت متنافرة مختلفة. إنه عزيز حكيم: أي غالب على أمره، حكيم في فعله وتدبير أمور خلقه. معنى الآيات: بمناسبة انتهاء معركة بدر وهزيمة المشركين فيها، وعودتهم إلى مكة وكلهم تغيظ على المؤمنين وفعلاً أخذ أبو سفيان يعد العدة للانتقام. وما كانت غزوة أحد إلا نتيجة لذلك هنا أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بإعداد القوة وبذل ما في الوسع والطاقة لذلك فقال تعالى ﴿واعدوا لهم١ ما استطعتم من قوة﴾ وقد فسر النبي ﷺ القوة بالرمي بقوله "ألا إن القوة٢ الرمي" قالها ثلاثاً وقوله تعالى ﴿ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ يخبر تعالى عباده المؤمنين بعد أن أمرهم بإعداد القوة على اختلافها بأن رباطهم للخيل وحبسها أمام دورهم معدة للغزو والجهاد عليها يرهب أعداء الله من الكافرين والمنافقين أي يخوفهم حتى لا يفكروا في غزو المسلمين وقتالهم، وهذا ما يعرف بالسلم المسلح، وهو أن الأمة إذا كانت مسلحة قادرة على القتال يرهبها أعداؤها فلا يحاربونها، وإن رأوها لا عدة لها ولا عتاد ولا قدرة على رد أعدائها أغراهم ذلك بقتالها فقاتلوها. وقوله تعالى ﴿وآخرين من دونهم﴾ أي من دون كفار

стр. 986

قريش، وقوله ﴿لا تعلمونهم الله يعلهم﴾ من الجائز أن يكونوا اليهود أو المجوس أو المنافقين، وأن يكونوا الجن أيضاً، وما دام الله لم يُسمهم فلا يجوز أن يقال هم كذا.. بصيغة الجزم، غير أنا نعلم أن أعداء المسلمين كل أهل الأرض من أهل الشرك والكفر من الإنس والجن، وقوله تعالى ﴿وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون﴾ إخبار منه تعالى أن ما ينفقه المسلمون من نفقة قلت أو كثرت في سبيل الله التي هي الجهاد يوفّيهم الله تعالى إياها كاملة ولا ينقصهم منها شيئاً فجملة ﴿وأنتم لا تظلمون﴾ جملة خالية ومعناها لا يظلمكم الله تعالى بنقص ثواب نفقاتكم في سبيله هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٦٠) أما الآية الثانية وهي قوله تعالى ﴿وإن جنحوا١ للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم﴾ فإن الله تعالى يأمر رسوله وهو قائد الجهاد يومئذ بقبول السلم متى طلبها٢ أعداؤه ومالوا إليها ورغبوا بصدق فيها، لأنه ﷺ رسول رحمة لا رسول عذاب، وأمره أن يتوكل على الله في ذلك أي يطيعه في قبول السلم ويفوض أمره إليه ويعتمد عليه فإنه تعالى يكفيه شرّ أعدائه لأنه سميع لأقوالهم عليم بأفعالهم وأحوالهم لا يخفى عليه من أمرهم شيء فلذا سوف يكفي رسوله شر خداعهم إن أرادوا خداعه بطلب السلم والمسالمة، وهذا معنى توله تعالى في الآيتين (٦٢) و (٦٣) ﴿وإن يريدوا أن يخدعوك﴾ أي بالميل إلى السلم والجنوح٣ إليها ﴿فإن حسبك الله﴾ أي كافيك إنه ﴿هو الذي أيدك بنصره﴾ أي في بدر ﴿وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم﴾ أي جمع بين تلك القلوب المتنافرة المنطوية على الإحن والعداوات ولأقل الأسباب وأتفهها، لقد كان الأنصار يعيشون على عداوة عظيمة فيما بينهم حتى إن حرباً وقعت بينهم مائة وعشرين سنة فلما دخلوا في الإسلام اصطلحوا وزالت كل آثار العداوة والبغضاء وأصبحوا جسماً واحداً مَنْ فعل هذا سوى الله تعالى؟ اللهم لا أحد، ولذا قال تعالى لرسوله ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعا﴾ أي من مال

стр. 987

صامت وناطق ﴿ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب إعداد القوة وهي في كل زمان بحسبه إن كانت في الماضي الرمح والسيف ورباط الخيل فهي اليوم النفاثة المقاتلة والصاروخ، والهدروجين والدبابة والغواصة، والبارجة. ٢- تقرير مبدأ: السلم المسلح، إرجع إلى شرح الآيات. ٣- لا يخلو المسلمون من أعداء ما داموا بحق مسلمين، لأن قوى الشر من إنس وجن كلها عدو لهم. ٤- نفقة الجهاد خير نفقة وهي مضمونة التضعيف. ٥- جواز قبول١ السلم في ظروف معينه، وعدم قبوله في أخرى وذلك بحسب حال المسلمين قوة وضعفاً. ياأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (٦٥) الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)

стр. 988

شرح الكلمات: حسبك الله١: أي كافيك الله كل ما يهمك من شأن أعدائك وغيرهم. ومن اتبعك من المؤمنين: أي الله حسبهم كذلك أي كافيهم ما يهمهم من أمر أعدائهم. حرض المؤمنين على القتال: أي حثهم على القتال مرغباً لهم مرهباً. صابرون: أي على القتال فلا يضعفون ولا ينهزمون بل يثبتون ويقاتلون. لا يفقهون.: أي لا يعرفون أسرار القتال ونتائجه بعد فنونه وحذق أساليبه. معنى الآيات: ينادي الرب ﵎ رسوله بعنوان النبوة التي شرفه الله بها على سائر الناس فيقول ﴿يا أيها النبي﴾ ويخبره بنعم الخبر مطمئناً إياه وأتباعه من المؤمنين بأنه كافيهم أمر أعدائهم فما عليهم إلا أن يقاتلوهم ما دام الله تعالى ناصرهم ومؤيدهم عليهم، فيقول: ﴿حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ ثم يُنَاديه ثانية قائلاً ﴿يا أيها النبي﴾ ليأمره بالأخذ بالأسباب الموجبة للنصر بإذن الله تعالى وهي تحريض المؤمنين على القتال وحثهم عليه وترغيبهم فيه فيقول ﴿حرض٢ المؤمنين على القتال﴾ ويخبره آمراً له ولأتباعه المؤمنين بأنه ﴿إن يكن﴾ أي يوجد منهم في المعركة ﴿عشرون٣ صابرون يغلبوا مائتين﴾ ، وإن يكن منهم مائة صابرة يغلبوا ألفاً من الكافرين، ويعلل لذلك فيقول ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ أي لا يفقهون أسرار القتال وهي أن يعبد الله تعالى ويرفع الظلم من الأرض ويتخذ الله من المؤمنين شهداء فينزلهم منازل الشهداء عنده، فالكافرون لا يفقهون هذا فلذا

стр. 989

هم لا يصبرون على القتال لأنهم يقاتلون لأجل حياتهم فقط فإذا خافوا عنها تركوا القتال طلباً للحياة زيادة على ذلك أنهم جهال لا يعرفون أساليب الحرب ولا وسائلها الناجعة بخلاف المؤمنين فإنهم علماء، علماء بكل شيء هذا هو المفروض، وإن ضَعُفِ الإيمان ضعف تبعاً له الفقه والعلم وحل الجهل والضعف كما هو مشاهد اليوم في المسلمين وقوله تعالى ﴿الآن خفف١ الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً٢ فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾ الآن بعد علمه تعالى بضعفكم حيث لا يقوى الواحد على قتال عشرة، ولا العشرة على قتال مائة ولا المائة على قتال الألف خفف تعالى رحمة بكم ومنة عليكم، فنسخ٣ الحكم الأول بالثاني الذي هو قتال الواحد للإثنين، والعشرة للعشرين والمائة للمائتين، والألف للألفين، ومفاده أن المؤمن لا يجوز له أن يفر من وجه اثنين ولكن يجوز له أن يفر إذا كانوا أكثر من اثنين وهكذا سائر النِسب فالعشرة يحرم عليهم أن يفروا من عشرين ولكن يجوز لهم أن يفروا من ثلاثين أو أربعين مثلاً. وهذا من باب رفع الحرج فقط وإلا فإنه يجوز للمؤمن أن يقاتل عشرة أو أكثر، فقد قاتل ثلاثة آلاف صحابي يوم مؤتة مائة وخمسين ألفاً من الروم والعرب المتنصرة وقوله تعالى ﴿بإذن الله﴾ أي بمعونته وتأييده إذ لا نصر بدون عون من الله تعالى وإذن، وقوله ﴿والله مع الصابرين﴾ أي بالتأييد والنصر والصبر شرط في تأييد الله وعونه فمن لم يصبر على القتال فليس له على الله وعد في نصره وتأييده. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- لا كافي إلا الله تعالى، ومن زعم أن هناك من يكفي سوى الله تعالى فقد أشرك. ٢- وجوب تحريض. المؤمنين على الجهاد وحثهم عليه في كل زمان ومكان. ٣- حرمة هزيمة الواحد من الواحد والواحد من الاثنين، ويجوز ما فوق ذلك.

стр. 990

٤- وجوب تثقيف المجاهدين عقلاً وروحاً وصناعة. ٥- وجوب الصبر في ساحة المعارك ويحرم الهزيمة إذا كان عدد المؤمنين اثنى عشر ألف مقاتل أو أكثر إذ هذا العدد لا يغلب١ من قلة بإذن الله تعالى. ٦- معية الله بالعلم والتأييد والنصر للصابرين دون الجزعين. مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٦٩) شرح الكلمات: أسرى: جمع أسير وهو من أخذ في الحرب يشد عادة بإسار وهو قيد من جلد فأطلق لفظ الأسير٢ على كل من أخذ في الحرب. حتى يثخن في الأرض: أي تكون له قوة وشدة يرهب بها العدو. عرض الدنيا: أي المال لأنه عارض ويزول فلا يبقى. لولا كتاب من الله سبق: وهو كتاب المقادير بأن الله تعالى أحل لنبّي هذه الأمة الغنائم. فيما أخذتم: أي بسبب ما أخذتم من فداء أسرى بدر. حلالاً طيباً.: الحلال هو الطيب فكلمة طيباً تأكيد لحليّة اقتضاها المقام. واتقوا الله: أي بطاعته وطاعة رسوله في الأمر والنهي. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث غزوة بدر من ذلك أن أصحاب الرسول ﷺ إلا عمر وسعد

стр. 991

بن معاذ ﵄ رغبوا في مفاداة الأسرى بالمال للظروف المعاشية القاسية التي كانوا يعيشونها، وكانت رغبتهم في الفداء بدون علم من الله تعالى بإحلالها أو تحريمها أما عمر فكان لا يعثر على أسير إلا قتله وأما سعد فقد قال (الاثخان في القتال أولى من استبقاء الرجال) ولما تم الفداء نزلت هذه الآية الكريمة تعاتبهم أشد العتاب فيقول تعالى ﴿ما كان لنبّي١﴾ أي ما صح منه ولا كان ينبغي له أن يكون له أسرى حرب يبقيهم ليفاديهم أو يمن عليهم مجاناً ﴿حتى يثخن٢ في الأرض﴾ أرض العدو قتلاً وتشريداً فإذا عرف بالبأس والشدة وهابه الأعداء جاز له الأسر أي الإبقاء على الأسرى أحياء ليمن عليهم بلا مقابل أو ليفاديهم بالمال، وقوله تعالى ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ هذا من٣ عتابه تعالى لهم، إذ ما فادوا الأسرى إلا لأنهم يريدون حطام الدنيا وهو المال، وقوله ﴿والله يريد الآخرة﴾ فشتان ما بين مرادكم ومراد ربكم لكم تريدون العرض الفاني والله يريد لكم النعيم الباقي، وقوله تعالى ﴿والله عزيز حكيم﴾ أي غالب على أمره ينصر من توكل عليه وفوّض أمره إليه، حكيم في تصرفاته فلا يخذل أولياءه وينصر أعداءه فعليكم أيها المؤمنون بطلب مرضاته بترك ما تريدون لما يريد هو ، وقوله تعالى ﴿لولا كتاب٤ من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ أي لولا أنه مضى علم الله تعالى بحلية الغنائم لهذه الأمة وكتب ذلك في اللوح المحفوظ لكان ينالكم جزاء رضاكم بالمفاداة وأخذ الفدية عذاب عظيم. وقوله تعالى ﴿فكلو مما غنمتم٥ حلالاً طيباً﴾ إذن منه تعالى لأهل بدر أن يأكلوا مما

стр. 992

غنموا، وحتى ما فادوا به الأسرى وهي منة منه ، وقوله تعالى ﴿واتقوا الله﴾ أمر منه لهم بتقواه بفعل أوامره وأوامر رسوله وترك نواهيهما، وقوله ﴿إن الله غفور رحيم﴾ إخبار منه تعالى أنه غفور لمن تاب من عباده رحيم بالمؤمنين منهم، وتجلى ذلك في رفع العذاب عنهم حيث غفر لهم وأباح لهم ما رغبوا فيه وأرادوه. وفي الحديث: "لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفر لكم". هداية الآيات من هداية الآيات: ١- إرشاد الله تعالى لقادة الأمة الإسلامية في الجهاد أن لا يفادوا الأسرى وأن لا يمنوا عليهما بإطلاقهم إلا بعد أن يخنثوا في أرض العدو قتلاً وتشريداً فإذا خافهم العدو ورهبهم عندئذ يمكنهم أن يفادوا الأسرى أو يمنوا عليهم. ٢- التزهيد في الرغبة في الدنيا لحقارتها، والترغيب في الآخرة لعظم أجرها. ٣- إباحة الغنائم. ٤ ب وجوب تقوى الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله في الأمر والنهي. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٧٠) وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) شرح الكلمات: من الأسرى: أسرى بدر الذين أخذ منهم الفداء كالعباس بن عبد المطلب ﵁. إن يعلم الله في قلوبكم خيراً: أي إيماناً صادقاً وإخلاصاً تاماً. مما أخذ منكم: من مال الفداء.

стр. 993

وإن يريدوا خيانتك.: أي الأسرى. فقد خانوا الله من قبل: أي من قبل وقوعهم في الأسر وذلك بكفرهم في مكة. فأمكن منهم: أي أمكنكم أنتم أيها المؤمنون منهم فقتلتموهم وأسرتموهم. والله عليم حكيم: عليم بخلقه حكيم في صنعه وتدبيره. معنى الآيتين: هذه الآية الكريمة نزلت في العباس بن عبد المطلب ﵁ إذ كان يقول هذه الآية نزلت في وذلك أنه بعد أن وقع في الأسر١ أسلم وأظهر إسلامه وطلب من الرسول ﷺ أن يرد عليه ما أخذ منه من فدية فأبى عليه رسول الله ﷺ ذلك فأنزل الله تعالى قوله ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً﴾ أي إسلاماً حقيقياً ﴿يؤتكم خيراً﴾ أي مالاً خيراً ﴿مما أخذ منكم٢، ويغفر لكم﴾ ذنوبكم التي كانت كفراً بالله ورسوله، ثم حرباً على الله ورسوله، ﴿والله غفور﴾ يغفر ذنوب عباده التائبين ﴿رحيم﴾ بعباده المؤمنين فلا يؤاخذهم بعد التوبة عليها بل يرحمهم برحمته في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى ﴿وإن يريدوا٣ خيانتك﴾ أي وإن يُرد هؤلاء الأسرى الذين أخذ منهم الفداء ونطقوا بالشهادتين مظهرين إسلامهم خيانتك والغدر بك بإظهار إسلامهم ثم إذا عادوا إلى ديارهم عادوا إلى كفرهم، فلا تبال٤ بهم ولا ترهب جانبهم فإنهم قد خانوا الله من قبل بكفرهم وشركهم ﴿فأمكن منهم﴾ المؤمنين وجعلهم في قبضتهم وتحت إمْرَتِهم، ولو عادوا لعاد الله تعالى فسلطكم عليهم وأمكنكم منهم وقوله تعالى ﴿والله عليم حكيم﴾ أي عليم بنيات القوم وتحركاتهم حكيم فيما يحكم به عليهم ألا فليتقوه وليحسنوا

стр. 994

إسلامهم ويصدقوا في إيمانهم فذلك خير لهم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- فضل العباس عم رسول الله ﷺ لنزول الآية في حقه وشأنه. ٢- فضل إضمار الخير والنيات الصالحة. ٣- إطلاق لفظ الخير على الإسلام والقرآن وحقاً هما الخير والخير كله. ٤- ماترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوضه خيراً منه. ٥- الله ﷻ : لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب ألا فليتق وليتوكل عليه. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)

стр. 995

شرح الكلمات: آمنوا: صدقوا الله ورسوله وآمنوا بلقاء الله وصدقوا بوعده ووعيده. وهاجروا: أي تركوا ديارهم والتحقوا برسول الله ﷺ بالمدينة المنورة. في سبيل الله: أي من أجل أن يعبد الله ولا يعبد معه غيره وهو الإسلام. آووا: أي آووا المهاجرين فضموهم إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم. وإن استنصروكم: أي طلبوا منكم نصرتهم على أعدائهم. ميثاق: عهد أي معاهدة سلم وعدم اعتداء. إلاَّ تفعلوه: أي إن لم توالوا المسلمين، وتقاطعوا الكافرين تكن فتنة١. أولوا الأرحام: أي الأقارب من ذوي النسب. بعضهم أولى ببعض: في التوارث أي يرث بعضهم بعضاً. معنى الآيات: بمناسبة انتهاء الحديث عن أحداث غزوة بدر الكبرى ذكر تعالى حال المؤمنين في تلك الفترة من الزمن وأنهم مختلفون في الكمال، فقال وقوله الحق ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم﴾ فهذا صنف: جمع أهله بين الإيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفس، والصنف الثاني في قوله تعالى ﴿والذين آووا ونصروا٢﴾ أي آووا الرسول ﷺ والمهاجرين في ديارهم ونصروهم. فهذان صنفا المهاجرين والأنصار وهما أكمل المؤمنين وأعلاهم درجة، وسيذكرون في آخر السياق مرة أخرى ليذكر لهم جزاؤهم عند ربهم، وقوله تعالى فيهم ﴿أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ أي في النصرة والموالاة والتوارث إلا أن التوارث نسخ بقوله تعالى في آخر آية من هذا السياق ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ والصنف الثالث من أصناف المؤمنين المذكور في قوله تعالى ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا﴾ أي آمنوا بالله ورسوله والدار الآخرة ثم رضوا بالبقاء بين

стр. 996

ظهراني الكافرين فلم يهجروا ديارهم وأموالهم ويلتحقوا بدار الهجرة بالمدينة النبوية، فهؤلاء الناقصون في إيمانهم بتركهم الهجرة، يقول تعالى فيهم لرسوله والمؤمنين ﴿مالكم من ولايتهم من شيء﴾ ١ فلا توارث ولا موالاة تقتضي النصرة والمحبة حتى يهاجروا إليكم ويلتحقوا بكم، ويستثني تعالى حالة خاصة لهم وهي أنهم إذا طلبوا نصرة المؤمنين في دينهم فإن على المؤمنين أن ينصروهم وبشرط أن لا يكون الذي اعتدى عليهم وآذاهم فطلبوا النصرة لأجله أن لا يكون بينه وبين المؤمنين معاهدة سلم وترك الحرب ففي هذه الحال على المؤمنين أن يوفوا بعهدهم ولا يغدروا فينصروا أولئك القاعدين عن الهجرة هذا ما دل عليه قوله تعالى ﴿وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير﴾ ذيل الكلام بهذه الجملة لإعلام المؤمنين الكاملين كالناقصين بأن الله مطلع على سلوكهم خبير بأعمالهم وأحوالهم فليراقبوه في ذلك حتى لا يخرجوا عن طاعته وقوله تعالى في الآية (٧٣) ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ ٢ يتناصرون ويتوارثون. وبناء على هذا يقول تعالى ﴿إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ أي إن لا تفعلوا ما أمرتم به من مولاة المؤمنين محبة ونصرة وولاء، ومن معاداة الكافرين بغضا وخذلاناً لهم وحرباً عليهم تكن فتنة عظيمة لا يقادر قدرها وفساد كبير لا يعرف مداه، والفتنة الشرك والفساد المعاصي وقوله تعالي في الآية (٧٤) ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً﴾ هذا هو الصنف الأول أعيد ذكره ليذكر له جزاؤه عند ربه بعد تقرير إيمانهم وتأكيده فقال تعالى فيهم ﴿أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة﴾ أي لذنوبهم بسترها وعدم المؤاخذة عليها ﴿ورزق كريم﴾ ألا وهو نعيم الجنة في جوار ربهم والصنف الرابع من أصناف المؤمنين ذكره تعالى بقوله ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾ فهذا الصنف أكمل من الصنف الثالث ودون الأول والثاني، إذ الأول والثاني فازوا بالسبق، وهؤلاء جاءوا من بعدهم ولكن لإيمانهم وهجرتهم وجهادهم ألحقهم الله تعالى

стр. 997

بالسابقين فقال ﴿فأولئك منكم﴾ وقوله تعالى ﴿وأولوا١ الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ أي في الارث وبها نسخ التوارث بالهجرة والمعاقدة، واستقر الإرث بالمصاهرة والولاء، والنسب إلى يوم القيامة، وقوله تعالى ﴿في كتاب الله﴾ أي في حكمه وقضائه المدون في اللوح المحفوظ، وقوله ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ هذه الجملة تحمل الوعد والوعيد الوعد لأهل الإيمان والطاعة، والوعيد لأهل الشرك والمعاصي. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان تفاوت المؤمنين في كمالاتهم وعلو درجاتهم عند ربهم. ٢- أكمل المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان والهجرة والجهاد وسبقوا لذلك وهم المهاجرون الأولون والذين جمعوا بين الإيمان والإيواء والنصرة والجهاد وهم الأنصار. ٣- دون ذلك من آمنوا وهاجروا وجاهدوا ولكن بعد صلح الحدبيبة. ٤- وأدنى أصناف المؤمنين من آمنوا ولم يهاجروا وهؤلاء على خطر عظيم. ٥- وجوب نصرة المؤمنين بموالاتهم ومحبتهم ووجوب معاداة الكافرين وخذلانهم وبغضهم. ٦- نسخ التوارث بغير المصاهرة والنسب والولاء.

стр. 998

سورة التوبة مدنية وآياتها مائة وثلاثون آية بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (١)

стр. 999

فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) شرح الكلمات: براءة ١: أي هذه براءة بمعنى تبرؤ وتباعد وتخلص. عاهدتم: أي جعلتم بينكم وبينهم عهداً وميثاقاً. فسيحوا في الأرض٢: أي سيروا في الأرض طالبين لكم الخلاص. مخزي الكافرين: مذل الكافرين ومهينهم. وأذان من الله: إعلام منه تعالى. يوم الحج الأكبر: أي يوم عيد النحر. لم ينقصوكم شيئاً: أي من شروط المعاهدة وبنود الاتفاقية. ولم يظاهروا عليكم أحداً: أي لم يعينوا عليكم أحداً.

стр. 1000

معنى الآيات.: هذه السورة القرآنية الوحيدة التي خلت١ من البسملة لأنها مفتتحة بآيات عذاب فتنافى معها ذكر الرحمة، وهذه السورة من آخر ما نزل من سور القرآن الكريم وقد بعث رسول الله ﷺ علياً وبعض الصحابة في حج سنة تسع يقرأون هذه الآيات في الموسم، وهي تعلم المشركين أن من كان له عهد مطلق بلا حد شهر أو سنة مثلاً أو كان له عهد دون أربعة أشهر، أو كان له عهد فوق أربعة أشهر ونقضه تُعْلِمُهُم بأن عليهم أن يسيحوا في الأرض بأمان كامل مدة أربعة أشهر فإن أسلموا فهو خير لهم وإن خرجوا من الجزيرة فإن لهم ذلك وإن بقوا كافرين فسوف يؤخذون ويقتلون حيثما وجدوا في ديار الجزيرة التي أصبحت دار إسلام بفتح مكة ودخول أهل الطائف في الإسلام هذا معنى قوله تعالى ﴿براءة من الله ورسوله﴾ أي واصلة ﴿إلى الذين عاهدتم٢ من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ تبدأ من يوم الإعلان عن ذلك وهو يوم العيد عيد الأضحى. وقوله تعالى (واعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ أي غير فائتيه ولا هاربين من قهره وسلطانه عليكم هذا أولاً، وثانياً (وأن الله مخزي الكافرين﴾ أي مذلهم وقوله تعالى ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ أي محمد ﷺ والأذان الإعلان والإعلام، ﴿إلى الناس﴾ وهم المشركون ﴿يوم الحج٣ الأكبر٤﴾ أي يوم عيد الأضحى حيث تفرّغ الحجاج للإقامة بمنى للراحة والاستجمام قبل العودة إلى ديارهم، وصورة الإعلان عن تلك البراءة هي قوله تعالى، ﴿أن الله بريء٥ من المشركين ورسوله﴾ أي كذلك بريء من المشركين وعليه ﴿فإن تبتم﴾ أيها المشركون إلى الله تعالى بتوحيده والإيمان برسوله وطاعته وطاعة رسوله ﴿فهو خير لكم﴾ من الإصرار على الشرك

стр. 1001

والكفر والعصيان، ﴿وإن توليتم﴾ أي أعرضتم عن الإيمان والطاعة ﴿فاعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ بحال من الأحوال فلن تفوتوه ولن تهربوا من سلطانه فإن الله تعالى لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب ثم قال تعالى لرسوله ﴿وبشر الذين كفروا بعذاب أليم﴾ أي أخبرهم به فإنه واقع بهم لا محالة إلا أن يتوبوا وقوله تعالى في الآية الرابعة (٤) ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم﴾ من شروط المعاهدة ﴿شيئاً ولم يظاهروا﴾ أي لم يعاونوا ﴿عليكم أحداً﴾ لا برجال ولا بسلاح ولا حتى بمشورة ورأي فهؤلاء لم يبرأ الله تعالى منهم ولا رسوله، وعليه ﴿فأتموا إليهم عهدهم١ إلى مدتهم﴾ أي مدة أجلهم المحدد بزمن معين فوفوا لهم ولا تنقضوا لهم عهداً إلى أن ينقضوه هم بأنفسهم، أو تنتهي مدتهم وحينئذ إما الإسلام وإما السيف إذ لم يبق مجال لبقاء الشرك في دار الإسلام وقبته. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- جواز عقد المعاهدات بين المسلمين والكافرين إذا كان ذلك لدفع ضرر محقق عن المسلمين، أو جلب نفع للإسلام والمسلمين محققاً كذلك. ٢- تحريم الغدر والخيانة، ولذا كان إلغاء المعاهدات علنياً وإمداد أصحابها بمدة ثلث سنة يفكرون في أمرهم ويطلبون الأصلح لهم. ٣- وجوب الوفاء بالمعاهدات ذات الآجال إلى أجلها إلا أن ينقضها المعاهدون. ٤- فضل التقوى وأهلها وهو اتقاء سخط الله بفعل المحبوب له تعالى وترك المكروه. فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٥)

стр. 1002

وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ شرح الكلمات: فإذا انسلخ الأشهر١ الحرم: انقضت وخرجت الأشهر الأربعة التي أمنتم فيها المشركين. حيث وجدتموهم: أي في أي مكان لقيتموهم في الحل أو الحرم. وخذوهم: أي أسرى. وأحصروهم: أي حاصروهم حتى يسلموا أنفسهم. واقعدوا لهم كل مرصد٢: أي اقعدوا لهم في طرقاتهم وارصدوا تحركاتهم. فإن تابوا: أي آمنوا بالله ورسوله. فخلوا سبيلهم: أي اتركوهم فلا حصار ولا مطاردة ولا قتال. استجارك: أي طلب جوارك أي حمايتك. مأمنه: أي المكان الذي يأمن فيه. فما استقاموا لكم: أي لم ينقضوا عهدهم ولم يخلوا بالاتفاقية.

стр. 1003

وإن يظهروا عليكم: أي يغلبوكم. لا يرقبوا فيكم: أي لا يراعوا فيكم ولا يحترموا. إلاّ ولا ذمة: أي لا قرابة، ولا عهداً فالإلّ: القرابة والذمة: العهد. معنى الآيات: ما زال السياق في إعلان الحرب العامة على المشركين تطهيراً لأرض الجزيرة التي هي دار الإسلام وحوزته من بقايا الشرك والمشركين، فقال تعالى لرسوله والمؤمنين ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم١﴾ أي إذا انقضت وخرجت الأشهر الحرم التي أمنتم فيها المشركين الذين لا عهد لهم أو لهم عهد ولكن دون أربعة أشهر أو فوقها وبدون حد محدود ﴿فاقتلوا المشركين٢ حيث وجدتموهم﴾ في الحل والحرم سواء ﴿وخذوهم﴾ أسرى ﴿واحصروهم﴾ حتى يستسلموا، ﴿واقعدوا لهم كل مرصد﴾ أي سدوا عليهم الطرق حتى يقدموا أنفسهم مسلمين أو مستسلمين وقوله تعالى ﴿فإن تابوا﴾ أي من الشرك وحربكم ﴿وأقاموا الصلاة٣ وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم٤﴾ إذ أصبحوا مسلمين مثلكم. وقوله ﴿إن الله غفور رحيم﴾ أي أن الله سيغفر لهم ويرحمهم بعد إسلامهم، لأنه تعالى غفور رحيم، هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٥) أما الآية الثانية (٦) فقد أمر تعالى رسوله أن يجير من طلب جواره من المشركين حتى يسمع كلام الله منه ﷺ ويتفهم دعوة الإسلام ثم هو بالخيار إن شاء أسلم وذلك خير له وإن لم يسلم رده٥ رسول الله ﷺ إلى مكان يأمن فيه من المسلمين أن يقتلوه.

стр. 1004

وهو معنى قوله تعالى ﴿وإن أحد من١ المشركين استجارك فأجره حتى يسمع٢ كلام الله، ثم أبلغه مأمنه، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ فلذا قبل منهم ما طلبوه من الجوار حتى يسمعوا كلام الله تعالى إذ لو علموا ما رغبوا عن التوحيد إلى الشرك. وقوله تعالى في الآية الثالثة (٧) ﴿كيف٣ يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله﴾ هذا الاستفهام للنفي مع التعجب أي ليس لهم عهد أبداً وهم كافرون غادرون، وقوله تعالى ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين﴾ هؤلاء بعض بني بكر بن كنانة عاهدهم رسول الله ﷺ عام صلح الحديبية وهم عند الحرم فهؤلاء لهم عهد وذمة ما استقاموا على عهدهم فلم ينقضوه. فإن استقاموا استقام لهم المسلمون ولم يقتلوهم وفاء بعهدهم وتقوى لله تعالى لأنه تعالى يكره الغدر ويحب المتقين لذلك. وقوله تعالى ﴿كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاَّ ولا ذمة﴾ الاستفهام للتعجب أي كيف يكون للمشركين عهد يفون به لكم وهم إن يظهروا عليكم يغلبوكم في معركة، ﴿لا يرقبوا فيكم﴾ أي لا يراعوا الله تعالى ولا القرابة ولا الذمة بل يقتلوكم قتلاً ذريعاً، وقوله تعالى ﴿يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم﴾ إخبار من الله تعالى عن أولئك المشركين الناكثين للعهد الغادرين بأنهم يحاولون إرضاء المؤمنين بالكذب بأفواههم، وقلوبهم الكافرة تأبى ذلك الذي يقولون بألسنتهم أي فلا تعتقده ولا تقره، ﴿وأكثرهم فاسقون﴾ لا يعرفون الطاعة ولا الالتزام لا بعهد ولا دين، والجملة فيها تهييج للمسلمين على قتال المشركين ومحاصرتهم وأخذهم تطهيراً لأرض الجزيرة منهم قبل وفاة الرسول ﷺ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب الوفاء بالعهود ما لم ينقضها المعاهدون.

стр. 1005

٢- تقرير مبدأ الحزم في القتال والضرب بشدة. ٣- وجوب تطهير الجزيرة من كل شرك وكفر لأنها دار الإسلام. ٤- إقام الصلاة شرط في صحة الإيمان فمن تركها فهو كافر غير مؤمن. ٥- احترام الجوار، والإقرار به، وتأمين السفراء والممثلين لدولة كافرة. ٦- قبول طلب كل من طلب من الكافرين الإذن له بدخول بلاد الإسلام ليتعلم الدين الإسلامي. ٧- القرآن كلام الله تعالى حقاً بحروفه ومعانيه لقوله ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ الذي يتلوه عليه ﷺ . ٨- وجوب مراقبة الله تعالى ومراعاة القرابة واحترام العهود. اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٩) لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (١٢) شرح الكلمات: اشتروا بآيات الله١: أي باعوا آيات الله وأخذوا بدلها الكفر. فصدوا عن سبيله: أي أعرضوا عن سبيل الله التي هي الإسلام كما صدوا غيرهم أيضاً.

стр. 1006

ساء: أي قبح. لا يرقبون: أي لا يراعون. إلاً: الإل: الله، والقرابة والعهد وكلها صالحة هنا. فإن تابوا: أي من الشرك والمحاربة. نكثوا: أي نقضوا وغدروا. وطعنوا في دينكم١: أي انتقدوا الإسلام في عقائده أو عاداته ومعاملاته. أئمة الكفر: أي رؤساء الكفر المتبعين والمقلدين في الشرك والشر والفساد. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن المشركين، وبيان ما يلزم اتخاذه حيالهم فأخبر تعالى عنهم بقوله في الآية (٩) ﴿اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً﴾ أي باعوا الإيمان بالكفر فصدوا أنفسهم كما صدوا غيرهم من أتباعهم عن الإسلام الذي هو منهج حياتهم وطريق سعادتهم وكمالهم. فلذا قال تعالى مُقبحاً سلوكهم ﴿إنهم ساء ما كانوا يعملون﴾ كما أخبر تعالى عنهم بأنهم لا يراعون في أي مؤمن يتمكنون منه الله ولا قرابة بينه وبينهم، ولا معاهدة تربطهم مع قومه، فقال تعالى ﴿لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون﴾ ووصفه تعالى إياهم بالاعتداء دال على أنهم لا يحترمون عهوداً ولا يتقون الله تعالى في شيء، وذلك لظلمة نفوسهم من جراء الكفر والعصيان، فلذا على المسلمين قتلهم حيث وجدوهم وأخذهم أسرى وحصارهم وسد الطرق عنهم حتى يلقوا السلاح ويسلموا لله، أو يستسلموا للمؤمنين اللهم إلا أن يتوبوا بالإيمان والدخول في الإسلام كما قال تعالى ﴿فإن٢ تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ وقوله تعالى

стр. 1007

﴿ونفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ أي نبين الآيات القرآنية المشتملة على الحجج والبراهين على توحيد الله تعالى وتقرير نبوة رسول الله ﷺ ، وعلى الأحكام الشرعية في الحرب والسلم كما في هذا السياق وقوله ﴿لقوم يعلمون﴾ لأن الذين لا يعلمون من أهل الجهالات لا ينتفعون بها لظلمة نفوسهم وفساد عقولهم بضلال الشرك والأهواء وقوله تعالى في الآية الرابعة (١٢) ﴿وإن نكثوا أيمانهم١ من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم﴾ يريد تعالى أولئك المعاهدين من المشركين إذ هم نكثوا أيمانهم التي أكدوا بها عهودهم فحلوا ما أبرموا ونقضوا ما أحكموا من عهد وميثاق وعابوا الإسلام وطعنوا فيه فهم إذاً أئمة الكفر ورؤساء الكافرين فقاتلوهم بلا هوادة، ولا تراعوا لهم أيماناً حلفوها لكم فإنهم لا أيمان لهم. قاتلوهم رجاء أن ينتهوا من الكفر والخيانة والغدر فيوحدوا ويسلموا ويصبحوا٢ مثلكم أولياء الله لا أعداءه. هداية الآيات. من هداية الآيات: ١- ذم سلوك الكافرين وتصرفاتهم في الحياة وحسبهم أن باعوا الحق س بالباطل، واشتروا الضلالة بالهدى. ٢- من كان الاعتداء وصفاً له لا يُؤمن على شيء، ولا يوثق فيه في شيء، لفساد ملكته النفسية. ٣- أخوة الإسلام تثبت بثلاثة أمور التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة٣. ٤- الطعن في الدين ردة وكفر موجب للقتل والقتال.

стр. 1008

أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦) شرح الكلمات: ألا:: أداة تحضيض. نكثوا أيمانهم: نقضوها وحلوها فلم يلتزموا بها. هموا بإخراج الرسول: من دار الندوة إذ عزموا على واحدة من ثلاث الحبس أو النفي أو القتل. أول مرة: أي في بدر أو في ماء الهجير١ حيث أعانت قريش بني بكر على خزاعة. ويخزهم: أي يذلهم ويهينهم. ويشف صدور: أي يذهب الغيظ الذي كان بها على المشركين الظالمين. ان تتركوا: أي بدون امتحان بالتكاليف كالجهاد.

стр. 1009

وليجه: أي دخيله وهي الرجل يدخل في القوم وهو ليس منهم ويطلعونه على أسرارهم وبواطن أمورهم. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن المشركين وما يلزم إزاءهم من إجراءات فإنه بعد أن أعطاهم المدة المذكورة وأمنهم فيها وهى أربعة أشهر، وقد انسلخت فلم يبق إلا قتالهم وأخذهم وإنهاء عصبة المشركين وآثارها في ديار الله فقال تعالى حاضاً المؤمنين مهيجاً لهم ﴿ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم﴾ وهذه خطيئة كافية في وجوب قتالهم، وثانية همهم بإخراج الرسول من بين أظهرهم من مكة وثالثة بدؤهم إياكم بالقتال في بدر، إذ عيرهم نجت وأبوا إلا أن يقاتلوكم، إذاً فلم لا تقاتلونهم؟ أتتركون قتالهم خشية منهم وخوفاً إن كان هذا ﴿فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين﴾ ، لأن ما لدى الله تعالى من العذاب ليس لدى المشركين فالله أحق أن يخشى، هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٣) وهي قوله تعالى ﴿ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج١ الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين﴾ وفي الآية الثانية (١٤) يقول تعالى: ﴿قاتلوهم﴾ وهو أمر صريح بالقتال، وبذكر الجزاء المترتب على قتالهم فيقول ﴿يعذّبهم الله بأيدكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ وهم خزاعة تشفى صدورهم من الغيظ على بني بكر الذين قاتلوهم وأعانتهم قريش عليهم بعد صلح الحديبية٢، وقوله تعالى: ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ هذه وإن لم تكن جزاء للأمر بالقتال كالأربعة التي قبلها. ولكن سنة الله تعالى أن الناس إذا رأوا انتصار أعدائهم عليهم في كل معركة يميلون إليهم ويقبلون دينهم وما هم عليه من صفات فقتال المؤمنين للكافرين وانتصارهم عليهم يتيح الفرصة لكثير من الكافرين فيسلمون وهو معنى قوله تعالى ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ ، وقوله ﴿والله عليم حكيم﴾ تقرير للأمر بالقتال والنتائج الطيبة المترتبة عليه آخرها أن يتوب الله عدى من يشاء. وقوله تعالى في الآية (١٦) الأخيرة ﴿أم

стр. 1010

حسبتم١ أن تتركوا﴾ أي بدون امتحان. وأنتم خليط منكم المؤمن الصادق ومنكم المنافق الكاذب، من جملة ما كان يوحى به المنافقون التثبيط عن القتال بحجة ان مكة فتحت وأن الإسلام عز فما هناك حاجة إلى مطاردة فلول المشركين، وهم يعلمون أن تكتلات يقودها الساخطون على الإسلام حتى من رجالات قريش يريدون الانقضاض على المسلمين وإهدار كل نصر تحقق لهم، وهذا المعنى ظاهر من سياق الآية ﴿أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة﴾ ٢ إذ هناك من اتخذوا من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة يطلعونها على أمور المسلمين، ويسترون عليهم وهي بينهم دخلية، ويقرر هذه الجملة التي ختمت بها الآية وهي قوله تعالى ﴿والله خبير بما تعملون﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مشروعية استعمال أسلوب التهييج والإثارة للجهاد. ٢- وجوب خشية الله تعالى بطاعته وترك معصيته. ٣- لازم الإيمان الشجاعة فمن ضعفت شجاعته ضعف إيمانه. ٤- من ثمرات القتال دخول الناس في دين الله تعالى. ٥- الجهاد عملية تصفية وتطهير لصفوف المؤمنين وقلوبهم أيضاً. مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)

стр. 1011

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) شرح الكلمات: ما كان للمشركين: أي ليس من شأنهم أو مما يتأتى لهم. حبطت أعمالهم: أي بطلت فلا يثابون عليها ولا ينجحون فيها. يعمروا مساجد الله: أي بالعبادة فيها، وصيانتها وتطهيرها. ولم يخش إلا الله: أي لم يخف أحداً غير الله تعالى. فعسى: عسى من الله تعالى كما هي هنا تفيد التحقيق أي هدايتهم محققة. المهتدين: أي إلى سبيل النجاة من الخسران والظفر بالجنان. معنى الآيتين: لا شك أن هناك من المشركين من ادعى أنه يعمر المسجد الحرام بالسدانة والحجابة والسقاية وسواء كان المدعى هذا العباس يوم بدر أو كان غيره فإن الله تعالى أبطل هذا الادعاء وقال ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله﴾ ١ أي لا ينبغي لهم ذلك ولا يصح منهم، وكيف وهم كفار شاهدون٢ على أنفسهم بالكفر، وهل الكافر بالله يعمر بيته وبماذا يعمره؟ وإذا سألت اليهودي ما أنت؟ يقول يهودي، وإذا سألت النصراني، ما أنت؟ يقول نصراني، وإذا سألت الوثني ما أنت؟ يقول مشرك فهذه شهادتهم على أنفسهم٣ بالكفر، وقوله تعالى ﴿أولئك﴾ أي البعداء في الكفر والضلال ﴿حبطت أعمالهم﴾ ، أي

стр. 1012

بطلت وضاعت لفقدها الإخلاص فيها لله تعالى ﴿وفي النار هم خالدون﴾ لا يخرجون منها متى دخولها أبداً، إذ ليس لهم من العمل ما يشفع لهم بالخروج منها. ثم قرر تعالى الحقيقة وهي أن الذين يعمرون١ مساجد الله حقاً وصدقاً هم المؤمنون الموحدون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويخشون الله تعالى ولا يخشون سواه هؤلاء هم الجديرون بعمارة المساجد بالصلاة والذكر والتعلم للعلم الشرعي فيها زيادة على بنائها وتطهيرها وصيانتها هؤلاء جديرون بالهداية لكل كمال وخير يشهد لهذا قوله تعالى ﴿فعسى٢ أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ إلى ما هو الحق والصواب، وإلى سبيل النجاة من النار والفوز بالجنة. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- حرمة دخول الكافر المساجد إلا لحاجة وبإذن من المسلمين. ٢- فضيلة عمارة المساجد بالعبادة فيها وتطهيرها وصيانتها. ٣- فضيلة المسلم وشرفه، إذ كل من يسأل عن دينه يجيب بجواب هو الكفر إلا المسلم فإنه يقول: مسلم أي لله تعالى فهو إذاً المؤمن وغيره الكافر. ٤- وجوب الإيمان بالله واليوم الآخر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والخشية من٣ الله تعالى. ٥- أهل الأمن والنجاة من النار هم أصحاب الصفات الأربع المذكورة في الآية. أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ

стр. 1013

وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) شرح الكلمات: سقاية الحاج: مكان يوضع فيه الماء في المسجد الحرام ويسقى منه الحجاج مجاناً. وعمارة المسجد الحرام: هنا عبارة عن بنائه وصيانته وسدانة البيت فيه. لا يستوون عند الله: إذ عمارة المسجد الحرام مع الشرك والكفر لا تساوى شيئاً. والله لا يهدي القوم الظالمين: أي المشركين لا يهديهم لما فيه كمالهم وسعادتهم. ورضوان: أي رضا الله عنهم. نعيم مقيم: أي دائم لا يزول ولا ينقطع. معاني الآيات: ما زال السياق في الرد على من رأى تفضيل عمارة المسجد١ الحرام بالسقاية والحجابة

стр. 1014

والسدانة على الإيمان والفجرة والجهاد فقال تعالى موبخاً لهم ﴿أجعلتم١ سقاية الحاج٢ وعمارة٣ المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون﴾ في حكم الله وقضائه بحال من الأحوال، والمشركون ظالمون كيف يكون لعمارتهم للمسجد الحرام وزن أو قيمة تذكر ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ بعد هذا التوبيخ والبيان للحال أخبر تعالى أن ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ هم ﴿أعظم درجة﴾ ممن آمنوا ولم يستكملوا هذه الصفات الأربع، وأخبر تعالى أنهم هم الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة، وأعظم من هذا، جاء في قوله ﴿يبشرهم ربهم برحمة منه﴾ وهي الجنة ﴿ورضوان﴾ منه تعالى وهو أكبر نعيم ﴿وجنات﴾ أي بساتين في الملكوت الأعلى ﴿لهم فيها نعيم مقيم﴾ لا يحول ولا يزول وأنهم خالدون فيها لا يخرجون منها أبداً، ﴿وإن الله عنده أجر عظيم﴾ لا يقادر قدره جعلنا الله تعالى منهم وحشرنا في زمرتهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- أكمل المؤمنين وأعلاهم درجة، لح وأقربهم من الله منزلة من جمع الصفات الثلاث المذكورة في الآية (٢٠) وهي الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. ٢- فضل الهجرة والجهاد. ٣- تفاوت أهل الجنة في علو درجاتهم. ٤- حرمان الظالمين المتوغلين في الظلم من هداية الله تعالى. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ

стр. 1015

وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤) شرح الكلمات: أولياء: جمع وليّ وهو من تتولاه بالمحبة والنصرة ويتولاك بمثل ذلك. استحبوا: أي أحبوا الكفر على الإيمان. الظالمون: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومن أحب من لا تجوز محبته فقد وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم. وعشيرتكم: أي قرابتكم من النسب كالأعمام الأباعد وأبنائهم. اقترفتموها: أي اكتسبتموها. كسادها: بوارها وعدم رواجها. فتربصوا: أي انتظروا. حتى يأتي الله بأمره: أي بعقوبة هذه المعصية يوم فتح مكة. معنى الآيتين: هذا إنذار الله تعالى للمؤمنين ينهاهم فيه عن اتخاذ من كفر من آبائهم وإخوانهم أولياء لهم يوادونهم ويناصرونهم ويطلعونهم على أسرار المسلمين وبواطن أمورهم. فيقول تعالى: ﴿يا أيها الذين امنوا﴾ أي بالله ورسوله ولقاء الله ووعده ووعيده ﴿لا تتخذوا آباءكم١

стр. 1016

وإخوانكم١ أولياء إن استحبوا٢ الكفر على الإيمان﴾ أي اثروا الكفر والإصرار عليه على الإيمان بالله ورسوله ثم يهددهم إن لم يمتثلوا أمره ويفاصلوا آباءهم وإخوانهم المستحبين للكفر على الإيمان فيقول ﴿ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون٣﴾ ووجه الظلم ظاهر وهو أنهم وضعوا المحبة موضع البغضاء، والنصرة موضع الخذلان. والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه. ثم أمر تعالى رسوله أن يقول لهم، وفي هذا العدول عن خطابهم مباشرة إلى الواسطة ما يشعر بالغضب وعدم الرضى، والتهديد والوعيد ﴿قل إن كان٤ آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله﴾ فتركتم الهجرة والجهاد لذلك ﴿فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾ أي انتظروا أمر الله وهو فتح مكة عليكم وإنزال العقوبة بكم، ﴿والله لا لهدي القوم الفاسقين﴾ أي لا يوفقهم لسبل نجاتهم وسعادتهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة اتخاذ الكافرين أولياء يُوادون ولو كانوا من أقرب الأقرباء كالأب والابن والأخ. ٢- من الظلم الفظيع موالاة من عادى الله ورسوله والمؤمنين. ٣- فرضية محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله، ومحبة سائر محاب الله تعالى وكره سائر مكاره الله تعالى من العقائد والأحوال والأعمال والذوات والصفات. ٤- حرمان أهل الفسق المتوغلين فيه من هداية الله تعالى إلى ما يكملهم ويسعدهم. لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ

стр. 1017

تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنَزلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) شرح الكلمات: في مواطن: المواطن جمع موطن بمعنى الوطن وهو محل إقامة الإنسان. حنين: وادٍ على بعد أميال يسيرة من الطائف. إذ أعجبتكم كثرتكم: أي كثرة عددكم حتى قال من قال: لن نغلب اليوم من قلة. فلم تغن عنكم شيئاً: أي لم تجز عنكم شيئاً من الإجزاء إذ انهزمتم في أول اللقاء. وضاقت عليكم الأرض: أي لم تعرفوا أين تذهبون، وكيف تتصرفون كأنكم محصورون في مكان ضيق. بما رحبت: أي على رحابتها وسعتها. أنزل الله سكينته: أي الطمأنينة في نفوسهم، فذهب القلق والاضطراب. وأنزل جنوداً.: أي من الملائكة. نجس: أي ذوو نجس وذلك لخبث أرواحهم بالشرك. بعد عامهم هذا: عام تسعة من الهجرة.

стр. 1018

عيلة: أي فقراً وفاقه وحاجة. معنى الآيات: لما حرم الله على المؤمنين موالاة الكافرين ولو كانوا أقرباءهم وحذرهم من القعود عن الهجرة والجهاد، وكان الغالب فيمن يقعد عن ذلك إنما كان لجبنه وخوفه أخبرهم تعالى في هذه الآيات الثلاث أنه ناصرهم ومؤيدهم فلا يقعد بهم الجبن والخوف عن أداء الواجب من الهجرة والجهاد فقال تعالى ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة١﴾ كبْدَر والنضير وقريظة والفتح وغيرها ﴿ويوم حنين﴾ ٢ حين قاتلوا قبيلة هوازن مذكراً إياهم بهزيمة أصابت المؤمنين نتيجة خطأ من بعضهم وهو الاغترار بكثرة العدد إذ قال من قال منهم: لن نغلب اليوم عن قلة إذ كانوا اثني عشر٣ ألفاً وكان عدوهم أربعة آلاف فقط، إنهم ما إن توغلوا بين جنبتي الوادي حتى رماهم العدو بوابل من النبل والسهام فلم يعرفوا كيف يتصرفون حتى ضاقت عليهم الأرض على سعتها وولوا مدبرين هاربين ولم يثبت إلا رسول الله ﷺ وكان على بغلته البيضاء المسماة (بالدُلْدُل) والعباس إلى جنبه وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمه، ثم نادى منادي رسول الله: أن يا أصحاب سورة البقرة هلموا أصحاب السمرة (شجره بيعة الرضوان) هلموا. فتراجعوا إلى المعركة ودارت رحاها و ﴿أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً﴾ تلامس القلوب وتنفخ فيها روح الشجاعة والصبر والثبات، فصبروا وقاتلوا وما هي إلا ساعة وإذا بالعدو سبي بين أيديهم ولم يحصل لهم أن غنموا يوماً مثل ما غنموا هذا اليوم إذ بلغ عدد الإبل اثني عشر ألف بعير، ومن الغنم مالا يحصى ولا يعد. بهذا جاء قوله تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين٤﴾ أي هاربين من العدو ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً﴾ أي من الملائكة ﴿لم تروها﴾ ﴿وعذب الذين كفروا﴾ أي هوازن ﴿وذلك﴾ أي القتل والسبي ﴿جزاء الكافرين﴾ بالله ورسوله.

стр. 1019

وقوله تعالى ﴿ثم يتوب الله على من يشاء﴾ ١ أي بعد قتالكم للكافرين وقتلكم من تقتلون يتوب الله على من يشاء ممن بقوا أحياء بعد الحرب ﴿والله غفور رحيم﴾ فيغفر لمن يتوب عليه من المشركين ماضي ذنوبه من الشرك وسائر الذنوب ويرحمه بأن يدخله الجنة مع من يشاء من المؤمنين الصادقين في إيمانهم هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث. أما الآية الرابعة ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس٢ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ٣ فإنه تعالى أمر المؤمنين بأن يمنعوا من دخول المسجد الحرم كل مشرك ومشركة لأن المشرك نجس الظاهر والباطن فلا يحل دخولهم إلى المسجد الحرام كل مشرك ومشركة لأن المشرك نجس الظاهر والباطن فلا يحل دخولهم إلى المسجد الحرام وهو مكة والحرم حولها، ومن يومئذ لم يدخل مكة مشرك، وقوله تعالى ﴿وإن خفتم علية٤﴾ أي فقراً لأجل انقطاع٥ المشركين عن الموسم حيث كانوا يحلبون التجارة يبيعون ويشترون فيحصل نفع للمسلمين ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ فامنعوا المشركين ولا تخافوا الفقر وقوله تعالى ﴿إن شاء إن الله عليم حكيم﴾ استثناء منه تعالى حتى تبقى قلوب المؤمنين متعلقة به راجية خائفة غير مطمئنة غافلة، وكونه تعالى عليماً حكيماً يرشح المعنى المذكور فإن ذا العلم والحكمة لا يضع شيئاً إلا في موضعه فلا بد لمن أراد رحمة الله أو فضل الله أن يجتهد أن يكون أهلاً لذلك، بالإيمان والطاعة العامة والخاصة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة العجب بالنفس والعمل إذ هو أي العجب من العوائق الكبيرة عن النجاح. ٢- بيان إفضال الله تعالى وإكرامه لعباده المؤمنين. ٣- بيان الحكمة من القتال في سبيل الله تعالى. ٤- تقرير نجاسة الكافر المعنوية.

стр. 1020

٥- منع دخول المشرك الحرم المكي كائناً من كان بخلاف باقي المساجد فقد يؤذن للكافر لمصلحة أن يدخل بإذن المسلمين. ٦- لا يمنع المؤمن من امتثال أمر ربّه الخوف من الفاقة والفقر فإن الله تعالى تعهد بالإغناء إن شاء. قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) شرح الكلمات: لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر: أي إيماناً صحيحاً يرضاه الله تعالى لموافقة الحق والواقع. ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله: أي كالخمر والربا وسائر المحرمات. ولا يدينون دين الحق: أي الإسلام إذ هو الدين الذي لا يقبل ديناً سواه. من الذين أوتوا الكتاب: أي اليهود والنصارى. الجزية: أي الخراج المعلوم الذي يدفعه الذمي كل سنة. عن يد وهم صاغرون١: أي يقدمونه بأيديهم لا ينيبون فيه غيرهم، وهم صاغرون: أي أذلاء منقادون لحكم الإسلام هذا. معنى الآية الكريمة: لما أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بقتال المشركين حتى يتوبوا من الشرك ويوحدوا ويعبدوا الله تعالى بما شرع أمر رسوله في هذه الآية والمؤمنين بقتال أهل الكتاب وهم
следующие страницы →