← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وتخلف آخرون فحصلت تساؤلات بين المجاهدين لم يعطي هذا ولم لا يعطي ذاك فسألوا الرسول ﷺ فأنزل الله تعالى ﴿يسألونك١ عن الأنفال؟﴾ ٢ فأخبرهم أنها ﴿لله والرسول﴾ فالله يحكم فيها بما يشاء والرسول يقسمها بينكم كما يأمره ربه٣ وعليه فاتقوا الله تعالى بترك النزاع والشقاق، ﴿وأصلحوا﴾ ذات بينكم بتوثيق عرى المحبة بينكم وتصفية قلوبكم من كل ضغن أو حقد نشأ من جراء هذه الأنفال واختلافكم في قسمتها، ﴿وأطيعوا الله ورسوله﴾ في كل ما يأمرانكم به وينهيانكم عنه ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ حقاً فامتثلوا الأمر واجتنبوا النهي. وقوله تعالى ﴿إنما المؤمنون﴾ أي الكاملون في إيمانهم الذين يستحقون هذا الوصف وصف المؤمنين هم ﴿الذين إذا ذكر الله﴾ أي اسمه أو وعده أو وعيده ﴿وجلت قلوبهم٤﴾ أي خافت فأقلعت عن المعصية، وأسرعت إلى الطاعة، ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً﴾ أي قوي إيمانهم وعظم يقينهم، ﴿وعلى ربهم﴾ لا على غيره ﴿يتوكلون﴾ وفيه تعالى يثقون. وإليه تعالى أمورهم يفوضون، ﴿الذين يقيمون الصلاة﴾ بأدائها بكامل شروطها وكافة أركانها وسائر سننها وآدابها، ﴿ومما رزقناهم﴾ أي أعطيناهم ﴿ينفقون﴾ من مال وعلم، وجاه وصحة بدن من كل هذا ينفقون في سبيل الله ﴿أولئك﴾ الموصوفون بهذه الصفات الخمس ﴿هم المؤمنون حقاُ﴾ وصدقاً، ﴿لهم درجات عند ربهم﴾ أي منازل عالية متفاوتة العلو والارتفاع في الجنة، ولهم قبل ذلك ﴿مغفرة﴾ كاملة لذنوبهم، ﴿ورزق كريم﴾ ٥ طيب واسع لا تنقيص فيه ولا تكدير، وذلك في الجنة دار المتقين.

стр. 947

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الأمر بتقوى الله وإصلاح ذات البين. ٢- الإيمان يزيد١ بالطاعة وينقص بالعصيان. ٣- من المؤمنين من هو كامل الإيمان، ومنهم من هو ناقصه. ٤- من صفات أهل الإيمان الكامل ما ورد في الآية الثانية من هذه السورة٢ وما بعدها. كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ٣ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) شرح الكلمات: من بيتك: أي المدينة المنورة. لكارهون: أي الخروج للقتال. إحدى الطائفتين: العير "القافلة" أو النفير: نفير قريش وجيشها.

стр. 948

الشوكة ١: السلاح في الحرب. يبطل الباطل: أي يظهر بطلانه بقمع أهله وكسر شوكتهم وهزيمتهم. ولو كره المجرمون: كفار قريش المشركون. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿كما أخرجك ربك﴾ أيها الرسول ﴿من بيتك﴾ بالمدينة ﴿بالحق﴾ متلبساً به حيث خرجت بإذن الله ﴿وان فريقاً٢ من المؤمنين لكارهون﴾ لما علموا بخروج قريش لقتالهم، وكانت العاقبة خيراً عظيماً، هذه الحال مثل حالهم لما كرهوا نزع الغنائم من أيديهم وتوليك قسمتها بإذننا، على أعدل قسمة وأصحها وأنفعها فهذا الكلام في هذه الآية (٥) تضمنت تشبيه حال حاضرة بحال ماضيه حصلت في كل واحدة كراهة بعض المؤمنين، وكانت العاقبة في كل منهما خيراً والحمد لله، وقوله تعالى ﴿يجادلونك في الحق بعدما تبين﴾ أي يجادلونك في القتال بعدما أتضح لهم أن العير٣ نجت وأنه لم يبق إلا النفير٤ ولا بد من قتالها. وقوله تعالى ﴿كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ أي إلى الموت عياناً يشاهدونه أمامهم وذلك من شدة كراهيتهم لقتال لم يستعدوا له ولم يوطنوا أنفسهم لخوض معاركه. وقوله تعالى ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾ أي اذكر يا رسولنا لهم الوقت الذي يعدكم الله تعالى فيه إحدى الطائفتين العير والنفير، وهذا في المدينة وعند السير أيضاً ﴿أنها لكم﴾ أي تظفرون بها، ﴿وتودون﴾ أي تحبون أن تكون ﴿غير ذات الشوكة﴾ وهي عير أبي سفيان ﴿تكون لكم﴾ ، وذلك لأنها مغنم بلا مغرم لقلة عددها وعددها، والله يريد ﴿أن يحق الحق﴾ أي يظهره بنصر أوليائه وهزيمة أعدائه، وقوله ﴿بكلماته﴾ أي التي تتضمن أمره تعالى إياكم بقتال الكافرين، وأمره الملائكة بالقتال معكم، وقوله ﴿ويقطع دابر الكافرين﴾ أي بتسليطكم عليهم فتقتلوهم حتى لا

стр. 949

تبقوا منهم غير من فر وهرب، وقوله ﴿ليحق الحق﴾ أي لينصره ويقرره وهو الإسلام ﴿ويبطل الباطل﴾ وهو الشرك ﴿ولو كره﴾ ذلك ﴿المجرمون﴾ أي المشركون الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها بالشرك، وعلى غيرهم أيضاً حيث منعوهم من قبول الإسلام وصرفوهم عنه بشتى الوسائل. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير قاعدة ﴿عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾ وذكر نبذة عن غزوة بدر الكبرى وبيان ذلك أن النبي ﷺ بلغه أن عيراً لقريش تحمل تجارة قادمة من الشام في طريقها إلى مكة وعلى رأسها أبو سفيان بن حرب فانتدب النبي ﷺ بعض أصحابه للخروج إليها عسى الله تعالى أن يغنمهم إياها، لأن قريشاً صادرت أموال بعضهم وبعضهم ترك ماله بمكة وهاجر. فلما خرج النبي ﷺ وأثناء مسيره أخبرهم أن الله تعالى وعدهم إحدى الطائفتين، لا على التعيين جائز أن تكون العير، وجائز أن تكون النفير الذي خرج من مكة للذب عن العير ودفع الرسول وأصحابه عنها حتى لا يستولوا عليها، فلما بلغ الرسول نبأ نجاة العير١ وقدوم النفير استشار أصحابه فوافقوا على قتال المشركين ببدر وكره بعضهم ذلك، وقالوا: إنا لم نستعد للقتال فأنزل الله تعالى هذه الآيات ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين﴾ إلى قوله ﴿ ... ولو كره المجرمون﴾ . ٢- بيان ضعف الإنسان في رغبته في كل مالا كلفة فيه ولا مشقة. ٣- إنجاز الله تعالى وعده للمؤمنين إذ أغنمهم طائفة النفير وأعزهم بنصر لم يكونوا مستعدين له.

стр. 950

٤- ذكر نبذة عن وقعة بدر وهي من أشهر الوقائع وأفضلها وأهلها من أفضل الصحابة وخيارهم إذ كانت في حال ضعف المسلمين حيث وقعت في السنة الثانية من الهجرة وهم أقلية والعرب كلهم أعداء لهم وخصوم. إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤) شرح الكلمات: تستغيثون١: أي تطلبون الغوث من الله تعالى وهو النصر على

стр. 951

أعدائكم مردفين: أي متتابعين بعضهم ردف بعض أي متلاحقين. وما جعله الله إلا بشرى: أي الإمداد بالملائكة إلا بشرى لكم بالنصر. إذ يغشيكم النعاس: أي يغطيكم به والنعاس: نوم خفيف جداً. أمنة.: أي أمناً من الخوف الذي أصابكم لقلتكم وكثرة عدوكم. منه: أي من الله تعالى. رجز الشيطان: وسواسه لكم بما يؤلمكم ويحزنكم. وليربط على قلوبكم: أي يشد عليها بالصبر واليقين. ويثبت به الأقدام: أي بالمطر أقدامكم حتى لا تسوخ في الرمال. الرعب: الخوف والفزع. فاضربوا كل بنان: أي أطراف اليدين والرجلين حتى يعوقهم عن الضرب والمشي. شاقوا الله ورسوله: أي خالفوه في مراده منهم فلم يطيعوه وخالفوا رسوله. ذلكم فذوقوه: أي العذاب فذوقوه. عذاب النار: أي في الآخرة. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث غزوة بدر، وبيان منن الله تعالى على رسوله والمؤمنين إذ يقول تعالى لرسوله ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾ أي اذكر يا رسولنا حالكم لما كنتم خائفين لقلتكم وكثرة عدوكم فاستغثتم ربكم قائلين: اللهم نصرك، اللهم أنجز لي ما وعدتني ﴿فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ أي متتالين يتبع بعضهم بعضا ﴿وما جعله الله إلا بشرى﴾ أي لم يجعل ذلك الإمداد إلا مجرد بشرى لكم بالنصر على عدوكم ﴿ولتطمئن به قلوبكم﴾ أي تسكن ويذهب منها القلق والاضطراب، أما النصر فمن عند الله، ﴿إن الله عزيز حكيم﴾ عزيز غالب لا يحال بينه وبين ما يريده، حكيم بنصر من هو أهل للنصر، هذه نعمة، وثانية: اذكروا ﴿إذ يغشيكم﴾ ربكم

стр. 952

﴿النعاس أمنة منه١﴾ أي أماناً منه تعالى لكم فإن العبد إذا خامره النعاس هدأ وسكن وذهب الخوف محنه، وثبت في ميدان المعركة لا يفر ولا يرهب ولا يهرب، ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾ وهذه نعمة أخرى، فقد كانت الأرض رملية تسوح فيها أقدامهم لا يستطيعون عليها كراً ولا فراً، وقل ماؤهم فصاروا ظماءً عطاشاً، محدثين، لا يجدون ما يشربون ولا ما يتطهرون به من أحداثهم ووسوس الشيطان لبعضهم بمثل قوله: تقاتلون محدثين كيف تنصرون، تقاتلون وأنتم عطاش وعدوكم ريان إلى أمثال هذه الوسوسة، فأنزل الله تعالى على معسكرهم خاصة مطراً غزيراً شربوا وتطهروا وتلبدت به التربة فأصبحت صالحة للقتال عليها، هذا معنى قوله تعالى ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾ أي وسواسه ﴿وليربط على قلوبكم﴾ أي يشد عليها بما أفرغ عليها من الصبر وما جعل فيها من اليقين لها ﴿ويثبت٢به الأقدام﴾ ونعمة أخرى واذكر ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم﴾ بتأييدي ونصري ﴿فثبتوا الذين آمنوا﴾ أي قولوا لهم من الكلام تشجيعاً لهم ما يجعلهم يثبتون في المعركة ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ أي الخوف أيها المؤمنون ﴿فاضربوا فوق٣ الأعناق﴾ أي اضربوا المذابح ﴿واضربوا منهم كل بنان٤﴾ أي أطراف اليدين والرجلين حتى لا يستطيعوا ضرباً بالسيف، ولا فراراً بالأرجل وقوله تعالى ﴿ذلك ٥بأنهم شاقوا الله ورسوله﴾ أي عادوهما وحاربوهما ﴿ومن يشاقق الله ورسوله﴾ ينتقم منه ويبطش به ﴿فإن الله شديد العقاب﴾ ، وقوله تعالى ﴿ذلكم فذوقوه﴾ أي ذلكم العذاب القتل والهزيمة فذوقوه في الدنيا وأما الآخرة فلكم فيها عذاب النار. هداية الآيات. من هداية الآيات:

стр. 953

١- مشروعية الاستغاثة بالله تعالى وهي عبادة فلا يصح أن يستغاث بغير الله تعالى. ٢- تقرير عقيدة أن الملائكة عباد لله يسخرهم في فعل ما يشاء، وقد سخرهم للقتال مع المؤمنين فقاتلوا، ونصروا وثبتوا وذلك بأمر الله تعالى لهم بذلك. ٣- تعداد نعم الله تعالى على المؤمنين في غزوة بدر وهي كثيرة. ٤-مشاقة١ الله ورسوله كفر يستوجب صاحبها عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. ٥- تعليم الله تعالى عباده كيف يقاتلون ويضربون أعداءهم، وهذا شرف كبير للمؤمنين. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨) إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) شرح الكلمات: زحفاً٢: أي زاحفين لكثرتهم ولبطىء سيرهم كأنهم يزحفون على

стр. 954

الأرض. فلا تولوهم الأدبار: أي لا تنهزموا فتفروا أمامهم فتولونهم أدباركم. متحرفاً لقتال: أي مائلاً من جهة إلى أخرى ليتمكن من ضرب العدو وقتاله. أو متحيزاً إلى فئة: أي يريد الانحياز إلى جماعة من المؤمنين تقاتل. فقد باء بغضب: أي رجع من المعركة مصحوباً بغضب من الله تعالى لمعصيته إياه. وليبلي: أي لينعم عليهم بنعمة النصر والظفر على قلة عددهم فيشكروا. فئتكم: مقاتلتكم من رجالكم الكثيرين. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن غزوة بدر وما فيها من جلائل النعم وخفى الحكم ففي أولى هذه الآيات ينادي الرب ﵎ عباده المؤمنين فيقول ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا١ لقيتم الذين كفروا زحفاً﴾ أي وأنتم وإياهم زاحفون إلى بعضكم البعض ﴿فلا تولوهم الأدبار٢﴾ أي لا تنهزموا أمامهم فتعطوهم أدباركم فتمكنوهم من قتلكم، إنكم أحق بالنصر منهم، وأولى بالظفر والغلب إنكم مؤمنون وهم كافرون فلا يصح منكم انهزام أبداً ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ اللهم ﴿إلا متحرفاً لقتال﴾ أي مائلاً من جهة إلى أخرى ليكون ذلك أمكن له في القتال ﴿أو متحيزاً إلى فئة﴾ أي منحازاً إلى جماعة من المؤمنين تقاتل فيقاتل معها ليقويها أو يقوى بها، من ولى الكافرين دبره في غير هاتين الحالتين ﴿فقد باء بغضب من الله﴾ أي رجع من جهاده مصحوباً بغضب من الله ﴿ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ ٣

стр. 955

وذلك بعد موته وانتقاله إلى الآخرة، وقوله تعالى ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾ يخبر تعالى عباده المؤمنين الذين حرم عليهم التولي ساعة الزحف وتوعدهم بالغضب وعذاب النار يوم القيامة أنهم لم يقتلوا المشركين على الحقيقة وإنما الذي قتلهم هو الله فهو الذي أمرهم وقدرهم وأعانهم، ولولاه ما قتل أحد ولا مات فليعرفوا هذا حتى لا يخطر ببالهم أنهم هم المقاتلون وحدهم. وحتى رمي رسوله المشركين بتلك التي وصلت إلى جل أعين المشركين في المعركة فأذهلتهم وحيرتهم بل وعوقتهم عن القتال وسببت هزيمتهم كان الله تعالى هو الرامي الذي أوصل التراب إلى أعين المشركين، إذ لو ترك الرسول ﷺ لا لقوته لما وصلت حثية التراب إلى أعين الصف الأول من المقاتلين المشركين، ولذا قال تعالى ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى١﴾ وقوله تعالى ﴿وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً﴾ أي فعل تعالى ذلك القتل بالمشركين والرمي بإيصال التراب إلى أعينهم ليذل الكافرين ويكسر شوكتهم ﴿وليبلي٢ المؤمنين﴾ أي ولينعم عليهم الأنعام الحسن بنصرهم وتأييدهم في الدنيا وإدخالهم الجنة في الآخرة. وقوله تعالى ﴿إن الله سميع عليم﴾ بمقتضى هاتين الصفتين كان الإبلاء الحسن، فقد سمع تعالى أقوال المؤمنين واستغاثتهم به، وعلم ضعفهم وحاجتهم فأيدهم ونصرهم فكان ذلك منه إبلاء حسناً، وقوله تعالى ﴿ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين﴾ أي ذلكم القتل والرمي والإبلاء كله حق واقع بقدرة الله تعالى ﴿وأن الله موهن﴾ أي مضعف ﴿كيد الكافرين﴾ فكلما كادوا كيداً بأوليائه وأهل طاعته أضعفه وأبطل مفعوله، وله الحمد والمنة. وقوله تعالى ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح، وإن تنتهوا فهو خير لكم﴾ هذا خطاب للمشركين حيث قال أبو جهل وغيره من رؤساء المشركين٣ "اللهم أينا كان أفجر لك واقطع للرحم فأحنه اليوم، اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة" أي أهلكه الغداة يوم بدر فأنزل الله تعالى ﴿إن

стр. 956

تستفتحوا﴾ أي تطلبوا الفتح وهو القضاء بينكم وبين نبينا محمد ﴿فقد جاءكم الفتح﴾ وهي هزيمتهم في بدر ﴿وإن تنتهوا﴾ تكفوا عن الحرب والقتال وتنقادوا لحكم الله تعالى فتسلموا ﴿فهو خير لكم وإن تعودوا﴾ للحرب والكفر ﴿نعد﴾ فنسلط عليكم رسولنا والمؤمنين لنذيقكم على أيديهم الذل والهزيمة ﴿ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً ولو كثرت﴾ وبلغ تعداد المقاتلين منكم عشرات الآلاف، هذا وأن الله دوماً مع المؤمنين فلن يتخلى عن تأييدهم ونصرتهم ما استقاموا على طاعة ربهم ظاهراً وباطناً. هداية الآيات هن هداية الآيات: ١- حرمة الفرار من العدو الكافر عند١ اللقاء لما توعد الله تعالى عليه من الغضب والعذاب ولعد الرسول له من الموبقات السبع في حديث مسلم "والتولي يوم الزحف". ٢- تقرير مبدأ أن الله تعالى خالق كل شيء وأنه خلق العبد وخلق فعله، إذ لما كان العبد مخلوقاً وقدرته مخلوقة، ومأموراً ومنهياً ولا يصدر منه فعل ولا قول إلا بإقدار الله تعالى له كان الفاعل الحقيقي هو الله، وما للعبد إلا الكسب بجوارحه٢ وبذلك يجزى الخير بالخير والشر بمثله. عدل الله ورحمته. ٣-آية وصول حثية التراب من كف الرسول ﷺ إلى أغلب عيون المشركين في المعركة. ٤- إكرام الله تعالى وإبلاؤه لأولياءه البلاء الحسن فله الحمد وله المنة. ٥- ولاية الله للمؤمنين الصادقين هي أسباب نصرهم وكمالهم وإسعادهم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ

стр. 957

وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ (٢٣) شرح الكلمات: ولا تولوا عنه: أي لا تعرضوا عن طاعته إذا أمركم أو نهاكم كأنكم لا تسمعون. إن شر الدواب: أي شر ما يدب على الأرض الكافرون. لأسمعهم: لجعلهم يسمعون أو لرفع المانع عنهم فسمعوا واستجابوا. معنى الآيات: ينادي الله تعالى عباده المؤمنين١ الذين آمنوا به وبرسوله وصدقوا بوعده ووعيده يوم لقائه فيأمرهم بطاعته وطاعة رسوله، وينهاهم عن الإعراض عنه وهم يسمعون الآيات تتلى والعظات تتوالى في كتاب الله وعلى لسان رسول الله ﷺ لأن نصركم وتأييدكم كان ثمرة لإيمانكم وطاعتكم فإن أنتم أعرضتم وعصيتم فتركتم كل ولاية لله تعالى لكم أصبحتم كغيركم من أهل الكفر والعصيان هذا معنى قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله، ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون﴾ وقوله ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ ينهاهم أن يسلكوا مسلك الكافرين المشركين٢ في التصامم عن سماع الآيات الحاملة للحق والداعية إليه، والتعامي عن رؤية آيات الله الدالة على توحيده الذين قالوا إنا عما يقوله محمد في صمم، وفيما يذكر ويشير إليه في عمى، فهم يقولون سمعنا بآذاننا وهم لا يسمعون بقلوبهم لأنهم لا يتدبرون ولا يفكرون فلذا هم في سماعهم كمن لم يسمع إذ العبرة بالسماع الانتفاع٣ به لا مجرد سماع صوت وقوله تعالى ﴿إن شرّ٤ الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ يعني بهم المشركين وكانوا شر الدواب لأنهم كفروا بربهم وأشركوا به فعبدوا غيره، وضلوا عن سبيله ففسقوا وظلموا وأجرموا الأمر الذي جعلهم حقاً شر الدواب في الأرض فهذا تنديد بالمشركين، وفي نفس الوقت هو تحذير للمؤمنين من

стр. 958

معصية الله ورسوله والإعراض عن كتابه وهدي نبيه ﷺ وقوله تعالى ﴿ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم﴾ أي لجعلهم يسمعون آيات الله وما تحمله من بشارة ونذارة وهذا من باب الفرض لقوله تعالى ﴿ولو أسمعهم لتولوا عنه وهم معرضون﴾ هؤلاء طائفة من المشركين١؟ توغلوا في الشر والفساد والظلم والكبر والعناد فحرموا لذلك هداية الله تعالى فقد هلك بعضهم في بدر وبعض في أحد ولم يؤمنوا لعلم الله تعالى أنه لا خير فيهم وكيف لا وهو خالقهم وخالق طباعهم، ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب طاعة الله ورسوله في أمرهما ونهيهما، وحرمة معصيتهما. ٢- حرمة التشبه بالمشركين والكافرين وسائر أهل الضلال وفي كل شيء من سلوكهم. ٣- بيان أن من الناس من هو شر من الكلاب والخنازير فضلاً عن الإبل والبقر والغنم أولئك البعض كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)

стр. 959

شرح الكلمات: استجيبوا ١: اسمعوا وأطيعوا. لما يحييكم٢: أي لما فيه حياتكم ولما هو سبب في حياتكم كالإيمان والعمل الصالح والجهاد. فتنة: أي عذاباً تفتنون به كالقحط أو المرض أو تسلط عدو. مستضعفون: أي ضعفاء أمام أعدائكم يرونكم ضعفاء فينالون منكم. ورزقكم من الطيبات: جمع طيب من سائر المحللات من المطاعم والمشارب وغيرها. لعلكم تشكرون: رجاء أن تشكروه تعالى بصرف النعمة في مرضاته. معنى الآيات: هذا هو النداء الثالث بالكرامة للمؤمنين الرب تعالى يشرفهم بندائه ليكرمهم بما يأمرهم به أو ينهاهم عنه تربية لهم وإعداداً لهم لسعادة الدارين وكرامتهما فيقول ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ وهو بمعنى النداء الأول أطيعوا الله ورسوله. وقوله ﴿لما يحييكم﴾ إشعار بأن أوامر الله تعالى ورسوله كنواهيهما لا تخلوا أبداً مما يحيي المؤمنين٣ أو يزيد في حياتهم أو يحفظها عليهم، ولذا وجب أن يطاع الله ورسوله ما أمكنت طاعتهما. وقوله ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ تنبيه عظيم للمؤمنين إذا سنحت لهم فرصة للخير ينبغي أن يفترصوها قبل الفوات لاسيما إذا كانت دعوة من الله أو رسوله، لأن الله تعالى قادر على أن يحول بين المرء وما يشتهي وبين المرء وقلبه٤ فيقلب القلب ويوجهه إلى وجهة أخرى فيكره فيها الخير ويرغب في الشر قوله ﴿وأنه إليه

стр. 960

تحشرون﴾ فالذي يعلم أنه سيحشر رغم أنفه إلى الله تعالى كيف يسرع له عقله أن يسمع نداءه بأمره فيه أو ينهاه فيعرض عنه، وقوله ﴿واتقوا فتنة١ لا تصيبن٢ الذين ظلموا منكم خاصة﴾ تحذير آخر عظيم للمؤمنين من أن يتركوا طاعة الله ورسوله، ويتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فينتشر الشر ويعم الفساد، وينزل البلاء فيعم الصالح والطالح، والبار والفاجر٣، والظالم والعادل، وقوله ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ . وهو تأكيد للتحذير بكونه تعالى إذا عاقب بالذنب والمعصية فعقابه قاس شديد لا يطاق فليحذر المؤمنون ذلك بلزوم طاعة الله ورسوله. وقوله تعالى: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون﴾ هذه موعظة ربانية لأولئك المؤمنين الذين عايشوا الدعوة الإسلامية من أيامها الأولى بذكرهم ربهم بما كانوا عليه من قلة وضعف يخافون أن يتخطفهم الناس لقلتهم وضعفهم، فآواهم إلى مدينة نبيه المنورة ونصرهم بجنده فعزوا بعد ذلة واستغنوا بعد عيلة وفاقة، ورزقهم من الطيبات من مطعم ومشرب وملبس ومركب، ورزقهم من الطيبات إكراماً لهم، ليعدهم بذلك للشكر إذ يشكر النعمة من عاشها ولابسها، والشكر حمد المنعم والثناء عليه وطاعته ومحبته وصرف النعمة في سبيل مرضاته، والله يعلم أنهم قد شكروا فرضي الله عنهم وأرضاهم وألحقنا بهم صابرين شاكرين. هداية الآيات من هداية الآيات:

стр. 961

١- وجب الاستجابة. لنداء الله ورسوله١ بفعل الأمر وترك النهي لما في ذلك من حياة الفرد المسلم. ٢- تعين اغتنام فرصة الخير قبل فواتها فمتى سنحت للمؤمن تعين عليه اغتنامها. ٣- وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتقاء للفتن العامة التي يهلك فيها العادل والظالم. ٤- وجوب ذكر النعم لشكرها بطاعة الله ورسوله ﷺ . ٥- وجوب شكر النعم بحمد الله تعالى والثناء عليه والاعتراف بالنعمة له والتصرف فيها حسب مرضاته. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) شرح الكلمات: لا تخونوا الله والرسول: أي بإظهار الإيمان والطاعة ومخالفتهما في الباطن. وتخونوا أماناتكم: أي ولا تخونوا أماناتكم التي يأتمن عليها بعضكم بعضاً. إنما أموالكم وأولادكم فتنة: أي الاشتغال بذلك يفتنكم عن طاعة الله ورسوله. إن تتقوا الله: أي بامتثال أمره واجتناب نهيه في المعتقد والقول والعمل.

стр. 962

يجعل لكم فرقاناً: نوراً في بصائركم تفرقون به بين النافع والضار والصالح والفاسد. ويكفر عنكم سيآتكم: أي يمحوا عنكم ما سلف من ذنوبكم التي بينكم وبينه. ويغفر لكم ذنوبكم: أي يغطيها فيسترها عليكم فلا يفضحكم بها ولا يؤاخذكم عليها. معنى الآيات: هذا نداء رباني آخر يوجه إلى المؤمنين ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي يا من آمنتم بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً. ﴿لا تخونوا الله والرسول﴾ بأن يظهر أحدكم الطاعة لله ورسوله، ويستسر المعصية، ولا تخونوا أماناتكم التي يأتمن بعضكم بعضاً عليها ﴿وأنتم تعلمون﴾ عظيم جريمة الخيانة وآثارها السيئة على النفس والمجتمع، هذا ما دلت عليه الآية الأولى في هذا السياق ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا١ الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ وقوله تعالى ﴿واعلموا إنما٢ أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم﴾ فيه إشارة إلى السبب الحامل على الخيانة غالباً وهو المال والأولاد فأخبرهم تعالى أن أموالهم وأولادهم فتنة تصرفهم عن الأمانة والطاعة، وأن ما يرجوه من مال أو ولد ليس بشيء بالنسبة إلى ما عند الله تعالى إن الله تعالى عنده أجر عظيم لمن أطاعه واتقاه وحافظ على أمانته مع الله ورسوله ومع عباد الله وقوله تعالى في الآية الثالثة ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله٣ يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئآتكم ويغفر لكم﴾ هذا حض على التقوى وترغيب فيها بذكر أعظم النتائج لها وهي أولاً إعطاء الفرقان وهو النصر والفصل بين كل مشتبه، والتمييز بين الحق والباطل والضار والنافع، والصحيح والفاسد، وثانياً تكفير السيئآت، وثالثاً مغفرة الذنوب ورابعاً الأجر العظيم الذي هو الجنة ونعيمها إذ قال تعالى

стр. 963

في ختام الآية ﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ إشارة إلى ما يعطيه الله تعالى أهل التقوى في الآخرة وهو الجنة ورضوانه على أهلها، ولنعم الأجر الذي من أجله يعمل العاملون. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تحريم الخيانة مطلقاً وأسوأها ما كان خيانة لله ورسوله. ٢- في المال والأولاد فتنة قد تحمل على خيانة الله ورسوله، فيلحذرها المؤمن. ٣- من ثمرات التقوى تكفير السيآت وغفران الذنوب، والفرقان وهو نور في القلب يفرق به المتقى بين الأمور المتشابهات والتي خفي فيها وجه الحق والخير. وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٣١) شرح الكلمات: وإذ يمكر بك: أي يبيتون لك ما يضرك. ليثبتوك: أي ليحبسوك مثبتاً بوثاق حتى لا تفر من الحبس. أو يخرجوك: أي ينفوك بعيداً عن ديارهم. ويمكرون ويمكر الله: أي يدبرون لك السوء ويبيتون لك المكروه، والله تعالى يدبر لهم ما يضرهم أيضاً ويبيت لهم ما يسوءهم. آياتنا: آيات القرآن الكريم. أساطير الأولين: الأساطير جمع أسطورة ما يدرن ويسطر من أخبار الأولين.

стр. 964

معنى الآيات: يذكر تعالى رسوله والمؤمنين بنعمة من نعمه تعالى عليهم فيقول لرسوله واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا ﴿ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ إذا اجتمعت قريش في دار الندوة وأتمرت في شأن النبي ﷺ وفكرت ومكرت فأصدروا١ حكماً بقتله ﷺ وبعثوا من ينفذ جريمة القتل فطوقوا منزلة فخرج النبي ٢ ﷺ بعد أن رماهم بحثية من تراب قائلاً شاهت الوجوه، فلم يره أحد ونفذ وهاجر إلى المدينة وهذا معنى ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ فكان في نجاته ﷺ من يد قريش نعمة عظمى على رسول الله ﷺ وعلى سائر المؤمنين والحمد لله رب العالمين. وقوله تعالى في الآية الثانية ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا٣ مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ هذا الخبر تنديد بموقف المشركين ذكر بعد ذكر مؤامراتهم الدنية ومكرهم الخبيث حيث قرروا قتله ﷺ يخبر تعالى أنهم إذا قرأ عليهم الرسول آيات الله المبينة للحق والمقررة للإيمان به ورسالته بذكر قصص الأولين قالوا ﴿سمعنا﴾ ما تقرأ علينا، ﴿ولو شئنا لقلنا مثل هذا﴾ أي الذي تقول ﴿إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ أي أخبار السابقين من الأمم سطرت وكتبت فهي تملى عليك فتحفظها وتقرأها علينا وكان قائل هذه المقالة الكاذبة النضر بن الحارث عليه لعائن الله إذ مات كافراً. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- التذكير بنعم الله تعالى على البعد ليجد العبد في نفسه داعية الشكر فيشكر. ٢- بيان مدى ما قاومت به قريش دعوة الإسلام حتى إنها أصدرت حكمها بقتل الرسول ﷺ . ٣- بيان موقف المشركين من الدعوة الإسلامية، وأنهم بذلوا كل جهد في سبيل إنهائها والقضاء عليها.

стр. 965

وَإِذْ قَالُواْ اللهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٣٤) وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) شرح الكلمات: اللهم: أي يا الله حذفت ياء النداء من أوله وعوض عنها الميم من آخره. إن كان هذا: أي الذي جاء به محمد ويخبر به. فأمطر: أنزل علينا حجارة. يصدون عن المسجد الحرام: يمنعون الناس من الدخول إليه للاعتمار. مكاء وتصدية: المكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق. معنى الآيات: ما زال السياق في التنديد ببعض أقوال المشركين وأفعالهم فهذا النضر١ بن الحارث القائل في الآيات السابقة ﴿لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ يخبر تعالى عنه أنه قال ﴿اللهم إن كان هذا﴾ أي القرآن ﴿هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من

стр. 966

السماء﴾ فنهلك بها، ولا نرى محمداً ينتصر١ دينه بيننا. ﴿أو ائتنا بعذاب أليم﴾ حتى نتخلص من وجودنا. فقال تعالى ﴿وما كان الله ليعذبهم٢ وأنت فيهم٣﴾ فوجودك بينهم أمان لهم ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ إذ كانوا إذا طافوا يقول بعضهم غفرانك ربنا غفرانك، ثم قال تعالى ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ أي أيُّ شيء يصرف العذاب عنهم وهم يرتكبون أبشع جريمة وهي صدهم الناس عن دخول المسجد الحرام للطواف بالبيت الحرام، فقد كانوا يمنعون المؤمنين من الطواف بالبيت والصلاة في المسجد الحرام٤. وقوله تعالى ﴿وما كانوا أولياءه﴾ رد على مزاعمهم بأنهم ولاة الحرم والقائمون عليه فلذا لهم أن يمنعوا من شاءوا ويأذنوا لمن شاءوا فقال تعالى رداً عليهم ﴿وما كانوا أولياءه﴾ أي أولياء المسجد الحرام، كما لم يكونوا أيضاً أولياء الله إنّما أولياء الله والمسجد الحرام المتقون الذين يتقون الشرك والمعاصي ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ هذا لجهل بعضهم وعناد آخرين. وقوله ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ إذ كان بعضهم إذا طافوا يصفقون ويصفرون كما يفعل بعض دعاة التصوف حيث يرقصون وهم يصفقون ويصفرون ويعدون هذا حضرة أولياء الله، والعياذ بالله من الجهل والضلال وقوله تعالى ﴿فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ أذاقهموه يوم بدر إذ أذلهم فيه وأخزاهم وقتل رؤساءهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان ما كان عليه المشركون في مكة من بغض للحق وكراهية له حتى سألوا العذاب العام ولا يرون راية الحق تظهر ودين الله ينتصر.

стр. 967

٢- النبي ﷺ أمان أمته من العذاب فلم تُصب هذه الأمة بعذاب الاستئصال والإبادة الشاملة. ٣- فضيلة الاستغفار وأنه ينجى من عذاب الدنيا والآخرة. ٤- بيان عظم جرم من يصد عن المسجد الحرام للعبادة الشرعية فيه. ٥- بيان أولياء الله تعالى والذين يحق لهم أن يلوا المسجد الحرام وهو المتقون. ٦- كراهية الصفير١ والتصفيق، وبطلان الرقص في التعبد. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧) شرح الكلمات: إن الذين كفروا: أي كذبوا بآيات الله ورسالة رسوله محمد ﷺ من قريش ثم تكون عليهم حسرة: أي شدة ندامة. ثم يغلبون: أي يهزمون. ليميز: أي ليميز كل صنف من الصنف الأخر. الخبيث: هم أهل الشرك والمعاصي. من الطيب: هم أهل التوحيد والأعمال الصالحة. فيركمه: أي يجعل بعضه فوق بعض في جهنم.

стр. 968

معنى الآية الكريمة: ما زال السياق في التنديد بالمشركين وأعمالهم الخاسرة يخبر تعالى ﴿إن الذين كفروا﴾ وهم أهل مكة من زعماء قريش ﴿ينفقون أموالهم﴾ في١ حرب رسول الله والمؤمنين للصد عن الإسلام المعبر عنه بسبيل الله يقول تعالى (فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة٢﴾ أي ندامة شديدة لسوء العاقبة التي كانت لهم في بدر وأحد والخندق إذ أنفقوا على هذه الحملات الثلاث من الأموال ما الله به عليم، ثم خابوا فيها وخسروا وبالتالي غلبوا وانتهى سلطانهم الكافر وفتح الله على رسوله والمؤمنين مكة وقوله تعالى ﴿والذين كفروا﴾ أي من مات منهم على الكفر ﴿إلى جهنم يحشرون﴾ أي يجمعون، وعلة هذا الجمع أن يميز الله تعالى الخبيث من الطيب فالطيبون وهم المؤمنون الصالحون يعبرون الصراط إلى الجنة دار النعيم، وأما الخبيث وهم فريق المشركين فيجعل بعضه إلى بعض فيركمه جميعاً كوماً واحداً فيجعله في جهنم. وقوله تعالى ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ إشارة إلى الذين أنفقوا أموالهم للصد عن سبيل الله وماتوا على الكفر فحشروا إلى جهنم وجعل بعضهم إلى بعض ثم صيروا كوماً واحداً ثم جعلوا في نار جهنم هم الخاسرون بحق حيث خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم وكل شيء وأمسوا في قعر جهنم مبلسين والعياذ بالله من الخسران المبين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- كل نفقة ينفقها العبد للصد عن سبيل الله بأي وجه من الوجوه تكون عليه حسرة عظيمة يوم القيامة. ٢- كل كافر خبيث وكل مؤمن طيب. ٣- صدق وعد الله تعالى لرسوله والمؤمنين بهزيمة المشركين وغلبتهم وحسرتهم على ما أنفقوا في حرب الإسلام وضياع ذلك كله وخيبتهم فيه.

стр. 969

قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) شرح الكلمات: إن ينتهوا: عن الكفر بالله ورسوله وحرب الرسول والمؤمنين. ما قد سلف: أي مضى من ذنوبهم من الشرك وحرب الرسول والمؤمنين. مضت سنة الأولين: في إهلاك الظالمين. لا تكون فتنة: أي شرك بالله واضطهاد وتعذيب في سبيل الله. ويكون الدين كله لله: أي حتى لا يعبد غير الله. مولاكم: متولي أمركم بالنصر والتأييد. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في بيان الإجراءات الواجب اتخاذها إزاء الكافرين فيقول تعالى لرسوله ﷺ ﴿قل للذين كفروا﴾ ١ مبلغاً عنا ﴿إن ينتهوا﴾ أي عن الشرك والكفر والعصيان وترك حرب الإسلام وأهله ﴿يغفر لهم ما قد سلف﴾ يغفر الله لهم ما قد مضى٢ من ذنوبهم العظام وهي الشرك والظلم، وهذا وعد صدق ممن لا يخلف الوعد . ﴿وإن يعودوا﴾ إلى الظلم والاضطهاد والحرب فسوف يحل بهم ما حل بالأمم السابقة قبلهم لما ظلموا فكذبوا الرسل وآذوا المؤمنين وهو معنى قوله تعالى ﴿فقد مضت سنة

стр. 970

الأولين﴾ أي سنة الله والطريقة المتبعة فيهم وهي أخذهم١ بعد الإنذار والإعذار. ثم في الآية الثانية من هذا السياق يأمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بقتال المشركين قتالاً يتواصل بلا انقطاع إلى غاية هي: أن لا تبقى فتنة أي شرك ولا اضطهاد لمؤمن٢ أو مؤمنة من أجل دينه، وحتى يكون الدين كله لله فلا يعبد٣ مع الله أحد سواه ﴿فإن انتهوا﴾ أي عن الشرك والظلم فكفوا عنهم وإن انتهوا في الظاهر ولم ينتهوا في الباطل فلا يضركم ذلك ﴿فإن الله بما يعملون بصير﴾ وسيظهرهم لكم ويسلطكم عليهم. وقوله في ختام السياق ﴿وإن تولوا﴾ أي نكثوا العهد وعادوا إلى حربكم بعد الكف عنهم فقاتلوهم ينصركم الله عليهم واعلموا أن الله مولاكم فلا يسلطهم عليكم، بل ينصركم عليهم إنه ﴿نعم المولى﴾ لمن يتولى ﴿ونعم النصير﴾ لمن ينصر. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان سعة فضل الله ورحمته. ٢- الإسلام يجبّ أي يقطع ما قبله، فيغفر لمن أسلم كل ذنب قارفه من الكفر وغيره. ٣- بيان سنة الله في الظالمين وهي إهلاكهم وإن طالت مدة الإملاء والإِنظار. ٤- وجوب قتال المشركين على المسلمين ما بقي في الأرض مشرك. ٥- نعم المولى الله ﷻ لمن تولاه، ونعم النصير لمن نصره.

стр. 971

الجزء العاشر وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (٤٤) شرح الكلمات: أنما غنمتم من شيء: أي ما أخذتموه من مال الكافر قهراً لهم وغلبة قليلاً كان أو كثيراً. فأن لله خمسه: أي خمس الخمسة أقسام، يكون لله والرسول ومن ذكر بعدهما. ولذى القربى: هم قرابة الرسول ﷺ من بني هاشم وبني المطلب. وما أنزلنا على عبدنا: أي من الملائكة والآيات.

стр. 972

يوم الفرقان: أي يوم بدر وهو السابع عشر من رمضان، إذ فرق الله فيه بين الحق والباطل. التقى الجمعان.: جمع المؤمنين وجمع الكافرين ببدر. العدوة الدنيا: العدوة حافة الوادي، وجانبه والدنيا أي القريبة إلى المدينة. بالعدوة القصوى: أي البعيد من المدينة إذ هي حافة الوادي من الجهة الأخرى. والركب أسفل منكم: أي ركب أبى سفيان وهي العير التي خرجوا من أجلها. أسفل منكم مما يلي البحر. عن بينة: أي حجة ظاهرة. لتنازعتم في الأمر: أي اختلفتم. ويقللكم في أعينهم: هذا قبل الالتحام أما بعد فقد رأوهم مثليهم حتى تتم الهزيمة لهم. معنى الآيات: هذه الآيات لا شك أنها نزلت في بيان قسمة الغنائم بعدما حصل فيها من نزاع فافتكها الله تعالى منهم ثم قسمها عليهم فقال الأنفال لله وللرسول في أول الآية ثم قال هنا ﴿واعلموا﴾ أيها المسلمون ﴿أنما غنمتم١ من شيء٢﴾ حتى الخيط والمخيط، ومعنى غنمتم أخذتموه من المال من أيدي الكفار المحاربين لكم غلبة وقهراً لهم فقسمته هي أن ﴿لله خمسه وللرسول ولذي القربى٣ واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ والأربعة أخماس٤ الباقية هي لكم أيها المجاهدون للراجل قسمة وللفارس قسمان لما له من تأثير

стр. 973

في الحرب، ولأن فرسه يحتاج إلى نفقة علف. والمراد من قسمة الله أنها تنفق في المصالح العامة ولو أنفقت على بيوته لكان أولى وهي الكعبة وسائر المساجد، وما للرسول فإنه ينفقه على عائلته، وما لذي القربى فإنه ينفق على قرابة الرسول الذين يحرم عليهم أخذ الزكاة لشرفهم وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وما لليتامى ينفق على فقراء المسلمين، وما لابن السبيل ينفق على المسافرين المنقطعين عن بلادهم إذا كانوا محتاجين إلى ذلك في سفرهم وقوله تعالى ﴿إن كنتم آمنتم بالله﴾ أي رباً ﴿وما أنزلنا على عبدنا﴾ أي محمد رسول الله ﷺ ﴿يوم الفرقان يوم التقى الجمعان﴾ وهو يوم بدر حيث التقى المسلمون بالمشركين، والمراد بما أنزل تعالى على عبده ورسوله الملائكة والآيات منها الرمية التي رمى بها المشركين فوصلت إلى أكثرهم فسببت هزيمتهم. وقوله ﴿والله على كل شيء قدير﴾ أي كما قدر على نصركم على قلتكم وقدر على هزيمة عدوكم على كثرتهم هو قادر على كل شيء يريده وقوله تعالى ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب١ أسفل منكم﴾ تذكير لهم بساحة المعركة التي تجلت فيها آيات الله وظهر فيها إنعامه عليهم ليتهيئوا للشكر. وقوله تعالى ﴿ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد﴾ أي لو تواعدتم أنتم والمشركون على اللقاء في بدر للقتال لاختلفتم لأسباب تقتضي ذلك منها أنكم قلة وهم كثرة ﴿ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً﴾ أي محكوماً به في قضاء الله وقدره، وهو نصركم وهزيمة عدوكم. وجمعكم من غير تواعد ولا اتفاق سابق. وقوله تعالى ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حَيَّ عن بينة﴾ هذا تعليل لفعل الله تعالى يجمعكم في وادي بدر للقتال وهو فعل ذلك ليحيا بالإيمان من حيى على بينة وعلم أن الله حق والإسلام حق والرسول حق والدار الآخرة حق حيث أراهم الله الآيات الدالة على ذلك، ويهلك من هلك بالكفر على بينة إذ أتضح له أن ما عليه المشركون كفر وباطل وضلال ثم رضي به واستمر عليه. وقوله تعالى ﴿وإن الله لسميع عليم﴾ تقرير لما سبق وتأكيد له حيث أخبر تعالى أنه سميع لأقوال عباده عليم بأفعالهم فما أخبر به وقرره هو كما أخبر وقرر. وقوله تعالى ﴿وإذ يريكهم الله في منامك قليلاً﴾ أي فأخبرت أصحابك ففرحوا بذلك

стр. 974

وسرُّوا ووطنوا أنفسهم للقتال، وقوله: ﴿ولو أراكهم كثيراً﴾ أي في منامك وأخبرت به أصحابك لفشلتم أي جبنتم عن قتالهم، ولتنازعتم في أمر قتالهم ﴿ولكن الله سلَّم﴾ من ذلك فلم يريكهم كثيراً إنه تعالى عليم بذات الصدور ففعل ذلك لعلمه بما يترتب عليه من خير وشر. وقوله تعالى ﴿وإذ يريكموهم﴾ أي اذكروا أيها المؤمنون إذ يريكم الله الكافرين عند التقائكم بهم قليلاً في أعينكم كأنهم سبعون رجلاً أو مائة مثلاً ويقللكم في أعينهم حتى١ لا يهابوكم. وهذا كان عند المواجهة وقبل الالتحام أما بعد الالتحام فقد أرى الله تعالى الكافرين أراهم المؤمنين ضعفيهم في الكثرة وبذلك انهزموا كما جاء ذلك في سورة آل عمران في قوله ﴿يرونهم مثليهم﴾ وقوله تعالى ﴿ليقضي الله أمراً كان مفعولاً﴾ تعليل لتلك التدابير الإلهية لأوليائه لنصرتهم وإعزازهم وهزيمة أعدائهم وإذلالهم وقوله تعالى ﴿إلى الله ترجع الأمور﴾ إخبار منه تعالى بأن الأمور كلها تصير إليه فما شاء منها كان وما لم يشأ لم يكن خبراً كان أو غيراً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان قسمة الغنائم على الوجه الذي رضيه الله تعالى. ٢- التذكير بالإيمان، إذ هو الطاقة الموجهة باعتبار أن المؤمن حي بإيمانه يقدر على الفعل والترك، والكافر ميت فلا يكلف. ٣- فضيلة غزوة بدر وفضل أهلها. ٤- بيان تدبير الله تعالى في نصر أوليائه وهزيمة أعدائه. ٥- بيان أن مرد الأمور نجاحاً وخيبة لله تعالى ليس لأحد فيها تأثير إلا بإذنه. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (٤٥)

стр. 975

وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) شرح الكلمات: فئة: طائفة مقاتلة. فاثبتوا: لقتالها واصمدوا. واذكروا لله كثيراً: مهللين مكبرين راجين النصر طامعين فيه سائلين الله تعالى ذلك. تفلحون: تفوزون بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة بعد النجاة من الهزيمة في الدنيا والنار في الآخرة. ولا تنازعوا.: أي لا تختلفوا وأنتم في مواجهة العدو أبداً. وتذهب ريحكم١: أي قوتكم بسبب الخلاف.

стр. 976

خرجوا من ديارهم بطراً: أي للبطر الذي هو دفع الحق ومنعه. وقال إني جار لكم: أي مجير لكم ومعين على عدوكم. تراءت الفئتان: أي التقتا ورأت كل منهما عدوها. نكص على عقبيه: أي رجع إلى الوراء هارباً، لأنه جاءهم في صورة سراقة بن مالك. إني أرى ما لا ترون: من الملائكة. والذين في قلوبهم مرض: أي ضعف في إيمانهم وخلل في اعتقادهم. معنى الآيات: هذا النداء الكريم موجه إلى المؤمنين وقد أذن لهم في قتال الكافرين، وبدأ بسرية عبد الله بن جحش ﵁ وثنى بهذه الغزوة غزوة بدر الكبرى فلذا هم في حاجة إلى تعليم رباني وهداية إلهية يعرفون بموجبها كيف يخوضون المعارك وينتصرون فيها وفي هذه الآيات الأربع تعليم عال جداً لخوض المعارك والانتصار فيها وهذا بيانها: ١- الثبات في وجه العدو والصمود في القتال حتى لكان المجاهدين جبل شامخ لا يتحرك ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة﴾ أي جماعة مقاتلة ﴿فاثبتوا﴾ . ٢- ذكر الله تعالى تهليلاً وتكبيراً وتسبيحاً ودعاء١ وضراعة ووعداً ووعيداً. ﴿واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ أي تفوزون بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة بعد النجاة من الهزيمة والمذلة في الدنيا، والنار والعذاب في الآخرة. ٣- طاعة الله ورسوله في أمرهما ونهيهما ومنه طاعة قائد المعركة ومديرها وهذا من أكبر عوامل النصر حسب سنة الله تعالى في الكون ﴿وأطيعوا الله ورسوله﴾ . ٤- عدم التنازع والخلاف عند التدبير للمعركة وعند دخولها وأثناء خوضها. ٥- بيان نتائج التنازع والخلاف وإنها: الفشل الذريع، وذهاب القوة المعبر عنها بالريح

стр. 977

﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ ١. ٦- الصبر على مواصلة القتال والإعداد له وتوطين النفس وإعدادها لذلك. ﴿واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ . ٧- الإخلاص في القتال والخروج له لله تعالى فلا ينبغي أن يكون لأي اعتبار سرى مرضاة الله تعالى ﴿ولا تكونوا كالذين٢ خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط﴾ . هذه عوامل النصر وشروط الجهاد في سبيل الله تضمنتها ثلاث آيات من هذه الآيات الخمس وقوله تعالى في الآية الرابعة (٤٨) ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب﴾ يذكِّر تعالى المؤمنين بحادثة حدثت يوم بدر من أغرب الحوادث لتكون عبرة وموعظة للمؤمنين فيقول واذكروا إذ زين الشيطان للمشركين الذين نهيتكم أن تتشبهوا بهم في سيرهم وقتالهم وفي كل حياتهم، فقال لهم: أقدموا على قتال محمد والمؤمنين، ولا ترهبوا ولا تخافوا إنه لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم أي مجير لكم وناصر ومعين. وكان الشيطان في هذه الساعة في صورة رجل من أشراف قبيلته يقال له سراقة بن مالك٣ فلما تراءت الفئتان لبعضهما البعض وتقدموا للقتال رأى الشيطان جبريل في صفوف الملائكة، فنكص على عقبيه، وكان آخذاً بيد الحارث بن هشام يحدثه يعده ويمنيه بعد ما زين لهم خوض المعركة وشجعهم على ذلك، وولى هارباً فقال له الحارث: ما بك ما أصابك تعال فقال وهو هارب ﴿إني أرى ما لا ترون﴾ يعني الملائكة ﴿إني أخاف٤ الله والله شديد العقاب﴾

стр. 978

وصدق وهو كذوب وقوله تعالى في نهاية الآية (٤٩) ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم﴾ أي واذكروا أيها المؤمنون للعبرة والاتعاظ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم١ مرض أي ضعف في الإيمان وتخلخل في العقيدة: غر هؤلاء دينهم وإلا لما خرجوا لقتال قريش وهي تفوقهم عدداً وعدة، ومثل هذا الكلام يعتبر عادياً من ضعاف الإيمان والمنافقين المستترين بزيف إيمانهم، فاذكروا هذا، ولا يفت في اعضادكم مثل هذا الكلام، وتوكلوا على الله واثقين في نصره فإنه ينصركم لأنه عزيز لا يغالب ولا يمانع في ما يريده أبداً. حكيم يضع النصر في المتأهلين له بالإيمان والصبر والطاعة له ولرسوله، والإخلاص له في العمل والطاعة. هداية الآيات. من هداية الآيات: ١- بيان أسباب النصر وعوامله ووجوب الأخذ بها في كل معركة وهي: الثبات وذكر الله تعالى، وطاعة الله ورسوله وطاعة القيادة وترك النزاع والخلاف والصبر والإخلاص. ٢- بيان عوامل الفشل والخيبة وهي النزاع والاختلاف والبطر والرياء والاغترار. ٣- بيان عمل الشيطان في نفوس الكافرين بتزيينه لهم الحرب ووعده وتمنيته لهم. ٤- بيان حال المنافقين وضعفة الإيمان عند وجود٢ القتال ونشوب الحروب. ٥- وجوب التوكل على الله والاعتماد عليه مهما كانت دعاوى المبطلين والمثبطين والمنهزمين. وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ (٥١)

стр. 979

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ (٥٤) شرح الكلمات: إذ يتوفى.: أي يقبض أرواحهم لإماتتهم. وجوههم وأدبارهم: أي يضربونهم من أمامهم ومن خلفهم. بظلام للعبيد: أي ليس بذي ظلم للعبيد كقوله ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾ . كدأب آل فرعون: أي دأب كفار قريش كدأب آل فرعون في الكفر والتكذيب والدأب العادة. لم يك مغيراً نعمة: تغيير النعمة تبديلها بنقمة بالسلب لها أو تعذيب أهلها. آل فرعون: هم كل من كان على دينه من الأقباط مشاركاً له في ظلمه وكفره. معنى الآيات: ما زال السياق مع كفار قريش الذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس فيقول تعالى لرسوله ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين١ كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم٢﴾ وهم يقولون لهم ﴿وذوقوا عذاب٣ الحريق﴾ وجواب لولا محذوف تقديره (لرأيت أمراً فظيعاً) وقوله تعالى

стр. 980

﴿ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾ هو قول الملائكة لمن يتوفونهم من الذين كفروا. أي ذلكم الضرب والتعذيب بسبب ما قدمت أيديكم من الكفر والظلم والشر والفساد وأن الله تعالى ليس بظالم لكم فإنه تعالى لا يظلم أحداً وقوله تعالى ﴿كدأب آل فرعون١ والذين من قبلهم﴾ أي دأب هؤلاء المشركين من كفار قريش في كفرهم وتكذيبهم كدأب آل فرعون والذين هن قبلهم ﴿كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم﴾ وكفر هؤلاء فأخذهم الله بذنوبهم، وقوله ﴿إن الله قوي شديد العقاب﴾ يشهد له فعله بآل فرعون والذين من قبلهم عاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات وأخيراً أخذه تعالى كفار قريش في بدر أخذ العزيز المقتدر، وقوله تعالى ﴿ذلك بأن الله٢ لم يك٣ مغيراً نعمة أنعهما على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ إشارة إلى ما أنزله من عذاب على الأمم المكذبة الكافرة الظالمة، وإلى بيان سنته في عباده وهي أنه تعالى لم يكن من شأنه أن يغير نعمة أنعمها على قوم كالأمن والرخاء، أو الطهر والصفاء حتى يغيروا هم ما بأنفسهم بأن يكفروا ويكذبوا، ويظلموا أو يفسقوا ويفجروا، وعندئذ يغير تلك النعم بنقم فيحل محل الأمن والرخاء الخوف والغلاء ومحل الطهر والصفاء الخبث والشر والفساد. هذا إن لم يأخذهم بالإبادة الشاملة والاستئصال التام. وقوله تعالى ﴿وأن الله سميع عليم﴾ أي لأقوال عباده وأفعالهم فلذا بتم الجزاء عادلاً لا ظلم فيه. وقوله تعالى ﴿كدأب آل٤ فرعون والذين من قبلهم كذبوا٥ بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين﴾ هذه الآية تشبه الآية السابقة إلا أنها تخالفها فيما يلي: في الأولى الذنب الذي أخذ به الهالكون كان الكفر، وفي هذه: كان التكذيب، في الأولى: لم يذكر نوع العذاب، وفي الثانية انه الإغراق، في الأولى لم يسجل عليهم سوى الكفر فهو ذنبهم لا غير وفي الثانية سجل على الكل ذنباًَ آخر وهو الظلم إذ قال ﴿وكل كانوا ظالمين﴾ أي بكفرهم وتكذيبهم، وصدهم عن سبيل الله وفسقهم عن طاعة الله ورسوله مع زيادة التأكيد

стр. 981

والتقرير. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير عذاب القبر بتقرير العذاب عند النزع. ٢- هذه الآية نظيرها آية الأنعام ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم﴾ أي بالضرب. ٣- تنزه الخالق عن الظلم لأحد١. ٤- سنة الله تعالى في أخذ الظالمين وإبدال النعم بالنقم. ٥- لم يكن من سنة الله تعالى في الخلق تغيير ما عليه الناس من خير أو شر حتى يكونوا هم البادئين. ٦- التنديد بالظلم وأهله، وأنه الذنب الذي يطلق على سائر الذنوب. إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ (٥٨) وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ (٥٩) شرح الكلمات: شر الدواب٢: من إنسان أو حيوان الذين ذكر الله وصفهم وهم بنو قريظة.

стр. 982

فهم لا يؤمنون: لما علم الله تعالى من حالهم أخبر أنهم يموتون على الكفر. ينقضون عهدهم: أي يحلونه ويخرجون منه فلا يلتزموا بما فيه. في كل مرة: أي عاهدوا فيها. فإما تثقفنّهم: أي أن تجدنّهم، وما مزيدة أدغمت في إن الشرطية. فشرد: أي فرق وشتت. يذكرون: أي يتعظون. فانبذ إليهم: أي اطرح عهدهم. على سواء ١: أي على حال من العلم تكون أنت وإياهم فيها سواء، أي كل منكم عالم بنقض المعاهدة. الخائنين: الغادرين بعهودهم. سبقوا: أي فاتوا الله ولم يتمكن منهم. معنى الآيات: بمناسبة ذكر خصوم الدعوة الإسلامية والقائم عليها وهو النبي ﷺ ذكر تعالى خصوماً لها آخرين غير المشركين من كفار قريش وهم بنو٢ قريظة من اليهود. فأخبر تعالى عنهم أنهم شر الدواب من الإنسان والحيوان ووصفهم محدداً لهم ليعرفوا، وأخبر أنهم لا يؤمنون لتوغلهم في الشر والفساد، فقال: ﴿إن شر الدواب عند الله﴾ أي في حكمه وعلمه. ﴿الذين كفروا فهم لا يؤمنون﴾ وخصصهم بوصف آخر خاص بهم فقال: ﴿الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون﴾ وذلك أن النبي ﷺ عاهدهم أول مرة على أن لا يحاربوه ولا يعينوا أحداً على حربه فإذا بهم يعينون قريشاً بالسلاح، ولما انكشف أمرهم اعتذروا معترفين بخطإهم، وعاهدوا مرة أخرى على أن لا يحاربوا الرسول ولا يعينوا من يحاربه فإذا بهم ينقضون عهدهم مرة أخرى ويدخلون في حرب ضده حيث انضموا إلى الأحزاب في غزوة الخندق هذا ما دل عليه قوله تعالى ﴿إن شر

стр. 983

الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل١ مرة﴾ أي يعاهدون فيها. ﴿وهم لا يتقون﴾ أي لا يخافون عاقبة نقض المعاهدات والتلاعب بها حسب أهوائهم. وقوله تعالى. ﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم٢ من خلفهم لعلهم يذكرون﴾ يرشد رسوله آمراً إياه بما يجب أن يتخذه إزاء هؤلاء الناكثين للعهود المنغمسين في الكفر. بحيث لا يخرجون منه بحال من الأحوال، ويشهد لهذه الحقيقة أنهم لما حوصروا في حصونهم ونزلوا منها مستسلمين كان يعرض على أحدهم الإسلام حتى لا يقتل فيؤثر باختياره القتل على الإسلام وماتوا كافرين وصدق الله إذ قال ﴿فهم لا يؤمنون﴾ فهؤلاء إن ثقفتهم في حرب أي وجدتهم متمكناً منهم فاضربهم بعنف وشدة وبلا هوادة حتى تشرد أي تفرق بهم من خلفهم من أعداء الإسلام المتربصين بك الدوائر من كفار قريش وغيرهم لعلهم يذكرون أي يتعظون فلا يفكروا في حربك وقتالك بعد، وقوله ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فأنبذ٣ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ هذا إرشاد آخر للرسول ﷺ يتعلق بالخطط الحربية الناجحة وهو أنه ﷺ إن خاف من قوم معاهدين له خيانة ظهرت أماراتها وتأكد لديك علاماتها فاطرح تلك المعاهدة ملغياً لها معلناً ذلك لتكون وإياهم على علم تام بإلغائها، وذلك حتى لا يتهموك بالغدر والخيانة، والله لا يحب الخائنين. وقاتلهم مستعيناً بالله عليهم وستكون الدائرة على الناكث الخائن، وهذا ضرب من الحزم وصحة العزم إذ ما دام قد عزم العدو على النقض فقد نقص فليبادر لافتكاك عنصر المباغتة من يده، وهو عنصر مهم في الحروب. وقوله تعالى ﴿ولا يحسبن الذين كفروا﴾ وهم من هرب من بدر من كفار قريش ﴿سبقوا٤﴾ أي فاتوا فلم يقدر الله تعالى عليهم ﴿إنهم لا يعجزون﴾ أي إنهم لا يعجزون الله بحال فإنه

стр. 984

تعالى لا يفوته هارب، ولا يغلبه غالب. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أن شر الدواب هم الكفار من أهل الكتاب والمشركين بل هم شر البرية. ٢- سنة الله فيمن توغل في الظلم والشر والفساد يُحرم التوبة فلا يموت إلا كافراً. ٣- من السياسة الحربية النافعة أن يضرب القائد عدوه بعنف وشدة ليكون نكالاً لغيره من الأعداء. ٤- حرمة الغدر والخيانة. ٥- جواز إعلان إلغاء المعاهدة وضرب العدو فوراً إن بدرت منه بوادر واضحة بأنه عازم على نقض المعاهدة١ وذلك لتفويت عنصر المباغتة عليه. وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)

стр. 985

شرح الكلمات: أعدوا: هيئوا وأحضروا. ما استطعتم: ما قدرتم عليه. من قوة: أي حربية من سلاح على اختلاف أنواعه. يوفَّ إليكم: أي أجره وثوابه. وإن جنحوا للسلم: أي مالوا إلى عدم الحرب ورغبوا في ذلك. فإن حسبك الله: أي يكفيك شرهم، وينصرك عليهم. ألف بين قلوبهم: أي جمع بين قلوب الأنصار بعدما كانت متنافرة مختلفة. إنه عزيز حكيم: أي غالب على أمره، حكيم في فعله وتدبير أمور خلقه. معنى الآيات: بمناسبة انتهاء معركة بدر وهزيمة المشركين فيها، وعودتهم إلى مكة وكلهم تغيظ على المؤمنين وفعلاً أخذ أبو سفيان يعد العدة للانتقام. وما كانت غزوة أحد إلا نتيجة لذلك هنا أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بإعداد القوة وبذل ما في الوسع والطاقة لذلك فقال تعالى ﴿واعدوا لهم١ ما استطعتم من قوة﴾ وقد فسر النبي ﷺ القوة بالرمي بقوله "ألا إن القوة٢ الرمي" قالها ثلاثاً وقوله تعالى ﴿ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ يخبر تعالى عباده المؤمنين بعد أن أمرهم بإعداد القوة على اختلافها بأن رباطهم للخيل وحبسها أمام دورهم معدة للغزو والجهاد عليها يرهب أعداء الله من الكافرين والمنافقين أي يخوفهم حتى لا يفكروا في غزو المسلمين وقتالهم، وهذا ما يعرف بالسلم المسلح، وهو أن الأمة إذا كانت مسلحة قادرة على القتال يرهبها أعداؤها فلا يحاربونها، وإن رأوها لا عدة لها ولا عتاد ولا قدرة على رد أعدائها أغراهم ذلك بقتالها فقاتلوها. وقوله تعالى ﴿وآخرين من دونهم﴾ أي من دون كفار
следующие страницы →