الشرح
وصفَ اللهُ في أربعة مواضع- أسماءه بأنها حُسنى؛ وهي: قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]، وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤].
مفهوم (الحسنى) في اللغة:
و «حُسنى»: تأنيث أحسن، وليس تأنيث حَسَن؛ لأن تأنيث حَسن: حَسَنَة، وتأنيث أحسن: «حُسنى»، على وزن (فُعلى) كـ «صُغرى» و «كبرى»، أي: أنها صيغة أفعل التفضيل، فتصريفها أنها تأنيث أحسن، وعليه يكون وزنها فُعلى تأنيث أفعل، أي: أفعل التفضيل.
قال ابن منظور: «وتأنيث الأحسن: الحُسنى؛ كالكبرى والصُّغرى، تأنيث الأكبر والأصغر» (١).
وقال القرطبي: «الحسنى: فُعلى، مؤنث الأحسن؛ كالكبرى تأنيث الأكبر، والجمع: الكُبَر والحُسن» (٢).
والمعنى: أن لله أحسن الأسماء وأكملها وأتمها معنى، أي: أنها بالغة في الحُسن غايته، فأعلى درجات الكمال لأسماء الله .
قال ابن الوزير اليماني: «واعلم أنَّ الحسنى في اللغة هو جمع الأحسن لا جمع الحَسَن، فإنَّ جمعه حسان وحسنة، فأسماء الله التي لا تُحصى كلها حسنى، أي: أحسن الأسماء، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿الروم: ٢٧]، أي: الكمال الأعظم في ذاته وأسمائه ونعوته،
стр. 37
فلذلك وجب أن تكون أسماؤه أحسن الأسماء، لا أن تكون حسنة وحسانًا لا سوى؛ وكم بين الحَسَن والأحسن من التفاوت العظيم عقلًا وشرعًا ولغة وعُرْفًا» (١).
وجه الحُسن في أسماء الله:
الحُسنُ في أسماء الله جاء من وجهين هما:
الوجه الأول: لدلالتها على مُسمى الله، فكانت حسنى لدلالتها على أحسن وأعظم وأجل وأقدس مُسَمًّى، وهو الله (٢).
الوجه الثاني: لأنها متضمنة لصفاتٍ كاملةٍ لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لا احتمالًا ولا تقديرًا (٣).
قال الشيخ عبد العزيز السَّلمان: «فأسماء الله إنما كانت حُسنى؛ لدلالتها على أحسن مسمى وأشرف مدلول» (٤).
وقال ابن القيم: «أسماؤه كلُّها أسماء مدح وثناء وتمجيد، ولذلك كانت حسنى» (٥).
وقال: «أسماء الرَّبِّ- ﵎ دالة على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء وهي أوصاف، وبذلك كانت حسنى؛ إذ لو كانت ألفاظًا لا معاني فيها لم تكن حُسنى، ولا كانت دالة على مدح وكمال» (٦).
فأسماؤه تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله، ومن حسنها ما فيها من معنى التعظيم والإجلال والإكبار لله .
стр. 38
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي عند «تفسيره» لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾: «هذا بيان لعظيم جلال وسعة أوصافه بأن له الأسماء الحسنى، أي: كل اسم حسن، وضابطه: أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى، فإنها لو دلت على غير صفة، بل كانت علمًا محضًا لم تكن حسنى، فإنها لو دلت على صفة ليست بصفة كمال، بل إمَّا صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح لم تكن حسنى، فكل اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتُق منها، مستغرق لجميع معناها، وذلك نحو (العليم) الدال عليه أن له علمًا محيطًا عامًّا لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرَّة في الأرض ولا في السماء، و (الرحيم) الدال على أنه له رحمة عظيمة واسعة لكل شيء، و (القدير) الدال على أن له قدرة. عامة لا يعجزها شيء ونحو ذلك.
ومن تمام كونها حسنى: أنَّه لا يُدعى إلا بها، ولذلك قال: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة … » (١).
والحُسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده.
مثال ذلك: (الحيُّ): اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للحياة الكاملة التي لم تُسبق بعدم، ولا يلحقها زوال. الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها.
مثال آخر: (الرحمن): اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للرحمة الكاملة التي قال عنها رسول الله ﷺ : «للهُ أرحمُ بعباده مِنْ هذه بولدها»، يعني: أم صبي وجدته في السَّبي، فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته.
ومتضمن- أيضًا- للرحمة الواسعة التي قال الله عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾.
стр. 39
وكما يكون الحسن في أسماء الله باعتبار كل اسم على انفراده، فكذلك يكون باعتبار جمعه إلى غيره؛ فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمالٌ فوق كمال.
مثال ذلك: (العزيز الحكيم)، فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرًا، فيكون كل منهما دالًّا على الكمال الخاص الذي يقتضيه وهو: العزة في العزيز، والحُكمُ والحكمة في الحكيم.
والجمع بينهما دالٌّ على كمال آخر، وهو أن عِزَّته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظُلمًا وجورًا وسوء فعل، كما قد يكون من أعزَّاء المخلوقين. فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم، فيظلم ويجور ويسيءُ التَّصرف.
وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعزِّ الكامل، بخلاف حكم المخلوق وحكمته؛ فإنهما يعتريهما الذُّلُّ (١).
قال ابن القيم ﵀: «وهناك صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مُفرديهما نحو: الغني الحميد، العفو
القدير، الحميد المجيد؛ وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغِنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغِنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما، وكذلك: العفوُّ القدير، الحميد المجيد، العزيز الحكيم؛ فتأمله فإنَّه من أشرف المعارف» (٢).
أسماء الله توقيفية:
ولذلك أسماء الله توقيفية، فليس لك أن تقيس فيها؛ فمثلًا أنت تقول: إن الجود والسخاء قد يكونان وصفين متقاربين، تقول: فلان جواد وفلان
стр. 40
سخي، لكن في حق الله تعالى ورد الجوَاد أو الجوَّاد ولم يرد السخي؛ لأن إيفاد كمال المعنى ليس في هذا؛ فالجود من السعة، ولذلك الخيل إذا كانت واسعة وسريعة في خطاها، يقال عنها: جواد؛ من السعة. أما السخاوة فهي من الرخاوة، يقال: أرض سخوة، أي: أرض رخوة؛ فالله اختار لنفسه أكمل ما يكون في المعنى، فالأكمل السعة وليست الرخاوة، والله قد سَمَّى نفسه العليم، ولم يسم نفسه- مثلًا- العارف؛ لأنَّ المعرفة يسبقها الجهل، وهكذا.
لذلك يقول ابن القيم ﵀: «فأسماء الله هي أحسن الأسماء وأكملها، فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها مقامها، ولا يؤدي معناها، وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرًا بمرادف محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم.
فإذا عرفت هذا، فله من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى، وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص.
فله من صفة الإدراكات: العليم الخبير دون العاقل الفقيه.
والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر.
ومن صفات الإحسان: البر الرحيم الودود دون الرفيق الشَّفوق ونحوهما، وكذلك العلي العظيم دون الرَّفيع الشريف.
وكذلك الكريم دون السَّخي.
والخالق البارئ المصور دون الفاعل الصانع المشكل.
والغفور العَفو دون الصَّفوح الساتر.
وكذلك سائر أسمائه- تعالى- يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها وما لا يقوم غيره مقامه؛ فتأمل ذلك، فأسماؤه أحسن الأسماء، كما أن صفاته أكمل الصفات؛ فلا تعدل عما سَمَّى به نفسه إلى غيره، كما لا تتحاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ إلى ما وصفه به
стр. 41
المبطلون والمُعَطِّلون» (١).
فالله تعالى- إذًا- قد اختار لنفسه أكمل الأسماء وأتمها معنى؛ فالمعنى أن تقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، أي: لله أكمل الأسماء وأتمها معنى، فأسماء الله كاملة في الحُسن، بالغة في الحسن غايته.
وبالتالي لا يمكن أن نزيد عليها، وليس لنا الحق أن نُطلق من بعض صفات الله أسماء عليه سبحانه؛ فالله سَمَّى نفسه السميع، وسمى نفسه الحي، وسمى نفسه العليم، ونعم له صفة الحياة والعلم والسمع والبصر وهكذا، ووصف نفسه بالكلام، ولكنه ما سَمَّى نفسه: المتكلم، ووصف نفسه بالإرادة؛ فقال : ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، وما سمى نفسه: المريد، فالله تعالى اختار لنفسه أكمل ما يكون في المعنى، وهذه وإن كانت صفات كاملة، لكن الأسماء- كما يقول العلماء: «من شرط الأسماء الحسنى صحة الإطلاق»؛ بمعنى: أن يقتضي الاسم المدح والثناء بنفسه بدون متعلق أو قيد. وهذا الشرط هو الذي يميز باب الأسماء عن باب الصفات (٢)؛ فأنت- مثلًا- في الصفة تقول: كلام الله، إرادة الله، لكن في الاسم تطلق: (العليم- السميع- البصير)؛ فإذا كان هذا اللفظ في حال إطلاقه منقسمًا يحتمل المدح ويحتمل الذم، أو يحتمل الخير ويحتمل الشر، أو يحتمل الكمال ويحتمل النقص- لم يصح إطلاقه في حق أسماء الله تعالى؛ فالمتكلم قد يتكلم بصدق وقد يتكلم بكذب؛ فأصبح الوصف في حال إطلاقه منقسمًا؛ فلا يصح أن يطلق على الله ؛ قال ابن القيم ﵀: «فما كان مُسَمَّاه منقسمًا وخير وشَرٍّ- لم يَدخل اسمُه في
стр. 42
الأسماءالحسنى؛ كالشيء والمعلوم، ولذلك لم يُسم بالمريد، ولا بالمتكلم، وإن كان له الإرادة والكلام؛ لانقسام مسمى المريد والمتكلم، وأما الموجد فقد سَمَّى نفسه بأكمل أنواعه، وهو الخالق، البارئ، المصور، فالموجد كالمحدث والفاعل والصانع. وهذا من دقيق فقه الأسماء الحسنى؛ فتأمله، وبالله التوفيق» (١).
وقال- أيضًا- ﵀: «إنَّ الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يُطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد والفاعل والصانع، فإن هذه الألفاط لا تدخل في أسمائه، ولهذا غلط من سَمَّاه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفَعَّال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة، ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلًا وخبرًا» (٢).
فالله- تعالى- اختار لنفسه أكمل وأتم ما يكون في المعنى.
فتأمل هذا ويجب أن تتأدب مع أسماء الله ؛ فتنظر إلى جميع أسمائه- تعالى- على أنها تحوي الكمال كله، وعلى أنها هي الغاية في الكمال والحُسن.
فالمعنى: لله أحسن الأسماء وأكملها وأتمها معنى؛ لذا يجب أن نتأدب مع أسماء الله بهذا الأدب، وأن نعتقد الاعتقاد الجازم أن لله تعالى في تلك الأسماء أكمل ما يكون من المعنى، وهذا- أيضًا- متأكد في صفاته كما سيأتي.
وقد ضرب المصنف هنا على هذه القاعدة أمثلة؛ منها: «الحي»؛ فبين أنَّه اسمٌ من أسماء الله تعالى مُتضمن صفة وهي الحياة، وحياة الله- تعالى- هي الحياة الكاملة الدائمة التي لم تُسبق بعدم ولا يلحقها فناء، ولا يعتريها
стр. 43
نقص بأي وجه من الوجوه؛ فتَثبت لله تعالى أكمل ما يكون في هذا المعنى من كمال، وهكذا في سائر أسماء الله تعالى.
وكذلك «العليم»؛ فعلم الله كما قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ﴿الطلاق: ١٢]، فالله عَلِم الأشياء حتى قبل كونها، فعندما خَلَقَ القلم قال له: «اكْتُبْ». قال: رَبِّ، وماذا أكتب؟ قال: «اكْتُبْ مَقاديرَ كلِّ شيء حتى تقومَ السَّاعةُ» (١)، فأمره بكتابة كل شيء، في هذا الكون، فكل ما في هذا الكون هو في علم الله لا تخفى عليه خافية، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ ﴿آل عمران: ٥]، ولا يعزب عن علمه أي شيء، قال : ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يونس: ٦١]، وهذا العِلم لا يُصاحبه نسيان، قال ﷻ : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ﴿مريم: ٦٤]، فعلم الله- ﷻ كامل تام.
وكذلك مع اسم الله: «الرحمن»، واسمه تعالى: «العزيز الحكيم» … ، وسائر أسماء الله لا بد من مراعاة هذه القاعدة.
وتأدُّبك مع جميع أسماء الله تعالى بهذا الأدب، ونظرك إليها على أنها أعلى درجات الكمال- يُحفزك على أن تتأمل في معانيها وفيما دَلَّت عليه مما يليق بالله .
стр. 44
قال المُصَنِّفُ ﵀:
«القاعدة الثانية:
أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دَلَّت عليه من المعاني، وهى بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مُسَمًّى واحد، وهو الله ، وبالاعتبار الثاني متباينة؛ لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص.
فـ «الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم» كلها أسماء لمسمى واحد، وهو الله ، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا.
وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف؛ لدلالة القرآن عليها، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿يونس: ١٠٧]، وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ﴿الكهف: ٥٨]، فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة. ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: عليم إلا لمن له علم، ولا سميع إلا لمن له سمع، ولا بصير إلا لمن له بَصر. وهذا أمر أَبْين من أن يحتاج إلى دليل.
وبهذا عُلِم ضلال مَنْ سلبوا أسماء الله تعالى معانيها من أهل التعطيل، وقالوا: «إن الله تعالى سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عِزَّة»، وهكذا. وعللوا ذلك بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء. وهذه العلة عليلة، بل ميتة؛ لدلالة السَّمع والعقل على بطلانها.
стр. 45
أمَّا السَّمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنه الواحد الأحد؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ﴿البروج: ١٢ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ ﴿الأعلى: ١ - ٥]؛ ففي هذه الآيات الكريمة أوصاف كثيرة لموصوف واحد، ولم يلزم من ثبوتها تعدد القُدماء.
وأمَّا العَقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي مِنْ صفات مَنْ اتصف بها، فهي قائمة به، وكل موجود فلا بد له من تعدد صفاته، ففيه صفة الوجود، وكونه واجب الوجود أو ممكن الوجود، وكونه عينًا قائمًا بنفسه أو وصفًا في غيره.
وبهذا- أيضًا- عُلِم أنَّ «الدَّهر» ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه اسم جامد لا يَتضمن معنى يُلحقه بالأسماء الحسنى، ولأنه اسم للوقت والزمن؛ قال الله تعالى عن منكري البعث: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ﴿الجاثية: ٢٤]، يريدون مرور الليالي والأيام.
فأما قوله ﷺ : قال الله : «يُؤذيني ابنُ آدم؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدهر، بيَدِي الأمر، أُقَلِّب الليلَ والنَّهارَ» (١)، فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله تعالى، وذلك أن الذين يَسُبُّون الدهر؛ إمَّا يريدون الزمان الذي هو مَحل الحوادث، لا يريدون الله تعالى.
فيكون معنى قوله: «وأنا الدَّهر» ما فَسَّره بقوله: «بِيَدِي الأمرُ، أُقَلِّب الليل والنهار»، فهو- سبحانه- خالق الدهر وما فيه، وقد بين أنه يقلب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يُمكن أن يكون المُقَلِّب (بكسر اللام) هو المُقَلَّب (بفتحها)، وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله تعالى».
* * *
стр. 46
الشَّرح
هذه هي القاعدة الثانية من قواعد أسماء الله الحسنى، وهي «أن أسماء الله أعلام وأوصاف».
فكل اسم من أسماء الله له دلالة على الذات، ويتضمن كذلك هذا الاسم معنى من المعاني؛ فالسميع: اسم من أسماء الله الحسنى يدل على ذات الله ، وكذلك متضمن لصفة، وهي صفة السمع، فبالتالي يدل على هذه الصفة.
فهي- أي: الأسماء- أعلام؛ بالاعتبار الأول، وأوصاف بالاعتبار الثاني، أي: باعتبار ما دَلَّت عليه وما تضمنته.
وفي هذه القاعدة عدة مسائل:
المسألة الأولى: أن أهل اللغة فرقوا بين الأعلام والأوصاف، أي: بين أن يكون هذا اللفظ علمًا وبين أن يكون صفة؛ فجعلوا الأعلام جامدة، وجعلوا الأوصاف مشتقة؛ فمثلًا لو أخذت وصفًا وأطلقته اسمًا مثل كريم، وأردت أن تسمي ابنك أو تسمي أخاك به، فتقول: (كريم)، فهذا اللفظ عندما نقلته من الوصفية إلى العلمية قد تجرد من خصائص الوصفية، وأصبح علمًا جامدًا، فأصبحت هذه خاصية للاسم: أنه جامد غير مشتق والصفة مشتقة.
فبالتالي في أسماء المخلوقين يقال: العلمية تنافي الوصفية؛ فيكون العلم جامدًا والوصف مشتقًّا.
стр. 47
ومعلوم أن العلم يختص والوصف يكون مشتركًا، فإذا قلت: فلان من الناس طويل. فهذا وصف مشترك بين جملة من الناس.
فمثلًا: لو قلنا: (فلان طويل) فهذا وصف مشترك بين جملة من الناس، فلا يمكن أن تنادي في جمع كبير من الناس، وتقول: يا طويل؛ لأنه قد يلتفت إليك اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة؛ باعتبار أن هذا وصف مشترك بين كل هؤلاء، والاسم يحمل خاصية الاختصاص، فأنت ما سَمَّيت ابنك (أحمد) مثلًا أو غيرها من الأسماء؛ إلا لتتعين وتتميز. فهذه وظيفة الاسم. يقولون: الاسم هو اللفظ الموضوع للشيء تعيينًا له وتمييزًا، فإذا قلت لك: أحضر آلة التسجيل. فهذا اسم قد أطلقتُه على جهاز مُعَيَّن. إذًا فقد عينت لك ماذا أريد، ومَيَّزته عن غيره من الأجهزة؟
فيقولون: الاسم هو اللفظ الموضوع للشيء تعيينًا له وتمييزًا. فهذه وظيفة الاسم، فبالتالي في أسماء البشر وفي أسماء الخلق هناك منافاة بين العلمية والوصفية.
وبالتالي لا يمكن للصفات أن تؤدي هذه الوظيفة بالنسبة للمخلوق؛ لأن صفات العباد مشتركة بينهم؛ فيتعذر بذلك الاختصاص الذي هو وظيفة الاسم.
وقد أراد المعتزلة (١) أن يدخلوا من هذا الباب، بل أراد أهل الباطل- حتى مِنْ قَبلهم- أن يدخلوا من هذا الباب؛ فمثلًا- والله ذكر هذا: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ﴿الإسراء: ١١٠]، فدعوت فقلت: يا الله. أو قلت: يا رحمن. فكلا الأمرين اسم لله.
стр. 48
والجواب: أن أسماء الله أعلام وأوصاف، «والوصف بها لا ينافي العلمية، بخلاف أوصاف العباد؛ فإنها تُنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة، فنَافتها العلمية المختصة بخلاف أوصافه تعالى» (١)، وذلك لسببين:
السبب الأوَّل: أن أوصاف الله مختصة به ، فكون هذه الأوصاف مختصة به، فعند ذلك في حق الله تعالى لا تنافي بين العلمية والوصفية، فكونها أعلامًا تحمل خاصية الاختصاص، وكونها أوصافًا لا شك أن الوصف يكون بهذا الشكل، فلا تنافي بين أن تكون أعلامًا وأوصافًا؛ لأن أسماءه مختصة به، فلا تنافي بين أن تكون وصفًا وأن تكون اسمًا، فأوصافه مختصة وأسمائه مختصة به، فإذًا ليس هناك تنافٍ من جهة الاختصاص، بخلاف أوصاف العباد فهي مشتركة بينهم؛ فنافتها العلميَّة المختصة.
السبب الثاني: أن أسماء الله الدالة على هذه الأوصاف، هذه الأوصاف الله متصف بها أزلًا، بخلاف أسماء المخلوقين فإنها مستعارة لهم؛ «فقد يُسمَّى الرّجل (حكيما) وهو جاهل، و (حَكَمًا) وهو ظالم، و (عزيرًا) وهو حقير، و (كريمًا) وهو لئيم، و (صالحًا) وهو طالح، و (سعيدًا) وهو شقيٌّ، و (محمودًا) وهو مذموم، و (حبيبًا) وهو بغيض، و (أسدًا وحمارًا وكلبًا) … ، وليس كذلك» (٢).
فهذه أسماء مستعارة لك، ولا يكون هذا في حق الخالق .
«فالله- ﵎ اسمُه- كُلُّ أسمائه سواء، لم يزل كذلك، كان خالقًا قبل المخلوقين، ورازقًا قبل المرزوقين، وعالمًا قبل المعلومين، وسميعًا قبل أن يَسمع أصوات المخلوقين، وبصيرًا قبل أن يَرى أعيانهم مخلوقة (٣).
стр. 49
والمعتزلة أرادوا أن يطبقوا في حقِّ أسماء الله تعالى ما هو الشأن في حق أسماء المخلوقين أخذًا بهذه القاعدة اللغوية، والقاعدة اللغوية مسألة اصطلاحية؛ لكي تفرق بين الاسم والصفة، فجعلت هذا جامدًا وجعلت هذا مشتقًّا. وهذا أمر يختص بمسائل اللغة والنحو وغير ذلك.
أما في حق أسماء الله تعالى وأوصافه فلا تناف، وهذا ما تجده مطبقًا في النصوص؛ فأسماء الله أعلام وأوصاف، وهذا تجده ماثلًا أمامك في النصوص. ففي الاعلام قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ﴿الشورى: ١١]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿التحريم: ٢]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿يونس: ١٠٧]. والذي أخبر بالاسم هو الذي أخبر بالصفة؛ فمثلًا أخبر بـ (الرحيم)، فقال: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ﴿الكهف: ٥٨]، وأخبر بالغفور فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ ﴿فصلت: ٤٣]، وأخبر بالعزيز فقال: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ ﴿فاطر: ١٠]، فالذي أخبر بالاسم أخبر بالصفة، فأين التنافي؟!
وبهذين السببين يتأكَّدُ التَّفريق بين أسماء الخالق وأسماء المخلوقين (١).
فإذا أراد المعتزلي أن يقول: هو سميع بلا سمع، عليم بلا علم، بصير بلا بصر، ليطبق القاعدة النحوية على أسماء الله ! فهذا أمر يتنافى مع النص تنافيًا واضحًا؛ لأن الله تعالى أخبر بهذه الأسماء وأخبر بصفاتها، فلا تنافي بين العلمية والوصفية؛ إذ كل اسم من أسماء الله تعالى يدل على الذات؛ باعتبار أن هذا اسم من أسمائه، ويدل على الصفة باعتبار ما تضمنه الاسم من المعنى الذي نُسميه الصفة.
وبالتالي يجب أن ننظر إلى الأسماء باعتبارين: باعتبار أنها مترادفة. وباعتبار أنها متباينة.
стр. 50
فالألفاظ تنقسم من حيث العلاقة بين اللفظ والمدلول إلى أربعة أقسام:
الألفاظ المترادفة. والألفاظ المشتركة. والألفاظ المتباينة. والألفاظ المتواطئة.
ولا بد من معرفة هذه المصطلحات حتى نستطيع فهم المسألة واستيعابها.
فالمترادف يقابله المشترك.
والمتباين يقابله المتواطئ.
يعني كل نوعين يكاد يُشكلان ضِدَّين.
فأحيانًا اللفظ الواحد يعطيك أكثر من معنى، وأحيانًا المعنى الواحد أو المدلول الواحد تعبر عنه بأكثر من لفظ، فإذا كان المدلول واحدًا، أو المعنى واحد، أو المراد واحد والألفاظ متعددة، فهذا يسمى المترادف؛ مثل: (الأسد) من أسمائه: الأسد والهزبر وأسامة والغضنفر … إلى غير ذلك من أسمائه. و (السيف): من أسمائه: الصارم والحسام والبتار والمهند. فتجد جملة من الألفاظ دالة على شيء واحد. فهذا النوع نسميه المترادف، وهو المراد منها، فإذًا (الله السميع البصير العليم الحكيم)، هذه باعتبار أنها أسماء تكون مترادفة، فإذا كانت الألفاظ متعددة والمدلول واحد، فهذا يسمى بالمترادف.
والمشترك عكسه؛ فاللفظ واحد والمعاني متعددة. فمثلًا: لفظ (العين) يُطلق على الحسد، ويطلق على الجاسوس، ويطلق على عين الماء، ويطلق على العين الباصرة؛ فكل واحدة من هذه تستخدم فيها هذا اللفظ وحده، فتقول: هذا عين للأعداء. هذه عين عذبة. هذه عين حادَّة البصر. أو أصابته عين. فاستخدمت اللفظ الواحد في مَعان عِدَّة. وكذلك (السماء) تطلق على السَّماء الدنيا، وتطلق على السقف، وتطلق على العُلو، وتطلق على المَطر، وتطلق على السحاب. فهذه خمسة معان واللفظ واحد، فيسمى لفظًا مشتركًا، فإذا اتحد اللفظ وتعددت المعاني فهذا يُسَمَّى مشتركًا.
стр. 51
أمَّا المتباين، فكلا اللفظين مختلفان والمعاني مختلفة، فكلما استعملت لفظين اختلفا لفظًا واختلفا مدلولًا، فهذا يسمى متباينًا. فمثلًا: سقف وأرض. وباب ونافذة. فاللفظ متعدد والمعنى متعدد. فهذا يسمى اللفظ المتباين.
والألفاظ المتواطئة عكسها، وهي أن تكون متفقة اللفظ ومتفقة المعنى. فاللفظ واحد والمعنى واحد، لكن هذا النوع ينقسم إلى قسمين:
تواطئ كلي. وتواطئ مشكك.
مثال: التواطئ الكلي. مثلًا نقول إذا تحدثنا عن الجنس: زيد رجل وعمرو رجل. ف
أردنا الجنس هنا، يعني في مقابل الأنثى. فزيد من جنس الرجال وعمرو من جنس الرجال. فلفظة (رجل) استخدمت هنا في حق زيد وفي حق عمرو.
ومثال التواطئ المشكك: نور المصباح ونور الشمس. هذا لأن الضوء الخارج من هذه المصابيح نسميه نورًا، وهذا الضوء المنبعث من الشمس نسميه نورًا، لكن هل النور كالنور؟
فالألفاظ المتواطئة فيها تفاوت في القَدْر والمعنى.
والتواطؤ المشكك يسمى بذلك؛ لأن الإنسان يتشكك: هل هو من هذا الباب أو من قبيل المشترك؟ أمَّا لماذا المشترك وليس المترادف أو المتباين؟ لأن اللفظ واحد، فالمشترك فيه اللفظ واحد والمعاني متعددة، وفي المتواطئ اللفظ واحد والمعنى واحد، لكن إما أن يكون كليًّا، وإما أن يكون مشككًا؛ أي: متفاوتًا في المعنى ومتفاوتًا في القدر، فحتى لو قلت: زيد عالم وخالد عالم. فليسا في قَدْر العلم سواء.
فإذا نظرت إلى أسماء الله باعتبارها أسماء، فهي مترادفة، وإذا نظرت إليها باعتبار أنها احتوت على صفات تكون متباينة؛ لأن العلم غير القدرة، والقدرة غير الخلق، والخلق غير الحياة، والحياة غير السمع، وهكذا، فتجد
стр. 52
أن هذا الاسم باعتبار ما دل عليه من معنى دل على معنى غير الذي دل عليه الاسم الآخر؛ فتكون متباينة.
فإذًا أسماء الله أعلام وأوصاف أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، فهي نَعَمْ أسماء، ونَعَمْ متضمنة لصفات؛ لأنَّ كل اسم من أسماء الله تعالى متضمن لصفة، فليس في أسماء الله- تعالى- اسم جامد.
وهذه قاعدة عند أهل السنة، وإن حاول البعض أن يستثني من ذلك لفظ الجلالة (الله)؛ فيزعم أنه جامد، فليس بجامد.
«كبعض الأشاعرة الذين يُقَسِّمون الأسماء إلى قسمين:
القسم الأول: أسماء مشتقة.
القسم الثاني: أسماء غير مشتقة.
قال البغدادي: «جملة أسمائه قسمان: مشتق وغير مشتق» (١).
فيجعلون اسم (الله) غير مشتق، أي: لا يدل على معنى؛ فيعاملونه معاملة الأسماء الجامدة.
وهذا مخالفة لمذهب أهل السنة الذين يعتقدون بأن أسماء الله جميعها متصفة لمعان، وليس فيها اسم جامد لا يدل على معنى» (٢).
فليس في أسماء الله اسم جامد، وكل أسماء الله متضمنة لصفات؛ فيجب أن يُعلم أن كلَّ اسم من هذه الأسماء دل على صفة.
فإذًا قال المصنف: «أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف:
أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد وهو الله »،
стр. 53
وهذا كما يقول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منها على معنى خاص؛ فـ (الحي العليم القدير السميع البصير الرحمن الرحيم العزيز الحكيم) - كلها أسماء لمسمى واحد، وهو الله ، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير وهكذا.
وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿يونس: ١٠٧] وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ﴿الكهف: ٥٨]».
فالآية الأولى دلت على أنها أسماء، والآية الثانية دلت على أنها صفات؛ فالرحيم هو المتصف بصفة الرحمة، فهذا من حيث الدلالة الشرعية.
ثم من حيث الدلالة اللغوية «لا يقال: عليم لمن لا علم له، ولا سميع لمن لا سمع له، ولا بصير لمن لا بصر له».
فإذًا الدلالة اللغوية والعرفية تجتمع مع الدلالة الشرعية، وهذا كما قال المصنف: «أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل».
وبهذا عُلم ضلال مَنْ سَلبوا أسماء الله تعالى معانيها من أهل الباطل، وهم المعتزلة وليسوا وحدهم، ويدخل معهم طوائف من أهل الكلام؛ فيدخل معهم الزيدية (١)، ويدخل معهم الروافض الإمامية (٢)، ويدخل معهم
стр. 54
الإباضية (١)؛ فتدخل معهم عدة طوائف، لكن المعتزلة هم أشهر هؤلاء الذين قالوا: «سميع بلا سمع، وعليم بلا علم»؛ فجردوا أسماء الله من معانيها، وهذا أمر باطل دَلَّت النصوص على بطلانه.
قال المصنف: «وقالوا: إن الله تعالى سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عزيز بلا عزة، وهكذا»، وعلتهم في ذلك، أي: لماذا جردوها عن الصفات؟ زعمًا منهم أنه يلزم من تعدد الصفات تعدد الذوات.
وهذه بالطبع علة عليلة ميتة، فأصلًا لا يُمكن أن تُعقل صفة إلا قائمة بموصوف، فلو قلت: بياض. فالبياض صفة، هل ترى البياض الآن شيء قائم بذاته، أو يقوم بثوب، أو يقوم في جدار، فهل الصفة يمكن أن تقوم بنفسها، أو لا بد لها من موصوف تقوم به؟!
فلهذا؛ هذه علة ميتة، تدل الأادلة السمعية (أي: من القرآن والسنة) على بطلانها، وكذلك يدل العقل على بطلانها.
أما السَّمع، فمثلًا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ﴿البروج: ١٢ - ١٦]، فهذه أوصاف لواحد، وليس لمتعددين.
стр. 55
فمن الموصوف هنا؟ مَنْ الذي بطشه شديد؟ من الذي يبدئ ويعيد؟ من الغفور الودود؟ من ذو العرش المجيد، من هو؟! هل هم ستة أم واحد؟ بل واحد وهو الله .
وكذلك في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ ﴿الأعلى: ١ - ٥]؛ هل الموصوفون متعددون أو واحد؟ والجواب: الموصوف واحد وهو الله .
فالسمع جاء بجملة كبيرة من النصوص، فيها أوصاف لله تعالى، والموصوف واحد، وهو الله ، ولا يلزم من تعدد هذه الصفات أن تكون هناك عدة آلهة، بل هذه كلها أوصاف لموصوف واحد!
وكذلك أنت فيك عدة أوصاف: مثلًا: الطول، البياض، لون الشعر … فلو عددتُ أوصافك مثلًا فقلت: أنت رجل طويل، وأنت رجل شديد البياض، وأنت رجل مربوع الجسم، هل الآن عددتُك أو وصفتُ شخصًا واحدًا؟
فالموصوف هو شخص واحد.
لذلك هي علة ميتة، ففي الأصل لا يمكن أن تقوم صفة بنفسها. هذا لا يمكن أبدًا، ولا يلزم من تعدد الصفات تعدد الموصوف، أي: تعدد الذات، فقد تكون جملة صفات لموصوف واحد، فكيف يقول هؤلاء: يلزم مِنْ تعدد الصفات تعدد الذوات؟!
هذا ليس بلازم أبدًا، فاستدل المصنف بأدلة السمع، ثم قال: «وأمَّا العقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف»، فلا يُعقل أن الصفة تقوم بنفسها، فليست بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي من صفات مَنْ اتصف بها، فهي قائمة بهذا الموصوف، ونوع هذا الموصوف بحسبه، لكن تقوم بموصوف معين؛ فتتعدد وتكثر، حسب نوع هذا
стр. 56
الذي وصفتَه، فهي قائمة به، «وكل موجود فلا بد له من تعدد صفاته»، والوجود نفسه صفة؛ لأن الشيء إمَّا موجود وإما معدوم، فلإنه موجود، فهذه صفة، فتقول: هذا الشيء موجود، أي: ليس معدومًا، ثم هذا الموجود إما أن يكون واجب الوجود أو ممكن الوجود، كما يسمونه؛ لأنهم يُقسمون الأشياء إلى واجب الوجود- أي: الخالق- وإلى ممكن الوجود وهو المخلوق، فأي شيء موجود لا بد أن يوصف- أولًا- بأنه موجود وليس معدومًا، ثم بعد ذلك يُنظر هل هو واجب الوجود أو ممكن الوجوب؛ فقد يكون واجبًا وقد يكون ممكنًا، فإذا كان خالقًا فهو واجب الوجوب، وإذا كان مخلوقًا فهو ممكن الوجود، وكونه عينًا قائمة بنفسه أو وصفًا في غيره.
فقد يكون الشيء وصفًا للغير، وقد يكون عينًا قائمة بنفسها، فمثلًا: هذا الطلاء موجود في هذا الجدار ولونه أبيض، ويمكن أن تزيله وتجعل مكانه لونًا آخر أخضر أو أزرق أو غير ذلك من الألوان، فيكون قائمًا بهذا الغير، ويكون هذا الشيء من طبيعته أنه يكون بهذا اللون المعين، فسواء كان قائمًا بنفسه أو قائمًا بغيره- فهو وصف بهذا الشيء الموجود، فلا يمكن أن يكون وصفًا بنفسه ويقوم بنفسه، بل لا بد أن يقوم بشيء.
فما نؤمن به ونعتقده: أن أسماء الله أعلام وأوصاف؛ فنحن نؤمن بها أسماء، ونؤمن بما دلت عليه من المعاني، ولا ننكر شيئًا من ذلك، فلا نكذب بشيء مما دلت عليه من المعاني. فالله هو السميع وله صفة السمع، وهو العلي وله صفة العلو، وهو الخالق وله صفة الخلق؛ فنؤمن بهذا اسمًا ونؤمن بهذا صفة.
ونعلم أنه ليس في أسماء الله اسم جامد، ولذلك مَنْ قال: إنَّ من أسمائه الدهر، فكلامه مرجوح.
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: هل الدهر اسم من أسماء الله، أو لا؟
стр. 57
قال القاضي أبو يعلى: «قال حنبل: سمعت هارون الحمَّال يقول لأبي عبد الله- أي: الإمام أحمد-: كنا عند سفيان بن عيينة بمكة فحدثنا أن النبي ﷺ قال: «لا تَسُبُّوا الدهر»؛ فقام فتح بن سهل، فقال: يا أبا محمد، نقول: يا دهر، ارزقنا؟! فسمعت سفيان يقول: خذوه، فإنَّه جهمي، وهرب.
فقال أبو عبد الله: القوم يَرُدُّون الآثارَ عن رسول الله ﷺ ونحن نؤمن بها، ولا نردُّ على رسول الله ﷺ قوله.
وظاهر هذا: أنه أخذ بظاهر الحديث، ويحتمل أن يكون قوله: «ونحن نؤمن بها» راجع إلى أخبار الصفات في الجملة، ولم يرجع إلى هذا الحديث بخاصَّةٍ.
وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله- بن حامد- ﵀ هذا الحديث في كتابه، وقال: لا يجوز أن يُسمَّى الله دهرًا.
والأمر على ما قاله؛ لأنَّه قد رُوي في بعض ألفاظ الحديث ما يَمنع من حمله على ظاهره هذا، ولم يَرد في غيره من أخبار الصفات ما دلَّ على صرفه عن ظاهره، فلهذا وجب حملها على ظاهرها (١)».
فالراجح: أنَّ الدهر ليس من أسماء الله؛ لأنه اسم جامد.
ومن استدل بحديث: «لا تسبُّوا الدهر؛ فإنَّ الله هو الدهر» (٢)، أو بحديث: «يُؤذيني ابنُ آدم؛ يسبُّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقَلِّب الليل والنهار» (٣) - فهذه النصوص لا تدل على أن الله تعالى من أسمائه الدهر، لكن المراد منها: أن هذا الذي كان يقع فيه أهل الجاهلية؛ إذ كانوا يسبون الزمن، ولا يزال إلى الآن بعض الناس يتلفظ بألفاظ فيها إلقاء باللوم على الزمان؛
стр. 58
فنسمع الناس في تعبيرهم يقولون: زمن أغبر. أو ذاك يوم أسود، أو غير ذلك، فالعبارات تختلف والمراد واحد قديمًا وحديثًا، وفيها سبٌّ للدهر، وفي الحقيقة: الدهر هو الوقت والزمان، والوقت والزمان بيد الله هو الذي يُقَدِّر الأمور ويدبرها؛ فمن يقول هذا اللوم، فكأنما يعترض على إرادة الله .
فالشاهد: أنه ليس المراد بهذا أن الدهر اسم من أسماء الله تعالى، لكن المراد أن الله هو الذي يتصرف في هذا الوقت وفي هذا الزمن. ولذلك قال: «وبهذا- أيضًا- عُلم أن (الدهر) ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه اسم جامد، لا يتضمن معنى يُلحقه بالأسماء الحسنى؛ ولأنه اسم للوقت والزمن؛ قال الله تعالى عن منكري البعث: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ﴿الجاثية: ٢٤]؛ يريدون مرور الليالي والأيام.
فأما قوله ﷺ قال الله : «يُؤذيني ابنُ آدم يسبُّ الدهر، وأنا الدهر بِيَدِي الأمر، أُقَلِّب الليل والنهار» - فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله تعالى، وذلك أن الذين يسبون الدهر إنَّما يريدون الزمان الذي هو مَحل الحوادث»؛ الذي هو الوقت والزمن الذي تكون فيه مجريات هذه الأمور، والحوادث جارية فيه، و «لا يريدون الله تعالى؛ فيكون معنى قوله: «وأنا الدهر» ما فسَّره بقوله: «بِيَدِي الأمرُ؛ أُقَلِّب الليل والنهار»، فالمراد منها: أن الله هو المتصرف في هذا الوقت وفي هذا الزمن، «فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه، وقد بَيَّن أنه يُقَلِّب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يُمكن أن يكون المُقَلِّب هو المُقَلَّب، وبهذا تَبَيَّن أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله تعالى».
فإذًا (الدهر) ليس من أسماء الله تعالى الحسنى؛ لأنه اسم جامد، وأسماء الله تعالى ليس فيها اسم جامد، بل كلها دالة على معان؛ لأنَّها أعلام وأوصاف.
فعلينا أن نفهم هذه القاعدة، وأن نُطبقها اعتقادًا وعملًا.
стр. 59
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الثالثة:
أسماءُ الله- تعالى- إن دلَّت على وصفٍ مُتعدٍّ تضمَّنت ثلاثة أمور:
أحدها: ثُبوت ذلك الاسم لله .
الثاني: ثُبوت الصِّفة التي تضمَّنها لله .
الثالث: ثُبوت حُكمها ومقتضاها.
ولهذا استدل أهلُ العلم على سقوط الحدِّ عن قُطَّاع الطريق بالتوبة، استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]؛ لأنَّ مُقتضى هذين الاسمين أن يكون الله تعالى قد غفر لهم ذنوبهم، ورحمهم بإسقاط الحد عنهم.
مثال ذلك: «السَّميع» يَتضمن إثبات السَّميع اسمًا لله تعالى، وإثبات السَّمع صِفة له، وإثبات حكم ذلك ومُقتضاه، وهو أنه يَسمع السِّرَّ والنَّجوى، كما قال تعالى ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].
الشرح
أي: إذا تقرَّر أن أسماء الله أعلام وأنها أوصاف، فلا بد أن تنظر إلى هذه الأوصاف: هل هي أوصاف لازمة أو أوصاف متعدية؟
стр. 60
فلو نظرت إليها باعتبار أنها أوصاف لله تعالى ؛ فـ (الحيُّ): اسمٌ، ومتضمن للحياة، والحياة: صفة. و (السَّميع): اسم، ومتضمن للسمع، والسَّمع: صفة.
فهي كلها صفات، لكن من الصفات:
- ما هو لازم، بمعنى: أنه يختص بالله دون أن يتعدى إلى المخلوق.
لكن هناك ما يسمى (الأثر)؛ فأنت لما تُثبت أنه الحي وله صفة الحياة، فهذا يعطي العظمة والكمال لله ، لكن الحكم لا يتأتى هنا (أي: الفعل) لا يأتي من (الحي)، بل يُقتصر على الاسم والصفة.
- ومنها ما هو مُتعد، أي: ما له تعلق بالمخلوق، بمعنى: أنه قد تعدى للمخلوق؛ فـ (الحي) غير (المحيي). فـ (الحيُّ) حياته هو ، فهذا غير متعد. و (المحيي) متعدي؛ لأنَّ إحياءه للمخلوق.
إذا فهمت هذا الاعتبار أمكن أن تفصل بين بعض أسماء الله وغيرها.
فإذا كان وصفًا لازمًا فله اعتبار، وإذا كان وصفًا متعديًا فله اعتبار.
فنحن آمنا بأسماء الله، وآمنا بأن هذه الأسماء متضمنة للصفات، ثم آمنا بأن هذه الصفات منها ما هو كذا ومنها ما هو كذا، فإذا كان من النوع الأول الذي دل على وصف متعد؛ فيلزمك ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن تُثبت هذا الاسم لله؛ فمثلًا: تقول: (السميع) من أسماء الله تعالى، وأنا أومن بأنه من أسمائه .
الأمر الثاني: أن تؤمن بأن من صفاته : السَّمع؛ لأن (السميع) تضمَّن معنى السمع؛ فتؤمن بثبوت الصفة التي هي السَّمع.
الأمر الثالث: أن تُثبت الحكم والمُقتضى، وهو أنَّ الله يسمعنا، كما قال تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما﴾.
стр. 61
وهكذا (العليم) ننظر هل هو متعد أو لازم؟
فـ (العليم) اسم، والعلم صفة، إذًا الله يَعلم، كما قال تعالى: ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾، فتعدى، وهكذا.
فإذًا نحن نثبت الاسم، ونثبت الصفة، ونثبت الحكم والمقتضى، وهذا الحكم والمقتضى نسمِّيه أحيانًا (الفعل)؛ فنُثبت هذا الفعل.
قال المصنف: «ولهذا استدل أهلُ العلم على سقوط الحدِّ عن قُطَّاع الطريق بالتوبة، استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]»؛ أي: بما أنه غفور رحيم، فعند ذلك يسقط الحد عن الذي تاب من قُطَّاع الطرق قبل أن يُقدر عليه؛ بمعنى (يُقبض عليه وهو متلبي بهذا الشيء).
فمقتضى هذين الاسمين: أن يكون الله قد غَفر لهم ذنبَهم، ورحمهم بإسقاط الحدِّ عنهم.
стр. 62
قال المصنف ﵀:
«وإن دَلَّت على وصف غير متعدٍّ تضمنت أمرين:
أحدهما: ثُبوت ذلك الاسم لله .
الثاني: ثُبوت الصِّفة التي تضمنها لله .
مثال ذلك: (الحي) يتضمن إثبات الحيِّ اسمًا لله ، وإثبات الحياة صِفَةً له.
الشرح
أسماء الله تعالى إن دَلَّت على وصف متعدٍّ تضمَّنت ثلاثة أمور:
أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله .
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله .
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.
وإن دَلَّت على وصف غير متعد تضمنت أمرين:
أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله .
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله .
مثال ذلك:
أ- مثال للاسم الذي دل على وصف متعدٍّ: (السميع).
١ - يتضمن إثبات (السميع) اسمًا لله تعالى.
٢ - وإثبات (السمع) صفة له.
٣ - وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يَسمع السِّر والنَّجوى؛ كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
стр. 63
ب- مثال للاسم الذي دلَّ على وصف غير متعدٍّ: (الحيُّ):
١ - يتضمن إثبات (الحيِّ) اسمًا لله .
٢ - إثبات (الحياة) صفة له.
وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: «إن الاسم إذا أُطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل؛ فيخبر عنه فعلًا ومصدرًا نحو: (السميع)، (البصير)، (القدير) يُطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة، ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، وهذا إذا كان الفعل متعديًا.
فإن كان لازمًا لم يُخبر عنه به، نحو (الحي)، بل يُطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل، فلا يُقال: (حيي) (١).
стр. 64
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الرابعة
دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة، وبالتضمُّن، وبالالتزام.
مثال ذلك: (الخالق) يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذَّات وحدها، وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمُّن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام.
ولهذا لما ذكر اللهُ خلق السماوات والأرض قال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾.
ودلالة الالتزام مفيدة جدًّا لطالب العلم إذا تدبَّر المعنى، ووفَّقه الله تعالى فَهْمًا للتلازم، فإنه بذلك يحصل من الدليل الواحد على مسائل كثيرة.
واعلم أنَّ اللازم من قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ إذا صحَّ أن يكون لازمًا فهو حق، وذلك لأنَّ كلام الله ورسوله حقٌّ، ولازمُ الحقِّ حقٌّ، ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازمًا من كلامه وكلام رسوله؛ فيكون مرادًا.
وأمَّا اللازم من قول أحد سِوى قول الله ورسوله، فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يذكر للقائل ويلتزم به؛ مثل أن يقول: مَنْ ينفى الصِّفات الفعلية لمن يثبتها، يلزم من إثباتك الصفات الفعلية لله عز وجل
стр. 65
أن يكون من أفعاله ما هو حادث. فيقول المثبت: نعم، وأنا ألتزم بذلك، فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعَّالًا لما يريد، ولا نَفاد لأقواله وأفعاله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وحدوث آحاد فعله تعالى لا يستلزم نقصًا في حقه.
الحال الثانية: أن يذكر له ويمنع التلازم بينه وبين قوله؛ مثل: أن يقول النافي للصفات لمن يُثبتها: يلزم من إثباتك أن يكون الله تعالى مشابهًا للخلق في صفاته!
فيقول المثبت: لا يلزم ذلك؛ لأن صفات الخالق مُضافة إليه، لم تُذكر مطلقة حتى يمكن ما ألزمت به، وعلى هذا فتكون مختصة به لائقة به، كما أنك- أيها النَّافي- للصفات تثبت لله تعالى ذاتًا وتمنع أن يكون مشابهًا للخلق في ذاته، فأيُّ فرق بين الذات والصفات؟ وحكم اللازم في هاتين الحالين ظاهر.
الحال الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتًا عنه، فلا يذكر بالتزام ولا منع، فحكمُه في هذه الحال: أن لا يُنسب إلى القائل؛ لأنه يحتمل لو ذكر له أن يلتزم به أو يمنع التلازم، ويحتمل لو ذكر له فتَبيَّن له لزومه وبطلانه أن يرجع عن قوله؛ لأن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
ولورود هذين الاحتمالين لا يمكن الحكم بأن لازم القول قول.
стр. 66
فإن قيل: إذا كان هذا اللازم لازمًا من قوله- لزم أن يكون قولًا له؛ لأن ذلك هو الأصل، لا سيما مع قرب التلازم. قلنا: هذا مدفوع بأن الإنسان بشر. وله حالات نفسية وخارجية توجب الذُّهول عن اللازم، فقد يَغفل أو يسهو، أو يَنغلق فكره، أو يقول القول في مَضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه ونحو ذلك.
الشرح
لفظ (دلالة) لفظ ثلاثي، أي: يجوز في داله الفتح أو الكسر أو الضم، لكن أصحها الفتح، ثم الكسر، ثم الضم أضعفها.
فكل اسم من أسمائه- تعالى- له دلالاتٌ:
دلالة على الذَّات والصفة بالمطابقة.
ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم.
ويتضح ذلك بما يلي:
أوَّلًا: بيان أقسام الدلالات اللفظية: تنقسم الدلالات اللفظية إلى ثلاثة أقسام:
١ - دلالة المطابقة.
٢ - دلالة التضمُّن.
٣ - دلالة الالتزام.
وذلك لأنَّ الكلام إمَّا أن يُساق ليدل على تمام معناه.
وإما أن يساق ليدل على بعض معناه.
وإما أن يساق ليدل على معنى آخر خارج عن معناه إلَّا أنه لازم له.
فدلالة اللفظ على تمام معناه تسمى دلالة (مطابقة)، وسُمِّيت مطابقة؛ للتَّطابق الحاصل بين معنى اللفظ وبين الفهم الذي استفيد منه.
стр. 67
ودلالة اللفظ على بعض معناه تسمى دلالة (تضمُّن)، وسُمِّيت دلالة تضمن؛ لأنَّ اللفظ قد تضمن معنى آخر إضافة إلى المعنى الذي فُهم منه.
ودلالة اللفظ على معنى خارج عن معناه إلا أنه لازم له- تسمى دلالة (التزام)، وسُمِّيت دلالة التزام؛ لأن المعنى المستفاد لم يدل عليه اللفظ مباشرة، ولكن معناه يلزم منه هذا المعنى المستفاد.
الأمثلة:
أ- مثال لدلالة المطابقة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، فلفظة (البقرة): اسم جنس سيق ليدل على تمام معناه، وهو الحيوان المعروف، فأيَّةُ بقرة كانت كافية لتنفيذ الأمر لو ذبحها بنو إسرائيل، ولكنهم شدَّدوا على أنفسهم في طلب التعيين، فشدَّد الله عليهم.
ب- مثال لدلالة التضمُّنـ كأن يقول إنسان: أنا عالم بالفرائض وتقسيم المواريث.
فنقول له: بَيِّن لنا إذن أحكام الجَد مع الإخوة؟
فيقول: أنا لم أقل لكم: إنني أعلم هذه الأحكام.
فنقول له: لقد تضمنت دعواك العلم بالفرائض وتقسيم المواريث: أنك عالم بأحكام الجَد مع الإخوة، وقد فهمنا هذا من كلامك عن طريق الدلالة التضمُّنية.
ج- مثالٌ لدلالة الالتزام: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فإنَّ قالَه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الواقع في جواب الشرط- يدل عن طريق الدلالة الالتزامية على أنَّ الله يغفر لكم ويرحمكم؛ إن أنتم عفوتم وصفحتم وغفرتم، مع أن هذا المعنى غير مدلول عليه بمنطوق اللفظ، ولكن يلزم من كونه غفورًا رحيمًا أن يُكافئ أهلَ العفو والصفح
стр. 68
والمغفرة بالرحمة والغفران؛ ولذلك حصل الاكتفاء في جواب الشرط بذكر هذين الوصفين دون التَّصريح للازمهما.
فتلاحظ دلالة الالتزام في هذا في قوله تعالى: ﴿وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾، فلازم إن عفوتَ وصفحتَ وغفرت أن يغفر الله لك.
ثانيًا: تطبيق الدَّلالات الثلاث على أسماء الله تعالى:
قال ابنُ القيم: «إنَّ الاسم من أسمائه- ﵎ كما يدل على الذات والصفة التى اشتق منها بالمطابقة، فإنه يدل عليه دلالتين أُخريين بالتضمُّن واللزوم.
فيدل على الصفة بمفردها بالتضمُّن، وكذلك على الذات المجردة على الصفة،
ويدل على الصفة الأخرى باللزوم.
الأمثلة:
أ - (الخالق) يدل على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة.
ويدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن.
ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾، ذلك لأنَّ العلم والقدرة لازمان للخلق.
مثال آخر: (السَّميع) يدلُّ على ذات الرب وسمعه بالمطابقة.
وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن.
فاسمه تعالى (السميع) دل على ذت الله، وتضمن إثبات صفة السمع لله، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع السِّرَّ والنَّجوى، كما قال: ﴿والله يسمع تحاوركما﴾.
стр. 69
ويدل على اسم (الحيِّ) وصفة الحياة بالالتزام.
وكذلك سائر أسمائه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأسماؤه كلها مُتَّفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كلُّ اسم يدل على معنى مِنْ صفاته ليس هو المعنى الذي دل على الاسم الآخر؛ فـ (العزيز) يدل على نفسه مع عِزَّته.
و (الخالق) يدل على نفسه مع خلقه.
و (الرَّحيم) يدل على نفسه مع رحمتها.
ونفسُه تستلزم جميع صفاته؛ فصار كلُّ اسم يدل على ذاته والصفة المختصة به بطريق المطابقة، وعلى أحدهما بطريق التضمن، وعلى الصفة الأخرى بطريق اللزوم» (١).
وقال الشيخ حافظ حكمي: «واعلم أنَّ دلالةَ أسماء الله- تعالى- حقٌّ على حقيقتها؛ مطابقة وتضمُّنًا والتزامًا.
فدلالة اسمه تعالى: (الرحمن) على ذاته مطابقة، وعلى صفة الرحمة تضمُّنًا، وعلى الحياة وغيرها التزامًا.
وهكذا سائر أسمائه ﵎.
وليست أسماء الله تعالى غيره، كما يقولُه المُلحدون في أسمائه؛ تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.
فإنَّ الله هو الإله، وما سِوَاه عبيدٌ.
وهو الربُّ، وما سواه مَربوب.
وهو الخالق، وما سواه مخلوق.
وهو الأول فليس قبله شيء، وما سِواه محدث كائن بعد أن لم يَكن.
стр. 70
وهو الآخر الباقي فليس بعده شيء، وما سواه فانٍ.
فلو كانت أسماء الله تعالى غيره- كما زعموا- لكانت مخلوقة مَربوبة محدثة فانية؛ إذ كل ما سواه كذلك؛ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا» (١).
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: «الدلالة نوعان:
١ - لفظية. ٢ - معنوية عقلية.
فإن أعطيتَ اللفظَ جميعَ ما دخل فيه من المعاني فهي دلالة مطابقة؛ لأن اللفظ طابق المعنى من غير زيادة ولا نقصان.
وإن أعطيته بعضَ المعنى فتُسمى دلالة تضمن؛ لأن المعنى المذكور بعض اللفظ وداخل في ضمنه.
وأمَّا الدلالة المعنوية العقلية فهي خاص بالعقل والفِكر الصحيح؛ لأن اللفظ بمجرَّده لا يدل عليها، وإنما يَنظر العبد ويتأمل في المعاني اللازمة لذلك اللفظ الذي لا يتم معناها بدونه وما يشترط له من الشروط، وهذا يجري في جميع الأسماء الحسنى، كل واحد منها يدل على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ويدل على الصفة الأخرى اللازمة لتلك المعاني دلالة التزام، مثال ذلك: (الرَّحمن) يدل على الذات وحدها. وعلى الرحمة وحدها دلالة تضمن. وعلى الأمرين دلالة مطابقة. ويدل على الحياة الكاملة والعلم المحيط والقدرة التامة ونحوها دلالة التزام؛ لأنه لا توجد الرحمة من دون حياة الرَّاحم وقُدرته الموصِّلة لرحمته للمرحوم وعلمه به وبحاجته.
وكذلك ما تقدم من استلزام (المَلِك) جميعَ صفات المُلْك الكامل، واستلزام (الرَّب) لصفات الربوبية، و (الله) لصفات الألوهية، وهي صفات
стр. 71
كمال كلها، وكثير من أسمائه الحسنى يَستلزم عِدَّة أوصاف؛ كالكبير، والعظيم، والمجيد، والحميد، والصَّمد، فهذه قاعدةٌ نافعةٌ» (١).
قال ابن القيم: «الاسم من أسمائه له دلالات: دلالة على الذات، والصفة بالمطابقة، ودلالة على أحدهما بالتضمن، ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم» (٢).
وهذه القاعدة لا تختص بأسماء الله فقط، بل كل لفظ فإنه يدل على المعنى بالمطابقة والتضمن والالتزام، وعليه؛ فأنواع الدلالات ثلاثة:
دلالة المطابقة: وهي أن يدل اللفظ على جميع أجزاء معناه وأفراده.
ودلالة التضمن، فمعناها: دلالة اللفظ على جزء معناه.
وأما دلالة الالتزام، فمعناها: دلالة اللفظ على شيء خارج عنه، لكنه لا ينفك عنه، بل هو مرتبط به ارتباطًا وثيقًا (٣).
فالأسماء دلالتها مطابقة وتضمن والتزام:
١ - فدلالتها على الذات والصفة دلالة مطابقة.
٢ - ودلالتها على الصفة وحدها دلالة تضمُّن.
٣ - ودلالتها على الصفات الأخرى دلالة التزام.
ثم ضرب مثالًا لذلك باسم الله: (الخالق)؛ فهو:
١ - يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة.
٢ - ويدل على صفة الخلق بالتضمن.
стр. 72
٣ - ويستلزم الإرادة والعلم والقدرة.
ويُوضِّح الشيخ خليل هراس ذلك التقسيم فيقول: «يُقَسِّم المناطقة دلالة اللفظ الموضوع لمعنى إلى ثلاثة أقسام: مطابقة. وتضمُّن. والتزام، وذلك لأنَّه إن قُصد باللفظ الدلالة على تمام المعنى فمطابقة؛ لتطابق اللفظ والمعنى، أي: توافقهما. وإن قُصد به الدلالة على جزء ذلك المعنى فتضمُّن؛ لأن ذلك الجزء داخل في ضمن المعنى الموضوع له، وإن قُصِد به الدلالة على لازم ذلك المعنى فالتزام. وهذا التقسيم جارٍ في دلالة الأسماء الحسنى على معانيها؛ فكلٌّ منها يدل بالمطابقة على مجموع الذات والصفة التي اشتُّق منها؛ فعليم دالٌّ بالمطابقة على ذاتٍ ثَبَت لها العِلم، وحيٌّ دال بالمطابقة على ذات وحياة، وهكذا.
وأمَّا دلالته على الذات وحدها أو على الصفة وحدها فتضمُّن؛ لأن كلًّا منهما جزء لمعنى الاسم داخل في ضمنه. وأما دلالته على صفة للذات غير الصفة التي اشتق هو منها فدلالة التزام قريب من متناول العقل» (١).
وقد بَيَّن الله ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
فالخالق لا يمكن أن يخلق إلا وهو يعلم كيف سيخلق، والخالق لا يمكن أن يخلق إلا وهو قادر على أن يخلق، ونحن نعلم أنه لو أراد أحد أن يصنع شيئًا وهو لا يَعلم، فإنه لا يستطيع، ولو كان يعلم ولا يريد فإنه كذلك لا يستطيع.
إذًا فكلمة (خالق) تدل على ذات خالقة، وتدل على (خلق)، وتدل على (علم)، وتدل على (قدرة)، فدلالتها على ذات الخالق وعلى الخلق «دلالة
стр. 73
مطابقة»، ودلالتها على ذات الخالق فقط «دلالة تضمن»، ودلالتها على الخلق وحده «دلالة تضمن»، ودلالتها على العلم والقدرة «دلالة التزام»، ولهذا لما خلق الله السموات والأرض في قوله: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن﴾ قال بعد ذلك: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا﴾، أي: أن الله هو الخالق، وقد خلق بقدرة وعلم، فلولا القدرة لما خلق، ولولا العلم لما خلق (١).
* * *
стр. 74
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الخامسة
أسماء الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها.
وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسُّنَّة، فلا يزاد فيها ولا يُنقص؛ لأن العقل لا يُمكنه إدراك ما يستحقُّه تعالى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النَّصِّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، ولأن تسميته- تعالى- بما لم يُسَمِّ به نفسَه أو إنكار ما سَمَّى به نفسه جناية في حقِّه تعالى؛ فوجب سُلوك الأدب في ذلك، والاقتصار على ما جاء به النَّص».
الشرح
من الأمور المُتقررة في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في باب أسماء الله الحسنى: أن من ضابط أسماء الله الحسنى: وُرود النَّصِّ بذلك الاسم؛ فلا يُسَمَّ الله إلا بما سَمَّى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ .
أ- فمعنى كون أسماء الله توقيفية: أي: يجب الوقوف في أسماء الله على ما ورد ذكره في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة لا نَزيد على ذلك ولا ننقص منه.
стр. 75
ولذلك يرى السلفُ أنَّ مِنْ أحكام باب الأسماء ما يلي:
١ - إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء الحسنى الواردة قي نصوص القرآن والسنة الصحيحة.
٢ - ألَّا نَنفي عن الله ما سَمَّى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ .
٣ - ألا نُسَمِّي الله بما لم يُسَمِّ به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ .
وذلك لأنَّه لا طريق إلى معرفة أسماء الله- ﵎ إلَّا مِنْ طريق واحد هو طريق الخبر (أي: الكتاب والسُّنَّة).
ب- ومِن أقوال أهل العلم في تقرير هذه المسألة ما يلي:
قال ابن القيم ﵀: «أسماء الله تعالى هي أحسن الأسماء وأكملها؛ فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها مقامها ولايؤدي معناها.
وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرًا بمرادف محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم.
فإذا عرفتَ هذا فله مِنْ كلِّ صفة كمال أحسنُ اسم وأكملُه وأتمُّه معنى، وأبعده عن شائبة عيب أو نقص.
فله من صفة الإدراكات:
العليم الخبير دون العاقل الفقيه.
والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر.
ومن صفات الإحسان:
البَر الرحيم الودود دون الرَّفيق والشفوق ونحوهما.
وكذلك العَلِي العظيم دون الرفيع الشريف.
وكذلك الكريم دون السَّخي.
والخالق البارئ المصور دون الفاعل الصانع المُشَكِّل.